بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذا هو المجلس الثالث في تعليقنا على كتاب فضائل القرآن للإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى عليه. وصلنا مع الإمام ابن كثير إلى مسألة جمع نسخ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه للمصاحف وتوزيعها على الأمصار، فدعونا ننظر الحديث الذي نقله ابن كثير الدمشقي عن الإمام البخاري رحمه الله تعالى عليه في هذه القضية.
قال البخاري رحمه الله: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إبراهيم، حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان الصحابي الجليل قدم على عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما، وكان أي حذيفة، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. أي أن سيدنا حذيفة بن اليمان خرج مع أهل الشام ومع أهل العراق لفتح منطقة أرمينيا وأذربيجان من مناطق بلاد فارس.
فافزع حذيفة اختلافهم في القراءة، أي حذيفة كان يجلس مع أهل الشام ومع أهل العراق أثناء الغزوة فكان يسمعهم كيف يقرؤون القرآن فيفزع من شدة اختلافهم في قراءة القرآن، وأن هذا يخطئ هذا، والعراق يخطئون الشاميين، والشاميين يخطئون العراقيين في قراءتهم للقرآن. ففزع حذيفة من هذا الاختلاف، وعندما عاد من الغزوة -لأن الحديث فيه اختصار، وإن أجلي لكم هذه المناطق- لما عاد من الغزوة ذهب حذيفة إلى سيدنا عثمان بن عفان.
فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فارسل عثمان رضي الله عنه مباشرة، أرسل إلى سيدتنا حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها. هذه الصحف هي المصحف الذي جمع في عهد أبي بكر الصديق وكان عند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولما توفي عمر بن الخطاب انتقل إلى بيت حفصة كما ذكرنا في مجلس البارحه. فارسل عثمان إلى حفصة يطلب هذه الصحف حتى ننسخها ثم نردها إليك.
فارسلت بها سيدتنا حفصة، أرسلت بهذه الصحف إلى عثمان، فأمر سيدنا عثمان زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخ في المصاحف. هؤلاء الأربعة هم الذين تولوا عملية نسخ الصحف: زيد بن ثابت وهو من الأنصار، وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث وهؤلاء من قريش.
وقال عثمان للرهط -أي لهؤلاء الأربعة- وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة -طبعاً القرشيون الثلاثة هم عبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث كما ذكرت لكم- قال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن -أي في طريقة كتابته هذا المراد- فاكتبوه بلسان قريش، فإنما أنزل بلسانهم. يعني إذا وقع خلاف بينكم وبين زيد بن ثابت، لأن زيد بن ثابت لم يكن من قريش، كان من الأنصار من أهل المدينة، فسيدنا عثمان قال للثلاثة القرشيين: إذا اختلفتم أنتم وزيد في طريقة كتابة كلمة فاكتبوها على طريقة قريش، لأننا عرفنا أن القرآن في جله نزل على لسان قريش لأنها خلاصة العرب.
ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف -يعني المصحف الأساسي- إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق -أي إلى كل مصر من أمصار المسلمين، إلى البصرة، إلى الكوفة، إلى مكة، إلى اليمن كما سيأتي معنا- وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وامر بما سواه من القرآن -أي بجميع الصحف التي كانت موزعة في أيد الصحابة وأبناء الصحابة- وامر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. يعني سيدنا عثمان رضي الله عنه نسخ مصاحف محددة من خلال هؤلاء الرهط الأربعة هي التي تم اعتمادها، وامر أن تجمع كل الصحف المبثوثة بأيد الصحابة وأبناء الصحابة، امر أن تجمع ليتم إحراقها حتى ينتهي الخلاف.
الآن ننتقل لمقطع آخر في الحديث، قال ابن شهاب الزهري: فاخبرني خارجة بن زيد بن ثابت -س سيدنا زيد بن ثابت له ابن اسمه خارجة وهو من فقهاء المدينة السبعة- اخبرني خارجة بن زيد، خارجة اخبر ابن شهاب الزهري قال: إنه سمع زيد بن ثابت -خارجة سمع والده يقول: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت اسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرا بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري. وهذه الآية هي: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فالحقناها في سورتها في المصحف.
في الحقيقة هذا المقطع من الحديث سيعلق عليه ابن كثير في الشرح أن الصحيح أن هذا، أن فقد هذه الآية من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا عليه هذا لم يكن في زمن عثمان بن عفان حينما نسخه المصاحف، بل الصحيح أنها هنا وقع اشتباه. هنا وقع اشتباه والصحيح أن هذه القصة وقعت في زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، إذ يصعب جداً أن يتصور أن هذه الآية لم تكن موجودة في المصحف الذي جمعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه وغفل الصحابة عن ذلك حتى جاء زمن عثمان، فلما كان زيد بن ثابت ينظر في المصحف في زمن عثمان افتقد هذه الآية.
يعني ابن كثير يرى أن هذا السياق يعني فيه نظر، والصحيح والله تعالى أعلم أن هذه القصة التي وقعت مع زيد بن ثابت وقعت في زمن أبي بكر وليست في زمن عثمان في الجمع الأول للمصحف. وذكرنا في المجلس السابق أن زيد بن ثابت فقد آية أو آخر آيتين من سورة براءة: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ إلى آخر سورة براءة، وعرفنا أنه وجدها مع أبي خزيمة الانصاري على الصحيح.
وأما آية: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فهذه هي التي وجدت مع خزيمة بن ثابت الأنصاري. فاذا في الحقيقه حتى نرتب الامور نقول: سيدنا زيد بن ثابت لما جمع المصحف في زمن أبي بكر الصديق فقد آخر آيتين من سورة براءة، وفقد آية من المؤمنين رجال صدقوا من سورة الأحزاب. آية من سورة براءة: لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ وجدها مع أبي خزيمة الانصاري الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادتين، وآية: مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وجدها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري.
وجدها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ولعل هناك شاهد آخر شهد مع خزيمة بن ثابت على هذه الآية، لأننا عرفنا أن أبا بكر الصديق أمر زيد بن ثابت ألا يثبت آية إلا إذا أتي بشاهدين. فالمهم كل ما تم فقده ووجدانه كان في العهد الأول، وأما في زمن عثمان فكان المصحف كاملاً وإنما ثبت النسخ فقط، فذكر هذه القصة قصة فقد عثمان أو عفواً قصة فقد زيد بن ثابت لآية الأحزاب في زمن عثمان فيه نظر كما ذكر ابن كثير.
هذا الحديث بطوله كما قلنا أحبابي الكرام يرتب لنا كيف نسخ المصحف في زمن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه. أي يقول ابن كثير، وسيعلق سريعا، يقول ابن كثير: هذا الحديث يدل على أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان. يعني من أكثر الامور الرائعة التي فعلها سيدنا عثمان بن عفان مشروع نسخ المصاحف حتى ينبذ الخلاف من الأمة في قراءة القرآن، وإلا لوقع خلاف شديد نسأل الله السلامة والعافية، فان الشيخين سبقاه -فان الشيخين يقصد بهما أي أبا بكر وعمر- فان أبَا بكر وعمر سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء، وهذا يدل على أنه جمع كاملاً ولا يمكن أن تكون سقطت منه آية في عهد أبي بكر، وهو جمع الناس على قراءة واحدة.
فان الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شيء، ثم بعد ذلك هو أي عثمان بن عفان، وهو أي عثمان جمع الناس على قراءة واحدة لئلا يختلف في القرآن، ووافقه على الذي فعله جميع الصحابه وإنما وقع خلاف يسير من سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. لماذا وقع الخلاف هنا؟ ابن كثير يقول يعني كأنه أخذ على خاطره سيدنا عبد الله بن مسعود أنه لم يكن من ضمن اللجنة المكلفة بنسخ المصاحف، هكذا يقول ابن كثير والله تعالى أعلم في ذلك. وأنا دائماً أقول للأحبة: الأصل إذا وجدت شيئاً من الخلاف بين الصحابه ألا تدخل فيه، إذا وجدت شيئاً من امور النفوس مما يقع بين البشر لا تقحم نفسك فيه، وطريقة السلف رضوان الله تعالى عليهم السكوت عن ذلك.
إذاً يقول ابن مسعود -يقول ابن كثير- إن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه غضب قليلاً من سيدنا عثمان لكونه لم يضعه في اللجنة التي كتبت المصاحف، وأمر اصحابه -امر اصحابه يعني عبد الله بن مسعود- أمر اصحابه أن لا يسلموا مصاحفهم لسيدنا عثمان رضي الله عنه حتى يقوم بإحراقها، وهذا المراد بالغل، وأمر اصحابه بغل مصاحفهم أي أن يحبسوها عندهم ولا يعطوها لسيدنا عثمان حتى يحرقها. ثم يقولون إن سيدنا عبد الله بن مسعود رجع إلى الوفاق وانتهى النقاش بين الصحابة في هذه المسألة، حتى يقولون سيدنا علي بن ابي طالب قال: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا، لو عثمان لم يامر بتحريق المصاحف لحرقت أنا، وهذا يدل على أن الصحابة كانوا شبه مطبقين على هذا الموضوع سوى خلاف ابن مسعود.
وروي أن ابن مسعود عاد فوافق الصحابة على ذلك، فاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن ذلك من مصالح الدين، أن جمع المصحف وجمع الناس على قراءة واحدة ونبذ التعصب والخلاف هذا من مصالح الدين. طبعاً سنعرف إن شاء الله في قابل الأيام أنه ليس المراد جمع الناس على قراءة واحدة أنه لا يجوز القراءة إلا بقراءة مثلاً عاصم أو قراءة ابن كثير، لا، القراءات المشهورة اليوم بيننا والمتداولة اليوم هي كلها تحت قراءة واحدة جمع عثمان الناس عليها.
وهذا سياتي معنا في قضية الأحرف السبعة كما سياتي أظن في المجلس القادم بإذن الله، أن عثمان رضي الله عنه أنهى موضوع الأحرف الستة وجمع الناس على حرف واحد من الأحرف السبعة، يعني أنهى ستة أحرف وجمع الناس على حرف واحد. هذا الحرف الواحد هو الذي نقرا عليه اليوم، وكل القراءات الموجودة عندنا سواء القراءات السبعة أو العشرة أو حتى ما ينسب لقراءات الشواذ كلها تحت هذا الحرف الواحد الذي جمع عثمان الناس عليه، فعلينا أن نفرق بين ما فعله عثمان في جمع الناس على حرف واحد وبين ما هو المقصود بالقراءات المعاصرة أو القراءات التي نفهمها في وقتنا المعاصر، القراءات المتنوعة هذه.
القراءات التي وصلت إلينا متواترة هي كلها تحت قراءة واحدة جمع عثمان الناس عليها. هذه القراءة التي جمع عثمان الناس عليها يقع فيها اختلاف في طريقة الأداء، في طريقة التلفظ، في طريقة المدود، في إطالة الهاء وعدم إطالتها، وهنا يقع الخلاف بين القُرَّاء جميل. والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الخلفاء الأربعة: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، فسنتهم متبعة فما فعلوه كان حقاً، وكان السبب في عملية نسخ المصاحف سيدنا حذيفة بن اليمان كما عرفنا القصة وذكرتها لكم سريعة، يعني أرجو أن تقرؤوها وانظروا كيف سيدنا حذيفة بن اليمان كان يدرك وجود الخلاف بين اليهود في التوراة، وكان يدرك وجود الخلاف بين النصارى في الأناجيل.
فذكر مثلاً هنا ابن كثير أن اليهود اختلفوا في التوراة بينهم، فنسخ التوراة الموجودة بين قبائل اليهود وأنواعهم متنوعة ولم يجتمعوا على شيء واحد، وكذلك الأناجيل: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا هذه الأناجيل مختلفة في نسخها وفي القصص التي تحكيها والروايات التي تسندها بالتالي. لاحظوا أن الكتب السابقة وقع فيها الخلاف، سيدنا حذيفة كان يخشى من أن يقع في القرآن ما وقع في الكتب السابقة فذهب ليحذر سيدنا عثمان، وحدثت القضية التي ذكرناها لكم من نسخ المصاحف، وعرفنا أن عثمان يعني أنا سريعاً سأعليق على بعض الأمور.
جعل هؤلاء النفر الأربعة يكتبون بالقران نسخاً، وعلى أي نسخة كتبت؟ كتبت على لغة قريش كما عرفنا. الآن يقولون عثمان رضي الله عنه هو الذي رتب السور في المصحف، فقدم السبع الطوال وهي: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، وقرن بين الأنفال والتوبة. ثم بعد ذلك أتى بالسور المئين التي عدد آاتها بالمئات بالمئين هذه يسموها المئين، هذه ذكرت بعد السبع الطوال وثنى بالمئين -يعني السور التي آياتها حول المئة ذكرت بعد السبع الطوال-.
الان هل فعلاً سيدنا عثمان رضي الله عنه هو الذي رتب السور في المصحف باجتهاده كامل السور باجتهاده وباجتهاد لجنته، أم أن أغلب السور كان ترتيبها توقيفاً من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما وقع الاجتهاد في ترتيب بعض السور؟ هذه مسألة خلافية والخلاف فيها يهمنا جداً في برنامج وتزودوا، لأننا سنطرقه في الكتاب الثاني بإذن الله كتاب البرهان في تناسب سور القرآن. لأن كتاب البرهان في تناسب سور القرآن مبني على فكرة أن ترتيب سور القرآن في جله كان توقيفاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع الاجتهاد من عثمان ومن اللجنة المكلفة في ترتيب سور معينة وليس في ترتيب كامل المصحف، هذه فيها خلاف والذي يظهر هو القول الثاني كما ذكرته لكم.
أن أغلب السور كانت مرتبة من عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما وقع الاجتهاد في ترتيب بعضها والله تعالى أعلم. لكن سيدنا أو الإمام ابن كثير رحمه الله عليه يقول أن ترتيب السور كان باجتهاد عثمان واللجنة حيث قدم
السبع الطوال وثنى بالمئين. ولهذا ذكر هنا قصة أن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله، يعني لم تكتبوا بينهما بسم الله الرحمن الرحيم؟ نعرف سورة الأنفال وسورة التوبة ما في بينهم بسم الله الرحمن الرحيم، وضعتموها في السبع الطوال، يعني سورة براءة من سور المئين وفي الحقيقة سورة الأنفال هي من المثاني، فجمعوا بين، يعني سيدنا عثمان لما كتب المصحف جمع بين الأنفال والتوبة كأنه دمج بينهما وجعلهما هي السورة السابعة.
لأنك أنت إذا عددت تجد البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام، الأعراف، هذه ستة. طب نحن نقول السبع الطوال، ما هي السابعة؟ السابعة هي الأنفال مع التوبة، سيدنا عثمان وضعهما مع بعضهما البعض ولم يضع بينهما بسم الله الرحمن الرحيم. فابن عباس يناقش يقول: ما حملكم على ذلك مع أن الأنفال سورة وبراءة سورة؟ فسيدنا عثمان ماذا قال؟ قال سيدنا عثمان: كان صلى الله عليه وسلم مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، يعني كتاب الوحي، فيقول: ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. وهذا كلام عن ترتيب الآيات داخل السورة الواحدة، وهذا باتفاق الجميع أنه من النبي صلى الله عليه وسلم.
ترتيب الآيات داخل السورة لا نزاع ولا يجوز النزاع أصلاً أنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال: وكانت الأنفال، هذا ما زال كلام سيدنا عثمان، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، يعني من أوائل السور نزلت لأنها نزلت في غزوة بدر لما وقع الخلاف في الغنيمة، وكانت سورة براءة من آخر القرآن لأنها نزلت في غزوة تبوك السنة التاسعة، وكانت قصتها شبيهه بقصتها، يعني سيدنا عثمان رأى أن القصة في سورة الأنفال فيها نوع من التشابه في القصة التي في سورة التوبه، وحسبت أنها منها، يعني هو ظن أن التوبة هي تكملة للأنفال، فقبض النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، يعني لم يفصل لنا هل التوبة سورة منفصله عن الأنفال أم هي تبع لها؟
ومن أجل ذلك قرنت بينهما، يعني صحيح وضعت الأنفال على، وضعت التوبة على أنه هذه سورة وهذه سورة، لكنني قرنت بينهما من دون أن أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وجعلتهما معا يمثلان السبع الطوال أو السورة السابعة من السبع الطوال. هذا يدل على أن سيدنا عثمان اجتهد في بعض القضايا في ترتيب سور القرآن، لكن هل اجتهد في كل السور؟ لا، لا يظهر ذلك. ففهم من هذا الحديث يقول ابن كثير إن ترتيب الآيات في السور توقيفي متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه.
هنا نحن نناقش ابن كثير نقول: في الحقيقة الحديث لا يدل على أن ترتيب جميع السور من سيدنا عثمان، وإنما يدل على أن سيدنا عثمان اجتهد في ترتيب بعض السور، والله تعالى أعلم. ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن الآن، سيعطينا ابن كثير فوائد في قراءة القرآن، فيقول: ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبا في آياته، ما بصير أنت تقرأ من آخر السورة إلى أولها، الآيات مرتبة توقيفا من النبي صلى الله عليه وسلم. فانعكسة أي من قرأ مثلا من آخر البقرة إلى أولها، هذا أخطا خطأ كبيرا، بل إن البعض كفر من يفعل ذلك لأن هنا تلاعب بآيات القرآن.
قال: وأما ترتيب السور فهو مستحب اقتداء بعثمان. وهذا بناه ابن كثير على فكرة، كما قلنا، أن جميع ترتيب السور كان من صنع سيدنا عثمان، وهذه مسألة اجتهادية لا يثرب فيها أحد على أحد. المهم سيدنا ابن كثير يقول: ترتيب السور مستحب اقتداء بسيدنا عثمان أنه الصحابة وافقوا سيدنا عثمان على هذا الترتيب، فالاصل أن نتبع سيدنا عثمان لأنه صاحب سنة متبعة في النهاية وهو من الخلفاء الراشدين، وبالتالي الأولى إذا أي قرأ أي المسلم القرآن أن يقرا متواليا، ويقصد ابن كثير أن يقرأ متواليا يعني أن يقرا السورة ثم السورة التي تريها مباشرة.
يعني هذا أعلى درجات الكمال في القراءة، سواء في الصلاة أو في خارج الصلاة، أعلى درجات الكمال أن تقرأ السورة ثم تقرأ السورة التي تريها، كما قرأ عليه الصلاة والسلام في صلاة الجمعة بسورة الجمعة وبسورة المنافقين، وسورة المنافقين تكون بعد سورة الجمعة في ترتيب المصحف. وتارة كان يقرأ بسورة سبح اسم ربك الأعلى ثم بالسورة التي تريها مباشرة هل أتاك حديث الغاشية؟ طب فإن فرق، يعني إذا قرأت سورة ثم قرأت سورة تاتي بعدها في ترتيب المصحف، لكنها ليست موالية لها مباشرة، هل يجوز؟ بالتأكيد يجوز، كما صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرا في العيد بسورة ق واقتربت الساعة وانشق القمر.
الآن سورة القمر هي بعد سورة ق أكيد بالترتيب، لكن هناك فرق بينهما أو مسافة بينهما، فإن ق ياتي بعدها في المصحف الذاريات، ثم الطور، ثم النجم، ثم بعد ذلك سورة القمر، فهذا لا إشكال فيه. ثم ذكر عدة أسانيد تعضد هذه الفكرة، ثم الصورة الثالثة، طيب إن قدم بعض السور على بعض؟ فمثلا لو أن إنسان قرأ سورة متأخرة في ترتيب المصحف في الركعة الأولى من الصلاة، وفي الركعة الثانية قرأ سورة مقدمة عليها، يعني شخص قرأ في الركعة الأولى سورة الإخلاص ثم في الركعة الثانية قرأ بسورة النصر، هل هذا يجوز؟
قال: وإن قدم بعض السور على بعض فهذا أيضا جائز، فقد ثبت في حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم في قيام الليل قرأ بسورة البقرة ثم قرأ بعد ذلك النساء ثم قرأ بعد ذلك آل عمران. لكن يعني قد تتم مناقشة أنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بناء على قولك ابن كثير لم يكن القرآن مرتب السور، وأنت تقول إن الذي رتب السور هو فقط سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه، فبالتالي الاستدلال بهذه القصة قد يكون فيه نقاش. المهم لا أتعبه في هذا، الصحيح فعلا أنه يجوز أن تقرأ السور مرتبة، ويجوز أن تقرأ سورة ثم تقرأ السورة التي قبلها في ترتيب المصحف، وأما السورة الواحدة فلا يجوز أن تغير في ترتيب آياتها.
جميل، ثم تكلم أن عثمان رد المصحف بعد أن تم نسخه إلى حفصة رضي الله عنها، فلم يزل عندها حتى ماتت. طبعا سيدنا أو خلينا نقول مروان بن الحكم، أحد خلفاء بني أمية، كان أرسل إلى حفصة يطلب منها أن تسلمه المصحف الذي عندها حتى يقوم بإحراقه مع المصاحف التي أحرقت. طبعا هي لم تعطيه إياه لم ترض حتى ماتت، فأخذ المصحف الذي كان عند حفصة عبد الله بن عمر وهو شقيقها، فأرسل إليه مروان بن الحكم يطالبه بتسليم هذه النسخه، فهنا عبد الله بن عمر رأى فعلا أن المصلحة أن يسلم هذه النسخة وأن تحرق مع ما أحرق، حتى لا يقع الخلاف بعد ذلك.
ثم يقولون إن عثمان رضي الله عنه نفذ نسخا إلى الآفاق كما عرفنا، فذهب من نسخة من المصاحف التي نسخت إلى مكة، ونسخة إلى البصرة، ونسخة إلى الكوفة، ونسخة إلى الشام، ونسخة إلى اليمن، وأخرى إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة مصحفا، فتكون هذه سبعة مصاحف تم نسخها. والقرطبي يقول: لا، إن المصاحف التي تم تفريقها أربعة مصاحف، وابن كثير يقول: هذا غريب، المشهور أنها سبعة. جميل، وفعلا المشهور أن الذي نسخ سبعة مصاحف، وامر بما عدا ذلك من المصاحف أن يتم إحراقها. وستلاحظون أن ابن كثير أحيانا أحبابي يكرر بعض الققص، ولو أنه لم يكررها ل، يعني كان المنهاج أقصصر من ذلك.
طيب، وامتدح كثير من الصحابه، يعني هنا يذكر قصص كثيرة كيف امتدح الصحابة فعل عثمان، وكيف كانوا يقولون: لو لم يكتب عثمان المصحف لتفقس، يقراون الشعر، يعني لا اختلطت الأمور، والح، وكما يقولون اختلط الحابل بالنابل، لأنه الناس كل واحد يقرأ على ليله، فعثمان رضي الله عنه ما فعله منقبة عظيمة فعلا أنه يعني جمع قلوب الناس على هذا القرآن ومنع وقوع الخلاف فيه، وهذا من تيسير الله سبحانه وتعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ. عن أبي مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لفييت الناس يقرأون الشعر.
ويقولون: خصلتان لعثمان بن عفان ليست لأبي بكر ولا لعمر. هذا قاله عبد الرحمن بن مهدي، الخصلة الأولى صبره نفسه حتى قتل مظلوما، إنه حبس نفسه ولم يرض بالقتال حتى قتل مظلوما رضي الله عنه، والخصال الثانية جمعه الناس على المصحف. وأما عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه فعرفنا يعني القصة التي وقعت وكيف أنه ابتداء عارض الموضوع ثم عاد إليه، وقصة عودته هل ثبتت أو لم تثبت؟ أيضا في خلاف، أبو بكر بن أبي داوود هو الذي نقل في كتاب المصاحف له قصة رجوعه وقال: باب رضا عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف، وذكر حديثا علق عليه ابن كثير يقول: يعني ولا يظهر من هذا الحديث الذي ذكره أبو داوود، أو أبو بكر بن أبي داوود، أي أن ابن مسعود رجع.
قال: وهذا الذي استدل به أبو بكر بن أبي داوود على رجوع ابن مسعود فيه نظر من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، اقرؤوا القصة هي موجودة عندكم في النسخة. المهم بغض النظر في النهاية أطبق الصحابه على ما فعل عثمان بن عفان، بغض النظر عن كيف سيدنا عبد الله بن مسعود عاد فوافقهم، لكن استقر الأمر وانتهى وذهب النزاع بالكلية والحمد لله، وجزى الله سيدنا عثمان بن عفان عن هذه الأمة خير الجزاء على ما فعله في جمع المصاحف.
وهنا يعني اقرؤوا في نهاية هذا الباب قال: وأما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب والحاقهم إياها في سورتها سورة الأحزاب فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف، يعني في مرحلة أبي بكر الصديق كما جاء مصرحا به في غير هذه الرواية عن الزهري، والدليل على ذلك أنه قال: فألحقناها في سورتها من المصحف. وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية التي وصلت، يعني كانت بين أيدي التابعين، وإنما هي موجودة في أصل المصحف، وهذا يدل على أنها لم تلحق إلحاقا بل كانت موجودة من أيام أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.
يقول ابن كثير: فهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون أبو بكر وعمر حفظا على القرآن وجمعا لئلا يذهب منه شيء، وعثمان رضي الله عنه جمع قراءة الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة. الآن عثمان رضي الله عنه مع اللجنة التي وضعت نسخوا المصحف على العرضة الأخيرة، العرضة الأخيرة المراد المدارسة الأخيرة التي وقعت بين جبريل وبين النبي صلى الله عليه وسلم في آخر رمضان من عمره عليه الصلاه والسلام، فانه عارضه به عامئذ مرتين، وقيل إن زيد بن ثابت قد حضر هذه المعارضة، فلذلك كان موجودا دائما في لجان نسخ المصاحف.
وإن كان قد يقع منه السهو أو النسيان، لكنه حضر العرضة الأخيرة كما جاء في بعض الروايات، فلذلك كان معتمدا في كتابة المصاحف. أي قضية إذا عثمان نسخ المصحف على ما ثبت في العرضة الأخيرة. إذا يقولون، يعني هذا استطراد، روي أن علي رضي الله عنه أراد أن يجمع القرآن بعد النبي صلى الله عليه وسلم مرتبا بحسب نزوله أولا فأول، لكن هل هذا فعلا ثبت عن علي أنه أراد فعلا أن يكتب المصاحف مرتبة على ليس بالطريقة المعروفة لدينا وإنما مرتبة على حسب نزولها؟
هم يستدلون على ذلك بقصة لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة أقسم عليه أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر الصديق بعد أيام فيقول له: أكرهت إماراتي يا أبا الحسن؟ علي بن أبي طالب كنيته أبو الحسن. فقال: لا والله يا أمير المؤمنين إلا أني أقسمت ألا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه علي بن أبي طالب ثم رجع إلى منزله. الآن هكذا رواه وفيه انقطاع. ثم قال: لم يذكر المصحف في هذا الحديث لفظة حتى يجمع القرآن في مصحف، هذه اللفظة كلمة في مصحف لم ينقلها إلا الأشعث وهو لين الحديث.
وإنما الرواية الصحيحة أنه أقسم أن لا يرتدي برداء الجمعة حتى يجمع القرآن، ومراده بجمع القرآن أي أن يحفظه. فسيدنا علي رضي الله عنه حفظ القرآن، وهناك خلاف هل حفظه يعني بوفاه النبي صلى الله عليه وسلم يعني ولا حفظه بعد وفاة النبي عليه الصلاه والسلام؟ متى حفظ سيدنا علي بن أبي طالب القرآن؟ هذا أيضا مواطن النزاع. والذي يظهر أن سيدنا علي رضي الله عنه لم يقم بشيء من جمع القرآن على حسب النزول، وأما الجمع المشهور فهو جمع أبي بكر وجمع عثمان رضي الله تعالى عنه.
طبعا هناك فوائد أنصحكم أن تقراوها لا أطيل عليكم التسجيل أكثر من ذلك، أظن أننا لخصنا فكرة جمع عثمان بن عفان أو نسخ عثمان بن عفان المصحف، ما الهدف كان منها؟ كيف تم توزيعها؟ على ماذا جمع عثمان الناس في هذه المصاحف؟
وإن شاء الله في المحاضرة القادمة نتكلم عن مسائل أخر مهمة جداً في موضوع جمع القرآن، وبعض الفوائد المتعلقة بقضية الأحرف السبعة، وما المراد بالأحرف السبعة.
أي وهذه مسائل مهمة، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل