بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس التاسع من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإلامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه، ووصلنا إلى قول المصنف رحمه الله تعالى تبعا للإمام البخاري: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
قال الإمام البخاري: حدثنا الحجاج بن منهال، حدثنا شعبة، أخبرنا علقمة بن مرثد، سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن وهو السلمي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
وأقرأ أبو عبد الرحمن السلمي أبو عبد الرحمن السلمي الذي روى هذا الحديث عن عثمان بن عفان وأقرأ أبو عبد الرحمن السلمي في إمرة عثمان رضي الله تعالى عنه حتى كان الحجاج، أي جلس أبو عبد الرحمن السلمي يعلم الناس القرآن سبعين عاما، كما قالوا من إمرة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه حتى جاء الحجاج وأصبح أميرا على العراق في إمرة بني أمية.
قال أبو عبد الرحمن السلمي: وذلك الذي أعدني مقعدي هذا، أي عندما سمع أبو عبد الرحمن السلمي هذا الحديث من سيدنا عثمان بن عفان خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ترجم هذا الحديث عمليا في حياته وقعد هذه المجالس الطويلة مدة سبعين عاما من إمرة عثمان إلى الحجاج يعلم الناس القرآن. وهذا يدل كيف أن السلف رضوان الله تعالى عليهم كانوا إذا سمعوا حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم حرصوا على تطبيقه وعلى العمل به، وهذا أمر ينبغي أن يتنبه إليه المسلم.
فأبو عبد الرحمن السلمي لما سمع عثمان بن عفان يحدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيركم أي احسنكم من تعلم القرآن وعلمه، مباشرة ذهب إلى العمل بهذا الحديث وترجم ذلك واقعا عمليا حتى يحصل هذه الفضيلة العظيمة.
وحدثنا أبو نعيم، يقول البخاري: وحدثنا أبو نعيم وهو الفضل بن دكين، حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي. سفيان هنا سفيان الثوري روى الحديث عن علقمة بن مرثد عن أبي عبد الرحمن السلمي عن عثمان بن عفان قال: إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه.
والفرق بين هذا الإسناد والإسناد السابق هو أنه في الإسناد السابق شعبة بن الحجاج يروي الحديث عن علقمة بن مرثد سمعت سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي، الإسناد الثاني سقط سعد بن عبيدة بين علقمة بن مرثد وبين أبي عبد الرحمن السلمي، وروى سفيان الثوري هذا الحديث عن علقمة بن مرثد مباشرة عن أبي عبد الرحمن السلمي.
وقد ذكر ابن كثير تبعا للمتقدمين أن هذا الإسناد الثاني أصح وأدق من الإسناد الأول، وهذا فيه صنعة إسناد يعني حتى لا نطيل فيها، كما قال ابن كثير.
ننتقل إلى المقصود من هذا الكتاب وهو ذكر الفضيلة؛ يقول ابن كثير: والغرض من إيراد البخاري هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، وهذه صفات المؤمنين المتبعين للرسل.
انظروا ما صفات أتباع الرسل؟ ما صفات الإنسان المؤمن الذي يسير على منهاج الأنبياء؟ قال: وهم الكمل في أنفسهم المكملين لغيرهم. من صفات أهل الإيمان يا رعاكم الله أنهم يسعون للكمال في أنفسهم ويسعون لتكميل غيرهم، فهم يريدون الخير لأنفسهم ويريدون الخير للمجتمع الذي يعيشون فيه.
لذلك قال ابن كثير: وذلك جمع بين النفع القاصر أي القاصر على النفس والمتعدي، فانت عندما تكمل نفسك هذا نفعه قاصر عليك، لكن عندما أيضا تنفع غيرك أصبح هذا النفع متعديا للمجتمع، وأتباع الرسل هذا شانهم وهذه خصالهم أنهم يحبون الخير لأنفسهم فيسعون في تكميلها، ويحبون الخير لغيرهم فيسعون في تكميل غيرهم.
لاحظوا: خيركم من تعلم القرآن، هذا نفع نفسه، وعلمه، هذا نفع المجتمع الذي يعيش فيه؛ فهو تعلم القرآن فكمل نفسه، وعلم القرآن فكمل غيره.
قال: وهذا بخلاف صفة الكفار الجبارين الذين لا ينفعون ولا يتركون أحدا ممن أمكنهم أن ينتفع. الكفار الجبارون من صفاتهم أنهم هم لا ينتفعون في أنفسهم ولا يتركون أحدا من الناس ينتفع بالخير، سبحان الله، كما قال تعالى: اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ.
الآن الكافر الذي لا يصد عن سبيل الله هذا له عذابه، لكن الكافر الذي جمع بين كفره في نفسه وبين صده عن سبيل الله ومنعه الناس من الانتفاع، هذا يزيده الله عذابا فوق عذاب كفره. وكما قال تعالى في آية أخرى عن صفات الكافرين: وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ، أي من صفات الكفار أنهم ينأون بأنفسهم عن القرآن فلا يقرءونه ولا يتدبرون فيه ولا يتعظون به، وينهون غيرهم عن قراءته.
لاحظوا هذه يعني مفارقة: أصحاب القرآن المؤمنون النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيهم: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، يتعلمون ويعلمون. وأما صفات أهل الكفر وهذه الصفة أحبابي الكرام قد يتسم بها بعض من ينتسب إلى الإسلام أنه ينأى بنفسه عن القرآن وينهى الناس عن الانشغال بالقران، لا تظن أن هذه الصفة فقط تكون في الكافر الذي يعلن كفره للاسف، بل هناك من بني جلدتنا من لا يهتم بالقران ولا يلتفت إليه ثم يزهد الناس في حفظ كتاب الله سبحانه والانشغال به.
قال: فهذا شان شرار الكفار، كما أن شان الأخيار الأبرار أن يتكمل في نفسه أي أن يكمل نفسه وأن يسعى في تكميل غيره خيركم من تعلم القرآن وعلمه.
ثم قال ابن كثير: وقد كان أبو عبد الرحمن وهو عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي أحد أئمة الإسلام أحد أئمة الإسلام ومشايخهم، ممن رغب في هذا المقام ورغب في تحصيل هذه الفضيلة فضيلة هذا الحديث، فقعد يعلم الناس القرآن من إمرة عثمان إلى أيام الحجاج. قالوا: وكان مقدار ذلك الذي مكث يعلم فيه القرآن سبعين سنة رحمه الله وأثابه ما طلبه ورامه.
ثم ذكر البخاري حديثا آخر: حدثنا عمرو بن عون، حدثنا حماد بن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: أتت النبي صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت إنها قد وهبت أنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله، فقال: ما لي في النساء من حاجة. أي جاءت امرأة تهب نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم أي تريد النبي أن يتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من دون مهر.
وهذا الامر كان خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم، الله عز وجل أكرمه كما جاء في سورة الأحزاب وأجاز له أن يتزوج النساء إذا وهبته نفسها من دون مهر، لكن المهم هذه المرأة وهبت نفسها لله ورسوله أي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم ترغب أن يتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي في النساء من حاجة يعني لا أرغب الآن في الزواج.
فقال رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان حاضرا للمشهد: زوجنيها. يعني يا رسول الله إذا لم تكن لك بها حاجة فزوجني فانا اريد الزواج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اعطها ثوبا. يعني اعطها مهرا. والمهر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي أيام المدينة خاصة أن أكثر الصحابه كانوا فقراء، لم يكن المهر فيه يعني غلو كما يقولون، كان أشياء بسيطة. قال: اعطها ثوبا.
فقال هذا الرجل: لا أجد. انظر الفقر! ما عندي حتى ثوب. قال: اعطها ولو خاتما من حديد. فاعتذر له وجاء في رواية مطولة أن الرجل ذهب يلتمس ويبحث عن خاتم من حديد فلم يجد، فاعتذر هو وشكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه حتى خاتم من حديد لا يجد.
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما معك من القرآن؟ يعني ماذا تحفظ من كتاب الله سبحانه؟ فقال: كذا وكذا، بدأ يعدد السور التي يحفظها. فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن.
وجاء في بعض روايات هذا الحديث: قد زوجتكها فعلمها من القرآن. والغرض منه أي أي المقصد البخاري من إيراد هذا الحديث هو أن هذا الرجل تعلم الذي تعلمه من القرآن، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم تلك المرأة ويكون ويكون ذلك صداقا لها، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم تلك المرأة ويكون ذلك صداقا لها على ذلك.
طبعا في الحقيقة الرواية التي أوردها البخاري هي لا تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلمها، وإنما هناك رواية أخرى هي التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعلمها، لأن الرواية التي ذكرناها هكذا: قد زوجتكها بما معك من القرآن فقط، من دون قضية التعليم، لكن كان البخاري أراد أن يشير إلى الروايات الأخرى لهذا الحديث، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر فقط على أن هذا الرجل يحفظ من القرآن فزوجه المرأة مقابل حفظه، لا، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أيضا أن يعلمها القرآن.
وهذا نعم يدل على ما يدل عليه حديث: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. فهذا الرجل تعلم القرآن وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلم هذه المرأة القرآن، ويكون تعليمه للقران مقابل الزواج. وهذا يدل على أن تعليم القرآن من الأمور العظيمة الشريفة.
لكن هل هذه المسألة خاصة بهذا الرجل أم أنه يقاس عليه غيره؟ يعني هل اليوم في وقتنا المعاصر يصح أن نزوج النساء بمهر هو تعليمهم القرآن؟ هذه مسألة اختلف فيها الفقهاء. في الحقيقة ذهب السادة الحنابلة على أن هذا الأمر إما أن يكون خاصا بهذا الرجل، وجاء في بعض الاقوال عندهم إنه منسوخ، وأن هذا لا يكون في في غيره، إنه هذه المسألة لا تكون في غير هذا الرجل، لأنه قد جاء في بعض الأحاديث وإن كان فيها إرسال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهذا الرجل أو لرجل آخر: لا يكون القرآن مهرا لأحد بعدك.
فباختيارك خلاف كما ذكر ابن كثير، يعني هناك مسائل فقهية عديدة في هذا الحديث: هل هذه القضية قضية تزويج المرأة وأن يكون مهرها تعليمها القرآن خاصة بهذا الرجل أو أنها نسخت وبقي هذا الحكم مستمرا إلى وقتنا الحاضر؟ هذه مسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وليس المراد الآن الدخول في المسائل الفقهية والأحكام الشرعية، وإنما مراد التنبيه على شرف في حفظ كتاب الله سبحانه، كيف بأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على هذا الشرف شرف تعلم القرآن وتعليمه من خلاله أن جعله مهرا لهذا الرجل.
ثم انتقل إلى ترجمة أخرى، الترجمة طبعا أحبابي المراد بالترجمة العنوان، عندما نقول تراجم البخاري أي العناوين التي وضعها الإمام البخاري للأحاديث في صحيحه العناوين، فمثلا عنوان جديد: القراءة عن ظهر قلب، هذه تسمى الترجمة.
وفي هذا الباب القراءة عن ظهر قلب أفرد البخاري في هذه الترجمة كما يقول ابن كثير حديث أبي حازم بن سهل بن سهل بن سعد الحديث الذي تقدم الآن، أي في هذه الترجمة ذكر البخاري نفس الحديث الذي ذكرناه قبل قليل حديث المرأة التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ما لي حاجة. فقال رجل: زوجنيها يا رسول الله، فقال: اعطها ثوبا إلى آخر الحديث، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: قد زوجتكها بما معك من القرآن. فنفس الحديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله تعالى عليه، وفي والبخاري لا يكرر الأسانيد يعني وإن كان البخاري ذكر الحديث لكنه يذكره من أسانيد أخر.
طيب، وهذه الترجمة الآن يعلق ابن كثير على الحديث مرة أخرى فيقول: وهذه الترجمة من البخاري رحمه الله مشعرة بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل. آه، الآن أنت تقول لماذا البخاري أورد الحديث مرة أخرى؟ لأنه يريد أن يستنبط منه فائدة أخرى. نحن قبل قليل أوردنا هذا الحديث أو أورد البخاري هذا الحديث تحت باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، واستنبط منه البخاري فضيلة تعلم القرآن وتعليمه، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم جعله مهرا لهذه المرأة.
الآن يستنبط البخاري فائدة أخرى من هذا الحديث من حديث المرأة الواهب نفسها وهي فضيلة حفظ القرآن، لأن بعض الناس يقولون: لا يوجد ما يدل على فضيلة حفظ القرآن، وإنما المهم أن نقرأ القرآن من المصاحف. فالبخاري يريد أن يرد على هذا ويبين أنه هناك أحاديث تدل على فضيلة حفظ القرآن وقراءته عن ظهر قلب، ومنها هذا الحديث حديث المرأة الواهب نفسها، لأنه جاء في بعض روايات هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل: ما معك من القرآن؟ فأخذ الرجل يعدد: معي سورة كذا، معي سورة كذا. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لاحظوا، أتقراهن عن ظهر قلب؟
ماذا نستفيد من هذه الرواية ومن هذه اللفظة؟ هو أن النبي صلى الله عليه وسلم يرغب وينبه على فضيلة حفظ القرآن وتلاوته عن ظهر قلب، لأنه ماذا قال له؟ أتقراهن عن ظهر قلب؟ قال: نعم. حينئذ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: اذهب فقد ملكتكها يعني زوجتكها بما معك من القرآن. فهذا فيه فعلا إشعار بأن قراءة القرآن عن ظهر قلب أفضل.
وهنا سيذكر ابن كثير مسألة اختلف فيها أهل العلم، وهو ما هو الأفضل في القراءة عموما؟ هل الأفضل في القراءة عموما أن تكون من المصحف أم أن تكون من حفظ الإنسان؟ يقول: ولكن الذي صرح به كثير من العلماء أن قراءة القرآن من المصحف أفضل، لأنه يشتمل على التلاوة وعلى النظر في المصحف، أنك تجمع بين تلاوة القرآن وهذه عباده وبين النظر في المصحف وهذه عباده.
أخرى، لذلك أصبح عندك عبادتان، أصبح عبادة التلاوة وعبادة النظر. لكن لو قرأت القرآن عن ظهر قلب، تكون عبادة واحدة، وهي عبادة التلاوة فقط. فبالبعض رجح القراءة من المصحف على القراءة عن ظهر قلب، واستدلوا على أفضلية التلاوة في المصحف بما رواه الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن، وذكر الحديث عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: فضل قراءة القرآن نظرا على من يقرأه ظهرا أي عن ظهر قلب، كفضل الفريضة على النافلة.
طبعا هذا الحديث ضعيف، لذلك كان من كثير معلق، وهذا الإسناد فيه ضعف حديث ضعيف، فهو التح أن فضل قراءة القرآن نظرا أي من المصحف على من يقرأه ظهرا أي من ظهر قلب أي حفظه، كما يكون هناك فضل للفريضة على النافلة، وكما تفضل الفريضة على النافلة. لكن هذا الحديث ضعيف، فيصعب الاستدلال به على هذه المسألة. لكن ورد عن الصحابة كابن مسعود مثلا أنه قال: أَدِم النظر في المصحف.
لكن قول ابن مسعود أَدِم النظر في المصحف لا يدل أحبابي الكرام على أن النظر في المصحف أو القراءة من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر غيب، وإنما تدل على أن النظر في المصحف عبادة عموما. ودخل مثلا عن ابن عباس عن عمر أنه كان إذا دخل بيته نشر المصحف فقرا فيه، وهذا يدل على فضيلة القراءة من المصحف، لكن لا يدل على أن القراءة من المصحف دائما هي أفضل من القراءة من الحفظ. وذكروا عن ابن مسعود أنه كان إذا اجتمع إليه إخوانه نشروا المصحف فقرأ وفسر لهم، وهذا إسناد صحيح، لكن كما قلت هذا لا يدل على الترجيح.
وعن ابن عمر قال: إذا رجع أحدكم من سوقه فلينشر المصحف وليقرأ من المصحف. وهذا لا أحد ينازع فيه فضيلة القراءة من المصحف عموما. فيقول ابن كثير: هذه الآثار تدل على أن هذا، وهو أن القراءة من المصحف مباشرة أمر مطلوب. لماذا القراءة من المصحف مباشرة مطلوبة؟ فضل أن هناك، يعني نحن ذكرنا قبل قليل أن القراءة من المصحف تجتمع فيها عبادتان: عبادة التلاوة وعبادة النظر في المصحف. لكن هناك أيضا أمور أخرى سيذكرها الإمام ابن كثير فيقول: لئلا يعطل المصحف فلا يقرأ منه، ولعله قد يقع لبعض الحفظة نسيان فيستدرك منه، أو تحريف كلمة أو آية أو تقديم أو تأخير، فالاستثمار أولى، والرجوع إلى المصحف أثبت من أفواه الرجال.
ما يقصده عموما هو أن بعض الناس أحبابي، وهذا في الحقيقة أمر مشاهد، بعض الناس ممن يحفظ القرآن يصبح دائما يقرأ ورده من حفظه، ويعطل القراءة من المصحف، وهذا أمر ينبغي التنبه إليه. حتى لو كنت حافظا لكتاب الله سبحانه وتعالى، ينبغي أن يكون لك ورد من القراءة في المصحف. حتى لو كنت حافظا لكتاب الله، ينبغي أن يكون لك ورد من النظر في المصحف، لأن النظر في المصحف بحد ذاته عبادة، وأحيانا يكون أرْكز في قراءة القرآن وأكثر استحضارا وتدبرا له من القراءة عن ظهر قلب.
لأنه أحيانا القراءة عن ظهر القلب يكون الإنسان منشغل بشيء في يديه، أو ينظر إلى أمور الدنيا أو ما شابه ذلك، فيقرا القرآن صحيح لا يخطئ فيه، لكنه يكون ساهيا غافلا. فالقراءة من المصحف لها إيجابيات كثيرة في الحقيقه ينبغي ألا يزهد فيها حفظة القرآن. وكذلك من فوائد القراءة من المصحف أنك مهما كنت حافظا لعلك نسيت آية، لعلك يعني حرفت كلمة في أثناء حفظك للقرآن، فتتعرف أو لعلك قدمت آية على آية أو أخرت، ويكون في ذلك استثبات ومداومة على مراجعة الأخطاء.
أما قال: فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن. يعني إذا كان شخص هو الآن في طور حفظه للقرآن، خاصة الأطفال، أو مثلا النساء عندما يعلمنا القرآن، أو حتى الرجال في المساجد، نريد أن نحفظ شخصا القرآن، إذا كنت أريد أن أحفظ شخص القرآن، فالأمل أن هذا الشخص الذي يريد أن يحفظ القرآن يتلقاه من أفواه الرجال، ولا يحفظ من المصحف مباشرة وحده.
لأنك إذا حفظت مباشرة من المصحف وحدك نخشى أن تخطئ، خاصة أن الرسم العثماني لكتاب الله سبحانه وتعالى قد يختلف عن الطريقة الاعتيادية في الكتابة في الخط. فإذا الإنسان وحده يحفظ من المصحف بدون أن يتلقى القرآن من أفواه الرجال، نخشى أن يحفظ خطأ. فيقول ابن كثير: فأما تلقين القرآن فمن فم الملقن أحسن، لأن الكتابة لا تدل على الأداء، لأن كتابة المصحف قد لا تدلك ولا ترشدك إلى الطريقة الصحيحة في أداء الكلمه وفي تلفظها، كما أن المشاهد من كثير ممن يحفظ من الكتابة فقط أنه يكثر تصحيحه وغلطه.
هذا واقع، انظروا في دور القرآن عندما تجد الصبي يحفظ من المصحف من دون أن يلقنه الشيخ، عندما يأتي الصبي يسمع يكون عنده كثير من الأخطاء. لكن عندما يلقن الشيخ الصبي القرآن، ثم يعود هذا الصبي فيحفظ بناء على هذا التلقين، يكون الأداء أفضل بكثير. لذلك يقول ابن كثير رحمه الله عليه: وإذا أدى الحال إلى هذا، أي إذا كانت القراءة أو الحفظ من المصحف مباشرة يؤدي إلى التصحيف والتغليط، منع منه.
إذا وجد شيخا يوقفه على ألفاظ القرآن، الأصل أن نمنع الصبيان، وعموما نمنع الحفظة أو من يريد أن يحفظ القرآن، نمنعه من أن يحفظ مباشرة من المصحف، بل نقول: عليك أن تتلقى وتسمع. إما أن تجد شيخا أو تبحث عن شيخ يلقنك، وإذا لم تبحث عن شيخ، اليوم عندنا الحمد لله وسائل التواصل، نستطيع أن تسمع الآيات القرآنية من الشيوخ عبر الإذاعات، عبر شبكة الإنترنت، عبر الأشرطة المسجلة، فتسمع من الشيوخ ثم بعد ذلك تحفظ.
فأما عند العجز عما يلقن، فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية. شخص يعيش في غابات، يعيش في مناطق منقطعة عن العالم، ولم يجد شيخ يلقنه القرآن، هل نقول له لا تحفظ القرآن من المصحف مباشرة حتى لا تخطئ؟ لا، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. نعم، الأكمل والأصح والأضبط ألا تحفظ مباشرة من المصحف حتى يكون هناك شيخ يلقن حتى لا تخطئ، لكن إذا لم أجد شيخا، فيقول لك ابن كثير: فيجوز عند الضرورة ما لا يجوز عند الرفاهية.
فإذا قرأ في المصحف والحالة هذه، فلا حرج عليه، ولو فرض أنه قد يحرف بعض الكلمات، لكن لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. يبقى أن يقرأ ويحفظ من المصحف أكمل من أن يهجر المصحف بالكلية ولا يحفظ شيئا.
طيب، ثم ذكر مجموعة من الأحاديث يعني الظاهر أن فيها نظر، وقال بعض أهل العلم: المدار في هذه المسالة على الخشوع، أي في مسألة هل يقرأ القرآن عن ظهر قلب أو يقرأ من المصحف، ما هو الأولى؟ بعض العلماء قال: المدار في هذه المسألة على الخشوع، فإن كان الخشوع أكثر عند القراءة عن ظهر قلب فهو أفضل، وإن كان عند النظر في المصحف أكثر فهو أفضل، فإن استويا فالقراءة نظرا أولى، لأنها أثبت وتمتاز بالنظر إلى المصحف.
طبعا الإمام النووي يقول: والظاهر أن كلام السلف وفعل السلف محمول على هذا التفصيل. إذا بعض العلماء خلينا نقول أن هذه المسألة: أيهما أفضل، القراءة من المصحف أم القراءة عن ظهر قلب؟ فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم. بعض أهل العلم يرجح القراءة عن ظهر قلب دائما على القراءة من المصحف. الرأي المقابل تماما يقول: لا، القراءة من المصحف أفضل دائما من القراءة عن ظهر قلب. الرأي الثالث يذهب إلى التفصيل، فيقول: أينما وجدت الخشوع فيكون هو الأفضل، إذا كان الخشوع تجده في القراءة عن ظهر قلب فهذا هو الأفضل في حقك، وإن كان الخشوع لا ياتيك إلا إذا فتحت المصحف ونظرت فيه فيكون هذا هو الأفضل في حقك، فإن استويا، يعني شخص قال: أنا أخشع في الحالتين، قرات من حفظي أو قرات من المصحف، فالقراءة تكون من المصحف أولى، لأنها أثبت وتمتاز بالنظر إلى المصحف، فحصلت عبادة أخرى معها.
طبعا هذا الكلام أحبابي في القراءة التدبرية. لكن هؤلاء العلماء الذين اختلفوا في هذه المسألة، لا يقول أحد منهم أنك لا ينبغي أن تحفظ القرآن. الذي يقول القراءة من المصحف أولى من القراءة عن ظهر قلب هو لا يقصد بذلك ألا تحفظ القرآن، لا، هو يتكلم عن القراءة العامة التي تقراها في يومك وفي ليلتك، حاول أن يكون لك قراءة من المصحف، وأن تديم النظر في المصحف، لكن هذا لا يعني ألا ينشغل الناس والطلبة بحفظ القرآن عن ظهر قلب. حتى ولو كانت القراءة من المصحف هي الأولى، لا يعني هذا ألا يكون للإنسان محفوظ من كتاب الله، لأنك في لحظة من اللحظات قد لا تجد مصحفا، في لحظة من اللحظات قد لا تجد مصحفا.
ثانيا: وجود الآية محفوظة في ذهنك وفي ذاكرتك يعينك على تطبيقها في واقعك العملي وفي مشاهد الحياة المختلفة. فإياك ثم إياك أن تفهم من قول العلماء أن القراءة في المصحف أولى أن هذا تزهد في حفظ كلام الله سبحانه، أبدا، هم لم يقصدوا هذا، وإنما هم يشيرون إلى مسألة خاصة، وهي مسألة: إذا كنت أريد أن أقرأ وردي اليومي من القران، ما هو الأولى في قراءته؟ فقط هذه المسألة.
وأما أن يبقى في الأمة من حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى، أن يبقى في الأمة من حفظة كتاب الله سبحانه وتعالى العدد الكبير، بحيث لو أن المصاحف رفعت من المجتمعات فرضا أو منعت، نجد الحفظة لكتاب الله سبحانه وتعالى متوافرين، يعلمون الناس من قلوبهم ومن صدورهم، فهذا فرض كفاية لا يجوز العدول عنه. فضلا كما قلت لك، أن وجود الآية محفوظة في ذهنك هذا يعينك على استحضارها وعدم الانتفاع بها، وأحيانا قد تكون في سفر أو في طريق ولا تجد مصحفا تقرا منه، فيبقى الإنسان لهجا ويبقى اللسان لهجا بقراءة القرآن من دون مصحف، خاصة كما قلت في الأوقات التي قد تفقد فيها المصاحف، إنسان يسجن في دين الله سبحانه وتعالى ويمنع، لا يعطيه السجان مصحفا، كيف يقرأ القرآن؟ هنا تظهر الفضائل، فضيلة حفظ كتاب الله سبحانه وتعالى.
فبالتأكيد، مما لا شك في أن حفظ القرآن عن ظهر قلب فضيله عظيمة، وأن بقاء الحفظة في هذه الأمة فرض كفاية لا يجوز العدول عنه، لكن الخلاف إنما هو كما قلنا في الورد اليومي، قراءة الورد اليومي لمن كان عنده مصحف وعنده أي حفظ عن ظهر قلب، كيف يقرأه؟ وهناك أحاديث ستاتي معنا فيها تنبيه على أهمية حفظ القرآن عن ظهر قلب، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتعهده، وأخبر أنه أشد تفصيا من الإبل في عقالها، فننتبه على هذه القضية حتى لا تختلط، رضي الله عنكم.
طيب، الآن أذهب إلى حديث آخر: استذكار القرآن وتعاهده. حدثنا يقول البخاري: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ. وهذا الحديث كما قلت لكم، هذا من الأحاديث التي تدل أحبابي الكرام على أهمية حفظ القرآن الكريم، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم يشبه حال حافظ القرآن بحال صاحب الإبل المعقلة، المعقلة يعني المربوطة.
الآن أي صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أَمْسَكها، يعني إن بقي محافظا على رباطها يبقى ممسكا لأبله، لا تضيع عنه هذه الإبل ولا تشرّد. وإن أطلقها من عقالها وتركها وحدها ستذهب هذه الإبل. وكذلك أهل القرآن، يا أهل القرآن، يا حافظ القرآن، إذا بقيت تتعاهد حفظك يبقى القرآن معك في صدرك، وإن أهملته ولم تعد تلتفت إلى مراجعة الورد، فإن هذا القرآن لن يبقى ينتظرك، سيغادر هذا القرآن من قلبك، نسأل الله العفو والعافيه.
وهنا ذكر البخاري حديثا آخر، حديث عبد الله بن مسعود، قال النبي صلى الله عليه وسلم: بِئْسَمَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِيَ وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ. النبي صلى الله عليه وسلم ينهى أن يقول الإنسان: نسيت آية كذا وكذا. إذا ذهبت الآية عن ذهنك، لا تقل نسيت، بل قل نُسيت. لماذا؟
قولك نسيت آية كذا وكذا فيها نسبة النسيان إلى نفسك، وهذا يشعر بنوع عدم اهتمام منك بقراءه القرآن وتعهده، يشعر بأنك مقصر معرض عن كلام ربك سبحانه مغفر له، فاياك أن تنسب هذا إلى نفسك. كما قلنا لماذا؟ لأن فيه إشعارا بأنك تغافلت عن كلام الله، وأنك قصرت فيه وأعرض عنه، وليس هذا حال المؤمن.
فلذلك ينبغي أن تقول نُسيت، أي أنه هناك من نُساني هذا القرآن وهو الشيطان، وأما أنا فأنا حريص عليه، أنا لا أريد أن أنساه. فحتى لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم كيف يريد أن يقطع السبيل أمام المسلم من أن يكون هاجرا لكلام ربه، حتى مجرد أن تقول يا قارئ القرآن: إنني نسيت آية كذا وكذا، هذا لا يجوز، بل تقول: نُسيت. وعرفتم ما هي العله؟ أن نسيت أنت تنسب النسيان إلى نفسك، فتشعر بعدم اهتمام منك، وأن نسيانك لهذه الآية كان بقصور وإعراض عن كلام الله، وليس هذا هذا حال أهل القرآن، بل تقول نُسيت، فتجعل الذي تسبب في النسيان هو غيرك وهو الشيطان.
ثم قال صلى الله عليه وسلم: واستذكروا القرآن. لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يدلنا ويرشدنا والله إلى كل خير: استذكروا القرآن، فانه نفس الفكرة.
نفس التمثيل؛ فإنه أشد تفصياً، أي تفلتاً من صدور الرجال من النعم. كيف النعم تتفلت من أصحابها وتتركهم؟ فكذلك القرآن يتفلت من صدور الرجال.
لهذا القرآن سبحان الله فيه سر عجيب، أنه لا يمكث إلا في قلب من يهتم به. القرآن لا يمكث إلا في قلب منشغل به مهتم به، أما القلب المعرض عن كلام الله سبحانه وتعالى يحفظ ثم يجلس أشهر أي بعيد عن القرآن ثم يعود فيحفظ مرة أخرى ثم يجلس أشهر بعيد عن القرآن.
لا، القرآن لا يبقى في هذه القلوب، القلوب التي لا تهتم به القرآن يغادرها. فانتبهوا يا رعاكم الله على هذه الفكرة.
الآن ذكر ابن كثير مجموعة من الأسانيد لهذا الحديث، يعني أطال النفس في هذا الموضوع. وهذا الحديث أيضاً روي موقوفاً على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، ثم أورد البخاري حديثاً آخر: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن يزيد، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعاهدوا القرآن؛ فهو الذي نفسي بيدي له أشد تفصياً من الإبل في عقلها.
وهذا أيضاً بنفس المعنى ومضمون هذه الاحاديث، كما يقول ابن كثير معلقاً عليها: الترغيب في كثرة تلاوة القرآن واستذكاره وتعهده لئلا يعرضه حافظه للنسيان، فإن ذلك خطأ كبير. نسيان القرآن أحبابنا الكرام مشكلة كبيرة، خطأ كبير، نسأل الله العافية منه.
والنبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحاديث -وإن كان فيها ضعف- حذر من هذا وبين عقوبة من ينسى شيئاً من القرآن، فقال صلى الله عليه وسلم: وما من رجل قرأ القرآن فنسيه إلا لقي الله يوم يلقاه وهو أجذم.
هذا الحديث فيه ضعف، لكن يقول ابن كثير رحمه الله عليه يشهد له أحاديث آخر. يشهد له أحاديث آخر كقوله صلى الله عليه وسلم: ما من رجل تعلم القرآن ثم نسيه إلا لقي الله يوم القيامة وهو أجذم.
أي وكذلك الحديث: عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرج الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنباً أكبر من آية أو سورة من كتاب الله أوتيها رجل فنسيها.
كما قلنا، حتى هذا الحديث فيه ضعف، لكن مجموع هذه الأحاديث يقوي بعضها بعضاً ويدل أحبابي على خطورة نسيان القرآن بعد حفظه؛ لأنه هذا فعلاً فيه شعور بعدم الاهتمام وعدم الالتفات إلى كلام الله سبحانه وتعالى. نعوذ بالله من الغفلة، نعوذ بالله من الغفلات.
وقد ادخل بعض المفسرين هذا المعنى -أي من حفظ القرآن ثم نسيه- في قوله تعالى: وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ.
يقول ابن كثير: وهذا الذي قاله هذا وإن لم يكن هو المراد جميعه فهو بعضه، فإن الاعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبير وتفريط شديد. يعني هذه الآية وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي وإن كانت أساساً ليست هي في من حفظ ثم نسي، وإنما هي من كفر بكلام ربه وجحده وأعرض عنه، لكن لا يبعد -لا يبعد- أن يكون من حفظ القرآن ونسيه انشغالاً بالحياة الدنيا وغفلة عن كلام الله سبحانه وتعالى داخلاً نوع دخول تحت هذه الآية وإن لم تكن هي يعني أساساً وثيقة لهذه المسألة.
لكن لا يمتنع أن يكون من حفظ القرآن ثم نسيه انشغالاً بالحياة الدنيا وإقبالاً عليها وإعراضاً عن كلام الله ممن يدخل تحت هذه الآية بالمفهوم العام.
انظروا إلى هذا الأثر: الضحاك بن مزاحم ماذا يقول؟ يقول الضحاك بن مزاحم: ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه. الله أكبر! ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب يحدثه؛ لأن الله يقول: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب. انظروا كيف كان يفهم السلف هذه القضايا.
إخوان، اليوم تجد إنسان حفظ القرآن في مراكز التحفيظ وكبر ونسي القرآن وما عنده أي اهتمام أو مشكله أو اضطراب في قلبه أنه نسي القرآن. السلف كانوا يعتبرون نسيان آية أو سورة مصيبة من المصائب، وإنما هي أثر ذنب من الذنوب، نسأل الله العفو والعافيه.
ويقول إسحاق بن راهويه وغيره: يكره للرجل أن يمر عليه أربعون يوماً لا يقرأ فيها القرآن، كما أنه يكره له أن يقرأه في أقل من ثلاثة أيام.
وهذه ربما أشار إليها الشيخ عبد السلام شواعر في التسجيل الذي أرسل لكم البارحة في قضية أن هناك غلواً وجفاءً؛ فغلو في قراءة القرآن أن تختمه في أقل من ثلاثة أيام لأنك لن تتدبر شيئاً، وجفاء أن تترك القرآن أكثر من أربعين يوماً. فالإنسان المسلم يكون بين هذا وهذا، فإياك أن تكون جافياً واياك أن تكون غالياً.
ثم ذكر البخاري حديث ترجمة أخرى: ترجمة القراءة على الدابة. هل يقرأ القرآن، يعني هل الإنسان يقرأ القرآن وهو على دابة على في سيارته؟ أي إذا كنا مثلاً في بلاد فيها الإبل والأحصنة، يقرا القرآن على الحصان وعلى الإبل. الآن هذه هي الترجمة: القراءة على الدابة.
يقول البخاري: حدثنا الحجاج، أخبرنا شعبة، أخبرنا أبو إياس، سمعت عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وهو يقرأ على راحلته سورة الفتح.
فاذا سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة كان على راحلته، فقرا على راحلته سورة الفتح.
وهذا الحديث له تعلق بما تقدم من تعاهد القرآن وتلاوته سفراً وحضراً. يعني يقول ابن كثير من فوائد هذا الحديث: أي أنه يدل على أن المسلم ينبغي عليه أن يتعاهد القرآن وأن لا يتركه، سواء كان حاضراً في بلده أو حتى ولو كان مسافراً، فكونك في سفر لا يعني هذا ألا تقرا القرآن.
لكن المسألة الأدق التي يدل عليها هذا الحديث وهو: هل يقرأ القرآن على الدابة؟ نقول عموماً: نعم، يجوز أن يقرأ القرآن على الدابة، والأحاديث صريحة صحيحة في ذلك، لذلك قال ولا يكره ذلك عند أكثر العلماء إذا لم يتله القارئ في الطريق.
يعني إذا كانت الدابة واقفة، أنت مثلاً أوقفت سيارتك في موقف معين وجلست تقرأ القرآن داخل السيارة أو على الحصان أو على الجمل إذا كان واقفاً، هذا باتفاق الجميع يجوز أن يقرأ القرآن على الدابة في هذه الحالة.
لكن الخلاف وقع إذا كانت الدابة تسير، يعني إنسان على ناقته وناقته تسير في سفرها، أو الإنسان في سيارته مشغول بقيادة السيارة في الطرقات والسيارة تسير، هل يقرأ القرآن في أثناء سيره؟
طيب، أنت تقول لي ما المشكلة في ذلك يعني لماذا يكون هناك خلاف هذه المسألة؟ المشكلة هم يقولون إن يعني قارئ القرآن يجب أن يكون مقبلاً على القرآن مهتماً به في أثناء تلاوته، لا يكون منشغلاً عنه.
والإنسان في أثناء القيادة في الحقيقة تكون هناك العديد من الأمور التي تشغله؛ مراقبة الطريق، النظر في مرآة السيارة، الانتباه حتى لا يدوس أحداً، الانتباه للطرقات، فيكون يقرأ القرآن وعقله في قيادة السيارة، فهل هذا من الأدب في قراءة القرآن أم ليس من الأدب؟ هذه هي الإشكالية.
إذاً، القراءة على الدابة وهي واقفة لا خلاف في جوازها، لكن القراءة على الدابة وهي تسير بالانسان بعض السلف كره ذلك. لذلك قال: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أذن في بذلك، وعن الإمام مالك بن انس أنه كره ذلك.
يعني عمر بن عبد العزيز كان يقول: لا حرج في قراءة القرآن وأنت تسير في دابتك. بينما الإمام مالك يخالف -الإمام مالك إمام دار الهجرة- كره ذلك؛ لأنه يراه من عدم تعظيم كتاب الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن وهب: سالت مالكاً عن الرجل يصلي من آخر الليل فخرج إلى المسجد وقد بقي من السورة التي كان يقرا منها شيء، فقال: ما أعلم القراءة تكون في الطريق.
يعني حتى لو كان الإنسان ماشياً في طريقه، ماشياً في طريقه إلى المسجد أو إلى عمله، أي يقول مالك إنه لا يقرأ القرآن في أثناء سيره. لماذا؟ هذا طبعا وجهة نظر الإمام مالك، يرى أن هذا من عدم تعظيم كتاب الله، وأن تعظيم كتاب الله يجعلك تقرأ القرآن وأنت مقبل عليه، أي جالس على أريكتك أو في المسجد بصورة هادئة، يعني حتى يكون التركيز وعدم الغفلة هو شعارك.
لكن هذه مسألة فيها خلاف، يعني حتى لا أطيل الأمر مسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فالبعض يقول إنها ليس مكروهاً أن يقرأ الإنسان القرآن في الطريق، بل أحياناً يكون هذا أفضل من أن يكون غافلاً تماماً وأبعد للشيطان عنه، فمسألة فيها خلاف.
وأقول الله تعالى أعلم أنه لا حرج في قراءة القرآن في أثناء الطريق، وهذا ذهب إليه طائفة كبيرة من أهل العلم.
قال الشعبي، انظروا الشعبي ماذا يقول؟ يقول الشعبي: تكره قراءة القرآن في ثلاثة مواضع: في الحمام، وفي الحشوش، وفي بيت الرحى وهي تدور.
الحمام أحبابي الكرام عند السلف المراد به الحمامات هي الحمامات التي نحن في عرفنا بنسميها الحمامات السورية أو حمامات الاستحمام، وليس الحمام الذي هو مكان قضاء الحاجة. في الزمن القديم أحبابي الكرام كان هناك دور خاصة لقضاء الحاجة، وأماكن خاصة منفصلة عنها الاستحمام تسمى الحمامات، وهذه تكون في الأماكن العامة، تكون حمامات في الأماكن العامة لها أشخاص مج- يعني يقفون عليها وياخذون أجرة ممن يدخل يستحم ثم يخرج، هذه هي الحمام.
وأما الحش نعم هو مكان قضاء الحاجة. وبيت الرحا: الرحا هي القطعتان من الحجر، قطعة ثابتة في الأرض وقطعة فوقها تدور يطحن بها القمح والبر وما شابه ذلك.
الآن الشعبي يقول: يكره أن يقرأ القرآن في الحمام أي في مكان الاستحمام، ويكره أن يقرأ القرآن في الحش أي في أماكن قضاء الحاجة، ويكره أن يقرأ القرآن في بيت الرحا وهي تدور أي في بيت الرحا أثناء دوران الرحا.
الآن في الحقيقة قراءة القرآن في الحمام أي في أماكن الاستحمام المنفصلة عن أماكن قضاء الحاجة، أي في خلاف بين السلف: هل يقرأ القرآن في الحمامات أم لا يقرأ؟ والصحيح أنها لا تكره؛ لأنه الحمامات هي فقط عبارة عن أماكن الاستحمام، هذا هو الحمام في عرف السلف، أماكن منفصلة مبان منفصلة غرف منفصلة للاستحمام، لا يوجد فيها أماكن لقضاء الحاجة فقط هي عملية إدارة الماء على البدن، فأكثر السلف قالوا: لا حرج في أن يقرأ القرآن في الحمام إذا كان على هذه الهيأة، بل فيه إشغال للسان بما هو نافع.
إذا دخلت الحمام وأنت تستحم بدلاً من أن تكون غافلاً لاهياً، الأصل المؤمن أن يبقى لسانه مشغلاً بقراءة القرآن، فيقولون: الصحيح أن هنا لا كراهة لقراءة القرآن في الحمام.
وأما قراءة القرآن داخل الحشوش، أي في أماكن قضاء الحوائج، ففي الحقيقة الأمر ليس فقط على الكراهة، بل ذهب السادة الحنابله رضوان الله تعالى عليهم إلى تحريم قراءة القرآن في الحش؛ لأنها أماكن مستقذرة، أماكن تحضرها الشياطين، أماكن فيها البول والغائط، فيجب أن ننزه كلام الله سبحانه وتعالى أن يقرأ في هذه الأماكن، فالصحيح أن قراءة القرآن في الحش محرمة.
وأما قراءة القرآن في بيت الرحا؟ لماذا برايكم كرهوا أن يقرأ القرآن في بيت الرحا؟ يمكن أن أشبّه لكم بيت الرحا اليوم في المصانع، لو دخلت مصنع والآت فيه تشتغل وصوتها مرتفع، يقولون: يكره أن يقرأ القرآن في المصانع التي تكون فيها الآات تعمل بصوت مرتفع. لماذا؟ لأن قراءة القرآن هنا مع وجود الضجيج الكبير في الحقيقه يجعل القلب ليس حاضراً عند تلاوة كلام الله سبحانه وتعالى، فتكون الأصوات الأخرى مرتفعة على كلام الله عز وجل، والقران يعلو ولا يعلى عليه.
هم من هذا الجانب الشعبي لماذا نهى عن قراءة القرآن في داخل بيت الرحا؟ يقول: إذا دخلت بيت الرحا والرحا تدور يكون صوتها عالي جداً، فأنت إذا قرأت القرآن أولاً لا تكاد تضبط قراءتك، ثانياً يكون هناك صوت أعلى من صوت القرآن، وينبغي أن يكون صوت القرآن هو الأعلى دائماً، فهم من هذا الملحظ كرهوا قراءة القرآن في بيت الرحا.
وهذه أيضاً مسألة يعني تقبل النقاش الفقهي، والذي يظهر والله تعالى أعلم -يعني لو إنسان يعمل في مصنع وكانت المصنع فيه آلات صوتها مرتفع- هل نقول له لا إياك أن تقرأ القرآن أو يكره لك أن تقرأ القرآن في هذا المصنع؟ يعني الأمر نسبي في الحقيقه.
نقول: إذا كان يستطيع أن يقرأ ويركز في قراءته هذا أفضل من أن يبقى في المصنع غافلاً عن ذكر الله سبحانه، لكن إذا كان لا يقرأ ويبقى ينسى القرآن ويضيع ويذهب ويعود بسبب كثرة الأصوات المرتفعة فنقول: لا، لا، لا تقرأ وأنت يعني اشغل لسانك بذكر الله عموماً وانتظر حتى تهدا الأمور لتقرا القرآن ببركة وتركيز أكثر، والله تعالى أعلم ولا أطيل أكثر من ذلك، وصلى الله على سيدنا محمد.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل