تسجيل الدخول

فضائل القرآن "لابن كثير" | المجلس الخامس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا هو المجلس الخامس من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإلامام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه، وما زال حديثنا قائماً في مسألة الأحرف السبعة. وقد عقد لها الإلامام ابن كثير فصلاً طويلاً، بدأه بذكر حديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه في الأحرف السبعة، وذكر هذا الحديث بطرقه المتعددة. وقد عرفنا أن حديث الأحرف السبعة حديث متواتر تواتراً معنوياً، وقد ورد عن طريق مجموعة من الصحابة ولم ينفرد به أبي بن كعب فقط.

واليوم بإذن الله سنمر على بعض الأحاديث الأخر التي وردت في الأحرف السبعة، ثم بعد ذلك نذكر أقوال أهل العلم في معنى الأحرف السبعة والخلاف القائم بينهم باختصار قدر الإمكان بإذن الله. وصلنا إلى حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه، الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وفيه بسنده عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتاني جبريل وميكائيل عليهما السلام، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل أي للنبي صلى الله عليه وسلم: استزد، أي اطلب من جبريل أن يزيدك أوجه أخرى في القراءة، فقال المهم يعني ظهر هنا اختصار في الحديث، فقال جبريل في النهاية للنبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف، ما لم تختم آية رحمة باية عذاب أو آية عذاب برحمة.

وهذا الحديث يدل على أن الأوجه السبعة أو الأحرف السبعة لا تؤدي إلى تضاد في المعاني أو تناقض فيها، أو تناقض في الأحكام حاشا، هذا كلام ربنا سبحانه وتعالى، وهو لا يتناقض. فمجال الأحرف السبعة ليس له علاقة بتناقض الأحكام أو تضاد المعاني، هذا أصل اتفق عليه الجميع. وهناك حديث آخر حديث سمره أيضاً رواه الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف.

ثم ذكر حديث أبي هريرة ورواه الإمام أحمد في مسنده أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزل القرآن على سبعة أحرف. ثم قال عليه الصلاة والسلام: المراء في القرآن كفر، فما علمتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه. فينبغي على الإنسان ألا يكثر الجدال في مثل هذه القضايا بحيث تحدث خصومة بين الناس في مسائل قد تكون يعني خفية الجانب عند أكثر المسلمين. فينبغي على مثل هذه المسائل خاصة أنه لا يندرج تحتها عمل أن يترك أمرها إلى عالمها من أهل العلم من الراسخين في العلم، ولا يصبح مجال للمراء والجدال في القرآن أو التشكيك فيه أو الطعن فيه.

أيضاً هناك حديث أم أيوب الأنصارية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف أيهما قرأت أجزك. حديث أبي جهيم أيضاً أن رجلين اختلفا في آية من القرآن كلاهما يزعم أنه تلقاها من النبي صلى الله عليه وسلم، فمضيا جميعاً حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذكر أبو جهيم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف فلا تماروا، فإن مراء فيه كفر.

أي خلاص هذا الموضوع لا يكثر فيه الجدال والنقاش، هذا أمر من الله سبحانه وتعالى أعطاه للنبي صلى الله عليه وسلم ابتداء من باب التسهيل على العرب أن يقرأ القرآن على سبعة أحرف. ثم كما عرفنا عثمان بن عفان أنهى موضوع الستة أحرف وأبقى حرفاً واحداً واتفق الصحابه على ذلك. ينبغي ألا يكثر النقاش حول ذلك لأنه لا ينبني عليه عمل، هذه هي الفكرة الأساسية في هذا الموضوع.

وهناك أيضاً حديث ابن مسعود رضي الله عنه، لكن الحديث انتبهوا هنا الحديث الذي نقله عن ابن مسعود حديث رواه ابن جرير الطبري رحمه الله عليه بسنده إلى ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد. المراد بالكتاب الأول أي الكتب السماوية السابقة، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف زاجر وامر وحلال وحرام، والذي يظهر لي أنها زاجر وليس زاجر بما أنها كلها مرفوعه فالاصل ان تقول زاجر وامر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وامثال.

فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا آمنا به كل من عند ربنا. وهذا الحديث الذي يظهر أنه موقوف على ابن مسعود، أي الصحيح أن هذا الحديث الأشبه فيه أنه من كلام ابن مسعود ولا يثبت رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

جميل، بعد أن انتهى ابن كثير من سرد الأحاديث أو أشهر الأحاديث التي تتكلم عن الأحرف السبعة، عقد فصلاً ذكر فيه وجهة نظر الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام في موضوع الأحرف السبعة. وفي الحقيقة أنا لا أري أن أقتصر هنا على وجهة نظر الإمام أبي عبيد، لأن ابن كثير سيعيد ذكرها مرة أخرى وهو يعدد الاقوال المتنوعة لأهل العلم في موضوع الأحرف السبعة، لكنه يعني ابتداء ركز على قول أبي عبيد، ثم سياتي في موطن آخر يركز على الخلاف الدائر في هذه الأحرف السبعة.

لذلك دعونا ننتقل سريعاً، يعني كل ما سيذكره هنا هو رأي أبي عبيد في هذه الأحرف، وسآتي إليه وأنا أذكر الأقوال المتنوعة. دعوني أذهب سريعاً إلى الحديث الثاني، الحديث الثاني الذي ذكره البخاري رحمه الله تعالى عليه في باب الأحرف السبعة. لاحظوا أن ابن كثير استطرد كثيراً، يعني البخاري رحمه الله تعالى عليه ذكر حديث أبي بن كعب، ثم ذكر البخاري هذا الحديث الذي معنا وهو حديث عمر بن الخطاب.

ابن كثير رحمه الله عليه استطرد بذكر أحاديث كثيرة ثبتت عن الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم في الأحرف السبعة، وردت حتى في مسلم أو في النسائي أو في مسند الإمام أحمد، يعني حتى في غير الصحيحين. فحاول ابن كثير أن يجمع جل الأحاديث التي تكلمت عن الأحرف السبعة حتى يثبت أن قضية الأحرف السبعة متواترة تواتراً معنوياً. وأما الإمام البخاري رحمه الله عليه فاقتصر على ذكر حديث أبي بن كعب الذي ذكرنا في أول الباب، وهذا الحديث الثاني الذي بين أيدينا.

وهو قال البخاري رحمه الله تعالى عليه: حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا ليث بن سعد، حدثنا عقيل، وهو عقيل بن خالد عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرا سورة الفرقان في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرا على حروف كثيرة أي على الحروف المراد بها أوجه، على حروف كثيرة أي على أوجه كثيرة لم يقرئها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكدت أساوره في الصلاة فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه.

يعني سيدنا عمر بن الخطاب سمع هشام بن حكيم وهو يقرا في صلاته سوره الفرقان، فعمر بن الخطاب سمع هشام بن حكيم يقرا سوره الفرقان بطريقة تختلف عن الطريقة التي تعلمها هو من النبي صلى الله عليه وسلم. فعمر بن الخطاب كان يتفلت يريد أن يقبض على هشام بن حكيم يسأله من أين أتى بهذه القراءة، قال فتصبر يعني شد أعصابه رضي الله عنه حتى سلم هشام بن حكيم.

قال: فلببته بردائه، مسك سيدنا عمر بردائه فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ من علمك هذه القراءه التي تقرأها؟ فقال هشام بن حكيم: أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له عمر: كذبت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قرأت. فانطلقت به أوقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت، أي قال عمر: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها. فقال صلى الله عليه وسلم: أرسله، يعني اتركه، كان سيدنا عمر مسك هشام بن حكيم لا يريد أن يفلتة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر يعني يريد أن يهدئه: أرسله، يعني خله حتى نتفاهم معه، أرسله، اقرأ يا هشام.

فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، يعني هشام بن حكيم قرأ هذه السورة سورة الفرقان بنفس الطريقة التي قرأها أول مرة وسمعها عمر منه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فرغ: هكذا أنزلت. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ يا عمر، فقرات القراءة التي أقرأني، فعمر قرأ سورة الفرقان بالطريقة التي تعلمها هو من النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال صلى الله عليه وسلم: هكذا أنزلت. ثم علق النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه، يعني لا يشدد بعضكم على بعض. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد والإمام البخاري أيضاً ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن ابن شهاب الزهري، يعني هذا الحديث ثبت عن ابن شهاب الزهري من طرق متعددة.

ورواه الإمام أحمد أيضاً عن عبد الرحمن بن مهدي عن مالك عن الزهري أيضاً عن عروة عن عبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر. وقد قال الإمام أحمد أيضاً: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حروب بن ثابت، حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أبيه عن جدّه، قال رجل عند عمر، فذكر الحديث وهذا إسناد حسن.

المهم بعد أن انتهى ابن كثير من سرد أسانيد حديث عمر بن الخطاب قال ابن كثير: الآن سيعلق ويختم موضوع الأحرف السبعة، فقال: وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة أحرف وما أريد منها على أقوال. قال أبو عبد الله القرطبي المالكي صاحب الكتاب المشهور في أحكام القرآن في مقدمات تفسيره، الآن ابن كثير ينقل عن القرطبي رحمه الله تعالى عليه ما ذكره في مقدمات تفسيره وهو التفسير المشهور في أحكام القرآن قال القرطبي: وقد اختلف العلماء في المراد بالاحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولا، ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البستي الإمام ابن حبان، ونحن نذكر منها خمسة أقوال.

يعني ابن حبان البستي جعل الاقوال تصوروا الأقوال في المقصود بالأحرف السبعة وصلت إلى خمسة وثلاثين قولاً، خلافتها يعني يمكن أن نجمعها نجمعها ونحصها. ثم سرد القرطبي رحمه الله تعالى عليه هذه الأقوال الخسة التي رسى عليها الأمر، وابن كثير سيعطينا خلاصة ما ذكره القرطبي رحمه الله عليه. لذلك قال: ثم ردها القرطبي، وحاصلها ما أنا مورده ملخصاً هنا.

انتبهوا أحبابي الكرام، سنعرف ما هي أشهر الأقوال في معنى الأحرف السبعة. القول الأول، وهو قول أكثر أهل العلم وذهب إليه سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب والإمام إمام المفسرين محمد بن جرير الطبري والإمام الطحاوي صاحب العقيدة المشهورة، أن المراد بالأحرف السبعة أن المراد بها سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال وهلم.

المقصود باختصار أحبابي أنه بعض الكلمات القرآنية يجوز وثبت وصح قراءتها بألفاظ مترادفة، يكون المعنى واحد ويؤدى بألفاظ مترادفة كلها تحوم حول هذه المعنى، وظاهرة الترادف ظاهرة معروفة عموماً في اللغة العربية مع وجود خلاف فيها، لكن أكثر اللغويين يثبتها عموماً. قضية الترادف في اللغة يكون عندنا معنى واحد وتعبر عنه قبيلة قريش بلفظ، وتعبر عنه قبيلة أخرى بلفظ آخر، وتعبر عنه قبيلة طي بلفظ، وقبيلة أزد بلفظ آخر وهكذا، فالمعنى واحد ويعبر عنه بألفاظ متعددة.

فهذا معنى الأحرف السبعة، وهذا سيكون في كثير من ألفاظ القرآن، لكنه لن يعم جميع ألفاظ القرآن، فليس المراد أن كل كلمة في القرآن يجوز أن تقرأ بسبعة لغات مترادفة أو سبعة ألفاظ مترادفة لا كلا، وإنما المراد أن بعض الألفاظ التي وردت في القرآن، أن بعض الألفاظ التي وردت في القرآن سمع قراؤتها أو ثبت قراءتها أو أبيح قراءتها على سبعة ألفاظ مختلفة لكنها متفقة في المعنى.

ثم ذكر لك مثالاً نحو: أقبل وتعال وهلم، فهذه مثلاً عندما تقول لشخص تعال، ربما قبيلة أخرى تستعمل كلمة أقبل بدل تعالى، وقبيلة أخرى من قبائل العرب تستعمل كلمة هلم، والكل في النهاية يحوم حول نفس المعنى، فأقبل وتعال وهلم كلها معنى واحد، فمن قرأ بلفظة هلم من العرب صح، ومن قرأ بلفظة تعال صح، ومن قرأ بلفظ أقبل صح.

وقال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزد وهذا مر معنا، فقال: اقرأ على حرفين إلى آخره، ثم قال جبريل حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكل فكل أي كل حرف كاف شاف، إلا أن تخلط آية رحمة باية عذاب أو آية عذاب باية رحمة.

على نحوها: هلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل، فإن هذه الألفاظ يعني هذا الحديث حديث أبي بكرة يدل على القول الأول، يدل على القول الأول من خلال الزيادة التي وردت في آخره، أن جبريل مثل له مثل للنبي صلى الله عليه وسلم على الأحرف السبعة فهلم وتعال وأقبل واذهب وأسرع وعجل.

طيب، ومما يسند هذا القول أن ابن عباس عن أبي بن كعب أن أبي بن كعب كان في قوله تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ، كان أبّي بن كعب يقرأ للذين آمنوا: أمهلوني، أمهلونا، وأنظر وامهل معناها واحد. وأيضاً كان يقرأها: للذين آمنوا آخرونا، وللذين آمنوا أرتقبوا.

فلاحظوا أمهلونا واخرونا وارقبوا وانظر، أربعة لغات أربعة ألفاظ لمعنى واحد متقارب. طبعا أحبابي الكرام هذا القول لا

يقول إن كل معنى يقرأ على سبعة مترادفات. لا، المراد أن تكون مثلا بعض الكلمات لها أربع مترادفات، عفوا بعض المعاني، عفوا إذن أقول بعض المعاني يكون لها أربع مترادفات في اللغة، معنى آخر يكون له خمس مترادفات وأكثر، وأكثر ما ورد في القرآن من المعاني سبع مترادفات لها، يعني أكثر لفظة وردت في القرآن تقرا على أوجه متعددة، لفظة تقرا على سبعة أوجه أو معنى يقرا على سبعة أوجه، فهذا أكثر ما ورد.

وليس المراد أن كل لفظة وقع فيها خلاف في قراءتها بين العرب تقرا على سبعة أوجه، لا، بعض الكلمات تكون مرادفاتها ثلاثة، بعضها مرادفاتها أربعة، وأقصى شيء ورد أن يكون المرادف سبعة، فهذا هو القول الأول وله شواهد كما تلاحظون.

ثم الطحاوي رحمه الله عليه يبين هل هذا الأمر بقي سائرا في هذه الأمة؟ كلا، يقول الطحاوي: وإنما كان ذلك رخصة أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات لأن العرب كانت متباينة، ليس العرب كلهم على لغة قريش، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وعلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ.

طيب، وقد ادعى الطحاوي، الآن يعلق ابن كثير يقول: وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ ابن عبد البر الإمام المشهور أن ذلك كان رخصة في أول الأمر، ثم نسخ ذلك بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة، يعني الطحاوي والقاضي الباقلاني وابن عبد البر يرون أن القراءة على سبعة أحرف بالمعنى الذي ذكرناه قبل قليل هذا كان في بداية أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثم نسخ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في آخرها.

لكن ابن كثير ذكر رأيا آخر فقال: وقال بعضهم إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان أحد الخلفاء الراشدين، وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضي إلى تفرق الأمة وإلى تكفير بعضهم بعضا، فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عرض بها جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان، وعزم عليهم ألا يقرءوا بغيرها وألا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم فيها سعة ولكنها أدت إلى الفرقة والاختلاف.

كما يعني ذكر أمثله وشبهات أخرى، يعني باختصار ابن كثير يرى أن القراءة على سبعة أوجه لم تنسخ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم بل بقيت قائمة حتى زمن عثمان، في زمن عثمان كما ذكرنا عثمان هو الذي منع القراءة بستة أحرف وأبقى على حرف واحد وهو الحرف الاخير الذي عارض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مع جبريل وامر الناس أن يقرءوا عليه.

طيب، كيف لعثمان رضي الله تعالى عنه أن يمنع القراءة بستة أحرف ويتفق الصحابه مع عثمان؟ آه، لان فعل عثمان قائم على مصلحة عظمى وهي حماية القرآن وحفظ القرآن من أن يقع فيه الخلاف، خاصة بعد دخول المدنية على القبائل العربية واختلاط العرب بالعجم، فكان فيما فعله عثمان مصلحة عظمى، والنبي صلى الله عليه وسلم بين أن الخلفاء الراشدين لهم سنة متبعة، فما بالكم إذا كان ليس فقط يعني هو رأي من عثمان وإنما هو إجماع الصحابة الذي لا نقاش فيه؟ وهذا هو الأظهر أحبابي الكرام، وهو أن الذي منع القراءة بالأحرف السبعة وأبقى الأمة على حرف واحد هو سيدنا عثمان رضي الله عنه وليس ما ذكر الطحاوي أن هذا نسخ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وتبقى المسألة اجتهادية.

إذا، هذا هو القول الأول في فهم ما معنى الأحرف السبعة، عرفنا ما هو أن المراد بعض المعاني في القرآن الكريم يجوز أن تؤدى بألفاظ مترادفة، ممكن تؤدى بلفظين، ممكن تؤدى بثلاث، وأقصى ورد في القرآن في أداء المعنى الواحد أن يؤدى بسبعة ألفاظ مترادفة، هذا أقصى ما ورد، وهذا كان من باب التسهيل على العرب لأنهم كانوا يعبرون عن المعنى بألفاظ متباينة بحسب تباين مواقع العرب في الجزيرة العربية.

طيب، نذهب إلى القول الثاني. القول الثاني أحبابي الكرام أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر، قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات. وهذا في الحقيقة هو رأي أبي عبيد القاسم بن سلام الذي سرده ابن كثير سابقا مفصلا، أنا هنا اختصرته لكم وكنت أتمنى أن ابن كثير اختصره هنا حتى لا يشتت القارئ، فأبو عبيد القاسم بن سلام والخطابي ومجموعة من أهل العلم رأوا أن المراد بالأحرف السبعة هو أن في القرآن الكريم هناك سبع لغات للعرب موزعة على القرآن الكريم، فنجد مثلا لغة قريش موجودة في بعض الآيات، في آيات أخرى نجد لغة تميم، في آيات أخرى نجد لغة طيء، في آيات أخرى نجد لغة شنوءة أو أزد شنوءة.

فباختيارك... لا، ليس المعنى أن الأحرف السبعة هو أن المعنى الواحد يقرأ بألفاظ مترادفة، لا، لا يقولون إن القرآن الكريم... صحيح أن أكثره كان بلغة قريش لكن عند التتبع لآيات القرآن الكريم نجد أن هناك سبع لغات، سبع لهجات عربية مبثوثة في القرآن الكريم، نعم، اللغة المشهورة والأكثر في القرآن هي لغة قريش، لكن هل هناك لهجات ولغات أخرى موجودة في القرآن؟ نعم، فالقران الكريم باختصار فيه لغة قريش وفيه لغة قبائل أخر، وإن كان الأكثر والسواد الأعظم لغة قريش، فإذا المراد بالأحرف السبعة أن القرآن الكريم فيه سبع لغات عربية موزعة من بدايته إلى نهايته وإن كانت اللغة الشائعة فيه هي لغة قريش، هذا رأي اختاره جماعة وعلى رأسهم أبي عبيد، أو وعلى رأسهم أبو عبيد القاسم بن سلام.

القول الثالث يقول: لغات القرآن السبع منحصر في مضر على اختلاف قبائلها خاصه. اه، القول الثالث هو لا يختلف كثيرا عن القول السابق، القول الثالث هو مثل القول الثاني تقريبا، يرى أن موضوع الأحرف السبعة أي أن داخل القرآن هناك سبع لهجات داخل القرآن، لم ينزل القرآن فقط على لهجة قريش بل نزل على سبع لهجات، فبعض السور تكون على لهجة قريش أو بعض الآيات تكون على لهجة قريش وآيات أخرى تكون على لهجات أخرى، لكن القول الثالث حصر اللهجات في لهجات مضر، ومضر هو الفخذ الكبير، العرب الشماليون ينقسمون إلى مضر وإلى ربيعة ومضر فيها أفخاذ من أفخاذها قريش، فالقول الثالث يقول: صحيح أن القرآن الكريم فيه سبع لهجات عربية موزعة فيه، لكن هذه اللهجات كلها تعود إلى قبيلة مضر بأفخاذها ولا يوجد فيه لهجات خارج قبيلة مضر تعود إلى قبيلة ربيعة، لا، هذا لا يوجد، أما أصحاب القول الثاني فلم يحصروا الأمر في قبيلة مضر بل قالوا القرآن فيه سبع لغات أو لهجات عربية بدون أن نحصرها أنها في قبيلة مضر فقط أو ليست في قبيلة مضر فقط موزعة، الصحيح أنها عند القول الثاني أعم من قبيلة مضر، القول الثالث حصر السبع لهجات في قبيلة مضر فقط بأفخاذ ومن أفخاذها قريش.

طبعا القول الرابع، وهذا قول في الحقيقة يعني قل من ذهب إليه حكاه الباقلاني عن بعض العلماء، وهو أن المراد بالأحرف السبعة وجوه القراءات، ويقولون إن الاختلاف بين القراء، الخلاف بين القراء الذين نعرفهم حاليا قراءة عاصم وقراءة ابن كثير وقراءة أي نافع، أن الخلاف بين القراء يعود إلى الخلاف في سبعة أشياء، هذه السبعة أشياء هي الأحرف السبعة، وبناء على القول الرابع تكون الأحرف السبعة ما زالت موجودة إلى عصرنا الحالي، لأن هذا القول الرابع يرى أن المراد بالأحرف السبعة هي أوجه الخلاف بين القراء المشهورين هي أوجه الخلاف بين القراء المشهورين.

فيقولون إن أوجه الخلاف بين القراء المشهورين تعود إلى سبعة أوجه، الوجه الأول: أن يكون الخلاف في تغير الحركة من دون أن تتغير صورة الكلمه ولا معناها، ثم مثل على ذلك (وَيَضِيقُ صَدْرِي)، فإنها قرئت بقراءه أخرى تغيرت فيها الحركات من دون أن تتغير الصورة وأن يتغير المعنى، ومنها ما لا تتغير صورته ولكن يختلف المعنى، هذا الشكل الثاني من أشكال الخلاف بين القراءات ومثل على ذلك بقوله: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ)، وفي قراءة أخرى (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ)، فهنا تغيرت الحركة، لم تتغير الصورة لكن تغير المعنى، هناك فرق بين (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وبين أن تقراها (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، باعد فعل أمر وباعد فعل ماض فاختلف المعنى.

وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف، لا من خلال ليس تغيير حرف، تغيير حركة، بل تغيير حرف يتغير الحرف فيختلف الصورة والمعنى، مثل (نُنْشِزُهَا) جاءت في قراءة أخرى (ننشرها)، فلاحظوا الزاي أصبحت راء، اختلفت صورة الكلمه واختلف المعنى، أو الاختلاف يكون اختلاف كلمة بالكلية مع بقاء المعنى على ما هو عليه، كـ (الْعِهْنِ الْمَفْوُشِ) جاءت في قراءة (كالصوف المنفوش)، أو قد يكون اختلاف الكلمه واختلاف المعنى مثل (وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ) جاء في قراءة (وطلع منضود)، أو بالتقدم والتأخر فمثل (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) في قراءة (وجاءت سكرة الحق بالموت)، أو يكون الخلاف بين القراء بالزيادة مثل تسع وتسعين نعجة ورد في قراءة (أنثى)، و(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ)، (فإن الله بعد إكراههن لهن غفور رحيم)، فهنا وقعت زيادات في هذه الآيات.

فباختصار إذا هذه سبعة أوجه كما لاحظتم: تغير الحركة ولا تتغير الصورة ولا المعنى، أي تغير حركة ويتغير المعنى ولا تتغير الصورة، الاختلاف في الصورة والمعنى، ويكون الاختلاف الصورة والمعنى بالحرف أو بالكلمة مع بقاء المعنى، أو باختلاف الكلمة واختلاف المعنى، أو بالتقدم والتأخر، أو بالزيادة، فهذه سبعة اختلافات بين القراءات وهي تمثل الأحرف السبع.

لكن هذا القول يعني اعترض عليه باعتراضات كثيرة، وهو هل فعلا الاختلافات بين القراء محصوره فقط في هذه الأمور السبعة؟ هناك من ذكر أمور أخرى يقع فيها الاختلاف بين القراء، بالتالي هذا الأمر لا ينضبط في الحقيقة، وبالتالي هذا القول يعني فيه نظر وقد يطول يعني نقده في هذا المجلس حتى لا أطيل عليكم أكثر من ذلك، لكن يطول نقده ومن أشهر ما نقد به أن أوجه الاختلاف بين القراء أكثر من هذه السبعة، أكثر من هذه السبعة وبعض ما ذكروه لا ينضبط له مثال صحيح، فدعونا ننتقل للقول الخامس.

القول الخامس: أن المراد بالأحرف السبعة أن القرآن نزل على معان سبعة، المراد بالأحرف السبعة أي أن القرآن نزل على معان سبعة وهي الأمر والنهي والوعد والوعيد والقصص والمجادله والامثال، فالبعض إذا فسر الأحرف بالسبعة بأن القرآن مواضيعه ومعانيه سبعة، فالمراد بالأحرف هي المعاني، وقال ابن عطية المفسر المشهور: وهذا القول ضعيف، لأنه هذه المعاني لا تسمى حروفا، يعني صحيح القرآن فيه هذه المواضيع لكن هذه المواضيع لا تسمى حروفا، وأيضا فالإجماع وقع أن التوسعة لم تقع في تحليل حرام ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديث ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها، يعني نستطيع أن نقول هناك شبه اتفاق عام بين أهل العلم الكبار والمحققين أن هذا القول مرفوض، يعني لا تلاؤم بين أن نجعل الأحرف السبعة المراد بها مواضيع سبعة.

جيد، ثم قال القرطبي ونختم بهذا الفصل، قال القرطبي: كثير من علمائنا هذه القراءات السبع الموجودة الآن المتداولة عندنا قراءات الأئمة عاصم وغير عاصم ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف واحد فقط من الحروف السبعة وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، هذه قضية ذكرتها سابقا، لذلك دعونا نتفق يعني أقرب الأقوال إلى الصواب في موضوع الأحرف السبعة القول الأول ها مقبول، والقول الثاني مقبول، الأوجه يعني أوجه الاقوال في مسألة المقصود بالأحرف السبعة أما القول الأول وأما القول الثاني، أما القول الثالث أو القول الرابع وحتى الخامس فهذه أقوال فيها نظر، هذه أول فكرة.

الآن القراءات الموجودة بين أيدينا الآن الصحيح أنها ليست هي الأحرف السبعة بل هي كلها تعود إلى حرف واحد من الأحرف السبعة وهو الحرف الذي جمع عليه عثمان المصحف.

ثم ختم القرطبي فقال: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازه، وإنما يعني القراءات السبعة المتواترة الموجود الآن بين أيدينا ما في اعتراض من قارئ على قارئ آخر، وإنما كل واحد من هؤلاء القراء اشتهر بقراءة معينة تلقاها عمن فوقه بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون في الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة أي القراء السبع فيما رووه ورأوه من القراءات وكتبوا في ذلك المصنفات، واستمر الإجماع على الصواب وحصل ما وعد الله سبحانه وتعالى به من حفظ الكتاب.

إذا يعني هكذا نكون إن شاء الله جلينا أهم الأقوال في موضوع الأحرف السبعة ورفعنا الإشكال وأصبح عندكم خلفية جيدة في فهم مقصود بها وما هي مسالك أهل العلم في فهمها، طبعا هناك أقوال أخرى لأهل العلم ترى في معنى الأحرف السبعة، بل هناك من رأى أن الأحرف السبعة لا نستطيع أن نفهم المراد بها وأنها من المتشابه الذي نكل علمه إلى الله سبحانه وتعالى، والله أعلم ما هو المقصود بها، يعني البعض اختار التوقف أصلا فلم يجزم بشيء في معنى من المعاني، وهذه مسالك أهل العلم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وارزقنا علما نافعا يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.