تسجيل الدخول

شرح نظم الورقات 1

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمسترشد، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد بن عبد الله، صلوات ربي وسلامه عليه.

تكلمنا عن المتن الثاني الذي سندرسه في هذه الدورة المباركة بإذن الله سبحانه وتعالى، ومتن تسهيل الطرقات في نظم الورقات. هذا اسمه المتن: تسهيل الطرقات في نظم الورقات، للإمام شرف الدين يحيى بن موسى بن رمضان العمريطي رحمه الله تعالى.

وهذا المتن أيها الأحبة، وهذا النظم كما قلنا هو في فن أصول الفقه. وأصول الفقه كما تكلمنا هو من علوم الوسائل. تقدم أن العلوم تنقسم عندنا إلى علوم مقاصد وإلى علوم وسائل. ومن أهم علوم الوسائل التي ينبغي على طالب العلم الاشتغال بها، علم أصول الفقه، الذي هو كما يسميه بعض أهل العلم ميزان العقول.

هو ميزان العقول الذي يقيم لطالب العلم طريقته في التفكير والاستنتاج والاستنباط؛ ليس فقط في مسائل الفقه، وإنما في جميع مسائل الشريعة، حتى في مسائل العقائد. لذلك بعض أهل العلم يختار أن يسميه أصول الشرائع أو أصول الشريعة، هكذا يقول، قال: لا نسميه أصول الفقه بل نسميه أصول الشريعة؛ لأن المسائل التي ترد في هذا العلم يستخدمها أيضا من يتكلم في علم العقائد، ويستخدمها من يتكلم حتى في علم التزكية وعلم الأخلاق.

ونحن في هذا المتن لن ندخل فيه كما دخلنا في ملحة الإعراب للحريري رحمه الله تعالى بالكلام عن الحد والموضوع، بل سنؤجل ذلك إلى داخل النظم؛ لأن الناظم رحمه الله تعالى في منظومته ذكر الحد، وسنتطرق من خلال ذكر الحد إلى ذكر موضوع علم اصول الفقه.

ولكننا سنتكلم في البداية عن أهمية هذا العلم؛ لأن الطالب إذا أدرك أهمية علم أصول الفقه اقتبست همته واستشرف لطلبه ولتعلمه. أما إذا كان ضائعا -خاصة هذا العلم علم أصول الفقه- لابد أيها الحبيب أن تدرك أهميته؛ لأن هناك بل حتى من بعض طلبه العلم ومن يعلمه من يزهد في هذا العلم ويجعله متنا دخيلا أو علماً دخيلاً على علوم الشريعة، ويظن أن هذا العلم يمكن أن تضبطه من خلال قراءة متن أو متنين أو كتاب أو كتابين. وهو علم عظيم كما ذكر ذلك الشاطبي والقرافي وغيره من أهل العلم. وبإذن الله عز وجل من خلال التكلم عن أهميته تتضح لنا كثير من معالمه.

نتكلم عن المبادئ العشرة سريعا. نعيد هذه الابيات كما تكلمنا عنها في علم النحو، قال العلامة الصبان رحمه الله تعالى: إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمره، ونسبة وفضله والواضع، الاسم الاستمداد حكم الشارع، مسائل والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى الجميع حاز الشرف.

وهذا فن جديد إذاً، كما قلنا ينبغي أن تدرس المبادئ العشرة قبل أن تخوض في غماره. ودعنا من الحد والموضوع، وندخل في الثمرة وفي أهمية هذا العلم مباشرة، فنقول: ثمرة علم أصول الفقه أو أهمية علم أصول الفقه يمكن أن نلخصها في نقاط معينة.

النقطة الأولى من أهمية هذا العلم أنه يبين للمجتهد ولطالب العلم طريقة استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة. وهذه مزية وأي مزية! فرق بين طالب العلم الذي يعلم هذا الحكم كيف توصلنا إليه، فيتبعه عن معرفة واعتقاد جازم به، وبين من يقلد. إذا أنت لم تعلم هذا العلم فواجبك التقليد، أما إذا رزقك الله عز وجل به باعاً طويلاً فيمكنك أن تجتهد وأن تبحث وأن تستنبط من نصوص الكتاب والسنة، ويقوي هذه الملكة الفقهية عند طالب العلم.

فهذه إذاً أول مزية لهذا العلم: أن يعلم الطالب من أين تم الوصول إلى هذا الحكم الشرعي، سواء كان هذا الحكم الشرعي من علوم الفقه، أو حتى كما قلنا من علوم العقائد، أو حتى من علوم التزكية والأخلاق. فالإنسان إذا ضبط هذا العلم وتعرف على فروعه -خاصة في دلالات الألفاظ- يستطيع أن يفهم من أين تكلم الشافعي، وكيف تكلم أحمد بن حنبل، وكيف تكلم أبو حنيفة ومالك، وكيف وصلوا إلى هذه القواعد. ويتعلم الجهود التي بذلها العلماء، ونعلم أن كل قول لابد له من مستند عند أهل العلم، وأنه لا يعرف عندهم قول لا يعرف أصله ومستنده. هذا كله من خلال دراستك لهذا العلم المبارك.

ثم بعد ذلك من فوائد هذا العلم: حفظ الدين. وحفظ الدين هذا من المقاصد الكلية الضرورية. ومن المقاصد الكلية حفظ الدين. وحفظ الدين أيها الأحبة لا يتم من دون دراسة هذا العلم؛ لأن هذا العلم يضبط الأمور كما قلنا ويجعل عندك ميزاناً واضحاً في حساب المسائل، فيحفظ هذا الدين من الزيادة والنقصان؛ لأن أي شخص سيأتي بقول، إذا كنت اصولياً متمرساً فلا بد وأن تسأله عن مستنده أولاً، لا يوجد عندنا كما قلنا قول لابد له من مستند.

فإذا اتاك شخص بقول لا بد وأن تطالبه أولاً بدليله، ثم إذا أتى بالدليل فلا بد وأن تطالبه بكيفية الاستدلال بهذا الدليل على هذه المساله. هناك دليل وهناك كيفية استدلال، ومن هنا تستطيع أن تحكم يا طالب العلم هل هذا القول له قبول في الشريعة أم ليس له قبول؟ عندك المستند وعندك آلية فهم واستنباط الحكم من المستند، وتنتقل هل هذا القول فعلاً يمكن أن يستنبط من هذه الآية أو من هذا النص أو من قول الصحابي أو من غير ذلك من الأمور.

وحتى هذا العلم أهميته أيها الأحبة تكمن في حماية مقاصد الشريعة؛ لأن علم مقاصد الشريعة هذا علم له حدان كما يقولون، هذا العلم يستخدمه أعداء الشريعة المحمدية للطعن فيها، وعلم أصول الفقه يقيد علم مقاصد الشريعة. مقاصد الشريعة هو علم كلي في مسائل كُلية في الشريعة، نجد كثير من المعاصرين ممن يريدون هدم الإسلام والطعن فيه يأتون من علم مقاصد الشريعة؛ ما أجمل أن تتكلم عن الحريات! وما أجمل أن تتكلم أن من مقاصد الشريعة الحفاظ على حرية الإنسان! وكذا وكذا. هذا كلام كثير وجميل، ولكن ما الذي يضبط هذا الكلام؟ وما الذي يحدد هذه الأمور والتقييدات؟ هذا كله من علم أصول الفقه.

لذلك ينبغي لطالب العلم قبل أن يخوض في علم مقاصد الشريعة أن يكون ضابطاً لأصول الفقه؛ لأن أصول الفقه كما ذكر بعض أهل العلم هو تقييد لعلم مقاصد الشريعة، هي مثل القيود والاحترازات والاستثناءات تقيد من خلالها فهمك لأصول ولكليات الشريعة الإسلامية.

فمثلاً عندما يأتي بعض المعاصرين -وهذا حقيقة نجده حتى من بعض الذين ينسبون أنفسهم إلى الإسلاميين- عندما يقول: ينبغي أن نمحو أصول الدين أو أصول الفقه ونايتي بأصول جديدة. هذا كلام سجله في رسالة له في التجديد في علم أصول الفقه، ويقول: التجديد في علم أصول الفقه ما هو التجديد الذي يريده؟ ينبغي أن نطرح ما كتبه المتقدمون من أهل العلم ونبدأ بطرح جديد يشارك فيه العامة وجميع طبقات المجتمع من المثقفين والعلمانيين والليبراليين حتى يكون أصول فقه جميل جديد يتقبل جميع فئات المجتمع.

يعني أنظر الآن من أين تهدم الشريعة؟ تهدم الشريعة من مثل هؤلاء. ولكن الاشكال أن تكون أنت مستعد للتصدي لمثل هذه الدعوات، ولا يمكن لطالب علم لا يعلم أصول الفقه ولا يعلم مقاصد الشريعة بحق أن يتصدى لمثل هذه الدعوات الهدامة، وخاصة دعوة تجديد علم أصول الفقه، هذه دعوة كثير يطلقونها حق أريد به باطل، كثير ممن يطلقها -وإن كان بعض أهل العلم ممن كتب في هذا الباب له كتابات جيده في هذه الامور- ولكن كثير ممن يطلق هذه الدعوة إنما يريد هدم الشريعة من خلالها.

فينبغي لطالب العلم إذا ضبط علم أصول الفقه والمقاصد أن يستطيع الجواب على مثل هذه الدعاوي ويعلم حقيقة ما هو التجديد وكيف يمكن أن أطرح طرحاً جديداً يوافق الشريعة في علم أصول الفقه وليس الطرح الذي يريده أعداء الأمة.

إذاً هذه هي الفائدة الثانية: أن تحفظ الشريعة الإسلامية من التبديل والتحريف والزيادة والنقصان.

ومن فوائد هذا العلم أيضاً معرفة مصادر التشريع، أن يعلم الإنسان المسلم ما هو المصدر الذي ينهل منه أهل العلم، ما هي المصادر التي أخذ منها أهل العلم أحكامهم في العقائد وفي الأحكام وفي الفقه. عندك الكتاب، هناك مصادر متفق عليها وهناك مصادر مختلف فيها. المصادر المتفق عليها كالكتاب والسنة والاجماع والقياس أيضاً بشكل عام والاستصحاب، نجد أيضاً مصادر مختلف فيها، وكيف أثر هذا الاختلاف في كثير من مسائل الأحكام، وهناك كتب صنفت في أثر الأدلة المختلف فيها في الأحكام الشرعية للدكتور مصطفى البغا أو مصطفى الخن وغيرهم من أهل العلم. فهناك سد الذرائع وهناك الاستصلاح وهناك الاستحسان وهناك قول الصحابي وغيرها من أصول وكليات الشريعة الإسلامية، بعضها اختلف فيها كما قلنا أهل العلم وبعضهم اتفق عليها. فهذا العلم علم أصول الفقه يجعلك تحدد ما هي المصادر المقبولة المتفق عليها انتهينا منها ولكنك ستبحث جزئياتها، ولكن هناك مصادر مختلف فيها، إذا درست هذا العلم تستطيع أن تضبط هذه المصادر وكيف يمكن الاستفادة منها واستثمارها في مصلحة الأمة المسلمة واستغلالها في المستجدات والنوازل وكثير من الأحكام المقبلين عليها.

أيضاً من فوائده من أهمية هذا العلم أنه شرط من شروط الاجتهاد. وهذا اتفق عليه كل من تكلم من أهل العلم في شروط الاجتهاد في علم أصول الفقه، يقولون: التمكن من علم أصول الفقه هذا شرط من شروط الاجتهاد. فلا يجوز لإنسان أن يدعي لنفسه أنه وصل لمرتبة الاجتهاد إلا إذا ضبط هذا العلم، وضبط هذا العلم لا نقصد به أن تصل فيه إلى مرحلة الباقلاني ومرحلة أبو المعالي الجويني والغزالي، ولكن يكفي منك أن تكون في درجة متوسطة تستطيع من خلالها أن تجنن الأمور وتفكر فيها تفكيراً صحيحاً بحيث يصبح العلم ملكة.

أنا حقيقة إذا أردت -سواء في علم النحو أو في علم الفقه أو في علم الاصول أو في كل أي علم تريد- أن تعرف نفسك: هل أنا فعلاً ضابط لهذا العلم؟ هل أصلح لتدريسه؟ هل أصلح لاستثماره؟ عليك أن تنظر: هل هذا العلم أصبح عندك ملكة؟ يمكنك عند قراءة أي كتاب أن تفهم ما يريده هذا الكاتب وأن تنقد وتعيش وتزيد وتنصح؟ إذا وصلت لهذه الدرجة نعم نقول: أصبح عندك الملكة في استثمار هذا العلم. أما إذا ما زلت تدور في دائرة الحفظ للمعلومات فقط من دون عرضها ومعرفة الراجح والمرجوح منها، فما زلت لم تصل إلى الدرجة التي يقصدها أهل العلم عندما يقولون إن أصول الفقه من شروط الاجتهاد.

وكما قلنا أخيراً أن أصول الفقه هي ميزان العقول. الإنسان يقوم بها حياته حتى في غير مسائل الشريعة، حتى في غيره حتى في الأمور الحياتية أيها الأحبة، من خلال دراستك لهذا العلم تتهذب النفس ويصبح الإنسان يسعى إلى التفكير العقلاني المنطقي في حتى في الأمور الدنيوية، في الأمور الحياتية تصبح تفكر تفكيراً مرتباً منهجياً حتى تصل لنتائج صحيحة، هذا العلم وعلم المنطق وغيرها من العلوم الرادفة له تعينك على هذا التفكير الصحيح بإذن الله عز وجل بحيث تخطط لحياتك تخطيطاً صحيحاً منهجياً يرضي الله سبحانه وتعالى.

إذاً هذه ثمره أصول الفقه أو أهميته كما ذكرنا. ثم بعد ذلك ننتقل إلى النسبه، احنا تجاوزنا الحد والموضوع وانتقلنا إلى الثمرة، أن مبادئ كل علم عشرة: الحد والموضوع ثم الثمره ونسبة. وقلنا في علم النحو: ما المراد بالنسبة؟ هي علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى، ما علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى؟ قلنا مثلاً علم النحو بالنسبة إلى علوم الشريعة يعتبر من علوم الوسائل ويعتبر في دائره علوم علوم اللغة العربية. كذلك لابد ناتي نصنف علم أصول الفقه: إلى أي علوم ينتمي؟ أو ما هو أو ما مرتبته بالنسبة إلى العلوم الشرعية؟ فنجد أن علم أصول الفقه يعتبر من علوم الوسائل أيضاً، مثله مثل علم النحو من علوم الوسائل. قبل أن تخوض في الفقه وققبل أن تخوض في العقائد ينبغي عليك أن تضبط هذا العلم، هذه هي نسبة العلم.

ثم بعد ذلك ننتقل إلى الكلام عن فضله، وقلنا الكلام عن فضله هو أيضاً يمكن أن يؤخذ من الكلام عن أهميته وثمرته، لكن هنا اخترت كلام بعض أهل العلم الذين أثنوا على هذا العلم وبينوا فضله.

فهذا أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث! لولا الشافعي رحمه الله تعالى ما عرفنا فقه الحديث؛ لأن الشافعي رحمه الله هو أول من وضع كتاباً في علم أصول الفقه بعد أن ساله المحدث الكبير عبد الرحمن بن مهدي، طلب منه أن يكتب له رسالة في علم الاستدلال وفي علم الفهم لأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابه الشافعي رحمه الله تعالى وكتب رسالته الأولى في العراق -وهناك رسالتان كما سياتي في الكلام-. ولكن الأهمية أن ننظر إلى فهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى لعلم أصول الفقه؛ انظر إلى الإمام أحمد -من كبار المحدثين ومن كبار الفقهاء- ينص يقول: هذا الحديث الذي جمعناه طوال عمرنا، لو لم يأت الشافعي ويبين لنا كيف نستثمره وكيف نستغله وكيف نفهمه، كنا فقط ممن يحملون الفقه ولكنا لسنا بفقهاء. فرق بين من يحمل الفقه ويحفظ الحديث ولكنه لا يعرف كيف يطبقه وينزله على واقع الحياة، وبين من يستطيع أن ياتي بالحديث ويطبقه ويجمع بينه وبين النصوص الاخرى التي ظاهرها التعارض.

فهذا أحمد بن حنبل، وهو من أائمة المذاهب الأربعة، يثني على هذا العلم من خلال ثنائه على الشافعي رحمه الله تعالى. وقال أبو حاتم رحمه الله تعالى المحدث الكبير: لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى! لولا الشافعي لكان أصحاب الحديث في عمى. جيد، وهذا أيضاً كلامه مؤيد لوجهة نظر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.

تعالى، إن إدخال الشافعي رحمه الله تعالى وتدوين العلم أصول الفقه كان دوره مهماً جداً في استفادة المحدثين مما يحملونه من الأحاديث. فلا يمكن لطالب علم أن يأتي ليقول: أنا فقط أدرس علم الحديث، ومباشرة أدخل في صحيح البخاري وفي صحيح مسلم وفي موطئ مالك وأستنبط. هذه من الأفكار السقيم التي ربما تنتشر عند بعض الجهال من طلبة العلم؛ لا، لابد أن تعلم تدرس علم الحديث، نعم هذا علم مبارك، تعرف رجاله، تعرف كيف تصحح الأحاديث وتضاعفها، ثم تدرس أيضاً علم أصول الفقه، وتدرس كيف تستفيد من هذه الأحاديث التي جمعتها، كيف أجمع بينها، كيف أدفع تعارضها؟ بل قد يكون في الأزمنة المتأخرة دراسة هذه العلوم أهم من دراسة بعض الأمور التي تتعلق بعلم الرجال وغيرها من المسائل.

يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته، وربما في هذه المقدمة التي نتكلم عنها عن علم اصول الفقه سنكثف عن ابن خلدون، لأن ابن خلدون يعتبر هو أول من كتب تاريخ علم اصول الفقه كتابة تحريرية. ابن خلدون رحمه الله تعالى في مقدمته عندما تكلم عن العلوم تكلم عن تاريخ علم اصول الفقه، وحقيقة كل من كتب بعد ابن خلدون استفاد منه، لذلك نحن نحتاج أن نقف مع مقدمة ابن خلدون. هل كل ما كتبه ابن خلدون عن تاريخ علم اصول الفقه كان صحيحاً؟ هنا نحتاج أن ننظر ونتأمل؛ للأسف كثير ممن من المعاصرين الذين كتبوا في تاريخ علم اصول الفقه أخذوا من كلام ابن خلدون من دون أن ينتقدوا أو ينقدوا هذه العبارة. ين ينظر في التاريخ، قد يكون ابن خلدون لم يقف على كثير من كتب علم اصول الفقه، عرفتم؟ وهذا سنلاحظ في بعض الآراء التي سنناقشها لابن خلدون.

ولكن هنا نقلت قولاً لابن خلدون في فائدة علم اصول الفقه فقال رحمه الله: اعلم أن أصول الفقه من أعظم العلوم الشرعية وأجلها قدراً وأكثرها فائدة، وهو النظر في الأدلة الشرعية من حيث تؤخذ ومها الأحكام والتكاليف. فهو رحمه الله تعالى يثني على هذا العلم ويبين أنه من أجل علوم الشريعة الإسلامية قدراً، وكذلك قد أثنى قبله على هذا العلم الجويني رحمه الله تعالى وغيره.

واضع علم اصول الفقه، وهذا هو من المبادئ، المبدأ الخامس من المبادئ العشرة الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع، أو هو المبدا السادس، المبدأ السادس من المبادئ العشرة. علم اصول الفقه، من الذي وضع ض علم اصول الفقه؟ لابد في البداية أن ندرك أن هذا العلم نشأة نشأ مع نشأة الإسلام في نشوءه كعلم قبل أن يدون؛ منذ نشأ الفقه وموجود معه، والفقه نشأ مع بداية الإسلام فكانت أصول الفقه مقرونة معه ولكنها موجودة في أذهان الرجال. فالصحابي والتابعون ومن بعدهم من العصور المفضلة كان علم اصول الفقه عندهم سجية وملكة في عقولهم.

لأن كما قلنا علم اصول الفقه كما ذكر القرافي رحمه الله: اعلم أن منار الشريعة المحمدية مبني على علمين، منها علم اصول الفقه. وهذا العلم كما قال في جله مبني على علوم اللغة العربية، وهذه العلوم كانت في عصر الاحتجاج هي ملكة عند أهلها من الصحابه والتابعين، فلم يكن هناك حاجة إلى تدوين هذا العلم وغيرهم، كانت لهم خليقة كما ذكر ذلك صاحب المراقي.

فأصحاب العلم المتقدم من الصحابه والتابعين وتابعيهم وكبار أهل العلم المتقدمين كأبي حني ومالك رحمهم الله تعالى لم يحتاجوا إلى تدوين في هذا العلم، لان هذا العلم كان يؤخذ من أفواه الرجال وكان جله في ملكاتهم. ولكن عندما توسعت الدولة الإسلامية ودخل العجم واختلط اللسان العربي وانتشر اللحن في اللسان، نعم هنا بدات مناهج الاستنباط تختل، بدا الخلل يدخل الى مناهج الاستنباط وطرق التفكير نظرا للاختلالات الأيمه رحمه الله تعالى للكتابة ولوضع اصول حفظا لهذه الشريعه.

فكان أول من دون في علم اصول الفقه هو الامام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله تعالى. يقول ابن خلدون في مقدمه في مقدمته: اعلم أن هذا الفن من الفنون المستحدثة في الملة، ويقصد بال الاستحداث كما قلنا هنا الوضع الكتابة والتصنيف، أما من حيث الوجود الذهني فهو ليس بمستحب؛ لأنه موجود منذ وجدت أو منذ وجد الفقه في بدايه الاسلام، وكان السلف في غنيه عنه بما أن استفاده المعاني من الألفاظ لا يحت تج فيها إلى ازيد مما عندهم من الملكه اللسانيه. وأما القوانين التي يحتاج إليها في استفادة الأحكام خصوصاً فعنه أخذ أخذ معظمها، يعني عن السلف أصلاً هم أخذت كثير من مسائل اللغة العربية، فهم لم يكونوا بحاجة لوضع قواعد في علم اصول الفقه.

وأما الأسانيد التي هي الأدلة من الأحاديث وما شابه ذلك فلم يكونوا يحتاجون إلى النظر فيها لقرب العصر وممارسة النقل وخبرتهم بهم. فلما انقرض السلف وذهب الصدر الأول وانقلبت العلوم كلها صناعة كما قررناه من قبل، احتاج الفقهاء المجتهدون إلى تحصيل هذه القوانين والقواعد لاستفادة الأحكام من الأدلة، فكتبها فناً قائماً برأسه سموه أصول الفقه.

إذاً، كما قلنا أصول الفقه كان موجود سجية عند المتقدمين، ثم جاء الشافعي رحمه الله تعالى فوضع علم اصول الفقه. والشافعي رحمه الله تعالى عندما كتب في اصول الفقه يظن البعض أنه كتب فقط الرسالة، وهذا ليس بصحيح؛ الشافعي رحمه الله كتب كثيراً من الكتب في علم اصول الفقه، منها إبطال الاستحسان ومنها كتاب القياس ومنها كتاب الرسالة ومنها أيضاً اختلاف الحديث. اختلاف الحديث هو كتاب وضعه، هذا علم قائم في علم مصطلح الحديث: اختلاف الحديث، كيف تجمع بين الأحاديث المتعاضة في ظاهر الأمر؟ فالشافعي رحمه الله تعالى وضع قواعد كثيرة فيها وفي كتابه أيضاً في أحكام القرآن، فالشافعي لم يدون فقط الرسالة، دون كثيراً من الكتب لكن أشهر ما كتبه هو الرسالة.

والشافعي رحمه الله تعالى له رسالتان؛ الرسالة الأولى هي التي طلبها منه عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى المحدث الكبير، طلب منه رسالة يبين فيها أصول الاستنباط والفهم فكتب إليه هذه الرسالة، وهذه الرسالة أيها الأحبه مفقودة، الرسالة الأولى التي كتبها الشافعي رحمه الله تعالى مفقودة لم تصل إلينا، وعليها مجموعة من الشروح أيضاً، هي كانت موجودة في عصور المتقدمين وعليها شروح، وأبرز من نقل عن شروح هذه الرسالة الزركشي رحمه الله في البحر المح.

كتاب البحر المحيط للزركشي من أضخم الموسوعات الأصولية، من الأمور المميزة فيه أنك تجد فيه نقولاً عن الرسالة القديمة، جيد. هي الرسالة لم تطبع القديم لم توجد منها نسخ، لكنها كانت موجودة عند المتقدمين، ويظهر أن الزركشي رحمه الله تعالى قد وقف على بعض هذه النسخ. أما الرسالة التي هي الآن موجودة بين أيدينا ومطبوعة فهي الرسالة التي أملى الشافعي رحمه الله تعالى على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي في مصر، عندما ذهب ب الشافعي رحمه الله تعالى واستقر في مصر وأسس لمذهبه الجديد، أملى هذه الرسالة إملاء على تلميذه الربيع بن سليمان المرادي فدون.

وعندما أنت تبحث الآن أو تفتح في كتاب الرسالة ستجد في مقدمته وفي نهايته كتبت بخط الربيع بن سليمان، فهذه الرسالة بين أيدينا هي الرسالة الجديدة التي كتبها الشافعي، وعليها مجموعة من الشروح عليها مجموعة من الشروح، ولم يصل منها شرح واحد. شروح الرسالة لم يصل منها شرح واحد، لكن أيضاً تجد في البحر المحيط للزركشي كثير من النقول عن شروح الرسالة؛ فالامام الصيرفي رحمه الله تعالى شرح الرسالة، وكذلك القفال الشاشي رحمه الله تعالى شرح الرسالة، وكذلك فيما يظهر أن الجويني كان له شرح أيضاً على الرسالة.

هذه الشروح نجد الزركشي رحمه الله تعالى وقف على كثير منها، حتى إنه هو نفسه صرح أنه وقف على نسخة نادرة من كتاب الصيرفي رحمه الله تعالى، فمثل هذه الكتب التي شرحت رسالة الشافعي لم يصل إلينا منها شيء، ولكنك تستطيع أن تستفيد شروح الرسالة أو شرح بعض النصوص في الرسالة من خلال البحر المحيط للزركشي الذي نقل من هذه الشروح.

هناك من يدعي أنه سبق الشافعي، هناك من يدعي أنه سبق الشافعي؛ فالحنفيه رحمهم الله تعالى يدعون أن أبا يوسف رحمه الله هو أول من دون في هذا العلم، وقيل إن محمد بن الحسن الشيباني هو أول من صنف في هذا العلم، ولكن هذه الحقيقة دعوة تحتاج إلى دليل، ونحن نتعامل فيما بين أيدينا. كذلك ال الرافضة أيضاً يجعلون أنفسهم هم أول من صنف في هذا العلم، ولكن كل هذه الدعاوي لم تقم عليها بينات فيبقى أصحابها أدعياء.

قال الجبيني رحمه الله تعالى، هذه من المقولات التي ذكرها الزركشي رحمه الله تعالى: لم يسبق الشافعي أحد في تصانيف الأصول ومعرفتها. هذا الجويني رحمه الله وهو من المتقدمين في علم اصول الفقه ومن كبار من صنف فيه ومن كبار من اطلع على كتبه يجزم بأن الشافعي رحمه الله تعالى هو أول من صنف في علم اصول الفقه، وكفى بذلك شهادة.

ثم بعد ذلك تطور التصنيف في علم اصول الفقه، وظهرت عندنا مدارس في الكتابة في هذا العلم، أشهر المدارس التي ظهرت هي مدرست المتكلمين وتسمى مدرسة الجمهور. هذه المدرسة طبعا نقول مدرسة نقصد بها الطريقة في الكتابة، نقول مدرسة المتكلمين أو مدرسة الفقهاء إنما نقصد بذلك منهجية معينة في تدوين قواعد علم اصول الفقه واستنباطها، هذا الذي نقصده بالمدرسة.

فظهرت عندنا طريقة المتكلمين أو مدرسة المتكلمين والتي تسمى الجمهور، وأول من سماها بالمتكلم هو ابن خلدون رحمه الله تعالى، ثم ظهرت عندنا أيضاً مدرسة، أو لا نقول ثم وهي حقيقة متقدمة، ظهرت مدرسة الفقهاء. مدرسة الفقهاء وهي التي تسمى مدرسة الحنفية، وظهرت عندنا مدرسة الجمع بين المتكلمين والحنفية، ومدرسة رابعة وهي حقيقة ليست مدرسة بحد ذاتها وإنما هي تطبيق عملي، هي مدرسة تخريج الفروع على الأصول، كتب صنفت في هذا الباب.

طيب ما هو ما هي مدرسة المتكلمين؟ نمر مروراً سريعاً حتى يكون الطالب على عن بما يدرسه، إن مثل هذه المقدمات أيها الأحبة تعين الطالب على فهم سلاسل العلوم وارتباط العلوم مع بعضها وتاريخها وكيف دونت، وعندما يشتري كتاباً لابد أن يبحث الطالب: هذا الكتاب مثلاً هل هو للحنفية؟ فيعرف أنه سيكون له طريقة في تدوين علم اصول الفقه، هل هو للجمهور؟ هل هو من المتاخرين الذين جمعوا؟ فعلى ذلك دراسة تاريخ العلوم من الأمور المهمة.

مدرسة المتكلمين أيها الأحبة، البعض ينسب الشافعي إليها وهذا حقيقة ظلم، البعض يقول مدرسة المتكلمين ويسميها مدرسة الشافعية ويعتبر الشافعي أول من كتب على طريقة المتكلمين، وهذا في الحقيقه يحتاج إلى نظر كبير؛ لأن الشافعي رحمه الله تعالى من يتأمل في رسالته يجد هناك اختلافا واضحا في أسلوبه في الكتاب وفي استنباط المسائل والقواعد الأصولية عن طريقة المتكلمين. المتكلمون عندما يستدلون للقواعد الأصولية التي يدونونها يستدلون بطرق عقلية، طرق عقلية أكثرها أخذت من طرق أهل الكلام من الأشاعرة والمعتزلة أكثر من، لأن هو حقيقة أكثر من كتب في علم اصول الفقه هم أهل الكلام من الأشاعرة ومن المعتزلة، لذلك نجد هذا الأثر العقدي انتقل عندهم في طريقة استنباطه للقواعد الأصولية.

فنجدهم عندما يثبتون أو يستدلون أي قاعدة يهتمون بالامور العقلية أو بالأدلة العقلية، وقد يذكر بعض الشواهد الفقهية أو بعض الاستنباطات الفقهية، ولكنهم إذا ذكروها فإنما يذكرونها على سبيل التبع أو على سبيل الاستشهاد للقاعدة ولا يريدون الاستدلال بالفرع أصالة. ومن قرأ كتاب أبو بكر الباقلاني التقريب والارشاد سيجد ذلك. إذاً ظهرت مدرسة المتكلمين التي تقوم على الاستدلال على القواعد الأصولية بالأدلة العقلية، عرفت؟ وقليلاً ما يريدون الأدلة السمعية، قد يريدونها، ذكر ذلك الباقلاني، ذكر ذلك الجويني، يذكر الغزالي، لكنهم يذكرونها بقلة ويهتمون بالأمور العقلية؛ لأنهم يعتبرون هذا أصلاً، أن هذا العلم ينبغي أن يستدل عليه بالعقل قبل السمع، هذه طريقة تفكير أهل ال المعتزلة والأشاعرة.

فظهرت عندنا مجموعة من الكتب، لكن كما قال الزركشي رحمه الله تعالى: استقر الأمر على كتابين في البداية؛ على كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله تعالى التقريب والارشاد، والقاضي أبو بكر الباقلاني له في الحقيقة ثلاث كتب بهذا الاسم: كتاب كبير وكتاب متوسط وكتاب صغير. والذي وصل إلينا وبين أيدينا الآن هو الكتاب الصغير له، وكيف عرفنا بوجود كتاب كبير ومتوسط؟ من خلال الكتاب نفسه؛ هو رحمه الله تعالى نص على أن هذه المعلومة، قال: تجدها في الكتاب الكبير، وهذه المعلومة في الأوسط، فهو كان ينص على أن هناك كتاب كبير وكتاب أوسط له في هذا العلم، ولكن الذي وصل إلينا هو كتابه الصغير الذي يطبع مطبوع الآن في ثلاث مجلدات تحقيق الدكتور عبد الحميد أبو زنيد.

والكتاب الآخر الذي استقر عليه هذا العلم في تلك الفترة هو كتاب القاضي عبد الجبار المعتزلي. إذاً هذا العلم استقر على كتاب أشعري وهو كتاب الباقلاني رحمه الله تعالى، وعلى كتاب القاضي عبد الجبار من المعتزلة، وكان لهم حقيقة دور كبير في تثبيت هذا العلم في كتابة العمد. القاضي عبد الجبار كتب كتاب العمد، يقول الزركشي في البحر المحيط: وجاء القاضيان، قاضي السنة، والزركشي رحمه الله تعالى عندما يقول السنة فإنما يعني يقصد به مذهب الأشاعرة، جاء قاضي السنة أبو بكر بن الطيب وقاضي المعتزلة عبد الجبار، فوسعا العبارات وفكا الإشارات وبينا الإجمال ورفع الإشكال، واقتفى الناس باثار وساروا على لاح بنارهم، يعني على طريقهم، فحرروا وقرروا وصوروا، فجزاهم الله خير الجزاء ومنحهم بكل مسرة وهنا.

ثم بعد ذلك ابن خلدون رحمه الله تعالى، وحتى من كتب من المعاصرين مثل الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان في الفكر الأصولي وغيرهم، كلهم أخذوا من ابن خلدون، قرروا أن بعد كتاب الباقلاني وكتاب عبد

الجبار من المعتزلة. استقر علم أصول الفقه على أربعة كتب، لكن الذي يلاحظ حقيقة في ابن خلدون، أن ابن خلدون رحمه الله تعالى لم يشر أبداً إلى كتاب القاضي أبي بكر الباقلاني. ابن خلدون رحمه الله تعالى جعل استقرار علم أصول الفقه على أربعة كتب: كتاب القاضي عبد الجبار العمد، وابن خلدون طبعاً في مقدمته سماه العهد، وهذه حقيقة نحتاج فيها للرجوع إلى النسخ الأصلية: هل اسمه العمد أم اسمه العهد أم هما كتابان؟

ابن خلدون سماه العهد، وفي أكثر من نسخة قرأنا في ابن خلدون كله اسمها العهد، والبعض ذكر أيضاً أن اسمه العهد، ولكن البعض والمشهور عند الجمهور أن اسمه العمد. يقول ابن خلدون رحمه الله تعالى: استقر علم الأصول على هذه الكتب الأربعة: كتاب العمد للقاضي عبد الجبار المعتزلي، ثم على كتاب المعتمد للقاضي أبي الحسين البصري والذي أيضاً هو معتزلي ويعدونه شرحاً لكتاب العمد للقاضي عبد الجبار، ثم كتاب أبي المعالي الجويني، كتاب أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى البرهان، ثم كتاب الغزالي رحمه الله تعالى المستصفى، ويعتبر هذه عمد علم أصول الفقه.

نلاحظ هنا أن ابن خلدون رحمه الله تعالى لم يذكر كتاب التقريب والإرشاد للقاضي الباقلاني، مع أنه يعتبر من أهم كتب علم أصول الفقه ومن أعظمها، بل الجويني رحمه الله تعالى والغزالي تأثروا تأثراً كبيراً بكتاب الباقلاني، وهذا مما يجعلنا نقف: هل وقف ابن خلدون فعلاً على نسخة لكتاب التقريب والإرشاد؟ لأننا إذا كنا النسخه الكبيرة والأوسط كانوا مفقودين أو كان مفقودين، يحتمل أن ابن خلدون لم يقف أصلاً على كتاب التقريب والإرشاد للباقلاني، لأن كتاب الباقلاني لا يمكن أبداً أن تستبعده من الكتب الأساسية لعلم أصول الفقه، لا يمكن أن يستبعد أبداً. فالقول بأن علم أصول الفقه يقف على هذه الأربعة من دون ذكر التقريب والإرشاد للباقلاني، هذا أمر يحتاج إلى نظر.

قال ابن خلدون: وكان من أحسن من كتب في المتكلمين كتاب إمام الحرمين والمستصفى للغزالی وهما من الأشعرية، وكتاب الد سماه الد لقاضي عبد الجبار شرحه المعتمد لأبي الحسين البصري وهما من المعتزلة، وإن الآثار وهذا الف واركان الان أ هذه وجهة نظر ابن خلدون وقوفه من دون أن يناقشها.

حقيقة، بعد هذه الكتب الأربعة، إذاً عندنا كتاب العمد والمعتمد والبرهان للجويني، جاء شخصان مؤثران جداً في علم الأصول وهما أبو الرازي رحمه الله تعالى والشخص الآخر هو.

الآمدي. الرازي رحمه الله تعالى اختصر الكتب الأربعة وكذلك فعل الآمدي، ولكن اختلفت منهجية التصنيف والكتابة. فالرازي رحمه الله تعالى عندما اختصر الكتب الأربعة السابقة اهتم بعملية التأصيل والاستدلال، كان همه التأصيل للمسألة ثم الاستدلال عليها، يستدل بأدلة كثيرة، ومن قرأ المحصول طبعاً. الرازي في أي كتاب اختصر الكتب الأربعة؟ في كتابه المحصول، له عدة كتب في علم أصول الفقه المعالم وغيرها، لكنه اختصر الكتب الأربعة في كتابه المشهور بالمحصول.

وجيد، وكانت طريقته كما قلنا هي طريقة التأصيل والاستدلال، هذا الذي كان يهمه أكثر من الآمدي. الآمدي رحمه الله تعالى كان يهتم بمسالة التفريع وبيان المذاهب، يقول: وهذه المسألة فيها أربعة مذاهب، القول الأول كذا، المذهب الثاني كذا، المذهب الثالث كذا، ويتفرع القول الأول والزام اللوازم وغيرها من الأمور. هذا كان هم الآمدي رحمه الله تعالى، التفصيل وبيان المذاهب والأقوال ولم يهتم كثيراً، هو ذكر الاستدلال ولكن ليس بدرجة الرازي، والرازي لم يكن مهتماً كثيراً بذكر المذاهب مثل الآمدي، فكان يعني هذا نوع من التصنيف وهذا نوع آخر من التصنيف.

ثم بعد ذلك كتاب الرازي رحمه الله تعالى جاء الشارح وجاء المختصر، ولكن استقر الأمر في اختصاره على كتاب منهاج الأصول للإمام البيضاوي رحمه الله تعالى. جاء البيضاوي وضع المنهاج اختصر فيه المحصول للرازي، وبعد المنهاج جاءت كل الشروح تبعا له. والآمدي رحمه الله تعالى جاء ابن الحاجب فاختصر كتاب الآمدي في مختصره الكبير، ثم بعد ذلك اختصر مختصره الكبير في مختصر صغير، وجاءت الشروح تبعاً لكلام ابن الحاجب، فأصبح عندنا البيضاوي اختصر الرازي وأصبح عندنا ابن الحاجب اختصر كتاب الأحكام للآمدي.

طيب، ربما نسينا نقول: الآمدي رحمه الله تعالى اختصر الكتب الأربعة في كتابه الأحكام في أصول الأحكام، والرازي اختصرها في المحصول، جاء البيضاوي رحمه الله تعالى اختصر المحصول في المنهاج، وجاء ابن الحاجب فاختصره في نهاية السول والأمل في علمي الأصول والجدل، ثم اختصر هذا المختصر في المختصر الصغير المشهور الآن بمختصر ابن الحاجب. يعني هذه نظرة سريعة لمدرسة المتكلمين وأبرز من صنف فيها.

ثم بعد ذلك، أو في هذه الفترة، كانت مدرسة الفقهاء تظهر بقوة. مدرسة الفقهاء رحمهم الله تعالى، ماذا تفرق عن مدرسة المتكلمين؟ الفقهاء رحمهم الله تعالى -وعندما نقول الفقهاء نقصد الحنفية- كانت طريقتهم في الاستنباط والتقعيد لأصول الفقه أنهم ينظرون للفروع التي دونها الأئمة، الفروع التي دونها أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيره من علماء الحنفية الكبار، ينظرون في الفروع ومن خلال هذه الفروع يستنبطون الأصول، من خلال هذه الفروع ينظرون: كيف تعامل أبو حنيفة؟ كيف تعامل أبو يوسف؟ كيف تعامل محمد بن الحسن؟ وهكذا من خلال التأمل والنظر في هذه الفروع يستنبطون الأصول.

لذلك اختلفوا عن المتكلمين؛ المتكلمون مباشرة يأتون بأدلة عقلية للاستدلال على القواعد، أما الحنفية فإذا استدلوا عندما تنظر في كتاب السرخسي أو تنظر في كتاب البزدوي رحمه الله تعالى وأبي زيد الدبوسي تجدهم دائما يستدلون بالفروع الفقهية، يقول: وهذه القاعدة دليلها ما ذكره أبو يوسف في الفروع كذا كذا في باب الوصايا، وما ذكره محمد بن الحسن في كتاب الشهادات، وما ذكره أبو حنيفة في كتاب كذا وكذا، من خلال هذا النظر تأصل له القواعد.

وهذه، كما يرى ابن خلدون، يرى أنها الطريقة -طريقة الحنفية- يرى أنها أمس بالفقه وألصق بالفقه من طريقة المتكلمين، لكن حقيقة طريقة المتكلمين لها مزية، أن الأصل حقيقة أن الفقه هو الذي يؤخذ من الأصول وليست الأصول هي التي تؤخذ من الفقه -يعني من خلدون كما نقرا الآن-. وأما طريقة الحنفية فكتبوا فيها كثيراً، وكان من أحسن كتابة المتقدمين فيها تأليف أبي زيد الدبوسي رحمه الله تعالى، الف كتاباً سماه تأسيس النظر، وأحسن كتابات المتاخرين فيها تأليف سيف الإسلام البزدوي من أئمتهم، وهو مستوعب. يقول ابن خلدون: كتب فقهاء الحنفية كتب فقهاء الحنفية فيه -أي في علم الأصول- وحققوا تلك القواعد وأوسع القول فيها، وكتب المتكلمون أيضا كذلك، إلا أن كتابة الفقهاء فيها أمس بالفقه وألصق بالفروع.

هذه نظرة ابن خلدون، يرى أن كتابة الفقهاء الحنفية هي أمس بالفروع الفقهية لكثرة الامثله منها والشواهد وبناء المسائل فيها على النكت الفقهية، والمتكلمون يجردون صور تلك المسائل عن الفقه ويميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن. هذه تعطيك نظرة واضحة عن المدرستين، يميلون إلى الاستدلال العقلي ما أمكن لأن غالب فنونهم ومقتضى طريقتهم، غالب فنونهم المتكلمين إذا تكلموا في العقائد بالاستدلال العقلي حتى إذا تكلموا في البلاغة مثل التفتازاني وغيره ممن يتكلمون في البلاغة تجد الاستدلال العقلي والمسائل العقلية دائما دارجة عندهم، فكان لفقهاء الحنفية فيها -يعني في علم الأصول وفي التدوين فيه- اليد الطولى في الغوص على النكت الفقهية والتقاط هذه القوانين.

وكاننا نستشف من هذا الكلام من ابن خلدون أنه يعني يميل إلى طريقة الحنفية عرفتم، لكن أيضا طريقة المتكلمين لها مزية واضحة وقد تكون هي الاقرب للمنهج العقلي في التفكير أن الفقه هو الذي يؤخذ من الأصول جيد. الحنفية لا، جاؤوا إلى الفروع مباشرة إلى الفقه وأخذوا منه الأصول، عملوا العكس، هذه الطريقة لها مزية طريقة الحنفية رحمه الله تعالى إنما ربما تفيدهم في البحث عن اصول أئمتهم فقط، لكنها لا تسعفك في الاستدلال لقواعد أصولية ثابتة لجميع المذاهب.

أنت عندما تاتي لفروع كتبها محمد بن الحسن وأبو يوسف وتستنبط منها قاعدة أصولية، هذه القاعدة الأصولية إنما تسندها إلى أبي يوسف ومحمد بن الحسن إن صح الإسناد، وهذا أيضا إشكال آخر في طريقة الحنفية. والبعض يظن أن طريقة الحنفية فقط من كتب فيها الحنفية وهذا ليس بالصحيح، كثير من المتكلمين سلكوا منهج الحنفية، مثلا القاضي أبو يعلى من الحنابلة في كتابه العدة كان ياتي يقول ياتي لنص من نصوص الإمام أحمد ويقول: وهذا النص يدل على كذا. هذه هي طريقة الحنفية، تاتي لنص الإمام تستنبط منه.

هذا الاشكال في طريقة الحنفية يبرز في قضية أن: هل هذا الفرع الذي استنبطه الإمام أو الذي اخذناه من كلام الإمام هل بناه الإمام فعلاً على هذه القاعدة الأصولية التي أنا استنبطها الآن؟ أنا عندي فروع فقهية لمحمد بن الحسن وأبي يوسف، أنا نظرت كمتاخر نظرت في هذه الفروع الفقهية لأبي يوسف لمحمد بن الحسن وبدأت استنبط القواعد الأصولية منها، هل استطيع أن أجزم أن القاعدة الأصولية التي استنبطها من الفروع الفقهية هي التي اعتمد عليها محمد بن الحسن أو أبو يوسف؟ نبقى في دائرة الظن، يمكن أن تصل إلى أغلب الظن، ولكن نبقى في دائرة الظن إلى الشك ما لم يصرح أبو يوسف أو محمد بن الحسن بأن هذا الفرع استفدته من هذه القاعدة. إذا صرح انتهت القضية وأصبحنا هنا أصلاً لا نحتاج إلى الاستنباط لأنه هو صرح بالقاعدة الأصولية، لكن أن تستنبط من خلال الفرع الفقهي من دون أن ينص الإمام على أن مأخذه في المسألة هذا الدليل أو هذه القاعدة، نبقى إذا نحن في دائرة الظن والشك، لا نجزم أن الإمام -قد يكون الإمام استند إلى قاعدة أخرى أو إلى دليل آخر- خاصة أن كثير من القواعد متشعبة ومتفرعة.

ثم بعد ذلك جاءت طريقة الجمع، وهنا أقف وقفة قصيرة. هذا كل من كتب أو جل من كتب من المعاصرين قالوا إن هناك طريقة تسمى طريقة الجمع بين مدرسة الجمهور أو المتكلمين أو مدرسة الحنفية، وأظنه أخذوا هذا من كلام ابن خلدون رحمه الله تعالى، حيث قال: جاء ابن الساعاتي وهو من الحنفية المتاخرين من فقهاء الحنفية فجمع بين كتاب الأحكام وكتاب البزدوي، كتاب الأحكام هي بالكسر، جمع بين كتاب الأحكام للآمدي ألم نقل الآمدي وضع كتاب الأحكام؟ جاء هذا ابن الساعاتي رحمه الله تعالى جمع بين كتاب الأحكام للآمدي وجمع بين كتاب اصول البزدوي. جيد، جاء لكتاب الأحكام الذي هو على طريقة المتكلمين وجاء إلى كتاب اصول البزدوي الذي هو على طريقة الحنفية جمعهما في كتاب واحد سماه بديع النظام في الجمع بين اصول البزدوي والأحكام.

الآن هم سموها طريقة الجمع بين طريقة الحنفية وطريقة الجمهور، وانظر ماذا قال ابن خلدون: فجمع بين كتاب الأحكام وكتاب البزدوي في الطريقتين. هذه الكلمه في الطريقتين، فقال ابن خلدون رحمه الله تعالى جعل بديع النظام هذا الكتاب الضائع بن الساعات هو جمعاً بين طريقتين، ولكننا في الحقيقة نحتاج لتأمل هذا الكلام: هل هو جمع بين طريقتين أم عرض لمدرستين فقط؟ يعني وهذا مما استفدناه من مشايخنا في الحجاز من بعض المشايخ كما يقولون فضل العلم نسبته إلى أهله، كان شيخنا عبد الله البارقي رحمه الله تعالى يقول هذه المعلومة يقول: عندما ننظر في كتاب بديع النظام أو ننظر حتى في الكتب التي تنسب لمدرسة الجمع مثل جمع الجوامع لتاج الدين السبكي، لا نرى حقيقة جمع بين مدرستين، وإنما نرى عرض لمدرستين، يقول: قال الجمهور كذا وقال الحنفية كذا، ثم يمكن أن يستدل لكل طرف وتنتهي القضية. هذا الموجود في بديع النظام. فتحت بديع النظام ستجدونه فقط هو سرد لقول الآمدي رحمه الله وسرد لقول البزدوي، ربما يرجح ربما يستدل، لكنه في الحقيقة ليس جمعاً، ليست مدرساً جديدة ليست مدرسة مستقلة جديدة جمعت بين طريقة المتكلمين.

هو البعض بماذا يعبر؟ يقول: هذه المدرسة ماذا فعلت؟ استخدمت الطريقتين، استدلت بالأدلة العقلية واستخدمت الفروع الفقهية وهذا ليس بصحيح، جل من كتب فيها هذه المدرسة ومشى على طريقة المتكلمين بالأدلة العقلية وربما أكثروا ربما زائداً عن بزيادة الأمثلة الفقهية. أما هل هم جاؤوا بمنهج جديد في التقعيد لقواعد علم أصول الفقه؟ هذا لا يظهر من هذه الكتب التي ذكرها، سواء بديع النظام أو كتاب جمع الجوامع أو كتاب صدر الشريعة وغيرهم ممن ينسبون إلى هذه المدرسة.

ثم بعد ذلك تأتي مدرسة بناء الفروع على الأصول، وقلنا هي ليست مدرسة تخريج الفروع على الأصول، إنما هي عبارة عن التطبيق العملي الواقعي وهي الأهم في النهاية. في النهاية المهم هو التطبيق العملي للقواعد الأصولية وتنزيلها على الفروع الفقهية. فنأتي للزنجاني رحمه الله تعالى وهو أول من ألف كتاب في تخريج الفروع على الأصول. ما معنى تخريج الفروع على الأصول؟ يأتي يقول: القاعدة الأمر يقتضي الوجوب، فهذه القاعدة ما أثرها في الخلاف؟ نأتي شخص آخر لأنه هذه القاعدة غير متفق عليها، شخص آخر يقول لك لا، الأمر يقتضي الندب، النهي يقتضي التحريم، يأتي شخص آخر لا، يقول: يقتضي الكراهة. أثر الخلاف في هذه القاعدة في الفروع الفقهية، هنا عندنا قاعدة أصولية، كيف أثر الخلاف فيها على الفروع الفقهية؟ لذلك في كتب تخريج الفروع على الأصول يهتم المصنف في ذكر الخلاف الذي انبنى على القاعدة الأصولية أو ذكر الفروع التي تنبني على القاعدة الأصولية ولا يهتم بالاستدلال للقاعدة الأصولية، وكأنه يأخذ القاعدة الأصولية جاهزة من عند كتب أصول الفقه المتقدمة من المدارس، ثم يأتي لهذه القواعد وينظر كيف أثرت في الفروع الفقهية وما هي الفروع الفقهية التي انبنت عليها، وهذا يهم.

حقيقة في البحث عن بعض القواعد الأصولية التي لا أثر لها يعني نجد كثير من المسائل الأصولية كما ستَقْرَأُ بإذن الله عز وجل أو في عندما تقرؤون في المطولات تجدون في النهاية لا ثمرة لها، خلاف دخل فيه علماء كبار وأطال الكلام والاستدلال والاحتجاج والنقاش، ثم بعد ذلك عندما نأتي للنظر من الناحية الواقعية التطبيقية نجد أنه لا أثر لها، فكتب تخريج الفروع على الأصول تستطيع من خلالها أن تميز القواعد الأصولية المهمة التي ينبغي التحرير فيها وبيان الصواب من الضعف، والقواعد الأصولية التي أثرها هو فقط تنظيري ذهني ولا ينزل على الواقع العملي.

ثم بعد ذلك من المبادئ العشرة لعلم أصول الفقه الاسم وأصول الفقه الاستمداد، استمداد علم أصول الفقه هذا أيضا من المواقف المهمة، علم أصول الفقه أيها الأحبة يستمد فيما هو مشهور عندما كتبوا في تاريخه من ثلاثة علوم، استمد من ثلاثة علوم؛ أولا من علم اللغة العربية وجله قائم عليه، علم اللغة العربية هو الأساس في علم اصول الفقه، ونقلنا كلام القرافي رحمه الله تعالى في أنوار البروق قال: إن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله منارها شرفا وعلو اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان، الشريعة بأكملها أصول وفروع وأصولها قسمان أحدهما المسمى بأصول الفقه، وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة. وهو ينص بشكل واضح على أن علم اصول الفقه في جله خاصة ما يسمى عنده بمباحث دلالات الألفاظ مبنية على مسائل اللغة العربية، معرفة العام والخاص والامر والنهي والمطلق والمقيد والمجمل، كل هذه المسائل هي مبداها من علم اللغة العربية بأنواعها يعني بععلم النحو وبعلم البلاغة وبعلم الصرف، وقد تكون كلمة واحدة إعرابها هو الذي يؤثر في اختلاف الحكم الشرعي أو حتى من ناحية بلاغية، كثير من السياقات هي التي تبين ما المراد بالحكم.

إذا علم اللغة العربية من أول العلوم أو من أكثر العلوم التي استمد منها علم أصول الفقه، أيضا من العلوم التي استمد منها أصول الفقه علم الكلام، وعلم الكلام حقيقة هذه كلمة اشتهرت عندما ظهرت الفرق الإسلامية، ظهرت كلمة علم الكلام، وانما سمي علم الكلام لماذا سموه علم الكلام؟ قالوا أقوال عديدة ذكر ابن خلدون وغيره وأشهر ما قيل: إن أعظم مسألة وقع فيها الخلاف بين الفرق الإسلامية من الأشاعرة وأهل السنة والجماعة والمعتزلة وغيرهم، أعظم مسألة حدث فيها الخلاف هي مسألة كلام الله سبحانه وتعالى هل هو الكلام النفسي أم اللفظ اللساني وغير ذلك من الاقوال؟ فسموا هذا العلم كله بعلم الكلام نسبة إلى أن أعظم خلاف حدث بين الفرق كان في هذه المسألة، وهو كما ذكر الإيجي والتفتازاني رحمه الله تعالى وغيرهما ممن عرفوا علم الكلام هو الدفاع عن العقائد الحقة، هكذا عرفه الإيجي والتفتازاني هو الدفاع عن العقائد الحقة من خلال إيراد الحجج، هذا هو علم الكلام، حجة عقلية يدافعون بها عن العقائد.

طيب ما دور إذا علم الكلام في علم اصول الفقه؟ إذا أنتم تقولون علم الكلام هو علم يهتم بإيراد الحجج العقلية التي يدافع بها عن العقائد، ما دور علم الكلام في أصول الفقه وكيف استمد أصول الفقه كثير من مسائله من علم الكلام؟ طبعا هذه مسألة شائكة حقيقة، وبعض أهل الحجاز يقولون إنه لا تظهر فعلا ثمرة، والبعض ينص حقيقة الزركشي رحمه الله تعالى ذكر فوائد وذكر مسائل يستنبطها الأصوليون ويستفيدون من علم الكلام، والآمدي رحمه الله تعالى أيضا ذكر كلاما يبين دور علم الكلام في أصول الفقه يقول الآمدي في الإحكام: أما علم الكلام فتوقف العلم بكون أدلة الأحكام مفيدة لها شرعا على معرفة الله وصفاته وصدق الرسول بما جاء به، يعني هو طبعا اقتطاع من كلام سابق يتكلم أما يعني دور علم الكلام؛ فلأن التوقف يتوقف علم أن هذا يعتبر دليل شرعي، يعني مثلا أن الكتاب دليل شرعي كيف تثبت أن الكتاب دليل شرعي؟ كيف تثبت أن الكتاب حجة في الاستدلال؟ كيف تثبت أن السنة؟ الآن يخرج عندنا من يقول إن السنة ليست من أماكن الاستدلال أو من مصادر التشريع الإسلامي، كيف تثبت أن السنة النبوية من مصادر التشريع وأنها حجة عرف؟ فيقولون إثبات هذه المسائل يستخدم فيها علم الكلام، يستخدم فيها علم الكلام.

طبعا قلت هذا التأثير يعود إلى تأثير الطرق العقلية عند الأشاعرة والمعتزلة في إثبات مسائل بشكل عام سواء العقائد أو الأحكام، فهم مثلا عندما يثبتون أن السنة حجة يستدلون بدليل المعجز، وهذا دليل مبني على مقدمات منطقية عرفتم، وهذا انتقده شيخ الاسلام كثيرا في طريقته في الاستدلال لهذه المسائل، عندما يثبتون حجية القرآن الكريم حجية القياس كثير من المسائل يثبتونها بمقدمات منطقية بعضها معقدة وبعض لا تستطيع اصلا أن تصل إلى هذه النتيجة الواقعية إلا أمامك، لا تستطيع أن تثبت أن هذه المقدمات صحيحة حتى نثبت من خلال هذه النتيجة أن الكتاب سنة أو السنة النبوية حجه يستدل بها، فأما وغيره من من مشى على مدرسة المتكلمين يرون أن الطريق الوحيد لإثبات حجية السنة أو إثبات حجية كتاب الله سبحانه وتعالى وأنه مصدر من مصادر التشريع لا تكون إلا من خلال الأدلة والحجج العقلية التي تذكر في علم الكلام، وهذا هو وجه استمداد علم اصول الفقه من علم الكلام.

أنه الآن عندك قاعدة أصولية السنة حجة، هذه القاعدة الأصولية كيف تثبتها؟ من خلال علم الكلام، إثبات صدق المعجز؛ القرآن حجة كيف تثبتها؟ من خلال معرفة الله سبحانه وتعالى كما يقول التعرف على الله والتعرف على صفاته وكذا هي التي تثبت أن القرآن حجة، فربما هذا أو أثر علم الكلام في أصول الفقه يظهر في مدارس الأشاعرة والمعتزلة أكثر حقيقة من المدارس الأخرى الموجودة؛ لأن مثل مدرسة ابن تيمية ومدرسة ابن القيم ومن سار على نهجهم ممن اتبع طريقة السلف في تقرير مسائل العقائد لا يحتاجون إلى مثل هذه التقريرات المنطقية المعقدة في إثبات هذه المسائل، والاستدلال بالكتاب والسنة كاف في اثبات كثير من الأمور، فتبقى مسألة: هل علم الكلام فعلا هو من مصادر أو من الأمور التي استمد منها اصول الفقه؟ مسألة تحتاج إلى بحث ونظر أكثر من ذلك.

أما العلم أما العنصر الثالث الذي استمد منه علم أصول الفقه فهو تصور الأحكام، ونقصد بتصور الأحكام أن يتعرف الطالب على معاني عديد من المصطلحات مثل معنى الواجب ومعنى المندوب ومعنى المكروه ومعنى الصحة ومعنى الفساد ومعنى الرخصة ومعنى العزيمة ومعنى كثير من الأمور، هذه الأمور كلياتها هي حقيقة ليست من علم أصول الفقه وإنما هي أحكام الواجب، أنت حكمت على شيء بأنه واجب، حكمت على شيء بأنه مندوب، حكمت على شيء بأنه محرم، حكمت على هذا التصرف بأنه صحيح، حكمت على هذا التصرف بأنه فاسد، هذه كلتها تسمى أحكام، أحكام شرعية سواء كان أحكام شرعية تكليف أو أحكام شرعية وضعية، كلها تسمى أحكام.

تصور هذه الأحكام مهم قبل الدخول في علم أصول الفقه وإن كان البعض يجعل تصور الأحكام ليس من الاستمداد بل يجعله من موضوع علم أصول الفقه، البعض يجعل موضوع علم أصول الفقه الأدلة الشرعية بالإضافة إلى الأحكام، ايش قال صاحب مراقي السعود: الأحكام والأدلة الموضوع وكونه هذه فقط مسموعة، فصاحب مراقي السعود رحمه الله تعالى يرى أن موضوع علم أصول الفقه هي الأحكام مع الأدلة، ولكن الجمهور على أن موضوع علم أصول الفقه إنما هو الأدلة فقط، وتصور الأحكام يعني تصور ما هو الحكم الشرعي وما هي أقسامه وأنواعه وتقسيمه إلى حكم شرعي تكليفي، حكم شرعي وضعي، أقسام الحكم الشرعي التكليفي، أقسام الحكم الشرعي الوضعي، هذه كلها من الأمور التي يستمد منها أو يستمد منها علم الأصول وليست من موضوع علم الأصول.

حكم الشارع في تعلمه هذا أيضا من المبادئ كما قلنا، وكما قلنا في علم النحو أن من أراد فرض كفاية على الأمة ومن أراد الوصول إلى مرتبة الاجتهاد فيكون تعلم علم أصول الفقه في حقه فرض عين، من أراد أن يدعي لنفسه مرتبة الاجتهاد فلا يجوز له أن يدعيها قبل أن يصل إلى مرتبة متوسطة في هذا العلم.

ومن المبادئ العشرة مسائل هذا العلم، والمسائل كما قلنا دائما عندما يقول لك مسائل علم النحو مسائل علم أصول الفقه مسائل علم الصرف هي هي عبارة عن كل القواعد والمسائل التي تطرح في هذا العلم ويدرسها الطالب، هذه هي مسائل العلم.

بعد هذه المقدمة والجولة السريعة التكلم عن أصول الفقه نعود الكلام عن هذا النظم الذي بين أيدينا، وكما قلنا أن اسمه تسهيل الطرقات في نظم الورقات هكذا يعني ذكره الزركلي رحمه الله تعالى في الأعلام وذكره مجموعة ممن كتبوا عن شرف الدين العمريطي في مصنفاته أن اسمه تسهيل الطرقات، هكذا وجدت في المخطوط لهذه المنظومة تسهيل الطرقات في نظم الورقات للامام يحيى بن نور الدين ابن موسى العمريطي الشافعي رحمه الله تعالى، توفي بعد 989 للهجره بعد هذا العام، لما كيف عرفنا ذلك ولم يوجد له تاريخ ولاده معروف وتاريخ وفاة معروف؟ ولكنه نص في آخر نظم الورقات على تاريخ كتابته لهذه المنظومة، نص في آخر النظم على طريقة على تاريخ كتابته لهذه المنظومة فوجدناه في 989 هجري، إذا هو سيكون توفي بعد هذا التاريخ.

وهذه المنظومة طبعا نظم الورقات العمريطي يدل على قدرة العمريطي رحمه الله تعالى على تيسير العلوم، وهذا الرجل بارك الله سبحانه وتعالى في علمه وفي منظوماته، فهو أيضا من الذين نظموا كتاب أبي شجاع في الفقه الشافعي رحمه الله تعالى وهو من من نظموا في الدرة البهية، نظم الأجرومية، نظم الأجرومية رحمه الله تعالى لآجروم لابن آجروم، وله مجموعة من المنظومات التي اشتهرت عند طلبه العلم نظرالساتها الرجل بارك الله عز وجل فكانت منظوماته دائما سهلة ميسورة على طلبة العلم، مثل مثل جلال الدين السيوطي في كثرة المنظومات والكتابة فيها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

كتاب تسهيل الطرقات أو نظم تسهيل الطرقات هذا نظم للرسالة العظيمة التي كتبها أبو المعالي الجويني رحمه الله تعالى رسالة الورقات وهي تسميتها رساله أفضل من تسميتها كتاب؛ لأنها في الحقيقة ورقات كما سماها هي عبارة عن مجموعة من ورقات أو قصاصات الأوراق، البعض يجمعها قصاصات أوراق صغيرة ضمنها علم أصول الفقه أهم المسائل وأعظم المسائل في هذا العلم، كتبها رحمه الله تعالى في ورقات معدودة حتى يسهل حفظها على طالب العلم المبتدئ، وجاء العمريطي رحمه الله تعالى بعد أن ساله بعض طلبة أهل العلم أن ينظم لهم كتاب الورقات رحمه الله تعالى جاء فنظم هذه المنظومة في تقريبا 111 من الابيات، إذا هو نظم لكتاب الورقات لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني.

إذا هذه المنظومة أصلها كتاب الورقات للجويني رحمه الله تعالى، والجويني هو عبد الملك بن عبد الله وسمي بالجو سمي بأبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى لأنه من جوين وهي أحد البلدان المشهورة، وسمي أيضا بإمام الحرمين نظرا لأنه جاور في المدينة وفي مكة، جاور في المدينة أربع سنوات وجاور في مكة أيضا أربع سنوات فسمي إمام للحرمين.

في الحرم والله أنا لم أسمع أنه أم في الحرم، لم أعلم أنه أم في الحرم، ولكن ما يذكر في تاريخ الجويني رحمه الله تعالى أنه إنما لقب بهذا لمجاورته فكان إماماً ليس بمعنى الإمامة، إماماً بمعنى العالم كان عالماً يعني تصدر للتدريس في المدينة وتصدر للتدريس في مكة فجعلوه إماماً للحرمين، وتوفي رحمه الله تعالى ب 400 توفي ولد رحمه الله 419 هجرية وتوفي في عام 478 للهجرة.

وطبعا والجويني البعض يظن أنه من تلاميذ الباقلاني وفي الحقيقة ليس من تلاميذ الباقلاني لأنه توفي أو لأنه ولد بعد وفاة الباقلاني، ولكنه هو من تلاميذ تلاميذه المباشرين، هو من تلاميذ تلاميذ الباقلاني وليس من صحيح هو لخص كتاب الباقلاني التقريب والارشاد، الباقلاني كما ذكرنا له التقريب والارشاد جاء الجويني لخصه في كتابه التلخيص وهو يحترم شيخه كثيرا ولكنه لم يتتلمذ عليه مباشرة وإنما تتلمذ تلاميذه.

نبدأ تسهيل الطرقات في نظم الورقات ليحيى بن موسى بن رمضان العمريطي الشافعي رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم قال الفقير الشرف العمريطي ذو العجز والتقصير والتفريط الحمد لله الذي قد أظهر علم اصول للورى واشهر على لسان الشافعي وهونا فهو الذي له ابتداء دون

طيب، هذه هي مقدمة النظم أو جزء من مقدمة الناظم رحمه الله تعالى، قال فيها: قال الفقير الشرف العمريطي أو العمريطي، البعض يقول العمريطي والبعض يقول العمريطي، قال الفقير الشرف العمريطي ذو العجز والتقصير والتفريط، الحمد لله الذي قد أظهر علم الاصول للورا واشهر، على لسان الشافعي وهونا فهو الذي له ابتداء دون. وكما قلنا في مقدمة الن في مقدمة أي نظم لابد من أمور واجبة وأمور مستحبة.

الأمور الواجبة هي البسملة والحمدلة والصلاة والسلام والتشهد، وأما الأمور المستحبة طبعا قلنا هو وجوب اصطناعي واستحباب اصطناعي وليس وجوبا واستحبابا شرعيا، الأمور المستحبة عندهم هي أن يسمي نفسه وأن يسمي كتابه وأن يأتي براعة الاستهلال التي تكلمنا عنها وأن يأتي بفصل الخطاب أما بعد، وهذا وإن أسلوب من أسلوب فصل الخطاب.

فنبدأ بقوله: قال الفقير الشرف العمريطي، وهذه المنظومة وجد في بدايتها البسمله، وجد في بدايتها البسملة، وإذا أردنا أن نتكلم لماذا يبدأ المصنفون في كتبهم وفي منظوماتهم بالبسملة؟ نقول أولا اقتداء بكتاب الله سبحانه وتعالى؛ فإن كتاب الله عز وجل قد بدء

بالبسمله، ثانيا: اقتداء بسنه النبي صلى الله عليه وسلم الفعليه والقوليه؛ فانه عليه الصلاه والسلام كان اذا كتب كتابا الى ملك من الملوك او الى امير من امرائه يبدا بالبسمله، هذه السنه الفعليه. واما السنه القوليه فانه قد ورد حديث: كل كلام لا يبدأ فيه ببسم الله فهو ابتر، وفي روايه: فهو اجذم. ولكن هذا الحديث لا يصححه المحدثون ويضعفه، ويبقى الاستدلال بالسنه الفعليه هو الاقوى، وبكتاب الله سبحانه وتعالى.

وهكذا ايضا الحمد لله، نفس الامور لو سئلت: لماذا تواطأ المصنفون والناظمون على البدء بحمد الله سبحانه وتعالى؟ لانه كذلك ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى، ولان النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدا خطبه بالحمد لله، فيقول: الحمد لله نستعينه ونستغفره، هذه خطبه الحاجه، وخطبه صلاه الجمعه كان يبداها بالحمد لله. فالبدايه بالبسمله والحمد لله هذه وردت فيه الاحاديث والسنن، فيكون الابتداء بها مأجورا به الانسان باذن الله سبحانه وتعالى.

قال الفقير الشرف العمريطي، طبعا قال نظر في ملحه الاعراب ماذا قال في البدايه، اقول عبر هناك بصيغه المضارع لان المضارع هو الحقيقه والتعبير بالماضي مجاز؛ لان هو يقول: قال الفقير الشرف العمريطي، هو لم يقل بعد، لم نعرف ماذا قال، هو لم يقل هو الان سيبدا بالقول، فلماذا قال بصيغه الماضي؟ يقول: من باب التفاؤل، يقول: من باب التفاؤل، يقول: من باب التفاؤل، كانوا يتفائلون انه يبدا منظومته بذكر الفعل الماضي تفاؤلا انه سيختم وسينهي الى نهايتها. والبعض قال: لا، ليس من باب التفاؤل، وانما هو من باب تنزيل ما في الذهن الى ما في الواقع، فكان هذه المنظومه موجوده كلها في ذهنه، فعندما قال: قال، هو صادق في قوله لانها موجوده في ذهنه سابقا ولكنه الان سيدون ويسطر، وكل على خير اذا قال هو تعبير بالماضي واراد به ويراد به المستقبل.

قال الفقير الشرف، الفقير طبعا هذا حذف فيه المضاف اليه او حذف فيه المتعلق، نقول: حذف فيه المتعلق؛ لانه قال: الفقير، والفقير قد يكون الفقير الى عفو الله، الفقير الى كذا، الفقير الى كذا، لابد من متعلق للفقر، ولكنه حذفه تعميما لاظهار الفقر التام لله سبحانه وتعالى. فالاصل ان الفقر يحتاج الى متعلق جار ومجرور، لم يقل مثلا قال الفقير قال الفقير الى عفو الله، لم يذكر هذا، حذف ذلك لماذا؟ من باب اتمام الفقر وانه في كل احواله وفي كل تنقلاته وتقلباته في هذه الحياه فقير الى الله سبحانه وتعالى وليس فقيرا له في جزئيه دون اخرى. ونكتفي بهذا المقام ونكمل غدا باذن الله سبحانه وتعالى، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم تسليما كثيرا الى يوم الدين.