تسجيل الدخول

فضائل الصحابة 01 | غيث الساري

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه. اللهم يا ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح هذا المجلس الذي نسأل الله سبحانه وتعالى خيره وبركته، ونسأل الله سبحانه وتعالى القبول. وهذا مجلس جديد من مجالس غيث الساري من هدايات البخاري، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وهو في باب جديد، وهو باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

واختيار هذا الباب تحديدا هو لمعرفة التربية النبوية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ كيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه؟ ما الذي رعاه فيهم؟ كيف كان يتعامل معهم؟ كيف أعدهم لما بعده صلى الله عليه وسلم؟ وبطبيعة الحال، والفوائد الأخرى المتفرقة والكثيرة، والتي من أهمها الفضائل المباشرة لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة منزلتهم ومكانتهم وما كانوا عليه. فنسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد.

قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: باب في فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. هذه طبعا من التعليقات التي يقوم بها الإمام البخاري، وهي بهذا التركيب وبهذه الطريقة وبهذا التعريف نادرة تعتبر في الصحيح، ولكنها تبع للباب.

يعني قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، قال: سمعت جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه يقول: حدثنا أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم.

هذا الحديث أول حديث افتتح به الإمام البخاري كتاب فضائل الصحابة، وهو حديث من الأحاديث العظيمة في فضائلهم. ولعل الإمام البخاري أورد هذا الحديث أول حديث في الباب؛ ليس ليأتي بفضل الصحابة المجمل فقط، وإنما ليأتي بشيء متعلق بتعريف الصحابي؛ هو اعتنى في الباب، قال: ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه. خاصة وأن هذا الحديث له رواية أخرى فيها: هل فيكم من رأى النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهنا: فيكم من صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا أيضا جعلت الصحبة متعلقة بالرؤية. فهذا الحديث لعله أساس أصلا في بيان من هم الصحابة وفي بيان فضائل الصحابة إجمالا.

طبعا فضائل الصحابة باب عظيم من الأبواب الشرعية؛ يعني إحنا الآن البخاري عقد كتابين لفضائل الصحابة، الكتاب الأول كتاب فضائل الصحابة، والكتاب الثاني كتاب مناقب الأنصار. نحن نتكلم عن أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها في هذا الباب، وبمجرد وجود هذا القدر من الأحاديث الآن، بغض النظر عن أفراد الأحاديث حديثا حديثا، هذا فيه فائدة وفيه قضية مهمة في تعامل النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين مكانة أصحابه في حياته على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل؛ فبين الرتب العلية منهم، من أولهم، من أعلاهم، من له اختصاص بكذا، هذا له فضل بكذا، وبين كذلك الفضل العام.

وهذا البيان للفضل هو جزء من التربية، وهو يجعل قضية يعني يضبط قضية المدح أو النهي عن المدح الذي ورد في بعض الأحاديث الأخرى؛ لأن بعض الناس لا يأخذ إلا بحديث النهي عن المدح، وقد يسيء فهمه، وقد يحمله ما لا يحتمل، وقد يوسع من تحققاته في الواقع، وهذا موجود نراه اليوم في واقعنا، ونراه حتى أحيانا في تعليقات شبكات التواصل؛ أحيانا في كذا، كلما ذكر ثناء أو مدح لشخص أو لعالم أو لداعية أو لمجاهد أو أيا كان يستحق الثناء، يقول لك: لا، لا تمدحه، لا تثني عليه، هذا ممكن يؤدي إلى فتنة، لا تقصم ظهره، لا كذا إلى آخره. والنبي صلى الله عليه وسلم محفوظ عنه عشرات الأحاديث في فضائل أصحابه بأعيانهم وبقدر من الفضل عظيم، فلذلك يجب أن يفقه هذا الباب.

وقد يقول قائل: لا، ولكن هذا مختص بالصحابة. وهذا الكلام غير صحيح؛ لأن ما يخشى من الفتنة كان أيضا موجودا في زمن الصحابة، بل إن حديث النهي الذي فيه: قطعت عنق صاحبك كان لمن؟ للصحابة. واضح الفكرة؟ يعني هو حديث النهي وارد في الصحابة أصلا، فلا يقال إن أحاديث الفضائل هي أحاديث يختص بها الصحابة فقط، وأما من بعد الصحابة فيخشى عليهم الفتنة، لا، الفتنة تخشى على الصحابة وعلى من بعدهم. وبناء على ذلك ينبغي أن يضبط هذا الباب.

فنحن نقول: عامة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أكثر ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب هو المدح والثناء وإثبات الفضائل، أكثر ما روي ومن وجوه مختلفة ومتعددة، وكما قلت: على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، على وجه التعيين، بل على وجه التكرار حتى للصحابي الواحد الذي سبق الثناء عليه. وكما قلت إن العجب من أناس يتركون كل هذه الفضائل وكل هذه الأبواب وكل هذه الأحاديث، ثم يعمدون إلى حديث واحد في النهي فيسقطون به هذا الباب أو هذه الأحاديث الكثيرة التي هي عشرات أو مئات، حتى إن الإمام أحمد صنف كتابا كبيرا في فضائل الصحابة من كثرة الأحاديث الواردة في هذا الباب.

وبناء على ذلك، كما قلت، لا ينبغي أن يغلق باب المدح والثناء إذا كان بوجه حق إلا إذا خشيت فتنة معينة في سياق معين، يتضح من خلال هذا السياق أنه قد تحدث فتنة معينة، أو إذا كان المدح فيه غلو، أو إذا كان المدح فيه تجاوز أو تعد للدخول إلى الباطن دون أن يعرف الإنسان ذلك، والباطن لا يعلمه إلا الله. فمثلا لو قال شخص لآخر: لا أعرف قلبا أتقى لله على وجه الأرض من قلبك، فهنا يقال: قطعت عنق صاحبك، واتق الله في هذا المدح، بالغت من جهة وما يدريك عن قلبه؟ ما يدريك؟

لكن أن يأتي شخص يعمل خيرا، يعمل حسنا، خاصة إذا كان هذا الخير متعلقا بنصرة الإسلام والمسلمين، فيمدح بما فيه، ويثنى عليه بما فيه، ويكون هذا المدح له سياقه وله فائدته، فلا ينبغي أبدا أن نهي عن مثل هذا المدح، ومن ينهى عن ذلك فلا شك أو يعني إما أن يكون فقهه في الدين قليل أو في هذا الباب، أو يعني لم يضبط هذه القضية ضبطا جيدا، واضح الفكرة؟

ولذلك مدح الناس لبعض؛ قد يقول قائل: لا، هذا طيب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يمدح إلا بحق ولا يثني إلا بحق وهو يعلم خصائص أصحابه وما إلى ذلك. فنحن نقول: نعم، النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول إلا حقا، هذا لا شك فيه، لكنه أيضا النبي صلى الله عليه وسلم لا يعلم ما في القلوب، ولذلك كان يقول ماذا في الحكم والقضاء؟ كان يذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح أنه إنما نحكم على ما بد لنا منكم، أليس كذلك؟ وأنه من قضي له بباطل أو من قضي له بغير حق فهي جمرة من نار، وإن كانت قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم الذي قضى بناء على القرائن وبناء على الأدلة الظاهرة، لكنه لا يعلم ما في قلب الإنسان، هل هو صادق أم كاذب؟ وإن كان لا شك أن هناك من القرائن ومن الملابسات ما يعرف بها بعض الأحوال أو كثير من الأحوال، لكن ليس هذا مطلقا.

الرد الثاني هو أن المدح لبعض الصحابة قد حصل من بعض الصحابة أمام النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، مما يدل على أن هذا ليس مختصا بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما حصل يوم حنين حين قتل أبو قتادة رضي الله تعالى عنه رجلا من المشركين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه. فجاء رجل فأخذ سلب المقتول الذي قتله أبو قتادة وجاء يستأذن من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذ هذا السلب، أعجبه السلب وما هو اللي قتله فأراد أن يأخذه، جيد؟ فغضب أبو بكر أمام النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لاها الله إذا، يعمد إلى أسد من أسد الله -يقصد أبا قتادة الآن أصلا، شوف المدح كيف، وأمام النبي صلى الله عليه وسلم يقول:- يعمد إلى أسد من أسد الله يدافع عن الله وعن رسوله يأخذ سلبه؟ لا والله. والنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك، مع أن المقام يعني هو مقام متعلق بقضية الغنائم وما إليها. فالشاهد من الكلام أن الدين يفقه بمجموع النصوص، لا يؤخذ نص واحد، يؤخذ بمجموع النصوص. فالعلماء صنفوا أبوابا في كتبهم عن الفضائل والمناقب، فضائل الصحابة، وفضائل الأنصار، وفضائل المهاجرين، وفضائل أبي بكر، وفضائل عمر، وفضائل عثمان، وهذا كله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي بعد ذلك إنسان يبني أصل هذا الباب على النهي الذي هو وارد في حديث أو حديثين ويترك كل هذه الأحاديث، وهذا لا شك من قلة الفقه لهذا الباب. فهذا أولا.

ثانيا: النبي صلى الله عليه وسلم امتدح الصحابة بفضائل لأعمال قاموا بها، وهذه الأعمال لا تختص بهم، اللهم إلا بعض ما كان مرتبطا بشخص النبي صلى الله عليه وسلم مما يقال فيه إنه قد انتهى العمل بمثله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم امتدح أصحابه على أعمال كثيره لا تختص بهم؛ بمعنى ما الفائدة من هذا الكلام؟ الفائدة من هذا الكلام أنه إذا كانت هذه الفضائل قد وردت في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان الفضل مبينا مرتبطا بعمل، فالفائدة التي يمكن أن نخرج بها على المستوى العملي هي الحرص على أن يعمل بمثل هذا العمل. وماذا لو كان هذا العمل خاصا بزمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ يقال: فليعمل بجنس هذا العمل ولو لم يبلغ الإنسان فيه الدرجة، أو ولو فاته الأمر المتعلق بوجود النبي صلى الله عليه وسلم. يعني مثلا كان له فضل بسبب نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقال: نعم، انتهى هذا الفضل من جهة النصرة المباشرة، لكن بقي ما يدخل في جنس نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان ليس بنفس الدرجة وليس بنفس الأثر، لأن الأثر الذي كان يتحقق في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه أحيانا يكون النبي صلى الله عليه وسلم مهموما فيسر عنه بهذا العمل، يكون حزينا فيفرح ويضحك وهكذا، فهذا الذي فعل الفعل من الصحابة فأدى إلى أثر في النبي صلى الله عليه وسلم هذا انتهى، لكن هل جنسه من حيث أساس نصرة النبي صلى الله عليه وسلم انتهى؟ الجواب لا. ويمكن أن يقال حتى من كالتالي: يقال ما نوع الأعمال أو الأحداث التي أهمت النبي صلى الله عليه وسلم وما نوع الأعمال التي سرت عنه؟ فليعمل في مثل تلك الأعمال التي أهمته بمثل تلك الأعمال التي سرته صلى الله عليه وسلم، وذلك كمثل حديث جرير الذي فيه القوم الذين أتوا من مضر وهم حفاة، فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم وتغير ثم سري عنه لما رأى الناس ينفقون وسدوا فاقته، فيقال بناء على هذا الاستدلال: أنه إذا وجد من أمة النبي صلى الله عليه وسلم من يكون بمثل حال أولئك فإن هذا مما أهم مثله النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه، فإذا وجد من يفرج عنهم الكربة ويقف معهم فإن مثل هذا مما سر عن النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه، فعلى الأقل يستانس بمثل هذا العمل ويرجى ما عند الله سبحانه وتعالى من الثواب، وإن كان ليس بنفس الدرجة التي حصلت لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.

طيب، ما علاقة هذا بهذا الباب؟ أو قبل أن أطرح هذا السؤال بقيت فائدة ثالثة أيضا وهي: أن الدين الذي جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء من القرآن أو من السنة له موضوعات مختلفة ومتنوعة وكثيرة وأبواب متعددة. ولذلك لما جاء العلماء مثل البخاري فجمعوا أبواب الدين، هذا البخاري اسمه: الكتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه. لما جاء هؤلاء العلماء فجمعوا أبواب الدين، تجد -لأنه تعرف هذه ما هي آراء شخصية، هذا كله كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأصح ما ورد- فأنت تقلب الآن في صحيح البخاري، تجد أن من أبواب الدين المحفوظة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب فضائل الصحابة، مناقب الأنصار، مناقب النبي صلى الله عليه وسلم.

الله عليه وسلم. هذا الكتاب الذي قبله مباشرة كتاب المناقب، والمقصود به النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل حتى كتاب المناقب كتاب الأنبياء، وقبل كتاب الأنبياء كتاب بدء الخلق، ثم فضائل الصحابة، ثم مناقب الأنصار، ثم المغازي. جيد.

والسؤال: ما حظ كثير من طلاب العلم في تنشئتهم العلمية من هذه الأبواب؟ ما حظهم من هذه الأبواب؟ يعني حين يدرس الإنسان الفقه والعقيدة والحديث والأصول واللغة العربية، ها، ما حظه من أبواب الدين المختلفة؟ ما حظه من أبواب الدين المتنوعة؟ ولذلك من أهم ما ينبغي الحرص فيه، خاصة من حيث التجديد في الأمة الإسلامية ومحاولة إعادة الأمور إلى نصابها، أن يقال: لابد من البناء الشمولي لطلاب العلم، الشامل لمختلف أبواب الدين، والذي لا يقتصر على بعض الأبواب دون البعض الآخر، فهذا باب من الدين، فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باب من السنة، ومهم أن يفقه. بقي أن يقال: ما علاقة هذا الباب بالمعنى الذي ذكرته في البداية، وهو معنى تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه؟ هل هذا له دور في التربية؟

وله دور، تعرفوا إحنا مهتمين بقضية التمكين العملي للصحابة، لما تكلمنا في مجلس آخر عن أدوار الصحابة قسمناها إلى زمنين: أدوار الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأدوار الصحابة فيما بعد النبي صلى الله عليه وسلم. وقلنا من أهم أدوار الصحابة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم تعليم الناس العلم، والدعوة إلى الإسلام، وقيادة السرايا، وكذلك الولاية على بعض المدن، سواء بالاستخلاف -أن يستخلف النبي صلى الله عليه وسلم صحابياً على المدينة- أو بالتولية مثل ما ولى عتاب بن أسيد على مكة بعد فتحها، أو بالرسل والسفارات إلى الملوك. هذه كلها أدوار قام بها الصحابة، أو حتى بالقضاء والحكم مثل ما بعث معاذاً وأبا موسى وعلياً رضي الله تعالى عنهم أجمعين إلى اليمن. هذه كلها أدوار للصحابة قاموا بها في زمن وجود السراج المنير صلى الله عليه وسلم. وهذا بحد ذاته هو نوع من التربية: أن يمكن الطالب أو المتربي، أن يمكن من العمل، يمكن من أن يكون له مساحة للعطاء. هذا حصل، يعني لو كان لزمن من الأزمان أن يقال فيه توقف عن العطاء لقيل زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني ما الحاجة أن تعمل أنت؟ ما الحاجة تشتغل بالدعوة وموجود الداعي الأعظم عليه الصلاة والسلام؟ يعني إيش الحاجة أنك تروح تشتغل في الدعوة ولا تشتغل في تعليم الناس؟ يعني إيش الفائدة تروح أنت تعلم الناس والنبي صلى الله عليه وسلم موجود؟ ها، ومع ذلك نعم، بعث النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير إلى المدينة معلماً، وكذلك معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، وهكذا.

طيب، هذا قلنا زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعد النبي صلى الله عليه وسلم هناك أدوار أعظم، أعظم بحكم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس موجوداً، فالآن هم الذين يحملون الراية، وكان الدور الأكبر منها اللي هو سياسة الناس خاصة في وقت الخلافة الراشدة، فهم الذين ورثوا رعاية أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا بالدين والسياسة، ومنها قيادة الجيوش العظيمة في الفتوحات، ومنها الإمارة، وقلنا هو دور مصغر عن الخلافة طبعاً لكنه إمارة، وهذا كان من أبرز الأدوار في زمن الصحابة، كانوا أمراء على المدن الكبيرة، فمثلاً تجد الخليفة عمر بن الخطاب في المدينة، وتجد أميراً على الكوفة، وأميراً على البصرة، وأميراً على مثلاً القدس، وأميراً على دمشق، وأميراً على حمص، وأميراً على حلب، وأميراً على مصر، وأميراً على كذا وأميراً كذا، تجد أمراء، هؤلاء الأمراء يقضون بين الناس ويحكمون ويعلمون، يعني خليفة مصغر.

وقلنا أيضاً من أدوارهم بعد النبي صلى الله عليه وسلم إيش؟ تعليم وحفظ ونقل الدين، هذا من أهم أدوارهم. لاحظ أنت السياسة هذا دور كبير، الإمارة هذا دور كبير، قيادة الجيوش هذا دور كبير، وكذلك دور إيش؟ تعليم، مثل ما كان عبد الله بن مسعود باعتباره أبرز المعلمين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، تكلمنا عنه في سلسلة "خير القرون"، خمس حلقات أظن كلها في، حتى أظن سميناه المعلم المربي، صحيح المعلم المربي عبد الله بن مسعود.

طيب، هذه أدوار، ثم إحنا ذكرنا أن هذه الأدوار عجيبة، كيف استطاعوا؟ كيف قاموا بكل هذا؟ قلنا إنه هذا راجع إلى سر التربية النبوية، قلنا إن هذه التربية النبوية لها إيش؟ معالم. إحنا ما راح نعيد الدرس لكن ممكن يوضع في وصف الفيديو بحيث أنه يراجع الدرس إن شاء الله، ذكرنا شيئاً من، إحنا ما انتهينا من المعالم، ذكرنا شيئاً من المعالم حتى أنا برضه أتمنى ذاك الفيديو نكتب كمان أنه هذا ليس كاملاً في ذكر المعالم أو شيء، وفيه شيء من المعالم لأن المعالم كثيرة.

طيب، معالم تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأثرها في تمكينهم من العمل، هل كتاب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم له دور في هذا الأثر العملي في هذا الأثر التمكيني بقيامهم بالأعمال والأعباء بعد النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ الجواب بلا شك نعم، له دور، وإن كان هذا ليس هو مادة التربية الأساسية، ليس هو صميم التربية الأساسية، لأنه التربية كانت مادتها القرآن وما كان يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الآن فضائلهم، لكن من خلال هذه الفضائل ترسخت صفات وسمات في نفوسهم هم رضي الله تعالى عنهم، وهي فضائل وسمات وصفات حين ترسخت في نفوسهم بمدح النبي صلى الله عليه وسلم وثنائه عليهم بها، لا شك أن هذا مما نماها ومما جعلها أكثر رسوخاً في النفوس وأكثر إمكان لأن تخرج بعد ذلك، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، أنها كانت سبباً لفتح الأبواب العطائية ولفتح أبواب العمل نتيجة هذا المدح والثناء. واضح؟ فيقال مثلاً والله لما تناقشوا في خلافة أبي بكر تذكروا شيئاً من فضائله، فهذا التذكر لشيء من فضائله جعل له أثراً في اختيار قرار التمكين.

العطائية مهمة جداً أنه يا جماعة ترى تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه كان في قدر من النواحي الاجتماعية والمعرفة النفسية كبيرة جداً جداً، بحيث ترى أول شيء هو النبي صلى الله عليه وسلم نفسه يعرف خصائص شخصيات ومكانة أصحابه، هذا كذا وهذا كذا وهذا كذا، وهذا فضله كذا وهذا في سمت كذا وهذا في أخلاق كذا وهذا في معرفة كذا. الشيء الثاني وهو راجع كمان للقضية التي ذكرناها في البداية التي هي قضية المدح والثناء، أنه كل هذا كان واضحاً والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبرزه أمام الجميع، جيد؟ وكانت النفوس سليمة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكف عن ذكر هذه الفضائل خشية أن يحصل مثلاً حسد بين أصحابه، وأنه ليش مدحوا النبي صلى الله عليه وسلم هذه المدحة وليش فضلوا هذا التفضيل، صح ولا لا؟ ومن جهة أخرى نفس الشيء، يعني إحنا تعرفوا الآن أحياناً يقول لك مثلاً والله من الأخطاء التربوية أنك أنت مثلاً تمدح واحداً من الطلاب أمام الجميع، ممكن هذا يسبب مشاكل نفسية عند البقية وممكن يسبب حزازات وحساسيات وما أدري إيش يسوي لهم، يسبب لهم كذا وغيره وحسد وما أدري إيش يسبب لهم، أنت تروح هنا تقرأ الصحابي الواحد فيه هذا الكم من الفضائل، ما كانت ترى الفضائل، أنتم لاحظوا يا جماعة الحين تجد فضائل مختلف الفضائل، الصحابي يرويها صحابي آخر، يعني الحديث في فضل فلان واللي يرويه فلان الثاني يرويه فلان الثالث، عادي، أما فكرة أنه تصير دوائر مريضة إذا مدحت هذا زعل وهذا ما أدري إيش صار فيه وهذا تحسس وهذا طاح وهذا نعم وهذا تعب نفسياً وهذا ما أدري صار فيه، وإذا قلت يا فلان ما أدري كذا تتكلم عليه كلمتين يا الله ما ينتكس بس، ها؟

ليه؟ وثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من اثنين منهم، اثنان منهم من أهل بدر يهجرون 50 يوماً، ينهى عن كلامهم بسبب التخلف عن نصرة الدين في ذلك المقام، ها، وتأتي الفتنة في ذلك الوقت ويأتي يرسل الرسالة حاله، يعني الحالة التي ربما تنتشر في بعض الدوائر وكثير من الدوائر فيها إشكال، وفي نفس الوقت صحابة ترى كان ما نعرف صحابي ترك العمل، ترك العبادة، وترك الصيام، وترك قيام الليل لأنه النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليه ثناء في دينه ولا أثنى عليه، خلاص أنا عندي هذا المدح، بعدين المدح يا جماعة الوارد للصحابة ما هو أي مدح، مدح (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَىٰ أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ). طيب، اذهب إليهم أكثر الناس عبادة وجهاداً وصبراً وثباتاً. ولما دخل عبد الله بن سلام قالوا هذا من أهل الجنة، مجموعة من التابعين قالوا هذا من أهل الجنة، فلما ذهب قالوا له، فقال يعني نسيت اللفظ بس كلام معناه زي مثلاً الله أعلم أو كذا، أو يعني لا تقولوا كذا وإنما سأقول لكم خبر ذلك. ما هو الخبر؟ قال: رأيت رؤيا على زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها الأرض الخضراء وأنه كان فيها، وكان فيها عمود وفي رأسه عروة، فصعد على العمود ثم تمسك بالعروة، ثم ذهب العمود فظللت متمسكاً بالعروة حتى استيقظت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه العروة الوثقى وأنت على الإسلام حتى تموت. فقالوا أنت من أهل الجنة.

وهذا أيضاً من جهة أخرى ترى طبيعة الرؤى التي كانت التي فيها الفضائل واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بها ويفسرها وكذا، وهذا فضله وهو يقص أصلاً، رأيت عمر كذا وكذا وكذا، يثني عليه بالرؤيا، ها، شربت لبناً ثم أعطيت فضلي عمر، قالوا ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: العلم، ورايت على الناس قمصاً منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك، ورأيت عمر عليه قميص يجره، قالوا ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الدين. كل هذا مدح وثناء وتزكية ويعني أمام الناس وأمام الجميع وأمام الصحابة وهكذا تربوا، وهكذا عرفوا، وكل واحد يثنى عليه بما فيه وبفضله وبما يستحقه، ولم يكن هذا يؤدي لا إلى تحاسد ولا إلى تباغض ولا إلى تدابر، وهو صلى الله عليه وسلم نفسه كان ينهى عن التحاسد وعن التدابر وعن البغضاء.

وعن طبعاً إحنا ما نجي الآن في مجتمعات أو في دوائر فيها مرض ونجي نطبق هذه كاملة كما هي، وإنما المفترض أن تصل الدوائر، خاصة الدوائر الإصلاحية والدوائر التربوية ودوائر المحاضن والحلقات ومحاضن صناعة المصلحين، مفترض أن تصل إلى شيء من حالة السواء النفسي والإيماني، هذا يعني لكن ما تجي مرة واحدة، يعني أما إذا وجد عكس هذه الحال -عكس ما أقول- يعني أخف منها إذا وجد عكس هذه الحالة، فاعلم أن هذه حالة مرضية قطعاً، مرض يعني فيها مرض يجب أن يعالج، فهمتوا الفكرة؟ يعني تجي مثلاً أن كلمة مدح لشخص تؤدي إلى تباغض الناس له، بغضهم وتدابرهم، ويكون هذا شيء متكرر، لا، خلاص هذه الآن محضن أو سياق فيه مرض يجب أن يعالج؛ لأنه حتى العلم الكثير الذي يقدم لهم قد لا يكون فيه تلك الفائدة لأنه في مرض داخلي ما راح يستقيم الحال.

جيد، طبعاً بطبيعة الحال إحنا نتكلم عن مجتمع تربى في مدرسة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل ما تكلمنا كيف كان القرآن يتغلغل داخل نفوسهم، كيف كانت الأحداث التي هي المعارك والقتال والصبر والثبات والدعوة وتبليغ الدين وما إلى ذلك، تفتح في النفس فجوات من المشاعر، الألم، تحمل الصبر، التجلد، فتأتي الآيات في ذلك الوقت الذي تفتح فيه هذه المشاعر، فتدخل داخل النفوس فتعالج، فتختلط الآيات باللحم والدم، فتكونوا من خلال ذلك. فلا نقارن بطبيعة الحال مجتمعاً بمثل هذا بمجتمع تربى في المدارس الحديثة في الجامعات الحديثة، ما تدري أنت، كثير من الجامعات تحضر الجامعة، تسمع الدرس ولا تغض بصرك، ولا تقدر تغض بصرك، ولا تأخذ يمين ولا يسار ولا إيش تسوي وإلى آخره مما هو معلوم من الأدواء الكثيرة المعاصرة، الجوال وفيه تبغى تشاهد أخبار، تطلع لك يعني أشياء أخرى ولو كانت مجرد مشوش على الذهن والعقل، وشتات نفسي ومعرفي تارة من الصين وتارة من آخر الأرض وتارة من الفضاء، مقطع ورابع من قاع المحيط، وخامس من كرة القدم، والسابع من إلى آخره، شتات نفسي وروحي وقلبي وتعب وكذا، أكيد أنه هذه لها انعكاسات ولها أمراض وتعلق شديد بفكرة السلم الدنيوي المعتاد. وأنا أرى أنه من أعظم أدواء العصر اليوم، ولم تنج منه البيئات، كثير من البيئات الإسلامية والمحافظة لم تنج منه، بل هي مع الأسف كثير منها واقع في صميمه، التعلق والتشبث الهائل بالتسلسل الدنيوي المعروف الذي صار جزءاً من التكوين المجتمعي والاجتماعي والثقافي. على أية حال، فلما يجيء في محضن تربوي ولا شيء، الناس تأتي من كل هذه الخلفيات فتأتي بقدر ما في هذه الخلفيات من أمراض، واضح الفكرة؟ فتخيل بعد هذا كله لما يجيء مثلاً مجال شرعي ولا معهد ولا تحفيظ ولا مركز، تخيل بعد هذا كله أنت إيش تجي تسوي؟

تجي تقول والله شوف الناس اليوم ما تتقبل، يعني إيش الأمر الثقيل؟ فخلاص إحنا نسويلهم ترفيه بس نحبب في الدين، تمام؛ لأنه هم متعودين على التحبيب في الأشياء المثيرة واله، فإحنا نحاول نحببه، وما في بأس إنه مثلا نكلمهم مرة عن فضل الصلاة أو شيء وجيد، وأقصى ما في القضية إنه هو يحفظ بعض سور القرآن أو حتى يحفظ القرآن كامل كحفظ. طب أنت ما خلصته من الأمراض هذه التي فيه، ما عالجتها، ولا جعلت القرآن مداوياً لهذه الأمراض؟ ومجرد الحفظ لا يداوي، وإن كان هو زيادة خير وبركة للإنسان، لكنه لا يداوي. المداواة هذه تحصل كما كان الصحابة يتلقون القرآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، الآية الواحدة الواحدة لها قدرها وقيمتها ومكانتها، وتنزل في موضعها وتعالج داءً محدداً لها، وإلى آخره.

الخلاصة أنه جزء من الدور التمكيني العمل الإصلاحي، وحتى فيه شيء من التزكية، حتى التزكية التي أمام الناس أو التي تتوارثها الأجيال؛ لأنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ياتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. مجرد بحث الناس: فيكم من صاحب رسول الله؟ هذا معناه إنه فيه توارث للفضائل، وفي أثر لهذه الفضائل، في نوع من خلينا نقول التمكين المعين وفي أثرها القدري من جهة إيش الفتح الذي يحصل.

ولذلك الإمام البخاري يعني الإمام العظيم في استنباطاته هنا، طبعاً قال: باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه من المسلمين فمن الصحابة، لكن أخرج الحديث في مكان آخر. شوف لنا إيش العنوان، عنوان الباب الآخر حتى نعرف شيئاً من فقه الإمام البخاري رحمه الله تعالى.

شوف قال البخاري رحمه الله في كتاب الجهاد والسير، شوف التبويب: باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب، واضح استدلاله ولا مو واضح؟ باب من استعان بالصالحين، باب من استعان بهم في الحرب، إنه هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: نعم، ففتح لهم، هذا عشانهم صالحين، والصلاح من جهة كون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نقل القضية إلى عنوان عام: باب الاستعانة بالضعفاء والصالحين في الحرب، هذه الفائدة اللطيفة التي خرج بها البخاري، وهي من أهم الفوائد في هذا الحديث.

طيب إحنا كم نقطة ذكرنا قبل الحديث؟ أول شيء ذكرنا إيش قضية ضبط موضوع المدح والثناء، وإنه ليس كما يقدم البعض، يبني الباب كله على حديث النهي دون فقه ودون معرفة بالمقاصد. ثاني، إنه غير مختص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم.

آه داخل بس نقطة أخرى، الفضائل التي مدحوا بها نعم، ليست خاصة بهم من جهة أصلها وجنسها، وإن كانت خاصة بهم من جهة قدرها ودرجتها وأثرها في مدحهم الثناء عليهم، فيحرص على أن يقام بمثل ما قاموا، وأن يعمل مثل ما عملوا.

إن الدين موضوعات كثيرة، وواحدة من موضوعات الدين ما يتعلق بفضائل الصحابة وفضائل الأنصار، فلا ينبغي في التربية العلمية أو في البناء العلمي أن يعدل عن هذه الأبواب وأن تترك، وإنما ينبغي العناية بها كما يعتنى بأبواب الطهارة والصلاة والزكاة والحج.

والأمر الخامس أو الرابع جيد، إنه هذا المدح والثناء المتكرر والكبير والواسع والذي فيه عشرات أو مئات الأحاديث والتي تفرقت على زمن السيرة النبوية، لم يكن يؤدي إلى فتن ومشاكل وحسد وتباغض، ولا حتى إلى غرور وترك للعمل وترك للدين وترك، أبداً؛ وهذا دليل صحة التربية، يعني بركة التربية النبوية وسواء النفوس، نفوس سوية تتلقى هذه، والله مدح بما فيه، مدح بما فيه وهو أهل لمثل هذا المدح وأهله مثل هذا.

بل يعني طبعاً بس النقطة الأخيرة إيش كانت؟ اللي هي إيش إنه هذا المدح والفضائل لها دور في إيش تمكين. كنت بقول بل إيش إنه الصحابة في أنفسهم كانوا يعرفون فضل الطبقة العليا منهم، فكانوا هم فيما بينهم يفضلون مجموعة منهم على غيرهم، هذا الآن غير الأحاديث المنصوص في فضل كل واحد، تعرف ما قال: كنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نفضل أبا بكر ثم عمر، وهكذا.

طيب، أما بالنسبة للحديث، إحنا في غيث الساري كنا متعودين على موضوع الأسانيد والكلام في الرجال والرواة، وفي أشياء ما يصبر عنها، يعني أنت لما تشوف إسناد زي هذا: حدثنا علي بن عبد الله قال حدثنا سفيان عن عمرو سمعت جابراً، يعني شيء محترم، شيء كبير، يعني سبيكة ذهبية، يعني اللي ما يعرف قيمة هذه الأسانيد، أعرف والله يعني يفقد شيء كبير حقيقة.

تكلم ولا خلاص؟ بزمان حدثنا علي بن عبد الله اللي هو مين؟ ابن عبد الله، وينكم؟ ابن المديني. طيب، حدثنا سفيان، الثوري، ليش ابن عيينة وليش الثوري؟ طيب غيره ليش ابن عيينة عشان واحد عشان بين البخاري وبين الثوري رجلان، نعم هذا الأكثر، لكن يوجد أحيانا رجل بين البخاري وبين الثوري في بعض الرواة يروي عنهم البخاري، ويكون بينهم وبين سفيان الثوري يعني يروي عن تلميذ الثوري مباشرة، لكن ليس الأكثر. طب عموماً هو سفيان بن عيينة لا شك، وهو تلميذ وهو شيخ علي بن المديني، ودائماً يعني كثيراً ما يروي البخاري عن سفيان بن عيينة أو يصل إلى سفيان بن عيينة عن طريق من؟ علي بن عبد الله.

سفيان بن عيينة هذا إمام كبير جداً وعالم عظيم، وهو ممن جمع بين الحفظ والفقه، ولا أقصد بالفقه هنا الفقه اللي هو الاصطلاحي اللي هو علم الفقه، وإنما كان فقيهاً في الدين، كان له فقه في الدين عالي، وكان سفيان بن عيينة رحمه الله له أيضاً في موضوع في باب التفسير، فهو من المفسرين، وهو من الفقهاء فقهاء بمعناه الاصطلاحي، وهو من الفقهاء من أهل الفقه في الدين بمعناه الشمولي، ولذلك كان له مكانة كبيرة عند العلماء، وإذا سمعت كلام الأئمة عن سفيان بن عيينة تدرك هذه القيمة، يعني كان له قيمة خاصة، يعني قيمة أقصد تشعر إنه له ثقلاً عند العلماء، إنه إذا قال سفيان بن عيينة أو رأي سفيان بن عيينة إنه له وزنه، له قيمته، ليش؟ لأنه لا يمثل مثلاً مجرد مدرسة فقهية معينة، وإنما سفيان بن عيينة يشكل حالة من النضج العلمي والرسوخ العلمي والعمق العلمي، فتجعل له مهابة وتجعل لرأيه مكانة عند العلماء، ولذلك حتى يذكرون رأيه العلمي والفقهي من جهة، ويذكرون يعني آراءه المختلفة حتى في الزهد في التعبد، وبالمناسبة حتى في الجرح والتعديل، يعني حتى له أقوال في الجرح والتعديل، فهو إمام من الأئمة وعالم من العلماء الكبار رحمه الله تعالى، وهو شيخ الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، لذلك إذا قال الإمام أحمد: حدثنا سفيان، فهو سفيان بن عيينة، فهو عالم وإمام رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

وسفيان بن عيينة عاش عمراً، ولذلك تجده يروي عن التابعين وفي نفس الوقت تجده شيخاً لمحدثين متأخرين، فعاش عمراً، فأوصل يعني هو توفي فيما أذكر 198، 198، وهو من أضبط تلاميذ الزهري الذي توفي 124، تمام، فظهور العمر الطويل في النقل والرواية والتثبت، وسمع من الزهري وهو صغير لكنه ضبط عنه ضبطاً جيداً، ولذلك هو يعني واحداً من النواقل الكبرى بين يعني خلينا نقول أصحاب الكتب المصنفة أو شيوخ أصحاب الكتب المصنفة وبين جيل التابعين، وإن كان لم يروِ عن كبار التابعين وإنما روى عن يعني طبقة متوسطي التابعين وصغارهم.

وهنا يروي عن من؟ عمرو بن دينار، وعمرو بن دينار أحد العلماء من التابعين، من أهل العبادة ومن أهل التثبت الحديثي ومن أهل الفضل ومن أهل الفتيا، وهو أحد المدارات الذي جعله الإمام علي بن المديني ممن تدور عليه الحديث، تدور عليه الأسانيد الصحيحة، وكان من علماء مكة، ويروي عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما، كما يروي عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو وإن كان يروي عن عبد الله بن عباس، إلا إنه يروي كذلك عن تلاميذ ابن عباس، فيروي عن الشيخ ويروي عن تلاميذه، وهذه قضية متكررة في الحديث، تجد من يكون حضر عند شيخ فيروي عنه، ويروي ما فاته عنه عن طلابه وخاصة إذا كانوا من الكبار، وعطاء اللي هو الشيخ عمرو بن دينار عن ابن عباس هو من الكبار عن ابن عباس، ففات عمراً أو فات عمرو بن دينار كثير مما رواه ابن عباس، فأخذه عمرو عن بعض أصحاب ابن عباس اللي منهم عطاء بن أبي رباح، عن من؟ عن جابر رضي الله تعالى عنه، وعمر يروي عن جابر وله أحاديث مشهورة، وبعض الأحاديث المشهورة عن جابر، وجابر روى عن من؟ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.

طيب، إذاً هذه لمحة عن الناحية الإسنادية، طبعاً من الفوائد في النواحي الإسنادية إنه ترى المعرفة بالصحابة والرواة التابعين وتابعيهم مشايخ مشايخ أصحاب الكتب وأصحاب الكتب أنفسهم، هؤلاء المعرفة بهم المعرفة التفصيلية تجعل للإنسان من العلم بحقيقة المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبكثير من مرحلة تأسيس العلوم الإسلامية، وبكثير من الأمور المتعلقة بأساس المذاهب الإسلامية ما لا يتأتى لمن لا يعرف هذه الأسماء ولا يعرف هذه يعني لا يعرف أحوالهم ولا صفاتهم ولا منازلهم. ترى له أثر كبير في الاستيعاب، له أثر كبير في فهم الحديث، في إدراك، حتى له أثر في اليقين، له أثر في اليقين.

وتعلمون من المستقر عند العلماء وهو لا شك إنه صحيح، أن أحاديث البخاري صحيحة، ولكن أحياناً لما يأتي التفاوت بين درجات الصحة أحياناً تأتي بعض الأقوال تأتي بعض الأقوال غير المحررة تحريراً متيناً في مقدار أو في معيار التفاضل بين الصحيح، يعني الصحيح هل هو على درجة واحدة؟ لا، وما الفائدة حين نقول ليس على درجة واحدة؟ الفائدة عند التعارض، عند التعارض يعمد إلى الترجيح، فالبعض أو كثير من من كتب في الحديث أو ألف فيه أو كذا، يعتبر أن ما رواه البخاري على درجة واحدة، خلص كله صحيح على درجة واحدة، نعم هو صحيح ولكن ليس على درجة واحدة إنما على درجات متفاوتة. البعض لا، ليس عنده معيار لهذا التفاوت إلا تحت عنوان: ما اتفق عليه البخاري ومسلم، فيرجح على ما كان في البخاري وحده، وما كان في البخاري فيرجح على ما كان في مسلم وحده. وهذا المعيار في الغالب صحيح، لكنه ليس دقيقاً دقة تامة، هو في الغالب صحيح يعني غالب، لكنه ليس لأنه فقط اتفق عليه البخاري ومسلم، وليس لأنه في البخاري فقط، وإنما لأن هذا مظنة إصابة المعيار الدقيق لما هو أصح، ليش؟ لأن البخاري نفسه شروطه التفصيلية أعلى من شروط الإمام مسلم.

الشاهد أن الذي يعرف أحوال الرواة وصفاتهم، ولا أقصد فقط ما يتعلق بالجرح والتعديل بل عموماً أحوال الرواة، خاصة المشهورين منهم الذين يكثر ورود ذكرهم في الأسانيد، يحصل عنده من العلم المفصل والمبني المنقول ما لا يحصل عند من لديه العلم المجمل، كما هو الشأن في مختلف القضايا اليقينية؛ من كان لديه علم بمفرداتها التفصيلية أدى ذلك إلى قدر من اليقين لا يتأتى لمن ليس لديه إلا العلم المجمل بهذه القضايا، وهذا حتى في أساس الدين والإسلام، من رأى الآيات والبراهين والدلائل فقدر يقينه ومستوى يقينه وطبيعة يقينه ليست مثل من لم يرَ ذلك أو لم يتأمل في ذلك، أليس كذلك؟ وإن كان لو سألته فيقول لك: أنا لا أشك، لكن القضية ليست فيما يقابل الشك وإنما فيما يقابل ربما الاضطراب وعدم استقرار النفس بثبات الحق فيها.

والفائدة في معرفة هؤلاء وأحوالهم لا تختص بالجانب الحديثي كما قلت ولا بجانب اليقين فيما صح فيما نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما في فهم ما جرى في خير القرون أو القرون المفضلة من أعمال وعلوم ومذاهب وأقوال، وهذه كلها يا جماعة لها أبوابها العظيمة ولها أبوابها الكبيرة، وربما حصل شيء من الكلام التفصيلي في هذا الموضوع في سلسلة "حملة العلم وحفظة الشريعة"، وسياتي ربما أكثر من ذلك تفصيلاً إن شاء الله في سلسلة "خير القرون" لما نصل إلى زمن التابعين وتابعي التابعين، لعله يكون إن شاء الله في دخول تفصيلي إلى هذه القضايا، وفرق كبير بين من يقرأ أسانيد التفسير وأسانيد الحديث وأسانيد الآثار ويعلم أحوال هؤلاء وبين من لا يعلم، فرق.

طيب، إحنا ذكرنا في بداية المجلس الفوائد المتعددة المتعلقة بباب فضائل الصحابة وقيمة هذا الباب وآثار هذا الباب؛ آثاره التربوية وآثاره على النفوس وآثاره في التمكين للصحابة في العمل. هذا الآن ليس خاصاً بالحديث هذا، وإنما في جملة الباب، وإن كنت أشرت فيما يتعلق بالحديث نفسه في فائدة إيش؟ باب من استعان بالصالحين والضعفاء في باب في الحرب والقتال. ثم بعد ذلك جنحنا إلى قضية الأسانيد، الآن بالنسبة للحديث نفسه، الحديث هو في الإخبار عن المستقبل، وهو في قول النبي صلى الله عليه وسلم: يأتي على الناس زمان، ثم إيش؟ يأتي على الناس زمان، ثم يأتي على الناس زمان، هي ثلاثة أزمنة مذكورة في الحديث، وهذه الأزمنة الثلاثة هي الأزمنة الثلاثة أيضاً المذكورة في حديث خير القرون: أو خير الناس قرني أو خير أمتي قرني، يعني بلفظ خير الناس وخير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، هي نفس.

هذه القرون أو نفس هذه الأزمنة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث، اللي هو: "يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس"، وهذا الإخبار عن الأحداث المستقبلية هو أيضاً من موضوعات الدين الكبيرة، والتي فيها جملة واسعة من الأحاديث النبوية، كما في باب فضائل الصحابة من الجملة الواسعة من الأحاديث النبوية. وقد ذكرت في مجلس من مجالس رياض الصالحين في أنوار السنة المحمدية، وأظنه المجلس الثامن، إذا لم أهم، أقسام الأحاديث الواردة في الأخبار المستقبلية؛ لأنها كثيرة. أقسام الأحاديث الواردة في الأخبار المستقبلية من جهة الزمن على خمسة أقسام:

القسم الأول: ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، طبعاً لا أريد عفواً لا أريد أن أحصر الأخبار المستقبلية، خلينا نقول ما يتعلق بعلامات الساعة أو الأخبار المستقبلية، جيد، ما يتعلق بعلامات الساعة أو الأخبار المستقبلية؛ لأن بعضها منصوص أنه من علامات الساعة وبعضه ليس منصوصاً على أنه من علامات الساعة وإن كان خبراً مستقبلياً، جيد، وبعضه من علامات الساعة وليس خبراً مستقبلياً، صح ولا لا؟ صح، في شيء من علامات الساعة وليس خبراً مستقبلياً. طيب، إذاً القسم الأول ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مثل قوله عليه صلاة الله وسلامه: "بعثت والساعة كهاتين"، ومثل قول الله سبحانه وتعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ، وما كان مستقبلياً منه ووقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كما في حديث البخاري: "اعدد بين يدي الساعة"، قال: "موتي"، فهذه بين يدي الساعة، فهذا الزمن الأول.

القسم الثاني: هو الأخبار المستقبلية أو علامات الساعة المذكورة في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا النوع الثاني هو من أكثر الأنواع من حيث عدد النصوص؛ فكثير من الأخبار المستقبلية ومن أخبار علامات الساعة وقعت في زمن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والأمثلة عليها كثيرة جداً جداً، لعله إن يسر الله يوم كذا نأخذ درساً مطولاً في هذه الأقسام وأمثلتها، لكن على وجه السرعة مثلاً: "اعدد ست بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس"، وهذا حصل في زمن عمر، "ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم"، وهذا حصل في زمن عمر رضي الله تعالى عنه وطاعون عمواس، وكذلك الأخبار عن الفتن وعن مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وعن إصلاح الحسن بين فئتين من المسلمين، وعن خروج الخوارج إلى آخره، وعن فتح كنوز كسرى وقيصر وإنفاق كنوزهما في سبيل الله، وإلى آخره من الفتوحات ومن الأخبار ومن الأحوال.

القسم الثالث: الأخبار عن المستقبلية وعن علامات الساعة فيما وقع في التاريخ بعد زمن الصحابة إلى ما قبل العصر الحديث، وهذا أيضاً قسم فيه بعض الأحاديث التي وقعت مثل الأخبار عن النار التي تخرج من أرض الحجاز فتضيء لها أعناق الإبل، إلى غير ذلك.

القسم الرابع: هو ما وقع في العصر الحديث، ومنه حديث: "وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان"، وهذا وقع في زماننا وقوعاً تاماً، ومثل حديث الرويبضة: الرجل التافه يتحدث في أمر العامة، ومثل حديث: "تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها"، قالوا: من قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: "أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن"، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".

القسم الخامس: الأحاديث المستقبلية وأحاديث علامات الساعة التي لم تقع بعد إلى اليوم، وهي كثيرة جداً جداً، وتضاهي في كثرتها القسم الثاني، يعني من بين هذه الأقسام الخمسة أكثر قسم أو أقسام فيها عدد نصوص القسم الثاني والقسم الخامس، القسم الخامس لعله أكثر من القسم الثاني، يعني يمكن أن يقال إن أكثر قسم من بين الأقسام الخمسة ورد فيه نصوص مثل هذه هو القسم الخامس؛ هو ما لم يقع بعد، علامات الساعة الكبرى وقضية الدجال وقضية عيسى عليه السلام إلى آخره من النصوص والملاحم.

هذا الحديث من أي الأقسام؟ الثاني والثالث؛ لأنه في ثلاثة أزمنة: زمن الصحابة وزمن التابعين وزمن تابعيهم، وكل ذلك حصل، وفي هذا الحديث من جهة الإخبار عن المستقبل واستمرار الفتوحات في هذه الأزمنة الثلاثة، استمرار الجهاد في هذه الأزمنة الثلاثة، وأنه لن يقف خلال هذه الأزمان المذكورة في هذا الحديث وفي هذه الرواية.

طيب، الأخبار عن الغزاة في سبيل الله بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم جاء في غير هذا الحديث كذلك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان نائماً يوماً في المدينة في بيت من بيوت الأنصار التي كان يحب النبي صلى الله عليه وسلم أهلها، هو بيت عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وزوجته أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها، التي هي أخت أم سليم رضي الله تعالى عنها، وأم سليم هي أم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، أم سليم وأم حرام بنت ملحان الأخوات كانتا لهما مكانة كبيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم.

فكان النبي صلى الله عليه وسلم مرة نائماً في بيت عبادة، في بيت أم حرام بنت ملحان رضي الله تعالى عنها، وكانت أم حرام في المكان أو في يعني كانت في البيت، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من منامه مسروراً، فحكى عن أناس من أمته رآهم غزاة في سبيل الله، وهذا الشاهد؛ لأنه هنا يغزون، يغزو فئام من الناس، فرآهم غزاة في سبيل الله، تتذكرون قبل قليل نقول لكم إيش وجه التفضيل للصحابة؟ إيش الذي كان يسعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ ترى استمرار أمته في الغزو والفتوحات هذا مما بشر به، مما كان يحبه، مما كان يسر به صلى الله عليه وسلم، ولذلك استيقظ مسروراً؛ لأنه "رأيت أناساً من أمتي يركبون ثبج هذا البحر غزاة في سبيل الله كالملوك على الأسرة"، فقالت أم حرام رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، ادع الله أن يجعلني منهم، وهي امرأة طبعاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت منهم"، ثم اضطجع النبي صلى الله عليه وسلم أخرى ثم استيقظ مسروراً، وقال: "رأيت أناساً من أمتي يركبون ثبج هذا البحر غزاة في سبيل الله"، قالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين".

توفي النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج الغزاة في سبيل الله منتشرين من مدينة رسول الله إلى الآفاق، ابتدأوا أولاً بإرجاع أهل الجزيرة العربية الذين ارتدوا عن الإسلام، بإرجاعهم إلى الدين وإلى طاعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وساروا في ذلك بحزم الصديق وبسيف خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، وفي سنتين أخضعوا الجزيرة العربية كاملة، ووصلوا إلى الشام، ووصلوا إلى العراق، ووصلوا إلى الشام، وتمدد غزاة في سبيل الله فاتحين، ففتح الله لهم جزيرة العرب أولاً، ثم فتح لهم فارس ثانياً، ثم فتح لهم بلاد الشام ثالثاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم من حديث نافع بن عتبة رضي الله تعالى عنه قال: "تغزون جزيرة العرب فيفتحها الله، ثم تغزون فارس فيفتحها الله، ثم تغزون الروم فيفتحها الله، ثم تغزون الدجال فيفتح الله".

هذا ثالث حديث في الأخبار عن الغزوات بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث نافع بن عتبة هذا اختلف العلماء فيه هل هو في زمن الصحابة أم هو في آخر الزمان؛ لأنه قال: "الدجال، تغزون الدجال فيفتحه الله"، وقد تكون هذه الثلاثة الأولى هي في زمن الصحابة، اللي هو جزيرة حصل بالترتيب نفسه جزيرة العرب ثم فارس ثم، طبعاً أحوال الجزيرة العربية في آخر الزمان وردت بعض النصوص التي تدل على يعني خاصة آخر آخر الزمان اللي هو يهدم مثلاً الكعبة ذو السويقتين من الحبشة وهكذا يعني، عموماً الشاهد أن الحديث الثاني في الغزو هو حديث أم حرام لما قالت: ادع الله أن يجعلني منهم، فتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وانتشر أصحابه في الأرض غزاة في سبيل الله، فلما جاء زمن معاوية رضي الله تعالى عنه، خرجوا إلى البحر غزاة في سبيل الله، وخرج معه عبادة بن الصامت وزوجته أم حرام بنت ملحان في نفس الغزوة، فعاشت إلى ذلك الوقت، وخرجت وكانت الوجهة إلى قبرص، وذلك في زمن عثمان بإمارة معاوية، ليس في زمن معاوية، زمن خلافة معاوية أو ملك معاوية رضي الله تعالى عنه، وإنما في زمن خلافة عثمان بإمارة معاوية رضي الله تعالى عنه، خرج معه عبادة بن الصامت وخرجت معه زوجته أم حرام، فذهبوا إلى قبرص غزاة في سبيل الله، فلما انتصروا وأرادوا الرجوع، سقطت أم حرام رضي الله تعالى عنها من دابتها فانكسرت عنقها وماتت رضي الله تعالى عنها، وقبرها في قبرص، دفنت في قبرص.

وهكذا تجد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كانوا في أزقة المدينة، وبين حاراتها، ما بين حي بني عبد الأشهل وحي بني حارثة وحي بني سلمة، وما بجوار المسجد النبوي وما بين الحرتين، انتشروا في الدنيا، وصارت قبورهم في الأرض، حتى إن قبور بعض الصحابة اليوم موجودة في مرو، مرو جهة أوزبكستان أو تركمانستان، مثل قبر الصحابي بريدة رضي الله تعالى عنه الأسلمي وغيره من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وهناك من استشهد في فارس أو في خراسان، وأما في الشام والعراق فحدث ولا حرج، خالد بن الوليد، معاذ بن جبل، أبو عبيدة بن الجراح، وأعلام الصحابة الكبار رضي الله تعالى عنهم.

والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن الغزاة في سبيل الله من بعده ومنهم الصحابة، أخبر عنهم في غير حديث أنهم سيغزون في سبيل الله، يغزون في سبيل الله، يغزون في سبيل الله، وهذا من جهة من علامات النبوة والإخبار عن ما يحدث بعده صلى الله عليه وسلم وعلامات الساعة، ومن جهة أخرى تزكية للصحابة وامتداح لهم، ومن جهة أخرى حب النبي صلى الله عليه وسلم لأن تسعى أمته في الفتوح والجهاد في سبيل الله، وإلى آخره مما يمكن أن يؤخذ من هذا النص من الفوائد.

طيب، إحنا ما نطيل عليكم أكثر من ذلك عشان ما أفطرتم، البطون تقرقر من بعد الفجر الآن، ذا روح أهم، تمام؟ طيب، نكتفي بهذا القدر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد، ومن جهة وجه الشاهد مع الموضوع الذي افتتحت به الدرس، أخذنا وجهاً واحداً، اللي هو أن أحاديث فضائل الصحابة هي جزء مما أسهم في التمكين؛ العطاءات في أن يمكنوا من بعض العمل، ويمكن من بعض العطاء نتيجة المدح الذي مدحهم به النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه وفي وقته عليه الصلاة الله والسلام.

ذكرنا عدة فوائد في مجموعة من الشباب ما حضروا، ممكن شاهدوها على وجه التفصيل في هذا، لكن أذكر لكم واحدة سريعة كذا، حتى لو مل المشاهدون في هذا أو الحاضرون سريعة؛ لأنها مهمة في الجانب التربوي: أن أحاديث فضائل الصحابة كثيرة كثيرة جداً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها مدح وثناء بأسماء الصحابة كثيرة جداً، ومع ذلك كان عندهم من السواء النفسي والإيمان ما لم تكن هذه الأحاديث في الفضائل سبباً في إثارة الحسد فيما بينهم، ولا البغضاء، ولا المشاكل، ولا التنافس المذموم، ولا الغرور، ولا ترك العمل، وإنما كانت جزءاً من التربية الصحيحة، وجزءاً من ثناء حسن، وذكرت أثبتت أن هذا ليس، يعني الحكم ليس خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، بالعكس هو القدوة في ذلك في باب المدح والثناء، وكيف أنه أصلاً هم فيما بينهم تجد فضل فلان يرويه فلان آخر، صحابي آخر، الذي ينقل الفضل صحابي آخر. ومن أعجب ذلك ما يكون إذا كان في خلاف بين صحابي وآخر فيُنقل أحدهما، وأعجب شيء في ذلك على الإطلاق هو رواية عائشة رضي الله تعالى عنها لحديث الإفك؛ لأن حادثة الإفك، يعني لو وقعت -ما أقول لو وقعت لامرأة- فعانت ما عانته عائشة، لا تتخيل، لا أقول لك أب هذه المرأة، ولا أخ هذه المرأة، ابن عم هذه المرأة، لو قيل في ابنة عمه مثل هذا الكلام، إيش ممكن يعني إيش ممكن يعمل في الطرف الآخر؟ الذي بشرط ليس طرفاً منافقاً، ليس طرفاً طاعناً في الدين، ليس طرفاً همازاً لمازاً في المصلحين والدعاة، لا صالح، ولكنه زل. العجيب أن عائشة رضي الله تعالى عنها هي تحمل، طبعاً هي ما كانت تتكلم عن الذي طعن في عرضها، وإنما عن من دافع دفاعاً قوياً عنه، وسعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه لما دافع عن عبد الله بن أبي بن سلول، طبعاً عبد الله بن سلول منافق وأراد الطعن في عائشة، وسعد بن عبادة دافع عن عبد الله بن أبي سلول؛ ليس دافع عنه في طعنه، وإنما دافع عنه من ناحية الحماية ومن ناحية الحمية القبلية؛ أنه سارت بين الأوس والخزرج، فسعد بن معاذ من الأوس يريد أن يقتل عبد الله بن أبي بن سلول من الخزرج، سيد الخزرج سعد بن عبادة من الخزرج، فاحتملته حمية أنه إحنا وأنت يعني بيننا مشاكل قديمة، فيعني ما تجي تقول.

إيش نجي نقتل واحداً من الخزرج؟ لا، ما تقول. هذا فعائشة تروي هذا المشهد بعد أن فلق كبدها من البكاء، فهي تصف المشهد فتقول عن سعد بن عبادة الذي يدافع عن عبد الله بن أبي سلول: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية، احتملته الحمية.

وصح، وأعجب منها طبعاً موقف أبي بكر الصديق؛ لأنه مسطح بن أثاثة وقع في عرض عائشة، يعني مو مثل سعد، لم يقع في عرض النبي، وإنما دافع عن عبد الله بن أبي سلول، وإنما مسطح وقع في عرض عائشة، ولكنه ليس من المنافقين بل هو من أهل بدر، ولكنه زل ومشى مع الشائعات، وهذا يدلك على خطورة الشائعات، وأن الشائعات إذا تم تداولها وخاصة في الأعراض، خاصة في الأعراض، ممكن يقع فيها بعض الصالحين، ممكن يقع فيها بعض الصالحين، يعني تداول الكلام ممكن يصل حتى إلى ناس ثقات ويدير كلام، وممن وقع في ذلك مسطح بن أثاثة.

فكان أبو بكر الصديق ينفق عليه كما تعلمون، فلما قال ما قال قطع عنه النفقة، فأنزل الله تعالى: وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. فعفا عنه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.

على أية حال، نسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد والعفو والعافية، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.