تسجيل الدخول

فضائل الصحابة 09 | غيث الساري

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد.

نستعين بالله ونستهدي به ونتوكل عليه، ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس قطف الساري من هدايات البخاري، وهذا مجلس جديد في فضائل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ في هذا الباب العظيم المليء بالعلم والسيرة، والمليء بمناقب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا كله أو عامته من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا هو باب من أبواب الدين، وباب واسع كبير فيه عشرات أو مئات الأحاديث التي أخرجها الإمام البخاري رحمه الله تعالى وغيره من أئمة المسلمين في كتب السنة.

قال رحمه الله تعالى: حدثنا محمد بن مسكين أبو الحسن قال: حدثنا يحيى بن حسان قال: حدثنا سليمان عن شريك بن أبي نمر عن سعيد بن المسيب قال: أخبرني أبو موسى الأشعري أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت -هو ابن موسى يقول-: قلت: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكونن معه يومي هذا.

قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: خرج ووجه ها هنا، فخرجت على أثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، فجلست عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجته، فتوضأ، فقمت إليه، فاذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، وسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب.

فقلت: لاكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر. فقلت: على رسلك. ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: اذن له وبشره بالجنة. فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة. فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف، ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم وكشف عن ساقيه.

ثم رجعت فجلست، وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا -يريد أ- ياتي به، فاذا انسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب. فقلت: على رسلك. ثم فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه، فقلت: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، قال: اذن له وبشره بالجنة.

فجئت فقلت: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. فدخل فجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في القف عن يساره، ودلى رجليه في البئر.

ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد الله بفلان خيرا يأت به. فجاء انسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عثمان بن عفان. فقلت: على رسلك. فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: اذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه. فجئته فقلت له: ادخل وبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة على بلوى تصيبك. فدخل فوجد القف قد ملئ، فجلس وجاهه من الشق الآخر.

قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فاولتها قبورهم، فاولتها قبورهم.

هذا الحديث العجيب الجميل العظيم نتحدث عنه متأملين في أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم. قبل ذلك نتفكر في كم يفوت الإنسان من الخير حين يحرم المرور على مثل هذه الأحاديث والتفكر فيها، وحين يكتفي بالكلام الذي صاغه العلماء عن أحكام الدين، وإن كان مهمًا، لابد أن يكون لك تماس مع أخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم، ما تكتفي بمجرد المتون مختصرات، لابد أن يكون لك اتصال بنفس الهدي، بنفس السيرة، بنفس الروايات التي نقلت أحوال المصطفى صلى الله عليه وسلم.

ترى يحرم الإنسان خيرا كثيرا كثيرا، ومن هنا كانت العناية بصحيح البخاري مهمة جدا وبصحيح الإمام مسلم رحمهم الله تعالى، وهنيئا لمن يحفظ هذين الكتابين على خير على خير على خير، لأنه يتصل بأنواع من الأحاديث والروايات التي تكشف عن هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بما لا ينكشف دون المرور على هذه الروايات والأخبار.

ها هنا أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه يأتي في يوم من أيام صحبته مع المصطفى صلى الله عليه وسلم يريد أن يلازم النبي صلى الله عليه وسلم كامل اليوم كامل اليوم، وهذا بمجرده يفتح لنا أيضا أفقا في طبيعة تعامل الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم كان بالامكان أن يظفروا برسول الله صلى الله عليه وسلم كامل اليوم، وحياة المصطفى صلى الله عليه وسلم كانت معهم كذلك، بمعنى أن علاقتهم به صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم بهديه وتلقيهم منه لم يكن عبر نافذة درس يجلسون فيه مثلا بعد الصلاة فيسمعون منه صلى الله عليه وسلم ثم ينصرفون، وإنما كما كانوا يسمعون منه الدرس كانوا يقتدون به ويرونه في أحوال أخرى، ويرونه أن بمجموع هذه الاحوال كانت تتكون عندهم الصورة الصحيحة المرجعية في مختلف شؤونهم.

وهذا الحديث فيه موقف خارج الدرس، فيه موقف خارج المسجد، موقف في مزرعة عند بئر جلس فيها المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحدثت هذه الأحداث في مجيء بعض الصحابه، كلام بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بوابه هنا أبو موسى الأشعري، إذا هي قصة حدثت في يوم، وهذا الحدث سجله له من شهده وهو أبو موسى الأشعري فحدث به.

أبو موسى حدث به سعيد بن المسيب، وسعيد بن المسيب حدث به شريك بن أبي نمير، وشريك بن أبي نمر حدث به سليمان بن بلال، وسليمان حدث به يحيى بن حسان، ويحيى بن حسان حدث به محمد بن مسكين، ومحمد بن مسكين حدث به محمد بن إسماعيل البخاري فسجله في هذا الكتاب، ثم نقله المسلمون عن الإمام البخاري جيلا على أثر جيل، ويعني من وجوه مختلفة ومتعدده.

وها نحن اليوم بعد ألف واربعمائة وست وأربعين سنة نتذاكر هذا الموقف الذي حصل في سنة من السنوات الأخيرة في عمر النبي صلى الله عليه وسلم، لأن أبا موسى الأشعري إنما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في السنة السابعة، فهذا الحديث إما أن يكون في السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة أو العاشرة، اليس كذلك؟ واحتمال يسير أن يكون في الحادي عشر لأن الحادي عشرة لم يكن فيها إلا القليل حتى توفي النبي صلى الله عليه وسلم.

يوم هذا يوم من الأيام حدث من الأحداث في المدينة المنورة تحديدا لبئر أريس. بئر أريس معروف الآن إن كان لم يبق له معلم، بئر هو الآن في ساحات مسجد قباء، مسجد قباء في الساحة اللي جنبه يعتبر الآن في الساحة، موقع يعني معروف محدد، لكنه ليس اليوم على شكل بئر لأنه ذهب البئر مع التوسعة، كان موجودا يعني لكنه لما وسع مسجد قباء ووسعت الساحات ذهب البئر، لكن بقيت الإشارة إليه.

وهذا مثل بئرحاء الذي أخرج الإمام البخاري قصته في صحيحه عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه، تذكر القصة؟ قصة أبي طلحة الأنصاري جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، سمعت الله يقول لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُهَا صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أو صدقة لله سبحانه وتعالى.

هذا البئر اللي هو بيرحاء موجود الآن داخل بنيان المسجد النبوي، حتى مو في الساحه، داخل بنيان المسجد نفسه، إذا دخلت من الأبواب الشمالية للمسجد النبوي، خاصة من الأبواب الشمالية، تأخذ يسار امتار يسيره يعني، امتار يسيره من بين البوابة وبين المنطقة التي تحاذ البئر، ثم تأخذ يسار، تحت الفرشات، موجودة اليوم تحت السجاد، يوجد في نفس البلاط المبلط به المسجد النبوي يوجد دائرة سوداء مكان البئر الذي كان لأبي طلحة، هم وضعوا هذه الدائرة عمدا بما يوازي مكان البئر الذي كان.

هذا مثل بئر أريس، كان بجوار مسجد قباء بئر أريس، هذا له قصة الآن مع النبي صلى الله عليه وسلم وله قصة بعد ذلك، وبئر أريس هو الذي وقع فيه خاتم النبي صلى الله عليه وسلم من عثمان، وهذه القصة أخرجها البخاري أيضا في الصحيح، كان للنبي صلى الله عليه وسلم خاتم، ثم أخذه الصحابه واحد تلو الآخر حتى وصل إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، فكان على بئر أريس فوقع منه، فحاول كل المحاولات عثمان رضي الله تعالى عنه أن يستخرج الخاتم من البئر فما استطاع، حتى أظنهم نزحوا ماء البئر وفعلوا وفعلوا لكنه ما استطاع أن يأتي بالخاتم الذي سقط في بئر أريس.

بئر أريس إذا هو واحد من الآبار التي كانت في المدينة، والمدينة كانت كثيرة الآبار، والبعض يصطلح يسميها الآبار النبوية، بمعنى أن لها يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم زارها أو شرب منها أو كذا. وهذا باب يعني أو موضوع اللي هو الآبار هذه التي كانت في المدينة كان لها فعلا قصة مع النبي صلى الله عليه وسلم.

بئر ذروان الذي هو كان له علاقة بسحر النبي صلى الله عليه وسلم لما سحره لبيد بن الأعصم اليهودي، وهناك آبار أخرى لها علاقة بالنبي صلى الله عليه وسلم على أي حال، هناك بئر السقيا وغيره.

هذا بئر أريس جاءه النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قبل ما يعني ننتقل إلى البئر خلينا ناخذ عبارة أبي موسى الأشعري لما قال: لألزمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكونن معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد.

إيش معناه؟ إيش ناخذ من هذه؟ أول مكان يبحث فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم المسجد. يعني لنا أن نقول: أين المكان الأساسي الذي يمكن أن تجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في غير وقت الصلاة؟ المسجد.

المكان الأساسي الذي تجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في غير وقت الصلاة، ومن باب أولى طبعا في وقت الصلاة هو المسجد مكان الصلاة، لكن حتى في غير وقت الصلاة، لأن هذا أبو موسى رضي الله تعالى عنه قال: لألزمن رسول الله يومي هذا، فاذهب إلى المسجد أول شيء.

يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم، المسجد كان المحور، كان المركز، كان المدار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، يجتمعون فيه، الدروس والخطب بطبيعه الحال والمواقف المتعددة، والكلام بين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كان فيه، أهل الصفة بعض الوفود تأتي يستقبلها في المسجد صلى الله عليه وسلم.

واحد صحابي مثلا ما عنده بيت ولا شيء ممكن يروح ينام في المسجد، وقصص وأحوال، مر أسير وأسيرة كما في صحيح البخاري، ثمامة بن أثال قال: فرابطه النبي صلى الله عليه وسلم في سارية المسجد أو ربطوه في سارية المسجد، وهذا كان سييدا من سادات نجد، كان يرى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة يصلون وكان ياتيه النبي صلى الله عليه وسلم كل يوم في في الأسر، قل له ما عندك يا ثمامة؟ قال: عندي خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسلني منه ما شئت.

فيتركه النبي صلى الله عليه وسلم مقيدا، يأتي اليوم الثاني، ما عندك يا ثمامة؟ قال: خير، إن تنعم، أن تقتل تقتل ذا دم، ترى دمي ما هو يعني سهل يعني في وراء من يطالب، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسلني منه ما شئت.

ياتي اليوم الثالث، قال النبي صلى الله عليه وسلم: اطلقوا ثمامة، وهذا دليل على جواز إطلاق الأسرى وإن كانوا محاربين وإن كانوا مقاتلين، دون فدية ودون مقابل، وهذه واحدة من التصرفات في الأسرى، فذهب فاغتسل ثم جاء فقال: يا رسول الله، إنه لم يكن على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، وأن وجهك اليوم أحب الوجوه إلي. وأسلم ودخل في دين الله سبحانه وتعالى.

الشاهد أن هذا حدث من أحداث في المسجد، والوفد النصارى الذين أتوا من نجران كان أيضا في المسجد، والذي كان يعني المسجد هذا كان جامعاً وكان مجمعاً عظيماً.

الشاهد أن أبا موسى الأشعري لما أراد أن يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ليلزمه ذلك اليوم، أول ما ذهب ذهب إلى المسجد هو المكان الطبيعي الذي يجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الضحى في الظهر في العصر في المغرب، هو المجمع هو المكان. فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم فيه وسأل عنه، فقالوا: خرج ووجه ها هنا.

ها هنا هذه أي جهة؟ أكيد جهة البئر، عارف من جهة البئر، رايح أي جهة؟ يعني أنا ما أسألك أنه جهة البئر، أكيد جهة البئر، جنوب جهة الجنوب، لأن قباء جنوب المسجد النبوي، والبئر عند قباء.

جنوب اللي هي قبلة، قبلة المدينة وين؟ جنوب، قبلة المدينة جنوب وجبل أحد شمال، عكس القبلة، خلاص كذا دائما هذه تبي تعرف الاتجاهات في المدينة: قبلة جنوب وجبل أحد شمال، سهل جدا المدينة في معرفة الاتجاهات.

قباء في وجه القبلة تماما، بضع كيلومترات، بضعه كيلومترات يذهب إليها الذاهب ومشيا في حدود الساعة تقريبا، يعني مشيا على الأقدام ما بين المسجد النبوي وقباء إذا ليس بعيدا يعني. فقالوا: خرج وجهها هنا، يعني أشاروا إلى الجنوب، ذهب أبو موسى.

موسى الأشعري رضي الله عنه تتبع، أن قالوا دخل في هذه المزرعة أو المكان الذي فيه، إيش؟ بئر عريس. اختار أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه أن يكون بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني هذا نوع من الخدمة، وكان الصحابة يتلذذون ويتسابقون في خدمة المصطفى صلى الله عليه وسلم، كان يعني، وهذا أيضا قصة يعني فيه أنواع خدام النبي صلى الله عليه وسلم؛ منهم من كان متفرغا للخدمة، ومنهم من كان يعني بحسب وجوده، ومنهم من كان، ومنهم من يعني يأتي، مثل هذا أبو موسى، عشان الآن يعني مثل هذا اليوم، أنه اليوم أريد أن ألازم النبي صلى الله عليه وسلم، وكانه يعني وجه أساسي من الملازمة في الخدمة، ومنهم من كان يختص بنوع من الخدمة، مثلا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كان يحمل نعلي الرسول صلى الله عليه وسلم دائما، وهكذا يعني كل واحد من الصحابة رضوان الله تعالى له نوع من الخدمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

شاهد؛ جاء أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، وجد النبي صلى الله عليه وسلم عند البئر، وقال: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه ذلك؟ في روايات يعني أكثر من رواية تحتاج إلى تحقيق، لكن هنا هذه الرواية التي في البخاري يفهم منها إيش؟ أن هو البادر: لأكونن بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فأوقفه أبو موسى ليستأذن من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانه يعني حتى هو الذي بادر أن يكون بواب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كانه فهم من الجو، من المشهد، من طبيعة انفراد النبي صلى الله عليه وسلم، هنا كان أبا موسى فهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد أن يبقى منفردا، بمعنى كانه فهم أنه لا ينبغي أن يدخل أي أحد على النبي صلى الله عليه وسلم، واضح الفكرة؟

ومن هنا أوقف أولا أبا بكر، من قال على رسلك؟ أو أبو بكر قال على رسلك؟ ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن منه، فقال أذن له وبشره بالجنة. هذا التصرف وهذا الفعل يدل على أنه فعلا النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يريد أن أي أحد يدخل عليه، صح؟ لأنه كان ممكن إيش يقول له؟ أي أحد يأتي من أصحابه فأذن له مثلا، صح ولا لا؟ أو كان يقول له يعني ما في داعي مثلا كذا خلاص، صح ولا لا؟ لكن بما أنه كان يستأذن من أبي بكر، يقول أذن له ثم يرجع، معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقره على هذا الفعل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كانه يريد حالة من الانفراد، أو من السكينة، أو من أيا كان يعني، أن كانها يعني كان هذا الموقف من مجموعة يدل، نعم، أن النبي صلى الله عليه وسلم يريد، لا يريد أي أحد الآن في هذا الموقف.

فلما جاء أبو بكر، طبعا مجرد مجيء أبي بكر، معناه إيش؟ هؤلاء الذين كانوا يلازمونه في ظله؛ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، يعني ما تأخروا، هو الآن، هو ما طلبهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتوا، جيد، أبو موسى هو اللي قرر في ذلك اليوم أن يكون له ملازمة خاصة، بس هذه الملازمة الخاصة الاستثنائية من أبي موسى هي اليوم العادي في حياة أبي بكر، هي اليوم العادي في حياة أبي بكر، هو الآن هذا يوم خاص في حياة أبي موسى، بس هو يوم عادي في حياته؛ لأنه هو لما راح أبو موسى بعد العنوان الذي وضعه: لألزمن رسول الله يومي هذا، ما جلس شوية إلا على طول أبو بكر جاي، بعدين عمر جاي، بعدين عثمان جاي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

إذا له، أئذن له، أو أئذن له وبشره بالجنة. ذهب أبو موسى يقول لأبي بكر: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأذن لك ويبشرك بالجنة. وليس هذا المقام الوحيد الذي بشر فيه أبو بكر بالجنة، ولا المقام الوحيد الذي بشر فيه عمر بالجنة، ولا المقام الوحيد الذي بشر به عثمان بالجنة، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

دخل أبو بكر، وأبو بكر ماذا يفعل؟ النبي صلى الله عليه وسلم هو يفعل، جاء جلس نفس الجلسة عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، ودلى ساقيه في البئر وكشف عن ساقه، نفس ما كان فعله النبي صلى الله عليه وسلم. هنا كشف الساق؛ هل هو تعبد؟ النبي صلى الله عليه وسلم هل كشف عن ساقيه في هذا المقام تعبدا أم جبلة وارتياحا؟ جبلة وارتياحا، صح ولا لا؟ يعني ليس عبادة معينة، يعني مثلا الآن لو في أحد يريد أن يجلس على البئر، هل يقال إن من السنن والعبادات أن تدلي رجليك أو ساقيك في البئر وتكشف عنها؟ لا، ليس من السنن في ذاتها، ليس من العبادات أقصد في ذاتها، لكن فعل فعله أبو بكر إيش؟ محبة، محبة.

طيب، سؤال؛ هل يشرع أن يفعل الإنسان اليوم مثل هذا الفعل محبة؟ نعم، يعني تدلية الساقين في البئر ليست عبادة في ذاتها، لكن إذا واحد جى جلس على البئر قال: والله احنا ذاك اليوم خذنا الحديث في صحيح البخاري، يا اخي أنا أحب أن أفعل مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ودلى ساقيه عليه كشف عنها، هذا يشرع له ويثاب على محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفعله مثل هذا الفعل من باب المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، واضح الفكرة؟ واضح.

وأبو موسى يتمنى الخير لأخيه، أن يريد الله أن يريد الله بفلان خيرا يأتي به، أن يريد به خيرا يأتي به، فأت اتى أخاه في هذا اليوم أن يكون من الوافدين على المصطفى صلى الله عليه وسلم، طبعا له إخوان أبو موسى اللي هم أبو رهم وأبو بردة رضي الله تعالى عنهما.

ثم جاء عمر رضي الله تعالى عنه ونفس الشيء بشره بالجنة، ثم جاء عثمان فبشره بالجنة على بلوى تصيبه، وهذا فيه شيء من دلائل النبوة، فيه شيء من دلائل النبوة. وما أصاب عثمان رضي الله تعالى عنه من الفتنة في آخر زمانه من الذين خرجوا عليه وقتلوه، فقتل شهيدا صابرا محتسبا، متذكرا قول النبي صلى الله عليه وسلم: على بلوى تصيبه، متذكرا هذا الأثر أو هذا الحديث من المصطفى صلى الله عليه وسلم. هذا مشهد من المشاهد، طبعا ما الذي دار بينهم؟ ما الذي قال؟ لم ينقل قل لنا أبو موسى الحديث التفصيلي، وإنما نقل لنا المشهد الذي كانوا عليه.

قال سعيد بن المسيب، وقد سمع هذا الحديث من أبي موسى، وكان سعيد صاحب فراسة، قال: أولتها قبورهم، أنه إيش؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالس وبجواره أبو بكر وعمر وعثمان، لما جاء ما وجد مكان في نفس الصف فجلس أمامهم في الجهة المقابلة، وهذا مشهد قبور، قبور النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، بمعنى أنه دفن معه أبو بكر وعمر بجواره، وعثمان دفن، دفن في البقيع مقابلا لهم. طبعا هذا هذه التقاطة عجيبة يعني، أنه سعيد بن المسيب التقط من هذا المشهد الذي في الحياة مشهدا سيقع بعد، لم يقع حينها، وإنما التقط منه الشكل الذي صار عليه الحال، وهذا باب من أبواب الإشارة، يعني لا ينبغي الخوض فيه إلا لأهل العلم والبصيرة، العلم والبصيرة.

نسأل الله أن يصلي ويسلم ويبارك على عبده ورسوله محمد، وهنيئا ثم هنيئا ثم هنيئا لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ما ظفروا به من صحبته، ومن الذهاب معه والمجيء معه، والدفاع عنه والسفر معه، والالتفاف حوله، والصدور عن أمره، وملاحظة أحواله في السلم والحرب، وفي السفر والحضر، وفي الرغبة والرهبة، وفي الخوف والأمن، فأصابوا من الفقه في الدين ما لم يصبه غيرهم، وعلموا من أحواله ومن طريقته ما لم يعلمه، ما لم يعلمه غيرهم، ولذلك كانوا أرشد هذه الأمة رأيا، وأصوبهم وأسدهم قولا، وكانوا أكثرهم معرفة بالفقه في الدين؛ لأن الفقه في الدين لا يكتسب بمجرد نصوص من الدين تحفظ، وإنما بمعرفة للهدي العام، وهذا الهدي العام أكثر ما يكتسب بالمصاحبة، وأنت ترى ذلك في شأن حياتك، أنك إذا صحبت انسانا تدرك من أحواله ومن هديه ما لا تدركه بما ينقل لك عنه، فهم صاحب فأدركوا من هديه ما لم يدركه من بعدهم، وهذا كان من أهم الفروق بين الصحابة وبين الخوارج الذين كانوا في وقت الصحابة في آخر زمنهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ أخذوا النصوص، نصوص الخوارج، أخذوا مجموعة من النصوص وتعاملوا معها بحدية معينة، الصحابة كانوا اخذوا الهدي الشمولي، ولذلك لما جاء ذلك الخارجي وانتقد أبا برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه حين اخذ يتتبع حبل دابته التي كانت تفر منه وقت صلاته، فلما تصرف أبو برزة رضي الله تعالى عنه ليمسك دابته، اخذ الخوارج الذين كانوا في الضفة المقابلة للنهر ينتقدونه على هذا الفعل، فقال: صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع غزوات أو نحو ذلك، فشهدت تيسيره، شهدت تيسيره، وهذا كان شهودا بمعنى الهدي العام، والإدراك للهدي الكلي للمصطفى صلى الله عليه وسلم.

وحري بمن تتبع الهدي الشمولي للمصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن وقف مع السيرة المجملة والهدي المفصل في مختلف الأبواب للدين، مع صدق في التوجه إلى الله سبحانه وتعالى، ورجاء في لقائه وفي اليوم الآخر، وكثره ذكر لله سبحانه وتعالى ومحبه للنبي صلى الله عليه وسلم، حري بمن جمع هذه الخلال أن يصيب من الرشد في معرفة هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم ما لم يصبه من لم يجمع هذه الخلال، لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا.

نسأل الله أن يجمعنا بالمصطفى صلى الله عليه وسلم في عند حوضه وفي جنته، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجبر قلوبنا ومصابنا بعدم صحبته في هذه الحياة الدنيا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يدافع عن هديه وسنته، ويقف بنفسه وبعلمه وبفكره وبقوله في الدفاع عن سنته أمام من يغلو فيتجاوز حدود ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأمام من يقصر دونها فيدفع شيئا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأخذه، وقبل ذلك أمام من يسلط سهامه على سنة النبي صلى الله عليه وسلم مشككا فيها أو هادما أو مريدا لهدم حجيتها أو طاعنا في شيء من هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم.

فليكن يا عمر قول أحدنا تجاه هؤلاء ما قاله أبو طلحة يوم أحد رضي الله تعالى عنه، إذ قال: يا رسول الله نحري دون نحرك، ولنقل نحن كذلك؛ نحورنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، دون ميراث النبي صلى الله عليه وسلم، دون منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، أن يتسلق المتسلقون، أو يتسور المتسورون، أو يقفز السفهاء، أو يرمي الطاعنون إلى هذه السنة وإلى هذا المنهاج هدما أو تشكيكا أو نسبة إلى ما لا يصح وما لا ينبغي وما لم يكن عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فليقف أبناء هذا الجيل ممن يريدون إحياء منهاج النبوة، فليقفوا بنحورهم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، مدافعين مسددين بأقوالهم وبأعمالهم ما يوافق هذا الهدي وما يدفع عنه غلو الغالين وتقصير المقصرين.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا كذلك وأن يثبتنا على ذلك حتى نلقاه صلى الله عليه وسلم عند حوضه مقبلين غير مطرودين عن حوضه صلى الله عليه وسلم. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.