تسجيل الدخول

فضائل القرآن "لابن كثير" | المجلس الثامن

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الثامن في تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإلامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. وقد عقد ابن كثير رحمه الله عليه فصلا تتمة للباب السابق باب من لم يتغنى بالقران، ذكر فيه مجموعة من الأحاديث وآل آثار التي تدل على أهمية تحسين الصوت بالقران وكيف أن الله سبحانه وتعالى يقبل على ذلك العبد الذي يقرأ القرآن بصوت حسن، لكن بعيدا عن التكلف والقراءة بالألحان على ما سيأتي بيانه باذني الله.

ذكر الحديث الأول من كتاب فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام، قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح عن قباث بن رزين عن علي بن رباح اللخمي عن عقبة بن عامر: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ونحن في المسجد نتدارس القرآن. وهنا انظروا أحبابي كيف أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يحرصون على أن يتدارسوا كتاب الله سبحانه وتعالى فيما بينهم في المساجد. فقال صلى الله عليه وسلم عندما رأى هذا الجمع المهيب من الصحابة يتدارسون القرآن وينشغلون به: تعلموا كتاب الله واقتنوا. وقال وحسبت أنه قال: وتغنوا به. أي على هذه الرواية في خلاف هل قال النبي صلى الله عليه وسلم تعلموا كتاب الله واقتنوا أم قال تعلموا كتاب الله وتغنوا به. هناك خلاف لكن سياتي معنا هناك حديث آخر الحديث الذي يليه مباشرة جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين اللفظتين بين لفظة اقتنوا وتغنوا به. إذا تعلموا كتاب الله واقتنوا، ما معنى الاقتناء أي أن تجعل كتاب الله سبحانه وتعالى كالمال الذي تقتنيه وتهتم به وتكون حريصا على حاله. وهذه من المعاني الشريفة التي ينتبه إليها في هذا الحديث، أن المسلم عليه أن يكون حريصا على كتاب الله سبحانه وتعالى، الشعور بذلك الحرص هذا من سمات أهل الإيمان؛ لأن كثيرا من الناس حتى ممن يقرؤون القرآن ومن أهل الدين لا تجد عنده ذلك الشغف، ذلك الإقبال، تلك النهمة على كتاب الله سبحانه وتعالى، وليس هذا بحال كامل أهل الكمال في الإيمان، الذين يقتنون كتاب الله سبحانه. ما معنى أن أقتني كتاب الله؟ أن أعامله معاملة الأموال التي أقتنيها من حيث الاهتمام به وتفقده والانتباه لحاله في قلبي وفي علاقتي معه ولا أكون هاجرا له.

وأما على الرواية الأخرى وتغنوا به فهذا هو المقصد من هذا الحديث أهمية التغني بالقران أي تحسين الصوت في قراءته. قال صلى الله عليه وسلم: فو الذي نفسي بيده لهو أشد تفلتا من المخاض. المخاض هي الناقة الحامل. لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل. العقل هو الرباط. الناقة التي تكون معقولة أي مربوطة تكون دائما تجول وتحاول أن تخلص نفسها وأن تفلت نفسها من هذا العقال من هذا الرباط. فالنبي صلى الله عليه وسلم يخبر أنه من لم ينشغل بالقران، من لم يتخذ القرآن يعتني به ويتفقد سيذهب من هذا القرآن. القرآن لا ينتظرك، إذا كنت مهملا القرآن سيغادر، عليك أنت أن تتفقد القرآن في قلبك. فهو الذي نفسي بيديه لهو أشد تفلتا من المخاض من العقل، كيف الناقة الحامل تحاول أن تفلت من عقالها، كذلك القرآن من لم يكن حريصا عليه القرآن سيذهب منه.

وهناك سند آخر لهذا الحديث قال أبو عبيد: حدثنا عبد الله بن صالح الحديث إلى عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الحديث السابق إلا أنه جمع بين اللفظتين كما قلت، قال صلى الله عليه وسلم: واقتنوا وتغنوا به. وكلا المعنيين شريف، لذلك قال: ولم يشك أي هذا الحديث الآخر ما في شك هل قال اقتنوها، الإسناد الآخر بدون شك أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظتين. طيب، وفي بعض ألفاظه: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقرا القرآن فسلم علينا. لماذا ذكر ابن كثير هذه الرواية أو هذه اللفظة أنه جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث خرج علينا أي النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا؟ يقول ابن كثير فيه دلالة على السلام على القارئ وهذه مسألة اختلف فيها الفقهاء. إذا وجدت شخصا يقرأ القرآن ودخلت عليه مسجدا أو بيتا هل أسلم عليه أم لا يشرع السلام في تلك الحالة حتى لا أقطعه عن القرآن؟ ذهب جمع من الفقهاء أن الإنسان إذا دخل على رجل وهو يقرأ القرآن لا يسلم عليه حتى لا يشغله عن قراءة القرآن، وذهب بعضهم إلى أنه لا يشرع السلام على قارئ القرآن واستدلوا بهذا الحديث: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا. فهنا استنبط ابن كثير رحمه الله عليه أن في هذا اللفظ دلالة على جواز السلام على أو على مشروعية السلام على قارئ القرآن.

ثم قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا أبو اليمان الحديث بسنده عن المهاجر بن حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعا المهاجر بن حبيب ليس صحابيا، بالتالي لما يقول المهاجر بن حبيب قال صلى الله عليه وسلم معناه هناك انقطاع، هناك حلقه مفقودة من هذا الحديث، الحديث مرسل. لكن عموما الحديث المرسل تقبله طائفة كبيرة من أهل العلم. قال صلى الله عليه وسلم: يا أهل القرآن، اسمعوا هذا الحديث، يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن وتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وتغنوا واقنِعوا واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون. انظروا إلى هذا الحديث يا أهل القرآن، لا توسدوا القرآن، ما معنى لا توسدوا القرآن؟ أي لا تناموا عن القرآن في الليل، اجعلوا أي للقران نصيب من الليل، أما أن يبقى الإنسان نائما طوال ليله هاجرا لكلام ربه سبحانه فليس هذا من كمالات أهل الإيمان. لا توسدوا القرآن أي لا تناموا عنه وتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار وتغنوا أي حسنوا صوتكم به، واقنِعوا أي اتخذوه كالقنفذ تقتنوه وتعتنوا به. وهنا لاحظوا أيضا أنه جمع بين التغني به واقتنائه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون.

قال أبو عبيد: تغنوا. لا، لاحظ أبو عبيد هنا فسر كلمة تغنوا ليس على المعنى المشهور عند المحدثين وهو تحسين الصوت به، بل على المعنى الذي ذكرناه عن سفيان بن عيينة في مجلس البارحة، وهو أن المراد بغنوه أي اجعلوه غناكم من الفقري أي استغنوا به عما سواه. وهذا من التفاسير أيضا المعروفة عند السلف لكلمه وتغنوا أو كلمة التغني بالقرآن. فتغني بالقران أو تغنى بالقران هذه الألفاظ التي وردت في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم اختلف السلف في تفسيرها، كما ذكرنا في المجلس السابق، منهم من حمل التغني بالقرآن وامر النبي صلى الله عليه وسلم بالتغني به على معنى تحسين الصوت به، وهذا هو المشهور وهذا هو الذي نصره ابن كثير في كتابه هنا. وهناك بعض الأئمة رضوان الله عليهم فسروا التغني بالقرآن أي الاستغناء به الشعور معه بالغنى أنني مكتف به لا أحتاد إلى غيره، ولعل هذا المعنى هو ظاهر فهم البخاري رحمه الله تعالى عليه، ونلاحظ أن أبا عبيد مال إلى هذا الفهم أن التغني المراد أن يجعلوه غناكم من الفقر. وفي الحقيقة كلا المعنيين شريف، فالتغني مامور به أي تحسين الصوت بالقران دلت عليه الآثار والأحاديث، والاستغناء بالقران عن غيره من كلام البشر وأن يكون الإنسان منشغلا به عما سواه أيضا من المعاني الشريفة، فكلا المعنيين شريف، لكن الأظهر والاشهر أن المراد بالتغني هو تحسين الصوت به. وقوله واقنِعوا أي اقتنوه كما تقتنون الأموال أي يجعلوه من أموالكم وهذا بيناه لكم.

قال أبو عبيد: ذكر الحديث باسناده عن فضالة بن عبيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، انظروا هذا الحديث أحبابي الذي يدل على فضيلة قراءة القرآن، قال صلى الله عليه وسلم: الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقران من صاحب القينة إلى قينته. صاحب القينة أي الرجل الذي عنده جارية تغنيه عند العرب، وفي يعني خلينا نقول في القرون السابقة كان هناك الإماء المغنيات، وكان أصحاب رؤوس الأموال يشترون الإماء المغنيات لتغني له، ويجلس هو يطرب على سماع صوتها. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول للصحابة: لا، الله أشد أذنا أي أشد استماعا وإنصاتا للرجل الحسن الصوت بالقران من أنصات صاحب القينة أي صاحب الجارية المغنية لجاريته وهي تغني له. وانظروا إلى هذا الشرف أحبابي، كيف أن الله جل في علاه وهو مستو على عرشه فوق سماواته يقبل على ذلك العبد الذي يتلو القرآن بصوت حسن، الله يقبل عليك، لا تتكلم عن إقبال مسؤول، ولا تتكلم عن رجل من أهل الدنيا، أنت تتكلم عن إقبال خالق الاكوان عليك يا قارئ القرآن إذا حسنت صوتك به. وأكرم وأنعم وأجل به من إقبال منه سبحانه وتعالى. وجاء الحديث أيضا: الله أشد أذنا إلى الرجل الحسن الصوت بالقران من صاحب القينة إلى قينته، أي أن الله يستمع له ويقبل عليه في ذلك الاستماع. وهذا من اهتمام الله سبحانه وتعالى بكتابه، يعني أنت إذا انتبهت أن الله سبحانه وتعالى يحب أن يسمع القرآن من عبيده.

وجاء أيضا في بعض الآثار، وقال أبو القاسم البغوي: ذكر الحديث حدثنا محمد بن حميت، هذا الحديث حقيقة ضعيف حديث أبو القاسم البغوي حدثنا محمد بن ما. يتغنوا بالقران، ليس منا من لم يتغن بالقران، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا. الحديث ضعيف حقيقة ب ذكر أنه واهن، لذلك سأنتقل إلى الحديث الذي يليه. قال صلى الله عليه وسلم حديث سعد بن أبي وقاص، قال صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغنى بالقران. لاحظوا يعني الكلام شديد عن أهمية التغني وتحسين الصوت. المراد بالتغني أي تحسين الصوت وأن يجاهد الإنسان أن يخرج القرآن غضا طريا، ما يكون الإنسان يقرأ القرآن هذرمة، لأن قراءة الهذرمة من دون تغن ودون تكلف في تحسين الصوت يعني تبعد أثر القرآن عن قلب الإنسان. تحسين الصوت والاعتناء والاحتفاء بكلام الله سبحانه وتعالى هذا من علامات الحب الصادق بينك وبين كلام ربك. أما الإنسان الذي يقرأ القرآن كما يقرأ أي كتاب وهمه فقط أن ينهي ورده وما عنده هم أن يكون للقران اثر في نفسه، وهذا الأثر لا يأتي كما قلنا إلا من خلال التغني بالقران وتحسين الصوت به ومحاولة استشعار الآيات. من لم يكن حاله حال المتغني بالقران النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هذا ليس منا. وهذا حديث فيه شيء من الوعيد ينبغي أن ينتبه إلى هذا يا رعاكم الله: ليس منا من لم يتغنى بالقران.

الحديث الذي يليه: أن هذا القرآن نزل بحزن فإذا قرأتم فابكوا. هذه الأحاديث أنه القرآن نزل بحزن أيضا أحاديث ضعيفة فنقف عنها. ليس منا من لم يتغنى بالقران. طبعا أحبابي الكرام نفس الشيء وقع خلاف في حديث ليس منا من لم يتغنى بالقران، هل المراد بالتغني هو تحسين الصوت وتزيينه؟ أو المراد ليس منا من لم يتغنى بالقران أي ليس منا من لم يستغن بالقران عن غيره؟ نفس الخلاف في فهم ما المراد بالتغني، لكن ابن كثير يرجح أن المراد بالتغني هو تحسين الصوت.

لذلك انظروا هذا التفسير أي أبو لبابة رضي الله تعالى عنه هنا ذكر حديثا طويلا، المهم أبو لبابة يقول في نهايته: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس منا من لم يتغنى بالقران. فقال فقلت لابن أبي مليكة عبد الجبار بن الورد أحد رجال الإسناد الذي اخذ الحديث عن ابن ابي مليكة يطلب من أبي مليكة أن يشرح له ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يتغنى بالقران؟ فقال له ابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرايت إذا لم يكن حسن الصوت؟ فقال: يحسنه ما استطاع. يعني واضح أن عبد الجبار بن الورد عفوا كان يدرك أن المراد بالتغني بالقران تحسين الصوت به، كان يدرك هذا المعنى، لكنه يقول لابن أبي مليكة: يا أبا محمد طب إذا كان الإنسان صوته رديء ماذا يفعل كيف يتغنى بالقران؟ فقال ابن أبي مليكة: يحسنه ما استطاع، انت ابذل جهدك، دع الله سبحانه وتعالى يرى منك اهتماما أن تقرأ القرآن بقراءة مؤثرة، والله عز وجل يعطيك على هذه النية. فلذلك ابن كثير علق على هذا الحديث يقول: فقد فهم من هذا أي من تعليق ابن أبي مليكة على كلام عبد الجبار، ماذا نفهم من هذه القصة؟ نفهم من هذا أنهم أن السلف رضوان الله تعالى عليهم إنما فهموا من التغني بالقران إنما هو تحسين الصوت به وتحزن كما قاله الأئمة. يعني كما قلت لكم ابن كثير يريد أن يرجح ويبين أنها أكثر السلف إنما فهموا قضية التغني بالقرآن أنها تحسين الصوت به، وليس المقصود بهذه الألفاظ الاستغناء بالقرآن عن غيره، وإن كان هذا المعنى شريف، يعني الاستغناء بالقران عن كلام المخلوقين شريف، لكن هل هذا المعنى هو المراد بالحديث هذا هو موطن النزاع.

والحديث الذي يليه أيضا: زينوا القرآن بأصواتكم، وهذا إسناد جيد كما ذكر ابن كثير رحمه الله عليه كله يدل على أهمية تحسين الصوت بالقران والمراد من تحسين الصوت الآن انظروا ماذا يقول ابن كثير: والمراد من تحسين الصوت بالقران تطريبه وتحزينه والخشوع به. ثم ذكر حديثا قال النبي حديث أبو موسى الأشعري لما النبي صلى الله عليه وسلم سمع أبا موسى الأشعري وهو يقرا القرآن فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا موسى لو رايتني وانا استمع قراءتك البارحة. فقال أبو موسى:

أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرته لك تحبيرا. وروى مسلم أيضا هذا الحديث عن طريق طلحة به، وزاد: لقد أوتيت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لأبي موسى الأشعري: لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود. يقول ابن كثير: والغلط أن أبا موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرا. فدل كلام أبي موسى الأشعري وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على ذلك، دل على ماذا؟ على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، أي يدل على جواز أن يتكلف الإنسان تحسين الصوت بالقرآن، جواز أن يتكلف الإنسان تحسين الصوت بالقرآن وأن يصل به إلى أعلى درجات الأداء.

وقد كان أبو موسى كما قال عليه الصلاة والسلام أعطي صوتا حسنا، كما سنذكره إن شاء الله، مع خشية تامة ورقة أهل اليمن. أبو موسى الأشعري يمني، فكان عنده خشية تامة لله سبحانه وتعالى وهو يقرا الآيات والرقة المعروفة عند أهل اليمن مع الصوت الحسن. لما جمع كل هذه الأمور، فكان صوته يعني كما يقولون تحفة من التحف، حتى النبي صلى الله عليه وسلم شدته قراءته رضي الله تعالى عنه.

ويروى أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى. فيجلس أبو موسى الأشعري فيقرأ القرآن عند عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه. وذكر أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت إنني لم أسمع صوت صنج قط ولا بربط قط ولا شيء قط أحسن من صوته، أي لقلت ذلك. كان بعد أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان أبو موسى الأشعري يؤم الناس ويصلي بهم في التراويح وفي غيرها.

فأبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل يقول يعني من شدة جمال صوت أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، يقول أبو عثمان النهدي: إني لو قلت إنني لم أسمع صوت صنج قط -الصنج أحبابي الكرام هي عبارة عن نقول آلة نحاسية كانوا يضربون بعضها ببعض، تكون مثل الطبق في اليد اليمين والطبق في اليد الشمال، يضربان ببعضهما البعض فيصدر صوتا، وهذا كانوا يستعملونه في الأفراح- وكذلك البربط مثل العود، البربط آلة مثل العود تصدر صوتا مثل أصوات الموسيقى.

فهو يقول أبو عثمان النهدي: صوت أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أفضل وأجمل من صوت السنج إذا ضرب، ومن صوت آلة العود المشهورة، وهذا يدل على أن الله سبحانه وتعالى فعلا آتاه مزمارا من مزامير آل داود. أيضا سيدتنا عائشة رضي الله تعالى عنها تاخرت على النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة من الليالي بعد العشاء، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أين كنت؟ فقالت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك، لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد.

فقام النبي صلى الله عليه وسلم -انظر من هذا الصحابي الذي يعني شدت قراءته عائشة رضي الله عنها- فقمت معه حتى استمع معه، ثم التفت إلي فقال: هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا. وهذا إسناده جيد الحديث، كما قال ابن كثير. لاحظوا احتفاء الصحابة واعتناءهم بموضوع التغني بالقرآن والاهتمام به. وكيف الصحابة: أبو موسى الأشعري جالس في المسجد بعد العشاء يصلي ويقرأ القرآن، سالم مولى أبي حذيفة جالس في المسجد بعد العشاء يصلي ويقرأ القرآن، أي قبل قليل مر معنا عن مجموعة من الصحابة أنهم كانوا جالسوسن في المسجد يتدارسون القرآن.

انظروا هذه الحالة القرآنية التي كانت سائدة في عصر الصحابة، وانظروا أثرها على تربيتهم على نشأتهم، كيف أن هذا القرآن صبغ قلوبهم وأعادها إلى الإقبال على الله سبحانه وتعالى وأخرجها من تلك الجاهلية، ثم أصبحوا قاده الأمم وفتحوا الفتوحات وانتشروا في آفاق الأرض. هل تظنون أن انتشار الصحابة في الفتوحات الإسلامية والسيطرة على آفاق الأرض كانت بالقضية السهلة؟ مجرد إنسان متحمس مندفع لدينه من دون أن يكون عنده تربية إيمانية قرآنية عالية؟

والله يا أحبابي الكرام إن تلك الفتوحات الإسلامية التي عمت مشارق الأرض ومغاربها إنما هي أثر جلوسهم في المساجد بعد العشاء ليقرأوا القرآن، أثر حلقات تدارس القرآن في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. التربية القرآنية هي التي صبغت تلك النفوس وأعدتها لحمل مسؤولية الحضارة المسلمة، لحمل مسؤولية إقامة الدولة، إعلان راية الجهاد ونشر الدين في الآفاق. هذه الأمور أحبابي لا تاتي من الكسالى، لا تأتي ممن ينامون عن القرآن، لا تأتي من لا يقومون الليل، لا تأتي من إنسان هاجر كلام ربه الأسبوع والأسبوعين. حمل هم هذه الأمة وإعادة النصر وإعادة ما سلب من أراضي المسلمين إنما يحتاج منا أن نعود إلى موائد القرآن.

وفي الصحيحين من حديث جبير بن مطعم: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بسورة الطور، فما سمعت أحدا أحسن صوتا أو قراءة منه. النبي صلى الله عليه وسلم هو أحسن الناس صوتا وقراءة وأتماما للقراءة بأبي وأمي صلوات ربي وسلامه عليه. وفي بعض ألفاظ الحديث يقول جبير: فلما سمعته أي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ من سورة الطور هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ، خلت أن فؤادي قد انصدع.

لجلالة هذه الآية في إقرارها لربوبيتك، أن هذا العالم وهذه المخلوقات خلقت من الصدفة، من ال يعني كما يقولون هكذا مجرد مصادفة من دون وجود إله أراد واختار أن تخلق كما يقول الملحدون والعياذ بالله، أم أن هذه المخلوقات هي أوجدت نفسها بنفسها؟ وهذا من المستحيلات العقلية أن يوجد الشيء نفسه بنفسه، إذا كانت لم توجد من العدم مصادفة ولم تخلق نفسها بنفسها، إذا لابد من رب هو الذي خلقها وأوجدها.

لما تامل جبير بن مطعم هذا المعنى الذي يقرر ربوبية خالق الأكوان سبحانه وتعالى بأجل الصور وأوضحها في الاستدلال، هنا قال: خلت أن فؤادي قد انصدع. وكان جبير طبعا لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ الطور، جبير لم يكن حينئذ مسلما. يعني انظروا، رجل مشرك كان وهو سيدنا جبير لما سمع هذه الآيات كان حينئذ مشركا، كان مشركا.

مع ذلك لما سمع هذه الآيات القرآنية كاد قلبه ينصدع، فما بالنا أحبائي نحن أهل الاسلام لا تنصدع قلوبنا ولا تسيل دموعنا ولا تقشعر جلودنا حينما نسمع كلام الله سبحانه وتعالى؟ نعوذ بالله من قسوة القلب.

يقول ابن كثير: وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركا، أي كان ما زال على الإشراك على دين قومه، وإنما كان قادما في فداء الأسارى بعد بدر. يعني كان جبير في تلك اللحظة هو رسول كفار قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم حتى يدفع له فداء أسرى بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر. يعني ناهيك أن يكفيك كيف أن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم استطاعت أن تؤثر في ذاك المشرك المصر على كفره وأن تصدع قلبه، فكان هذا طبعا في سبب هداية جبير بن مطعم الذي أسلم بعد ذلك رضي الله عنه.

ولهذا أحبابي الكرام انظروا ماذا يقول ابن كثير: ولهذا كان احسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب. أحسن قراءة وأجمل قراءة هي التي تشعر معها أن القارئ خاشع القلب. بعض الناس أحبابي يحسن صوته بالقرآن لكنك تشعر أنه يتكلف هذا من أجل الناس، فسبحان الله لا تنسجم مع قراءته مع أن صوته قد يكون حسنا. ولربما البعض لا يكون أوتي حسن صوت عالي جدا، لكنك تشعر أن قراءته خاشعة، تخرج من قلبك فتتاح معه والله مع أن جودته ليست كجوده صوت الآخر، لكن الخشوع صبغ هذا الصوت بمادة تدخل قلوب الصادقين.

كما قال أبو عبيد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن ليث عن طاوس: أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله. الذي يقرأ القرآن بقلب يخشى الله سبحانه وتعالى، سبحان الله تجد على صوته أثر تلك الخشية، تجد على صوته أثر تلك الخشية. احتفى ابن كثير بهذا الأثر: أحسن الناس صوتا بالقرآن أخشاهم لله. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن؟ فقال: الذي إذا سمعته رايته يخشى الله.

لاحظوا هذا الأثر مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أحسن صوتا بالقرآن؟ فقال: الذي إذا سمعته رايته يخشى الله. يعني إذا أنصت لقراءته تشعر أن هذه قراءة خاشع، قراءة إنسان يخاف ربه، يخشى من لقائه، ليست مجرد قراءة إنسان يعني يتغنى بالقرآن من دون فهم وتدبر لمعانيه والحياة مع ألفاظه.

ثم يقول ابن كثير: والغرض أن المطلوب شرعا إنما هو التحسين بالصوت الباعث على تدبر القرآن وتفهمه والخشوع والخضوع والانقياد للطاعة. يعني أن المطلوب شرعا من قضية تحسين الصوت بالقرآن إنما هو التحسين الذي يبعث على تدبر القرآن وتفهمه، ليس المراد مجرد تحسين الصوت هكذا من أجل التحسين من دون أن يكون هناك وعي وتدبر وتفهم لما يقرأ من الآيات، لا. نحن نريد تحسين الصوت لأن حسن الصوت يجذب إلى تدبر القرآن وإلى تفهمه وإلى أو يولد الخشوع والخضوع عند مستمعه.

ثم قال: أما الأصوات بالنغمات المحدثة، هذه انتبهوا لها أحبابي لأنها قضية أيضا منتشره في واقعنا المعاصر، أما الأصوات بالنغمات المحدثة المركبة على الأوزان -وهو ما يسمى في وقتنا المقام، المقامات، مقام الصبا ومقام النهاوند وغيرها- والأوضاع الملهية والقانون الموسيقي، هذا السلم الموسيقي الذي يقولونه، فهل الانسان يعتني ويهتم بأن يقرأ القرآن على تلك المقامات وعلى تلك الأوضاع الموسيقية؟ يقول: فالقرآن ينزه عن هذا ويجل ويعظم أن يسلك في أدائه هذا المذهب.

فإذا نلاحظ أن ابن كثير يرى أن القرآن لا ينبغي أن يتكلف فيه القراءة على تلك المقامات وأن يتكلف فيه السير على القانون أو القواعد السلم الموسيقي الذي يعتني به أصحاب الألحان، لا. أنت تقرا القرآن وتحاول أن تحسن صوتك به، لكن لا يكون هم الإنسان أن يأتي بمقام معين على إقاعات، وإذا لم يأتي به يعني يأتي بمقام آخر ويحاول ويتكلف ويذهب إلى مدارس تعلمه هذه الألحان وهذه الإيقاعات ويكون شغله بالقران مقتصرا على هذا، يقول: القرآن يجل عن هذا الأمر، هو لم يأت من أجل هذه القضية.

الآن لو أن شخصا مثلا عنده عدم انضباط في الصوت ذهب إلى معلم يعلمه كيفية الانضباط في الصوت، أقول والله أعلم: مثل هذا القدر المعتدل لا حرج فيه، أما أن يكون تقصد وتعمد من الإنسان أن يتعلم المقامات ويبدأ بعد ذلك يطبق القرآن على هذه المقامات ويكون هذا شغله الشاغل، في الحقيقة هذا الموضوع نهى عنه السلف رضوان الله تعالى عليهم.

لذلك يقول ابن كثير: وقد جاءت السنة بالزجر عن ذلك. قال صلى الله عليه وسلم: اقرأوا القرآن بلحون العرب وأصواتها، وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكتابين، وسيجيء قوم من بعدي يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبان والنوح، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب الذين يعجبهم شأنهم. طيب الآن هذا الحديث في الحقيقه منكر، يعني ليس حديثا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يعني لن أتعلق عليه كثيرا، لكن ابن كثير استدل به وبغيره على أن موضوع القراءة بالالحان وبمزايا موضوع نهي عنه.

لكن الحديث الاقوى منه هو الحديث الذي سياتي معنا: حديث يزيد عن شريك عن أبي اليقضان عن زادان أبي عمر عن علي قال: كنا على سطح -ومعنى: أي على سطح بيت أو على سطح شيء من ذلك- ومعي رجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم -قال يزيد: لا أعلمه إلا قال عابس الغفاري، أحد الصحابة ربما غير مشهور لكنه أحد الصحابة الكرام- أي عابس الغفاري راى الناس يخرجون في الطاعون، يعني كان وقع طاعون كما تعلمون طاعون عمواس.

فعابس الغفاري أحد الصحابة وهو على سطح منزل مع بعض التابعين، رأى أناسا يهربون من الطاعون، فقال: ما هؤلاء؟ عابس الغفاري يسأل: من هؤلاء؟ فقيل له: هؤلاء أناس يفرون من الطاعون ويخرجون من البلد. عابس الغفاري أخذ يعني يصرخ ويقول: يا طاعون خذني يا طاعون خذني. التابعون حوله قالوا: يعني أنت صحابي أتتمنى الموت وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتمنين أحدكم الموت، كيف تتمنى الموت؟

فقال: أنا يعني الآن يريد أن يعلل عابس الغفاري لماذا قال هذا؟ قال: إني أبادر خصالا سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يتخوفهن على أمته. قال: أنا تمنيت الموت ليس لاني اريد الموت، وإنما أخشى على نفسي الفتنة، ولذلك قال السادة الحنابله: نعم، الأصل أنه يكره للإنسان أن يتمنى الموت إلا إذا خشي على نفسه الفتنة في دينه فتزول الكراهة، كراهة تمني الموت حينئذ.

فهذا الصحابي خشي على نفسه الفتنة ويقول: إني أبادر خصالا، أي اريد بتمني الموت أن استعجل حتى لا أدرك هذه الخصال التي تخوفها النبي صلى الله عليه وسلم على أمته. ما هي؟ قال: بيع الحكم، يصبح الحكم في بلاد الإسلام بيع، يأتي حاكم يبيع السلطة لحاكم آخر ويتداول بينهم كما تداول السلع، والاستخفاف بالدم، أي يقتل الإنسان بدم بارد من دون أي اهتمام أو التفات كيف قتل ولماذا قتل، قطيعة الرحم، والرابعه وهذه هي موطن الحديث: وقوم يتخذون القرآن مزامير، يقدمون أحدهم ليس بأفهم ولا أفضلهم إلا ليغنيهم به غناء. وهذه خصلة انتبهوا لها أحبابي، والحديث جيد في الحقيقة من الأمور التي حذر منها النبي.

صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة يدركون ذلك، أن يصبح هم الإنسان أن يبحث عن مجرد الصوت الحسن من دون الاعتماد أو الاهتمام دعونا نقول بقضية تدبر القرآن، ويصبح قضية تحسين الصوت وظيفة، تصبح قضية تحسين الصوت والتغني بالقرآن وظيفة من الوظائف، أناس وظيفتهم أنهم مقرئون بأصوات حسنة، يوزعون في المآتم وفي الحفلات وفي الأماكن العامة، يأتون يقرؤون القرآن مقابل دراهم، مقابل وظائف في مساجد كبرى في الدول للأسف كما تشاهدون اليوم.

والقضية ليست أن هذا الذي تقدم لإمامة الناس لا هو بالأفق ولا هو بالأفضل، وإنما إنسان صوته جميل والناس يعني انجذبت له، ناتي به ونعطيه مال، ويصبح هذا الإنسان يستغل هذه القضية يعني يعرف أنه صوت جميل وأن الناس تقصده للصوت فيستغلها ماديا وتلفزيونيا وإذاعيا، وأينما ذهب يحاول أن يبرز نفسه، مثل هذه القضايا هي فعلا من الأمور التي لم ينزل الله سبحانه وتعالى القرآن من أجلها، نسأل الله العفو والعافية.

يقول ابن كثير: وهذا يدل على أنه محذور كبير، وهو قراءة القرآن بالألحان التي يسلك بها مذاهب الغناء، اللي هو الإيقاع، وقد نص الأئمة على النهي عنه، فأما إن خرج به إلى التمطيط الفاحش يعني بعض الناس ربما هذا كثير يكون في مصر أو كثير من القراء المصريين هذا وجدته فيهم وبعض العراقيين، إن خرج بهم إلى التمطيط الفاحش الذي يزيد بسببه حرفا أو ينقص حرفا فهذا اتفق على تحريمه.

بعض الناس يصبح عنده من شدة تكلفه أنه يمططون، تشعر أنه ولد حرفا جديدا أو أنقص حرفا من كتاب الله، وهذا أحبابي الكرام يصل إلى التحريم، فهذه قضية ننتبه لها.

أذهب إلى الفصل الذي يليه أو الباب الذي يليه يعني هناك حديث نختم به إن شاء الله، اغتباط صاحب القرآن، كيف أن صاحب القرآن عليه أن يكون مسرورا سعيدا بما آتاه الله سبحانه وتعالى من حفظ كلام ربه والاشتغال بقراءته، حدثنا أبو اليمان الآن الحديث بإسناد البخاري حدثنا أبو اليمان وهو الحكم نافع، حدثنا شعيب وهو ابن أبي حمزة عن ابن شهاب الزهري، حدثنا سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا حسد إلا على اثنتين.

والحسد هنا بمعنى الغبطة، ليس الحسد بالمعنى المذموم، لا، الحسد معناه بالمعنى الممدوح، والحسد الممدوح هو معناه الغبطة، وهو الذي يقصد به أن الإنسان يتمنى أن يحصل على النعمة التي عند أخيه من دون أن يتمنى زوال النعمة عن أخيه، يعني وجدت نعمة عند أخي فأتمنى أن تحصل لي هذه النعمة من دون أن تزول عن أخي، لا أرجو أن تزول عن أخي، هذا حسد يسمى غبطة أيضا ولا حرج فيه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يبين أن هذه الغبطة يجب أن توجه إلى الأمور الشريفة.

فيقول: لا حسد إلا على اثنتين رجل آتاه الله الكتاب أي القرآن فقام به آناء الليل، هذا الذي يغبط الحقيقة، أن يكون الله أعطاك القرآن وجعلك من أهل قيام الليل ها، ليس فقط أن تعطى القرآن، لا، لاحظ أعطاه الله القرآن فقام به آناء الليل، أعطي القرآن فعمل به، والله أنعم وأكرم من شخص وفي المقابل الشخص الثاني ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار.

فهذان الشخصان فعلا النبي صلى الله عليه وسلم يقول من حسد هذين الشخصين والمراد بالحسد الممدوح يعني من غبطة ما، فهذا فعلا يعني هذا الشيء يستحق الغبطة، لأن الإنسان إذا أعطي قرآنا ورزقه الله قياما لليل يقرا فيه القرآن ماذا يريد أفضل من ذلك؟ وإذا كان انسان أعطاه الله عز وجل مالا ويستطيع أن يوظف هذا المال في إقامة المشاريع الخيرية والعلمية والصدقة على الفقراء والمساكين وعلى المجاهدين في سبيل الله ماذا يريد أفضل من ذلك؟ هذا من الأمور فعلا الجيدة العظيمة، نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا منها.

يقول ابن كثير ومضمون هذين الحديثين أن صاحب القرآن في غبطة وهي ما المراد بالغبطة؟ خلاف الحسد المذموم وهو تمني زوال النعمة نعمة المحسود عنه، لذلك يقول: والحسد الشرعي الممدوح هو تمني حال مثل ذاك الذي هو على حاله سارة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا حسد إلا في اثنتين.

إن هو أراد أن يفارق ما هو الحسد الممدوح وما هو الحسد المذموم، الحسد المذموم هو أن تتمنى النعمة أن تحصل لك وأن تزول عن أخيك، وأما الحسد الممدوح فهو أن تتمنى أن تحصل على النعمة من دون أن تزول عن أخيك، أكيد فرق بين الأمرين.

ثم قال: فذكر النعمة القاصرة وهو تلاوة القرآن، والنعمة المتعدية وهي إنفاق المال، الآن أي أحبابي الكرام قراءة القرآن أن تكون معك القرآن وأنت منشغل بتلاوته آناء الليل والنهار هذه بالتأكيد نعمة عظيمة من نعم الله سبحانه وتعالى، لكنه قال: هي نعمة قاصرة، أي أثرها قاصر عليك وانتفاع قاصر عليك، وأما المال فهو نعمة متعدية، المال نعمة متعدية لأن خيرها ليس مقتصرا على صاحب المال لا لا، لأن هو بشكل عام الصدقة خيرها ونفعها متعد يصل إلى الفقراء، إلى المساكين، إلى المشاريع الخيرية وما شابه ذلك.

فيقول ابن كثير: هذا الحديث تضمن نعمة قاصرة، أي قاصرة في أثرها على صاحبها، ونعمة متعدية، أي نعمة يصل أثرها إلى المجتمع إلى الآخرين، وكلاهما من النعم العظيمة، سواء النعمة القاصرة وهي نعمة القرآن الذي يؤتاه الإنسان فيقوم به، أو النعمة المتعدية وهي نعمة انفاق المال في سبل الخير.

ثم ذكر بعد ذلك مجموعة من الآثار يعني هي تحوم حول هذه الأفكار وهذه المعاني التي ذكرناها، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.