تسجيل الدخول

فضائل القرآن "لابن كثير" | المجلس الأول

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحج للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبائي في المجلس الأول من تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه، وعرفنا أن هذا الكتاب جمع فيه الإمام ابن كثير رحمه الله عليه الأحاديث التي ذكرها البخاري في صحيحه عن فضائل القرآن، وبدأ بالباب الذي بدأ به الإمام البخاري عليه رحمه الله.

فالإمام البخاري في كتابه فضائل القرآن بدأ باب كيف نزول الوحي وأول ما نزل. قال البخاري رحمه الله: كيف نزول الوحي وأول ما نزل؟ ثم ذكر البخاري هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ قال ابن عباس في تفسير كلمة المهيمن الواردة في سورة المائدة -وستأتي معكم في الشرح بإذن الله-: قال ابن عباس المهيمن الأمين. فقد وصف الله سبحانه وتعالى كتابه في سورة المائدة القرآن الكريم بأنه مهيمن على الكتب السابقة، أي أمين عليها، وسياتي معنا بيان ما معنى أنه أمين. قال ابن عباس المهيمن الأمين؛ القرآن أمين على كل كتاب قبله.

ثم قال البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، وهو شيبان بن عبد الرحمن النحوي رحمه الله عليه، عن يحيى وهو يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن، قال: أخبرتني عائشة وابن عباس رضي الله عنهما قالا: لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة وحي.

وأول ما نزل في كتاب فضائل القرآن وما علاقتها بفضائله وذكر محامده ومحاسنه؟ فنقول أحبابي الكرام: بدأ الإمام البخاري وابن كثير تبعاً له بهذا الباب، باب كيف نزول الوحي؛ لأن أعظم فضيلة للقرآن وأعظم باعث يدعوك أيها المسلم لقراءته وللتعلم، حدث وقع على هذه الأرض، هو نزول هذا القرآن من فوق سبع سماوات على هذه البشرية ليعرفهم بخالق الاكوان، وليعرف بالقصد من وجودهم وخلقهم، وليعرف بأوامر هذا الإله ونواهيه. هذا الحدث العظيم أحبابي الكرام نزول الوحي، نزول هذا القرآن من السماوات العلى إلى هذه الأرض، هذا الحدث لو تامل فيه المسلم وفي دلائله واستصحب في علاقته مع القرآن، سيبقي يشعر بعظمة هذا الكلام الذي يتلوه، لن يشبع من ترداده وتكراره، فكيف يشبع وهو كلام ربه سبحانه وتعالى تكلم به هذا الإله وأعطاه لجبريل لينزل به جبريل من فوق سبع سماوات إلى هذه الأرض ليصل هذا الكلام إلى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يبلغه صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة؟

هذه الحقائق وإن كنا نحن نعلمها في الجملة لكننا لا نقدرها قدرها. والله أحبابي، من تبصر بهذه الأحداث وقلب فيها النظر، فانه سيجد نفسه لا يمكن أن يرضى العيش من دون كلام ربه سبحانه وتعالى بعيداً عنه جافياً له؛ لأني أنا وأنت عبد الله وأمة الله نقرا كلاماً تكلم به الإله سبحانه وتعالى. هذا الكلام لو تبصرت بهذه الحقيقة وبقيت مستحضرا لها، هذا ليس مصنفاً بشرياً، هذا القرآن العظيم ليست آراء تقبل الصواب والخطأ، ليس شيئاً كتبه عالم من العلماء أو إمام عظيم مهما بلغت منزلته. أنت عندما تقرأ القرآن، أنت تقرأ الحقيقة المطلقة، تقرأ قصة الحياة، تقرأ وظيفتك، تقرأ قواعد النجاح التي عليك أن تتبعها حتى تصل إلى بر الأمان، تعرف عاقبة سيرك على قواعد النجاح التي اختطها الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه، وفي المقابل تعرف طرق الهلاك وما هو المصير الذي ينتظرك إذا سرت على هذه الطرق، إلى غير ذلك من الأمور التي تبصر الإنسان على هذه الأرض بوظيفته ولماذا خلق وما الذي عليه أن يفعله وما هي النهاية. هذه القصة، قصة الحياة، هي أهم شيء عليك أن تعرفه وأن تستحضره وأنت تعيش مع كلام ربك سبحانه وتعالى في شهر رمضان وفي غيره.

لا أطيل في هذه القضية، لكنني اردت أن أبين ما أهمية هذا الباب وما علاقته بفضائل القرآن. كيف نزول الوحي؟ علاقة هذا الباب بفضائل القرآن أن كون القرآن وحي من الله سبحانه ونزل من فوق سبع سماوات على هذه الأرض، هذا بحد ذاته فضيلة عظيمة لهذا الكلام المتلو، تجعل الإنسان دائماً في اشتياق واحتراق، لابد أن يقرا هذا الكلام، لابد أن يعيش معه، لا يقبل أبداً أن يبتعد عن هذا المنهاج الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ليحيي قلوبنا، وقد سماه في العديد من مواطن كتابه بأنه نور وسماه في مواطن أخرى بأنه روح تبعث الحياة من جديد في القلوب الميتة.

سريعاً أقرأ كلام ابن كثير رحمه الله عليه؛ يقول ابن كثير في تعليقه على الحديث الأول: ذكر البخاري رحمه الله تعالى عليه كتاب فضائل القرآن بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم فلهذا بدأ به، ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها ليكون ذلك باعثاً على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه. والله المستعان.

ابن كثير هنا يبين لنا قضية باختصار، وهي أن البخاري رحمه الله عليه في صحيحه وضع كتاب فضائل القرآن بعد كتاب التفسير، فمن فتح صحيح البخاري سيجد في تسلسل كتب البخاري وفي تسلسل الأبواب أن البخاري يذكر كتاب التفسير ويذكر أحاديث كثيرة في تفسير القرآن، بعد أن ينهي كتاب التفسير يذكر البخاري كتاب فضائل القرآن التي أورد فيه هذه الاحاديث. ابن كثير يخبر عن نفسه أنه فعل العكس، فهو وضع ابن كثير أقصد وضع كتاب فضائل القرآن في بداية تفسيره لكلام الله سبحانه وتعالى، فهو فعل العكس؛ ذكر أولاً فضائل القرآن في مطلع التفسير ثم ذكر بعد ذلك التفسير.

وهو يبين لماذا خالف البخاري في صنيعه فيقول: ونحن أي ابن كثير قدمنا أي في كتابنا كتاب التفسير العظيم المشهور له، ونحن قدمنا باب الفضائل قبل أن نشرع يعني في تفسير كلام الله سبحانه وتعالى، وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها. لماذا ابن كثير ذكر فضائل القرآن قبل أن يشرع في تفسيره ولماذا ابن كثير يذكر فضائل كل سورة قبل أن يشرع في تفسيرها؟ قال: ليكون ذلك باعثاً على حفظها، هذه على حفظ القرآن، أي مشجعاً، ويكون باعثاً على فهم القرآن، وليكون باعثاً على العمل بما فيه.

إذاً، ابن كثير يقرر لنا قاعدة، وهو أن تعلم فضائل القرآن والوقوف على الأحاديث التي تذكر هذه الفضائل هو يبعثك على حفظ القرآن، يكون باعثاً لك على فهمه وعلى العمل بما فيه. وهذا هو المقصد من وضعنا لهذا الكتاب المبارك في هذه الدورة، نحن نتعلم فضائل القرآن حتى نتشجع على حفظه والتعلق به وعلى فهمه والعمل بما فيه.

ثم علق ابن كثير على قول ابن عباس السابق: قال وقول ابن عباس في تفسير المهيمن إنما يريد به البخاري قوله تعالى في سورة المائدة بعد أن ذكر التوراة والإنجيل. الله سبحانه وتعالى في سورة المائدة أحبابي الكرام ذكر التوراة في قوله: إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا، ثم ذكر الإنجيل في قوله: وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ، ثم بعد هذه الآية ذكر القرآن ممتدحاً له فقال سبحانه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ.

فوصف الله القرآن الكريم بوصفين أنه مصدق لما بين يديه من الكتب الإلهية، فهو يصدقها بما دعت إليه من توحيد الله وعبادته والعمل للدار الآخرة، وهو أيضاً مهيمن عليه، فهو مهيمن على الكتب السابقة مصدق لها ومهيمن عليها. فما معنى أنه مهيمن؟ هذا الذي أراد ابن عباس أن يبينه. قال الإمام أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى عليه: حدثنا المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، وهنا ترون أنها ثنا، وهذا من اختصارات المحدثين يختصرون كلمة حدثنا بثنى والمراد حدثنا هكذا تلفظ: حدثنا المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثني معواية، عن علي يعني ابن أبي طلحه، عن ابن عباس في قوله تعالى وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ قال: المهيمن هو الأمين. فقال ابن عباس: القرآن أمين على كل كتاب قبله.

لاحظ هنا ابن كثير أتى بالسند كاملاً عن ابن عباس، هذا السند لم يذكره البخاري، ابن كثير أتى به من تفسير الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله عليه. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنه قال: المهيمن أي شهيداً عليه. وهو بمعنى واحد في الحقيقة؛ فمعنى أن القرآن مهيمن أي أنه أمين، طب ما معنى أنه أمين؟ أي أنه شاهد على الكتب السماوية بما أوردته من رسالة التوحيد وما دعت إليه من عبودية الله وما حذرت منه البشرية من مساخط الله سبحانه. فالقرآن شاهد أمين على ما ورد في الكتب السابقة من الدعوة إلى التوحيد والشهادة أو الدعوة أيضاً إلى عبودية الله سبحانه وتعالى ودعوة الخلق إلى العمل لله عز وجل، إلى غير ذلك من المعاني التي وردت في الكتب السابقة وتتفق عليها الشرائع.

ثم بعد ذلك ينقل ابن كثير رحمه الله عليه أثراً آخر وقال: سفيان الثوري وغير واحد من الأئمة عن أبي إسحاق السبيعي، عن التيمي، عن ابن عباس وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ أي قال مؤتمناً. وهذا شاهد آخر عن ابن عباس أنه فسر المهيمن بأنه المؤتمن. وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتاده وابن جريج والحسن البصري وغير واحد من أئمة السلف. إذاً، جمهور السلف على أن المهيمن، وصف القرآن بأنه مهيمن، أي أنه مؤتمن. ومعنى أنه مؤتمن، أي أنه شاهد على الكتب السابقة بما أتت به من الدعوة إلى توحيد الله سبحانه وبما دعت إليه من عبودية الرب جل في علاه.

ثم قال ابن كثير: وأصل الهيمنة أي في اللغة، الهيمنة، ما معنى الهيمنة في اللغة؟ قال الحفظ والارتقاء، يقال إذا رقب الرجل الشيء وحفظه وشهده فقد هيمن فلان عليه فهو مهيمن هيمنة وهو عليه مهيمن. ومن أسماء الله الحسنى المهيمن وهو الشهيد على كل شيء الرقيب الحفيظ بكل شيء. وأما الحديث الآن سيبدأ يعلق على الحديث الذي أسنده الإمام البخاري رحمه الله عليه: حديث عبيد الله بن موسى عن شيبان النحوي عن يحيى عن أبي سلمة أخبرتني عائشة ابن عباس قال لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة. يسنده البخاري أنه عليه السلام أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة. إسناد مشابه لإسناد البخاري.

وقال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام -وهذا الإمام سيكثر وروده في هذا الكتاب لأن أبا عبيد القاسم بن سلام وهو من أئمة السلف المتقدمين له كتاب أيضاً عنوانه فضائل القرآن فابن كثير سيكثر من النقل عنه- قال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثنا يزيد عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة. ثم قرأ أي ابن عباس: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا. وهذا إسناد صحيح. ابن عباس صح عنه أحبابي الكرام أن نزول القرآن كان على دفعتين؛ الدفعة الأولى أنه نزل من عند الله سبحانه وتعالى إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلة القدر، فقوله سبحانه: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ المراد به على تفسير ابن عباس أن القرآن الآن نزل كله أو نزل كله جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر، ثم بعد ذلك خلال ثلاث وعشرين سنة نزل القرآن مفرقا على النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال ابن كثير معلقاً على الحديث: أما إقامة النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشراً فهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم؛ الكل متفق أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدينة عشر. وأما إقامته بمكة بعد النبوة فالمشهور أن النبي صلى الله عليه وسلم كم أقام بمكة بعد أن بعث نبياً؟ المشهور أنه أقام 13 سنة؛ لأنه عليه السلام أوحي إليه وهو ابن 40 سنة وتوفي وهو ابن 63 سنة على الصحيح. فمدة البعثه لابد تكون 23 عاماً، لابد أن تكون ثلاثة وعشرين عاماً؛ عشرة في المدينة وثلاثة عشر في مكة. مع أن ابن عباس هنا وعائشة قالا إن النبي صلى الله عليه وسلم أقام في مكة بعد البعثة عشر سنين.

فباختيارك عشر سنين فقط بعد البعثة كما يفيد هذا الحديث، أم أقام بمكة 13 عاماً كما هو المشهور؟ فالصحيح أنه أقام 13 عاماً وليس عشر سنين. طيب، كيف نفسر هذا الحديث؟ ابن عباس وعائشة يقولون أقام بمكة عشر سنين. فهنا سيبين ابن كثير الاحتمالات الواردة فقال: يحتمل أنه حذف ما زاد على العشر اختصاراً في الكلام؛ لأن العرب كثيراً ما يحذفون الكسور في كلامهم. هذا هو التأويل الأول؛ أن عائشة وابن عباس لما قالا أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين هم حذفوا الثلاثة الزائدة على طريقة العرب في الاختصار. العرب يقولون تحذف الكسور من كلامها، فإذا كان مثلاً عندنا العدد 13 فيمكن أن تختصر وتقول عشر بدل ثلاثة عشر، وهذا نوع من أنواع الاختصار في الكلام، يحذفون الزائد على العشر مثلاً إذا كانت المدة من 10 إلى 15 يحذفون الزائد ويقولون عشر بخلاف ما إذا زاد عن 15 عاماً فإنهم لا يذكرونها بالتفصيل.

هذا وجه، ووجه آخر تأويل آخر وهو أنهما عائشة وابن عباس إنما اعتبر قرن جبريل عليه السلام به أي بالنبي عليه الصلاة والسلام. ما معنى هذا الكلام؟ روى

الإمام أحمد في مسنده أنه قد قرن به عليه الصلاة والسلام أي بالنبي صلى الله عليه وسلم في ابتداء البعثة الملك ميكائيل، كان يلقي إليه الكلمة والشيء ثم قرن به جبريل بعد ذلك. يقولون وهذا الحديث في الحقيقة فيه ضعف؛ يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بعث أول ثلاث سنوات من بعثته كان الملك الموكل به هو ميكائيل مدة ثلاث سنوات، ثم بعد ذلك بعد الثلاث سنوات الأولى اتاه جبريل وقرن به وأصبح جبريل هو الذي يأتيه بالقرآن والوحي. فبالتالي يكون نعم جبريل أقام مع النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات في مكة وعشر سنوات المدينة، والثلاث سنوات الأولى من البعثه كان معه ميكائيل. لكن كما ذكرت لكم هذا الحديث فيه ضعف، لذلك نعتمد التفسير الأول والتحليل الأول وليس هذا التحليل الثاني.

طيب، ثم قال: ووجه مناسبة هذا الحديث حديث عائشة وابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه القرآن عشر سنين في مكة وعشر سنين في المدينة، ما وجه مناسبته لفضائل القرآن؟ هو يرى ابن كثير أن وجه المناسبة أنه ابتدئ بنزول القرآن في مكان شريف وهو البلد الحرام مكة المكرمة، كما أنه كان في زمان شريف وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان. أي فضائل القرآن أنه نزل في مكان شريف ابتدأ نزوله خلينا نقول في مكان شريف وهو مكة، وابتدأ نزول وأيضاً في زمن شريف وهو رمضان، على خلاف في فهم كيف أنه نزل في رمضان، فابن عباس يرى أنه نزل كله في رمضان لكن إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل مفرقاً خلال الثلاث وعشرين عاماً. وهناك رأي آخر أنه لا نزل أول شيء منه وهو اقرأ باسم ربك الذي خلق في ليلة القدر من رمضان، وهذا خلاف بين أهل العلم. لذلك يعني بما أن القرآن نزل في زمان شريف وهو رمضان، قال ابن كثير ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن في شهر رمضان، لأنه ابتدئ بنزوله أي في شهر رمضان، ولهذا كان جبريل يعارض به النبي صلى الله عليه وسلم ويتدارسونه في كل سنة في شهر رمضان، فلما كانت السنة التي توفي فيها النبي عليه الصلاة والسلام بأبيه وأمه عارضه به يعني دارسه إياه مرتين تأكيداً وتثبيتاً، أي في السنة التي مات فيها النبي صلى الله عليه وسلم دارس جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين.

وأيضاً ففي هذا الحديث بيان من فوائد الحديث، وهذا من جميل هذا الكتاب أنه يكل لك عدة فوائد من هذا الحديث يمكن أن تستنبط، من فوائد هذا الحديث أنه بين أن القرآن منه ما هو مكي ومن سور القرآن منه ما هو مدني؛ لأن ابن عباس وعائشة رضي الله تعالى عنهما ماذا قالا؟ قالا لبث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة. إذاً هذا القرآن منه ما نزل بمكة ومنه ما نزل بالمدينة، فالذي نزل بمكة قبل الهجرة فهذا هو المكي، والذي نزل بالمدينة أو خلينا نقول والذي نزل بعد الهجرة هو المدني. لذلك قال فالمكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعد الهجرة، هذا هو التفسير المشهور للمكي والمدني. القرآن السور والآيات المكية هي كل آية نزلت قبل الهجرة، سواء نزلت داخل حدود مكة أو خارجها المهم أنها نزلت قبل الهجرة. والآيات المدنية والسور المدنية هي التي نزلت بعد الهجرة إلى المدينة، سواء نزلت داخل حدود المدينة أو نزلت في خارج حدود المدينة، حتى لو نزلت في مكة أو في عرفة بعد الهجرة، مثلاً الآيات التي نزلت يوم فتح مكة أو النبي صلى الله عليه وسلم في مكة بعد الفتح هذه الآيات تسمى مدنية وإن كانت نزلت في مكة، لماذا؟ لأنها نزلت بعد الهجرة. فلذلك ابن كثير أعطاك معلومة يقول لك المكي ما نزل قبل الهجرة بغض النظر أين نزل، والمدني هو كل ما نزل بعد الهجرة سواء نزل بالمدينة أو بغيرها من البلاد من أي البلاد كان، حتى ولو كان نزل بمكة بعد الهجرة أو بمنطقة عرفة بعد الهجرة طالما أنه نزل بعد الهجرة فهو مدني.

وقد أجمعوا على أن سوراً معينة أنها من قبيل المكي وأُخَرَ أنها من المدني واختلفوا في أُخَرَ، هذه فائدة أن سور القرآن منها ما أجمع على أنه نزل قبل الهجرة، ومنها ما أجمع على أنه نزل بعد الهجرة، ومنها ما اختلف فيه هل نزل قبل الهجرة أم نزل بعدها. وأراد بعضهم أي بعض العلماء أن يضع ضابطاً لذلك بضوابط، لكن ابن كثير يرى أن هذه الضوابط فيها نوع من العسر وأنها لا تطرد. ثم ذكر أمثلة فقال بعضهم مثلاً: بعض الضوابط التي تفرق بين السور المكية والمدنية لكنها ليست مطردة في الحقيقة، فقال بعضهم كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة مثل الم، المص، المر إلى غيرها هي تسمى الحروف المقطعة، كل سورة في أولها شيء من الحروف المقطعة فتكون مكية إلا البقرة وآل عمران فإن بدايتها حروف مقطعة وهي مدنية. وبعضهم وضع ضابطاً آخر فيقولون كما أن كل سورة فيها يا أيها الذين آمنوا كل سورة كان فيها الخطاب يا أيها الذين آمنوا تكون مدنية، والسورة التي فيها الخطاب يا أيها الناس يحتمل أن تكون مكية ويحتمل أن تكون مدنية، لكن الغالب أنها مكية.

وقد يكون فمثلاً مما جاء فيه يا أيها الناس وهو مدني فرضا قوله تعالى في سورة البقرة لأن سورة البقرة مدنية وجاء فيها الخطاب يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وفي سورة البقرة أيضاً يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا. وهذا يدل أحبابي الكرام على أن أن نضع أن نقول إن السورة المدنية التي يكون فيها الخطاب يا أيها الذين آمنوا، وأن السورة المكية التي يكون فيها الخطاب يا أيها الناس، هذا ليس ضابطاً مطرداً في الحقيقة، فلذلك يعني يصعب اعتماده. قال أبو عبيد القاسم بن سلام ذكر إسناد حدثنا أبو معاويه حدثنا من سمع الأعمش يحدث، ولاحظوا هذا الحديث فيه يعني إبهام لأنه حدثنا من سمع الأعمش، طب مين الذي سمع الأعمش لم يذكر، يحدث عن إبراهيم النخعي عن علقمة قال كل شيء في القرآن يا أيها الذين آمنوا فانه انزل بالمدينه وما كان منها يا أيها الناس فانه انزل بمكه. هذا يعني هذا سند بهذا الضابط يا أيها الذين آمنوا مدني ويا أيها الناس مكي، لكن حتى هذا السند لاحظوا كما ذكرنا فيه إبهام رجل.

ثم قال أي قال أبو عبيد وحدثنا علي بن معبد عن أبي المليح عن ميمون بن مهران قال ما كان في القرآن يا أيها الناس ويا بني آدم فإنه مكي وما كان يا أيها الذين آمنوا فإنه مدني. وهذا إسناد آخر أيضاً يعضد الإسناد السابق على ما في الإسناد السابق من الإبهام. ومنهم من يقول لاحظ البعض وضع ضابط آخر أو هو ليس ضابط يعني هو قاعدة عامة، ومنهم من يقول أن بعض السور نزل مرتين مرة بالمدينه ومرة بمكه، وهذا ستجدونه في كتب التفسير، بعض العلماء مثلاً يقولون سورة الفاتحة نزلت مرتين مرة نزلت في مكة ثم أعيد نزولها في المدينه وهذا رأي لبعض أهل العلم يرون أن بعض السور وبعض الآيات نزلت أكثر من مرة على تعدد المواقف، وهذه فائدة يمكن أن تدونها. ومنهم من يستثني من المكي آيات يدعي أنها من المدني كما في سورة الحج وفي غيرها، يعني وبعض أهل العلمي يقول إن السورة قد تكون مكية لكن يكون منها آيات معينة مدنية، كما أن العكس تكون سورة مدنية ويكون منها آيات معينة نزلت قبل الهجرة في مكة، فهذا كله من الأوجه الواردة في كلام ربنا سبحانه.

لذلك قال والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، يعني علينا أن لا نعتمد على هذه الضوابط بشكل أساس، نعتمد ما دل عليه الدليل الصحيح، فما ثبت بالسند الصحيح أن هذه الآية أو هذه السورة نزلت في المدينه نقول نزلت في المدينه أو بعد الهجرة، وما ثبت بالدليل الصحيح أن هذه الآية وهذه السورة نزلت قبل الهجرة فنقول أنها مكية، بدون حاجة أن نضع ضوابط قد لا تكون منضبطة إلى حد كبير. ثم نقل عن أبي عبيد حدثنا عبد الله بن صالح عن معاويه بن صالح عن علي بن أبي طلحه مثلاً قال نزلت بالمدينه سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والحج والنور والأحزاب والذين كفروا يعني يقصد بها سورة محمد صلى الله عليه وسلم والفتح والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والحواريون ويقصد بها سورة الصف والتغابن ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ سورة الطلاق، ويا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ سورة التحريم، والفجر وسورة وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى، وَإِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَلَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، وَإِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ، وَإِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ. هذا يقول يعني علي بن أبي طلحه أنه كل هذه السورة نزلت أين في المدينه وسائر القرآن نزل في مكة.

الان هذا إسناد صحيح عن علي بن أبي طلحه مشهور، وعلي بن أبي طلحه هو أحد أصحاب سيدنا ابن عباس وأحد تلاميذه الذين رووا عنه التفسير وكثيراً ما ينقل عنه التفسير، لكن يقول ابن كثير وقد ذكر في المدني سوراً في كونها مدنية نظر، وفاتت الحجرات والمعوذات. يعني ابن كثير ينتقد هذا الكلام ويقول إن علي بن أبي طلحه أي ذكر سوراً أنها من قبيل السور المدنية لكن فيها خلاف في الحقيقة هل هي مدنية ولا ليست مدنية؟ ولم يذكر سورة الحجرات والمعوذات في المدني مع أنها مدنية كما دلت عليها الأحاديث الصحيحة. فحتى هذا الإسناد عن علي بن أبي طلحه وإن صح عنه لكن أيضاً قد يستدرك عليه وقد يناقش فيه، هذا تعليق سريع على الحديث الأول ننتقل للحديث الثاني.

الحديث الثاني قال البخاري رحمه الله تعالى عليه وأنا أنصحكم أحبابي بحفظ هذه الأحاديث التي يعني في رؤوس الأبواب أحاديث صحيحة عن الإمام البخاري تكون وقوداً لكم لتتعلق بكلام ربكم. قال البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا معتمر وهو معتمر بن سليمان قال سمعت أبي وهو سليمان بن طرخان عن أبي عثمان عبد الرحمن بن مل قال أنبئت أن جبريل عليه السلام، لاحظوا أبو عثمان عبد الرحمن بن مل هو تابعي ليس صحابياً يقول أنبئت، طب من الذي أنباك؟ آه سنلاحظ في نهاية الحديث لأنه بالتأكيد هو لم يعش في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يكون هناك واسطة صحابي هو الذي أنباه وإلا سيكون الحديث فيه انقطاع، والبخاري لا يروي المنقطعات في أصل صحيحه. قال أنبئت أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أي كان عند النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة، فجعل يتحدث، الآن جبريل جبريل أتى بصورة رجل وسنعرف من هو هذا الرجل، أتى جبريل بصورة رجل بصورة سيدنا دحية بن خليفة الكلبي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم وكان بقرب النبي صلى الله عليه وسلم سيدتنا أم سلمة جميل. فجعل جبريل وهو على صورة دحية بن خليفة يحدث النبي صلى الله عليه وسلم فثم ذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم سلمة بده يختبرها فقال من هذا يعني يا أم سلمة هل تعرفين من هذا؟ فأم سلمة هي رأته على صورة دحية بن خليفة فقالت يا رسول الله هذا دحية بن خليفة الكلبي.

فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تركها لم يناقشها قام النبي صلى الله عليه وسلم قالت والله الآن أم سلمة تقول والله ما حسبته إلا إياه يعني ما ظننته إلا دحية بن خليفة حتى سمعت خطبة النبي صلى الله عليه وسلم بخبر جبريل أو كما قال، يعني أنه أم سلمة بقيت تظن أن هذا الشخص الذي دخل عليها هو دحية بن خليفة حتى سمعت النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها وصعد على المنبر وخطب الصحابة وأخبرهم بما أنزل عليه جبريل الآن، فعرفت أن هذا الرجل الذي دخل ليس هو دحية بن خليفة حقيقة وإنما هو جبريل نزل على صورة دحية بن خليفة.

طيب نعود الآن للتعليق على السند لسه البخاري لم ينهِ الحديث، قال أبي من هذا الذي يقول؟ قال أبي هذا المعتمر الذي مر معنا في الإسناد معتمر بن سليمان يقول قال أبي وهو سليمان بن طرخان قال أبي قلت لأبي عثمان عبد الرحمن بن مل ممن سمعت هذا؟ يعني سليمان بن طرخان يسأل أبا عثمان يقول هذا الحديث أنت تابعي بالتأكيد لم تسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة من أعطاك إياه من الصحابة؟ فقال أبو عثمان سمعته يعني هذا من أسامة بن زيد رضي الله عنه. آه إذاً هنا اكتملت سلسلة الإسناد، فأبو عثمان عبد الرحمن بن مل سمع هذا الحديث من أسامة بن زيد، وبالتالي أصبح الحديث متصلاً لا غبار عليه. وهكذا رواه أيضاً البخاري في صحيحه روى هذا الحديث في باب آخر وهو باب علامات النبوة رواه عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم رواه في فضائل أم سلمة عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلهم عن معتمر بن سليمان به أي بهذا الإسناد. والغرض من إيراد هذا الحديث هنا الآن ستقول لي ما علاقة هذا الحديث بفضائل القرآن؟ بيان من هو السفير العظيم الذي كان بين الله سبحانه وتعالى وبين النبي.

الله عليه وسلم في إيصال هذا القرآن، ألا وهو جبريل. فالقرآن نزل من السماء إلى الأرض، من هو السفير المبارك الذي نزل به؟ جبريل عليه السلام وهو ملك كريم بذي وجاهه وجلاله ومكانه، كما قال تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ. وقال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ. والرسول الكريم والروح الأمين في هذه الآيات هو جبريل على المشهور من كلام المفسرين. قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ. أي محمد صلى الله عليه وسلم، فمدح الرب تبارك وتعالى عبديه ورسوله: الرسول السمائي الملائكي جبريل، ومحمدا صلى الله عليه وسلم لما قال: وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ. فهذا مدح للنبي صلى الله عليه وسلم.

وسنستقبل هذا المكان في موضعه إذا وصلنا إليه، أي يقصد في كتابة التفسير. المهم قال: وفي الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة؛ لأنها دخل عليها جبريل وإن كان لم يدخل بصورته، وإنما دخل بصورة صحابي، لكن هذه فضيلة لها كما بيّنه مسلم رحمه الله تعالى. ما هو هذا الفضل؟ قال لرؤيتها هذا الملك العظيم. وفي الحديث فضيلة أيضا للصصحابي الجليل دحية بن خليفة الكلبي؛ وذلك أن جبريل كثيرا ما كان يجيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورته؛ لأن دحية بن خليفة أحبابي الكرام كان من أجمل الصحابة، لذلك قال وكان جميل الصورة رضي الله تعالى عنه. وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، فدحية بن خليفة الكلبي هو من قبيلة أسامة بن زيد راوي هذا الحديث كما بينا، وكلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة، هذا يعني من ينسبون إليه قبيلة كلب، يقول فلان أسامة بن زيد الكلبي ودحية بن خليفة الكلبي. من هو هذا الكلبي؟ قال هو كلب بن وبرة، هذا هو رئيس القبيله القديم، وهم كلهم يعودون إلى قبيلة قضاعة، وقضاعة اختلف فيها: أهي قبيلة عدنانية من سكان شمال الجزيرة العربية، أم قبيلة قحطانية من سكان جنوب الجزيرة العربية؟ وقال بعضهم ليست عدنانية ولا قحطانية، وإنما هي قبيلة مستقلة بنفسها، فالله تعالى أعلم.

الحديث الثالث والأخير: حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، وهو الليث بن سعد الإمام الكبير، حدثنا سعيد المقبري عن أبيه والده، وأبو سعيد المقبري واسمه كيسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وروى البخاري هذا الحديث، وروى البخاري هذا الحديث أيضا في باب الاعتصام في صحيحه. البخاري أحبابي الكرام أحيانا يذكر الحديث الواحد في أكثر من باب في صحيحه لمناسبته لتلك الأبواب المختلفة، لذلك قال ورواه أيضا في باب الاعتصام عن طريق عبد العزيز بن عبد الله. ورواه مسلم أيضا، ورواه النسائي عن طريق آخر، من طريق قتيبة، جميعا عن الليث بن سعد؛ يعني الليث بن سعد وهو فقيه مصر روى هذا الحديث عنه ثلاثة رجال: عبد الله بن يوسف وهو الذي اعتمد عليه ابن كثير في أصل هذا الباب، ورواه عنه أيضا عبد العزيز بن عبد الله وهذا ذكره البخاري في صحيحه في الاعتصام، ورواه أيضا عنه قتيبة. فقتيبة وعبد العزيز بن عبد الله وعبد الله بن يوسف كلهم جميعا رووا هذا الحديث من طريق الإمام المبجل الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد المقبور، سعيد المقبري عن والده، ووالده اسمه أبو سعيد كما ذكرنا، واسم والده كيسان.

وفي هذا الحديث الآن دعونا نعلق الآن، كما تلاحظون ابن كثير رحمه الله عليه يعلق على الناحية الإسنادية وهذه فيها فوائد لطلبة العلم الذين يحتفون بهذه الفوائد، ثم بعد ذلك يذكر ارتباط هذا الحديث بفضائل القرآن، معنى هذا الحديث جملة وبعض الفوائد المتعلقة به، هذه طريقته في الشرح. ثم الآن يقول ابن كثير: وفي هذا الحديث فضيلة عظيمة للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبي من الأنبياء وعلى كل كتاب أنزله الله سبحانه وتعالى أي من الكتب السابقة. هذا الحديث انتبهوا لمعناه؛ لأن كثيرا من الناس يجهل معناه، ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ يقول ابن كثير في شرح هذا الحديث: معنى الحديث ما من نبي إلا أعطي من المعجزات ما آمن عليه البشر، يعني ما كان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به واتبعه من اتبعه من البشر بناء على وجود هذه المعجزه، ثم لما مات هذا النبي انتهت معجزته معه لم تبق لهم معجزه بعد ذلك إلا ما يحكيه اتباعهم عما شاهدوه في زمانه؛ يعني كل الأنبياء الذين سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم الله عز وجل كان يعطيهم معجزة أيام وجودهم، يصدقهم الناس بناء على هذه المعجزات، ثم يموت النبي وتختفي معجزته معه وتذهب صحيح، ويبقى الناس الذين بعد هذا النبي يتناقلون معجزته حكاية أنه كان هناك ناقة لصالح، وكان هناك عصا لموسى عليه السلام، وكان كذا لسيدنا عيسى، انتهت هذه المعجزات لا يراها الناس بعد موت الأنبياء، وإنما ينقلونها حكاية فقط.

وأما الرسول الخاتم للرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، فمما أكرمه الله به قال: فانما كان معظم ما آتاه الله، الآن النبي صلى الله عليه وسلم معجزاته كثيرة، لكن معظم معجزته أو خلينا نقول بعبارة يعني أسهل: أعظم معجزة له وأهم معجزة له كانت وحيا وهو القرآن العظيم، فنفس القرآن هو المعجزة العظمى للنبي صلى الله عليه وسلم، فانما كان معظم ما آتاه الله وحي منه إليه منقولا إلى الناس بالتواتر، ففي كل حين هو كما أنزل؛ يعني معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وهي القرآن لم تنقطع بموت النبي صلى الله عليه وسلم، بل نقلت بالتواتر إلى من بعده وتبقى حية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فلهذا قال عليه الصلاه والسلام: فارجو أن أكون أكثرهم تابعا. هكذا قال في نهاية الحديث.

وقال ابن كثير: وكذلك وقع، فإن اتباعه صلى الله عليه وسلم أكثر من اتباع الأنبياء لعموم رسالته، ودوام هذه الرسالة ودوام المعجزة؛ فكل الناس يرى هذه المعجزه ويتلوها ويسمعها، ودوامها إلى قيام الساعة واستمرار معجزتها. فهذه من فضيلة القرآن أنه معجزه بخلاف الكتب السابقة فإنها لم تكن معجزة لأصحابها. اثنين أنه معجزه مستمره قائمه حاضرة في حياتنا، تعقلوا هذا عباد الله أن هذا القرآن معجزة ما بين يديك، ما تقراه في رمضان وفي سائر العام معجزة أنزلها الله سبحانه وتعالى خارج عن طوق البشر، وهذا بحد ذاته يدل على فضيله هذا الكلام ويجعلنا نشتاق إلى هذه المعجزة لنعرف وجوه الإعجاز فيها.

قال سبحانه وتعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا. ثم ذكر الآيات التي تدل على أن القرآن معجزة تحدى الله سبحانه وتعالى بها كفار قريش ومن بعدهم على أن يأتوا بمثله، فقال تعالى: قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُوا بِمِثْلِهِ. ثم تقاصر معهم بعد أن تحداهم الله أن يأتوا بمثل هذا القرآن اجمع، تحداهم بما هو أقل، خلاص ما بدنا تأتوا بكل هذا القرآن أو بمثل هذا القرآن اجمع، نطلب أن تأتوا بعشر سور فقط، فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ؛ يعني مكذوب ما عندنا مشكله، ليست تأتوا بعشر سور وادعوا من استطعتم من دون الله حتى يعينكم على هذا المشروع. ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فقط بعد نزل للأسهل حتى يعني يخفف، حتى وصل في التحدي معهم إلى سورة واحدة ومع ذلك عجزوا عن الاتيان، فقال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ، وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية كما ذكرنا في المدنية أيضا، وحتى في السور المدنية اقتصر على التحدي على سورة واحدة؛ لأنهم لم يستطيعوا أن يأتوا بالقرآن ولا بعشر سور ولا حتى بسورة واحدة، ففي سورة البقرة وهي سورة مدنية يقول تعالى متحديا لهم: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ. فهذه الآيات يسوقها ليبين فعلا أن هذا القرآن هو معجزه تحدى الله سبحانه وتعالى بها المعاندين ولم يستطيعوا أن يأتوا ولو بسورة واحدة، وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أصلا.

وهذا وهم كفار قريش كانوا أفصح الخلق، وهذا وهم أفصح الخلق وأعلمهم بالبلاغة والشعر وقريظة، الاتيه وعلى الأحكام العادله المحكمة؛ فالقرآن فيه أخبار صادقة عن الغيب السابق الذي لم تشهده هذه الأمة، وعن الغيب اللاحق الذي سياتي، وفيه أيضا أحكام عادلة محكمة، قال تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا؛ أي تم هذا القرآن صدقا في أخباره وعدلا في أحكامه. ثم ذكر بعد ذلك مجموعة من الأحاديث والآثار التي تعظم هذا القرآن، وفي الحقيقة الآثار التي ذكرها جلها يعني فيها ضعف، وإنما تثبت عن الصحابه الكرام، اقراوها أنتم لا أطيل عليكم أكثر من ذلك في التعليق.

لكنني اختم بالأثر الذي ختم به تعليقه على هذا الحديث، وقال أبو عبيد أيضا: هذا آخر شيء في تعليقي على هذا الحديث. حدثنا حجاج عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق السبيعي عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فانه يحب الله ورسوله. ختمت بهذا الأثر؛ لأنه أثر صحيح عن ابن مسعود وهو أثر جميل يقول لك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا تسأل أحد عن نفسك هل أنت مؤمن أو لست بمؤمن؟ فقط اسأل القرآن، لا يسأل عبد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن فانه يحب الله ورسوله.

إن كنت أنت تحب القرآن فأنت تحب الله ورسوله، وهذه منقبة أحبابي افتخروا بها يا أهل القرآن يا من اشتركتم في هذه البرامج وفي غيرها من البرامج القرآنية، أزعم أنكم لم تشتركوا إلا لأنكم تحبون القرآن، وابن مسعود يقول: فإن كان يحب القرآن فانه يحب الله ورسوله. أحباب القرآن هم الذين يحبون الله ورسوله، ومن أبغض القرآن وهجر القرآن ولم يعبأ بالقران ولم يحتفي بأخبار القرآن، فهذا عليه أن يراجع محبته لله ورسوله. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون من المحبين المشتاقين المتعلقين بكل ما يخبرنا عن هذا القرآن وبكل ما يعظمه في قلوبنا، ونلتقي في مجلس آخر، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.