تسجيل الدخول

صمّام أمان | المجلس الثاني "محرّكات الأفكار الدّاخلية (2)"

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله في المجلس الثاني لهذا اليوم للحديث عن محركات الأفكار الداخلية، وساحاول قدر المستطاع فيما بقي من المحاضرة الثانية أن أركز على رؤوس الأقلام المتعلقة بمحركات الأفكار الداخلية، ولو بقي شيء منها للمحاضرة القادمة ممكن نكملها، لكن نحاول أن نضع رؤوس الأقلام. إذا تكلمنا عن طبيعة في المحاضرة الأولى تكلمنا عن محرك الهوى من حيث مفهومه والسمات العامة لهذا المحرك، الآن دائماً أي محرك سأتكلم عنه من حيث هل تكلم القرآن والحديث النبوي عنه، هذه طبيعتي في هذه الدورة؛ أي محرك من محركات الأفكار أريدك أن تقتنع أن القرآن غني جداً، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم غنية في الإشارة إلى هذا المحرك والتنبيه عليه، فدعنا نتكلم عن الهوى أولاً.

وصف القرآن العديد من الآراء والمعتقدات أنها بذاتها هوى، يعني جعل العقيدة نفسها هي الهوى، مع أن الهوى ما هو في الواقع يا إخواني؟ هو المحرك للعقيدة مش نفسها، يعني الهوى هو محرك للفكرة مش نفس الفكرة، فلما أنا أجعل نفس الفكرة هوى، هذا يكون على سبيل المبالغة الفخمة. ركز في هذه الفكرة القرآنية الجميلة، القرآن لم يقل إن الهوى ولد معتقدات، لا، جعل نفس المعتقدات هي الهوى، وهذا يدل على ماذا؟ على أن محرك الفكرة طغى حتى على الفكرة نفسها، فأصبحت الفكرة تسمى باسم محركها. لما نقول في قوله تعالى: وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم، شو معنى أهواءهم؟ هل المراد بأهوائهم محركات أفكارهم؟ لا، شو المراد بأهوائهم؟ أفكارهم، إذاً جعل الأفكار التي ولدها الهوى هي نفسها الهوى، هذا ما معناه في التفسير العربي. أصبح محرك الفكرة لقوته وسطوته كأنه هو الفكرة، فأصبحت الفكرة تسمى به، ولذلك أهل البدع ماذا يسمون في كتب العقائد؟ أهل الأهواء؛ لأنه هي أفكارهم نتجت عن طريق الهوى، فأصل أنها نتجت عن طريق الهوى جعلنا محرك الفكرة بمنزلة الفكرة، وأصبحت الفكرة تسمى باسم محركها، وهذا رح يجي معنا في المحرك الثاني وهو الاستعلاء والكبر، كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الكبر بطر الحق. بطر الحق يعني أن ترفض الحق، والحقيقة أن الكبر هو المحرك لرفض الحق مش هو نفسه بطر الحق، لكن هذا ما يسمى أن اسم المحرك يطلق على نفس النتيجة التي يولدها.

النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا من هذا المحرك كثيراً، فقال: ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وهذا بيهلكك، يهلكك في الدين والحياة والاختيارات والسمو والرقي، وهوى متبع، والأخير: وإعجاب المرء بنفسه، وهي رح تيجي معنا في المحرك الذي يليه. إذاً هذه كلها أصلاً محركات أفكار؛ الشح المطاع يولد أفكار البخل والحرص على الدنيا، الهوى يولد أفكار، لكن أنا يهمني هنا قضية الهوى. النقطة التي تليها: توصيف الشرع الهوى بأنه إله يعبد، قال سبحانه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ. طيب هو سؤال: هل فعلاً الإنسان يعبد هواه؟ يعني هل أنت الهوى بتيجي بتصلي له وبتزكي له وبتحج له؟ طيب كيف أصبح الهوى إلهاً؟ لما يصبح الهوى وهو محرك الأفكار أنت تخضع له، وهو الذي يأسر حياتك ويوجه أفكارك، إذاً هذا الخضوع هو شكل من أشكال التأليه. لما يصبح الهوى هو الذي يحرك أفكارك وهو الذي يولدها، إذاً أنت فعلياً تخضع للهوى، خضوعك للهوى هو تأليه له؛ لذلك ماذا قال ابن عباس؟ الهوى إله يعبد من دون الله، لأنك تخضع له بدلاً من أن تخضع للشرع. أنت أمام معادلتين: إما أن تخضع للشرع وإما أن تخضع للهوى، إذا خضعت للشرع فأنت عبد لله، وإذا خضعت للهوى وإملاءات هذا المحرك فأنت عبد للهوى، هي هكذا.

كيف أعالج هذا المحرك؟ فهمنا يا شيخ أنه هذا محرك خطير ويحكم حياتنا، ويجب أن نخفف قدر المستطاع من مدى تأثيره على قراراتنا، كيف ندافع ونقاتل ونصول ونجول أمام هذا المحرك؟ أولاً: الاعتراف، أول شيء بدك تعالج الهوى في نفسك بدك تعترف، اعتراف الإنسان بوجود الهوى والاحتمالية الشديدة للإصابة به. إنسان يبرئ نفسه من الهوى دائماً، لما تناقش بعض الشباب يا أخي ليكون هذا هوى فيك؟ أعوذ بالله يا شيخ، أنا بتتهمني يا شيخ أن عندي هوى؟ لا عادي، احكي لي والله يا شيخ أنا ممكن أكون، والله ممكن أكون فعلاً وقعت فريسة الهوى. اعترف، إذاً سيدنا يوسف قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي، سيدنا يوسف وهو نبي الأنبياء قال: وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ، وهو الهوى، هذا إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يقصد الهوى، أنت لماذا تبرئ نفسك؟ ولماذا ترى نفسك أعلى من أن تنقد ذاتك وتعترف أنني يمكن فعلاً وقعت في كثير من أفكاري واختياراتي في الحياة فريسة الهوى؟ لتعالج الهوى أولاً عليك أن تعترف.

ثانياً: البدء باكتساب عادة مخالفة الهوى، بدك تبدأ عادة مخالفة الهوى من خلال تعويد النفس ترك الهوى في يسير الأمور، ترك الهوى ومخالفة الهوى يا إخواني عادة من العادات، كما أن اتباع الهوى يمكن أن يصبح عادة من العادات، كيف يمكن أن أولد عادة عدم اتباع الهوى؟ هذا من خلال الممارسة على الأمور الصغيرة، لن تصبح مرة واحدة قوياً في مخالفة الهوى، ابدأ باكتساب العادة في الأمور الصغيرة. خالف هواك في الطعام؛ والله اليوم جع ببالك تأكل يا شيخ من شاورما من مطعم معين، أي ما بدي آكل، ليه؟ بدي أتعلم الإرادة والصلابة النفسية. اليوم جع ببالي مثلاً أشرب شراب كوكتيل معين أنت معتاد تشربه، خلاص بس بدي أعود نفسي أني ما بدي أفعل هذا. أنا معتاد اليوم أنام متأخراً الساعة 2 بالليل بحب أسهر، اليوم بدي أجبر نفسي أنام الساعة 11. عود نفسك على مخالفة الهوى في الأمور اليسيرة، يصبح هذا نمط وعادة، تجد بالتالي عندك صلابة بعد ذلك أن تخالف الهوى في الأمور الكبيرة. وهنا ماذا يقول ابن الجوزي؟

وهذه نقطة استفدتها من ابن الجوزي، يقول: وينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب، ليستمر بذلك على ترك ما تؤذي غايته. أيش يعني؟ بقول لك مرن نفسك على ترك الهوى في الأمور اليسيرة المأمونة العواقب، يعني لو أنك ما أكلت الشاورما من هذا المطعم مش رح يصير شيء، بس أنا بس بدي أدرب نفسي، هذا بعد. ولذلك أيضاً اغرس في ابنك وبنتك مخالفة الهوى، عوده وهو طفل صغير: بابا بدي أشتري شغلة، لا اليوم ما رح نشتريها، أنت بتقوي فيه إرادة مخالفة الهوى. أما إذا كان ابنك كل ما بده شغلة في الدكان اه شو بدك اشتري لك؟ بعض الناس بفكر هي منقبة فيه أنه أنا ابني مش مخليه الشغلة بتمناها إلا جبتها له، هل بتعرف أنك أنت تزرع الهوى في ابنك زرعاً وتغرس الهوى فيه غرساً؟ هي تربية، أنا علي أن أعود أبنائي، ليس كل ما يطلبه الأبناء يتم تلبيته، وليس كل ما تحبه نفسك يجب تلبيته. عود نفسك على الإحجام، تصبح نمط وسلوك في الحياة.

ثالثاً: إقناع النفس بضرورة مخالفة الهوى، لازم تتكلم مع نفسك وتقنعها بضرورة مخالفة الهوى. طيب كيف بدي أقنعها بضرورة مخالفة الهوى؟ من طرق الإقناع التي تكلم عنها علماؤنا: أولاً تلمح عواقب موافقة الهوى، شوف لما أنت وافقت هواك في الزمان الماضي شو صارت عليك عواقب؟ بتذكر لما أطلعت على مقطع الفيديو الذي لا يرضي الله، كيف كانت نفسيتك بعد المقطع؟ صح شاعر أنك أسوأ شخص في العالم، شاعر أنك إنسان ساقط أخلاقياً وسلوكياً، لما تتذكر هذا المشهد لما يأتيك هوى ويقول لك ما في مشكلة اطلع على هي الصور، تذكر كيف كانت نفسيتك لما ارتكبت المخالفة سابقاً وأيش كانت العاقبة حتى ما تعيد تكررها مرة أخرى. إذا لم... طيب أنا يا شيخ ما ارتكبتها، أنا في حياتي ما ارتكبتها بس فعلاً بلشت أقتنع أني أرتكب تصور أو سلوك معين، بقول لك اعتبر بغيرك، شوف غيرك من الشباب المدمنين على الإباحية أو مدمنين الأفكار الخاطئة كيف الآن بترجوا، بترجوا أحد يعالجهم، بترجوا يتواصل، يبكي، فشل في حياته الجامعية، فشل في كل الأمور، لما تشوف الهوى كيف أثر على حياة إخوانك وزملائك بتحمد الله وبتمسك حالك وبتحترم إمكانياتك وبتحترم ضعفك وبتقول ما بدي أقع، لأنني نظرت عواقب الهوى في غيري كيف أوقعتهم في المهالك. ثالثاً تذكر الإنسان أيضاً لذة الانتصار، أنك أكيد مرات جربت كيف تخالف هواك وكيف شعرت بالعزة وأنه أنا أقوى من نفسي، شعور عزة الانتصار هي أيضاً من سبل إقناع النفس أنه خليني أشعر بهذا الشعور مرات ومرات. أخيراً تلمح ثواب مخالفة الهوى، وهون بيجي دور القرآن ومادة الوحي الإلهي لتعزز فكرة مخالفة الهوى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ، شوف المعادلة الواضحة: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ، بقدر ما تكف النفس عن الهوى بقدر ما تكون الجنة هي المأوى، وبقدر ما تسقط خذ في معادلة الهوى، بقدر ما تبتعد عن هدفك وغايتك، وهنا يأتي ضرورة عودة القلب إلى القرآن ليعيد صياغته.

رابعاً: ضرورة تقوية الوازع الإيماني، زي ما حكينا ضرورة تقوية الوازع الإيماني في داخلك، كلما قوي تدينك -طبعاً قوة صحيحة، مش قوة مبنية على الهمجية والغلو والترطع لا، القوة الإيمانية الصحيحة المبنية على القراءة الواعية للكتاب والسنة وممارسة الصيام والزكاة وما شابه ذلك، لأنه ممارسة العبوديات وضعت على مخالفة الهوى، يعني الصيام يخالف الهوى، أعمال الحج تخالف الهوى، صحيح- بقدر ما تتقوى في أعمالك الجوارحية وأعمالك الباطنية وتعتاد أن تقوم بها وفق مراد الله سبحانه، بقدر ما يقوى عندك الوازع الإيماني الداخلي لمخالفة الهوى. يعني هناك قوة إيمانية تنشأ تجدها تدفعك عن الهوى، أنت ربما الآن مش عارف من وين إجتك هالقوة، يعني سيدنا يوسف لما كان أمام امرأة العزيز، من وين إجت القوة؟ من وين إجت القوة أن لا يقع في الفحشاء؟ لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ، كثير من العلماء قالوا ما معنى لولا برهان ربه؟ الوازع الإيماني، هذا معنى رأى برهان ربه، أنه الوازع الإيماني قفز أمامه فجعله يصمد أمام حجم الهوى والإغراء الموجود في المشهد، اليس كذلك؟ فأنت لما تقوي الوازع الإيماني أحياناً محافظتك على وردك القرآني اليومي، أنت ربما تعتقد أنه ليس ذا أثر كبير، والله ذا أثر كبير. لما تحافظ على أذكار الصباح والمساء أنت ممكن تقول شو رح تسوي؟ والله بتسوي كثير، بس هذا ما رح يظهر أمامك الآن، متى رح يظهر؟

في اللحظات التي يطغى فيها الهوى وتثبت أمام شيء قاهر، بتعرف قيمة أنه الذي ثبتني في هذا الموقف هو أني كنت محافظ على أذكاري، مش ضروري كل يوم تلاحظ هذا الأثر عيناً محسوساً، لكن ستأتي الأوقات التي تكتشف فيها قيمة ثباتك على تقوية الوازع الإيماني. ولذلك الله سبحانه وتعالى لما تكلم عن الذين يضعفون أمام شهواتهم وملذاتهم ومعتقداتهم الباطلة قال، شوف هذا التوصيف القرآني: وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ. لماذا ما قال الكفار؟ ليش القرآن عبر بهي الطريقة؟ قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله، اللي خلى الكفار لا يصدق بالمعجزة، بالمعجزة القرآن العظيم هو ليس أنه لا يوجد فيه المعجزة الباهرة، وإنما ضعف الوازع الإيماني، قال الذين ما عندهم إيمان باليوم الآخر ائت بقرآن، ربنا أعطاك شو المشكلة؟ المشكلة عندهم ضعف الدين، ضعف تصور اليوم الآخر. بدك تقنعني شاب يجعل اليوم الآخر نصب عينيه سيكون متسرع متعجل في اتباع هواه؟ صعب. لما تضعف تربيتنا على الإيمان باليوم الآخر وتصوره واستحضاره في حياتنا، وتبقى الدنيا هي أعظم ما نراه، عند شيء سهل أن يكون الهوى حاكم، لكن إنسان يرى الدار الآخرة نصب عينيه هذا بشكل كبير سيحاول أن يحجم طغيان الهوى. فالوازع الإيماني تقوية تربية الإيمان بالله والدار الآخرة مع التمسك بالشعائر.

نيجي الآن على المحرك الثاني من محركات الأفكار وهو محرك خطير جداً: الكبر والحسد. طيب ما معنى أن الكبر والحسد من محركات الأفكار؟ حب العلو على الآخرين يا شباب والتميز عنهم يدفع الإنسان إلى القناعة بالعديد من الأفكار. حب علوك على الناس وأنك متميز عنهم بخليك تقتنع بكثير من الأفكار، ليس لذاتها، مش عندي الفكرة أنا بحثتها واقتنعت بأدلتها، لا، ولا لقوة أدلتها، بل لما يصاحبه من تبنيها ونصرتها من استعلاء في النفس وتميز على الآخرين. إخواني بعض الشباب قد يقتنع بفكرة فقط لأنه يشعر أنه إذا اقتنع بهذه الفكرة سيكون أفضل من غيره، أعلى من غيره، متميز عن الآخرين، ويرى أن الذين لا يقتنعون بهذه الفكرة مستواهم المعرفي متدني، لم يصلوا إلى قدرتي في الذكاء أو الغنى أو ما شابه ذلك، هذا من أكثر المؤثرات والمحركات على تبني أفكار ومعتقدات في الحياة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً لأثر هذا المحرك: وكثير من المنتسبين إلى العلم -يتكلم عن مشايخ- يبتلى بالكبر كما يبتلى كثير من أهل العبادة بالشرك، قال: ولهذا فإن آفة العلم الكبر، قال سبحانه: سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ.

كثير من العلماء لما فسروا هذه الآية قالوا: وفي الآية دليل على أن المتكبر يحرم من كثير من العقائد الصحيحة. الإنسان الذي عنده زهور واستعلاء بنفسه يعاقبه الله، فيجعل محرك الفكر عنده يقود إلى أفكار مغلوطة، ولا يعتقد العقائد الحقة. إذا فهمنا إخواني ما معنى هذا المحرك؛ حبك للعلو وحبك للتميز هو الذي دفعك تقتنع بفكرة ما، وليس لأن الفكرة أنت بحثتها بحثاً علمياً موضوعياً فوجدت أنها صحيحة أو غير صحيحة. طيب، ننتقل لسمات هذا المحرك حتى يتضح معنا أكثر وأكثر، سمات هذا المحرك، محرك الكبر، كيف الكبر سماته على شخصيتك وكيف يجعلك تولد أفكاراً ومعتقدات خاطئة وخطيرة أو حتى مواقف حياتية؟

أولاً نقول طبيعة هذا المحرك، طبيعة هذا المحرك اللي هو الكبر تتنافى تماماً مع التجردية والبحث الموضوعي. لماذا المتكبر لا يصل في العادة إلى الحقيقة؟ سؤال مين عنده جواب؟ لا برفع اليد، آه شيخ، يعني ما الممارسة المعرفية التي يمارسها المتكبر؟ لا. طيب أيوه، ما بدناش الهوى، خليه رك، ما سيأتي هو شكل من أشكال الهوى، بس هذا التنصيص على نوع معين منه. طيب تمام، طيب خلونا حتى ما نضيع الوقت أكثر من كذا.

الآن إذا أنا بدي أبحث عن حق بدي أعمل بحث، بدي أعمل بحث شرعي في مسألة، هذا يقتضي مني أني ماذا؟ البحث الموضوعي، مش هيك بيحكوا أساتذة البحث حتى في الغرب، أنه يجب أن تكون متجرداً موضوعياً في البحث عن الحقيقة، بالتالي يجب أن أسمع جميع وجهات النظر وأدلتها وأوازنها موازنة موضوعية. المتكبر لا يستطيع أن يمارس هذه الممارسة، لا يستطيع أن يكون موضوعياً؛ الموضوعي بده يسمع جميع وجهات النظر وأدلتها، ويحكم عليها بناءً على قوة الأدلة. هو لا يستطيع أن يمارس هذا؛ لأنه التكبر وحبه وتميزه يدفعه أن يتبنى وجهة نظر معينة، هي التي تشبع هذا العلو، هي التي تشبع هذا التميز، بغض النظر عن طبيعة الأفكار الأخرى ومدى قوة أدلتها.

لذلك ابن تيمية ماذا يقول؟ يقول: فإن العلم حرب للمتعالي، كما أن السيل حرب للمكان العالي. مقولة جميلة، هسة السيل بيطلع فوق ولا بينزل تحت؟ أكيد عمرك شفت السيل طالع لفوق؟ السيل ما بيطلع لفوق، السيل هو ضد العلو، السيل دائماً بينزل لتحت. قال: كذلك العلم، لما تكون أنت متواضعاً معرفياً، العلم بينزل لك، العلم كالسيل بينزل لك. لكن لما تكون أنت شايف حالك أعلى من الخضوع للمعايير العلمية، وأنه أنا بدي أقتنع بالفكرة التي تشبع نهمي ورؤيتي وتميزي، العلم لن يأتيك، العلم الصحيح العلم النافع لن يأتيك، فهذا معنى العلم حرب للمتعالي، أي ضد له، لا يتقبل ولا ينزل فيه.

النقطة الثانية، لذلك السمة الثانية من سمات هذا المحرك أن الذي يبتلى بهذا المحرك، وهو اللي بيوجهه لاتخاذ أفكاره ومعتقداته، عادةً عنده ظاهرة الضعف المعرفي، عنده ظاهرة ايش الضعف المعرفي؟ يقول الرازي في بيان هذه الحالة: ومن بلايا العجب أنه يؤدي إلى النقص في الأمر الذي يقع مع العجب. يعني أنت الآن عندك عجب بنفسك صح، شايف حالك، الذي عنده إعجاب بنفسه يقع عنده نقص في الموضوع الذي وقع فيه الإعجاب، الموضوع الذي أنت أعجبت فيه سيقع فيه نقص ولا شك. ليه؟ قال: لأن المعجب لا يروم التزيد ولا الاقتناء والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يعجب بنفسه. لأن المعجب مثلاً بفرسه لا يروم أن يستبدل به ما هو أفره منه، يعني ما هو أفضل منه، لأنه لا يرى أنه أصلاً في فرس أفره منه.

لما تكون أنا بتجلس أحياناً مع بعض الناس، هو مش مستطري أنه بس يسمع وجهة نظرك، طب شيخ خلينا نقعد وياك نسمع، لا، من أنت؟ تمام، من أنت وأنت إيش تحصيلك؟ أنت تحمل شهادة دكتوراه؟ أنت ماذا تحمل؟ يبدأ يتكلم معك بلغة علوية، طيب شيخ أنا ماشي، أنا بجوز مش حأعمل شهادة زي شهادتك وكذا، بس اسمعني أنا، أنا بس بدي أطرح وجهة نظري وأعطي أدلتي. لا لا أقبل ذلك، هذا الشخص لاحظ العجب بالنفس، أنه أنا معي شهادة دكتوراه في الشريعة، أنا إنسان خريج جامعات كامبريدج ولا ما شابه ذلك، أنا إنسان درست وتعلمت وعندي خبرة، من أنتم؟ هذا الشعور بأنه أعلى من أن يسمع من غيره يجعله يفقد كثيراً من المعرفة.

لذلك البخاري بماذا قال؟ لا ينبل الرجل حتى يتعلم ممن هو مثله ودونه وفوقه. لن تكتمل معرفتك ولن تزيد إلا حتى تتواضع نفسياً، أنه حتى لو كان طالبِي وأعطاني معلومة مش عندي، ممكن أستفيد منه؛ لأنه أنا في النهاية متجرد للحقيقة، أنا بدي أوصل للحقيقة، جاءت من شخص أقل مني منزلة، مثلي، أعلى مني، ما عندي مشكلة. هذا اللي خلى البخاري ومسلم والأئمة الكبار يكونوا كباراً، هو هدفهم العلم والمعرفة، وهذا الذي يجعل الكثير منا يحرم من العلم والمعرفة؛ أنه يتبنى فكرة ومش قادر يتصور أنه ممكن فكرته تكون غلط، فهو ايش يصم أذنه عن سماع آراء الأفكار الأخرى.

كثير من الشباب بيلتحق بتيارات معينة، ممتاز، بغض النظر شو التيار، شو مكانت الجماعة، كلهم زي بعض، في هذه الفكرة صح، بكون متبني فكرة تيار معين، طيب شيخ تعال أقول لك أنه والله تيارك ما شاء الله عليه ممتاز، بس عندهم غلط هون، وهون عندهم هذه المشكلة. لا، شيخ كيف، نحن صح، نحن أهل السنة، نحن الطائفة المنصورة، شوف شو بتحكي أنت قاعد، حلا ماشي، خلينا أنا وإياك نتحاور، هسة سيبني من إسقاطاتك على نفسك أنك الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، بدي أتناقش معرفياً وعلمياً، الدليل كذا وكذا وكذا وكذا، أعطيني أدلتك، لا أنا أصلاً ما برضى أناقش، خلص الموضوع انتهى، صمٌ هذا شعور بالعلو بالإعجاب بالنفس.

هذا كله إعجاب وعلو، أنك لا تريد أن تسمع من أي شيخ يخالف تيارك، أو من أي شيخ عنده مشكلة مع بعض مشايخك، هذا علو، هذا نوع من الإعجاب الزائد غير المبرر، ويحرمك والله من العلم النافع إلى أن تكتشف، وكثير من الشباب بعد فترة طويلة يكتشف أن شيخه الذي كان هو معجب به ويستعلي به، أنه كان فعلاً عنده أخطاء كارثية، بس العجب كان والعلو كان مخليني أنه أنا بدي أعلو بجماعتي على الجماعات الإسلامية الأخرى، وأعلو بفكري عن فكر الجماعات الإسلامية الأخرى، فلا أتتواضع أن أسمع منهم، أن أشوف وجهات نظر أخرى في الساحة، لعلي أكون مخطئاً.

هذا شعور الإنسان أنه يمكن يكون مخطئاً، هذا مش موجود عند المستكبر، فلذلك يحرم من كثير من المعرفة.

ثالثاً، الشعور بالأحقية في التميز دوماً، هذه النقطة الثالثة في هذا المحرك، أن المتكبر شو مشكلته؟ الشعور بالأحقية في التميز دوماً. طيب ليش أنت، ليش أنت لازم تكون أنت المتميز؟ لماذا التميز لازم يكون عندك حضرتك؟ لأن بسبب ممكن بسبب الغنى، شايف حاله أغنى، أنا غني أنت فقير، أحياناً ممكن يكون أنه من عيشة الذكاء، والله أنا جبت في التوجيهي 98، أنت جبت كم؟ تعال قديش جبت؟ 75، الله يسهل عليك، يعني أمورك صعبة، يعني كيف أسمع منك، أنا ما بستنظف أسمع منك، تمام، القوة، أنه أنا أقوى وعندي جسم وكذا وأنت ضعيف وحيلتك قليلة، مثلاً، أي الجنس البشري، طبعاً اليهود أسياد العلو، ونحن أبناء الله وأحباؤه، نحن كيف نسمع من أحد؟ نحن أبناء الله وأحباؤه، العلو والاستكبار.

أي الذكورية أحياناً عند بعض الشباب، اللي هو إيش؟ أنه بتكون في العلاقة الزوجية، أنه أنا معقول أسمع من مرتي، معقول مرتي تنصحني، توجه لي تعليمات؟ لا أقبل، ليش أنا رجل، هي أنثى، كيف هي تنصحني؟ وهذا نوع من العلو ترى، هذا نوع من العلو، أنه بعض الشباب هو لا يسمع نصيحة زوجته مع أنها تكون في الاتجاه الصحيح، بحجة أنه ايش؟ أنه أنا أعلى يا شيخ، وللرجال عليهن درجة، مش هيك ربنا قال، بالتالي نحن أعلى، بالتالي ما بنسمع، إذا النبي صلى الله عليه وسلم سمع نصيحة أم سلمة لما قالت، قالت له كيف يتصرف في صلح الحديبية وأعجب برأيها، وكان يسمع من الحباب بن المنذر، يا رسول الله، منزل أنزلك الله فيه أم هو الرأي والمكيدة؟ قال: الرأي، فقالوا: لا، هذا منزل مش صح، في منزل آخر، واستقبل النبي صلى الله عليه وسلم هذه النصيحة وتبعها. أنت أعلى من محمد صلى الله عليه وسلم؟ فبالتالي الشعور أن الذكر لا يقبل من الأنثى بحجة هذا غير صحيح.

أيضاً الرتبة الجامعية، أنه أنا أستاذ دكتور، أنت شو حامل؟ أنت لساتك مش دارس توجيهي، أو أنت لساتك طالب بكالوريوس سنة أولى، بالتالي سامحني صعب جداً أسمع منك، وهذا كثير في الجامعات أكيد بتشوفوه، ممكن دكتور جامع يخطئ، يخطئ خطأ أمامي، كان يخطئ، شيخ ترى المعلومة بس الله يرضى عنك هي هكذا، أنت طالب سنة أولى بدك تعدل للدكتور؟ الله يسهل عليك اطلع برا الصف تمام أو تسقط المادة. طيب شيخ عادي، يعني هي كل، هو طبعاً بده يكون في لباقة أحياناً، أنه بعض الشباب لا بكون الغلط منه أنه تكلم بهمجية، بس باحترام وتقدير، الأصل أنه الشيخ الذي يبحث عن الحق ما يشوفها كبيرة أنه طالب من طلابه يعدل له كلمة خطأ أو توجه، أو ممكن أنت شيخ كنت متصور المسألة خطأ وطالب فهمها صحيح.

الرتبة الجامعية بتخلق نوعاً من العلو، والله بعضهم يصر على الخطأ مع أنه واضح أنه خلص يعني ثبت بالعقل الراشد أنه خطأ، بس الكبر أنه أنا أعترف أنه خطأ والله ما بعترف بهذه الصيغة تماماً، لا يمكن أن يعترف، مع أنه رأى فشل بعض حتى إخواننا في الجماعات الإسلامية، الله يكرمهم، بجربوا أكثر من تجربة وبتفشل، بتراجع بتفشل، شيخ طب خلص جربناها ومرة جزاك الله خير واشتد وفشلت، طب مرة ثانية فشلت، مرة ثالثة، لا معقول أنا أعترف أنه نحن مارسنا ممارسة في السياسة الشرعية خطأ؟ لا يمكن أن نعترف بهذا، هذا كله من أشكال العلو، هذا كله من أشكال إيش؟ العلو.

يعني هو طبعاً حاول يقنعك أنه البحث تجريدي وموضوعي، لا هو علو وصعوبة الاعتراف، ولذلك أنا دائماً كنت بنصح إخواني وطلابي خاصة المقربين: لا تنضم لأي جماعة، اشتغل مع كل الجماعات، إخوانك في، واعمل معهم، فالإسلام يسع الجميع، لكن نصيحتي لأنه سبحان الله هذا محرك العلو يخضعك، لما تتأطر يخضعك، يا أخي الإسلام يسعنا جميعاً وأستطيع أن أكون مسلماً وأشتغل مع الجميع بدون ما أتأطر، بدون ما أتأطر، حتى سامعنا، حتى الانتسابات البينية، سلفي ومش سلفي، وقضية يعني، أنت مسلم، هو سماكم المسلمين، عيش مع الإسلام كقضية، عش الإسلام كقضية واعمل مع إخوانك في مختلف التيارات والجماعات على المصلحة العليا ما دام مصلحة الإسلام، لأنه في اللحظة التي ستتأطر بها سيصبح عندك نوع من العلو والشعور أنه صعب أعترف بالهزيمة، لما أكون أخطئ ستشعر هزيمة أنه كيف جماعة إسلامية أخرى تعلم علينا؟ ترى هذا كذا بالضبط يحصل في الواقع، وكثير اليوم بشوف النقاشات كذا فكرية، والله جماعة كتب لها أنه هي تمسك منطقة معينة، الجماعات الأخرى لازم تسقطها، هم أنفسهم بيسقطوهم في أشياء هم فعلوا ما هو أسوأ، لما كانوا، بس هي الفكرة خلص أنه ما بدي أعترف أنا أنه أنا كنت غلطان، ما بدي أعترف، وصعب أنا أعترف بالهزيمة.

طيب، فهذه الفكرة ننتبه لها، يقول الخطابي، لا بس ارجع، يقول الخطابي في تحليل رائع ودقيق في الدافع الحقيقي، مثلاً لماذا انتشر الفكر الكلامي في العالم الإسلامي؟ لماذا كثير من العلماء الأفاضل الذين على الرأس والعين عموماً، بس تبنوا أفكاراً خاطئة سواء من الأشاعرة ولا الماتريدية ولا غيرهم ممن تبنوا أفكاراً خاطئة وأصبحوا يدافعون عن فكر المتكلمين؟

شوف الخطابي مع أنه الخطابي ترى أحد المتأثرين نوعاً ما بالفكر الكلامي بس هو منصف، يعطيك المحرك الحقيقي لهذه الفكرة، فكرة اعتقاد أن الفلسفة يجب من خلالها نوصل الدين للناس، وأن الفكر الكلامي به يتم نصر العقيدة. ماذا يقول الخطابي؟ يقول: ثم إني تدبرت هذا الشأن، يعني هو انتشار الفكر الكلامي وتبني كثير من العلماء له، قال: فوجدت أعظم السبب فيه أن الشيطان صار اليوم بلطيف حيلته يسول لكل من أحس من نفسه بزيادة فهم وفضل ذكاء وذهن، ويوهمه أنه إن رضي في علمه ومذهبه بظاهر من السنة واقتصر على واضح بيان منها كان أسوة للعامة، وعد واحداً من الجمهور والكافة، وأنه قد ضل فهمه واضمحل لطفه وذهنه، فحركهم بذلك على التنطع في النظر والتبدع لمخالفة السنة والأثر؛ ليبينوا بذلك عن طبقة الدهماء ويتميزوا في الرتبة عمن يرونه دونهم في الفهم والذكاء.

عجيب، فما معنى هذا الكلام؟ أنه كثير من علماء الكلام، الغزالي ولا الرازي ولا غيرهم، هؤلاء أذكياء العالم باتفاق، كانوا من أذكياء العالم، بس شو مشكلتهم؟ أنه هو شوية شافها صعبة عليه، معقول أكون أدلة العقيدة عندي هي نفسها أدلة العامة؟ معقول أنا فقط أقتصر على الكتاب والسنة وأمشي على قال فلان وقال أبو بكر؟ ذكاؤهم للأسف جنح بهم نحو أن لا يقبل أن يكون مستوى تفكير العقل، بسم الله، بسم الله، في صوت... اعتمد على هذا بس، اثنين شغالات، بسم الله، طيب. إذا هو باختصار الخطابي يقول لك أن كثير من العلماء، حتى تعرف أن محركات الأفكار لا يبرأ منها حتى العلماء الذين نقول الله يرحمهم، بس بدك تفهم هي هكذا الحياة، وهذا معنى أن نعي ذاتنا، إذا كان علماء وقعوا.

فريسة محركات الأفكار، وهذا الشيء لاحظه الخطابي؛ يعني هذا إمام كبير من أئمة الحديث ومُتأثّر بالعلم الكلامي نوعاً ما. بس بقول لك الواقع: ليش صار فيه هوس في بعض كتب التراث الإسلامي بالفلسفة اليونانية والكلام في المنطق الأرسطي؟ واستكثروا من الحجاج المنطقي والفلسفة؟ ليش صار فيه هوس في هذا؟ لأنه فيه طبقة من الأذكياء شافت أنه معقول نحن نفكر في العقيدة ونستدل لها بنفس مستوى الأدلة التي يتكلم فيها جماعة أهل الحديث الحشويين النابتة؟ فبالتالي بتصير الفكرة أنهم إيش؟ أنه لا، نحن لازم نأتي بأدلة أعمق وبأدلة أرسطية فلسفية بالجوهر والعرض والحادث، ويجيب لك هالمصطلحات وبيدخل لك إياها؛ لأنه هو يصبح يرى أنه متميز لما يستحضر هذه المصطلحات.

بتعرفوا اليوم الرجل اللي بيعطي محاضرة في الثقافة الإسلامية وكل دقيقتين بيدخل كلمة باللغة الأجنبية؟ ليش بيعمل هيك؟ هسا في بعضهم جيد ونافع، الله يرضى عليه، بس أنا بقول لك عن ممارسات بعض الناس. طيب أنت بتحكي مع عرب ومع شباب ملتزمين ومن أهل البلد، شو فائدة أنه أنت بتحكي محاضرة في الثقافة الإسلامية لازم كل شوي "كالشر" ويجيب لك كلمتين، هيك يضيف لك كم كلمة أجنبية؟ شعوره بالتميز، أنه أنا معقول أعطي خطاب الواعظ؟ معقول أحكي زي ما بيحكوا الشيوخ؟ الحمد لله، نحمده ونستعينه، قال الله، وقال الرسول. يا أخي هذه كل الناس بتحكي قال الله، قال الرسول. طيب أنت شو بدك تحكي؟ أنت بدك تجيب كلمات إنجليزية في خطابك، لازم أنا مثلاً أوظف، أجيب أسماء فلاسفة أوروبيين، لازم يكونوا دائماً مستعملين حتى أشعر الناس بالتميز المعرفي العلو. طبعاً هذا قد لا يكون بحد ذاته أنه فيه فكرة غلط، بس هي ممارسة سببها أن الإنسان يحب أن يشعر بالتميز، يحب أن يشعر أنه أعلى من غيره، هذا الشعور إذا ما ضبطته في نفسك سيُهلكك، لأن به هلكت الأقوام السابقون.

انتقل كيف تحدث الكتاب والسنة عن هذا المحرك؟ أولاً النبي صلى الله عليه وسلم والآيات القرآنية كثيراً تحدثت عن هذا المحرك بالتحديد؛ قوله صلى الله عليه وسلم في تعريفه للكبر، ماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الكبر؟ قال: بطر الحق. إيش يعني بطر الحق؟ رد الحق. شوف تعريف الكبر أن ترد المعلومات الصحيحة. هل الكبر هو رد المعلومات الصحيحة؟ شو رأيكم في هذا التعريف؟ كيف نفهمه؟ زي ما علمناكم قبل شوي، رد المعلومات هو نتيجة الكبر، صح؟ يعني الكبر يجعلك ترد المعلومات الصحيحة الموجودة عند غيرك، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الكبر هو نفسه رد الحق، وإن كان رد الحق هو نتيجة، هو ثمرة، هو ثمرة للكبر. وهذا لما يغلب المحرك على الفكرة، فتصبح الفكرة تسمى به، زي ما حكينا في قضية تسمية الأفكار بالأهواء، هي الأفكار نتجت عن الأهواء لكن أصبحت الفكرة تسمى هوى. نفس الشيء بطر الحق، رفضك للحق وعدم انصياعك له هو نتيجة الكبر اللي في داخلك، الاستعلاء اللي في داخلك، فجعل نفس الكبر كأنه هو نفسه رداً للحق لكثرة ما يؤدي إلى ذلك.

طيب، اثنين، أكثر وصف وصف الله به أهل الباطل، قوم عاد، قوم فرعون وغيرهم، ما هو أكثر وصف وصفوا به بعد اتباع الهوى؟ الاستكبار. اقرأ القرآن حتى تجد أن القرآن يدلك على محرك الأفكار لديهم؛ قال سبحانه وتعالى في قوم نوح، ماذا قال نوح يقول: يا رب، وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا. هذا اللي خلاهم ما يأمنوا بالحقيقة، الاستكبار، أنه معقول نحن نتبع نوح؟ طيب قوم عاد نفس الشيء، ماذا قال؟ فَلَمَّا عَادَ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ. فرعون وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ. طب هم مستيقنين فيها في الداخل، طيب لماذا أخذوا موقف خارجي بالجحود والنكران؟ ظلماً وعلواً، حب العلو. أنا فرعون، شايف حاله أعلى من موسى، معقول أنا اتنازل للحقيقة اللي عند موسى اللي أنا ربيته في حضني وفي بيتي؟ شعور الإنسان، لذلك الأب صعب يتقبل من ابنه، والشيخ صعب يتقبل من طالبه، والزوج صعب يستقبل من زوجته، إلا إذا زكى نفسه تزكية عالية جداً، لأن الإنسان عنده حب العلو.

ثالثاً، مثلاً النصوص الشرعية بينت النقاشات التي كان يخوضها أهل الباطل مع أنبيائهم، والتي كان واضحاً جداً فيها أن هذا النقاش ليس نقاشاً موضوعياً تجريدياً، وإنما المستكبر هو الذي يدفع لمثل هذه النقاشات. مثلاً كثير من أهل الباطل لما كانوا يجادلون أنبيائهم، ماذا يقولون لهم؟ لماذا يرفضون العقيدة التي يأتي بها الأنبياء؟ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا. أنه نحن نؤمن ببشر؟ طيب الآن أنت إيش علاقتك، أنا بشر ولا مش بشر؟ أنت ادرس الفكرة نفسها، بغض النظر جاءك بها بشر ولا جاءك بها ملك ولا جاءك بها جني، الفكرة صح ولا خطأ؟ أهل الباطل ما كانوا يناقشون الفكرة بذاتها، كانوا ينتقلون إلى من جاء بالفكره، هذه عدم موضوعية، هي حيادة، أنت ما ناقشت الفكرة، أنت بس مش عاجبك أنه الفكرة مين جاء بها فلان. نفس الشيء بصير في الجماعات الإسلامية، أنه أنت بتناقش شخص، بتناقش نفس الفكرة، صدقوني كنت بمارسها مع شخص، بتقول له هي الفكرة كذا وكذا وكذا، بقول لك رائعة. بتقول له ترى بس هي بقولها فلان اللي أنت بتخالفه، هيك زي كأنك أعطيته كهرباء، بس لأنه عرف أنه الفكرة قال مثلاً شخص أشعري، تعطيه فكرة، بيعرف أنها كلام ابن تيمية، فخمة، بس تقول له بس هذه في الآخر وقالها ابن تيمية، تلغى الفكرة وأصلها والإجابة. ليش هو بس لما عرف من صاحب الفكرة أنه أنا معقول اتنازل لأسمع من هذا الشخص؟ وهكذا يحصل.

كذلك قضية الافتخار مثلاً بالقوة البدنية، نوع من العلو، هذا كثير كان في قوم عاد بالتحديد، دائماً إيش يقول: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ طيب يعني هود عليه السلام مش جاي يتحداك في القوة، مش جاي يفرض عضلاته، سيدنا هود عليه السلام جاي يعطيك العقيدة، شو اللي ليش بتردوا العقيدة الصحيحة؟ من أشد منا قوة، طيب وإيش علاقة "أشد منا قوة" في كل النقاش العلمي والمعرفي؟ بس هي الاستكبار، أنه أنا معقول أرد على هود؟ هود زلمة ضعيف جسمه كذا، نحن أقوياء بنينا، معقول نحن نخضع لهذه الحقيقة عن طريق هود؟

كذلك مثلاً الافتخار بالقوة العلمية وهي ما أكثرها اليوم، خاصة اليوم كثير من أساتذة الفيزياء والأحياء في جامعاتنا العربية، كثير للأسف بيتجه نحو الشكوكية والإلحاد وكذا، بتشوفه خاصة إذا درس له شوية هيك تخصص علمي شاف حاله. ربنا عز وجل يخبرك كيف يصبح العلم سبباً من أسباب العلو ورفض الحق: فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ. كثير من الأقوام فرحوا، والمرات بالفرح هنا البطر، الكبر. قالوا نحن نتبع الرسل؟ إحنا اللي عملنا وسوينا وبنينا ورفعنا وكذا، كيف يمكن أن أخضع لإنسان لا يملك من المعرفة والعلم ما يوجد عندي؟ هذه حقيقة مرض، ويمكن أنا وإياك ترى نكون واقعين في أحياناً في كثير من ممارساتنا أن نرفض الحق فقط لأن من جاء به لا نحبه، ونرى أننا أفضل منه أو أعلى منه إلى غير ذلك.

كذلك مثلاً كثير من أسباب رفض الحق، كفار قريش، لماذا كانوا يرفضون اتباع الحق الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم؟ ربنا عز وجل يخبرنا ماذا قالوا؟ يقول: وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا. إيش المشكلة؟ أنهم كانوا يرون من كان يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ابتداءً، بلال بن رباح والناس المستضعفين، فكفار قريش العتاوي اللي شاعرين بالكبر، معقول نحن نؤمن بعقيدة وفكر سبقنا إليه الضعاف الفقراء؟ يعني معقول أبو جهل وعتبة بن ربيعة يؤمن بعقيدة وفكرة تبناها بلال بن رباح وخباب بن الأرت؟ إذاً تخيل أن سبب عدم اعتقادهم بالعقيدة الصحيحة هو العلو، أنه معقول نحن نؤمن كما يؤمن ضعاف الفقراء؟ وهي نفس الفكرة اللي رصدها الخطابي عند علماء الكلام، أنه معقول نحن تكون طريقتنا في التفكير والتأصيل العقدي مثل طريقة المحدثين كتاب وسنة؟ هذا نزول في المستوى، هذا خطير الكلام.

أخيراً تحذير القرآن لك من الأمراض النفسية التي يسببها الكبر، من أكثر الأمراض النفسية التي يسببها الكبر الحسد، لأن المتكبر إذا شعر للحظة معينة أن الطرف الآخر علا عليه سيحسده، وهذا ما وقع بالضبط مع مين؟ مع بني إسرائيل، هم شايفين حالهم الشعب المختار وأفضل الشعوب ونحن أبناء الله، وأين أتتهم الطعنة؟ لما خرج الرسول آخر الزمان من غيرهم، من جنس العرب، انصدموا، هم كانوا مترقبين أن يخرج منهم، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. لماذا كفروا به؟ قال: بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ. لماذا كفروا؟ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن. هذا محرك الفكرة، كلمة بغياً، حط تحتها خط زي ما بنحكي، محرك الفكرة البغي، مش لأنه محمد صلى الله عليه وسلم مواصفاته ليست المواصفات الموجودة في كتبهم، نفس المواصفات يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، لكن تبنيهم للمحاربة والمواجهة هو البغي والحسد الذي سببه الكبر، لذلك المتكبر إذا وجد حقاً عند غيره يحسده على ذلك ويتمنى زوال النعمة عنده ويرفض أن ينصاع له.

طيب، الآن كيف؟ طبعاً هنا بس يعني فائدة سريعة كتبتها، لم أذكرها عندكم على الشاشة، وهو لماذا ينزع الشخص الحاسد؟ هي تتعلق بالحسد اللي ذكرناه آخر شيء. لماذا الشخص الذي عنده حسد لمشايخ أو دعاة أو طلاب علم أو لإخوانه لماذا يشعر بالانزعاج من المعلومات والأفكار التي ترد من خصومه؟ كالتحليل النفسي له، يقول الشخص الحاسد هو يحب كما قلنا أن يظهر تفوقه على الآخرين، فإذا جاء شخص لديه معلومات أكثر منه في اتجاه آخر أو في مصف آخر، سيشعر أن هناك من ظهر تفوقه عليه، يعني أنت بتحب أنك أنت اللي تظهر تفوقك، للأسف في هذه المرة لا، جاء شخص كان أكثر تفوقاً منك، هل أنت عندك قدرة نفسية أن غيرك يتفوق عليك؟ هل أنت عندك يعني تصالح مع نفسك أن ما عندي مشكلة أن غيري يتفوق علي؟ الحمد لله هذا رزق. نحن أكثرنا ما عنده تصالح مع النفس، بالتالي يكره أن يشعر أنه فيه طرف تفوق عليه، كذلك يشعر أن الشخص المقابل سيسحب الأضواء منه، وبالتالي يكون حسده سبباً في عدم قبول أي حق يأتي منه، مع أنه قد يراه حقاً، كما أن اليهود كانوا يرون الحق في وجه محمد صلى الله عليه وسلم وصرحوا بذلك بينهم، لكنهم رفضوا الانصياع بسبب أنهم لا يريدون أن تسحب الأضواء منهم وتتجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم. أخيراً، قبول الحاسد للحق الذي يأتي به الآخرون أو من غير طائفته أو جنسه يفضح بالنسبة عنده ضعف موقفه، وأنك لست أنت الأكفأ، أو ما شابه، هذه كلها تصورات تمنع الحاسد من أن يقبل الحق الموجود عند الآخرين.

طيب كيف نعالج هذا المحرك؟ حقيقة هذا المحرك يعني الاستكبار لو سألتك كيف ستعالج الكبر في نفسك؟ أولاً أنت تحتاج إلى معالجة إيمانية، أنت تحتاج أن تعود إلى القرآن وإلى الذكر وإلى الصلاة وإلى العبادات، وتتعلم كيف تجعل القرآن يشكل فكرك ويشكل عقليتك ويشكل إيمانياتك. لكن لو بدي أتكلم كنقاط سريعة في معالجة الكبر: أولاً عليك أن تجالس من يفوقك معرفياً، كثير من الشباب خاصة في الجماعات وغيرهم حتى يبقى شعور العلو والاستعلاء حاضر في حياته المعرفية، ماذا يفعل؟ يرفض أن يجالس من هو أكبر منه علماً، يبقى يحرص أن يجالس الطغام الذين يصفقون له، لأنه لما يجلس مع جهال وهم شايفينه سيدنا الشيخ يبقى يشعر بإيش؟ بنشوة العلو، أنه أنا شايف في ناس بتحط لي لايك وبتغرد لي وبتعمل لي ريتويت، وشو بدك أحسن من هيك؟ هذا الشخص نفسه، إذا هو بده يعالج الكبر اللي عنده، لازم يجلس في مجالس من هو أعلى منه علماً، عود نفسك أنه فيه ناس أكثر مني علماً، تمام، فيه ناس ربنا آتاها علم أعلى مني، وبالتالي بعود نفسي أجلس في موائدهم، موسى لما سئل من أعلم أهل الأرض قال: أنا، فالله أراد أن يعلمه: اذهب للخضر، اجلس مع واحد هو قد لا يكون أعلم منك من جميع الجهات بس عنده معلومات مش عندك، وعود نفسك تجلس بين أيدي، طبيعي هي تربية القرآن يربينا.

ثانياً، تعلم الصمت في المجالس والمحافل، الشاب اللي شاعر أنه مبتلى بداء الكبر وحب الاستعلاء المعرفي عود نفسك ألا تتكلم، حتى لو كنت في محفل والناس كلها تنظر إليك، لا تشعر بأحقية أنه أنا اللي لازم أتكلم، نعم لأنه أنا أعلى من غيري، لا، عود نفسك أن أصمت وأن لا أتكلم ما دام الظرف لا يستدعي ذلك ضرورة. يعني فيه واحد حكى كلمة غلط، فش واحد شوه؟ عادي، خلي المساحة لغير من إخوانك يتكلموا ويبادروا ويتقدموا، مش ضروري أن تكون أنت المتحدث دوماً، اخضم نفسك.

أخيراً، استحضار حجم الأخطاء المعرفية الذي وقع منك في خلواتك وجلواتك ليبقى النقص البشري حاضراً معك، حاول إذا شعرت نفسك تريد الكبر والعلو أن تتذكر معاصيك، تتذكر ذنوبك، وكما كان عمر بن الخطاب لما كان خليفة، مش كان قال، كان يشعر أحياناً قال: تأتيني أحياناً ساعات أشعر فيها أنه عمر أمير المؤمنين، فكان يشعل نار ويحاول أن يضع إصبعه فيها، كان يحاول أن يذهب إلى عجوز ويخدمها فقط من أجل أن يشعر نفسه بإيش؟ من أنت؟ اه نعم، من أنت؟ لمن أنت؟ تكلم مع نفسك، من أنا؟ لماذا أشعر بالأحقية؟ كثير من.

الشباب في الخلافات الزوجية بيجي بشعر أنه الشاب مشكلته أنه يرى نفسه شيئاً كبيراً على زوجته، حقيقةً عنده نوع من العلو، عنده نوع من العلو يحرك الأفكار لديه ويجعله يطلب من المرأة طلبات كثيرة وما شابه ذلك. وإذا المرأة ردت عليه أو ناقشته، أنت كيف تحكي معي زي هيك وأنه أنا رجل وأنا صاحب القوامة أنت امرأة ناشز، لا أخوي هي ما غلطت، هي بس ناقشتك في فكرة، حاولت تبدي بعض وجهات النظر، فأحاول أن أفهم سبب هي القسوة فأكتشف أنه هو لا هو عنده نوع من العلو، أنه يرى نفسه شيئاً كبيراً، أنه أنا كيف زوجتي ممكن حتى مثلاً بعض الشباب زوجته ممكن علت صوتها عليه في لحظة غضب، بقول لي أنا شيخ رح أطلق، شيخ طيب شو صار؟ علقت، يا شيخ عمر بن الخطاب كانت زوجته ترفع صوتها على عمر بن الخطاب وكان بيمشيها، يعني عادي جداً. أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يتعبونه ويناقشونه، فمن أنت؟ لماذا ترى نفسك أعلى من أن تتعبك زوجتك أو ترفع صوتها؟ طبعاً ليس هذا حثاً طبعاً أن ترفع صوتها هذا غلط شرعي، بس أنا أقصد شعور الاستعلاء الداخلي وأنه من هي حتى تفعل أو من أنت حتى برضه تشوف حالك كبير. لا بد تخاطب نفسك بهذه النفسية حتى تخضع وتخنع وليس من أجل أن تذل.

طيب، المحرك الثالث من المحركات، يعني سامحونا نحاول نتكلم قدر المستطاع، هناك محرك أنا اسميه العواطف والمشاعر.

العواطف والمشاعر، ماذا أقصد بالعواطف والمشاعر كمحرك من محركات الأفكار؟ يقصد بهذا الدافع أن يكون أساس انبثاق الفكرة في ذهنك وتبنيك لها هو إحساس ومشاعر أحاطت بهذه المسألة أو بظروف إيرادها، مما جعل الشخص يتبنى نظرة فيها بعيداً عن أي عمل عقلي وحجاج ذهني وبحث عن أدلة موضوعية، يعني مسألة بتصير أمامك، خليني أعطيك مثال حتى أريحك بدي أقعد أشرح لك إياه، آخذ من خلال هذا المثال. زوجتك رنت عليها صديقتها بتبكي وتشكو لها عن تصرفات زوجها معها تمام، وأن زوجها سيء المعاملة وتبكي، مع نزول أول دمعة من صديقتها زوجتك ستنفعل وتغضب وتقول شايف صاحبك سيء الخلق، وستتصور أن هذا الزوج هو أبشع زوج في هذا الكون، مع أنها سمعت من الطرف الآخر؟ طب هي كيف حكمت أن هذا الرجل سيء؟ ايش اللي خلاها هذا حكم؟ أنت الآن حكمت على مشهد أنه هذا الرجل زوجته سيء، لماذا الزوجة اتخذت هذا القرار؟ العاطفة والأحاسيس، يعني أول دمعة نزلت من صديقتها أمامها وهي تشكو لها زوجها وشو بوي جعلتها تتبنى تصوراً معيناً عن هذا الزوج أنه بشع وقاسي وعنيف ولا يستحق الزواج ويجب أن يطلق وتبدأ تحرض صديقتها، أنت شو مخليكي مع هذا الرجل؟ طيب استنى استنى أنت لسه ما سمعتي من الطرف الآخر ولا عرفت شيء، إذا هذه فقعت عينها فذلك قد فقعت عيناه، يعني ممكن هذاك الاثنتين مش موجودات، فالفكرة هكذا نحن نحكم على كثير من الأمور.

طيب مثلاً عندما ترى رجل مقتول ومطروح في جانب الشارع تمام، أنت شفت صورة وصلت لك رجل مقتول ومطروح في جانب شارع كشف بطنه، شو الصورة رح ستبنيها في ذهنك؟ بشاعة القاتل، كيف رماه في الشارع، كيف كشف عن بطنه وهيك ملقى في الشارع بهي الطريقة، إذا شفت الصورة رح سترسم صورة لقاتل بشع مجرم، هانت عليه أن ترمي جثة بهذ الطريقة، لكن لما تعرف أن هذا الرجل هو صهيوني مجرم قتل العديد من الأطفال الأبرياء وتم القتل على يد المقاومة شو ستصبح نظرتك لنفس المشهد؟ ويشفي صدور قوم مؤمنين. طيب شيخ أنت لسه، هذا حتى تعرف أن الإنسان محكوم بعواطف وأحاسيس، هكذا الإنسان أنت محكوم بالعواطف والأحاسيس، قبل ما تعرف من صاحبها أنت بنيت حكم عن القاتل سيء، بعد ما عرفت أنه صهيوني لعين قاتل للأطفال شعرت بقمة السرور والنشوة أنك فعل به هكذا، شو اللي غير حكمك عن القاتل؟ كنت تراه مجرماً أصبحت تراه بطلاً، غيرت حكمك عن القاتل في أحاسيس وعواطف ما معرفتك بعد ذلك بالحكم الحقيقي، أنت عرفت أنه هذا باقي مجرم وقتل الكثير وتم القضاء عليه وهكذا.

طيب، العقيدة الرافضية، العقيدة الرافضية من أكثر العقائد ابتعاداً عن الموضوعية، يعني لو بدك تجي تيجي تناقش أي مسألة يتبناها الروافض علمياً ما في أدلة، ما في أدلة علمية بتقدر تحكي فيها، بس هي مهاوشات ومناوشات بصرخوا فيها من 1500 سنة يصرخون بها، لكن مع ذلك أنت ترى العقيدة الرافضية لها جمهورها شئت أم أبيت صحيح، يعني في إيران في كثير من المناطق في اليمن في لبنان في ناس بتتبنى هذه العقيدة مع أنها بعيدة تماماً عن الموضوعية بكلام جميع الطوائف الذين عاوروهم وناقشوهم. طيب ما الذي يجعل هذه العقيدة تجد مكاناً لها؟ نظر العاطفة والأحاسيس، وهذا قاله أحد رجالات المذهب الرافضي، ماذا يقول؟ يقول ونحن لا نشك في أن بقاء التشيع واستمراره وانتشاره بين الطبقات العامة يعود فضله إلى الشعائر الحسينية، من تعازٍ ومواكب وسوى ذلك مما له أبلغ الأثر في تعميق روح الولاء والمحبة لأهل البيت. شو معنى هذا الكلام؟ اللي خلى الفكر الشيعي يمتد إلى يومنا هذا، محافظة الشيعة على طقوس عاشوراء والحسينيات واللطميات، وأن يخرجوا أصواتاً فنانة في التباكي على دم الحسين رضي الله تعالى عنه والبكاء عليه ويخرج النساء يبكين في هذا الموسم، مما يشعر الطغام والعوام في إيران وفي غيرها من المناطق أنه فعلاً في مظلومية كبرى يجب أن ترفع، وأن العقيدة الرافضية هي التي تنصر مظلومية الحسين رضي الله عنه وهي الكفيلة بحمل لواء أهل البيت، ولا كل الفكرة لما هم يجوا يبحثوها بواحد زائد واحد وعلم موضوعي، طب يعني ما هي الأدلة الموضوعية؟ نعم الحسين مظلوم بس هذا لا يعني شتم أبو بكر وعمر والدخول في عرض عائشة ولا يعني الطعن في كبار الصحابة ولا تكفيرهم، يعني ايش علاقة هذا بهذا؟ فانت تكتشف إذاً في النهاية أن هذه العقيدة إنما راجت ووجدت قبولها باعتراف رجالاتهم بالمحافظة على الأحاسيس والمشاعر، فكان حكم كثير من الناس الضعاف أنها عقيدة صحيحة.

كذلك الصوفية بشكلها الغالي، التصوف بشكله الغالي شو اللي بخليه مقنع لكثير من الجهال؟ أنه يعتمد على الأمور اللي فيها أحاسيس وعواطف، الأعياد، الموالد، الصوت الجميل، الترنمات، الدف، لذلك عادة الجمهور النسائي حاضر عندهم بقوة اللي بيميلوا لنمط الهذا. لكن لماذا في الأوساط البحوث العلمية القوية تجد أن الناس تبتعد؟ لأنه شيخ والله أجي أحضر محاضرة ساعتين مع إبراهيم رفيق والله شيخ بيطلع روحنا وطول علينا وكذا وعفله وكلام وسو لي فراح وجاي وأدلة وقال ابن تيمية وقال كذا، نحن بنميل للنوع ال هيك الشيء البسيط الخفيف، يعني أغنية، أنشودة كذا، طبلة دفه، عيد مولد يكون فيه أكل شرب، هذا الدين الخفيف هو الذي يشعرنا أنه التصوف صحيح وأن هؤلاء المحدثين متعنتين متشددين، يغلب عليهم الطبع القاسي بخلاف شوف الصوفية قدش لطيفين وحبايب وبيتكلموا بالرقائق والزهدية، هذا كله موقف عاطفي مش موقف مبني على دراسة. طب هل ما يقولونه صحيح؟ هل درست من ناحية موضوعية أدلة الكتاب والسنة أنها توافق هذا الفكر أو هذا الفكر؟ وقس على ذلك.

إيه كذلك مثلاً كثير من قضايا الزواج والطلاق، إذا بدي أطلع أنتقل من باب العقائد، كثير من قضايا الزواج والطلاق خاصة من النساء، المرأة ربما بتطلب من زوجها الطلاق كل يوم على كل موقف، طيب كيف تختار هي اختيار الطلاق؟ لأنه هي بالنسبة لها أي موقف مزعج من زوجها ودينا على بيت أهله، الخيار السريع، يعني ودينا على بيت طيب، استنوا شوي لسه ما حكينا شغله هي قضية ودينا على بيت أهلي وأنها تسارع في طلب هذا الحكم، هل هي بحثته دراسة موضوعية ولا وليد المشهد؟ وليد الموقف الذي صار، انزعجت منه، صيح عليها شوي، منعها من أشياء تحبها، وليد الموقف، حكم أصدرته بدي أتطلق ما بدي أستمر معك. كذلك الزوج لما يكون في موقف انفعالي فعلته زوجته كثير منهم يعني للأسف 80% من الشعب الأردني يطلق يطلق طلق وبعد ذلك يا شيخ سلام عليكم، والله طلقت زوجتي وأنا غضبان، إذا هذا حكمك إذا ما كان موضوعي صح، مش أنت طلقت زوجتك فعلاً اكتشفت أنها امرأة فاشلة لا يصلح الزواج منها لا، إنما كنت وليد الموقف والعاطفة جعلت جعلك هذا ايش تطلق، لذلك قلت للأسف أن بعض الرجال اليوم لا يملكون حكمة الطلاق، أنه لا يتخذ الطلاق بناءً على موقف علمي، على حكم حقيقي وإنما وليد الانفعال والغضب، وهذا يضعف من قيمة هذه الأحكام، هذه أمثلة فقط أردت من خلالها أن أبين كيف أن العواطف والمشاعر تجعلك تنتج الكثير من الأفكار، أفكار عقدية زي التصوف والرافضة، أفكار حياتية مثل الطلاق والزواج وما شابه ذلك، وتتبناها مع أنك لم تدرس الموضوع.

خلينا نتكلم عن السمات العامة لهذا المحرك أولاً، السمات العامة التي بدك تعرفها عن شخصيتك، أولاً أن الإنسان أسير لعواطفه، هكذا طبيعة الإنسان عموماً أنه أسير لعواطفه وأحاسيسه الماضية والحالية، الإنسان بيعيش مع الحزن، بيعيش مع الفرح، يتفاعل، الإنسان كائن عنده إحساس، فبالتالي العواطف والأحاسيس هي مش شيء غلط بدك تتبرأ منه، هو شيء عليك أن تعرف كيف توظفه. ثانياً الإنسان يفكر بالعاطفة قبل العقل، وهذا علم الاجتماع وعلم النفس يؤكده، أن الإنسان لما زي ما قلت لك صورة الرجل المقتول في الشارع لما حكمت على بشاعة القاتل أنت فكرت بالعقل ولا بالعاطفة؟ بالعاطفة، لأنك لو فكرت بالعقل لكان أول سؤال رح تسأله ليش انعمل فيه هيك؟ هيك العقل، أنه هذا ليش انعمل فيه هيك؟ لأنه ممكن قصاصاً من فعل في الناس ما هو أبشع، العقل بيحكي أن أسأل، بس أنت قبل ما تسأل شكلت تصور عن القاتل أنه مجرم إلى أن عرفت الحقيقة، فالإنسان يفكر بالعاطفة قبل العقل، وهي خطورة هذا المحرك أنه سابق على العقل بدرجة، سابق على العقل بدرجة لذلك بده أحكام، بده حزم في التعامل معه.

كمل، طيب لو بدي أسألك كيف تحدثت النصوص عن هذا المحرك؟ وأنا هذا أكبر شيء بحاول أوجهك له في هذه الدورة، كيف تحدثت النصوص الشرعية عن محرك العواطف والأحاسيس؟ طيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقضِ للأول حتى تسمع كلام الآخر. لماذا؟ لماذا قال لعلي بن أبي طالب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم؟ من ايش؟ متخوف أن الشخص أيوه، على كلام الطرف الأول بدون ما يسمع الطرف الثاني، شوف النبي عليه الصلاه والسلام كيف ينبه، إذا تقاضى وهي مش فقط في القضاء، هي قاعدة عامة في الحياة، هذا الحديث يعطيك قاعدة عامة، أي حكم بدك تصدره على جماعة، على طائفة، على أخوك، على امرأة سمعت عنها معلومة، على رجل سمعت عنه معلومة، أي حكم على طائفة أو جماعة أو فكر أو تيار أو موقف سياسي، إخوانا لا تعتمدوا السوشيال ميديا، السوشيال ميديا دمرتنا، السوشيال ميديا سببت سفك دماء بين مسلمين على معلومة أنت سمعتها، آه والله فعلوا هيك، والله لنروح عليهم، استنى شوي، أنت ما سمعت الطرف الآخر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلمك لا تكن عاطفياً لما تصدر الأحكام، إذا تقاضى إليك رجلان، إذا سمعت رأيان، إذا جاءك خبر فلا تقضِ للأول حتى تسمع كلام الآخر، هذا منهج حياة وهذه ليست فقط نصيحة للقضاة.

ثانياً النبي عليه الصلاه والسلام يأمر القضاة بأن لا يصدر أي حكم في حالة وجود حالة عاطفية مؤثرة، فيقول صلى الله عليه وسلم: لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان. لماذا قال لا يقضي وهو غضبان؟ لأنه الغضب حالة نفسية عاطفية بتجعل الحكم مش منضبط، وقاس الفقهاء بالإجماع جميع حالات تشويش الذهن، فقالوا لا يقضي القاضي وهو جوعان، لا يقضي القاضي وهو نعسان، لا يقضي القاضي وهو يريد أي حاقن أو يريد دورة المياه، لماذا؟ لأنه فهموا أن النبي صلى الله عليه يشير لقضية وهي أن الحكم الذي يصدر في لحظة الانفعال والأحاسيس والعواطف حكم غير معياري غير علمي ويكون فيه مؤثرات تحت العاطفة، شوف هذا الحديث العظيم الذي يعطي مبدأ عام لا تقضِ، لا تحكم، لا تتبنى رأي، لا تطلق زوجتك وأنت غضبان، لا ماشي زعلتك ماشي بدي أطلق يا شيخ، ماشي بس اهدأ، بعد ما تهدأ تعال نفكر أنا وإياك هل القرار مناسب لك ولا، لا تطلق وأنت غضبان، لا تحكم وأنت أختي الكريمة، لا تتخذي قرار الانفصال وكره الزوج وأنت غضبانة، عليك أن تكون متوازناً، هذا توجيه محمد صلى الله عليه وسلم.

مثلاً إشارة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن المرأة تمنع من تولي الحكم العام أن تكون رئيس الدولة، لماذا؟ لأن المرأة هي أصلاً بطبيعتها جل أحكامها بالعاطفة، وقليل جداً في النساء من تستطيع أن تحكم عاطفتها، المرأة يمكن بس يجيها شخص يعيط لأنه كانت، لذلك الجمهور أيضاً قالوا لا تتولى القضاء، لماذا؟ لأنه المرأة فقط إذا جاء الرجل المدعي هو بيعيط بيبكي خلص ممكن تحكم له، خلص إذا حكمنا لك، طيب نستنى المدعى عليه يجي؟ لا، هي عاطفية فلا تستحمل أن ترى الدموع والبكاء، تمام، يمكن أن تتأثر بأي هدية، ممكن المدعي جايب باقة ورد معه، تفضلي قاضي وخليني أسمعك، باقة الورد هذا بيدوخها خلص ما ترى عيوب الطرف الآخر، طبعاً هذا ليس في كل النساء وهذا ليس عيباً ترى، لأنه هذه هي أنوثة المرأة التي تحافظ على جمالها ورونقها وتجعلها محبوبة للزوج.

للاسف هناك من يريد أن يخرج المرأة من أنوثتها، ويحاول أن يقنعها أنك يجب أن تكوني خشنة وغليظة وقوية، وكأنها تريد أن تنتزع منها المشاعر والأحاسيس التي ربنا فطرها عليها. طيب، إذا لن يفلح كاب ولا امرأة. القران نبه القران إلى خطورة جعل الانفعال النفسي سبباً في إصدار الأحكام على الآخرين والخصوم، قال سبحانه: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا. ما معنى الشنان؟ الكراهية والبغض. لا يحملنك كراهية قوم على ألا تعدل معهم، ألا تنصفهم في الحكم. لا تحملنك كراهيتك لجماعة معينة أو لشيخ لأنه هو مش مع شيخك، أو لطائفة إسلامية مش مع طائفتك، لا تحملنك هذا أنك ما تنصفها يا أخي، وأنك لا تقول كلمة حق أمامها. لا يجرمنكم يعني لا يحملنكم بغضكم وكرهكم لطائفة أن تصدروا أحكاماً غير موضوعية عليها.

وهذا كثير بصير بين الجماعات الإسلامية، مثلاً أهل الحديث لما يحكوا عن الفرق الأخرى بتلاقيه ممكن بعضهم قد يبالغ، فيذكر أشياء في الصوفية أو في الأشعرية مش موجودة فيهم، وفي العكس قد يكون الشخص أشعرياً فيتكلم عن أهل الحديث ويصفهم بأشياء هي ليست فيهم. من وين أنت أتيت بهذه الأحكام؟ ومن أين استعجلت في تبنيها؟ كرهك للطرف الآخر وتصورك وبغضك لهذه العقيدة قد يجعلك تخترع وتتوهم فيها أشياء هي ليست فيها. ولذلك ابن تيمية الذي جعله رجلاً قوياً صلباً ومحل إعجاب حتى من خصومه، التوازن أنه قادر أن ينصف مع كل الجماعات ومع كل التيارات، وأنه بيتكلم عن الشخص بما فيه من إيجابيات وسلبيات. هل أنت تستطيع أن تتكلم عن الجماعات والأفراد ولا يحملنك موقف معين صدر منهم على ألا تظلم وأن تبغي في الحكم عليهم نتيجة العاطفة والأحاسيس والمشاعر؟

أيضاً قوله عليه الصلاة والسلام أنه عليه الصلاة والسلام رد شهادة الخائن والخائنة، وذي الغمر على أخيه، ورد شهادة القانع لأهل البيت. خلينا نركز على وذي الغمر على أخيه والقانع لأهل البيت. ذو الغمر على أخيه اللي بينهم عداوة، في القضاء القاضي لا يقبل شهادة رجل هو عدو للمدعى عليه، لماذا؟ في باب القضاء بالاتفاق أو رأي الجمهور خلينا نقول؛ لا تقبل شهادة رجل القاضي يقول له تعال أنت في بينك وبين المدعى عليه خصومة؟ إذا قال: آه والله في بيني وبينه مشكلة قديمة ما بقبل شهادته. ليش يا شيخ؟ رجل فاضل وتقي، ليه؟ لأنه نخشى أن يكون الشاهد خاضعاً تحت تأثير العاطفة، أنه هو بيشهد في هذه القضية لأنه هو أصلاً في بينه وبين المدعى عليه خصومة قديمة، فبده يشهد ضده. إذاً الإسلام يعرف أن الانفعالات تجعل الإنسان يشهد بما ليس موجوداً فقط بسبب العداوة والإضرار بالآخرين.

كذلك القانع، مين القانع؟ القانع هو الذي يسمونه أجيراً، ما يسمى أجيراً. القانع الذي أعطيه أنا أموالاً، مثلاً خدام بيشتغل عندي، خادم وأنا مستأجره بيشتغل لي، أو واحد مثلاً رجل عنده مقاول وعنده عمال يعملون معه في المقاولة. الآن لو صارت قضية بيصير القاضي لما هذا المقاول رافع قضية على صاحب العمارة، هل يقبل القاضي شهادة عمال هذا المقاول؟ لا، ليه؟ لأنه أنتم منتفعون منه، أنت منتفع، فأنا بخاف أن تكون شهادته مش شهادة موضوعية متجردة. كذلك لا تجوز شهادة الابن لأبوه أمام القضاء ولا الأب لابنه؛ كل هذا لأن الإسلام يفهم ويقرر أن العواطف والأحاسيس تجعل الإنسان يحابي أبوه، صح، وتحابي زوجتك وتحابي ابنك وتحابي الشخص الذي له إحسان عليك، فهذا يجب إذاً الانتباه عليه.

طيب، يعني هنا قصة جميلة للذهبي، الذهبي تعرفوا له كتاب سير أعلام النبلاء، فكان يترجم للعلماء، في أحد العلماء كان مقارناً له صديقاً له، فيقول عن هذا العالم ومات في سنة 738 هجري: والله يسامحه، وكان محسناً لي، فلعلي حابيته. يعني هو ترجم له ترجمة جميلة فهو ايش يقول؟ وكان محسناً لي فلعلي حابيته، شو يعني حابيته؟ يعني أطريت عليه زيادة عما يستحق. بس بعطيكم إياها، يعني الذهبي الرجل محسن لي، الإنسان إخواني شو اللي بيأسررك؟ الإحسان. الإنسان أسير لإحسان الناس، لما يكون شخص أحسن إليك صعب أنك تشهد ضده، صعب أنك تحكم عليه صح وتكون واقفاً موقفاً. لذلك الإنسان أسير الإحسان، فالإحسان هي أيضاً أحاسيس ومشاعر تحكمك.

فالأحكام التي تصدر من شخص على شخص بينهم صداقة وإحسان في العادة بنخاف بنخاف تكون إيش زودها. كثير من الشباب مثلاً بتجي لما يجي بده يمدح شيخه ويثني على شيخه، بيحكي عن شيخه أشياء ما صارت في حياته يعني، والله شيخنا حافظ الكتب الستة ما شاء الله، ويقوم الليل، ويجوز شيخه أصلاً مش حافظ، عنده الأحكام وبيقول لك حافظ الكتب الستة، هو ليش بيمدح شيخه هيك؟ لأنه شيخه أحسن له، تعامل معه منيح، فهو حكم عاطفي خلاه يحكي أشياء مش موضوعية. عفواً أنت لما حكيت حكيت عن شيخك أنه حافظ، بس أنت سألته؟ لا. طيب كيف عرفت؟ ما هو أكيد شيخ، أكيد هو شاطر، كيف أحكي لا؟ ما هو أنت ما سألته، أنت فش حكم موضوعي، هذا حكم عاطفي، أنت بتحب شيخك جزاك الله خير بس المحبة ما بتخليك تؤلف. ولذلك كثير من المشايخ بتنسج عنهم قصص وخيالات وأشياء أنه ما شاء الله وفعلوا وفعلوا. مشاهد تمام، ولذلك كان أبو حنيفة من شدة إنصافه مع نفسه رحمه الله عليه كان الناس تقول عنه أنه كان من قوام الليل، قال: فأصبحت أقوم الليل، لماذا؟ قال: أنفت أن يمدحوني بما ليس في، أنفت أن يمدحوني. هسا إلى طلابه، وكان شاغره أنه عنده قصور في الخير فقول كان طلابه يقول أكيد أبو حنيفة عالمنا أكيد شيخنا بيقوم الليل طول الليل قائم، أبو حنيفة يقول: فأقمت الليل أنفة أن يقول الناس في ما ليس في. شوف الإنسان اللي بيعرف حجمه بيقول لك معقول أخلي الناس تحكي عني بقوم الليل؟ وبعض المشايخ مبسوط على السمعة اللي طلعت له، يا سيدي صيت غنى ولا صيت فقر، مش هيك المثل؟ بقول لك هي خلي طلاب يحكي أنه حافظ الكتب وأنا مش حافظها، فبدنا ننتبه أنه الإسلام أشار جداً إلى قضية الأحاسيس والعواطف من خلال كلامه في منظومة القضاء.

لذلك أستطيع أقول أن الإسلام لخص فكرته للعواطف والأحاسيس بالنقاط التالية: يمنع الشخص الذي تغلب عليه العاطفة والأحاسيس من إصدار الأحكام وتولي المناصب، إذا كان الشخص هو بطبيعته إنسان عاطفي تغلب عليه الأحاسيس يصدر الحكم بأنه لا يتولى المنصب، وأكثر مثال عليه المرأة حيث منعها الإسلام من تولي مناصب معينة لما تغلب عليها. الحالة الثانية: إذا كان الشخص لا هو عرضة للأحاسيس لكن لا تغلب عليه، عرضة لها لا تغلب عليه، الإسلام منعه أن يحكم في لحظة وجود الأحاسيس، لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان، فأنت لما تكون غضبان تحاشى الحكم، لما ترجع لتوازنك احكم، فالذي يكون عرضة لذهاب العواطف وعودتها يطالبك الإسلام ألا تحكم وأنت رهين للعاطفة لأن العاطفة ستؤثر عليك ولا بد. ثالثاً: الإسلام يأمر بأخذ الاحتياطات اللازمة حتى لا تؤثر العاطفة، ومن الاحتياطات اللازمة إذا تقاضى إليك رجلان لا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر حتى لا تكون، هذه احتياط وقاية، ألا تقبل شهادة الأب ولا الابن ولا العدو على عدوه، هي كلها أخذ الاحتياطات اللازمة.

هكذا احتوى موضوع هذا المحرك، طبعاً كما احتواه في القضاء أنت بدك تحتويه في كل مشاكلك، لذلك أنا لما أقعد مع جماعات وشباب وطوائف أحاول أن أنظر في علاقة أشوف شخص بذم جماعة معينة، بسأله أنت مع أي جماعة؟ لسا لازم أسأل لأنه أنا عارف أنه هو لما ذم الجماعة الأخرى هو واقع تحت تأثير عاطفة معينة، ما بصير أنا أقول لا لا أكيد هذا موضوعي وأكيد اللي ذكره في الجماعة الأخرى موجود فيهم، ما بصير لأنه في عاطفة وفي أحاسيس هو عدو لهم، طيب إذا مدح جماعة ورفعها بقول له أنت منهم، لأنه بعرف أنه لما امتدح ورفع أنه هذا أيضاً هو خاضع لأحاسيسه. كذلك إذا مدح شخصاً دم شخصاً، كذلك الأزواج فيما بينهم. طيب لو بدنا نيجي على كيف يتم معالجة هذا المحرك؟ سنختم اليوم إن شاء الله بهذه الفكرة، كيف نعالج هذا المحرك؟ كيف لا أجعل الأحاسيس والعواطف يا جماعة تؤثر على أفكارك وتصوراتك واعتقاداتك في مجالات الحياة؟

أولاً: على الإنسان أن يحذر من اتخاذ أي قناعات فكرية وأي معتقدات حتمية وهو خاضع للمحرك العاطفي، لما تكون تحت غضب، تحت حب شديد، تحت جوع شديد، في أي حالة وعاطف وأحاسيس، لما يكون المشهد أمامك العاطفي استن حتى يذهب، انتظر حتى يزول ثم عد إلى نفسك بهدوء وتروٍّ ثم احكم مرة أخرى، إذا لا تعتقد، لا تفخذ قناعات، لا تشكل آراء وأنت خاضع حالياً تحت المحرك العاطفي، زي ما قلنا للزوج لا تطلق وأنت غضبان. ثانياً: الحرص على التربية الإيمانية السلوكية التي جاء الإسلام ليزرعها في النفوس والتي تحد من تأثير العاطفة في اتخاذ القرارات، وعرفنا قبل شوي كيف فلسفة الإسلام في الحد من اتخاذ القرارات، مثلاً من تربية الإسلام لنا شوف كيف الإسلام يحد من العاطفة لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث. لماذا قال الإسلام هكذا؟ مين يحكي لي؟ أحسنت، يعني الإسلام راعى أنه أنت عندك عاطفة في قرارك، أنك خلص بدي أقاطع هذا الشخص ما بدي أصير صديق له، الإسلام يراعي أن عندك عاطفة وأن زعلك، بقول لك معك ثلاث أيام لخضوعك لهذا المحرك، بعد الثلاث أيام بده ينتهي لأنه بعد الثلاث أيام الأصل أنك هديت، بلشت تفكر بدماغك، زال المشهد اللي فعلك، سب عليك شتمك، خلص خلصنا الآن، رجع لك توازنك، الآن بدك ترجع أخ لك في الله، حتى لو أخطأ على الأقل تسلم علي، شوف هذا الإسلام! إذاً هنا الإسلام يحجم من أثر العاطفة، يعتبر وجودها يراعي وجودها ما بيلغيها بس يحجم من أثرها حتى لا تطغى، ما قال لك بعد أربع خمس أيام، معك ثلاثة أيام فقط بعدين بدك ترجع تصالحه على الأقل بالسلام، على الأقل بماذا؟ بالسلام.

كذلك مثلاً بدي مثال آخر كان قضية الغيبة، أن الغيبة والنميمة الإسلام أيضاً من أسباب محاربته لها أن الإنسان في العادة بيغتاب لأنه خاضع لسلطان العاطفة أنه بيكره شخص معين أو حاقد عليه، فالإسلام بده يحجر العاطفة والأحاسيس، ايش قال لك؟ لا تستغيب حتى مخالف فيك، لا تستغيبه حتى شخص بيخالفك، إذا ما في فائدة من نقاش علمي ما بصير تذكر حتى المخالفين لك من أهل الإسلام لأن الإسلام بده يحجم هذا، الإسلام لو أنه تركك مع عاطفتك كل مجالسنا بتصير غيبة، هي أكثرها فيها غيبة ونحن عارفين أنها حرام، فما بالك لو أن الإسلام ترك الأمر على هواه؟

ثالثاً: إذا عرف الإنسان غلبة عاطفة عليه فليحاول أن يستشير في أموره وفي آرائه وتصوراته من تغلب عليه العاطفة المقابلة حتى يصل إلى الاعتدال ولا يستبد وحده بالقرار، هسا في شاب بيقول لي: شيخ أنا صراحة أنا إنسان عاطفي، أو امرأة بتجي بتقول أنا صعب أتحرر من أسر العاطفة، شو أسوي يا شيخ؟ بقول لك اللي عليك أنك تسويه هو أنه إذا أنت خلص في عاطفة تحكمك وأنت عارف أنك تخضع لها بشكل متكرر، استشر من عنده العاطفة المقابلة لك، يعني أنت شخص لين استشر في أمورك الشخص اللي فيه شدة وقوة، طيب أنا شخص قوي يا شيخ لا أنا عاطفتي أني هكذا شديد واستشر شخص هادئ. لذلك يقولون أكثر الزيجات التي تستمر بنجاح هي التي يكون فيها الطرفين على طرفي نقيض، يكون الزوج شديد طبيعته عصبي والمرأة بطبيعتها هادئة، أو العكس، الشخص الرجل طبيعته هادئ وأعصابه والمرأة طبيعتها شديدة، عادة بتستمر لكن لما يكون الرجل شديد والمرأة شديدة ذبحوا بعض، أو الرجل خفيف والمرأة خفيفة هسا هي ممكن تستمر بس ما بيكون في جمالية أصلاً في الحياة وممكن يطلقوا لفقدانهم عنصر الإثارة وعنصر المشاكل، المشكلجية.

هنا شاهد ذكره شيخ الإسلام على هذه الفكرة، كيف أن الإنسان يحاول ما دام العاطفة والأحاسيس صعب أتحاشاها ما بأخذ القرار وحدي في الحياة، ولذلك جاء الإسلام بالشورى، شوف عظمة الإسلام لأن الإسلام يعرف أن النفوس البشرية قد يكون القائد عنده اندفاع، صح؟ فبالشورى بيكون عنده واحد من حاشيته واحد هين لين فبتتوازن الآراء، أو بيكون الحاكم يميل للين والسلم بيكون في حاشيته من يميل للجراءة والشجاعة، فلما تتلاقح الآراء يكون القرار النهائي في العادة متوازن، وهكذا تفعل في حياتك، قرار بدك تتزوج أنت ممكن تكون شاب خاضع تحت الغريزة، أه والله بدي أتزوج يا شيخ في أحسن من الزواج؟ بدي أتزوج بس أنا، طيب استشر حدا هل أنت مؤهل الآن للزواج مادياً واجتماعياً وكذا؟ لو أنك ما استشرت حدا ودخلت المشروع هذا وأنت مش عارف مش دارس الموضوع علمياً، قرار الزواج يا أخي أنت أخذته بموضوعية درستها بالورقة وبالقلم دخلك المادة حياه ولا ما درستها؟ داخل تحت تأثير العاطفة. إذا أنت شاعر أنه العاطفة يا شيخ أنا غلبتني، أنا مش شايف قدامي أصلاً يا شيخ أنا بدي أتزوج، بقول لك ما دام أنت مش شايف قدامك روح استشر مشايخك وأساتذتك أو أمك ووالدك والناس الكبار اللي رح يقيموا موقفك تقييماً أكثر تماماً، وقس على ذلك كثير من الأمور أنت تحتاج فيها إلى الشورى، يقول ابن تيمية وهو...

يعطيك هي الفكرة في قضية التوازن، يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين شدة عمر ولين أبي بكر، كان النبي صلى الله عليه وسلم فيه هذا وهذا فيأمر بما هو العدل بالمنتصف. إنه أبو بكر معروف كان أسيفاً يغلب عليه اللين، وعمر كان يغلب عليه ايش الشدة؛ النبي صلى الله عليه وسلم أخذ فيه من شدة عمر ولين أبي بكر فيه الكمال عليه الصلاة والسلام، فكانت آراؤه تخرج بالعدل وهما يطيعانه.

يقول ابن تيمية في منهاج السنة: فلما قبض الله نبيه صلى الله عليه وسلم وصار كل منهما خليفة على المسلمين خلافة النبوة، كان من كمال أبي بكر الصديق أن يولي الشدائد عفواً أن يولي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشدة باللين، فإن مجرد اللين يفسد ومجرد الشدة تفسد، ويكون قد قام مقام النبي صلى الله عليه وسلم. يعني أبو بكر كان شايف حاله إنه شخصية فيها لين، فبالتالي كان مين يجعل وزراءه؟ اللي فيهم شدة، فمين كان وزيره؟ عمر، فلين أبي بكر مع شدة عمر، آه بيطلع القرار صح متوازن بين لين أبي بكر وشدة عمر. وإن كان في بعض الأحايين أبو بكر أثبت شدته أكثر من عمر سبحان الله في قضية قتال المرتدين، بس هذا نقول في الجملة.

وبالتالي قال: فكان أبو بكر يستشير عمر ويستنيب خالد، خالد هو رأس الشدائد سيف الله المسلول. قال: وأما عمر العكس، يقول وأما عمر فكان شديداً في نفسه، هيك عاطفته بحب يعني عنده شدة، فكان من كماله استعانته باللين أو بالليل عفواً ليعتدل أمره؛ فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح وأبي سعد بن أبي وقاص وأبي عبيد الثقفي والنعمان بن مقرن. لماذا؟ لأنه هؤلاء محسوبين على تيار هم صقور وحمائم، ها محسوبين على تيار الإيش اللطيفين الخفاف اللي عندهم نوع من الهدوء في النظر. طبعاً عمر عنده هدوء حكمة عالية، بس هو خلص يعرف من نفسه إنه ماذا؟ شديد.

ولذلك البعض يتهم سيدنا عمر إنه عزل خالد بن الوليد عن إمرة جيش اليرموك، ويعني نحن ننزه عمر أن يكون بعده نفسه كما يزعم بعض المستشرقين إنه عمر كان حاسد خالد بن الوليد، لأنهم هم صغار تصارعوا في مكة فخالد صرعه، فظلت في نفس عمر فكان عشان هيك عزل؛ لا، عمر أرقى من هيك، عمر ما بفكر بهي الطفولية، ووليه لكن عمر كان يعرف إنه هو شديد وخالد شديد، قال شديد وشديد صعبة، يعني بيصبح عمر المسلمين ثقيل، فكان يقرر إنه خلي أبو عبيدة؛ أبو عبيدة كان يميل أكثر للقرارات الأكثر هدوءاً خلينا نسميها أو الأكثر سلمية، فبالتالي شدة عمر مع هدوء أبي عبيدة بيطلع القرار متوازن لدرجة كبيرة، هذا سبب يعني عزل عمر خالد وتوليته أبا عبيدة.

طيب، أي أخيراً أو نحن وصلنا له إدراك الإنسان أن المشاعر والعواطف التي خلقها الله فيه ليس مطلوباً منه أن يهملها، بل المطلوب منه أن يعرف كيف يوظفها. أنا لو سألتك أنت: هل المطلوب منك أنك تنزع العاطفة من نفسك؟ تضبط الإنسان عندك أحاسيس تصير مبلد بلاش، ليس هذا الذي أطالبه، بالعكس ما هي العواطف والأحاسيس مطلوبة وهي جزء أصلاً من حركة الإنسان. كيف الهواء مطلوب لكن شو المشكلة في الهواء؟ أن يطغى، كذلك العواطف والأحاسيس مطلوبة، أنت ما الذي يجعلك تدافع عن عرضك؟ شعورك بالحمية وهي عاطفة، ما الذي يجعلك تدافع عن دينك عن أرضك؟ حمية وهذه نوع من العواطف والأحاسيس. بدون عواطف وأحاسيس أنت لن تكون كائن متوازن، ما الذي يجعلك تحب زوجتك أو حتى ما الذي يجعلك تتزوج فتاة ثم تحبها؟ عواطف وأحاسيس.

فالعواطف مطلوبة لكن وين المشكلة؟ أين أوظفها وكيف أوظفها؟ فلذلك نحن نقول عليك أن تعرف أين أوظف العاطفة، الأصل أن توظف العاطفة بعد الوصول إلى القرار العقلاني، يعني بعد ما أصل لقرار عقلاني جيد أن أحفز هذا القرار من خلال العواطف. وأعطيك أمثلة: طالب يحب طلب العلم فحياناً نحن في مجالس العلم ممكن نخلي شخص ينشد لنا أنشودة عن فضل العلم وكذا وبيكون صوت جميل، نحن شو بتفعل هي الأنشودة فيك؟ بتحمسك، صح بتعطيك حماس، هي عاطفة بس هي العاطفة صحيحة ليه؟ لأنه جاءت بعد أن كانت الشيء الذي تدعو إليه شيء صحيح. لكن لما كانت الأشعار التي تكون في الزنا والعشق، لماذا منعت الأشعار التي تكون في هذا؟ لأنه الفكرة اللي بتحكي عنها فكرة غير صحيحة وهي بتيجي بتثير فيك هي المشاعر. ليش المعازف والأغاني التي فيها عشق ونساء كذا محرمة؟ لأنها توجهك نحو الحرام، لأنها تثير فيك هي العواطف، فيجعلك تتخذ هذا القرار قرار السلوك في المحرمات أو ما شابه ذلك، وقس على ذلك. لماذا مثلاً الإسلام راعى أن في العرس النساء يضربن بالدف ويغنين وما شابه ذلك؟ لأنه النساء فيهم هي العاطفة وحب الغناء والموضوع اللي تم استعمال هذا الأمر في موضوع صحيح وهو موضوع ماذا؟ الزواج والنكاح، فتوظيف الأحاسيس والمشاعر في المكان الصحيح هذا جيد.

ولذلك القرآن استعمل معنا هذه الطريقة، ففي كثير من الأمور التي فرضها الله علينا إنما حثنا عليها من خلال ماذا؟ الثواب، وأشياء زجرنا عنها من خلال ذكر ما فيها من العقاب، والثواب والعقاب هو كلام عن عواطف. إنه أنا بدي أفعل هي الشغلة مش لأنه أحياناً أنا عارف إنها مفيدة بحد ذاتها، بس لأنه رح أكون في الجنة في مرتبة كذا وكذا، ترى هذا عمل على العاطفة، وإن كنت أنا مش مدرك هل هي بحد ذاتها الفائدة المرجوة منها. قد تترك أموراً وأنت تحبها خوفاً من النار، وإن كنت أنت لا تعرف موضوعياً لماذا هي الشغلة مفسدة، بس خلص بدي أتركها لأنه أهل الدين قالوا إن هي تترك، وإن كنت أنا إلى الآن مش عارف بشكل موضوعي لماذا هي حرام، بس في عليها عقاب معين فأتركها. فالقرآن استعمل تحفيز العاطفة والأحاسيس استعمل لكن أين يستعملها؟ في المكان الصحيح، وأنت بالتأكيد ستستعملها مع أولادك، ستستعملها مع زوجتك زي ما قلنا في المشاكل العائلية؛ أنت ممكن تكون الزوجة هي غلطانة وعاملة لكن أنت ممكن تصلح الغلط بماذا؟ من خلال باقة ورد أو ما شابه ذلك من الأشياء السهلة اللينة.

أخيراً تنمية ما يسمى بالوعي الانفعالي، أختم بهذه الفكرة. ما معنى تنمية ما يسمى بالوعي الانفعالي؟ الوعي الانفعالي إنه عليك أن تدرك، يعني يجب أن تصبح قوياً لدرجة أن تدرك أنك الآن تحت تأثير العاطفة؛ نحن بتعرف شو مشكلتنا؟ إنه أنا ممكن أعطيك محاضرة عن تأثير العاطفة بس بكره عادي تطلع حكم تحت تأثير العاطفة. المشكلة إنه نحن لما نكون خاضعين للعاطفة لا نكون واعيين أننا تحت تأثير العاطفة، فبالتالي نتخذ الحكم. القوة في الشخصية أن تكون قادر وأنت خاضع للعاطفة أنك تعرف أنا الآن غضبان، ما بصير أتكلم، خلص بدي أوقف. أنا الآن حزين ما بدي، أنا الآن مستفز ما بدي أصدر حكم. أن تكون واعي لداخلك وانفعالاتك، وأنك الآن تحت تأثير انفعال معين بالتالي تحجم عن فعل أي شيء. هذا هو العلاج الأقوى لحكم العاطفة: أن تزيد قدرتك على إدراك أحاسيسك ومشاعرك، ودائماً إذا دخلت تصدر حكم تكلم مع نفسك: أنا الآن متوازن؟ طيب اتخذ القرار عادي، تكلم مع نفسك حتى يصبح عندك نوع من الإدراك في حالتك النفسية. في المواقف في الزواج، في الطلاق، في الحب، في البغض، في المعاداة، في الخصومة، في المنازعة، في أشياء كثيرة عليك أن تعي بذاتك وتفعل هذا من خلال محاورة الذات ومطالبتها بالسكون إلى أن يكتشف هل أنا يعني زال عني هذا الانفعال أو لم يزل عني هذا الانفعال.

تكلمنا اليوم عن ثلاث من محركات الأفكار، نتكلم إن شاء الله بقي محرك واحد نحن وضعناه طبعاً في بعض المحركات سأضيفها إذا بقي معي وقت المحاضرة القادمة، زي الفتور والكسل، لكن سيبقى علي أن أتكلم عن التصورات المادية والجهل المعرفي، هذان أيضاً سأتكلم عنهما. التصورات المادية كيف تؤثر على أفكارنا للحياة، وكذلك الجهل كيف يؤثر على تبنينا لأفكار معينة، ونتكلم أيضاً عن محركات الأفكار الخارجية في الدرس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. غراس العلم طريقك نحو علم شرعي راسخ.