تسجيل الدخول

فضائل الصحابة 02 | غيث الساري

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم يا ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد:

أستعين بالله ونستفتح هذا المجلس في تدارس شيء من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عبر عنوان غيث الساري من هدايات البخاري، سائلين الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد. وهذا المجلس في أبواب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كما مر في المجلس السابق، من أهم أهدافها طلب منهج تربية النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وعنايته بهم وتدريسه لهم وتخريجه لهم من جهة أنهم حملوا الدين بعده وقاموا به من بعدهم، بالإضافة إلى الفوائد الأخرى الكثيرة الموجودة في هذا الباب.

طيب، كنا قد أخذنا في اللقاء الماضي الحديث الأول وهو حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. إلى آخر الحديث.

الحديث الثاني، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثني إسحاق، قال: حدثنا النضر، قال: أخبرنا شعبة، عن أبي جمرة، قال: سمعت زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين اثنين أو ثلاثا. ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن.

قال: حدثنا محمد بن كثير، قال: أخبرنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ. قال إبراهيم: وكانوا يضربون على الشهادة والعهد ونحن صغار.

هذا الحديث من المداخل للحديث عن فضائل الصحابة من المداخل العامة. البخاري بعده قال: باب فضائل أو مناقب المهاجرين، وبعدين عقد كتابا كاملا سماه كتاب فضائل الأنصار أو مناقب الأنصار. لكن قبل أن يبدأ بفضائل المهاجرين وفضائل الأنصار قدم بهذين الحديثين: الحديث في الدرس الماضي: هل فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا الحديث الذي هو خير الناس قرني؛ لأنه هذا يشمل المهاجرين ويشمل الأنصار، فأراد أن يقدم بحديثين عامين في فضل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

والعجيب أن الحديثين كلاهما في فضل ثلاثة أجيال، فالأول: يغزو فئام من الناس ثم يأتي زمان فيغزو فئام من الناس ثم يأتي زمان فيغزو فئام من الناس: هل فيكم من صاحب رسول الله؟ هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله؟ هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهذا الحديث: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. إذا ثلاثة قرون مذكورة في الحديثين في تفضيل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في البداية، وهذا مدخل حسن وتهيئة مناسبة للدخول بعد ذلك إلى الفضائل التفصيلية. وهذا الباب سبق أن ذكرت في اللقاء الماضي أنه باب من أبواب الدين، فضائل الصحابة باب من أبواب الدين، يعني له خانة في أبواب الدين، والسبب في أن يكون بابا من أبواب الدين هو أنه من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فليس هذا كلام مثلا اجتهادات بعض العلماء أو بعض المتون الفقهية أو العقدية، وإنما هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو إذا من الدين.

طيب بالنسبة لحديث عمران بن حصين وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما: خير الناس قرني، لفظ عمران بن حصين: خير أمتي قرني، ولفظ عبد الله بن مسعود: خير الناس قرني. هذا الحديث فيه فوائد كبيرة جدا وعظيمة ومنهجية، والحاجة إليها ماسة. ومن مما يمكن أن يوقف عليه من فوائد في هذين الحديثين:

أولا: أن تفضيل هذه القرون هو بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا كان هناك من العلماء أو من الناس أو من طلبة العلم من يدعو اليوم إلى أهمية الاقتداء بأصحاب القرون الثلاثة، فهذا ليس اجتهادا لمدرسة علمية من المدارس المعاصرة، وإنما هو حث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو تفضيل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمرحلة زمنية معينة فضل أصحابها على من بعدهم من الأمة، فهو تفضيل نبوي. ولا شك أن هذا التفضيل ينبغي أن يأخذ محله عند الإنسان المسلم وعند طالب العلم بحيث إنه فعلا يجعل لهذه القرون من الخيرية ومن المكانة في الامتثال والقدوة ما لا يجعله لغيرهم.

ثانيا: أن هذه الخيرية للقرون الثلاثة ليست متساوية، وإنما هي متفاوتة ومتراتبة، فالخيرية تبدأ بخيرية الصحابة أولا، ثم بعد ذلك بخيرية التابعين ثانيا، ثم بعد ذلك بخيرية تابعي التابعين. وينبغي أن يكون هذا الحال بالترتيب، فلا ينظر إلى تابعي التابعين من جهة القدوة ولا من جهة التأسيس العلمي ولا من جهة الاهتمام بأقوالهم كما ينظر إلى التابعين، ثم كما ينظر إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فضلا لما يتعلق بكلام النبي صلى الله عليه وسلم.

ثالثا: أن هذا التفضيل وهذه الخيرية لا تعني العصمة، فهذه خيرية حتى للجيل الأول الذي هو جيل الصحابة وليس جيلا معصوما، ثم من بعدهم الذين فضلوا ولكن بنص، ثم بمعنى أنه أدون من جيل الصحابة فمن باب أولى أن يكونوا معصومين، ثم من بعدهم من باب أولى كذلك. وينبغي التعامل مع آثار أصحاب القرون المفضلة خاصة القرن الثالث ثم الثاني ثم الأول، لا ينبغي أن يتعامل مع هذه القرون وآثار ومرويات هذه القرون كما يتعامل مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد بالغ بعضهم وجعلوا طريقتهم مبنية على إفراد نصوص الآثار المرويات الواردة عن التابعين أو عن أتباع التابعين خاصة، وذلك أن بعض الاتجاهات المعاصرة قد بنت مشاهد ومكونات فكرتها العقدية التفصيلية من خلال الآثار الواردة عن أتباع التابعين فمن بعدهم؛ لأنه كما تعلمون أن الآثار العقدية عن الصحابة أقل من الآثار العقدية المنقولة عن التابعين، والآثار العقدية المنقولة عن أتباع التابعين أكثر من المنقولة عن التابعين والصحابة، والآثار العقدية والنصوص العقدية المنقولة عمن بعد جيل أتباع التابعين ممن قارب تلك المرحلة أكثر من الآثار المنقولة عمن قبل ذلك.

فرايت من الناس من يتعامل مع هذه الآثار كما يتعامل المؤمن مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجد من يقول: نحن لا نؤسس كلامنا مثلا على الرأي أو على العقل وإنما على الأثر، ويقصد بالأثر حتى لو كان نصا منقولا عن واحد من أتباع التابعين مثلا من العلماء المشهورين، ومثل هذا لا ينبغي أبدا أن يتعامل معه كما يتعامل مع أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم. فيقال مثلا نحن نتوقف عند الآثار، ويكون المقصود والله مثلا بعض النصوص، طبعا إحنا قلنا قبل شوي العقدية، ليس مقصود فقط العقدية عموما، حتى في الفقه، حتى في الفقه، حتى في أن يكون هناك أثر حتى لو كان صحيحا عن أحد أتباع التابعين، هذا لا يعني أن يعامل مثل ما يعامل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى لو كان عن التابعين أنفسهم، بل حتى لو كان عن الصحابة. ونعم الصحابة حصل هناك قدر من الاختلاف في الأصول، أصول الفقه في حجية قول الصحابي، ولكن الاختلاف في حجية قول الصحابي ليس معناه أن هذا الاختلاف يؤدي إلى أن يكون قول الصحابي في العصمة ككلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإنه حتى من قال بحجية قول الصحابي -وإن كان الراجح أنه ليس حجة- لكن حتى من قال بحجية قول الصحابي هو لم يجعل هذا القول بلا قيود، بينما حجية كلام النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل أنها بلا قيود، أما حجية كلام الصحابي فهي مقيدة، يعني مثلا مقيدة ما لم يخالفه صحابي آخر، ما لم كذا إلى آخره، وهذا معروف عند العلماء.

طيب الشاهد أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، هذا لا يستلزم عصمة أصحاب هذه القرون، ولا يستلزم التعامل مع الآثار الواردة عنهم كما يتعامل مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، على أن ما روي عنهم هو مظنة أن يكون صوابا، ولكن لا يعني أنه يتعامل معه ومع النص الواحد كما يتعامل مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا مما لا يرضاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا مما يخالف المنهج الشرعي الذي أسس على الاتباع والطاعة لما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما أقوال العلماء فهي دون ذلك مهما كان للعلماء من المكانة والمنزلة.

ومن الإشكالات الأخرى: عدم التزام الترتيب النبوي في الالتزام بالآثار الواردة عن هذه القرون المفضلة، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل قرن الصحابة كقرن التابعين، ولم يجعل قرن التابعين كقرن تابع التابعين، بينما تجد بعض هؤلاء يجعل قرن تابعي التابعين يكاد يكون أعظم من قرن الصحابة على المستوى العملي، من جهة الحفاوة الاستدلالية ومن جهة بناء المنهج العلمي ومن جهة بناء المنهج العقدي، يكادون يجعلون ما روي عن أتباع التابعين أعظم مما روي عن الصحابة، بل بعضهم يكاد يجعله أعظم مما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس باللسان وإنما من جهة حقيقة التعلم وحقيقة بناء المنهج العلمي. فلا تجد الحفاوة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضور ذلك في تكوين المشهد العلمي بالنسبة للإنسان كحضور بعض الآثار الواردة فيما بعد ذلك. وعلى أية حال هذا تفضيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب القرون المفضلة، ومن أعظم ما فضل من هذه القرون أو أعظم ما فضل هذه القرون هو قرن أصحاب رسول الله، ولذلك فإن العناية بهدي الصحابة وكلام الصحابة ومنهج الصحابة هو في الحقيقة عناية بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فضلهم والذي قال إنهم خير هذه الأمة. فلن تجد على مر القرون خيرا من جيل الصحابة، ولا ينبغي على الإنسان المؤمن إذا أدرك ذلك وإذا سمع ذلك وإذا فهم ذلك وإذا آمن بذلك أن يعرض عن الاهتمام بما جاء عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

على أننا ننتقل إلى نقطة أخرى في هذه القضية وهي أيضا تنبيه على خطأ شائع في اختزال الاقتداء بخير القرون أو بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدم تحقيق الاقتداء الشمولي، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، في أي مجال؟ هل هذه الخيرية خيرية مختصة بباب واحد؟ لا، وإنما هي خيرية عامة، ولأجل ذلك كما أن من يأخذ بابا من أبواب السنة أو الدين فإنه ينقصه كثير من الفقه والفهم، فإن من يأخذ بابا من الأبواب الواردة عن خير القرون وعن الصحابة تحديدا، فهو ينقصه أشياء كثيرة من الفهم. لذلك ينبغي الأخذ بالهدي العام لخير القرون وخاصة لجيل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وبناء على ذلك نقول: من حصر معيارية الخيرية في الناحية العقدية فقد أخطأ، من حصر معيارية الخيرية الواردة في هذا الحديث في الجانب العقدي وحده فقد أخطأ، فإن هذه الخيرية تشمل العقيدة وتشمل سائر أبواب الدين. وإذا كان اقتداء من يقتدي بالصحابة ومن بعدهم هو فقط في العقيدة، فنقول له لم تصب الامتثال بمعناه التام، وإن كنت قد أصبت في باب من الأبواب إذا أصلا أحسنت فهمه واقتديت به على وجه الصحة.

طيب، مما يدل على أن الجانب السلوكي داخل في التفضيل من خلال هذا الحديث، هو تتمة الحديث الذي فيه ذكر شيء مما فارق حال خير القرون، وكان هذا الشيء المذكور هو شيء سلوكي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ثُمَّ إِنَّ بَعْدَكُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ. لاحظ هي هذه الآن ما هي أشياء متعلقة بتصورات عقدية، وإنما هي أشياء متعلقة بالسلوك والعمل، وإن كان بطبيعة الحال أيضا مخالفة ما كانوا عليه من عقيدة هي مخالفة.

وهذه القضية السلوكية قضية مهمة جدا، ولذلك أدرك بعض العلماء الذين اعتنوا بآثار الصحابة وهدي التابعين ومن بعدهم أن لهم منهجا معينا في السلوك، وأدركوا أن هذا المنهج يدخله الخلل والتغير إذا لم يلتزم به بـخلينا نقول بمعالمه كما حصل بعد ذلك. فلذلك على من أراد أن يمتثل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم...

وسلم وامتداحه لهذه القرون ينبغي عليه أن ينظر إلى الجانب السلوكي لخير القرون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذم من بعدهم من جهة سلوكية، وهذه الجهة السلوكية ليست معناها خارجة عن الإيمان، وإنما هي جهة من السلوك الإيماني، لأنه قوله صلى الله عليه وسلم: يخونون ولا يؤتمنون، على أنه هذا عندهم خلل في الإيمان؛ أليس كذلك؟ لأن الأمانة من الإيمان وكونهم يخونون، فهذا، وهذه التزكية طبعاً لهذه القرون أن فيها الأمانة، والأمانة إذا كانت عند الإنسان فهذه الأمانة تنعكس عليه في الأمانة الدينية، وليس فقط في الأمانة المالية، لأنه إذا ذم النبي صلى الله عليه وسلم من بعدهم بأنهم يخونون ولا يؤتمنون، فمعناه أن من أبرز سمات خير القرون أنهم يؤتمنون، وإذا ائتمنوا على، وهذا الائتمان ائتمان شامل، ومن أهمه الائتمان على الدين، وهم الذين أصلاً نقلوا لنا الدين؛ لأنه ترى التدوين الأساسي للدين وهذا بدأ بزمن اتباع التابعين وخلاص من بعدهم، فهؤلاء الذين نقلوا الأساس والباقي بعده دون تدوين، فهؤلاء يؤتمنون، هؤلاء يؤتمنون، أما الذين بعدهم أنه يكثر فيهم أو يظهر فيهم من يخونون ولا يؤتمنون. طيب.

وقوله صلى الله عليه وسلم: ويظهر فيهم السمن، وروي في لفظ آخر: ويحبون السمانة، ويحبون السمانة، ولذلك ذكر العلماء أن هذا اللفظ المقصود به تطلب الاستكثار، وليس بالضرورة أن من كان فيه هذه الصفة فهو مقصود بالحديث، بقدر ما كان متطلباً لهذه الصفة، وتطلب هذه الصفة هو تطلب لمقدماتها ولوازمها من الزيادة في المأكل والمشارب والدنيا وما إلى ذلك، وإلا فقد يتحقق هذا الوصف من جهة مثلاً مرضية وهذا يكثر ويفشو، لكن المقصود أن من بعدهم يفارقون حالة أو يكثر فيهم مفارقة حالة الزهد أو عدم التوسع والاستكثار من الأمور الدنيوية من المأكل والمشارب وما إلى ذلك، مما يجعل فيها أو فيهم صفة هذه الصفة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة مع لفظ يحبون تدل على هذا القصد وعلى هذه الإرادة.

هل هذا الحديث مستلزم لخيرية أفراد هذه القرون أو هو مستلزم للكل؟ أو خلينا نقول الإجمال عموماً؟ طيب، هو لا شك أنه في الأساس تفضيل للإجمال، للأمر المجمل، أنه مجمل هذا القرن خير ممن بعده، ومجمل الذي بعده خير ممن بعده؛ بمعنى هل يمكن أن يكون من اتباع التابعين من أفرادهم من هو خير من التابعين؟ نعم، جيد، لكن الصحابة تحديداً هو الذي حصل عند العلماء فيهم استثناء بحكم ليس فقط هذا النص وإنما النصوص الأخرى الواردة في فضلهم ومكانتهم وما إلى ذلك؛ فيعني وإن كان بعض العلماء ذهب إلى شيء من استثناءات معينة، لكن المشهور عند كثير من العلماء أنه لا، أنه الصحابة في المجمل لا يأتي في المجمل وفي الأفراد لا يأتي بعدهم من هم أفضل منهم، لكن هذا الحديث في الجملة هو تفضيل ليس تفضيلاً للأعيان لكامل الأعيان؛ بمعنى أقصد على الطبقات الثلاث، فكما قلت يعني قد يأتي في القرن الثالث من هو أفضل من بعض أفراد القرن الثاني، فهو تفضيل بالإجمال، وإذا كان تفضيلاً بالإجمال، فمن باب أولى أن يكون تفضيلاً لما أجمع عليه كل قرن من هؤلاء، بمعنى أن الإجماع الذي كان انعقد للصحابة أو من بعدهم فهو أفضل وأعلى وأزكى إجماع يمكن أن يحصل.

طيب، هذه بعض الإشارات السريعة جداً، لكن من جهة الأسانيد، الإسناد الأول حدثني إسحاق قال حدثنا النضر قال أخبرنا شعبة عن أبي جمرة قال سمعت زهدم بن مضرب قال سمعت عمران بن حصين، والثاني حدثنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله. اليوم الدرس الماضي كان فيه عن علي بن عبد الله عن سفيان ولأن محمد بن كثير عن سفيان، علي بن عبد الله عن سفيان، ابن عين، محمد كثير عن سفيان الثوري، مين قال الثوري؟ ليش ما في اثنين؟ واحدنا محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان، محمد بن كثير قال أخبرنا سفيان، حدثنا علي بن عبد الله عن سفيان، حدثنا محمد بن كثير عن سفيان ثاني، الثوري، محمد بن كثير تحديداً من مشايخ البخاري الذين يصل بهم إلى سفيان الثوري بطبقة واحدة، ولا الأصل أنه بين البخاري وبين سفيان الثوري اثنان، لكن محمد بن كثير واحد من الذين ينقلون البخاري إلى الثوري مباشرة، جيد.

بالنسبة لهذا الإسناد الثاني هو خاصة من عند سفيان إلى الأخير ومن أذكى الأسانيد، سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله، عبد الله طبعاً مين؟ ابن مسعود بدون ما تفكر مباشرة، هذا الإسناد عن عبد الله مباشرة عبد الله بن مسعود بدون تفكير، الإسناد الذي يكون من طريق كوفي عن عبد الله مباشر، عبد الله بن مسعود بدون أي تفكير، وبالمناسبة يعني أكثر صحابي اسمه عبد الله يذكر هكذا وحده بدون ذكر اسم الأب هو عبد الله بن مسعود، جيد. أما عبد الله بن عمر فغالباً يقال عن عبد الله بن عمر أو عن ابن عمر، عبد الله بن عباس عن ابن عباس أو عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر عن عبد الله بن عمرو أو عن ابن عمرو، عبد الله بن عمرو أكثر شيء جيد، وإن كان يأتي قد يأتي عن عبد الله ويراد به عبد الله بن عمر، لكن عبد الله بن مسعود كثيراً ما يأتي فيقال عن عبد الله ويقال المقصود ابن مسعود، لكن ليس هذا هو معيار التحديد، وإنما معيار التحديد هو ايش؟ أن يكون الإسناد كوفياً وأن يكون من طريق أصحابه المشهورين.

سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبد الله عن عبيدة، عبيدة السلماني من خيار التابعين الكوفيين ومن أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ومن أثبت الناس في علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو من الكبار، ما أدري سبق أخذناه في خير القرون أم لا؟ وإبراهيم، وإبراهيم تلميذ عبيدة هو إبراهيم النخعي، وإبراهيم النخعي أخذناه في درس من دروس خير القرون، وهو معقد أصحاب عبد الله بن مسعود، يعني عامة أصحاب عبد الله بن مسعود الذين يروون عنه والذين درسوا عنده والذين تعلموا حديثه وتربوا في مدرسته، مدرسة عبد الله بن مسعود هؤلاء أغلبهم مشايخ إبراهيم النخعي، يعني علم عبد الله بن مسعود صب إلى إبراهيم النخعي عن طريق طلاب ابن مسعود المتعددين، الحلقة الخاصة كما يقال لعبد الله بن مسعود، هذه الحلقة الخاصة اجتمعت يعني خلينا نقول مصادرها عند إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى، ولذلك هو من أعلم الناس بحديث ابن مسعود وبمنهج ابن مسعود وبكلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وحتى أنه قيل فيه أنه إذا روى طبعاً لم يسمع ابن مسعود هو، لكن قيل فيه أنه إذا روى عن ابن مسعود طبعاً من حيث الوصف يعتبر مرسل، لكنه يعتبر من المراسيل الصحيحة، حتى أنه قال إبراهيم قال: إذا قلت قال ابن مسعود فهو عن فلان وفلان وفلان، أما إذا قلت عن علقمة أو عن الأسود أو كذا فهو من سميت، يعني هذا ظاهره يقتضي أنه مرسل إبراهيم النخعي عن ابن مسعود أقوى من موصوله، لأنه إذا قال عن فلان فهو عن واحد، أما إذا قال ابن مسعود فهو من مجموع ما أخذه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

طيب، باقي منصور كذلك وسفيان الثوري لكن حتى ما نطيل، ثم قال البخاري رحمه الله تعالى: باب مناقب المهاجرين وفضلهم، قال البخاري: منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. بقي بس حتى ما أنسى في موضوع خير القرون بقي أمران سريعان أنبه عليهما، خير الناس قرني، الأمر الأول هو، وإن كنا نقول إن هدي خير القرون لا يختص بالعقيدة وإنما يشمل الأبواب المختلفة كالجهاد وسياسة الناس بالدين أو يعني الحرص على أن يكون هناك قوة للدين عبر السياسة اللي هي كانت في الصحابة في زمن الخلافة الراشدة وحرصهم على ذلك وأن يقام الدين بذلك، إلا أننا نقول إن ما بعد هذه القرون المفضلة ظهرت كثير من البدع العقدية والتي لو رجع الناس فيها إلى ما كان عليه أصحاب القرون المفضلة لأفلحوا، ولو تركوا كثيراً من التكلف الذي ظهر بعد ذلك في العقيدة، ها، لو تركوا كثيراً من التكلف الذي ظهر بعد ذلك في العقيدة واكتفوا بما كان عليه أصحاب النبي صلى الله عليه والقرن الثاني والقرن الذي يليه لأفلحوا، فإن هذه الأمة قد حصل فيها خلاف كبير في هذه الاتجاهات العقدية وفي طريقة النظر إلى هذه النصوص، وقد كان هناك منهج لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في طبيعة تلقي النصوص العقدية وغيرها، وهذا المنهج لا شك ولا ريب أنه قد تمت مخالفته بعد ذلك، تمت مخالفته يعني المخالفة ليست في أفراد الأقوال وإنما صار هناك منهج آخر، منهج كامل له معالمه في طبيعة التعامل مع النصوص العقدية، وهذا المنهج الثاني هو منهج حادث، منهج حادث وهذا المنهج الحادث يخالف طريقة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وطريقة التابعين وطريقة اتباع التابعين المزكين والمفضلين بكلام، بنص كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك ينبغي على هذه الأمة إذا أرادت الخير والفلاح أن تقف عند ما وقف عنده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندما وقف عنده التابعون وعندما وقف عنده اتباع التابعين، وألا يزيدوا على ذلك وألا يتكلفوا، فإنهم قد امتدحوا بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا الامتدح أكثر ما يدخل فيه وهذه نقطة مهمة يا جماعة أكثر ما يدخل في الامتداح الذي جاء في هذا الحديث هو الهدي العام الذي اشتركوا فيه، يعني نقدر ما نستطيع أن نقول إنه المعالم الكبرى لخير القرون، ولا شك أن من المعالم الكبرى خاصة في القرن الثاني والقرن الثالث من المعالم الأساسية المنهج العقدي الذي تعاملوا فيه مع النصوص والذي خالفوا فيه أو تعاملوا فيه مع البدع في تلك المرحلة، واضح.

فكوننا نقول إن خير القرون، أن هدي خير القرون لا ينحصر في الجانب العقدي، ليس معناه أننا نقلل من هذا الجانب، واضح؟ ليس معناه أننا نقلل من هذا الجانب بل بالعكس نؤكد على هذا الجانب، ونقول إن هناك خلافاً حقيقياً حصل بعد ذلك، وأن لزوم ما كان عليه أصحاب القرون المفضلة هو الخير وهو البركة وهو الصواب وهو الحق بإذن الله تعالى. طيب، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب مناقب المهاجرين وفضلهم، منهم أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة التيمي رضي الله عنه، وقول الله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. وقال الله: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. قالت عائشة وأبو سعيد وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وكان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار.

بعد الإجمال الذي ذكره في البداية في فضائل الصحابة عموماً، انتقل إلى التفصيل والدخول إلى المهاجرين، ثم بعد ذلك يعني مباشرة بدأ بأفراد المهاجرين، يعني مباشرة بدأ بأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وذكر في فضل الصديق أبواباً متعددة، وبعض هذه الأبواب فيها ذكر لأبي بكر وغير أبي بكر رضي الله تعالى عنه، عموماً سيبدأ الآن الحديث عن فضائل الصحابة بأعيانهم، واعتنى هنا بذكر المهاجرين أولاً ثم بعد ذلك الأنصار، تفضيلاً للمهاجرين على الأنصار، ومن أسباب تفضيل المهاجرين على الأنصار ايش؟ طيب أول شيء الهجرة، أول شيء الهجرة، هم يعني مهاجرون، طيب المهاجرون هؤلاء رضي الله تعالى عنهم كم عملوا من الأعمال في الإسلام؟ كثير، عملوا كثيراً ولكنهم يعني اختير من بين أعمالهم عمل الهجرة، فصار لقباً لهم، وهذا فيه فوائد متعددة وكثيرة منها أي مقدار تأثير الأعمال على الهوية الشخصية، وأنه معيار الأعمال الذي يؤثر في وصف الهوية للإنسان في ذلك الزمن كان هو المعيار الأخروي، جيد بمعنى أنه إلى الآن في زماننا يوجد أوصاف أو أعمال تؤثر على الهوية، أليس كذلك؟ ولكنها في زماننا هذا كثير، يعني من أهم المعايير التي تؤثر على أوصاف الهوية في زماننا الوظائف، جيد يعني مثلاً المهندسين من الأطباء الكذا وتعرف بعض الوظائف يكون لها يعني أحياناً تعصب معين وكذا، وإحنا المهندسين وإحنا المدري ايش وإحنا الكذا ايش، فهذا له تأثير على الهوية جيد، وأحياناً لا، يعني أحياناً الهوية القبلية تكون طاغية، وأحياناً الهوية الوطنية، وهذا المعيار اللي هو الهوية الوطنية من أكثر وأشد المعايير التي بدأت تتصاعد اليوم لتكون هي المشكل الأساسي، ولا أعني النسبة الوطنية أو النسبة للبلد، مجرد النسبة للتعريف، هذا مغربي هذا جزائري هذا فلسطيني هذا قطري هذا سعودي هذا ما أدري ايش، هذه نسبة للتعريف، لكن أنا أتكلم عن ما هو زائد على التعريف، إلى قضية أنه تكون يعني، وهذا مما تسعى له يعني كثير من الدول الحديثة هي أن تعطي هوية وطنية، هوية وطنية يعني هناك سمات معينة وهناك صفات معينة وهناك يعني ملامح لهوية.

ينبغي أن تميز أبناء هذا الوطن عن الوطن الآخر وعن كذا. الشاهد أن هذه المعايير وهذه الصفات التي تجعل للإنسان هوية معينة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كانت هي الأعمال الكبرى في نصرة الدين والتضحية، فالمهاجرون وإن كانوا من بطون شتى من قريش ومن خارج قريش، لكن على أساس من قريش، إلا أنه لا شيء قدم في وصف هويتهم على وصف الهجرة فهم المهاجرون.

والأنصار وإن كانوا قبل ذلك لا يعرفون إلا بالأوس أو الخزرج نظراً لوجود حتى القتال فيما بينهم والتمايز الشديد والواضح جداً، إلا أنه صار لهم وصف جديد وصارت لهم هوية جديدة وصار لهم اسم جديد، وهذا الاسم الجديد مبني على عمل قدموه، وهذا العمل مرتبط بنصرة الله ورسوله بنصرة الدين، فغلب عليهم اسم الأنصار على الاسم السابق الذي كان منزعه قبلياً، فبدل أن كان يقال فلان من الأوس صار يقال فلان من الأنصار. بعد ذلك تأتي الهوية الثانية: فلان من الأنصار من الأوس، فلان من الأنصار من الخزرج، وهذا معناه أن الهوية هذه الكبيرة أيضاً لا ينبغي أن تلغي الهويات الصغيرة المتعلقة بالقبيلة، المتعلقة بالنسب، المتعلقة أحياناً بالبلد نسبة إلى البلدان، والبلدان كانوا يعتنون بها العلماء: فلان الدمشقي، فلان. لكن طبعاً تعرف بطبيعة البلدان سابقاً كانت النسبة ليست إلى دول قطرية معينة، وإنما كانت النسبة إلى البلدان المعينة، وهذا استمر في الأمة قروناً كثيرة، مع أنه يكون في دول جامعة؛ الدولة الأموية، الدولة العباسية، بس ما كانت النسبة أغلبها إلى المدن حتى في ظل وجود مثل هذه المظلات الجامعة.

الشاهد أن في تحديد معيار الهوية باسم المهاجرين وتحديد معيار الهوية باسم الأنصار دليل على أن الموازين والمعايير في تلك المرحلة كانت تغلب جانب نصرة الدين وتغلب جانب الأعمال الأخروية، ليس فقط من جهة تفضيلها بالأجر ومن جهة الحرص عليها، وإنما ارتفعت إلى حد أن صارت صبغة لقوم ولأمة من الأمم، صارت صبغتهم أنهم المهاجرون وهؤلاء صبغتهم أنهم الأنصار. وهذا لمن يدرك طبائع الأشياء ودلالات الأسماء ودلالات الألفاظ وطبيعة التأثير مثل هذا على النواحي الاجتماعية، يستطيع أن يفهم مقدار المفارقة الهائلة بين زماننا وزمانهم، يعني يستطيع أن يدرك مقدار المفارقة الهائلة والكبيرة أن يكون مجتمع ما قد بني على مكونات أساسها الهجرة والنصرة، هذا مجتمع، نحن ما نتكلم الآن عن جماعة إسلامية، مو مجتمع في حركة إسلامية ولا جماعة إسلامية ولا حزب، المجتمع المكون للدولة مقسم إلى قسمين: قسم وصف هويته الهجرة وقسم وصف هويته النصرة، المهاجرون والأنصار، ولك أن تتخيل أثر هذه البنية في الهوية على ما بعد ذلك، وأنتم تعلمون أنه هذا يؤثر حتى على الأفراد، بمعنى أنه في الروايات مثلاً: فجاء رجل من المهاجرين، في بعض الروايات حتى ما يبين من هو، فقال رجل من المهاجرين، خلاص هذا ليس فقط الهوية التي هو بالاسم العام، وإنما الهوية حتى بالاسم المعين الذي ينطبع على أفراد الناس. الشاهد أن في قوله باب مناقب المهاجرين، من الاسم هذا نأخذ دلالات كبيرة على مدى ما كان يؤثر العمل على الهوية في ذلك المجتمع، ومن انتكاس المعايير في زماننا ليس فقط أنه لم تعد مثل هذه الأعمال سبباً في توصيف الهوية، وإنما أحياناً صارت سبباً للذم بعكس ذلك، فإذا كان في زماننا البعض له رصيد مثلاً في النصرة لدين الله والجهاد في سبيل الله وما إلى ذلك، فنظراً لكون هذه القضايا كثيراً ما يكون فيها إشكال على المستوى السياسي مثلاً، فبالعكس، بدل أن يكون هناك وصف امتداح فيصير القضية ذم أو توجس وما إلى ذلك، وهذا لا شك أنه من الإشكالات التي تبين الفرق بين الزمنين.

الشاهد أنه من بين أعمال المهاجرين جاءت الهجرة لتكون هي السبب أو هي المنزع في الوصف، وبها فضلوا على الأنصار بالهجرة فضلوا على الأنصار وأيضاً بالسبق، لكن بالهجرة، الهجرة من أهم الأعمال، وهذا يدل على مركزية هذا العمل وفضله العظيم، ولا شك أن هناك نوعاً من الهجرة ودرجة من الهجرة لم يعد بالإمكان تحصيل فضلها، انتهت. هناك نوع ودرجة من الهجرة في فضلها لم يعد متاحاً ولم يعد ممكناً الحصول عليه منذ فتح مكة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال بعد فتح مكة: لا هجرة بعد الفتح، وليس المقصود هو نفي إمكان الهجرة الشرعية ما يدخل تحت اسم الهجرة الشرعية، ولكن تلك الهجرة التي كان مأموراً بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتي لها هذا الفضل المعلوم انتهت بعد أن صارت مكة داراً للإسلام، وذهبت الهجرة بأهلها كما في الحديث الآخر، ذهبت الهجرة بأهلها أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

لكن بقيت الهجرة، بقي معنى الهجرة الشرعي سواء بمعناه المباشر الذي هو الانتقال من دار إلى دار للمعنى الشرعي المتعلق بالهجرة بقي قائماً، لم ينتهِ في الأمة الإسلامية ولم ينتهِ الأمر به، وذلك بمثل قول الله أو يؤخذ هذا من قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا، وكذلك لم ينتهِ معنى الهجرة بسبب الظلم، ولو لم يكن، لأن الهجرة لها سببان: إما أن تكون الهجرة المقصود بها الذهاب إلى دار إيمان وإسلام من دار كفر وحرب لا يستطيع أن يقيم الإنسان فيها دينه، وإما أن يكون المقصود بها الفرار بالدين من دار إلى دار أخرى ولو لم تكن دار إسلام، ولكن يمكن للإنسان فيها أن يقيم فيها دينه، وهذه الهجرة الثانية هي الهجرة التي حصلت في الحبشة، لأن الحبشة لم تكن دار إسلام ولكن كانت داراً فيها أمان يمكن للإنسان أن يقيم فيها دينهم. وإذا كانت الهجرة قد انتهت بهذا الفضل وبهذه الصفة، فقد بقيت بعض الأعمال يمكن أن تقود إلى أجر عظيم من الأجور، ومن أعظمها على الإطلاق ما جاء فيما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: العبادة في الهرج كهجرة إلي، وهذا أمر عظيم ينبغي أن يتفكر فيه. والأنصار من بين أعمالهم الكثيرة اختير عمل النصرة، وهم أصلاً إنما جاء النبي صلى الله عليه وسلم إليهم لهذا العمل فسموا بذلك، ولعل الحديث عن الأنصار يؤجل إلى وقت كتاب مناقب الأنصار، وما أجمل الحديث عن الأنصار وما ألذ الحديث عن الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

طيب، قبل قليل كنا نتكلم عن خير الناس قرني، خير أمتي قرني، وقلنا مميزات خير القرون من أعظم ما ميزهم، من أعظم ما ميزهم هذا جنس هذه الأعمال: الهجرة، النصرة، جهاد إقامة الدين وأمثال ذلك، فمن كان ينتسب إليهم النسبة اللفظية ولا يكون له حظ من نصرة الإسلام والمسلمين والعناية بذلك والحرص على ذلك، فلا شك أن هذه النسبة منقوصة. وقول الله تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. الهجرة لماذا فضلت؟ فيها تضحية، فيها بذل، وفيها تقديم الدين وسلامة الدين على سلامة الدنيا، فيها إيثار الآخرة على الدنيا، فلاحظ طبعاً المفارقة، هذه المفارقة هي مفارقة للديار وللأموال، فمفارقة الديار وحدها مشكلة أو صعبة، ومفارقة الأموال أيضاً هي أمر يتطلب التضحية، والله سبحانه وتعالى حين يقص ذلك، فهذا مما يؤنس من ضحى أن الله سبحانه وتعالى يذكر لهم أنكم خرجتم من دياركم خرجتم من أموالكم فالله يعلم ذلك والله يكتب ذلك والله يثيبكم على ذلك. ثم انتقل من هذه الآية إلى الآيات المتعلقة بأبي بكر الصديق، وقال الله تعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ، إلى قوله: إِنَّ اللَّهَ. الانتقال إلى أبي بكر الصديق الذي هو خير المهاجرين وخير الصحابة جميعاً، وهذه الخيرية ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي. هناك كلام كثير يمكن أن يقال في منهجية التعامل مع قضية الصحابة وما إلى ذلك، لكن لا تأتي من خلال الأحاديث، وذكرت شيئاً منها بتفصيل في الحبة الشرعية مادة العقيدة في حلقة خاصة عن الصحابة وأهل البيت.

طيب قال الإمام البخاري: حدثنا عبد الله بن رجاء، قال حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء. هذا الإسناد ما جنسه؟ نعم إسناد كوفي. إسرائيل أبو إسحاق، طبعاً إسرائيل حفيد أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق أحد الستة الذين تدور عليهم الأسانيد، مكثر جداً من الرواية، وهو من التابعين من أواسط التابعين، يعني هو أدرك مجموعة من الصحابة، ليس مثلاً في طبقة قتادة والزهري الذين لم يدركوا إلا صغار الصحابة، لا، أبو إسحاق أدرك جيلاً من الصحابة لا بأس به، وفي نفس الوقت ليس هو بطبقة سعيد بن المسيب والكبار من التابعين الصنابحي وغيرهم الذين أدركوا كبار الصحابة، فأبو إسحاق متوسط يميل إلى الكبار، وكان من أصحاب العبادة وأصحاب قيام الليل رحمه الله تعالى ورضي عنه، وأبو إسحاق أكثر عنه الكوفيون الكبار مثل شعبة مثل سفيان الثوري، وهو أثبت الناس فيه على الإطلاق، أثبت الناس في أبي إسحاق السبيعي عموماً. إسرائيل هذا حفيد أبي إسحاق وهو من أثبت الناس فيه كذلك.

طيب هذه قصة جميلة وفيها فوائد، قال عن عبد الله بن رجاء، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء قال: اشترى أبو بكر رضي الله تعالى عنه من عازب -عازب اللي هو والد البراء- اشترى أبو بكر من عازب رحلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمل إلي رحلي. فقال عازب: لا، حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرجتما من مكة، ما جايب لك اللي اشتريت لين ما تحكينا الحكاية، أعطينا الحكاية، والمشركون يطلبونكم.

قال: ارتحلنا من مكة فأحيينا أو سرينا ليلتنا ويومنا حتى أظهرنا وقام قائم الظهيرة، فرميت ببصري هل أرى من ظل فأوي إليه، فإذا صخرة، فأتيتها فنظرت بقية ظل لها فسويته، ثم فرشت للنبي صلى الله عليه وسلم فيه، ثم قلت له: اضطجع يا نبي الله، فاضطجع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحداً، فإذا أنا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا، فسألته فقلت له: لمن أنت يا غلام؟ قال: لرجل من قريش -سماه- فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: فهل أنت حالب لبناً؟ قال: نعم، فأمرته فاعتقل شاة من غنمه، ثم أمرته أن ينفض ضرعها من الغبار، ثم أمرته أن ينفض كفيه، كل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال هكذا، ضرب إحدى كفيه بالأخرى، فحلب لي كثبة من لبن، وقد جعلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أداوة على فمها خرقة، فصببت على اللبن حتى برد أسفله، فانطلقت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقته قد استيقظ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب حتى رضيت، ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله، قال: بلى، فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له، فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله، فقال: لا تحزن إن الله معنا.

حدثنا محمد بن سنان، قال حدثنا همام عن ثابت عن أنس عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، قال: ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما.

هذه القصة الجميلة العظيمة، أولاً هي واضحة وبينة من حيث ألفاظها وسياقها وطريقة تركيبها، وحقيقة الأحاديث النبوية ما أعرف لماذا البعض لما يذكر مصادر الفصاحة أو اكتساب البلاغة أو اكتساب المخزون حتى اللغوي والتركيب اللغوي لماذا لا يذكرون الأحاديث، خاصة الأحاديث الطوال، ففيها من الفصاحة والبيان الشيء الكبير الشيء الكثير، وميزتها أنها تعطي تراكيب، يعني ليس فقط تعطي ألفاظاً، إنما تعطي تراكيب لغوية، يعني مجموعة من الجمل التي يبنى بعضها على بعض، وكما رأيتم الحديث سلس ومفهوم، ويعني حتى ما احتاج إلى شرح، فهذا من أول ما ينبه له.

الأمر الثاني: إذا كان المهاجرون قد فضلوا بالهجرة، فإن الوحيد الذي هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، يعني وإن كان هناك من ساعد في الهجرة وإن كان هناك من ساق بعض لكن الذي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة هو أبو بكر الصديق، فهذا تفضيل على تفضيل. الأمر الآخر أنه لم يكن مجرد صاحب في الهجرة وإنما كان المؤنس، والأمر الثالث أنه لم يكن مجرد مؤنس وإنما كان الخادم المعين، ولذلك الحديث التالي ترى الذي سيذكره الآن البخاري بعده.

مباشرة فيه جملة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الخطبة، خطبة يعني أمام الصحابة جميعًا في خطبة، وبالمناسبة هذه الخطبة كانت قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بقليل، وكأنها يعني واحدة من خطب التوديع الأساسية والكبيرة التي ودع بها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، فكان فيها ماذا؟ كان فيها أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر.

شوف في صحبته وماله، يعني ترى أبو بكر يعني كان له من خدمة النبي صلى الله عليه وسلم وإعانته ونصرته ومؤازرته والوقوف معه والذب عنه والدفاع عنه وال يعني ما لم يكن لأحد، وحفظ له النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حتى أعلنها أمام الجميع في آخر حياته صلى الله عليه وسلم أن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر. فهذا فضل عظيم ومكانة كبيرة لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لم يبلغها أحد من الصحابة ولم تحصل لأحد، فرضي الله تعالى عنه وأرضاه.

بالنسبة لقصة الهجرة، هي من القصص العجيبة والعظيمة واللي فيها فوائد يعني كبيرة جداً، ولا يدري الإنسان يعني بأي الفوائد يبدأ ولا من أيها ولا إلى أيها ينتهي، لكن كما قلت القصة هي معبرة عن نفسها بألفاظها وجملها وعنوانها الأكبر، إيش؟ شفقة أبي بكر وحرصه وصدقه في مؤازرة النبي صلى الله عليه وسلم وخدمته، وأن يقدم له أفضل شيء، وأن يكون على أفضل حال، وأن يساعده في مختلف الأمور، وأن يعني يؤنسه بكل ما يستطيع. فيعني أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه كان له الدور الذي لم يعد يعني أول شيء الصحابة كلهم يعني من بعد الصحابة ما في أحد بإمكانه أن يقدم للنبي صلى الله عليه وسلم شيئاً مباشراً من نصرة أو ذب عنه أو كذا، ما في، خلاص يعني كشيء مباشر يعني بقي الدفاع عنه عن عرضه صلى الله عليه وسلم وعن سنته وكذا، ولا شك هذا أجره عظيم، لكن من بين الصحابة موقف أبي بكر في الهجرة أيضاً ما في ولا أحد أدركه ولا قام بمثله، فالجميع فاته هذا الموقف فهو لأبي بكر فقط، فهو لأبي بكر فقط. والصحابة كان يغبط بعضهم بعضاً على بعض المواقف التي انفردوا بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أن لهم مواقف أخرى كبيرة.

يعني ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو من السابقين وهو من ممن لزم النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء، قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون صاحبه أحب إلي من الدنيا وما فيها، وذلك قبل بدر يوم استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، فقال المقداد: يا رسول الله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه. هذا الموقف كان لأنه كان في لحظات حرجة صعبة جداً، وال كان الموت على الأبواب، وكانت ال كان جيش المشركين، يعني هو احنا ما نبي ندخل الآن في بدر، بس يعني لازم الواحد يتصور المعنى، تصور المعنى، كيف أنه خليني أعطيكم يعني نسبة منها لا تذكر، لا تذكر.

أشفتم الآن النظام السوري لما سقط الناس اللي عذبت في سجون النظام السوري وكذا، في هيبة في نفوسهم للسجانين لبعض الضباط، لفكرة النظام نفسها، بحيث أن البعض أصلاً ما يبغى يدخل هذه السجون، ما يبغى يروح يشوفها أصلاً مرة ثانية، والبعض مو مصدق إلى الآن أن النظام السوري بكل جبروته وطغيانه سقط، يعني متصورين القضية هذه الفكرة إيه، كانت في معركة بدر، أنه أنتم متصورين إيش معنى معنى المفارقة؟ يعني هناك أشد بكثير من حيث من حيث الهيمنة، أنه أنتم متصورين أبو جهل إيش معنى أبو جهل وعتبة وشيبة وعقبة بن أبي معيط والطغاة الكبار هؤلاء، اللي اللي لهم 13 سنة جرجرونا في أزقة مكة، وسحبونا وجلدونا وأحرقونا وعذبونا وسووا فينا وسووا، الحين المواجهة معهم، نعم في قلبنا ما فيه من الرغبة في مقاتلتهم وفي كذا، ولكن في نفس الوقت في هيبة، في هيبة، في هيبة، لأنه طبيعة العلاقة ما كانت طبيعة قتال سابقاً، تعرف لما يكون الطبيعة أصلاً قتال جيد أنه في جولات وصولات فيعني تكون الهيبة شوية زالت، بس تخيل لما يكون طبيعة العلاقة كلها في المرات الماضية هي أنك أنت المستضعف المعذب، وهو الذي يمسك السوط ويجلدك وأنت على الأرض ممدد، فهمت الفكرة؟ والآن تواجهه في الميدان. فمن جهة نعم يعني في صدرك ما فيه، لكن من جهة أخرى ترى في هيبة، لأنه هذه لها تترك أثر في النفوس، مثل ما قلت لك قول السجانين وكذا أن واحد عاش يعني قد ما يتخيل أنه، الشاهد إيش اللي جاب هذا كله الحين دخلنا في هذا الموضوع، هذا عشان عبد الله بن مسعود عشان المقداد، لما لما كان أقبل المشركون واجتمع النبي صلى الله عليه وسلم وأول مرة الأنصار يخرجوا برا المدينة، وتخوف النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون عهدهم معه إنما هو للدفاع عنه في المدينة، بحكم أنهم يعني تعال عندنا فإحنا ندافع عنك، طب خرجت في منطقة أخرى، فيعني وسأل الناس والناس خرجت لأجل العير وليس لأجل القتال، فكان من أهم من بدد يعني هذه السحابة التي ربما أحاطت بالمؤمنين وأحاطت بالناس وكذا، المقداد لما قال والله لو خطت بنا والله لو كذا، يعني هذا الأسلوب يعني إيش أنه يعني يا رسول الله نحن معك أينما ذهبت، والله لنقاتلن حتى في الحديث لنقاتلن عن يمينك وعن شمالك، لو خضت بنا البحر لخضناه معك، والذي قال لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى. بعدين هذه كلمة منهم من أمثال المقداد يعني النبي صلى الله عليه وسلم يعرف إيش قيمة هذه الكلمة، يعرف أنها كلمة رجال، يعني خلاص إذا خرجت هذه الكلمة يعرف يعرف ما دلالة هذه الكلمة، إيش معناها.

فالشاهد أن عبد الله بن مسعود غبط المقداد على موقفه هذا، فكانوا يتغابطون في مثل هذه المواقف التي هي صعب تكرارها، فإذا كان ذلك كذلك فما يغبط به أبو بكر من صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وانفراده بنصرته فيها، وانفراده بخدمته فيها، فهو مما لا شك يغبط عليه أبو بكر. ثم الله سبحانه وتعالى ذكر هذا في القرآن وأشار إليه بقوله سبحانه وتعالى: إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا. فصلى الله على رسوله محمد ورضي الله تعالى عن أبي بكر الصديق وأرضاه.

الفوائد كثيرة، لكن يعني نكتفي بهذا القدر من ناحية الفوائد اللي في الحديث، أشعر أن هذا الحديث يعني إيش يعني خلاص هو يعني الاستماع إليه هو الفائدة، يعني استماع القصة تأخذ الفائدة كما هي. طيب الحديث التالي، طبعاً فقط مما يشار لأنه حتى الحديث الذي بعده اللي هو لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، قال ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله وثالثهما، طبعاً هذا الموقف من أعظم المواقف في السيرة النبوية، وموقف أصلاً هو لمفصلية الحدث نفسه اللي هو الهجرة والغار، هو نقطة كبرى في حدث الهجرة. في فوائد كثيرة، أولاً من حيث فهم سنن الله سبحانه وتعالى وفهم الموازين الإلهية أو الميزان الإلهي، أنه رسول الله وخاتم رسل الله وخير عباد الله، مطارد ومختبئ في غار ثلاثة أيام، يعني هل يرضى الله سبحانه وتعالى ذلك؟ نعم هذه سنته في أنبيائه وسنته في أحبابه وسنته في أوليائه، ولذلك أيضاً لازم تصحيح معايير وتصحيح موازين، يعني صاير في كذا نسخة من عرض الدين والتدين عندنا اليوم، أن التدين الصحيح يساوي الحياة الرغيدة الهانئة، سعادة دنيوية وفتح الأبواب من كل اتجاه، وأما حالة الشدة والتعب والمخاطر هذا باب يعني لا، يعني النبي صلى الله عليه وسلم مختبئ في الغار ثلاثة أيام، ومن الذي يحيط به ويحاصره ويطارده؟ كافر مشرك، كافر مشرك لا يؤمن بالله وبرسوله يحيط برسول الله وبصاحبه والنبي صلى الله عليه وسلم مختبئ، ولكن هذه سنة الله وهذه موازين الله سبحانه، هذا ميزان الله سبحانه وتعالى، ميزان الله بعكس ما يظنه كثير من الناس أنه وجود الصلاح يقتضي انتفاء المشكلات، في ميزان الله أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، فهذا واحد.

الأمر الثاني ما هو من موضوع دلائل النبوة، فإن دلائل النبوة باب واسع، ومنها الباب السلوكي أو الباب العملي، يعني باب أعمال النبي صلى الله عليه وسلم التي تدل على نبوته، فليست دلائل النبوة منحصرة في البراهين الأولى المقدمات، وإنما أيضاً من دلائل النبوة لأنه الدلائل هي كل ما يدل على صدق هذا النبي صلى الله عليه وسلم من أي اتجاه، ومن جملتها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من ثقته بربه وطمأنينته في طريقه وصدقه وتجرده وإخلاصه صلى الله عليه وسلم، فهذا كله من الدلائل لأن النبوة باب خبر وهذا الخبر لا يحتمل إلا الصدق أو الكذب، والصادق له علامات والكاذب له علامات، وكما تعلمون عبارة أبي العز الحنفي: النبوة لا يدعيها إلا أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، فهي القضية ما في يعني يا أصدق الصادقين، فالصدق له علامات، هذا التوكل على الله والثقة به واليقين بوعده والطمأنينة، حتى التفات ما، يقول له يا رسول الله أدركنا سراقة، يقول لا تحزن إن الله معنا، طيب في طبيعة بشرية في كذا، ما خلاص هو هذا حين بذل الأسباب، ترك يعني خلينا نقول انتهى هذا الشعور البشري إلى المستقر الإيماني من حيث الطمأنينة والثقة بوعد الله سبحانه وتعالى، والكلام كثير عموماً.

ما أخذنا الإسناد، همام عن ثابت عن أنس، هذا الثاني، الأول قلنا إسرائيل، إيه، حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا همام عن ثابت عن أنس، إسناد إيش هذا؟ بصري، أنس وثابت وهمام، نعم ثابت البناني، ثابت بن أسلم البناني أحد أهم وأثبت الرواة عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وهو من المكثرين عن أنس، وهو ليس مجرد راوي عن أنس وإنما هو من أصحابه من أصحاب أنس رضي الله تعالى عنه، قد كان الصحابة لهم أصحاب يأخذون عنهم ولهم بينهم مواقف، ولذلك تجد أن ثابت يعني يكثر من الحديث عن أنس، ويسأل أنس، وتجد المواقف فيها حوارات، والروايات فيها يعني سؤال واستفسار وكذا، فضلاً عن كونه هو من أهم من نقل علم أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه إلى الأمة، ثابت أحد أركان رواية الحديث من التابعين خاصة حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.

وكما أنه كان من أصحاب أنس فقد كان له أصحاب أيضاً يأخذون عنه وينقلون حديثه ويحفظونه ويضبطونه، ومن أهمهم على الإطلاق حماد بن سلمة رحمه الله، وهو أيضاً بصري وكان لجراءته يختبر ثابت بحفظه، مع ثابت شيخه من التابعين المشهورين وكذا لكنه كان يختبره، فكان يخلط له الحديث، حماد بن سلمة سمع من ثابت كثيراً لزمه كثيراً، فكان ثابت طبعاً لا يروي عن أنس فقط، وإنما يروي عن أنس ويروي أيضاً حتى عن بعض التابعين الكبار، ومن التابعين الكبار الذين يروي عنهم ثابت عبد الرحمن بن أبي ليلى، عبد الرحمن بن أبي ليلى يروي عن علي ويروي عن صهيب الرومي وغيرهم.

فحماد بن سلمة يجلس عند ثابت ويسمع منه الحديث، فثابت يقول حدثنا أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، وحدثنا عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، طيب حدثنا محمد سنوات طويلة وهو يسمع الحديث، ومرة يسمع الحديث مرة وخمس مرات وعشر مرات بقدر ما يكرر أنس بن مالك هذا الحديث لسؤال الناس أو إلى آخره، وبعدين يعني بيتأكد أنه بعد السنوات الطويلة هذه أن شيخه ثابت ضبط الحديث جيداً الذي حدثهم به، فيجي عند شيخه ثابت مثل ما عبد الله جالس هنا، فيجي يقول شيخنا الكريم ثابت البناني، حدثكم أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بكذا وكذا وكذا، وهو جايب حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب، هو سامع منه، فثابت يقول له لا، وإنما حدثنا به عبد الرحمن بن أبي ليلى، فيقول شيخ أنا حدثكم عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي، قال لا، حدثنا به أنس، فقال، يعني عرف أنه إيه، عاد ما أدري إيش قالوا، تمام يا شيخنا ولا شيء، ما أعرف، من ثابت له أصحاب كما قلت منهم حماد بن سلمة وحماد بن زيد، حماد بن زيد وحماد بن سلمة طبعاً هما قرينان، قال لهما الحمادان، كان في وقت واحد في بلد واحد البصرة، والعجيب أنه في لطيفة في أسمائهم هذا اسمه حماد بن زيد بن درهم، وهذا حماد بن سلمة بن دينار، حماد بن سلمة من رجال مسلم، حماد بن زيد من متفق عليه من رجال الجماعة، يعني حماد بن سلمة كلهم ثقات طبعاً، لكن حماد بن زيد أوثق وأثبت وأضبط وأعلى كعباً ومكانة عند المحدثين في ضبطه للحديث من حماد بن سلمة.

وإن كان حماد بن سلمة في ثابت البناني تحديداً يقدم على غيرهم، وممن طبعاً كلاهما يروي عن ثابت حماد بن سلمة وحماد بن زيد، ومن جملة من يروي عن ثابت أيضاً شعبة بن الحجاج الإمام الفذ الكبير.

لا قتادة قرين ثابت وليس يروي عن ثابت، يعني قد يكون روى عنه لكنه ليس من تلاميذه، ليس من أصحابه، وإنما قرين، يعني كلاهما يروي عن أنس، لكن اللي يروي عن ثابت حماد بن سلمة، حماد بن زيد، شعبة، سليمان بن المغيرة، هؤلاء الأربعة تقريباً هم أثبت الناس في ثابت البناني.

طيب، كم أخذنا في الدرس؟ طيب، نكتفي بهذا القدر، نسأل الله سبحانه وتعالى العون والسداد والمغفرة، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.