تسجيل الدخول

فضائل القرآن "لابن كثير" | المجلس الرابع

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الرابع من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. ووصلنا إلى قول المصنف رحمه الله عليه: ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم.

والترجمة لهذا الباب كما ذكرها البخاري في صحيحه هي: ذكر كاتب النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الصيغة، لكن المهم ابن كثير رحمه الله عليه ذكر هذه الترجمة ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول ابن كثير: وأورد فيه، أي في هذا الباب، في باب ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، أورد الإمام البخاري حديث الزهري عن ابن السباق عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أن أبا بكر الصديق قال له -قال لزيد بن ثابت-: وكنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

طبعا هنا نلاحظ أن ابن كثير اختصر الحديث الذي ذكره الإمام البخاري في صحيحه، اعتمادا على أنه ذكره سابقا في باب جمع القرآن. هو نفس الحديث الذي ذكر في باب جمع القرآن، ومر معنا في المجلس السابق أو قبل السابق، هو نفسه هذا الحديث، وفيه دلالة على أن زيد بن ثابت كان ممن يكتب الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو موطن الشاهد فيه.

وأورد البخاري أيضا في هذا الباب كما ذكر ابن كثير حديث زيد بن ثابت في نزول آية النساء: لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، الحديث بطوله وتجدونه عندكم في الهامش. حديث الزهري: حدثني سهل بن سعد -أنظروا في الحاشية عندكم-: رايت مروان بن الحكم جالسا في المسجد فأقبلت حتى جلست إليه، فأخبرنا عن زيد بن ثابت قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم -لا, عليه، أي على زيد بن ثابت- لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله، ابتداءً لم تكن غير أولي الضرر نازلة.

فجاءه ابن أم مكتوم وهو يملها علي، أي دخل الصحابي الجليل ابن أم مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ضرير كما لا يخفى عليكم، والنبي صلى الله عليه وسلم يملي هذه الآية على زيد بن ثابت، فقال ابن أم مكتوم: يا رسول الله، والله لو استطيع الجهاد لجاهدت، وكان رجلا أعمى. فهنا أنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم جبريل، وكانت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت، فثقلت حتى خفت أن ترض فخدي، هكذا يقول زيد بن ثابت لما نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالاستثناء، وهي قوله، وهو قوله تعالى: غير أولي الضرر، كانت فخذ النبي صلى الله عليه وسلم على فخذ زيد بن ثابت حتى شعر زيد بن ثابت أن فخذه سترض من ثقل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المهم هذا الحديث أيضا يدل على أن زيد بن ثابت كان ممن يكتب الوحي بين يدي رسول الله. وهنا يعلق ابن كثير فيقول: ولم يذكر البخاري في صحيحه أحدا من الكتاب، أي من كتاب الوحي، في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، يعني تعجب ابن كثير كيف أن البخاري في صحيحه لم يذكر من كتاب الوحي إلا زيد بن ثابت. ثم اعتذر له فقال: وكانه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. أي يقول ابن كثير: كأن البخاري لم يقع له حديث على شرطه، أي على شرط البخاري المعلوم في صحيحه، لم يقع له حديث على شرطه -طبعا هذه على شرطه زيادة مني لتفهموا المقصد- لم يقع له حديث على شرطه حتى يرده في هذا الباب، وإن كان البخاري على جلالة علمه وقدره يعرف الأحاديث التي ذكر كتاب الوحي، لكن حديث على شرطه لم يجد إلا هذا الحديث الذي يتكلم عن زيد بن ثابت. ثم يقول ابن كثير: وموضع هذا، أي الحديث عن كتاب الوحي، إنما يكون عاده في كتاب السيرة عند ذكر كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا هو الموطن المعتاد لذكر هذه المسائل، كتاب الوحي يذكرونها في كتب السير.

عموما أحبابي الكرام، اختلف أهل العلم في تحديد عدد كتاب الوحي، بعض أهل العلم قال كتاب الوحي ثلاثة عشر صحابيا، ومنهم من جاوز بهم العشرين. وابن كثير رحمه الله عليه صاحب هذا الكتاب في تاريخه المشهور البداية والنهاية جعلهم ثلاثة وعشرين صحابيا، وذكر منهم الخلفاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. وذكر منهم أيضا أبان بن سعيد بن العاص، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، والأرقم بن أبي الأرقم، وثابت بن قيس، وحنظلة بن الربيع، وخالد بن سعيد بن العاص، وخالد بن الوليد، والزبير بن العوام، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أرقم، وعبد الله بن زيد إلى -يعني ما شاء الله- حتى أوصلهم إلى ثلاثة وعشرين صحابيا.

فإذا كتاب الوحي ليسوا فقط زيد بن ثابت، بل هناك عدد لا باس به من الصحابه الكرام كانوا يكتبون الوحي بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه هي المعلومة التي أخذناها.

ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: أنزل القرآن على سبعة أحرف. عقد البخاري هذا الباب، وهذا باب يعني سيجلس معنا هذا الدرس والدرس القادم بإذن الله، باب نزول القرآن على سبعة أحرف. هذه هي المسألة الشهيرة التي وقع فيها خلاف طويل بين أهل العلم في فهم ما معنى أن القرآن نزل على سبعة أحرف. اليوم سنورد مجموعة من الأحاديث، والمحاضره القادمة أو المجلس القادم نتكلم أيضا في مجموعة أخرى، ونبين أقوال أهل العلم في بيان المقصود من الأحرف السبعة.

بدأ البخاري في هذا الباب: باب أنزل القرآن على سبعة أحرف، فذكر قال: حدثنا سعيد بن عفير، الحديث بإسناده، أن عبد الله بن عباس حدثه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أقرأني جبريل عليه السلام على حرف، أي على حرف واحد، أقرأه القرآن على حرف واحد، فراجعته فلم أزل استزيد ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف.

هذا هو الحديث الأول الذي ذكره البخاري رحمه الله تعالى عليه في نزول القرآن على سبعة أحرف. وفي الحقيقة أحاديث نزول القرآن على سبعة أحرف تكاد تكون متواترة تواترا معنويا، وستلاحظون أن ابن كثير ذكر أحاديث كثيرة عن الصحابة تثبت أن القرآن نزل على سبعة أحرف، فقضية نزول القرآن على سبعة أحرف قضية متواترة تواترا معنويا لكثرة الأسانيد الواردة والسياقات المتنوعة فيها. وهذا الحديث أول حديث ذكره البخاري في هذا الموضوع، وذكره أيضا في باب بدء الخلق في صحيحه، ذكر هذا الحديث في باب بدء الخلق. وروى هذا الحديث أيضا الإمام مسلم عن طريق يونس بن يزيد الأيلي عن ابن شهاب، ومسلم أيضا رواه عن طريق معمر بن راشد عن ابن شهاب، لذلك قال كلاهما عن الزهري. فابن شهاب الزهري روى عنه هذا الحديث عقيل بن خالد كما عندكم في الإسناد الأول، ورواه أيضا مسلم عن طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب، ورواه وهو مسلم أيضا عن طريق معمر بن راشد عن ابن شهاب الزهري. فهناك طرق متعدده من تلاميذ ابن شهاب عنه في هذا الحديث، وكذلك رواه ابن جرير الطبري في تفسيره من حديث الزهري.

ثم قال الزهري معلقا على هذا الحديث: بلغني أن تلك السبعة الأحرف، أن تلك يعني الأحرف السبعة -لكنه قدم وأخر-: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون واحدا لا يختلف في حلال ولا في حرام. وهذه قضية سناتي لها، يعني ما هو الارجح في تفسير السبعة أحرف؟ هل هو ما قاله الزهري وأن السبعة أحرف المراد بها اللفظة الواحدة التي لا تتعلق بحلال ولا حرام أنها تقرا على سبعة أحرف، فيقال مثلا في قراءة: جاء، وفي قراءة أخرى: أقبل، وفي قراءة من السبعة أحرف: تعالى؟ يعني تكون كلمات مترادفة لكنها قرئت أو نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم متنوعة بسبب تنوع قبائل العرب.

طبعا أحبابي الكرام من الآن نريد أن نفهم قضية القراءات السبع والقراءات العشر والقراءات حتى المتداولة اليوم بيننا ولو كانت شاذه، هي يعني أقول شبه اتفاق وليس اتفاق، ليس لها علاقة بموضوع الأحرف السبعة. القراءات الموجودة اليوم هي كلها تحت حرف واحد من الأحرف السبعة. نعم هناك بعض أهل العلم قال بخلاف ذلك، لكنه قول ضعيف، وجماهير العلماء والأئمة مقرون أن القراءات الموجودة القراءات المشهورة والتي تقرءون عليها -الشاطبية وغيرها- هذه القراءات السبعة المتواترة مع العشرة مع حتى القراءات الشاذة، هي كلها تندرج تحت حرف واحد من الأحرف السبعة وليست هي الأحرف السبعة كما يظن البعض. هذه انتبهوا لها من الآن حتى لا تختلط الأمور عليكم.

موضوع الأحرف السبعة هذا موضوع كان في ابتداء نزول القرآن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما جاء زمن عثمان بن عفان وتم نسخ المصاحف، عثمان بن عفان رحمه الله عليه استثنى ستة أحرف وكتب القرآن على حرف واحد ليجمع الناس، ليجمع الناس حتى لا يقع الخلاف والشتات خاصة مع دخول الأعاجم وتوسع الدولة المسلمة، وأقر الصحابة جميعا عثمان بن عفان على ما فعله في هذا، فكان إجماعا متواترا مستفيضا لا غبار عليه.

لكن كما قلت علماء القراءات وعلماء السير وعلماء الحديث يناقشون كيف أن القرآن نزل ابتداء على سبعة أحرف، يحاولون أن يفهموا هذه القضية: ما معنى أنه نزل ابتداء على سبعة أحرف؟ وكيف عثمان بن عفان استثنى ستة أحرف ثم أبقى الناس على حرف واحد؟ فهذه القضية التي وقع فيها الخلاف، وإن كان يعني قد يقول البعض إن هذا الخلاف لم يعد له اثر في واقعنا المعاصر العملي. أقول: هذا كلام قريب، لو أن الناس قفزوا عن هذه المسألة لعدم وضوحها لديهم مع استقرار الأمر على ما هو عليه الآن، قد يكون هذا الأمر قريب، لكن عشاق العلم والباحثون يعني يبقون يحبون مثل هذه المباحث ليكون الإنسان على معرفة بتسلسل الأمور القرآنية.

كما يقولون فبن شهاب الزهري رحمه الله عليه يرى أن معنى نزول القرآن على أحرف سبعة أنها اللفظة الواحدة كانت، أي ليس هو اختلاف في التحليل والتحريم أبدا، يعني لا يمكن أن يكون الأحرف السبعة على حرف يكون الأمر حلالا، وعلى حرف آخر يكون الشيء محرما، وعلى حرف آخر يكون مكروها، لا، لا يمكن أن يكون هذا في موضوع اختلاف الأحكام، وإنما كما قال ابن جبير في الشيء الواحد، يعني اللفظة الواحدة لها مرادفات في اللغة العربية، فجاز النبي صلى الله عليه وسلم للقبائل العربية أن يقراوا اللفظة الواحدة بمرادفاتهم عندهم، وهذا كله يكون بالوحي؛ أن الوحي يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يجوز أن تقرأ هذه هكذا وعلى قبيلة كذا هكذا، وعلى قبيلة طيء هكذا، وعلى قبيلة الأزد هكذا، من باب التسهيل على العرب في بدايه الأمر، لأن اللغات العربية واللهجات العربية كانت متنوعة، فكان يصعب جمع كل قبائل العرب على لغة قريش، فمن باب التسهيل الله سبحانه وتعالى أعطى هذه الرخصة للعرب ابتداء.

فكان جبريل يعطي النبي صلى الله عليه وسلم اللفظة الواحدة على سبعة أحرف. وهذا هل هو في كل ألفاظ القرآن؟ لا، لا يظهر هذا أنه في كل ألفاظ القرآن، وإنما في بعضها على حسب ما ينزل. هذه اشارات سريعة، لكن ما زلنا لم نحسم الأمر حقيقه، يعني هذا أحد الفهوم لأهل العلم في معنى الأحرف السبعة، وفي المجلس القادم بإذن الله سيسرد ابن كثير مجموعة من الآراء ونناقشها سريعا باختصار.

مثلا دعونا نقرا بعض الأحاديث التي ذكرت في الأحرف السبعة، واليوم سنقتصر على روايات أبي بن كعب، وسنلاحظ أن ابن كثير استقصى الروايات المنقولة عن سيدنا أبي بن كعب في موضوع الأحرف السبعة. هناك أحاديث بأسانيد متعددة بطرق متنوعة ثبتت عن أبي بن كعب في موضوع الأحرف السبعة. فانظروا مثلا الحديث الأول، قال: رواه الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، حدثنا يزيد -وهو يزيد بن هارون- طبعا ويحيى بن سعيد كلاهما عن حميد الطويل عن انس بن مالك عن أبي بن كعب قال: ما حك في صدري شيء منذ أسلمت إلا أنني قرأت آية وقراها آخر غير قراءتي.

أي ابي بن كعب قرأ آية، وكان إمام شخص، فقرا هذا الشخص نفس الآية لكن بطريقة أخرى، فقال أبي: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي على هذه الصفة- وقال الرجل الآخر: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي على صفة أخرى-. فابي بن كعب وهذا الصحابي قال: فاتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم هكذا أقرأك. وقال الصحابي الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا -يعني بهذه الطريقة نفس الآية قرأتني إياها بطريقة أخرى-؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. ثم رفع النبي صلى الله عليه وسلم اللبس عليهم فقال عليه الصلاة والسلام: إن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل عن يمين وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل للنبي صلى الله عليه وسلم: استزد، أي اطلب من جبريل أن يمنحك أيضا حرف آخر حتى تسهل على العرب. فبقي النبي صلى الله عليه وسلم يستزيد جبريل حتى بلغ سبعة أحرف، وكل حرف كاف شاف. وقد رواه النسائي أيضا من حديث يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد كلاهما عن.

حميد الطويل وكذا رواه محمد بن أبي عدي، ابن ميمون ويحيى بن أيوب كله عن حميد الطويل. وقال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عليه: وذكر ابن جرير إسناداً عن أبي بن كعب قال: صلى الله عليه وسلم: أنزل القرآن على سبعة أحرف، فأدخل بينهما عبادة بن الصامت، أي أن ابن جرير في هذا الإسناد أدخل بين أنس بن مالك وبين أبي بن كعب الصحابي الجليل عبادة بن الصامت، فأصبح في سلسلة الإسناد بخلاف الرواية الأولى التي ذكرها أبو عبيدة القاسم بن سلام فكان فيها مباشرة أنس بن مالك يروي عن أبي بن كعب. ابن جرير الطبري لا، جعل أنس بن مالك ينقل عن عبادة بن الصامت، وعبادة بن الصامت هو الذي ينقل الحديث عن أبي بن كعب، وهذه قضايا إسناد.

وذكر بعد ذلك حديث أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عليه بإسناده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد فدخل رجل فقرأ آية أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ آية سوى قراءة صاحبه، فقمنا جميعاً أي الثلاثة فدخلنا على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ غير قراءة صاحبه، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ فقرا، فقال: أصبت، ما فلما قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال كبر علي ولا إذا كنت في الجاهلية يعني وكاني كنت وكاني يعني من شدة انكاره وتعجبه أبي بن كعب من هذا الموقف كأنه أصبح من أهل الجاهلية.

فلما رأى الذي غشين النبي صلى الله عليه وسلم رأى الاضطراب الذي على أبي بن كعب، كأن أبي بن كعب جاءته وسوسة شيطان: كيف النبي صلى الله عليه وسلم قرأ كل هذه القراءات للآية الواحدة؟ قال: فلما رأى الذي غشين ضرب في صدري فضت عرقاً وكأنما أنظر إلى الله فرقاً، يعني ضربه النبي صلى الله عليه وسلم فيه جعلته يتصبب عرقاً كأنه ينظر إلى الله عياناً كأنه هذا المراد ليس حقيقة. قال: كأنه ينظر إلى الله عياناً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبي إن الله أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي يا رب، فأرسل إلي أن أقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل رده مسألة تسألني، فقلت: اللهم اغفر لي أمتي، اللهم اغفر لي أمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إراهيم عليه السلام. وهي المقصود أنه خبأ الدعوة الثالثة لهذه الأمة، وقيل إنه أخرها ليوم القيامة للشفاعة العظمى حيث يشفع للخلق جميعاً في بدء الحساب.

وهكذا روى الحديث أيضاً بهذا السياق مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. ثم ذكر ابن جرير حديثاً آخر يصل إلى أبي بن كعب قال صلى الله عليه وسلم: إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد فقلت: خفف عن أمتي. ونلاحظ في هذه الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يطلب التخفيف لهذه الأمة، والله سبحانه وتعالى كان يجيبه إلى ذلك رحمة بنا بأبي وأمي صلوات رب وسلامه عليه. وهنا ذكر قصة أخرى عن أبي بن كعب: سمعت رجلاً يقرا في سورة النحل قراءة تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرأها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا سياقه نفس سياق الحديث الذي ذكرناه قبل قليل.

هنا بعد ذلك يعلق ابن كثير فيقول: وهذا الشك الذي حصل لأبي في تلك الساعة هو والله أعلم السبب الذي لأجله قرأ عليه النبي صلى الله عليه وسلم قراءة إبلاغ وأعلام ودواء، لما كان حصل له صورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ إلى آخرها سورة البينة، لاشتمالها على قوله تعالى رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُصُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ. هنا ابن كثير يشير إلى يعني إلتفاتة جميلة حتى في أساليب التربية أحبابي الكرام؛ ورد في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بن كعب: يا أبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ اللي سورة البينة، فأبي بن كعب فرح وقال: وسماني لك؟ أي أن الله سبحانه وتعالى ذكر اسمي لك يا رسول الله؟ فقال: نعم. فبكى سيدنا أبي بن كعب.

ابن كثير رحمه الله عليه يستنتج من هذه القصة ويقول: إن الله سبحانه إنما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقرأ سورة البينة قراءة -طبعاً تعليم النبي صلى الله عليه وسلم يقراها على أبي حتى يعلم علمه- إنما أمر الله نبيه أن يقرأ على أبي بن كعب سورة البينة قراءة تعليم وتبليغ، لأن سورة البينة فيها هذا المقطع أو فيها هذه الآية التي يقول ربنا فيها رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُصُحُفًا مُطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، وكان الله سبحانه وتعالى يريد أن يثبت الإيمان في قلب أبي بن كعب لما حصلت له الوسوسة في وقت سابق من قضية الأحرف السبعة.

يعني الآن وقعت وسوسة شيطانية خلينا نقول في قلب أبي بن كعب لما حدثت حادثة الأحرف السبعة أمام عينيه، والنبي صلى الله عليه وسلم ضرب على صدره وثبته وزاده إيماناً، لكن حتى يزداد الإيمان أكثر وأكثر ويتثبت ويتجرد أبي بن كعب، لاحظوا الأسلوب التربوي العالي؛ يأتي النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب لا يقول له: يا أبي إن الله أمرني أن أقرأ عليك سورة البينة حتى حتى نزيل الشكوك التي في قلبك، لا لا، لم يواجهه النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المواجهه فقط، قال له: أن الله أمرني أن أقرأ عليك صورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وأبي بن كعب سر فقال: يا رسول الله وسماني لك؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم. فبكى أبي بن كعب، فقرا النبي صلى الله عليه وسلم عليه سورة البينة وأبي بن كعب يسمع وتدبر قوله تعالى رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُصُحُفًا مُطَهَّرَةً، ورسخت الآية في قلبه وزال الشك وارتفع البأس من دون حاجة إلى أن يباشره النبي صلى الله عليه وسلم بأنك يا أبي مريض أو هناك وسوسة أو هناك داء أو أمرني الله أقرأ عليك لأنك كذا وكذا.

لاحظوا الأسلوب التربوي كيف قرأ عليه القرآن فزاده إيماناً وثبته من دون أن يواجهه بأصل المشكلة، وابن كثير يعني يستنتج هذا أيضاً من موقف آخر حصل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: انظروا هذه الفوائد الجميلة، يقول ابن كثير: وهذا نظير تلاوته صلى الله عليه وسلم سورة الفتح حين أنزلت مرجعاً من الحديبية على عمر بن الخطاب، على عمر بن الخطاب. وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ. كما تعرفون أحبابي في قصة الحديبية لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع كفار قريش عمر بن الخطاب كان عنده شيء في النفس من الاعتراض يعني رأى أن هذه الشروط فيها هضم للمسلمين، راجع النبي صلى الله عليه وسلم وراجع أبا بكر الصديق أنه: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ لماذا هذه الشروط؟

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يجب وأخبره أن يعني الله سبحانه وتعالى سيجعل فيها الخير لهذه الأمة، ثم عمر بن الخطاب راجع أبا بكر الصديق، فأبو بكر الصديق هو الصديق المصدق للنبي صلى الله عليه وسلم دوماً، وأمر عمر بن الخطاب أن يلتزم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم. المهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد من صلح الحديبية باتجاه المدينة نزلت عليه سورة الفتح حيث سمى الله سبحانه وتعالى صلح الحديبية فتحاً إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، الفتح هنا صلح الحديبية وليس فتح مكة على الأشهر من أقوال المفسرين.

فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو عائد إلى المدينة لما نزلت عليه سورة الفتح انظروا الأسلوب التربوي العالي دعا عمر بن الخطاب، ما قال له: يا عمر أنت إنسان فيك شك وشككت في أمري وفيما فعلته وسأقرأ عليك سورة الفتح حتى أعالج فيك هذه الوسا... لا لا لا، من دون أن يواجهه بهذه الإشكاليات قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: تعال يا عمر حتى أقرأ عليك سورة الفتح من دون أن يذكر له شيئاً، فقرا النبي صلى الله عليه وسلم على عمر سورة الفتح وعمر يسمع، وكان فيما سمعه من سورة الفتح قوله تعالى أو قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ ۖ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ.

النبي صلى الله عليه وسلم كان رأى رؤيا أنه سيدخل المسجد الحرام آمناً، ولما خرج إلى صلح الحديبية ظن الصحابه أن هذا هذه العمرة عمرة الحديبية هي تأويل تلك الرؤيا، فلما عادوا من دون أن يدخلوا كانه وقع شك وقعت حيرة في قلب بعضهم، فلما سمع عمر هذه الآيات وهي تتلى عليه من النبي صلى الله عليه وسلم ازداد إيماناً ويقيناً وطمأنينة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل زاده إيماناً وثباتاً على هذا، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يفعل شيء خارج عن أوامر الله سبحانه، وإذا وعد الله تعالى رسوله بشيء سيتحقق هذا الأمر، سيتحقق هذا الأمر عاجلاً أم آجلاً.

فهذا كان من الأساليب التربوية التي يوصل الله عز وجل بها نبيه صلى الله عليه وسلم عندما تقع شيء من الوساوس أو الخطرات عند بعض الصحابه أن يستدعيهم النبي صلى الله عليه وسلم ويقرأ عليهم القرآن من دون أن يذكر لهم سبب استدعائهم، فيحصل لهم الإيمان والطمأنينة والثبات بأسلوب تربوي عالي، فالحمد لله على هذه النعمة.

هنا بعد ذلك ذكر يعني عاد ابن كثير يذكر الأسانيد التي رويت عن أبي بن كعب في مسألة نزول القرآن على سبعة أحرف، مثلاً هذا الإسناد: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده أضاءة بني غفار فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك يا محمد صلى الله عليه وسلم أن تقرأ أمتك القرآن على حرف، قال: أسال الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك -لأن كما قلت العرب لم يكونوا يعتادوا لغة واحدة كانت اللغات متعددة- ثم أتاه جبريل ثانية فقال: إن الله يأمرك يا محمد أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين، فقال: أسال الله معافاته ومغفرته أن أمتي لا تطيق ذلك، ثم جاءه الثالثة فقال: على ثلاثة أحرف، ثم الرابعة إلى أن أمره أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف.

وهذا إسناد آخر، وذكر أيضاً أسانيد في الحقيقة كثيرة يعني أدعها لكم حتى لا أطيط عليكم تستطيعون قراءتها، وكلها تحور حول هذه الفكرة، أي في المجلس القادم بإذن الله سنستقري الأسانيد الأخر: حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه، حديث سمرة، حديث أبو هريرة في الأحرف السبع، وحديث أي أم أيوب، وحديث أبي جُهَيم، حديث آخر عن غير أبي بن كعب، وهذا يدل على أن قضية الأحرف السبعة قضية متواترة.

وسناقش ما هي أقوال أهل العلم في موضوع الأحرف السبعة؟ هل هم اتفقوا على قول واحد أم كان هناك آراء متعددة؟ هذه الحمد لله أحبابي الكرام فوائد مهمة ينبغي للمؤمن أن يكون عنده إحاطة جملية بها بدون الدخول التفاصيل التفاصيل العميقة، لكن جيد أن يكون أهل القرآن المحبون للقران على دراية بالأمور القرآنية عامة خاصة في هذا الزمن، عندما تاتي شبهة تعرض تعرض على وسائل التواصل الاجتماعي أو أحد الملحدين أو المشككين يشكك الناس في موضوع القرآن أو القضايا الأساسية ويكون التقط هذا التشكيك من بعض المستشرقين، يحسن بالمسلم عموماً مهما كان تخصصه طبيب مهندس أن يكون عنده شيء من الثقافة الشرعية فيما يتعلق بهذه القضايا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.