بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إني أحمدك حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. وبعد:
انتهينا في متن نظم الورقات إلى بيان الحكم الشرعي، وبينا أن الحكم الشرعي يختلف تعريفه بين الأصوليين وبين الفقهاء في ذلك. هو اختلاف زاوية النظر كما قلنا بين الأصوليين وبين الفقهاء؛ أن الفقيه إنما يهمه فعل مكلف.
الفقيه يهمه أن يعطي لفعل المكلف حكماً، يهمه النتيجة النهائية. أما الأصولي فيهتم بالنص نفسه، يهتم بالدليل بتحليله، معرفة كيفية استنباط الحكم من الدليل أكثر من اهتمامه بالنتيجة النهائية التي هي حكم فعل المكلف، فكان الأصول هو الذي يجهز المادة حتى يأخذها الفقيه، فالفقيه ينزله على فعل المكلف.
وذكرنا بالتالي، بناء على هذا الخلاف، أن الفقهاء رحمهم الله تعالى يعرفون الحكم الشرعي بأنه أثر خطاب الشارع. أثر خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء والتخيير أو الوضع. أما الأصوليون فيعرفون الحكم الشرعي بأنه الخطاب؛ هو نفس الخطاب: خطاب الشارع المتعلق بأفعال على وجه الاقتضاء أو التخيير أو الوضع، والحكم واجب ومندوب ومباح والمكروه وما حرم مع الصحيح مطلقاً والفاسد.
من عاقل هذان أو من عابد. إذاً، فنحن في البداية لابد أن نعرف ما هو الحكم قبل أن نذكر انواعه التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، فقلنا إنه خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. هذا الحكم الشرعي عند الأصوليين.
نقف عند هذا التعريف لنفك بعض رموزه، فنقول أولاً ما معنى الخطاب؟ ما معنى الخطاب؟ الخطاب على مذهب أهل السنة والجماعة هو قول يفهم منه السامع شيئاً مفيداً مطلقاً. هذا هو الخطاب عند أهل السنة والجماعة أنه قول فهو لفظ لساني. عرفت؟ القول جيد.
هو قول بصوت وحرف، قول يفهم منه السامع، قول يفهم منه السامع ماذا؟ شيئاً مفيداً. ثم قلنا في النهاية مطلقاً، مطلقاً سواء قصد هو أن يفهم السامع أو لم يقصد، هذا أمر آخر. هذا معنى الإطلاق في أي تعريف، إذا ورد الإطلاق ولا بد أن تفسره.
ما معنى الإطلاق عندما نقول إن الخطاب هو قول يفهم منه السامع شيئاً مفيداً مطلقاً؟ نقصد بالإطلاق أنه أراد المتكلم أن يفهم السامع أو لم يفهم هذا أمر آخر، المهم أن خطابه يفهم منه السامع شيئاً. أنا قصدت أن أفهمك أو لم أقصْد ذلك، هذا يخرج عن ماهية الخطاب.
فإن ماهية الخطاب مجرد وجود هذا القول الذي يفهم منه السامع، قصدت أو لم أقصْد أن أفهمك هذا أمر آخر. إذاً، هذا هو مدلول الخطاب أنه قول يفهم منه السامع شيئاً مفيداً مطلقاً. ثم قلنا خطاب الشارع. والان البعض يقول خطاب الله سبحانه وتعالى، والبعض يقول خطاب الشارع.
هل هناك فرق بين هذين التعبيرين؟ هو في النتيجة والمحصلة النهائية هما واحد، لكن هو اختلاف تعبيري نعم قطعا، اختلاف تعبيري، لكن في النتيجة والمحصلة كلاهما واحد. فلو قلنا إن الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين ربما يظن البعض أننا بهذا نحصر الحكم الشرعي في النص القرآني، ويخرج النص النبوي من السنة النبوية، ويخرج القياس، ويخرج الإجماع، وهذا ليس بصحيح.
لماذا؟ يقولون لأن السنة النبوية والقياس والإجماع إنما عرفت حجيتها بكتاب الله سبحانه وتعالى، فجميع الأدلة هي مرجعها في الحقيقة إلى القرآن. لأن إنما عرف أن أنها أدلة من خلال كتاب الله سبحانه وتعالى، فالسنة عندما يقول الله عز وجل: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوۡاْ، عرفنا بهذا أن السنة حجة.
وعندما يأمر الله عز وجل: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، عرفنا بهذه الآية أن الإجماع حجة، قال هذا فقس. فجميع مصادر التشريع إنما مرجوعها فعلاً إلى خطاب الله، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أعلمنا أن السنة حجة، والنبي صلى الله عليه وسلم مثلاً هو الذي يعلمنا أن القياس حجة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم كيف عرفنا أنه حجة من قول الله؟ فجميع الأدلة في الحقيقة إنما ترجع إلى خطاب الله سبحانه وتعالى، هذا لو عبرنا بقولنا خطاب الله سبحانه وتعالى.
طيب، لو قلنا خطاب الشارع وانتهينا من هذه الإشكالية التي يطرحها البعض؟ هل هناك إشكال في مسألة إطلاق الشارع على الله سبحانه وتعالى على سبيل الخبر؟ على سبيل الخبر، طبعا لا يوجد عندنا إشكال، لأنه شَرَعَ لَكُم، يعني كأن الشيخ يناقشنا قبل الدرس أن الله عز وجل قال: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا، فنحن نأخذ من هذا إلى أن الله سبحانه وتعالى شارع، فهذه اللفظة لا إشكال فيها بل ينبغي أن تتأصل في نفوسنا.
ولكن هذه اللفظة هنا في هذه الحالة مدلولها أعم؛ عندما نقول خطاب الشارع هنا يمكن أن نفسر كلمة الشارع بجميع مصادر التشريع، بجميع مصادر التشريع لأنها هي مشرعة للحكم في النهاية. وإن كان الله عز وجل هو الذي جعلها السنة النبوية مشرعة هي مصدر من مصادر التشريع، والإجماع وأيضاً مصدر مصادر التشريع وكذلك القياس والاستصلاح والاستحسان وسد الذرائع، وكلها هي مصادر من مصادر التشريع. فكلمة خطاب الشارع قد تكون أعم، وإن كان في النهاية النتيجة واحدة.
إذاً، خطاب الشارع. ثم قلنا المتعلق، هذا فيه تبيين لوجه الارتباط وتبيين للعلاقة، لأن خطاب الشارع يشمل كل كتاب الله سبحانه وتعالى وكل السنة. هل كل خطابات القرآنية تعتبر أحكاماً شرعية؟ هل الخطاب في قصة موسى وعن قصته أنه عليه السلام مع قومه؟ هذه خطابات تسمى أحكام شرعية؟ لا، فلابد أن نبين وأن الدائرة خطاب الله المتعلق، إذاً فيه حيثية في هذا الخطاب، ليس أي خطاب.
ليس أي خطاب هو خطاب الشارع أو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، إذاً هنا ضيقنا الدائرة: خطاب الله سبحانه وتعالى المتعلق. فكلمة المتعلق معناه وتدل على معنى الارتباط، فتبين طبيعة هذا الخطاب. ثم قلنا المتعلق بأفعال المكلفين، أفعال هذه جمع فعل، والفعل هنا يشمل قول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب ويشمل أيضاً الترك.
هل الترك يعتبر فعلاً؟ الترك المقصود يعتبر فعلاً، الترك المقصود لو أنك تركت شيئاً ولم تقصد هذا الترك لا نقول إنك فعلت فعلاً، أنه لا يوجد منك شيء، بينما لو تعمدت الترك وتقصدته نعم هنا نقول إنك فعلت فعل المأوى، ما يسمى عند الأصوليين بالكف. والترك فعل في صحيح المذهب.
إذاً، فالترك المقصود بهذا القيد نعم هو أيضاً نوع من أنواع الفعل. فإذاً فخطاب الله المتعلق بأفعال، هنا كلمة الفعل تشمل القول اللساني وعمل الجوارح وتشمل أيضاً أعمال القلوب وتشمل الترك. وأعمال القلوب يعني ربما البعض يقول يعني ما علاقة الفقه بأعمال القلوب؟ نقول الحكم الشرعي في الحق أعم من مسائل الفقه، قد يكون الحكم اعتقادي جيد. كلمة الحكم الشرعي لا تختص فقط بالمسائل الفقهية، بل تدخل فيها المسائل الاعتقادية، فالحكم أعم من الفقه.
إذاً قلنا: خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين. من هم المكلفون؟ المكلفون مأخوذة من التكليف، هذه الكلمة ابتداء المكلفون مأخوذ من التكليف. وما هو التكليف في اصطلاحهم؟ طبعا التكليف في اللغة يقولون هو الإلزام جيد. التكليف في الاصطلاح هناك خلاف، ليس هذا مقام بسطه، ولكن نأخذ نحن أفضل التعاريف التي ارتأيناها فنقول: التكليف هو طلب ما فيه مشقة. هذا هو التكليف من الناحية الاصطلاحية الأصولية: طلب ما فيه مشقة.
إذا قلنا إن التكليف هو طلب ما فيه مشقة، هنا ماذا سيدخل معنا؟ سيدخل معنا الواجب والمندوب والحرام والمكروه. لأن الواجب والمندوب هو الطلب، طلب للفعل والواجب، والحرام والمكروه هو طلب للترك. ولكن لن يدخل معنا المباح، فهذا هو الصحيح، أن المباح ليس من الأحكام التكليفية وإن كان من الأحكام الشرعية كما سيأتي معنا. فكلمة تكليف هذه أضيق من كلمة حكم شرعي، الحكم الشرعي يشمل المباح، لكن الحكم التكليفي لا يشمل المباح.
إذاً، ما هو التكليف؟ التكليف هو طلب ما فيه مشقة، طلب، بخلاف التعريف اللغوي اللغوي الإزام، بينما من الناحية الاصطلاحية وسعنا الدائرة. نعم، لماذا خصصنا كلمة مشقة؟ يعني لا يجوز يعني كلمة يعني يطلب الله عز وجل منك فعلا؟ لأ هون المشقة لا لا يقصد بها التعب بحد ذاته، وإنما هو مجرد كلمة تكليف تدل على وجود شيء عليك. أنت عندما يفرض عليك شيء حتى لو كان سهلاً هذا يسمى مشقة عندهم نسبة التعبير في الاصطلاح. نعم الإلزام وأنت ملزم، جيد.
ولكن لا نعبر بالإلزام لأنه الإلزام قد يخرج به كلمة المندوب لعدم وجود الإلزام الحقيقي، لذلك ماذا قالوا في الاصطلاح؟ الطلب جيد. كلمة مشقة هنا لا لا تعني المجهود والبذل الشاق الذي يصعب عليك، طبعا وإن كان طبعا هذه التعاريف لا نستطيع أن نجردها عن التأثر بعبارات المتكلمين، خاصة عند الأصوليين، وهذا أن ينتقده شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى عندما تكلم عن هذه القضية، قضية التكاليف.
هو يذم تسمية تكاليف أصلاً ابتداء، يقول عن هذه التسمية ربما دخلت علينا من عبارات المتكلمين، لأنهم يعتبروننا في هذه الدنيا بهذه الأحكام المفروضة علينا هي أحكام فقط للابتلاء، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: لا، هذه الأحكام يعني مسائل الصلاة والزكاة والصيام بالعكس هذه علاقة بين العبد وبين ربه، فهي شعور بالأنْس والراحة وليس فقط كلها تكاليف.
فهل أصلاً كلمة التكاليف فعلاً هي استخدام شرعي أم استخدام اصطلاحي؟ هذا مجال للنقاش، ولكن بما أن هذا أمر موجود في الكتب يمكن أن نحمل العبارة على أحسن محاملها أن أقول: يقصد بالمشقة بشكل عام أي شيء هو طلب وفيه مشقة ولو أدنى أنواع المشقة، بل حتى قد يكون المندوب في فعله أشق من الواجب، الرئيس المراد بالمشقة دائماً هو الشيء المتعب المجهد الذي يصعب على الإنسان أن يفعله.
إذاً هذا هو التكليف: طلب ما فيه مشقة. من هو المكلف إذاً؟ المكلف هو من وقع عليه التكليف، هذا من الناحية اللغوية. واما من الناحية الأصولية والشرعية فالمكلف هو العاقل الذاكر غير الملجأ بالغ. لابد أن يكون بالغاً، فغير البالغ لا يسمى مكلفاً، ولابد أن يكون عاقلاً، فالمجنون ليس بمكلف، ولابد وأن يكون أيضاً ذاكراً، فالناس غير مكلف الله عز وجل رفع عن أمة الخطأ والنسيان، ولابد أن نكون غير ملجأ.
طبعا عبارة الإلجاء تختلف عن الإكراه من حيث الاصطلاح، فالإلجاء أن تكون كآلة في يد غيرك. هذا معنى الإلجاء، أن تكون كآلة في يد غيرك. لو أن شخصاً حملك والقاك على شخص آخر وضربك به فمات ذاك الشخص، أنت هون في هذه الحالة ملجأ، أنت كالآلة في يده لم يحدث منك فعل، هو فقط مسكت شخص ربما عريض وسمين مسكك وألقاك على شخص آخر فمات ذاك الشخص، أنت هناك الآلة، ففي هذه الحالة تسمى ملجأ وفي هذه الحالة خرجت من دائرة التكليف، أنت غير مكلف.
بخلاف ما لو أكرهك، لو قال لك: اذهب اقتل وإلا ساقتلك، هنا أنت مكره. وهل الإنسان يخرج من التكليف بسبب الإكراه؟ هذا خلاف، والذي يظهر أنه لا يخرج، يبقى مكلفاً ولكنه قد يعذر، انظر إلى هو مكلف. لذلك لو أكرهك شخص على قتل شخص آخر لا يجوز لك أن تقتله، ولو قتلته يقتص منك، حتى لو قال لك: ساقتلك، لأنه لا يجوز لك أن تؤثر نفسك على نفس غيرك، ألا يجوز لك أن تؤثر نفسك على غيرك؟ هو الآن قال لك: ساقتلك أو تقتل فلاناً، فأنت قتلت فلاناً وأثرت نفسك أن تبقى حي، هذا لا يجوز لك في الشريعة.
جيد، فالإكراه الأصل في أن الإنسان لا يخرج من دائرة التكليف، يبقى مكلفاً ولكنه قد يعذر في بعض الصور. مثلاً في المعاملات، لو أن شخصاً أكرهك على عقد معاملة هذه لا تعتبر إلا إذا كان مثلاً إكراها وما شابه ذلك. ففرق بين أن نقول إنه غير مكلف المكره وبين أن نقول لا هو مكلف ولكن الشارع عذره في بعض الصور فاسقط ما يترتب على هذا التكليف. هذا فرق في العبارة.
إذاً هذا هو المكلف: البالغ العاقل الذاكر غير الملجأ. إذاً خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين، ثم بين وجه هذا التعلق قال: بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع. لماذا؟ لأن هناك خطاب للشارع متعلق بأفعال المكلفين ولكن ليس على وجه الاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فهذا أيضاً لا يسمى حكماً شرعياً، كقوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، مثلاً هذا ليس خطاباً للشارع، خطاب كلام لله سبحانه وتعالى ويتعلق بأفعال المكلفين نعم لأنه قال: وَمَا تَعْمَلُونَ، في بين الله عز وجل هو خالق لأفعال العباد. ولكن هل هذه الآية تضمنت حكماً شرعياً؟ لم تتضمن، هذا خبر، فلا تسمى أيضاً هذه الآية حكماً شرعياً.
لانه لابد من تبيين وجه هذا التعلق أيضاً بأفعال المكلفين، ليس أي تعلق بأفعال المكلفين يسمى حكماً شرعياً، فلابد نبين وجه التعلق، ما هو وجه التعلق؟ بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع بنكتها. ما معنى الاقتضاء؟ الاقتضاء هو الطلب، كلمة اقتضى منك كذا يعني طلب منك كذا، جيد؟ فمعنى هذا أن خطاب الشارع متعلق بأفعال المكلفين إذا كان بالاقتضاء، يعني لطلب شيء، أو كان للتخيير، أو كان التخيير غير الطلب.
الفرق بين أن أطلب منك شيئاً وبين أن أخيرك بين فعل شيء وتركه. فإذاً كان خطاب الشارع المتعلق بأفعال المكلفين على وجه الاقتضاء، على وجه الطلب أو على وجه التخيير أو على وجه الوضع، هذا في هذه الحالة هذا الخطاب الشرعي يسمى حكماً شرعياً. فنعود الآن إلى كلمة الاقتضاء فنبين أن الاقتضاء هو الطلب على نوعين.
وهذا ذكرناه قبل قليل، أن الطلب والاقتضاء قد يكون طلب فعل، أطلب منك أن تفعل فعلاً. وقد يكون طلب ترك، أطلب منك أن تترك شيئاً تتركه كالزنا، تترك الخمر، تترك ما تشاء، ما يشاء الله سبحانه وتعالى.
فإذا كان طلب فعل، إذا كان الاقتضاء أو الطلب هو طلب فعل، فإاما أن يكون على سبيل إلزام، وفي هذه الحالة يكون هذا الحكم هو الإيجاب، وأما أن يكون على سبيل على غير الجزم، وأما سبيل الحث، فهذا يسمى ندباً. وإذا كان طلب ترك، أما أن يكون أيضاً طلب ترك على وجه الإلزام، فهذا يسمى الحرام أو التحريم على عبارة الأصوليين. وأما أن يكون طلب ترك، لكن لا على وجه الجزم، إنما يسمى في هذه الحالة يراها هذا هو الاقتضاء.
الآن الإباحة، هل فيها طلب؟ لا. لذلك هذه مرة نكررها، الإباحة ليست طلباً، وإن كان بعض الأصوليين يلحقها بالطلب وبالأحكام التكليفية إلحاقاً، ولكنها ليست على وجه التحقيق من قبيل الطلب؛ لأنه هو خيرك. قال لك افعل كذا أو طبعا الأمر إليه. هذا طبعا المباح بحد ذاته، بغض النظر إذا أصبح وسيلة إلى مباح أو إلى إلى مندوب أو إلى واجب، هنا أصبح له حكم آخر، أما المباح بذاته ليس فيه طلب، وإنما أنت به مخير.
بناء على هذا التعريف نخلص إلى أن الحكم الشرعي يقسم إلى ثلاثة أقسام: حكم شرعي تكليفي، وحكم شرعي للإباحة، وحكم شرعي وضعي. الحكم الشرعي التكليفي هو الطلب أو الاقتضاء الذي تقدم معنا. الحكم الشرعي للإباحة وهذا القسم في المنتصف الذي سميناه التخيير، هذا حكم شرعي مستقل. والحكم الثالث أو النوع الثالث من أنواع الحكم هو الحكم الشرعي الوضعي.
ما معنى كلمة الحكم الشرعي الوضعي؟ يقصدون بالوضع أن الشارع جعل علامات وأمارات نصبها سبحانه وتعالى للأحكام التكليفية. هذه العلامات والأمارات التي نصبها الشارع ووضعها علامة للأحكام التكليفية نسميها أحكاماً وضعية، لذلك يقولون: لا يوجد حكم تكليفي إلا ومعه حكم وضعي. يعني ما يعني ما هذه العلامات والأمارات؟ هي التي نسميها نحن في الفقه الأسباب والشروط والموانع والصحة والفساد، البعض طبعا يزيد الأداء والقضاء والإعادة، البعض قد ينقص، لكن هذه هي العلامات والأمارات.
فأي عبادة من صلاة، من وضوء، من صيام، من زكاة، أي عبادة لا بد لها من أسباب، ولابد فمثلاً نقول: الشارع نصب زوال الشمس دليلاً على وجوب صلاة الظهر على المكلف. فزوال الشمس عن كبد السماء هذه علامة نصبها الشارع، لذلك نصابها يعني وضعها، من هنا أخذت كلمة الحكم الوضعي، وضعها الشارع، نصبها الشارع، جعلها الشارع.
فزوال الشمس يعني كبد السماء علامة وضعها الشارع لتدل على وجوب صلاة الظهر على المكلف، فما من حكم تكليفي إلا ومعه أحكام وضعية من أسباب مثل زوال الشمس، وشروط مثل استقبال القبلة وستر العورة وما شابه ذلك، وموانع مثل عدم وجود العذر الشرعي بالنسبة للمرأة وما شابه ذلك. فهذه كلها تسمى أحكاماً وضعية، وتسمى إذا وهي من الحكم الشرعي؛ لأنها خطاب من الشارع ويتعلق بأفعال المكلفين.
إذاً هذه أقسام الحكم الشرعي بشكل عام. نعود الآن، فالواجب المحكوم بالثواب في فعله والترك بالعقاب. الآن الناظم رحمه الله تعالى عندما عدد الأحكام الشرعية هو طبعا لم يعرف الحكم الشرعي، وإنما انتقل مباشرة إلى ذكر الأنواع، كما فعل الجويني رحمه الله تعالى في الورقات. عندما تكلم عن عندما ذكر أعداد الأحكام الشرعية ذكر سبعة أحكام، قال: الواجب، المندوب، المكروه، الحرام، المباح، الصحيح والفاسد. ذكرها سبعة.
الآن بعض المشايخ ممن من أهل الحجاز وغيره من الشيخ الجيزاني وغيره كان يقول إن هذا بسبب عدم نضوج المصطلحات. طبعا الورقة العمريتي رحمه الله في الناظم إنما من يتبع الجويني فهو يسعى إلى نظم عبارة الجويني، والجويني يعتبر من المتقدمين في هذا العلم، يقول الشيخ الجيزاني رحمه الله تعالى أو حفظه الله تعالى لأنه حي ورحمه: إن هذا التعداد من الجويني رحمه الله تعالى أنه ما ميز الحكم التكليفي عن الحكم الوضعي، جمعها كلها؛ الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، وذكر الصحيح والفاسد، مع أن الصحيح والفاسد فيما استقر عليه الأصوليون أنها من الأحكام الوضعية، وليست من الأحكام التكليفية.
الصحة والفساد ليست حكماً تكليفياً، وإنما هي حكم وضعي. الشيخ الجيزاني يقول إن هذا بسبب عدم نضوج المصطلحات في فترة الجويني، ما زالت المصطلحات الأصولية غير ناضجة، فكانوا يعدون الأحكام عداً، يقول: الحكم الشرعي كذا وكذا وكذا، ولا يفصلون بين التكليف والوضعي. لكن يعني هم يجعلون أن الجويني رحمه الله تعالى البعض يعني يخطئ الجويني، أو يقول: الجويني لم يسر على عبارة المتأخرين في التقسيم.
نعم، هو لم يصل على عبارتهم، لكن الجويني رحمه الله تعالى لم يقل إن الحكم التكليفي هو الواجب والمندوب والحرام قال الصحة والفساد. لم يقل هكذا، يعني من معه نظم من معه الورقات سيجد هذا هو، قال والأحكام وذكرها ولم يقل التكليفية، فهو أراد أن يجمع لك مجموعة من الأحكام، سواء كانت تكليفية أو لم تكن تكليفية. هل قصد رحمه الله تعالى أن الصحة والفساد من قبيل الحكم التكليفي حتى نخطئه أو نصبح نناقشه في هذه العبارة؟ هو لم يذكر ذلك ابتداء، وإنما قال الحكم الشرعي أو الحكم وعد هذا إعداداً، ولم يبين ابتداء مسألة التكليف ومسألة الوضعية، فلا يمكن حقيقة أن نحاكم الجويني لهذه المصطلحات التي وجدت عند المتأخرين.
ولكن ما نلاحظ في عبارة الجويني أنه قال: الحكم واجب ومندوب. هل هذه العبارة هي عبارة محققة محررة، أم عبارة للتسهيل؟ نقول: لابد أن نعرف أن الحكم الشرعي هو الإيجاب وليس الواجب، وهو الندب، وهو الإباحة، وهو الكراهة والتحريم. هذه أسماء الأحكام الشرعية. الأسماء الصحيحة للأحكام الشرعية ما هي؟ الإيجاب والتحريم والكراهة والندب والإباحة، انتبه للمصدر، نستخدم المصادر.
جيد، هذا هو اصطلاح الأحكام الشرعية عند الأصوليين، وكذلك عند الفقهاء تقريباً نفس المصطلح، لكن يخالفون في لا يقولون إيجاب، يقولون الوجوب؛ لأن الفقيه الحكم الشرعي عنده هو أثر خطاب الشارع، فأثر الخطاب هو الوجوب، أو أثر الخطاب والتحريم، أو عفواً الحرمة.
جيد، فالأصوليون والفقهاء يتفقون في الكراهة في تسمية الحكم كراهة، وفي تسميته ندباً، وفي تسميته إباحة، ولكن يختلفون في والتحريم؛ فالأصوليون يقولون إيجاب ويقولون تحريم، الفقهاء يقولون وجوب وحرمة. فقط هنا الخلاف في مسألة الواجب والمحرم، أما في في الباقي يتفقون على المصطلح.
طيب، ما هذه المصطلحات التي أتى بها؟ إذاً الأصوليون والفقهاء لا يقولون واجب ونقول مكروه، ولا يقولون حرام، ولا يقولون مباح، بأسماء الفاعل، وإنما هذه عبارات أخرى. لماذا؟ لأنه هذا ليس وصف للحكم الشرعي. الواجب هو الفعل الذي وصف بالوجوب، وليس هو الحكم الشرعي. المباح هو الفعل الذي وصف بالإباحة. المكروه هو الفعل الذي وصف بالكراهة، يعني الفعل الذي حكم عليه بالكراهة، وليس المكروه هو الحكم.
ولكن لماذا عدل الجويني رحمه الله تعالى من الإيجاب التي هي عبارة الأصوليين إلى الواجب؟ يعني لماذا لم يعرف الحكم الشرعي حقيقة، وعرف الفعل الموصوف بالوجوب؟ قالوا: تسهيلاً للمبتدئين؛ لأنه نبدأ نقول إيجاب، وما هو الإيجاب، وما هو التحريم؟ يعتبرون العبارة فيها نوع من الصعوبة، فقالوا: هذا كتاب للمبتدئين، فنعرف الواجب تساهلاً، أما العبارة المحرمة المحققة أن يقال: إن الأحكام الشرعية عند الأصوليين هي الإيجاب والتحريم والندب والكراهة والإباحة. هذا هو الحكم، أما هو الفعل الذي حكم عليه بالإيجاب، والمندوب هو الفعل الذي حكم عليه بالندب، وليس هو الحكم الشرعي.
جيد، ولكن نحن الآن سنمشي مع عبارة الجويني رحمه الله تعالى. طب سريعا عن هذا التمثيل التطبيقي، يعني ما الفرق بين الإيجاب والوجوب والواجب؟ لو أنت أردت التعريف، ما الفرق بينهم؟ ففي التعريف المحرر المحقق نقول: الإيجاب هذا هو الحكم الشرعي عند الأصول، فبماذا نعرفه؟ فنقول: هو خطاب الشارع المتعلق بطلب الفعل من المكلف على وجه، هذا هو الإيجاب، هو يعني الإيجاب عندهم هو النص الشرعي الذي يأمر المكلف بأن يفعل فعلا على وجه الإلزام. وكذلك تقيس الندب والتحريم على ذلك، يعني المسألة أصبحت واضحة.
طب ما هو الوجوب؟ هذا تعبير الفقهاء، إذاً الأصوليون يعبرون بماذا؟ بالإيجاب. الفقهاء يعبرون بالوجوب. ما هو الوجوب؟ هو أثر خطاب الشارع تعلق بطلب الفعل من المكلف على وجه الإلزام، هو الأثر.
جيد، إذا فالإيجاب يعني أقيموا الصلاة مثلاً. أقيموا الصلاة هذا النص بذاته هو إيجاب عند الأصوليين، هو بذاته النص يسمى إيجاباً عند الأصوليين، عند الفقهاء النتيجة التي فهمناها من هذا النص وهي وجوب الصلاة هي التي تسمى وجوباً، يسمونها وجوباً والأثر، وليس نفس النص.
أما الواجب فهي الصلاة، الواجب ليس الحكم الشرعي، الواجب هو الصلاة بحد ذاتها؛ لأنها هي التي اتصفت بالإجابة، فالواجب هو الفعل الذي طلب الشارع على وجه الإلزام.
نعم، وادده ما في فعله الثواب. يعني نعود إلى تعريف الواجب، لأنه ما ذكرنا تعريف الواجب أذكاره الناظم. فالواجب المحكوم بالثواب في فعله والترك بالعقاب. جيد، الآن الجويني رحمه الله تعالى عندما عرف الواجب، الآن خلاص سنتكلم عن تعريف الواجب لننتكلم عن الإيجاب والوجوب بناء على طريقة الجويني.
واجب ما هو؟ قلنا: هو الفعل الذي طلب الشارع فعله طلباً جازماً من المكلف. جيد. الآن هل الجويني عرف بهذا الطريق الواجب؟ لا، الطريقة التي عرفنا بها الواجب أنه الفعل، هذا يسمى حداً. والجويني رحمه الله تعالى لم يعرف الواجب بالحد، وإنما عرفه بالرسم.
جيد؛ لأن ماذا يقول صاحب السلم المنورة؟ وعندهم من جملة المردود أن تدخل الأحكام في الحدود لا يجوز في الحد والتعريف أن تذكر حكماً من أحكام المعرف. ذكر الأحكام، كون هذا مثلاً تقول في تعريف الفاعل: لا يجوز أن تعرف الفاعل بأنه الاسم المرفوع؛ لأن كلمة مرفوع هذا حكم. جيد، هذا لا يكون في حدود، وإنما يكون في الرسوم، الرسوم أمرها أخف بابها واسع كما يقول الفضفاض، يمكن أن تذكر فيها الأحكام، أحكام الشيء. أما الحد ينبغي أن فيه ماهية الشيء من دون ذكر لاحكامه.
جيد، الآن الواجب، ما هي ماهيته حقيقته؟ هو الفعل، الفعل الذي طلب الشارع فعله طلباً جازماً. جيد، أما هو ماذا قال؟ قال: الواجب المحكوم بالثواب في فعله والترك بالعقاب. فعرف هذا الفعل، لم يعرفه بماهيته وإنما عرفه بحكم من أحكامه، أن هذا الفعل إذا فعلته تنال الثواب، وإذا لم تفعله تنال العقاب.
هكذا ذكر الواجب. طبعا هذا التعريف ربما يعني يحتاج إلى زيادة بعض القيود، ما هي؟ عندما قال: المحكوم بالثواب في فعله. هل الانسان إذا فعل الواجب، حتى ولو لم يرد الامتثال، ينال الثواب؟ لا.
فلابد نعم؟ أو فقد الإخلاص أو فقد الإخلاص صحيح لم ينل الأجر، فلابد إذا من زيادة قيد المحكوم بالثواب في فعله امتثالاً، نزيد كلمة امتثالاً. والترك بالعقاب، هل إذا الإنسان ترك الواجب يعاقب؟ لابد من أن يكون تاركاً له قاصداً بغير عذر، قاصداً بغير عذر، فلابد من زيادة هذه القيود حتى يكتمل التعريف.
وعندما نلاحظ الشراح أو كتب التعاريف الواجب، نجدهم ينقدون هذا التعريف، سواء هذا التعريف البعض يقول: الواجب ما يذم تاركه شرعاً. الواجب ما يتوعد بالعقاب على تركه، كل هذه التعاريف نجد نجد الأصوليين ينتقدونها. لماذا؟ يقولون: لأنه قد يتخلف، الله عز وجل لو إنسان ترك الواجب عمداً بقصد وهو غير معذور، ألا يمكن أن يسامحه الله سبحانه وتعالى فلا يعاقبه، فلا يعاقبه يمكن. يقولون: هذا منتقد؛ لأن هذا التعريف، إذاً بالتالي هناك بعض الأمور هي واجبة ولكن الله عز وجل ما عاقب تاركها.
لكن هذه انتقادات، طبعا هذه انتقادات تسطر فيها صفحات طويلة في كتب الأصول. وأنا بإذن الله أهنيها لك الآن، أن هذا الكلام غير صحيح؛ لأنه مثلاً لو قلنا أن إشارة المرور من يتجاوزها عليه غرامة ألف دينار، ثم جاء شخص تعبان يعني شرطي المرور نظر إليه أراد أن يخالفه ألف دينار بناء على القاعدة، لكن وجده فقيراً فسامحه، قال: اذهب يا شيخ، الله يسهل أمره. هل نقول هنا أن هذه القاعدة تخلفت؟ أن هذا خطأ؟ نقول أن إشارة المرور من تجاوزها عليه ألف دينار لم، لكن هذا استثناء من من مثلاً من هذا الشرطي.
وكذلك عندما نأتي للأحكام الشرعية، عندما نقول أن الله سبحانه وتعالى حكم على من يترك الواجب في قاعدة عامة، الأصل أنه يعاقب. كون الله سبحانه وتعالى عفا عن هذا الشخص ولم يعاقبه، هذا تفضل وكرم منه سبحانه وتعالى، لكنه لا يخرم القاعدة. القاعدة أن الواجب هذا قاعدته: تثاب على فعله إذا فعلته امتثالاً، وتعاقب على تركه قاصداً بغير عذر. هذه كون هناك استثناءات هذه من الشارع سبحانه وتعالى بكرم منه وفضل، ولا تقدح في هذا التعريف.
والندب ما في فعله الثواب ولم يكن في تركه عقاب. انتقل الآن رحمه الله تعالى إلى الندب. الندب هو الحكم الثاني من الأحكام التكليفية، فنقول: الندب من الناحية اللغوية هو الدعاء إلى الأمر المهم. صحيح.
لكن ما نلاحظه الآن في المنظومة أنه قال الندب، ونحن قلنا إن الجويني رحمه الله تعالى عدل عن لفظة الإيجاب إلى لفظة الواجب، وعدل عن لفظة الندب إلى لفظة المندوب، فهنا الناظم رحمه الله تعالى عاد بنا إلى الأصل فقال: الندب. ما الجواب عن هذا الاشكال؟ الجويني في الورقات قال: المندوب. ولكن العمريطي رحمه الله تعالى هو الذي تصرف في العبارة.
فإياك أن تحملها على حقيقتها، هنا الندب مصدر ولكنه أراد باسم المفعول، هذا مصدر ولكنه أراد به اسم المفعول، نوع من أنواع التجوز في العبارة، فالندب هنا أراد به المندوب ولم يرد به الندب الحقيقي وهو الحكم الشرعي بدليل ما عرف به. ولم يعرف الندب، وإنما عرف الفعل المندوب بأنه: ما في فعله الثواب ولم يكن في تركه
العقاب. إذاً فالندب من الناحية اللغوية، كما قلنا، الدعاء إلى الأمر المهم، وهو كما يقول: يكلفه القوم ما نابهم، وهذا بالنسبة للتكليف. أما من الناحية الاصطلاحية، فالندب هو ما طلب الشارع فعله.
جيد، هذا من ناحية الحد والتعريف، وليس من حيث الرسم، من حيث الحد والتعريف: الندب ما طلب الشارع فعله لا على وجه الإلزام. التعريف بالرسم وبالأثر وبالعلامة هو ما ذكره العمريطي، طبعاً للجويني: ما في فعله الثواب ولم يكن في تركه عقاب. فالندب تثاب على فعله امتثالا، ولا تعاقب على تركه. طبعاً هذه كلمة: لا تعاقب على تركه، لأن كثيراً من يعلق على أنها من حيث يعني إذا تركت مندوباً واحداً، نعم لن تعاقب. لكن إنسان لا يفعل كل المندوبات أبداً، تركها وهجرها جملة، هل هذا لا يعاقب؟ أنا أتذكر الشاطبي رحمه الله في الموافقات أن المندوبات من حيث الكل تنهض أن تكون واجباً. المندوبات من حيث الكل قد تنهض أن تكون واجباً. يعني إنسان لا يفعل أي نوع من أنواع الندب، هذا يحتاج إلى عناية، في إشكال في هذه القضية، هل فعلا هذا لا يعاقب؟
أما من حيث الأفراد، نعم هذه القاعدة من حيث الأفراد، إن شيء ندب تركته لا تعاقب عليه، وفعلته امتثالاً فإنك بإذن الله عز وجل تؤجر. ثم انتقل رحمه الله تعالى -طبعاً الانتقاد الذي يأتي على الندب، هذا الإشكال الذي اعترض به على الواجب، كون الإنسان قد لا يعاقب وقد يؤجر وقد لا يؤجر، كما قلنا يأتي على المندوب نفس الشيء، هم الذين انتقدوا الواجب أن لا يجوز أن تعرفه بأنه ما يثاب على فعله أو يعاقب على تركه، لأنه قد يتخلف هذا الأمر، كذلك يسوقونه إلى المندوب أنه قد يتخلف الثواب أو ما شابه ذلك-.
نقول أولاً: نحن زدنا كلمة امتثالاً فخرجنا من هذه القضية، ووجود استثناءات من الشارع لبعض الأشخاص هذا لا يقدح في القاعدة الكلية. ثم انتقل رحمه الله إلى المباح، وليس في المباح من ثواب فعلاً وتركاً، بل ولا عقاب. انتقل رحمه الله تعالى إلى المباح، فبين أن المباح، المباح في اللغة هو مأخوذ من الإباحة، وهو الإعلان والإظهار، وكذلك تأتي بمعنى الإذن. فالإباحة تأتي بمعنى الإعلان والإظهار: أباحت السر، يعني أظهرته وأعلنته، وتأتي بمعنى الإذن أيضاً: أباحت لك أن تفعل كذا، بمعنى أذنت لك أن تفعل كذا.
أما من الناحية الاصطلاحية فالمباح ما لا ثواب في فعله ولا عقاب على تركه نقول لذاته. لماذا نقول لذاته بزيادة لذاته؟ لأن المباح إذا أصبح وسيلة للمندوب أو إلى الواجب تثاب عليه، وإذا أصبح وسيلة إلى المحرم أو المكروه قد تؤثم عليه. جيد؟ ولكن بحد ذاته الأصل أنه غير مطلوب، لا طلب فيه من حد ذاته، الأصل أنه لا طلب فيه. هذا هو المباح من حيث الاصطلاح.
والإباحة تنقسم -لابد يعني هذا أن نذكر- أن الإباحة تنقسم في الشريعة إلى قسمين: هناك إباحة شرعية، وهناك إباحة عقلية. الإباحة الشرعية هي المقصود هنا. وما هي الإباحة الشرعية؟ هو أن يأتي خطاب من الله سبحانه وتعالى هو الذي يدل على.. فرق بين الإباحة الشرعية وهي المبررة بالحكم الشرعي وبين الإباحة العقلية. هناك إباحة مأخوذة من العقل وهي التي يسميها الأصوليون بالبراءة الأصلية أو استصحاب العدم الأصلي. البراءة الأصلية أو استصحاب العدم الأصلي هذا لا يسمى إباحة شرعية. لماذا؟ لعدم وجود الخطاب.
الإباحة الشرعية كما أن الواجب يحتاج إلى خطاب من الشارع، كما أن الندب يحتاج إلى خطاب، كما أن كذلك المكروه، كذلك المباح. المباح الذي هو حكم شرعي لابد فيه من خطاب من الشارع حتى ينطبق حد التكليف أو حد الحكم الشرعي عليه، أنه خطاب من الشارع وهذا الذي نقصده في هذا: أن يأتي خطاب من الشارع يقول إن هذا الفعل مباح، هنا نقول هذه إباحة شرعية. أما الإباحة العقلية فهذه مردها إلى أن الأصل براءة الذمة.
فعندما نقول الأصل في الأشياء الإباحة، كلمة الإباحة هنا ليست الحكم الشرعي، وإنما المراد بالإباحة هنا البراءة الأصلية. أن نقول الأصل في الأشياء النافعة الإباحة، يعني الأصل جواز استخدامها إلى أن يرد نص بتحريم استخدامها. جيد؟ فهذه الإباحة نسميها إباحة عقلية، مأخوذة من القواعد العامة للشريعة، أن الشريعة، أن الله عز وجل أباح للناس الاستمتاع بطيبات الحياة الدنيا. أما الإباحة الشرعية التي هي حكم شرعي فهذا لابد فيه من خطاب خاص من الله سبحانه وتعالى يقول لك أذنت لك في فعل كذا وكذا، وهذا هو المقصود.
طيب ما أثر ذلك؟ يعني ما أثر التفريق بين الإباحة الشرعية والإباحة العقلية؟ ذلك في النص، لو جاء نص الآن عندك شيء مباح، ثم جاء نص ينسخ هاي الإباحة ثم يقول بالتحريم، إذا كانت الإباحة مصدرها العقل -نسميها الإباحة- فهذا النص الجديد الذي ورد لا نسميه ناسخاً، لأن رفع الإباحة العقلية لا يكون نسخاً في الشريعة. جيد؟ فعند مثلاً نقول الخمر في بداية الشريعة في بداية العهد النبوي وفي بداية البعثة كانت مباحة، لا نقول أنها كانت مباحة. طبعاً هنا خلاف طبعاً، خلاف النص وارد.
لكن لو طبقنا لا نقول أنها مباحة بالنص الشرعي، جيد هناك من يرى أنه أبيحت بالنص الشديد، ولكن لو قلنا أنها لم تباح بالنص الشرعي وإنما تركت على البراءة الأصلية أن الأصل جواز شرب الخمر، ثم بعد ذلك جاء النص بتحريمها، هذا النص لا نقول أنه ناسخ، لماذا؟ لانه لم يرفع إباحة شرعية. ولكن لو ورد هناك نص ابتداء من الشريعة في بداية البعثة بجواز شرب الخمر، ثم ورد بعد ذلك نص شرعي يحرم شرب الخمر، نقول هذا النص المتأخر ناسخ للمتقدم. فهذا الفرق بين الإباحة الشرعية والإباحة العقلية، الإباحة الشرعية رفعها يكون نسخاً، والإباحة العقلية رفعها لا يكون نسخاً.
وضابط المكروه عكس ما ندب، كذلك الحرام عكس ما يجب. الآن ربما بقي مسألة نذكرها في المباح: قلنا المباح على التحقيق أنه ليس من الأحكام التكليفية، قلنا الحكم الشرعي تكليفي وللاباحة ووضعي، فلم ندخل المباح في الحكم التكليفي، وهذه مسألة كثر فيها الخلاف بين الأصوليين، هل المباح حكم تكليفي أم لا؟ كثير منهم -لا نستطيع أن نقول يعني جل من قرأت لهم في الأصول- يدخلونه في الحكم التكليفي، ولكن لماذا يدخلونه؟ يقولون من باب التسامح والتساهل وتسهيل على الطالب، بدل أن نقسم الحكم الشرعي ثلاثة أقسام نقول: تكليفي ووضعي، وندرج المباح في التكليف من باب التسهيل.
هناك رأي لأبي إسحاق الإسفراييني رحمه الله تعالى يرى أن المباح يدخل في الأحكام التكليفية ولكن بوجهة نظر، يقول: أن المباح يجب عليك أن تعتقد أنه مباح، فبالتالي هو حكم تكليفي. يعني انظروا للطريقة التي نظر فيها، ولكن هذه الطريقة هي فيها نظر. أبو إسحاق كيف أدخل المباح في الحكم التكليفي؟ أدخله يقول: المباح يجب أن تعتقد وجوباً أو يجب أن تعتقد أنه مباح. يعني الله عز وجل أباح شيئاً يحرم عليك أن تعتقد حرمته، يجب عليك أن تعتقد أنه مباح، وهذا أمر مفروغ منه، أن التشريع إلى الله سبحانه وتعالى، فإذا أباح شيئاً -أباح الماء- يجب علينا أن تعتقد أن الماء مباح، بل حتى قال الفقهاء: لو أن شخصاً قال إن الماء يحرم شربه كفر، لأن الله عز وجل أباح شرب الماء.
جيد، فأبو إسحاق الإسفراييني يقول أن المباح يدخل في الحكم التكليفي من هذه الزاوية. لكن هذه الزاوية حقيقة ليست خاصة بالمباح، بل تشمل جميع الأحكام، فالحرام يجب عليك أن تعتقد حرمته، والمكروه يجب عليك أن تعتقد أنه مكروه إذا ثبت لديك، كذلك ينطبق على الإيجاب وعلى جميع الأحكام، يجب عليك أن تعتقد مدلولها، ونحن لا نتكلم عن هذا الأثر. عندما نقول إن الواجب من الحكم التكليفي نقول الواجب بحد ذاته، فنحن بحثنا في المباح بحد ذاته من حيث كونه مخيراً، هل هو حكم تكليفي أم لا؟ أما كونه يجب علينا أن تعتقد إباحته أو لا، هذا أمر آخر خارج عن ماهية المباح. فالراجح والله أعلم أنه ليس من الأحكام التكليفية، ولكنه حكم شرعي.
ثم انتقلنا إلى ذكر المكروه، فقلنا المكروه في اللغة هو من كره الشيء، لأن اسم المفعول يشتق من المبني للمجهول أو مغير الصيغة، فهو من كره الشيء إذا أبغض. أما في الاصطلاح فهو عكس المندوب، ماذا؟ قال: وضابط المكروه عكس ما ندب، ماذا يكون إذا فعله لا يعاقب، وإذا تركه امتثالاً يثاب، أو ما يثاب على تركه جداً ولا يعاقب على فعله. والحرام عكسه، عكس الواجب، أنه يثاب تاركه امتثالاً ويعاقب فاعله قصداً.
وضابط الصحيح ما تعلق به نفوذ واعتداد مطلقاً، والفاسد الذي به لم تعتد ولم يكن بنافذ إذا عقد. الآن انتقلنا، ينتقل رحمه الله تعالى لذكر معنى الصحيح ومعنى الفاسد، وكما قلنا الجويني رحمه الله تعالى عندما تكلم عن الصحة والفساد ألحقها جميع الأحكام كلها ما بعدها ولم يفصل بين الحكم التكليفي وبين الحكم الوضعي. فما هو الصحيح؟ كما أن نفس الشيء فرق بين الصحة وبين الصحيح، الحكم الأصول هو الصحة والصحيح هذا وصف للفعل الذي وصف بالصحة، كذلك الفاسد، الفاسد هو الفعل الذي وصف بالفساد. أما الحكم الشرعي، ما هو الحكم الشرعي؟ هو الفساد والصحيح في من كلام الأصوليين أن -وهذا ربما نأتي إليه- أن الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، والاسم من الأحكام التكليفية.
ولكن ابتداء نبدأ بالتعريف، نقول: ما تعريف الصحيح؟ الصحيح في اللغة مأخوذ من الصحة كما مر، والصحة هي السلامة من العيوب. أما الصحة من اصطلاح الأصوليين فنأخذ هنا تعريف المتكلمين للصحة وإن كان ربما هو الأضعف، ولن نفصل كثيراً. نقول: الصحة موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع، هذا معنى الصحة: موافقة الفعل ذي الوجهين للشرع. ما معنى كلمة ذي الوجهين؟ الأفعال، الأفعال التي يفعلها المكلفون بعضها يمكن أن يكون صحيحاً ويمكن أن يكون فاسداً، يعني نفس الفعل قد يوصف بالصحة والفساد، وهناك أفعال لا يمكن أن توصف بكلا الوصفين. فمثلاً لو عندك أمانة لشخص فرددتها إليه، رد الأمانة هل يمكن نقول هذا رد أمانة صحيح وهذا رد فاسد؟ لا يمكن، فهذا الفعل لا يمكن أن يوصف بالصحة والفساد.
إذاً هناك أفعال في الشريعة لا يمكن أن توصف بالصحة والامرين. وهناك أفعال توصف بالصحة والفساد فنقمه: هذه الصلاة صحيحة أو هذه الصلاة فاسدة، هذه المعاملة صحيحة، هذه المعاملة فاسدة. لكن هل كل الأفعال يمكن أن توصف بالصحة والفساد؟ لا، بدل رد الأمانات ورد المغصوبات إلى أصحابها هذه لا يمكن أن توصف بالصحة والفساد. فهي كما يقولون، كذلك معرفة الله سبحانه وتعالى كما يقول المتكلمون هذه لا يمكن، إذا عرفت الله عرفته لا يمكن تكون معرفة صحيحة ومعرفة فاسدة، هي معرفة معرفة.
لذلك نقول: ما هي الصحة؟ موافقة الفعل ذي الوجهين، يعني أن يكون الفعل له وجهان، يعني يمكن أن يوصف بالصحة والفساد، فإذا وافق هذا الفعل الذي يمكن أن يوصف بالصحة والفساد الشرع يكون صحيحاً، والعكس يكون هو الفاسد. فالفاسد ما هو؟ هو مخالفة الفعل ذي الوجهين للشرع، هذا معنى الفاسد. إذا عرفت الصحيح عرفت الفاسد، ما هو الفاسد؟ مخالفة الفعل ذي الوجهين للشرع. والصحيح موافقة الفعل ذي الوجهين الشرع. الشريعة مثلاً وضعت للصلاة شروطاً وأسباباً، جيد، ووضعت كذلك موانع تمنع من صحتها، إذا أنت أديت الأسباب والشروط وأبعدت الموانع، نعم هنا نقول الصلاة وقعت صحيحة وافقت الشرع. لا، أنت أخللت ببعض الشروط، مثلاً لم تتوضأ، لم تستر العورة، نعم هنا هذه الصلاة لم توافق الشريعة لأنك أخللت ببعض الشروط التي أمرك الله سبحانه وتعالى بها فتكون هذه الصلاة فاسدة.
الآن هل هي حكم تكليفي أم ليست حكماً تكليفياً؟ قلنا هذا خلاف. عرفت الجمهور، أهل العلم على أن الصحة والفساد من الأحكام الوضعية، من الأحكام الوضعية لأن الشارع جعل وجود الشروط والأسباب وانتفاء الموانع علامة على صحة التصرف والعبادة، وجعل الخلل في بعض الشروط والموانع علامة على فساد هذا التصرف أو فساد هذه العبادة، وهذا هو تعريف الحكم الوضعي: ما نصبه الشارع لصحة أو فساد عمل المكلف، أو لأعمال المكلفين.
وأما الرازي، الرازي ومن تبعه من الأصوليين يرون أن الصحة والفساد من الأحكام التكليفية، عرفت؟ فإذا قلنا إن الجويني رحمه الله تعالى جعلها من الحكم التكليفي هو لم ينفرد بهذا، فالرازي هو -طبعاً الرازي بعد الجويني جاء- جعلها أيضاً من الأحكام التكليفية. كيف من الأحكام التكليفية؟ الرازي يقول: الصحة بمعنى الإباحة، قد على من قبيل المباح، طبعاً نحن أصلاً ننازع أن المباح من الحكم التكليفي لكن لو مشينا معهم. يقول: الصحة بمعنى الإباحة والفساد بمعنى الحرمة. هذا الكلام للرازي هذا لا يتوافق لا المعنى اللغوي لكلمة الصحة، فهي الصحة في اللغة لا تعني الإباحة، ولا يمكن كما قلنا أن يكون المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي متبايناً، لابد من وجود نوع من العلاقة بينهما. وكذلك الفساد لا يعني الحرمة، لا يعني الحرمة لا من الناحية اللغوية كذلك من الناحية الشرعية، النصوص لم تدل على هذا الأمر. فكلام الرازي ومن تبعه فيه نوع من النظر، ويظهر أن الصحة والفساد هي من الحكم -أنا أرى من الحكم الوضعي-.
والعلم لفظ للعموم لم يخص للفقه مفهوماً، بل الفقه أخص، وعلمنا معرفة المعلوم إن طابقت لوصفه المحتوم. الآن انتقل رحمه، هذه نهاية تصور الأحكام. قلنا إن طريقة الأصوليين رحمه الله تعالى في عرض الأصول أنهم يبدأون أولاً بمبحث تصور الأحكام، ثم بعد ذلك يذكرون مقدمة منطقية، ثم يردفونها بمقدمة لغوية. هذا الترتيب في كل كتب الأصول، لابد من وجود تصور الأحكام في البداية ثم بعد ذلك مقدمة منطقية.
أما مقدمة لغوية فالبعض قد يقال: فإنها ليست نصا شرعيا، وإنما مسألة اصطلاحية تواطئ عليها المصنفون. الآن بدأ رحمه الله تعالى بالمقدمة المنطقية. انتهينا من مسألة تصور الأحكام. المقدمة المنطقية يذكرون فيها بعض المصطلحات، ما معنى العلم؟ ما معنى الاعتقاد؟ ما معنى الجهل؟ ما معنى الظن؟ ما معنى الشك؟ ما معنى الوهم؟ بعض المصطلحات التي تكثر أو يكثر ورودها سواء في علم الأصول وحتى في علم الفقه، ويحصل على الطالب أن يكون ضابطا لمدلولها.
بدأ رحمه الله تعالى بمسألة بديهية ربما عند كثير منا، وهي مسألة: ما هي العلاقة بين العلم والفقه بشكل عام؟ إنسان سألك: أيهما أضيق؟ العلم أم الفقه؟ الفقه، لأن العلم يشمل علم الفقه وعلم الرياضيات وعلم الطب وعلم وعلم كذا، تبين لك رحمه الله تعالى أن العلم أوسع مدلول من الفقه، والفقه هو جزء من العلم. فقال: والعلم لفظ للعموم هو عام، لم يخص للفقه ليس خاصا للفقه، فكلمة علم ليست هي مرادفة لكلمه فقه، والعلاقة بينهما هي علاقة العموم والخصوص المطلق، لم يخص أو لم يخص للفقه مفهوما، بل الفقه أخص.
ثم انتقل رحمه الله تعالى لتعريف العلم كمصطلح. وينبغي في البداية أن نعرف أن هناك خلاف بين تعريف العلم، بين خلاف تعريف العلم بين المناطقة وبين الأصوليين. المناطقة أن العلم هو مطلق الإراك. قبل ذلك، قبل هذه المسألة، نعود للمسألة: هل العلم أصلا يحد؟ هل يمكن تعريف العلم؟ هذه مسألة فيها خلاف.
هناك خلاف أصلا قبل أن نخوض في حد العلم، هناك خلاف: هل يمكن أن يحد العلم أم لا؟ الرازي يرى أن العلم لا يمكن أن يحد. لماذا؟ قال: لأن معرفته ضرورية، كل إنسان يعرف ما معنى العلم بغير حاجة إلى تعريف، والتعاريف كما إذا درست في المنطق بدنا نتكلم أن تعريف يكون للأمور التي تحتاج إلى نظر ولا تكون في الأمور الضرورية. مثلا الماء: هل يمكن أن تعرف لي الماء؟ البعض عرفه، لكن هذه سفسطة ومشاكل عقلية عنده الذي يعرف الماء، لأن الماء هذا شيء معروف، البعض يقول: جوهر سيء، يعني لو لم يعرفه كان أفضل، كان معلوما. فالماء لا يمكن تعريفه؛ لأنه هو أمر واضح بديهي وامر جلي جدا.
التعاريف نحتاج إليها في الأمور الغامضة، لذلك البعض قال: العلم لا يمكن أن يحد لأنه ضرورية. كل إنسان يدرك من نفسه ما معنى العلم، وهذه وجهة نظر الرازي، وإن كان الرازي مع قول أنه لا يحد حده. قال: قال -يعني اعتذروا للرجل- طب لماذا حددته وأنت تقول إنه لا يحد؟ قال: أردت أن أتنزل مع الذين يقولون إنه يحد، وهذا من طبعا الطرف العلمي، كما يقولون، هم كانوا يعيشون في فترة من الطرف العلمي، الإنسان يحب أن يخوض في علم الكلام والتعاريف والحدود والمناقشات العلمية.
فهو يرى أنه لا يوعد، ولكن يقول: إذا لو أردت أن أحده لقلت كذا وكذا، فحده. الجويني رحمه الله تعالى والغزالي هم يرون أيضا أنه لا أن يحد بمعنى أنه لا يمكن أن تأتي بالحد المنطقي، ولكن هل يمكن أن يذكر برسم؟ يعني بعلامة تدل عليه أو يذكر أثر من آثاره؟ قالوا: نعم، جيد؟ هذه وجهة نظر الجويني الغزالي، ولكن الجمهور يرون أنه يحد.
بشكل عام الجمهور يرون أنه يحد، ودخلوا في حده. الآن كما قلنا العلم يختلف حده بين المناطقة وبين الأصوليين. المناطقة رحمها الله تعالى، أو المناطقة وكان منهم مسلم رحمه الله ومن كان منهم على دين أبيه حسابه عند ربه، المناطقة يرون العلم بمعنى الإدراك مطلقا، مطلق الإدراك، سواء كان هذا الإدراك جازما أو غير جازم، أن الشعب المصري لدرجة القطع أو لم يصل لدرجة القطع هذا كله يسمى علما.
أما الأصوليون فعندهم اصطلاح خاص للإدراك، يرون أن الإدراك هو العلم المطابق للواقع على وجه الجزم، أو الإجراء العلم هو الإدراك المطابق للواقع على وجه الجزم، فيخصون الإدراك، يخصون العلم بالمطابق المجزوم به. أما المناطقة لا، لا يقولون بالجسم، لا يشترط في العلم الوصول لدرجة الجزم، سواء كان جزما أو كان ظنا، كلاهما علم عند المناطقة.
أما الأصوليون، لا، لابد من الجزم حتى نقول إنك وصلت لدرجة العلم. لذلك تجد اضطراب في فهم التعاريف عندهم، يعني البعض ينقد زميله، وزميله يقول: استخدم العين هنا بمعنى المنطقي، وهو ينقضه بناء على أنه فهم من تعريفه المعنى الأصولي. فينبغي كما قلنا تحرير المصطلحات حتى تفهم كلام أهل العلم.
طيب، نعود إلى تعريف الجويني رحمه الله تعالى للعلم. الآن الجويني، إذن بما أنه قال إنه لا يمكن أن يحد بالحد المنطقي، فلابد أنه ذكر آثارا أثرا من آثاره أو ذكره بالرسول، فقال: وعلمنا علمنا، لماذا قال علمنا؟ هذه نون الجمع، يقصد فيه الفقه؟ لا، أحسنت، لإخراج علم الله سبحانه وتعالى؛ لأنه إن الله عز وجل لا يجوز لنا أن نخوض في تعريفه، هذا الكلام عن العلم البشري.
وعلمنا معرفة المعلوم إن طابقت لوصفه المحتومي. عرف الجويني رحمه الله تعالى وكذلك العلم بأنه معرفة معلومة المطابقة لوصفه. جيد؟ معرفة المعلوم المطابقة لوصفه. هذا من أوائل الحدود، وهذا أيضا ذكره أبو بكر الباقلاني في التقريب والإرشاد، وانتقده، وأكيد هم اخذوه ممن سبقهم.
فقالوا: العلم هو معرفة المعلوم المطابقة لوصفه، المعرفة للمعلومة المطابقة لوصفه. الآن هذا التعريف عليه مجموعة من الانتقادات. الانتقاد الأول: كلمة المعلوم، هل يجوز أن تأتي بالتعريف بكلمة مشتقة من المعرف؟ هذا الأصل لا يجوز. يعني مثلا تقول: الأمر تعرف الأمر طاعة الأمر. يقولون: هذا من المعيب في الحدود أن تأتي بكلمة في التعريف مشتقة. لماذا؟ لأنه معرفة هذا المشتق تتوقف على معرفة المشتق منه، فكيف تأتي أنت بالتعريف بكلمة أو تتوقف معرفتها على معرفة أصلها الذي هو الذي نريد أن نحده؟ فهذا ممن انتقد عليه.
لكن لماذا الأشاعرة أو لماذا الأصوليون اختاروا كلمة المعلوم مع أنهم كانوا يمكن أن يختاروا كلمات أخرى؟ الآن العلم يتعلق بالموجود وبالمعدوم، يعني قد تعلم أشياء موجودة، وقد تعلم أشياء معدومة، جيد؟ لا يتعلق فقط بالأشياء الموجودة المحسوسة، هناك أمور معدومة قد يتعلق بها العلم.
والأشاعرة، وهذا خاص من الأشاعرة، الأشاعرة يرون يعني هم الأكثر يعرفون العلم بأنه قال: معرفة الشيء. لكن الأشياء يريدون الخروج من كلمة شيء، لماذا؟ لأنهم لا يطلقون على المعدوم شيئا، الأشاعرة لا يطلقون على المعدوم شيئا، لا يسمونه شيء. يكون الشيء هذه كلمة فقط تستخدم لماذا؟ للشيء الموجود المحسوس، الموجود على أرض الواقع.
أما الأشياء التي لم توجد بعد لا نسميها أشياء، ممتاز. طب العلم عندهم عند الأشاعرة يتعلق بالأشياء الموجودة والأشياء المعدومة، فلو أنه قال: العلم معرفة الشيء مطابقة لوصفه، لخص العلم بالأشياء الموجودة بناء على طريقتهم، بينما كلمة المعلوم عندهم لا تشمل الموجود وتشمل المعدوم، فقالوا: هي أوسع فنستخدمها، جيد؟
لذلك هذه العبارة هم معلوم حتى يخرجوا من قضية الشيء ومسألة إطلاق الشيء. وبشكل عام يعني ابن أبي العز الحنفي في العقيدة الطحاوية وكذلك أو أظن اخذها من شيخ الإسلام ابن تيمية، عند أهل السنة والجماعة، مع أن الأشياء الممتنعة أو المعدومة ممتنعة لا يمكن أن تقع، مثل اجتماع النقيضين، هذه نعم لا تسمى شيئا، المعدوم الممتنع المعدوم الممتنع.
هناك معدوم ممتنع، يعني معدوم ولكن لا يمكن أن يقع أصلا، مثل الاجتماع بين أو الجمع بين النقيضين، قائم قاعد، هذا لا يمكن أن يقع، هو معدوم ولا يمكن أصلا أن يقع. وهناك شيء معدوم ولكن يمكن أن يقع، مثل مثلا أن يأتي لشخص منكم مثلا ليس له أولاد، يأتي له ولد، هذا معدوم ولكنه يمكن أن يقع. وهناك شيء موجود.
إذن عندنا ثلاثة أشياء: معدوم ممتنع، ومعدوم يمكن أن يقع، وموجود. الآن المعدوم الممتنع باتفاق الجميع لا يسمى شيئا لديه في اجتماع النقيضين، لا يسمى شيئا، والموجود باتفاق الجميع يسمى شيئا. الخلاف أين هو؟ في المعدوم الممكن الوجود: هل هذا يسمى شيئا؟
قول من حيث الواقع وما في الخارج ليس بشيء لأنه غير موجود، ولكن باعتبار ما في الذهن وما في علم الله وما في كتب الله يسمى شيء، والدليل قوله تعالى: وَإِذْ زُلْزِلَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ. هل زلزلت الساعة موجودة؟ لا، ولكنها ستوجد، فهي من المعدوم الممكن، ومع ذلك سماها الله سبحانه وتعالى شيئا.
فالاشياء المعدومة الممكنة الوجود تعرف باعتبار الواقع والوجود الحالي، نعم نقول: هي ليست بشيء الآن، ولكنها في العلم الله أو فيما في صحف الله سبحانه وتعالى وما في الذهن مثلا قد تسمى شيئا ولا حرج في ذلك، يعني فالخلاف فيها يعني لا يمكن أن ننصب الخلاف بين الإشارة وبين كذا نجعله خلافا عقديا، ولكن أقول: هم اهتموا الأشاعرة بشكل عام بهذه القضية، ولكن لا يمكن أن نجعلها مسألة كبيرة يرفع فيها الخصمة تؤخر فيها القلوب كما يقولون.
شيء من المشيئة، والله لا يظهر لي أن الشيء من المجيء، والله الله أعلم محتاج للرجوع لا يدري. والجهل قل تصور الشيء على خلاف وصفه الذي به على، وقيل حد الجهل فقد العلم بسيطا أو مركبا قد سمي، بسيطة في كل ما تحت الثرى، تركيبه في كل ما تصور.
الآن انتقل رحمه الله بعد أن يعرف الأصول ولي العلم، ينتقلون لتعريف الجهل؛ لأنهم يقودون بضدها تتميز الأشياء، فهذا أيضا من باب الذي استطردناه هو الجهل. الجهل هو نقيض العلم من حيث الناحية اللغوية. من الناحية الاصطلاحية، ذكر الجويني رحمه الله تعالى تعريفين، وتبعه على ذلك العمريتي.
فقال في التعريف الأول للجهل: والجهل قلت الشيء على خلاف وصفه الذي به علا. ما معنى التعريف الأول للجهل؟ أن تتصور الشيء على خلاف ما هو عليه في الواقع، جيد، إذن فالجهل بناء على هذا التعريف يوجد منك عمل، أنك حاولت تصور شيء ولكنك للأسف عندما تصورته تصورته مخالفا لما هو في الواقع، يعني ظننت هذه سيارة وهو مثلا جوال، تصورت الشيء على خلاف ما هو عليه، فنقول لك الجهل.
لكن هذا التعريف للجهل هذا تعريف قاصر، أنه يشمل نوعا فقط من أنواع الجهل، وهو الجهل المركب. الجهل الجهل نوعان: جهل بسيط وجهل مركب. الجهل البسيط سيأتي تعريفه، الجانب المركب: أن تتصور الشيء على خلاف ما هو عليه. إذا عرفنا الجهل بتصور الشيء على خلاف ما هو عليه، نحن حصرنا الجهل هنا بالجهل المركب، وهذا الذي فعله في التعريف الأول، لذلك اختار تعريفا آخر ذكره أيضا العمريطي رحمه الله فقال: وقيل حد الجهل فقد العلم بسيطا ومركبا قد سمي.
نعم، هذا التعريف الآخر للجهل قد يكون أشمل، ولكنه ضعيف وسننقذه الآن. هنا قال: فقد العلم. هنا فقد العلم قد يشمل فقد العلم لعدم التصور أصلا. ما هو الجهل البسيط؟ أصلا لم تفكر في الشيء فجهلته، هذا معنى جهل بسيط. أنت أصلا لم تفعل شيئا، لا يوجد عندك تصور ابتدائي عن الشيء، مثلا لا تعرف أن الشخص موجود هنا، فرع الآن حتى نطبي مثال مثلا: لو أنك أدركت أن شخص هنا ولكن ظننته محمدا فبان خالدا نقول هذا جهل مركب، بينما أنت لو لم تعرف أن هناك هذا يسمى جهل بسيط.
الآن لابد أن نحد لكلمة الجهل بتعريف يشمل البسيط والمركب. التعريف الثاني الذي استخدمه قال: وقيل حد الجهل فقد العلم. فقال الجهل فقد العلم. الإشكال في كلمة فقد العلم. الآن الجهل هل يمكن أن ينصب به الحيوان؟ لا يمكن أن يوصف الحيوان بالجهل. لماذا؟ لأن الجهل هو سلب الصفة التي هي العلم عن المحل الذي يمكن أن يتصف بها.
الآن العلم ينبغي أن يكون المحل أصلا قابل لأن يتصف به حتى نقول إن سلب العلم يسمى جهلا، والحيوان ليس مكانا وليس أهلا للاتصاف بالجهل أو بالعفو للانتصاف بالعلم، فلا يمكن أن يسمى فقده للعلم أو تركه للعلم جهلا، وكلمة الفقد هذه كلمة تنطبق على الحيوان؛ لأن الفقد معناه العدم، ما معنى الفقد؟ الفقد فقد الشيء هو عدم الشيء، ففقد العلم معناها عدم العلم، هذا التعريف ينطبق أيضا على الحيوان، فالحيوان عنده فقد للعلم، عنده عدم للعلم، وبالتالي سيكون الحيوان جاهلا، وهذا لا يصح؛ لأنه وصف الشيء بالجهل، يعني مثلا شيء لا يمكن أن هل يجوز وصف الحائط بالعمى مثلا؟ لا؛ لأنه لا يمكن أن يتصف بالبصر ابتداء، فالشيء الذي لا يتصف بالشيء لا يمكن أن نصفه بالنقيض.
فكذلك الحيوان لا يمكن أن يتصف بالعلم فلا يجوز إذن أن نصفه بالجهل. وأنت وأنت يا جويني أو يا عمري رحمكم الله تعالى عندما قلتم: الجهل هو فقد العلم، ذكرتم حدا للجهل ينطبق على البهائم وعلى الحيوانات، فجعلتم الحيوانات داخلة معكم في هذا الحد، وهذا فيه إشكال.
الصحيح أن نقول: الجهل هو انتفاء العلم بالمقصود، انتفاء العلم، فرق بين كلمة انتفاء العلم؛ لأن كلمة انتفاء تدل انتفاء مع إمكان الوجود، بخلاف كلمة عدم العلم أو فقد العلم؛ لأنها لا تستلزم إمكانية الوجود، فكلمة انتفاء العلم عن المقصود، انتفاء العلم بالمقصود، تدل على أن هذا المحل كان يمكنه أن يعلم ولكن انتفى عنه العلم. لماذا زدنا كلمة المقصود؟ حتى نخرج نخرج انتفاء العلم بأشياء لا تقصد بالعلم، بأشياء لا تقصد ابتداء. يؤذن؟ صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل