بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس العاشر من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. ووصل بنا الحديث إلى باب تعلم الصبيان القرآن. وفي هذا الباب والأبواب التي تليه سيتحدث ابن كثير عن مجموعة من الأحكام المتعلقة بتلاوة القرآن. هذا الباب إذا ترجم له الإمام ابن كثير تبعا لتراجم الإمام البخاري، وعليكم أن تكونوا مستيقظين متنبهين إلى أن هذه التراجم التي يذكرها ابن كثير إنما يأخذها من الإمام البخاري في صحيحه.
ماذا ذكر البخاري تحت هذه الترجمة؟ قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير قال: إن الذي تدعونه المفصل هو المحكم. أي السور التي تسمى سور المفصل هي التي تسمى أيضا السور المحكمة. والمفصل كما ذكرنا سابقا يبدأ من الحجرات حتى سورة الناس، والبعض يقول من ق حتى سورة الناس. هذا الجزء من القرآن يسمى المفصل، وعرفنا لماذا سمي مفصلا لكثرة الفصول فيه بين السور. السور عادة هنا تكون قصيرة من صفحتين، ثم بعد ذلك تبدأ تتناقص إلى صفحة ونصف، ثم بعد ذلك تصبح في نصف صفحة، ثم أقل. عندما ناتي إلى نهاية جزء عم، فهناك فواصل كثيرة فيه بين السور فلذلك سمي المفصل.
وسعيد بن جبير وهو تلميذ ابن عباس يقول: إن الذي تدعونه المفصل أي هذا الجزء من القرآن الذي تسمونه المفصل هو المحكم. لماذا السور أو سور المفصل تسمى المحكم؟ عندهم في عرف السلف المحكم أحبابي الذي يظهر لي والله أعلم الذي لم يدخله النسخ. وإذا تأملت سور القرآن من الحجرات حتى الناس تجدونها في جلها تتحدث عن أمور العقائد الأساسية، تتحدث عن فلسفة الحياة ولماذا وجد الإنسان، وعن حقائق الوجود وعن علاقة الإنسان بهذا الرب. تتكلم عن عقيدة اليوم الآخر وأهواله إلى غير ذلك من الأمور المحكمة التي لا مجال فيها لأن تنسخ.
ولذلك هذا الجزء من القرآن هو الذي نزل ابتداء على النبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي تربى عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في مكة. هذا الجزء من القرآن أغلبه مكي؛ لأنه يتحدث عن أمور العقائد وتأسيس الإيمان في النفوس وعن أهوال اليوم الآخر، فوظيفته أن يزرع الإيمان وأن يؤسس العقيدة الصحيحة في قلوب الجيل. فلذلك سمي محكما لأنه لم يتطرق إليه نسخ.
ثم هو يقصد بعد ذلك الحديث الذي يليه يعني هو قضية أن الذي تدعونه المفصل هو المحكم ليست هي المقصودة من هذه الترجمة، وإنما أراد البخاري ما يلي هذا. قال: وقال ابن عباس أي قال سعيد بن جبير: وقال ابن عباس: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين، وقد قرأت المحكم. هذا هو موطن الشاهد، وهو أن ابن عباس وهو ابن عشر سنين أي توفي النبي صلى الله عليه وسلم وكان ابن عباس قد أتقن قراءة المحكم، ونحن عرفنا من الأثر السابق أن المحكم هو المفصل.
فإذا سيدنا عبد الله بن عباس قبل أن يبلغ كان قد أتقن قراءة المفصل، قراءة المحكم الذي من الحجرات إلى الناس، وهذا يدل على ترجمة الباب وهو جواز واستحباب تعليم الصبيان للقران؛ لأنك تقول ابن عباس ابن عشر سنين يعني الأصل أنه لم يبلغ بعد، ومع ذلك كانوا يحفظونه كلام الله سبحانه وتعالى.
يقول البخاري: وحدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هشيم، أخبرنا أبو البشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جمعت المحكم أي المفصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت أي سعيد بن جبير يقول فقلت له أي لابن عباس: وما المحكم؟ قال: المفصل. فهذا أيضا تأكيد أن ابن عباس رضي الله عنه استطاع أن يحفظ المحكم أي المفصل الذي هو من الحجرات إلى الناس، استطاع أن يحفظه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قد أقول قد يكون فيه إشارة إلى أن ترتيب سور القرآن وتصنيفها في المفصل أن هذا من توقيف النبي صلى الله عليه وسلم. هي المسألة التي أشرنا لها سابقا، والخلاف فيها بين أهل العلم هل ترتيب سور القرآن توقيف أو اجتهاد؟
الذي يظهر من هذه الأمور أنه كان عند الصحابة دراية بالمفصل والسور التي تدخل تحته، وهذا يجعل ترتيب السور كما أصلنا توقيفي في أغلبه، ويوجد جزء منه بسيط كان معتمدا على اجتهاد الصحابة. يقول ابن كثير: وفيه دلالة على جواز تعلم الصبيان القرآن؛ لأن ابن عباس أخبر عن سنه حين موت النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان جمع أي حفظ سور المفصل وهو من الحجرات إلى الناس أو من ق إلى الناس كما مر معنا وعمره إذاك عشر سنين.
وقد روى البخاري أي بطريق آخر أنه قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مختون. وكانوا لا يختنون حتى يحتلم. فيحتمل أنه احتلم لعشر سنين جمعا بين هذه الرواية وتلك. يعني ابن عباس في الرواية الأولى عندنا الأصلية يقول: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ابن عشر سنين. في رواية أخرى أوردها البخاري يقول ابن عباس: توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا مختون. وكان من عادتهم أنهم لا يختنون الإنسان حتى يحتلم أي حتى يبلغ. فكيف نجمع بين هذه الرواية ورواية أن النبي صلى الله عليه وسلم توفي وابن عباس ابن عشر سنين؟
يقول ابن كثير: يجمع بينهما بأن نقول إن ابن عباس احتلم أي بلغ على عمر عشر سنين، فتم ختانه بعد ذلك مباشرة حتى نجمع بين هذه الروايات. وذكر احتمالا آخر أتركه لكم، وقد يكون الاحتمال الأول هو الأوجه. وعلى كل تقدير ففيه دلالة على جواز تعليم القرآن في الصبا، وهو ظاهر، بل قد يكون مستحبا أو واجبا أن نعلم الصبيان القرآن في الصبا يصل إلى الاستحباب، بل قد يصل للوجوب؛ لأن الصبي إذا تعلم القرآن بلغ وهو يعرف ما يصلي به، كان عنده رصيد يصلي به في صلاته، يعرف كيف يقرأ الفاتحة، ما الذي يقرأه بعد الفاتحة، وحفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرا، وأشد علوق بخاطره وأرسى وأثبت، كما هو المعهود من حال الناس، ومن أمثلتها المشهوره في بلادنا يقولون: الحفظ في الصغر كالنقش في الحجر.
وقد استحب بعض السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلا للعب. انظروا المناهج التربوية أيضا التي يشير إليها ابن كثير، هذا الكتاب كما قلت فيه لفتة طيبة من هذا الإمام. يقول: استحب بعض السلف أن يترك الصبي في ابتداء عمره قليلا للعب، ثم توفر همته على القراءة لئلا يلزم أولا بالقراءه فيمل ويعدل عنها إلى اللعب. يعني ليس من أساليب التربية الصحيحة أن الأب وأن الأم تشد على ابنها الصغير كثيرا كثيرا في موضوع حفظ القرآن لدرجة أن ينفر الابن من هذا الموضوع، لا يجب أن يكون نوع من السياسة الحكيمة؛ فهذا في النهاية طفل يجب أن يعطى فترة جيده من اللعب والاستمتاع بالحياة والتعرف عليها، ويكون تحبيبه بالقران رويدا رويدا مع المداومة والاستمرار.
يعني لا يكون هناك كسل وأقبال على الدنيا، لكن المراد أن بعض الناس يريد أن يحفظ ابنه القرآن ويكون حريصا على ذلك، لكن طريقته طريقة جبرية قهرية يمنع طفله من اللعب، يمنعه من الاختلاط بأقرانه، وهذا في الحقيقة يكون في كثير من الأحيان يمتلك آثارا سلبية على حياة الطفل، القضية تحتاج إلى شيء من التوازن. ثم قال: وكره بعضهم تعليمه القرآن وهو لا يعقل ما يقال له.
الآن هذه مسألة يعني خليني أقول جدلية، هل يعني يعلم الصبي القرآن ولو كان لا يعقل ما الذي يلقنه، أم لا نحفظه القرآن حتى يبدا يعقل ما الذي يقرأه؟ هذه أقول مسألة تحتمل النظر، لكن هنا ذكر قولا بالكراهة؛ كراهة تعريفه القرآن وهو لا يعقل، ولكن يترك حتى إذا بدأ يظهر عليه بنيات التمييز يعني سبع ثمان سنوات يعلم قليلا قليلا بحسب همته ونهمه وحفظه وجودة ذهنه. وهذا أمر مهم أنه يجب على الإنسان أن يراعي المستوى الذهني الذي أعطاه الله لطفله، وألا يكون يقارن يقول له: لماذا أنت لست مثل فلان؟ لماذا أنت لست مثل فلان؟ لا، هذه في الحقيقة أشاعر أنها من الأمور الخاطئة في التربية عموما يعني اللهم إلا بعض الاستثناءات، لكن في الأصل أنه تقارن إمكانيات طفلك بإمكانيات طفل آخر هذا خطا، كل انسان الله سبحانه وتعالى أعطاه قدرات في الحفظ في الفهم يجب عليك أن تراعي هذه القضية.
واستحب عمر بن الخطاب أن يلقن الصبي خمس آيات خمس آيات كما رويناه بسند جيد. يعني لاحظوا سيدنا عمر بن الخطاب يقول: ما في داعي الصبي يحفظ في اليوم الواحد صفحتين وثلاث، يكفي أن يلقن خمس آيات خمس آيات.
طيب، ننتقل لباب آخر، باب نسيان القرآن، وهل يقول نسيت آية كذا وكذا؟ وقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ. حدثنا الربيع بن يحيى، حدثنا زائدة وهو زائدة بن قدامة، حدثنا هشام وهو هشام بن عروة، عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت -طبعا عائشة تكون هي خالة عروة بن الزبير-: لقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في المسجد فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني آية كذا وكذا من سورة كذا. وبإسناد آخر يقول البخاري: وحدثنا محمد بن عبيد بن ميمون، حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام وهو ابن عروة، عن عروة، عن عائشة الحديث السابق، لكن بلفظ: أسقطت أسقطته من سورة كذا وكذا. وتابعه علي بن مسهر وعبده عن هشام.
طبعا هناك بعض المصطلحات الحديثية يصعب أن نشرحها هنا في هذه المجالس المختصرة، مثل ما معنى المتابعة وما معنى الشواهد عند الإمام البخاري؟ هذه تحتاج إلى دراسة، يهمنا أن نأخذ الزبدة كما يقولون. وحدثنا أحمد بن رجاء، حدثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقرأ في سورة بالليل فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا كنت انسيت. لاحظوا: انسيت، ما قال نسيتها. انسيت من سورة كذا وكذا. والحديث الثاني حديث أبو نعيم الفضل بن دكين، حدثنا سفيان، عن منصور بن المعتمر، عن أبي وائل وشقيق بن سلمة، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: بئس ما لأحدهم أن يقول: نسيت كيت وكيت، بل هو نسي.
يقول ابن كثير في حديث ابن مسعود السابق: آدب في التعبير عن حصول ذلك، فلا يقول نسيت كذا؛ فإن النسيان ليس من فعل العبد. الآن ابن كثير يحاول أن يوجه لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول الإنسان نسيت آية كذا وكذا، يقول ابن كثير: لأن النسيان ليس هذا من فعل العبد، أن تنسى شيئا هذا لا يكون بإرادتك، ولكن أنت قد تصدر منك مجرد الأسباب بأن تتناسى الشيء فيحصل النسيان أو تتغافل عنه فيحصل النسيان.
فمن تناسى وانشغل عن القرآن أو تغافل عنه بأمم الدنيا أو تهاون في أمره سيحصل له نسيان، فهو يقول: لا تنسب النسيان إلى نفسك فتقول نسيت؛ لأنك لست أنت في الحقيقة من ينسى، يعني لست أنت من يبادر بإرادته لينسى، وإنما النسيان هو ثمره إهمال، تغافل، إعراض، فأنت تقوم بالاسباب التي تفضي إلى النسيان، وأما النسيان فهو العقوبة خلينا نسميه أو النتيجة النهائية للأسباب التي صدرت منك مثل التغافل والتهاون.
لذلك قال: فأما النسيان نفسه فليس بفعله، ولهذا قال: بل هو نسي، قال نسي بصيغة المبني لما لم يسم فاعله. ويقول ابن كثير: وهذا فيه أدب في التعامل مع الله سبحانه وتعالى؛ لأن الذي ينسي العبد في الحقيقه الله وليس العبد، هو ينسى نفسه بنفسه أو ينسى الأمر بنفسه. وقد اسند النسيان طيب إلى العبد، الآن مثلا هذا اعتراض: أن الله عز وجل أسند النسيان إلى العبد في قوله تعالى: وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ. مع ها لاحظوا نسب النسيان له واذكر ربك إذا نسيت، أي وهو والله أعلم يقول ابن كثير من باب المجاز الشائع بذكر المسبب والسبب، أنه هنا في نوع من المجاز وليست على حقيقتها هذا الإسناد؛ لأن النسيان إنما يكون عن سبب، قد يكون ذنبا كما تقدم أن الضحاك بن مزاحم مر معنا في المجلس السابق أن الضحاك بن مزاحم أخبر أن نسيان القرآن إنما يكون بسبب ذنب أحدثه العبد، فأمره الله تعالى بذكره ليذهب الشيطان عن القلب، كما يذهب الشيطان عند النداء بالأذان، والحسنة تذهب أو تذهب السيئة.
فإذا زال السبب للنسيان انزاح، فحصل الذكر للشيء بسبب ذكر الله سبحانه وتعالى. فالمهم يعني هذا توجيه من ابن كثير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بئس ما لأحدهم أن يقول نسيت كيت وكيت. أن الأساس في هذه الفكرة أن الإنسان ليس هو الذي ينسى بنفسه بإرادته باختياره، وإنما هو شيء يحل به إذا صدرت منه بوادره. لكن كما وجه بعض أهل العلم لا يفهم الأمر على طريقة ابن كثير، بل مباشرة يقول: لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول نسيت كذا وكذا؟ لأن ذلك يشعر بنوع من الإهمال والتغافل عن كتاب الله سبحانه وتعالى حتى وصلنا إلى هذه الثمره.
جيد، ولذلك يقول الإنسان نسيت نسيت، والذي نسيه هل هو المراد الله سبحانه وتعالى، لكن لم يصرح به تأدبا معه أن ينسب إليه مثل هذا الفعل؟ أم نقول مثلا بل هو نسي أن الشيطان هو الذي جعل له ينسى؟ وهذه من أحابيل الشيطان أيضا، هذا من توجيهات أهل العلم.
المختلفة. طيب، باب آخر: باب من لم ير بأسًا أن يقول سورة البقرة وسورة كذا وكذا. الآن هذه مسألة أيضًا وقع فيها خلاف بين السلف، هل نقول سورة البقرة، أم نقول عندما نسميها السورة التي يذكر فيها البقرة؟ طيب، هل نقول سورة آل عمران، أم نقول السورة التي يذكر فيها آل عمران؟ أيهما الصحيح هنا؟
يترجم البخاري فيقول: باب من لم ير بأسًا أن يقول سورة البقرة مباشرة من دون حاجة أن يقول السورة التي تذكر فيها البقرة. وأورد حديثًا، حديث البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي وهو حفص بن غياث، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم بن علقمة وعبد الرحمن بن يزيد عن أبي مسعود الأنصاري قال: صلى الله عليه وسلم: الآيتان من سورة البقرة من قرأ بهما في ليلة كفتاه.
الآيتان من آخر سورة البقرة. موطن الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الآيتان من آخر سورة البقرة. ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: الآيتان من آخر السورة التي يذكر فيها أمر البقرة. لا، لا، النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة هو الذي قال: الآيتان من آخر سورة البقرة. فهذا يدل على جواز أن نقول سورة البقرة من دون حاجة إلى أن أطيل في تسميتها.
والحديث الثاني ما رواه من حديث الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري كلاهما عن عمر: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان. ما قال: يقرأ السورة التي يذكر فيها الفرقان، كلا، سماها مباشرة: سورة الفرقان. وذكر الحديث بطوله.
وما رواه من حديث شبيب بن عروة عن أبيه عن عائشة: سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قارئًا يقرأ من الليل في المسجد فقال: يرحمه الله، لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا. لاحظوا: من سورة كذا وكذا، ما في داعي أن يقول من السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. الأمر في ذلك على السعة.
قال ابن كثير: وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يقال إلا السورة التي يذكر، ولم يروا أن يقال إلا السورة التي يذكر فيها البقرة، أو السورة التي يذكر فيها آل عمران. يعني بعض السلف كره هذه التسمية: أن تقول سورة البقرة، سورة آل عمران، وإنما قالوا: الصحيح أن تقول السورة التي يذكر فيها البقرة. هكذا كانت طريقة بعض السلف.
كثير يعلق يقول: ولا شك أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحت الأحاديث بالرخصة في الأمر الآخر وهو أن نطلق مباشرة سورة البقرة من دون أن نتكلف، وعليه عمل الناس اليوم في ترجمة السور في مصاحفهم. وعليه عمل الناس اليوم في ترجمة أي السور في مصاحفهم، فبالتالي أصبحت القضية يعني نقول شبه اتفاق، والله تعالى أعلم.
موضوع الذي يليه: موضوع الترتيل في القراءة. البخاري أورد مجموعة من الآيات، وقوله عز وجل: وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. وقال تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ. وما يكره أن يهذ الشعر. أي سيذكر البخاري في هذا الباب من آثار السلف ما يدل على كراهة أن يهذى القرآن كهذ الشعر؛ تقرأه قراءة سريعة من أجل أن تنهي الورد وأنت لم تستحضر ولم تتنبه. قال: يفرق أي يفصل، وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ، ما معنى فرقناه؟ أي فصلناه كما قال ابن عباس.
ثم ذكر البخاري حديث وائل عن عبد الله بن مسعود قال: غدونا على عبد الله فقال رجل: قرأت المفصل البارحة. فقال له ابن مسعود: هذي كهد الشعر. يعني رجل أتى ليتفاخر فيقول: إنني قرات البارحة المفصل. فابن مسعود أراد أن يعلمه، قال: أهذي الشعر؟ يعني هل قرأته قراءة تدبر ولا جرد كجرد الشعر؟ إنا قد سمعنا القراءة، وإني لأحفظ القرائن اللاتي كان يقرا بهن النبي صلى الله عليه وسلم ثماني عشرة سورة من المفصل، وسورتين من الحواميم، أي من السور التي يبدأ مطلعها بالحميم. المهم موطن الشاهد وهو أن ابن مسعود أنكر على هذا الرجل أن يكون قرأ القرآن هذي كهد الشعر، وهذا يدل أنها ليست هذه القراءة الصحيحة التي يقرأ عليها القرآن.
ولذلك ذكر ابن كثير مجموعة من الأحاديث، منها ما رواه الإام أحمد في مسنده من حديث عائشة أنه ذكر لها أن أناسًا يقرؤون القرآن كاملًا يعني في الليل مرة أو مرتين. فقالت عائشة: أولئك قرؤوا ولم يقرؤوا. يعني هم صح قرؤوا، لكنهم في حكم الذي لم يقرأ لأنهم لم يفهموا شيئًا. كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، ولاحظوا هذه العلاقة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه، كنت أقوم مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة التمام، أي الليلة التي يكتمل فيها القمر والله أعلم، أو الليلة التي يتم فيها الشهر على كلام بعض الشراح، فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، لا يزيد على ذلك، فلا يمر بايه فيها تخوف إلا دعا الله واستعاذ، ولا يمر بايه فيها استبشار إلا دعا الله ورغب إليه. وهذه هي القراءة التدبرية الصحيحة التي يحصل منها الإنسان النفع.
ثم ذكر حديثًا آخر باسناده عن ابن عباس بقوله تعالى: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل جبريل بالوحي كان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه. يعني كان جبريل يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيسمعه الوحي، فالنبي صلى الله عليه وسلم يبدأ يبادر ويستعجل جبريل حتى يعني النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يضبط الوحي ويخشى أن يفوته شيء. فالله سبحانه وتعالى أنظروا كيف يخاطب حبيبه صلى الله عليه وسلم فيقول: لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، أي تلاوته من جبريل، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ. وذكر تمام الحديث، حديث وفيه وهو الذي قوله دليل قال على استحباب ترتيب القراءة، والترسل فيها. وقد تكون النسخه على استحباب ترتيل القراءة بدل ترتيب القراءة. ترتيل باللام قد أظن هذه نسخة أخرى قد تكون هي الأجود هنا والأنسب للسياق.
إذا، وفي هذا الحديث وفي الذي قبله دليل على استحباب ترتيل القرآن والترسل في قراءته، من غير هرمة ولا سرعة مفرطة، بل بتأمل وتفكر. قال تعالى: كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. وبعد ذلك ذكر الإمام ابن كثير تبعًا للائمة مجموعة من الأحاديث ليست في البخاري، لكن مجموعة من الأحاديث التي تشير وتدل على أهمية أن يقرأ القرآن قراءة صحيحة، وليس مجرد ما يفعله بعض الحفظة اليوم، وهو أنه يهتم أن يبقى حافظًا للقرآن، لكن لا يهتم أن يكون متدبرًا متفهمًا للقرآن. وهذه من آفات العصر نسأل الله السلامة والعافية.
الباب الذي يليه: باب مد القراءة. كيف أن تكون القراءة مدًا، أي بهدوء وروية وأن تخرج الحروف من مخارجها. يقول البخاري: حدثنا مسلم بن ابراهيم، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا قتادة قال: سالت انس بن مالك عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم كيف كانت؟ يعني فقال: كان يمد مدًا. وحدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام ومحمد بن يحيى عن قتادة بن دعامة السدوسي قال: سئل أنس بن مالك كيف كان قراءة النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: كانت مدًا. ثم قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. هذا هو المد، أنك تاخذ راحتك وأنت تقرا الأحرف وتخرجها من مخارجها، يمد بسم، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم، هكذا: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا الهدوء في القراءة والتقطيع والتفصيل للأحرف، هذا يسمى مدًا عندهم.
وكذلك أم سلمة أنها نعتت قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: كانت مفسرة حرفًا حرفًا. وهكذا رواه الإمام أحمد بن حنبل من طريق آخر، كلهم على لي سعد به. وكذلك أم سلمة قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ. يعني النبي صلى الله عليه وسلم أولًا كان يمد الصوت يقول: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. كان يمد صوته، لكن في نفس الوقت كان يقطع القراءة على وفق المعاني؛ فيقف في المكان الصحيح وينتقل ويكمل في المكان الذي لا يصح الوقف فيه.
وهكذا الباب الذي يليه: باب الترجيع. يقول البخاري: حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة بن الحجاج، حدثنا أبو إياس، سمعت عبد الله بن المغفل قال: رايت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته أو جمله يسير به وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة وهو يرجع.
الآن السؤال: ما معنى يرجع؟ يعني مفهوم أنه قرأ على الناقة أو على الجمل وهو يسير به سورة الفتح قراءة لينة وهو يرجع، كله مفهوم إلا معنى الترجيع. ولكن هنا أشير إلى قضية، وهو أن في هذا الحديث يقول عبد الله بن المغفل: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته أو جمله يسير به وهو يقرأ سورة الفتح. فالظاهر من هذا الحديث أن القراءة على الجمل أو على الناقة كانت أثناء سيرها، وهذا يدل على جواز قراءة القرآن أثناء المشي وأثناء المسير، وأنه ليس مكروهًا، على خلاف ما أصلنا في المجلس السابق عن بعض الأئمة كالإمام مالك أظن أنه كره أن يقرأ القرآن في الطريق.
المهم نعود لمفهوم الترجيع، يقول ابن كثير: واما الترجيع فهو الترديد في الصوت، كما جاء أيضًا في صحيح البخاري أنه جعل يقول: آ آ، وكان ذلك صدر من حركة الدابة تحته. فدل على جواز التلاوة عليه وإن أفضى إلى ذلك. لو أن الانسان في طريقه وهو على دابه وهو يقرا على ظهر الدابه، تعلمون أحبابي، كلما تحرك جسم الانسان في سيارته في دابته تصدر منه أصوات، فإذا كان يقرأ القرآن فأثناء قراءة القرآن وهو في سيارته أو على دابته قد يصدر منه شيء من الأصوات غير المعهودة مثل: آ آ، أو مثلا صعد على حاجز أو على مطب فيشعر أن لسانه ثقل أو لسانه خف. فالمهم صدور مثل هذه الآءات خلينا نسميها أثناء تلاوه القرآن على الدابه والرواح هذا لا حرج فيه ولا يكون ذلك من باب الزيادة في الحروف أو التحريف، بل ذلك مغتفر، لماذا؟ للحاجه.
فالناس أحبابي تسافر الساعات الطويلة في السيارات وفي القاطرات وفي وسائل النقل المتنوعة، فهل نمنع الناس من أن يقراوا فيها خوفًا من حصول الترجيع بالصورة التي وصفناها؟ لا يظهر ذلك. لذلك قال: ولا يكون ذلك من باب زيادة الحروف بل ذلك مغتفر للحاجة. كما يصلى.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل