تسجيل الدخول

صمّام أمان | المجلس العاشر "كيمياء الجماهير (2)"

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.

طيب، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أكمل أيها الإخوة القسم الثاني من هذه من هذا المجلس، وأنا طبعا نذكركم هذا المجلس قبل الأخير، وإن شاء الله يوم الأربعاء يكون المجلس الأخير من هذه الدورة الطيبة المباركة، نسأل الله التوفيق والسداد.

نتحدث عن خصائص الجماهير؛ فالخصيصة الأولى التي تكلمنا عنها كانت هي سرعة الانفعال، والخصيصة الثانية كانت الكلام عن سرعة التصديق لما يقال لها، والخصيصة الثالثة هي أن عواطفهم وإن كانت تبدو لك بسيطة أو يحركها أشياء بسيطة لكنها تكون ضخمة ومتطرفة حتى ليس فقط ضخمة.

أي رابعا أيها الكرام، من خصائص الجماهير هي قضية التعصب والاستبداد، يعني لو سالتك أنت هل تعتقد أن الجماهير هم أناس يعني رحيمون هينون لينون، ولا الجماهير أصلا هي أناس في تكتلها عندها نوع من التعصب لأنفسها والاستئثار والاستبداد؟ قد يظن البعض للوهلة الأولى لأنه هو من الجمهور أن الجماهير طبيعتها أناس رحيمة رفيقة لينة، ولكن في الحقيقه لا، الجماهير عندها نوع من التعصب حول ذاتها ومستبدة بقراراتها، ولذلك تجد كل جمهور وكل طائفة معينة تتقوقع حول نفسها وترفض الاختراق وتسعى قدر المستطاع أن هي تبسط نفوذها وتخضع الآخرين، لذلك الشعوب والجماعات والأفكار أصحابها متعصبون لها مستبدون لها.

ومن هنا، إذا قد استقرانا التاريخ حتى التاريخ الحديث، أكثر الدول نجاحا كانت أو قوة في التواريخ الحديثة هي الدول التي كان يحكمها مستبدون، يعني الدول الأكثر متانة التي كان يغلب عليها النفس أحيانا القوة وعدم وجود المساحة الكبيرة للشورى والآراء المتعددة، ولذلك الناس تعظم، بالنسبة مثلا لألمانيا ايش وجهة نظرهم في هتلر؟ فوق جدا، يعني الألمان يضعون هتلر فوق الرؤوس، مع أنه أنت شايف كم كان مستبد وكم كان سبب في قتل الكثير من الملايين، لكن وجهة نظرها في النهاية أنه قائد عظيم، كذلك نابليون كاسماء يعني تعتبر اسماء كبيرة.

فالناس في المقابل إذا رات قائدا رحيما زيادة عن اللزوم شو وجهة نظرها فيه؟ ضعيف، إش القائد هذا اللي بيتعامل مع الناس أنه بالرحمة وباللين، ويا جماعه طيب خلينا نتفاهم مع بعض، طب طب سيدي الشيخ، هذه يعني هذه قيادة هي ما يصلح فيها، خلينا نتفاهم وكذا والحوار وتوسيع نطاق الشورى بشكل كبير، لذلك يقولون: أي الدول أكثر نجاحا فعليا، الدول الملكية ولا دول الجمهورية؟ الدولة الملكية أكثر استقرارا، أنت ماشي قد تقول لي انه في دولة ملكية زالت ودول جمهورية استمرت، لكن ستجد أن الدولة الجمهورية قد تكون جمهورية من حيث الشكل، لكن في النهاية هناك شخص ملكي فيها، يعني هو اسمها جمهورية بس في شخص هو دائما الناجح هو دائما على رأس الهرم عمره ما بينزل عن الكرسي، فهذه ما عادت أصلا جمهورية يعني هذه اسمها جمهورية بس هي مبطنة بملكية.

فالدول التي تتسم بالملكية هي الأكثر قدرة على الاستقرار، ليه؟ لانه فيها حسم، بينما الدول التي تعتمد على الأنظمة البرلمانية بشكل موسع جدا ويكثر فيها الشورى لمساحة غير منطقية تهترئ وتذبل، لأنه أنت تعرف شو معنى انك تعطي الشعب مساحه كبيرة حتى يدلو بأرائهم، وأنه أنت كحاكم ما بتستطيع تتخذ قرار حتى تسمع من كل الأطراف والكل له مساحة يعطي رأيه ويبدي، معناتها ما في دولة، أنا أي قرار بدي اتخذه بدي أسمع آراء الجميع وأتهيب أن اتخذ قرار دون الشورى الموسعة، ومتى دخلت الشورى الموسعة الزائد عن حدها في نظام هلك، هلك، ما يمكن يصلح هذا النظام، لأن الشعوب تحتاج إلى حزم.

طبعا النظام النظام الإسلامي، النظام الذي يدعو إليه الإسلام، هو نظام مستقر، الإسلام لا يدعو للنظام الجمهوري، ما عندنا فكرة النظام الجمهوري اللي هو الخليفة المسلم كل ما يلا الناس بعد أربع سنين شكنا نغير عمر بن عبد العزيز نجيب واحد ثاني، ما في عنا هذه، الرجل ينتخب من أهل الحل والعقد، وإذا تم وضعه ويقوم بالممارسات الشرعية المطلوبة لا يجوز نزعه، ويستشير ضمن مساحة معينة ينه وانتهينا، هكذا يستقر نظام الحكم، أما لأن طبيعة الشعوب متمردة (وهذه من خصائصها الشعوب إذا أتيحت لها المساحات كل شخص يعني كجماهير بدها تمشي ما تحبه ما تهواه ما في ذوقها ما في آرائها).

ولذلك ماذا قال سيدنا عثمان في الأثر الصحيح: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقران، يعني مش كل الناس يزعوا هذا عن المنكر، قال الله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا، في ناس الوعظ والتنبيه ويا اخوي ويا ابني ما بمشي معاه، في ناس بيمشي معه قائد متنفذ قوي صارم بقول بتمشوا هيك بتمشوا هيك يضبط البوصلة ويمنع النفوس المتمردة ورغبات النفوس وأهواءها من أن تسطو على السطح العام.

لذلك عليك أن تفهم أن الجماهير، يعني أي مجتمع أو بيئة دعوية أنت بتقودها في حياتك إن شاء الله، بيئة مركز ولا بيئة جماعة ولا بيئة افراد، بل حتى أسرتك، تخيل أسرة الأب ما بيتخذ فيها قرار إلا بده يسمع رأي زوجته وأولاده والجميع، هسه الزوجه مهم تستشيره فيما يتعلق بحياتها من آراء أو الحياة الأسرية عموما، لكن أنت كأب ما لك قدرة على انك تستأثر بحكمك، في النهاية إذا أنت لست سيد البيت الرجال قوامون، من القوامة أني أكون أنا صاحب القرار النهائي، وأنه أنا أوظف الشورى في المكان الصحيح، المواضيع التي احتاج فيها أن استشեր النساء استشيرها، في المواضيع التي قد لا تكون من شانها أنا أحيانا قد اتخذ قرار، أنا ليس شرط إذا كبروا أولادي في أي موضوع لازم استشيرهم في قرارات ستؤخذ حتما لأنني أرى بالخبرة والحياة أشياء لا يرونها، أما إذا دائما الشورى تكون موزعة بيفرط المنزل، بيفرط فرط المركز القرآني، بتفرط الجماعة، وفي النهاية الناس تحب أن تبدي أرائها وأن تمشي مواضيعها ويزعل إذا ما اخذ رأيه، طب أنا ماذا سافعل هكذا لن يقوم لنا قائمة.

فلذلك عليك أن تفهم أن الشعوب بطبيعتها عندها نوع من الاستبداد وأنها ليست رحيمة، يعني ليست بطبيعتها تجنح إلى الرحمة واللطف، لا، تيارها جارف، فبدك تكون أنت كحاكم أو كمسؤول تمتلك القوة والحسم وأحيانا يعني بدك شوية تتخفف من سماع رأي الجماهير لمرحلة معينة، قد أفرض رأيي على بيئة معينة وسامحوني أنا ما استشرت أو استشرت اثنين ثلاث فقط يكفي، لكن لو فتحت بالاستشارة العامة، لا، يعني كما يقولون هلكت الجماعة.

طيب، النقطه الخامسه: الجماهير تتحرك وفق قضايا عامه يتم تغذيتها تجاهها وإن كانت هي لا تفهمها تفصيليا.

علماء الاجتماع درسوا طبيعة الجماهير، فوجدوا أن الجماهير بغض النظر شو هو الموضوع (عقدي، سياسي، اجتماعي) مدى استيعاب الجماهير للأفكار اللي هي متبنيتها يكون استيعاب سطحي في العادة، وفقط 10% إلى 20% بغض النظر، لكن ليس مستوى كبير هو الذي يكون يفهم المواضيع التي يتبنونها فهما عميقا دقيقا.

يعني لو اجيت الآن على جمهور من يتبنى عقيدة السلف من أهل الحديث، كم عدد الناس في هذا الجمهور الذين يعرفون تفصيليا طبيعة هذه العقيدة؟ لا يتجاوز ربما 10%، لكن جماهير الناس خلص بتقول: نحن على عقيدة أهل الحديث فطرة، بس في الواقع هي لا تعرفها تفصيليا، وقص على ذلك كثير من القضايا التي يمكن الجمهور يقاتل من أجلها ويموت في سبيلها قد تجده في النهاية قبل ما يموت تعال اساله أنت وين رايح تموت، أنت عارف القضية تفصيليا؟ بقول لك: لا بس أنا عارف أنها قضية شريفة هذا أكثر ما أعرف عنها أو أعرف أنها رؤوس أقلام.

إذا عليك أن تفهم أن الجماهير أحيانا، وأنا ماذا سأستفيد من هذه القضية، قد لا تطالب بالفهم العميق لكثير من الجزئيات، يعني لا تظن أن الحركة بالجمهور تحتاج أن يكون الجمهور مستوعب بعمق بعمق لكل تفاصيل القضية التي يناضل من أجلها، يكفي أنه يعرفها معرفة عامة جملية، وأن يحفز عليها من أجل أن يفعل وأن يرفع بها وأن يجاهد ويقاتل في سبيلها.

أما لو اردت تنتظر حتى يكون الجمهور عموما يعرف عقيدة السلف بالتفصيل، ربما تموت أنت ويموت أجيال بعدين والجمهور لسه كما هو، فلا ترفع سقف طموحك في مدى استيعاب الجمهور للقضايا التي تطرحها عليه، لا، بدي أرضى أن الجمهور يفهم الفكرة فهما عاما، واللي فيهم بيتجاوز لما هو أعمق جزاه الله خيرا، واستطيع أن اتحرك بهم وفق هذا الفهم العام دون أن أنتظر الدخول في التفاصيل، لأنه قد تمر أجيال وأجيال ولسه الشعوب والجمهور لم يستوعب تفاصيل هذه القضايا، فلا يرفع السقف كثيرا في مدى استيعاب الجماهير.

طيب، سادسا: الجمهور إخواني، إذا تكاتف على قضية ما يصبح تيارا جارف.

هذه من خصائص الجماهير أنها جارفة عاصفة، طب هذه ايش أثرها؟ فنقول: الانفعالات التحريضية المختلفة التي تخضع لها الجماهير يمكنها أن تكون كريمة أو مجرمة، بطولية أو جبانة.

يعني الآن أنا يمكن أوجه الجمهور نحو عاطفة فيها كرم وأخلاق، ويمكن أوجهه بعواطف نحو الجرائم والسرقة والزنا والفواحش، ممكن، ممكن تخليهم يصنعوا أشياء بطولية وممكن تخليهم يصنعوا أشياء في قمة الجبن والخور، على حسب العقيدة التي أنت تغذيها فيهم، لذلك قلنا وذلك بحسب نوعية المحرضات.

ولكن بغض النظر، أنت جعلت كريمة ولا مجرمة، بطولية ولا جبانة، سوف تكون دائما الجماهير قويه في قناعاتها، قوية أقصد في في الممارسه، يعني هي كما قلنا قبل قليل لن تستوعب الأمر تفصيليا، لكنها قادرة أن تموت من أجله، وقادرة أن تشكل تيارا يخلع كل ما يقف في طريقه.

دائما بذكروا هنا الاستاذ بولوم وغيره بيذكر قضية الثورة الفرنسية وكيف كانت الثورة هائجة لما الجماهير تم استثارتها على الكنيسة وعلى رجالات فرنسا وكيف كانت الثورة الفرنسية بداية حياة وعهد جديد ليس فقط لفرنسا بل لكل أوروبا بما دعت إليه، كيف أن الجماهير صنعت طوفانا لم يستطع أي شيء أن يقف في وجهه، إلى درجة أنه يمكن للأفراد الذين يخضعون للعقل الجمهوري أن يضحوا بأنفسهم من أجل هذه الأفكار.

وهذا نحن بالنسبة للإسلام، مفهوم الجهاد في سبيل الله والشهادة في سبيل الله، هل الجنود الذين قتلوا في سبيل الله عبر التاريخ الإسلامي كانوا كلهم علماء؟ لا، بل يعني 99% كانوا من العوام، لكنهم عوام من جمهور عام يمتلكون تصور عام عن عقائد الإسلام، مش علماء بالتفصيل، لكنهم عاشوا من أجل قضية الإسلام ودفعوا حياتهم ثمنا من أجلها بكل رضا وبكل سرور وبكل انبساط، فاذا الجمهور تيار جارف.

ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يدرك هذه القضية، ففي غزوة حنين مثلا كيف النبي صلى الله عليه وسلم حرض الصحابة، بتعرفي في بداية غزوة حنين وقع الصحابة في الفخ ففزعوا وذهبوا ذات اليمين وذات الشمال، فالنبي صلى الله عليه وسلم طلب من العباس أن ينادي: يا أصحاب سوره البقرة.

هذا النداء ماذا فعل؟ سورة البقرة فيها معاني التحريض على الجهاد والقاتل والثبات والصبر الكمية الكبيرة الهائلة، فهذا النداء التحريضي يا أصحاب سورة البقرة أعاد شكل الجمهور مرة أخرى وأعاد الصحابة بكل طاقتهم لاجتثاث الكفار أمامهم.

لاحظ أن هذه الكلمه التحريضية يا أصحاب سورة البقرة، يا أصحاب السمرة (السمرة اللي هي بيعة الرضوان اللي بايعوا تحتها)، يا أصحاب السمرة عملت نوع من التحريض، خلت الخايف والهارب يرجعوا يلملموا حالهم ليشكلوا قوة ضاربة من خلال هذه الكلمة التي فعلت في داخلهم ما فعلت من التحريض، إذا الجمهور إذا تجمع شكل قوة لا يمكن الاستهان بها.

وهذه كما أنها نقطة إيجابية هي مخيفة من جانب آخر، ما هو هذا الجانب؟ يقولون في قواعد علم الاجتماع: أفراد الجمهور الذين يمتلكون شخصية قوية جدا تمكنهم من مقاومة المحرض هم ذو عدد ضئيل، وبالتالي فإن التيار الجمهوري بدنا نسميه يجرفهم معه، وكل ما يستطيعونه هو محاولة تحويل الانظار باتجاه آخر عن طريق تقديم اقتراح مختلف نوعا ما.

أحيانا أنت بتكون ضمن جمهور، قلنا الجمهور بطبيعته يشكل تيارا جارف، هل أنت تستطيع أن تقف عكس التيار؟ أنا الآن أنتمي لجمهور معين (جماعة إسلامية، مجتمع، عشيرة)، العشيرة اتخذت قرار بسبب تحريض أننا بدنا نغزو العشيرة الثانية، بيطلع واحد في العشيرة هيك عاقل وزلمه: يا شباب، خلينا نهدى.

هذا الرجال شو بيصير في اللي بحكي خلينا نهدى؟ بتكون السيارات طلعت عليه وهو لسه بحكي خلينا نهدى، تمام؟ ليه؟ لأنه الجمهور جارف، فإذا أنت كنت ضمن هذا الجمهور وحاولت تكون عقلاني وتحاول تهدي النفوس ضمن لحظات التحريض تجد أن قوة ضغط الجمهور أعلى منك ممكن تجرفك، يا أنك بتروح تحت الأقدام، يا أنه أنت خلص بتغير قناعاتك وبتقول: يا عمي أنا معكم، شو اللي بدكم إياه بسوي وبتمشي مع الجمهور.

لذلك قدرة الإنسان اللي يعيش ضمن جمهور ما أن يقف عكس التيار صعبة، ولذلك كما قلنا هذه تدل على عظمة الصحابه وعظمة كل أناس ينتمون في مجتمع أو بيئة ولكنهم يكونون أقوياء لكي يقفوا في وجه هذه الجماعة أو البيئة أو الجمهور الذي ينتمي إليه، لأنك أنت تقف ضد ناسك ضد جماعتك وبتحاول تقولهم لا، هذا التصرف خطأ، وأنت تعرف أن هذا تيار جارف ربما ياخذك بعيدا ويدوسك وربما تموت وأنت تحاول أن تدافع.

ولذلك: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى، قال يا قومي ايش، يعني يا جماعتي، يا عشيرتي: اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، أراد أن يقف ضد التيار، التيار كان ضد المرسلين، هذا النجار اللي كان جاء من أقصى المدينة قال: يا قومي اتبعوا المرسلين، اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون، وما لي لا أعبد الذي فطرني واليه ترجعون إلى آخر الآية، ايش فعل به هذا التيار الجارف؟ قتلوه.

ما رحموه مع أنه منهم ومن عشيرتهم. هو بس جاي يصلح لهم خطأ، يا جماعة هؤلاء المرسلون أتونا ليدعونا إلى الله، عاد ليش بدكم تقتلوهم؟ اتبعوهم، بس لأنه نصحهم، هي النصيحة التيار جرفه. قال بعدين هو في الجنة: يا ليت قومي يعلمون، لسه بيحب قومه ويتمنى لهم الهداية، يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي. فبدك تنتبه، ما كنت عقلاني، وقوفك أمام الجمهور وضده سيكون له ثمن سيدفع. إذا أنت مصر أن تقف وجه الجمهور، سيكون له ثمن سيدفع، فإذا كنت واثق بقضيتك وأنه لازم أدفع ثمن التغيير، فزاك الله أجر المجاهدين وأجر الشهداء، لأنه في العادة ممكن تموت أو على الأقل يمكن إقصاؤك من هذه الجماعة.

تمام، يعني عارض في جماعتنا الجماعات الإسلامية المعاصرة، إذا في شخص بدأ يخالف أفكار الجماعة ويقف ضدها، هو ما بده يطلع منها بس هم طلعوه، يعني بدون، حتى لو ما بدك تطلع يتم شطب اسمه من الجماعة أو إقصاؤه تماماً. السبب أنك تقف ضد رؤية الجماعة، فإذا قوة الجمهور الجارفة كما أنها مفيدة في مساحة معينة، لكنها في نفس الوقت مخيفة في اتجاه آخر. لكل من يريد الإصلاح عليه أن ينتظر الصعب، وعليه أن ينتظر كما قال ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ليتني أكون فيها جذعاً إذ يخرجك قومك، فقال: أوَمخرجيَّ هم؟ صح، جمهوره قومه. أخرجه النبي صلى الله عليه وسلم، قال: لم يأتِ أحد بمثل ما أتيت به إلا عُودي. هكذا طبيعة الدعوات التي تقف بخلاف ذوق الجماهير، الدعوات التي لا توافق أذواق الجماهير في العادة يكون هناك احتكاك قوي جداً، فعاد أنت وصلابتك، أنت وقوتك، أنت وقدرتك على إدارة المشهد.

طيب، الآن عادة ما يتم وصف هؤلاء الأفراد الأقوياء الذين يقفون عكس رغبات الجماهير، عكس التيار الجارف، عادة الجمهور يطلق عليهم ألقاباً معينة، مثلاً أن هؤلاء شاذون. كفار قريش ماذا أطلقت على النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة؟ صابئون، صبأ، خرج، يعني خرج عن الأفكار والعادات والتقاليد، إنهم أشخاص غير عقلانيين. الشيخ العاقل الذي يقف ضد الجمهور يقول: يا جماعة تصرفكم غلط، الجمهور بيطلع عليه أنه غير عقلاني، بصير هو غير العقلاني في وجهة نظر الجمهور، ممكن يطلق عليه أن هؤلاء محاربون للعادات والتقاليد ولا يحترمونها، وإن كانوا في الواقع قد يكون هؤلاء المحاربون على درجة عالية من الوعي والصلاح، وما بيكرهوا مجتمعهم بل بالعكس بيحبوا هذا المجتمع أو بيحبوا هذه الجماعة، والله بدنا الخير لكم، لكننا نحن نعرف في وسط ما اعتاده الجمهور قليل من سيستطيع أن يرى الخير الذي ندعو إليه.

طيب، النقطة السابعة: الجماهير متقلبة المزاج تجاه القضية الواحدة. قليل من الجماهير من تمتلك عمق الأفكار، زي ما حكينا، صح؟ وقلنا أكثر الجماهير تؤمن بالأفكار بسطحية، إلا الجماهير التي تعرضت لتربية طويلة وعميقة، وهذه نعم يكون تجذر الأفكار فيها عالي. ولو أردنا أن نعطيك أمثلة على تقلب المزاج الجمهوري، جزيرة العرب باعتبارها جمهوراً عاماً في عام تسعة هجري كانت الوفود تدخل إلى المدينة معلنة ماذا؟ الإسلام. تعرفوا عام الوفود، العام التاسع من الهجرة بعد فتح مكة، والله قال: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. خلص، جزيرة العرب بعد فتح مكة خضعت للنبي صلى الله عليه وسلم، نحن بنحكي في عام كم؟ تسعة هجري. بعد سنتين بس، في عام 11 هجري بمجرد إعلان وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، ارتدت الجزيرة كاملة إلا ثلاث مناطق: مكة، المدينة، وقرية جواثا في البحرين. تخيل، الناس اللي دخلت في دين الله أفواجاً وهي الجماهير اللي خضعت للدولة المسلمة، بعد سنتين تخرج من دين الله أفواجاً! سنتين طلعت من دين الله أفواجاً، وأبو بكر اضطر أن يحارب المرتدين في جزيرة العرب. كيف انقلبت الحكاية؟ أن الجماهير إخواني لا يمكن الركون عليها، لأنها متقلبة المزاج، ويمكن عوامل تحريضية معينة تقلبها وتقلب تفاعلاتها مع الأحداث.

وبالتالي القائد الناجح لا يعتمد على الجماهير، وإنما يعتمد على القاعدة الصلبة التي يشكلها. النبي عليه الصلاة والسلام اعتمد على من في تحركاته بعد الله سبحانه وتعالى؟ على القاعدة الصلبة اللي شكلها في مكة، هؤلاء هم اللي ثبتوا في المدينة عند وفاته، وأهل مكة اللي عاشوا معه أيضاً ثبتوا في مكة. القاعدة الصلبة هي التي تستطيع أن تعتمد عليها بعد الله، لأنه أفكارها عميقة متجذرة، أنت ربيتها وشكلتها بإيديك. ومن الغفلة والسذاجة للأسف في بعض الخطابات الإسلامية الاعتماد على زخم الشارع والاعتماد على ضخ الجماهير، الجماهير لا، إياك إياك أن تؤمن بثقل الجماهير، يمكن الاستفادة من الثقل، الاستفادة بقول، لكن الاعتماد المستمر على زخم الجمهور هذا فشل في الدعوات وأصحابها. إذاً تخيل أناس كانوا مسلمين تسعة هجري، صاروا مرتدين 11 هجري، سنتين ما أخذ الموضوع! إيش اللي قلبهم؟ لأنه الأفكار غير متجذرة، هم آمنوا تحت محرض، إيش كان في محرض للإيمان؟ وهو الانتصار النبوي، هذا عمل حالة من الهيبة العامة في الجزيرة العربية، وبمجرد أن وفاة النبي عليه الصلاة والسلام زال هذا المحرض للإسلام، الأفكار ما كانت عميقة، فانقلبوا رأساً على عقب. فدائماً بتقول لك قواعد علم الاجتماع: الجماهير لا يمكن الاعتماد عليها، أنت ممكن تعمل محرضاً معيناً على مجموعة شباب يمشوا معك، إذا ما ربيتهم على عينيك أياماً وسنين وسنوات وتعبوا معك وخاضوا التجارب واستوت الدين في قلوبهم، هؤلاء الجماعة اللي أنت بس أعطيتهم درساً، ممكن شخص آخر يطلع يعطيهم درساً ثانياً يقلبوا عليك.

الجمهور الذين لا يمتلكون رسوخاً وعقيدة عميقة وتربية طويلة، لا يمكن الاعتماد عليهم إلا في تحت سطوة اللحظة الراهنة، يعني اللحظة الراهنة ممكن تغزو بهم البحار، بس ممكن بعدين ينقلبوا عليك. فلذلك الإسلام كان منتبهاً على أهمية تربية القواعد الصلبة وعدم الاهتمام فقط بالدعوة الجماهيرية، التربية تربية عميقة وليست تربية سطحية، التربيات السطحية تجعل الجمهور كما قلنا يبقى سطحياً وقابلاً للتغير.

طيب، نأتي الآن بعد أن انتهينا، خلصنا ملف خصائص الجماهير، تكلمنا عن سبع صفات فيهم، نأتي لطبيعة عقل الجماهير. بعد أن تكلمنا عن خصائصهم بشكل عام، بدي أدخل شوي في العقل، بدي إياك تفهم العقل تبع الجمهور كيف يتشكل، هناك قواعد معينة بدك تفهمها وتوظفها في حياتك الدعوية. أول شيء، الجمهور يميلون للأفكار الأكثر تبسيطاً، ويبتعدون عن الأفكار المعقدة. تمام، فالأفكار عموماً يقولون تستعصي على الجماهير، الأفكار تستعصي على الجماهير إذا لم تتخذ هيئة بسيطة جداً، ولذلك في علم الاجتماع يقولون: الأفكار الأكثر انتشاراً هي الأفكار الأكثر بساطة، الأفكار الأكثر انتشاراً وتجد لها قبولاً داخل جمهور معين هي الأفكار الأكثر بساطة.

بالتالي لما بدك تعطي دروساً في العقيدة أو تعطي دروساً في الفقه أو تريد تنشئ خطاباً دعوياً إصلاحياً، من الداعي الذي سينجح بعد توفيق الله؟ هو الداعي الأقدر على تبسيط الأفكار للجمهور. إذا بدك تضلك تتكلم مع الجمهور بنظرية أرسطو والحد الأرسطي وكلمة الجوهر والعرض والحد الأول والثاني، الجمهور بتقول لك شكراً يعطيك العافية، نحن مش فاهمين أصلاً إيش بتسولف يا شيخ، تمام. ولذلك بعض المشايخ قد يكون يملك الحقيقة وبيعطي محاضرات، بس الناس ما بتحب تسمع له مع أنه يملك الحقيقة، بينما شيخ آخر قد يكون مستواه بسيط وحكواتي يعني وكذا، ولكن أفكار ذاك الشيخ الآخر تنتشر أكثر وتبهر أكثر وتلمع أكثر، وأكيد هذا بتشوفوه في واقعنا المعاصر. بعض المشايخ في شنقيط ولا ببعض البلدان بزل بتابعهم في دروسهم 50، 60، 70 شخص، واحد من تبعون السوشيال ميديا اللي قارئ له كتابين بيتابعه 200 ألف و300 ألف! إيه أحياناً شو المشكلة بتكون؟ بيجي ذاك الشيخ شاك في نفسه، بيقول: معقول أنا غلط؟ معقول أفكاري غلط؟ يا أخي بصير عنده حالة نفسية، ليش الناس ما بتؤمن بأفكاري وتدريسي وتعليمي؟ ما هو تعال يا شيخ، تعال أنت شو بتعطيهم قاعد؟ ما هو إذا أنت بدك تضلك تحكي بألفية ابن مالك وأصول الفقه بما قاله القرافي والشاطبي، إيه في النهاية الناس، هي أفكار عالية ما رح تستوعب عليك، فبالتالي أفكارك لن تجد لها أذناً صاغية، بينما ذاك الشيخ اللي أنت بتشوف علمه بسيط ومش متعلم كثير، ليش الناس حبت أفكاره وانتشرت بشكل كبير؟ لأنه بيطرح أفكاره بشكل ماذا؟ مبسط يفهمه الناس.

طيب من النماذج المعاصرة حقيقة في التبسيط واللي كان يعني مبدعاً في هذا، الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه. الشيخ ابن عثيمين له سطوة كبيرة في العقود الماضية على كثير من أوساط أهل الحديث، تمام، بل حتى على غيرهم. والله من جلس مع منصفين أشاعرة، أنا في اعتقادي أبرز ما كان يميز الشيخ ابن عثيمين هي قدرته على ماذا؟ على تبسيط المعلومة، يعني ما كان يعتمد الفذلكة واستحضار الأسماء الكبيرة والقواعد العسرة، بل كان كل من عايش هذا الرجل والشيخ الفاضل يجد أنه كان يتكلم بلغة الناس، بلغة الناس البسيطة، تعطيه العقيدة باللغة السهلة اللي بيفهمها بآيات الكتاب والسنة بدون تعقيد للمشهد وتعقيد للعبارة وفلسفة واستحضار عبارات الإبستمولوجيا والكذا. وبتلاقي بعض المشايخ شاد على حاله في عبارات وكلمات، يا أخي الجمهور والله ما بده هذه المصطلحات، الجمهور بده الكلام البسيط السهل الذي يدخل القلب ويخاطب العقل برواق، هكذا تجد أفكارك مقبولة، وهذا مهم، الكلام بلغة عالية وفوقية، تكلم مع الناس باللغة السهلة التي يفهمونها، عندئذ سيقبلك الناس.

ولذلك القرآن الكريم، ما طبيعة أدلة القرآن الكريم؟ القرآن الكريم طبيعة أدلته هي الأدلة السهلة البسيطة الميسرة التي كان يفهمها حتى الأعرابي في باديته: أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ. وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ. وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ. واضح، يعني البعرة تدل على البعير، هذا واضح أنه يدل على وجود الله سبحانه، لو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. لاحظ كل الأدلة والحجاج القرآني، هل يعتمد على الصعوبة والعبارات المعقدة؟ أم تجد أنه أنت كإنسان مش متخصص في الشريعة قادر أن تفهم هذه الأدلة بشكل عام؟ طبعاً سحر القرآن في البيان ما هو، ذكرته في الأمسية السابقة، أن القرآن هذا إعجاز فيه أن أدلة القرآن الذي يريد أن يفهمها بشكل السطحي بيفهمها، واللي بده يتعمق فيها إلى عمق عميق جداً يستطيع أن يتعمق، بس أنا بيهمني أن الخطاب القرآني ما جاء للتعقيد ولم يأتِ لفذلكة الكلام، وإنما جاء للتبسيط والتسهيل، ولذلك تجد جميع القلوب تحب الخطاب القرآني. عمرك شفت واحد فاتح القرآن يا أخي بيقول لك القرآن صعب مش فاهم شيء منه؟ ما بتلاقي واحد متزن، مسلم، حافظ مفردات أنت مش فاهمها، لكن بشكل عام شاعر بالجمالية، وشاعر أنك تفهم الأصول ولو كنت غير متخصص في العلوم الشرعية. فهذه القضية عليك كداعية وكمؤثر أن تفهمها جداً جداً.

طيب، سأكمل هنا في هذا الموضوع. إذاً يقولون في عالم الأفكار لمن يريد أن يؤثر على الجمهور، أول خطوة أن تبسط الأفكار، ممتاز، أن تحولها من شكلها المعقد، يعني أنت كن شاطراً، شو ما كانت الفكرة معقدة في كتب العلماء، أنت كداعية حاول تبسطها وتسهلها وتقربها من خلال الأمثلة والنظائر والشواهد الحياتية حتى تصبح في متناول الجمهور العام. يقولون بعد التبسيط عليك بالتكرار، بدك أفكارك تنتشر في الجمهور، بعد أن تبسطها، لا تظن أن دورة واحدة ستجعل الجمهور يخضع لك، بعض الشباب يظن أنه من درس واحد، دورة واحدة، خلاص أكيد هؤلاء الشباب صاروا معي وعندي، لا أخي، الأفكار لا تزرع أو لا تغير الجمهور حتى لو بسطت من مرة واحدة. عليك أن تكرر الدروس الشرعية والعلمية والتربوية سنوات وسنوات حتى فعلاً يبدأ الأثر يأتي في الجمهور، لأن الجمهور يحتاج إلى زمن كما سيأتي معنا حتى تتغير أفكاره ونظرته.

فالتبسيط أولاً، ثم التكرار ثانياً، ثم يقولون بعد التبسيط والتكرار لا تظن حتى لو اقتنع الناس بفكرتك أنها مباشرة ستنتقل إلى حيز العمل، قالوا لا بد من مدة زمنية من استقرار هذه الأفكار عند الجماهير حتى تدخل إلى العقل اللاواعي لديها وتصبح عاطفة متماسكة، عندئذ سيقاتلون من أجلها. يعني أنت ممكن تجلس مع جمهور 20 سنة تدرسهم العقيدة، ثم تكتشف أن هذا الجمهور لم يحولها إلى ميدان العمل، ولم تجد الشباب أصبحت تتحرك وتقاتل من أجل هذه العقيدة، لا تظن أنه حتى لو فهم الناس الفكرة مباشرة سيقاتلون من أجلها، تحتاج هذه الفكرة أن تطبخ وأن تنضج، والأفكار نضوجها وطبخها يحتاج إلى عقود وسنوات حتى تصبح ممارسة باطنية لا واعية من أجلها يعيش الناس ويقاتلون في سبيلها.

طبعاً ربما إذا بدي أذكر مثالاً معاصراً على قضية الأفكار عندما تتكرر وتأخذ وقتها الطويل، عندئذ تصبح عقيدة، وهذا من حقنا، ما علينا، أذكر نموذج غزة المعاصر. أنا أحياناً أتأمل في الواقع وأقول: نموذج غزة لو حصل في أي بلد آخر من بلدان المسلمين، هل سيستطيع الجمهور في ذلك البلد الصمود؟ يعني في أي بلد، هل سيستطيع الجمهور الصمود؟ أنا أسأل: جمهور غزة، ما هي المؤهلات التي جعلتهم لا يكفرون بمقاومتهم على الرغم من الآلام الكبيرة التي حصلت والتضحيات الباهظة؟ يعني ما الذي يجعل الشعب إلى الآن يحتضن المقاومة كما يقولون؟ أنا أعتقد أن التربية التي خضع لها هذا الشعب منذ بداية الـ 2000 أو الـ 2002 لما سيطروا إلى هذه الفترة، أنت تتكلم عن 25 سنة، في نوعية معينة من الخطاب نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير، كلها تتجه باتجاه معين وتكرر في الخطب وفي الأوساط وفي المراكز وفي الأماكن العامة والخاصة، لما أنت شعب في منطقة معينة يعرض لخطاب معين، ولاحظ يعني أنت ما بتكلم عن قرون.

25 إلى 30 سنة هو يتعرض لهذا الخطاب، استطاع هذا الخطاب أن يشكل عقيدة راسخة، أليس كذلك؟ الأفكار بسيطة لكنهم أصبحوا مع التكرار والتجارب والحروب مؤمنين بها، وبالتالي لما جاءت الحرب الأخيرة هي لم تأتِ على جمهور غير مؤمن بمشروعه، لم تأتِ على جمهور لا يمتلك هذه الأفكار إلا سطحياً، جاءت على جمهور متجذر في هذه الفكرة، عميق فيها، مش جمهور سطحي عايش تحت المكيفات زي حالنا وأمورنا طيبة ولم يتعرض لأي شيء، هو من 30 سنة حرب بعد حرب ونماذج وتضحيات وآلام حتى تصبح فكرة التضحية وفكرة الألم وفكرة الثمن أفكاراً متقبلة وراسخة، بحيث لما تأتي بشكلها الأشد والأقسى أنا عندي أرضية أبني عليها مع هذا الجمهور، في أرضية قابلة للبناء، لكن لو كانت في مكان آخر ربما من أولها لا يا عمي، خلص بطلنا، شكراً، وقف، سلم الرهائن وخلينا نخلص من الفيلم كله؛ ليه؟ لأنه في ناس ما رح تستحمل لأنها لم تخضع لتبسيط الأفكار ثم تكرارها ثم دخول الأفكار في اللاواعي.

أنت فاهمين هي الفكرة اللي حكيتها أنه مش هم بس فاهمين الفكرة، هم متشربينها، فكرة المقاومة أصبحت متشربة؛ يعني نمط حياة، مش شيء أنا متكلف عم بحاول أتكلفه، لا شيء نمط حالي، بعيد، وصحى الصبح وأمسك هذا وأروح بقاتل اليهود، نمط وحالة مستمرة، فمما تجعل قابلية هذه الفكرة للتجذر أعمق وأعمق.

قاعدة ثانية: إذا قلنا أفكار الجمهور لازم تكون سطحية أو بسيطة على الأقل ومكررة حتى تقبل، وإلا غير كده دعوتك سامحني لن تنتشر يا أيها الشاب. القاعدة الثانية: كما أن الأفكار تحتاج إلى وقت طويل لكي تترسخ في النفوس، فهي أيضاً في نفس الوقت تحتاج إلى وقت طويل لكي تخرج من النفوس، يعني احنا قلنا عملية أنك تزرع فكرة في جمهور معين مشوار، مشوار. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم 13 سنة وهو يزرع الأفكار في الـ 50 أو الـ 100 شخص من المهاجرين، يعني اللي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وقت حتى زرع هذه الأفكار في داخلهم. لكن آه، لما تزرع فكرة وتتجذر يصبح عملية نزعها أمر معقد جداً؛ يعني أنت صح حتقول لي والله يا شيخ تعبت وأنا بزرع الفكرة، لا تقلق، صح أنت تعبت وجلست الأمور ربما أحياناً أجيال، بس كون واثق لما تزرع عملية نزعها من قبل الأعداء رح تكون ايش؟ صعبة جداً، رح تكون صعبة جداً، فهو مشروع استراتيجي.

وهذه الأفكار التي قد تكون مزروعة في النفوس وعملية نزعها صعب قد تكون أفكاراً إسلامية أنت زارعها، لكنها للأسف أحياناً قد تكون أفكاراً جاهلية مزروعة فيهم وبدك عملية تغييرها فيهم سيحتاج إلى وقت كبير، وهذا البعد علمناه النبي صلى الله عليه وسلم، لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة وأصبحت تحت حكمه، هل باشر مباشرة بإعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؟ لا، شوفوا شو قال لسيدتنا عائشة، عائشة سألته يعني يا رسول الله لماذا لا تعيد بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؟ لأنه قريش كانت مختصرة بناء الكعبة على ما هي عليه الآن لأنه النفقة الحلال لم تكن معهم كثيرة، فالنبي صلى الله عليه وسلم صحيح الآن هو سيد مكة، لكنه يعرف أن المسلمون الذين أسلموا الآن في مكة ما زالت أفكارهم القديمة الجاهلية تؤثر فيهم، يعني صح هو الآن مسلم بس في النهاية هذا مسلم قريش، يعني مسلم جديد، بالتالي بالتالي بدك تكون متوقع أنه في مجموعة كبيرة من الأفكار القديمة الجاهلية ما زالت موجودة لديه، هو مش بمجرد أن يقول لا إله إلا الله تغيرت كل أفكاره وصار له لا، هي ماشية دخلنا الخطوة الأولى بس تربية العقيدة تحتاج إلى سنوات حتى ترسخ في قلبه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لإدراكه هذا البعد ماذا قال: لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجد في البيت وأن ألصق بابه في الأرض لفعلت، وفي الرواية الأخرى لأعدتها على قواعد إبراهيم ولجعلت لها بابين. هنا بيهمني كلام ابن الجوزي ماذا يقول ابن الجوزي: هذا تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على مراعاة أحوال الناس ومداراتهم، وأن لا يبدؤوا -يعني يفاجأوا- بما يخافوا قلة احتمالهم له أو بما يخالف عادتهم، إلا أن يكون ذلك من اللازمات، يعني إذا كان من أصول أصول الدين ساعتها ممكن أحمل الناس عليه بالقوة، لكن ما سوى ذلك من العادات أو من التقاليد، حتى لو كان فيها نوع من المنكرات، لا أنا كداعية أو كمصلح بدي أصبر في تغيير نفوس الناس؛ ليه؟ لأنه كما أن الأفكار الصالحة إذا تجذرت صعب نزعها، كذلك الأفكار الطالحة والسيئة لما تكون متجذرة في شعب معين صعب مرة واحدة يصبح الشعب فاضلاً بمجرد خطابين أو دورتين شرعيتين.

لذلك حتى نقول للإخوة في الحالة السورية أو غيرها من الحالات المعاصرة، أنت لما يكون الشعب تعرض 60 سنة لخطاب ذلك الهالك، 60 سنة في مناهجه ومدارسه وجامعاته وكذا، يعرض لنوع معين من التلويث، هل تعتقد بمجرد إزالة ذاك الظالم المستبد ووضع أو إتيان شخصية أخرى إسلامية هل هذا معناه أنه الشعب خلص تغير؟ لا، هو صحيح وهذا هذا الوعي الذي تحتاج أن تفهمه، الشعب نعم قد يحسن حاله شيئاً فشيئاً، لكن عملية تغيير أفكار صار لها 60 سنة تعرض على عقولهم هذا بدو وقت، وبالتالي محاولة حمل الجميع مرة واحدة على أفكار معينة بكل الاتجاهات ترى هذا بيكسر ما بيبني، ولذلك الموضوع يحتاج إلى توازن وهدوء وفهم طبائع الشعوب، يعني هذا فائدة علم الاجتماع أن تفهم سنن الله سبحانه وتعالى في التغيير، وأن الأفكار العميقة ما دامت عميقة فأنت تحتاج إلى وقت لإزالتها، فإذا كانت إزالتها الآنية ستسبب مفاسد أكبر من المصالح الموجودة، فأنت توقع الناس في مهلكة وفي مشقة غير مطلوبة وغير مقبولة أحياناً شرعاً.

طيب، القاعدة الثالثة، ماذا تقول القاعدة الثالثة؟ الجماهير إخواني تميل إلى الحجاج العقلي السطحي، يعني بيتكلم عن قواعد في عقلية الجمهور، أول قاعدة في عقل الجمهور أنه يميل إلى تبسيط الأشياء وليس إلى تعقيدها، القاعدة الثانية في عقل الجمهور أن الأفكار المتجذرة في العقل الجمهوري تبديلها ونزعها صعب ويحتاج إلى وقت طبيعي أنت بدك تنتظره وتستحمله، ثالثاً هذه قاعدة بس الظاهر الناس يكتبوا أنها قاعدة، القاعدة الثالثة: تميل الجماهير إلى الحجاج العقلي السطحي. شو يعني؟ لما بدك تيجي تقيم الأدلة على الجماهير في خطبة جمعة، شو نوع الأدلة العلمية اللي بدك تستعملها لإقناع الجماهير؟ ما رح يزبط تستعمل أدلة علمية دقيقة؛ لأن الأدلة العلمية الدقيقة هي فوق استيعاب الجماهير، وإنما نوع الأدلة اللي بدك تستعملها حتى تقنع الجمهور بفكرة ما، عليك أن تستعمل الحجاج العقلي السطحي البسيط، هكذا قال علماء الاجتماع، الحجاج العميق بضيعهم، لا تيجي لا أنا بدي أقنعكم ترى الحد الأوسط الأرسطي أنك تحذف الحد الأول والثاني ولازم مقدمة صغرى، بقول لك يا عمي الله يرضى عليك أنت شو بتتكلم؟ يعني وفي هناك قاعدة رياضية بتقول أنت بتتعبهم لما تدخل معهم في حجاجات عميقة، أدلة الجماهير كما أن -ها بدي أقول- كما أن أفكار الجمهور لازم تبسط، فلن يفهموا القضية العقدية حتى يتم تبسيطها، كذلك أدلة الجمهور، الأدلة التي يقتنع بها الجمهور لازم تكون أيضاً بسيطة وسهلة، لذلك تفضل الجمهور التعامل مع الأقيسة والشبه الظاهري بين الأشياء، يعني بتيجي بتقول لهم شايفين شو صار في البلد الفلاني ممكن يصير عندكم زيه، هم خلص شافوا شو صار في البلد الفلاني من خلال هذا القياس السطحي البسيط، آه والله لا خلص إذا والله كلامك صح، ما بدنا يتكرر هذا الأمر عندنا، أو شفتوا شو صاروا مع الشيخ الفلاني، أو بيميلوا للأقيسة البسيطة التي في متناول اليد، بعيداً عن ايش؟ دراسة الفكرة دراسة مقاصدية وفقهية وتحليلية والقياس العلة وقياس الدلالة واستنباط العلل وما شابه ذلك مما يمكن أن يتفذلك به.

طيب، وأيضاً كما يميلون عادة الجماهير إلى تعميم الحالات الفردية، هذه إحدى طبعاً هي إحدى المغالطات بس الجمهور بيحب يمارسها، يعني لما يشوفوا نموذج معين بصيروا يفكروا أنه كل النماذج الأخرى رح يصير معها زي ما صار مع هذا النموذج، فيميلون هنا عادة إلى تعميم الحالات الفردية مثل الأصل، إذا موقف صار مع أحمد مش معناه أنه رح يصير معي ومع أي شخص آخر، فالحالات الفردية الأصل تبقى وحدها ولا تعمم إلا إذا كان قياس عقلي منطقي يقتضي تعميمها، الجمهور لبساطتهم عادة ما يميلون إلى ايش؟ إلى التعميم، لذلك لما يصير مثلاً انتفاضة في مكان معين وتفشل، شو بيصير عندهم قناعة عامة؟ أنه أي في أي انتفاضات ستفشل، طيب من وين جبت هذا التعميم يا أخي؟ بجوز هي الانتفاضة كان في مع فيها عوامل خطأ عشان هيك أُزمَت، لا خلص بصير عندهم ردة فعل عامة أن الانتفاضات تقبل الانهزام وأنها طبيعتها منهزمة، هكذا هو طبيعة عقل الجمهور، ما يستطيع يحلل الحالة الأولى تحليلاً علمياً ليكتشف أسباب الهزيمة أو أسباب الفشل.

ومن هنا فإن الساسة والخطباء الذين يريدون التأثير على الجماهير عليهم عادة أن يستعملوا هذا النوع، نوع من الحجاج، أنت بدك تقنع جمهورك بطريقة ما، جيب لهم أمثلة سطحية من الواقع الحياتي، جيب أقيسة سطحية من الواقع الحياتي، بتعرف حتى لو كان القياس خطأ ترى الجمهور ما رح ينتبه كثير، يا هالدروس اللي معبية على السوشيال ميديا بس مع بعض الدروس يا أخي معبية بالخطأ وبالكلام الفارغ ولكن الناس بتصفق لأنني أعرف أن ذاك الرجل استخدم قياسات بسيطة في متناول يد الجمهور، الجمهور ما بيتبع كثير، آه والله كلامه صح، لا استنى شوي هذا القياس مع الفارق القياس غلط اللي جابه، الجمهور ما بيفكر كثير، فالأقيسة السطحية البسيطة خاصة لما تكون من وحي الحياة بيقبلها الجمهور، كذلك تعميم الحالات الفردية بيقبله، أنت بدك تأثر على الجمهور بدك تستعمل سامحني هذه القواعد العقلية أو هذا النوع من الحجاج العقلي، حتى ولو كنت أنا مش مقتنع فيه كثير بس بدي أستعمله؛ لأنه هذه هي الطريقة ربما تكون الوحيدة أحياناً لإقناعهم بأمر ما.

طيب، أما الحجاج العميق فهو إن كان صحيحاً وعالياً لكن لصعوبة التصور والجهد الكبير الذي يحتاجه يميل أكثر الناس إلى عدم الاستماع له وبالتالي عدم فهمه، لذلك زي ما قلت لكم بيجي شخص محاضر بيعطي محاضرة لشباب جامعيين مش متخصصين في الشريعة، بيتكلم بكلام عالٍ جداً وبيتكلم باستحضار ابن سينا وكذا والخلاف الأشعري الصوفي، بتحس الطلاب خرجوا من المحاضرة ايش؟ مش فاهمين حاجة مع أنه هو الرجل تكلم بكلام علمي يعني بالنسبة للمتخصص لما يسمعه والفخم، لو أعطيك الآن كتاب "درء تعارض العقل والنقل" لابن تيمية تقول لي شيخ الله يسهل عليك والله ما أنا شو بس شو بسوي كمية من العقليات المفهومة، لكن ممكن أعطيك كتاب بسيط لشيخ معاصر يا أخي تنبهر به وتعجب لأنك شفت الشيخ تكلم من وحي لغتك البسيطة ومن وحي أمثلة الحياة السهلة، هكذا الناس، وعلى خطابك أحياناً أن ينزل لهذا المستوى لما تريد مخاطبته. ولذلك قلنا طريقة الحجاج القرآني عادة ما كانت تميل إلى السهولة.

رابعاً، هي اكتب عليها أربعة، القاعدة الرابعة: فكرة الخيال عند الجماهير، إخواني في علم الاجتماع يقولون قاعدة: معرفة فن التأثير على مخيلة الجماهير تعني معرفة فن حكمها، كيف تستطيع أن تخيّل الأمور للجماهير؟ بقدر ما تكون فناناً في التخييل والتوهيم بقدر ما تستطيع أن تحكمها وتملك زمامها؛ لأن الجمهور كما قلت مساحة العقل لديهم والحجاج العقلي سطحية، وبالتالي أكثر ما يروج على الجمهور ما هو الخيال، لذلك يقولون الخيال عند الجمهور كخيال كل الكائنات التي لا تفكر عقلانياً، فهو مهيأ لأن يتعرض للتأثير العميق، ولذلك فإنها تتأثر بالصور التي تعرض أمامها لشخص ما أو حادثة ما بصورة عميقة، كما يتأثر النائم أثناء نومه بالخيال أو الحلم الذي جاء عليه، ولما كانت الجماهير غير قادرة زي ما قلنا قبل شوي على التفكير العميق وعلى المحاكمة العقلية العميقة، فإنها ستستقبل تلك الصور وتبني عليها الأحكام والقرارات والمواقف، حتى ولو كانت هذه القرارات بعيدة جداً عن الواقع أو حتى شبه مستحيل.

بدي أعطيكم نموذج آخر من نماذج غزة في الوقت المعاصر حتى تفهموا المخيلة، لما تم أول ما حدث حصل الحادث في 7 أكتوبر، اليهود ماذا فعلوا ليقنعوا الناس بحقهم في القتال والدفاع عن أنفسهم؟ أتوا بصورة قتلاهم وهم ملقون في صحراء معينة، بل حتى صنعوا الأكاذيب وجابوا طفل كأنه محترق وطلع بعدين كذب هو اللي جايبينه من فيلم معين، حاولوا باختصار حتى يقنعوا الرأي العام الأوروبي والجماهير في أوروبا وأمريكا على أن حربهم مشروعة، جابوا صورة الـ 200 شخص اللي تم قتلهم ولا 300 شخص ولا 400 ولا 500 في صورة جثث ملقاة محرقة، فصنعوا خيالاً عند الجماهير الأوروبية والأمريكية، فضاعت هؤلاء القتلة الذين قتلوا الناس اللي كانوا في حفلة راقصة ومبسوطين وكذا، يا أخي كيف يتم مهاجمة هؤلاء الأبرياء؟ بينما خلال الأسبوع نفسه في مناطق الضفة الغربية والقطاع قتل ربما 2000 شخص قتلاً بطيئاً واحداً تلو الآخر، وما أحد سأل ولا أحد استفسر ولا شيء عن أحوال الضفاوية والغزاوية الذين يقتلون من أشهر وسنوات، ما حدا قال يا بشاعة القاتل اللي قتلهم من الشعوب الأوروبية. هي ماذا فعلت الصهيونية العالمية؟ هي صنعت صورة، هذه الصورة التي وضعت على الإعلام عملت خيال للجماهير العالمية، أن هناك قتل مستبشع فظيع تم تعرض له، وبالتالي أصبح أولاً الرأي العام العالمي ما هو؟ أنه فعلاً يجب القصاص من القتلة المجرمين، طب أين هذا الرأي العالمي عن كل سنوات الاحتلال بما

فيها من مجازر والرعب والقتل والسفك وتقطيع الرؤوس والأجساد، وكل هذا لم يؤثر في الشعوب الأوروبية؛ لم يُعرض بنفس العرض الذي عُرضت فيه مشاهد اليهود، بالتالي لم يحصل على نفس المستوى. ولو عرضت، تجد ما هي القنوات الأوروبية؟ هي متحالفة مع الصهيونية العالمية، فهي الكل يشارك في الضخ والزخم لصناعة الرأي العام. لكن لما تأتي صور الفلسطينيين الشهداء والقتلى وكيف الجوعة والذين ماتت أبدانهم لا يعرض هذا تمام العرض، فلا تتشكل مخيلة لدى الجماهير، وبالتالي يصبح التقييم الجائر أن قتل 300 أو 400 يهودي جريمة، لكن أن يقتل آلاف الفلسطينيين خلال عقود، وبالعكس يعني خلال شهور، هذا الشيء بسيط ولا يستثير العالم، ولا يطالب أحد بحق الفلسطيني في أن يدافع عن نفسه. هذا ما أسميه أنا باختصار مخيلة الجمهور؛ من يستطيع اللعب على الخيال يستطيع أن يحكم.

أنت فكرتك يعني ربما أريد أن أقول بعض القضايا اللي هنا سجلتها ودونتها، أريد أن أقول أن أبرز وسيلة تأثيرية على الجمهور إخواني ليس النقاش العقلي باللسان؛ في علم الاجتماع، أنا بقول لك في علم الاجتماع والدراسات، أكثر شيء يؤثر هو الصورة. أكثر شيء يؤثر على قناعات وأفكار الجماهير هي الصور. ولذلك لو سألتك لماذا الناس عبر القدم كانت دائماً تحاول تحويل أفكارها ورموزها إلى تماثيل؟ حتى اليوم اذهب إلى البلاد العالمية تجد هناك نصباً تذكارياً للرموز والقيادات، صحيح؟ روح على نيويورك تمثال الحرية، اذهب لكل دولة عربية ولا دولة عالمية ولا تجد أن هناك تماثيل في الساحات العامة. شو دور هي التماثيل؟ هي التماثيل تعطي صورة بصرية تجعل دائماً الإنسان يحيط هذه الشخصية الممثلة بتمثال، أو بماذا؟ بالهالة والعظمة بغض النظر عن أفكارها ومنتجاتها. ولذلك دائماً كانوا يقولون إذا أردت أن تصنع أسطورة اصنع لها تمثالاً؛ بدك تخلي شخص أسطورة أو رمزية لا أحد يمسها ضع له تمثالاً في الطريق العام، تصبح الناس كلما رأته تذكرت هيبة معينة. لذلك حتى عباد الأصنام، هم كانوا بالنسبة لهم ماذا؟ يحولون خيالاتهم عن الآلهة إلى أصنام حجرية يعبدونها. الإنسان يتأثر بالصورة أكثر من أي مدخل آخر، وهذا للأسف أن العالم الغربي سبقنا في إدراكه وتوظيفه للتأثير على العالم الإسلامي؛ فبداية من المسارح قديماً، لدور الأوبرا، للأفلام، لصناعة المنتجات، وهوليوود، إلى كل هذا العالم، أصبحت الأفلام إخواني اليوم تدرس، إنتاجها في هوليوود يدرس، كيف يأتي البطل وكيف تختار شخصيته والبطلة وكيف تختار، ثم كيف نأتي بالكاميرات وننزلها على المشاهد؛ كيف تأتي الكاميرا تسلط على دموع البطل، على مشاعره، على شخصيته وهو يتحدث، وهذا كله يصنع ماذا؟ يصنع كثيراً من المدخلات والصور والمنتجات التي تؤثر على الجمهور الأوروبي وعلى الجماهير المسلمة، وتغير الكثير من القناعات من خلال مدخل الصورة. فمدخل الصورة أخطر مدخل على عقلية الجماهير لأن الجماهير تتأثر به أكثر من غيره.

طيب من مثال الواقع الإسلامي المعاصر، ربما لما خرج أحد الأفلام التركية، أظنكم تعرفونه، قيامة أرطغرل، حجم الناس المتابعين له كم وصل؟ يعني بالملايين، بل يعني أثر حتى في أوساط أخرى عالمية، مع أنه في مشايخ بيتكلموا عن السلف والعقيدة صار لهم 50 أو 60 سنة بيحكوا، ربما لم تؤثر خطبهم ومواعظهم وأحاديثهم تأثير مسلسل واحد فيه صورة، صورة المقاتل وهو يقاتل الكفار ويحمل ويضرب، صحيح ولا لا؟ شو اللي بخليك أنت تتفاعل مع المشهد وها هي قتله وهي ضربه وبدك تكبر معهم؟ والشيخ اللي بينصح صار له 30 أو 40 سنة ولا عمره عمل فيك شيء، اللي هو الصورة. الصورة شئنا أم أبينا هي أكثر ما يؤثر على عقل الجماهير. قدرتك أنك تعرف أن هذا مجرد فيلم أرطغرل ولا يمثل الواقع الآن، وأنك تذهب إلى عقلك الواعي وتروح تقرأ كتاباً، هذا إذا أنت كنت رجلاً قوياً جداً يمكن تمتلك هذه القدرات، لكن العامة والبسيطة والحج والحجة والأعمام والعمات يعني ما عندهم هذه القدرة التي أنت تمتلكها، أنك تعرف أن هذا مجرد مشهد وهي أفلام وهي كاميرا مصنوعة أمامك، وهذا الممثل هسا بيمثل دور المجاهد بعد هذا بتلاقيه مع راقصة في مكان؛ يعني سيبك من هذه الرموز، هذا صعب على الناس تحليله واستحضاره مع هيبة المشهد وسطوة الصورة. فعلينا أن نفهم أن الخيال هو أكثر ما يؤثر على الجمهور، خاصة الخيال الذي يكون من خلال الصورة. لذلك اليوم الإعلام أخطر شيء، وهذا يقتضي أننا كإسلاميين لا بد يكون إعلام صحيح وقدرة على صناعة صورة، مش معناتها ننسحب من المشهد، لا، بدك تستعمل هذه الأداة لأنها جزء من صناعة الواقع. أما القول لا يا شيخ أنا بس بعطي للناس مواعظ وخلص الناس بتتغير، خليك جزاك الله خيراً ربنا بعطيك الثواب، بس الناس صعب تتغير هيك، إذا ما جاريتهم في الميادين الصحيحة ستبقى ضعيفاً.

طيب، لذلك القاعدة تقول: ليست الوقائع بحد ذاتها هي التي تؤثر على مخيلة الشعوب، وإنما الطريقة التي تعرض بها هذه الوقائع، صح؟ يعني زي ما قلنا في 2000 شخص غزي قتلوا خلال خمس سنوات ما حدا سأل، 400 شخص يهودي يقتلوا خلال ساعة يتم عرض الموضوع بطريقة معينة بيصنع حالة من الهيجان العالمي. إذاً فعلياً ليس الواقع هو الذي يهيج الجماهير، وإنما الطريقة التي يعرض بها هذا الواقع.

رابعاً، الشعوب تحب تشكيل القناعات التي تتسم بالتدين. الشعوب إخواني الله فطر الناس عندها فطرة التدين، صحيح؟ لذلك أكثر القناعات رواجاً وحباً وتعصباً لها هي القناعة التي يتم إلباسها لباس ماذا؟ الدين. ولذلك يقولون إن نابليون لما أراد، هو يقول عن نفسه أنه كيف استطاع أن يقنع المصريين بوجوده؟ قال: لم أستطع أن أقنع مصر بوجودي إلا بعد أن توهم، وهمتهم أنني مسلم. ولم أستطع أن أقنع الكنيسة البابوية في روما لدعمي إلا بعد أن أقنعتهم أنني رجل دين. ولو أنني أريد أن أحتل اليهود وأحكمهم سأقنعهم أني يهودي. هذا كلام نابليون لأنه يعرف نابليون كيف الناس تقاد؛ أقنع الناس بقناعة دينية الناس تكون معك. بالتالي القناعات التي تلبس لباس الدين هي أكثر القناعات انتشاراً ورواجاً وقبولاً لدى الأوساط العامة. بخلاف ذلك يقول حتى بعد الثورة الفرنسية التي رفضت الدين وهاجمت وخرجت على رجال الكنيسة وكل أنماط التدين، يقول نفسه جوستاف لوبون: من الغريب أنه بعد ما انتهت ثورتهم على الدين أكثرهم رجع يطالب بماذا؟ بممارسات دينية! يا جماعة مشوا ثورة على الدين وعلى الكنيسة وعلى كذا، وأنت لا تستطيع أن تخالب فطرة الله التي فطر الناس عليها، الناس بطبعها تميل إلى التدين بغض النظر شو طبيعة الدين، لكن الناس تميل إلى التدين. فأكثر الأفكار رواجاً هي الأفكار التي تلبس لباس الدين.

لذلك حتى اليوم في أوساط السوشيال ميديا، من أخطر الممارسات التي يخطئ فيها كثير من الشباب المتحمس هو تحويل المسائل الظنية التي هي محل الاجتهاد إلى مسائل قطعية يجب الثبات فيها؛ ليه؟ لأنه لما تكون مسألة مسألة اجتهادية وليست مسألة متعبد بها قطعاً فيها مساحة للآراء، وأنت تحول لي إياها لمسألة قطعية، أنت تحاول أن تلبسها لباس الدين الصارم، وأنه هذا الدين قطعاً وأي وجهة نظر خلاف رأي لا تمثل الدين، فستجد جمهورك يتكاتف حولك وينصرك، ويعتبر الشيخ حامي حمى الدين والشيخ هو النصير الأول للدين، وأن الذين يحاربون شيخي هم مميعون مدجنون، ويعطيهم الألفاظ التي يريدها؛ لماذا؟ لأنه تم تحويل مسألة ظنية تقبل النقاش إلى مسألة قطعية حاسمة لبست لباس الدين، وكأن الدين محصور فيها وهي التي فقط تمثل الدين دون أي وجهات نظر أخرى، مع أنك عندما تأتي فعلاً للواقع تجد أن أكثر العلماء ليسوا مع هذه وجهة النظر التي تبناها ذلك اليوتيوبر أو غيره، بل تجدهم في الصف الآخر. وهذا يعطيك خطورة تحويل المسائل الظنية إلى مسائل قطعية دون أن تكون كذلك. المهم عليك أن تفهم أن هذه طبيعة في عقلية الشعوب، تحب القناعات التي تلبس لباس الدين.

خلينا ننتقل إلى فكرة ختامية، هي فكرة تسمى أسميها أنا ما هي العوامل المشكلة للعقائد والأفكار عند الجماهير؟ العوامل الخارجية أقصد التي تشكل الأفكار والعقائد عند الجماهير. أقول إخواني بشكل سريع -حتى يكون الكلام مترابطاً- هناك عوامل بعيدة المدى هي التي تؤثر على تشكيل أفكار الجماهير وعقائدهم، وهناك عوامل قريبة مباشرة، يعني تكون تسمى لحظة الانفجار، تكون منها ومنها تنبثق هذه العقائد إلى حيز العمل. الآن أي عقائد وأفكار عند الجماهير، هناك عوامل بعيدة تساعد في تشكلها وعوامل قريبة ككلمة مقطع ريلز أو موقف معين يساهم أيضاً في لحظة الانفجار هذه الأخيرة.

طيب، سريعاً، ما هي العوامل البعيدة التي تساهم في تشكيل الأفكار؟ أولاً، العرق. طبيعة هذا الجمهور من أي عرق هو؟ هل هو عربي، أفريقي، من شرق آسيا، لا من جماعة الباكستان وأفغانستان، أوروبي؟ ثبت بالدراسة المستفيضة أن الأعراق لها أثر في تقبل الأفكار ومدى سرعة تقبلها لها. فلذلك يجدون، وهذا حتى ابن تيمية يتكلم عن أن الأفريقي الذي يقيم في البلاد الحارة طبيعة أفكاره وتصوراته تختلف عن الأوروبي الذي يعيش في المناطق الباردة، حتى الأفكار تختلف وطريقة تقبله. ولذلك حتى لو تشوف إخواننا في أفغانستان وباكستان وهذه المناطق طبيعتهم وأفكارهم تختلف عن الناس اللي عايشين في شرق آسيا وفي إندونيسيا وماليزيا في طريقة تقبلهم للأفكار، والذي لا يفهم هذه القضية يظن أنه يعطي خطاباً يجب أن يؤمن به جميع المجتمعات والأعراق بنفس المستوى وبنفس الحماس، وهذا غير صحيح. عليك أن تعرف أن كل عرق له نوع معين من الخطاب هو الذي يستثيره، وهذا نجح فيه الغرب؛ الغرب درسوا العالم كاملاً وعرفوا كل فئة وكل فصيل من الناس ما هي الأفكار التي تؤثر، عفواً ما هو الخطاب الذي يمكن أن يؤثر في هذا العرق؛ هذا بده خطاب مسالم، هذا بده خطاب استفزازي، هذا بده خطاب بجهة معينة. ولذلك الغفلة عن موضوع العرق حقيقة تشكل مشكلة، ومن هنا كان النبي عليه الصلاة والسلام من هديه أنه إذا فتح أرضاً وضع عليها أميراً منهم، يعني ما بيجيب شخص من أقصى الجزيرة العربية يضعه أميراً على منطقة في شمال الجزيرة العربية، لأنه كل قبيلة وكل مجتمع له ثقافته.

بالتالي من الخطأ السياسي والقيادي أنك تضع أميراً على منطقة خارج عن أهلها إلا أن يكون هناك مبرر حقيقي، وإلا فأنت تفعل كارثة؛ أن خطاب القائد يختلف عن طبيعة هذا العرق وما هو النوع من الخطاب الذي يؤثر فيه. وهذا الذي يؤكد حديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم. هذا يدل على أن العرق العربي هو أشرف الأعراق وأعلاها، ولذلك اختار الله النبي صلى الله عليه وسلم ليكون من هذا العرق. طبعاً هذه ليست قضية تدعو إلى أن الإنسان يفخر، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ، في النهاية ممكن يكون شخص أفريقي ولا أوروبي أعلى عند الله من ألف عربي، لكن نحن الآن نتكلم عن ماذا؟ عن العرق باعتباره هو دون النظر في تفاصيل الأفراد الذين يندرجون تحته. ففلان هذا العرق، إن الله اصطفى عرق كنانة من ولد سيدنا إسماعيل، ومن كنانة أفضل عرق هو قريش، ومن قريش أفضل عرق بني هاشم، وأفضل بني هاشم هو النبي صلى الله عليه وسلم.

كذلك من الأمور التي تؤثر في تشكل العقائد هي العادات والتقاليد. فأنت لا يمكن أن تأتي على شعب كما قلت قبل قليل وتحكمه إلا أن تفهم ما هي العقائد الموروثة والأفكار التي تعاقبت عبر الحقب والأزمان وشكلته. النبي عليه الصلاة والسلام لما قيل له يا رسول الله ألا نقتل عبد الله بن أبي بن سلول؟ ماذا قال له؟ قال: إذاً ترعد له أنوف كثيرة بيثرب. أيش يعني؟ قال لا تقتلوه. طيب ليش يا رسول الله؟ طب ما هم رجالات الأنصار كلهم صحابة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يعرف حتى لو كانوا صحابة في النهاية في هناك عادات وتقاليد، حتى في نفوس الأنصار كانوا يرون عبد الله بن أبي أحد الزعامات، هو هيك كان، أحد الزعامات. فالنبي صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر كان يدرك أن عملية قتله ستجعل كثيراً من رجالات الأنصار الأوس والخزرج تنتفض لقتله وتزعل وتغضب، مع أنهم مسلمون! فمن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في النفوس أنه لا، هذا الشخص حتى لو كان يستحق القتل قال لا تقتلوه؛ لأنه في هناك عادات ومواريث وتقاليد عند هذا المجتمع، كانوا يرون هذا الرجل من زعاماتهم، فأنا ما بستطيع مباشرة بحجة أنهم صاروا مسلمين أن أعتدي على زعامات قديمة لهم؛ سترعد له أنوف ويمكن يكون هذا السبب في فتنة بعض قيادات الأنصار. لاحظ هذا البعد بفهم النبي صلى الله عليه وسلم كيف أن العقائد والتقاليد الموروثة تغييرها يحتاج لسنوات ولا يمكن إلغاؤها مباشرة.

ثالثاً، العنصر الثالث البعيد هو الزمن. بدك تفهم الزمن عنصر مهم في تغيير الأفكار، وهذا الذي يجب أن يفهمه الدعاة في ضرورة الصبر على تغيير أفكار مجتمعاتنا المعاصرة. المجتمعات المعاصرة إخواني تم العمل عليها منذ مئات السنين لتصل إلى هذا الهزال الذي نحن فيه. إذا أنت صاحب مشروع دعوي، لا تظن أنك أفكارك ستجد رواجاً وقبولاً وتنتشر وترفع على الإعلام ويقاتل من أجلها خلال خمس سنوات من تدريسك، بل يمكن أن تدرس جيلاً كاملاً وتموت وما زالت الأفكار لم تنبت بعد، ويأتي جيل آخر يحمل أفكارك ثم يزرعها للجيل الثالث؛ الجيل الثالث أو الرابع هو الذي تنمو فيه الفكرة نمواً كاملاً ويقاتل.

ويحرر كثير من الناس بقول لك متى رح تحرر بيت المقدس ومتى سيحسن حال المسلمين؟ أنت تظن أن القضية سهلة، هذا جيل كامل تم غسل دماغه على يد الصهيونية العالمية منذ عقود، أنت تريد تغسله خلال مجرد خطابات ولا دورات شرعية خفيفة؟ أنت عليك أن تثبت، فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ.

لذلك من أكثر الممارسات خطورة في بعض الجماعات الإسلامية أو الأفكار الإسلامية حب قطف الثمار سريعاً، والقفز على قضية الزمن وضرورته في تغيير الواقع. قال سبحانه: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ، الأيام تمشي، لكن أنت إذا أردت أن تقطف ثمرة أفكارك قبل أن تنضج حقيقة وترى أكلها في الأجل، ستقتلها. وهذا ما يحصل مع الكثيرين، يزرع مجموعة أفكار ويظن أنه خلص الناس صارت معي والجمهور صار معي، لا يعرف أن الجمهور ما زال يستقبل أفكارك وهي غضة طرية لديه، وعنده أفكار جاهلية عميقة ما زالت تؤثر على دماغه، فبمجرد أن يرى من يصفق له مباشرة يريد أن يغزو بهم البحر. وهذا مقتل، لا تغزو البحر بهؤلاء حتى ولو كانوا يحبونك، لأن الأفكار لم تتغير بعد.

الأفكار حتى تتغير تحتاج إلى حركة الزمان والتاريخ الكفيل بأن يغيرها. من أراد أن ينهض بجمهور فقط على مجرد 20 أو 10 سنوات من الخطاب الذي كان يلقيه إليهم ويظن أن كل أفكارهم القديمة تغيرت، هذا واهم ولا يعرف سنة الله سبحانه وتعالى في الوجود البشري. الأندلس، كيف سقطت الأندلس؟ بدأت بأعلى أنواع من الزخم الجهادي والشرعي والديني صحيح، لكن بعد 800 سنة ماذا حصل في الأفكار؟ الأجيال الأخيرة من الأندلس أجيال كانت تهتم بالموسيقى والأدب والعزف، وكان جيلاً سامحني الجيل الأندلسي الأخير كان جيلاً تعبان. ولذلك استطاع الصليبيون أن يعودوا لسحب الأندلس بعد 800 سنة، لاحظ كيف أن الزمن كان كفيلاً بتغيير أفكار الفاتحين الأوائل التي كانت مليئة بالعلم، إلى أن جاء جيل ثالث ورابع ذبلت تلك الأفكار ونامت، فجاء جيل رقيق فتم دحس الخلافة العثمانية.

كيف انتهت الخلافة العثمانية؟ أنت تفكر الخلافة العثمانية انتهت فجأة هيك مرة واحدة؟ دخلت بريطانيا وفرنسا من 1750 وما قبلها والماسونية العالمية تغوص في الدولة العثمانية وتفرغ أفكارها وتحاول أن تصل إلى الخلافة في رأسها في الآستانة، وتحيط بالخليفة العثماني وتخترق جدره وتحاول أن تغير المناهج وتؤسس من 1750 إلى أن جاء 1925 إلى أن سقطت رسمياً، يعني أنت بتتكلم عن تقريباً 200 سنة من العمل المتواصل على تغيير فكر العالم الإسلامي تجاه الخلافة العثمانية إلى أن تم إسقاطها. الأفكار لا تزول بسرعة، كل حدث ضخم هائل اعلم أنه كان نتيجة عقود من العمل الكبير، واعلم أن الأفكار التي تأتي فجأة لا يغرنك بريقها فاعلم أنها ستزول فجأة، ولاحظتم كثير من حالات الثورات العربية أفكار كانت مفاجئة ليست مدروسة عشوائية، فكيف ذهبت؟ خلال سنة ذهبت سنة ونصف، تزول هذه الأفكار لأنها ليست عميقة في تأسيسها وفكرها وجذورها، وإنما عفوية في لحظات غير مدروسة.

هذا بالنسبة للعوامل البعيدة التي يجب أن يفهمها الداعية في زراعة الأفكار: طبيعة العرق الذي أخاطبه، والعادات والتقاليد التي تحكم هذا العرق، وأخيراً الزمن وحده كفيل بأن ينضج الأفكار. أخيراً، ما هي العوامل المباشرة لتغيير القناعات والأفكار؟ قلنا أول عامل مباشر أن تستعمل الصورة، لأن الناس بصريون، فإن لم تكن الصورة فالكلمات المؤثرة، قال صلى الله عليه وسلم: إن من البيان لسحراً، فعليك أنك تستعمل الصورة، الصورة ثم الكلمات بعد طبعاً ضغط كبير يتعرض له هذا الجمهور، ممكن صورة واحدة أو كلمة واحدة في لحظة مناسبة تحدث طوفاناً حقيقياً، لكن عليك أن تعرف أن هذا الطوفان حتى يكون طوفان تغييري حقيقي لا بد أن يكون مبنياً على عمل من عقود وسنوات، أما مجرد تلك اللحظات العابرة فهذه في العادة تكون هزيلة وليست ذات أثر كبير.

ثانياً الأوهام للعقل، صناعة الأوهام من قوى ظلامية أو معبودات خارقة أو أشخاص بقدرات غير بشرية تؤثر في كثير من الناس أكثر كما قلنا من محاجة عقلية مدعومة. فمثلاً بالنسبة للكنيسة كيف استطاعت أن تقنع أوروبا بها؟ فكرة صكوك الغفران والسر الإلهي وقضية الرجال الأولياء، بالنسبة مثلاً للصوفية كيف استطاعوا أن يقنعوا كثير من الناس بهم؟ فكرة الأقطاب والأوتاد وأنه عندنا رجال أصحاب كرامات وكذا، له أوهام وتخويف الناس من خلالها، وأن القبور التي تشفي، وقبر البدوي وقبر نفيسة وشفت قبر نفيسة طلع منه نور ووصل إلى أقطاب الأرض، وذهب رجل إلى قبر فلان. صناعة الأوهام تجعل أكثر الناس تميل تجاه هذه القضايا وتقبلها، خصوصاً لما يكون العقلاني خطابه شوي عالي، حتى أنت في كثير من القضايا ممكن تقنع فيها ابنك بوجود شيء مخيف ومرعب و"البعبع" وما شابه ذلك، أنت تصنع وهماً حتى يمارس ممارسة. فالعوامل المباشرة التي تغير القناعات والأفكار هي الأوهام التي تصنع حول القوى الظلامية والمؤامرات الكونية والمعبودات الخارقة إلى غير ذلك.

ثالثاً التجربة، التجربة هي كفيلة أيضاً بتعليم الشعوب، يعني لما يكون شعب جرب تجربة معينة وفشلت، يخوف من أنه ايش؟ يخوض تجربة أخرى لأنه تشكلت لديه قناعات وأفكار، والمشكلة عادة في الشعوب والجماهير أنها لا تستوعب تجارب الآخرين، لا كل شعب يحب أن يجرب تجربته بنفسه. مش نحن عندنا المثل أنه كل واحد بيتعلم من ايش من كيسه؟ هذه مشكلتنا، قليل هم الذين يحبون أن يتعلموا من تجارب التاريخ والأمم السابقة، ولذلك كان يقول ابن خلدون في مقدمته عن بعض آل البيت الذين خرجوا في الخلافة الأموية والعباسية ينادون بحقهم، كان يقول -وهؤلاء بعضهم يقول يعني هو عبارته مش عبارتي- بعضهم كان فيه نوع من الحمق، يقول حمق، يعني أنت صح بتنادي لآل البيت بس أنت شفت الحسين وشفت شو صار في كل من نادى لآل البيت؟

في هناك عوامل تاريخية تجعل الدعوة لآل البيت يطلع شخص لأنه من آل البيت بده "يكوش" له حوالي 5000 بده يطلع الخلافة الأموية أو بده يطلع الخلافة العباسية، طيب أنت عارف أن هي الخلافة الأموية أو العباسية يدعمها آلاف مؤلفة، خلافة قوية عميقة لها آلاف الجيوش عبر العالم، أنت بس تظن لأنه أنت من آل البيت وحواليك 5000 شخص يفكر أن الناس ايش رح تفزع له؟ إنه آه والله هذا من آل البيت ورح تسقط الخلافة العباسية أو الأموية، قال هؤلاء كانوا لا يفهمون الشعوب ولا الطبيعة ولا حقيقة الحياة. التجربة أثبتت أن الناس في بداية الحياة النبوية كان تعصبهم للدين، ثم بعد ذلك عادت العصبية لطبيعتها، فبنو أمية كانوا هم الأكثر عدداً وقوة في قريش، بالتالي شيء طبيعي لما ضعف الدين بعد زمن الصحابة أن يعود الثقل إلى الأمويين، ثم العباسيين استطاعوا أن يشكلوا أيضاً ثقلاً لهم ودعوة عميقة.

أما أنت رجل عفوي بشكل بسيط تجمع لك 5000 شخص حواليك بدك تزيل الخلافة العباسية ولا الأموية وتدعو إلى أمرك؟ فكان يقتل في العادة، كان يقول وهؤلاء كلهم قتلوا وانقتلوا الناس اللي معهم، وهذا حقيقة لا يبرئهم من جريمة ما فعلوا، يقول لك الشيخ هو بريء لأنه هو يدعو إلى شيء صحيح، وحتى لو كنت تدعو إلى شيء صحيح، التجربة أثبتت أن الدعوة بهذه الطريقة مقتلة حتى لو كانت الفكرة صحيحة. والأئمة من قريش، ما هو ايش بيقول لك الأئمة؟ يا أخي ماشي، بس الطريقة التي أنت تفكر فيها تصويب الأمور تؤدي إلى مقتلة، هكذا قالت التجربة، فلما أنت كشخص المشكلة أن عاد هذا الخطأ أربع خمس أشخاص من آل البيت في حقب متتالية، فابن خلدون يقول هذه مغامرات غير محسوبة، هذه مقتل هذه مهلكة وليست هكذا تقوم، خلص ما أنت قادر تقوم تدعو لآل البيت اجعل حتى يجعل الله فرجاً ومخرجاً.

فالتجربة بالتأكيد كفيلة على تغيير قناعات الشعوب. هنا يعني أنا سأقف حقيقتةً عند هذا المقدار، وإن كان يعني هناك فكرة كيف يؤثر دعاة الأفكار على عقول الجماهير، هذه ممكن نرسلها لكم إرسال إن شاء الله على المجموعة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا وأن يعلمنا وأن يفقهنا، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.