تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده لمدارسة علم قل طارقوه ويكاد أن ينضب منبعه، مع أنه علم جليل شريف جاءت الوصية به في العديد من الأحاديث والآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا العلم أحبتي هو علم الفرائض، الذي يتحدث عن كيفية قسمة التركات على الورثة حينما يغادر الانسان هذه الحياة الدنيا مخلفاً وراءه ما جمعه خلال سنوات العمر لمن بعده. وفي الحقيقة هناك عدة أسباب تجعل طلبة العلم يتهيبون من الولوج إلى هذا العلم ومن اقتحام أبوابه؛ من هذه الأسباب أن هذا العلم يحتاج إلى فهم دقيق وإلى ذهن حاضر، بالإضافة إلى ما يتضمنه من المسائل الرياضية التي يكل عندها بعض طلبة العلم.

ولكنني في الحقيقة أحبتي أراه علماً سهلاً جميلاً رائقا ميسراً على من يسره الله عليه، مع اعتراف أن هذا العلم كما هو سهل التحصيل لكنه سهل النسيان. والسبب في سرعة نسيانه قلة الممارسة له من طلبة العلم؛ ففي الحقيقة يا إخواني قل أن يسأل الإنسان في حياته عن مسألة من مسائل المواريث، وإنما في العادة يذهب الناس إلى القضاء الشرعي. لذلك نجد طلبة العلم الذين يشتغلون في قسم المواريث في القضاء الشرعي نجد عندهم تضلع وممارسة لهذا الباب، ونجدهم متمكنين، أما عموم الطلبة فإنهم كما قلت لكم لأنهم لا يمارسون هذا العلم كثيراً سرعان ما ينبذون هذا العلم أو ينسونه، وبالتالي يشعر الطالب بوجود حاجز بينه وبين اقتحامه مرة أخرى.

أيضاً هناك سبب آخر لهيبة هذا العلم وقلة انشغال الطلبة به وكثرة النسيان، وهو قلة عقد المجالس العلمية في تدريسه خصوصاً. فإن عامة الطلبة إنما يدرسون علم الفرائض من خلال كتب الفقه، يدرسونها ربما في الأنظمة الجامعية وما شابه ذلك، أو حتى في المعاهد الشرعية قل من يتطرق لتدريس علم الفرائض وإقامة مجالس خاصة بها. وهذا كما قلنا كأنه إشارة إلى ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحدث آخر الزمان، حينما في الحديث الذي يروى عنه عليه الصلاة والسلام من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عند ابن ماجه والدارقطني قال عليه الصلاة والسلام: تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول شيء ينزع من أمتي.

هذا الحديث إخواني ضاعفه كثير من أهل العلم، وحكم عليه بعض أهل العلم بالتحسين، وقد روي في الحقيقة من أوجه متعددة وبصيغ متقاربة. أقول: قد قوي بعضها بعضاً ويرتقي بمجموع طرقه إلى أن يكون حسناً لغيره. هناك أحاديث بطرق متعددة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبئ إخواني أن علم الفرائض هو من أوائل العلوم الشرعية التي ستنزع من هذه الأمة في آخر الزمان حينما يقبض العلم بقبض العلماء، للاسف نعم، وهذا شيء أكاد ألاحظه في واقعنا.

شيء أكاد ألاحظه في واقعنا فإن كثيراً من الطلبة إذا سمعوا أن هناك مجلس في علم الفرائض أو علم المواريث تجدهم ينفرون عن ذلك، ويقولون: درسنا الفقه لكن أبعدنا عن الفرائض. وهذا في الحقيقة أحبتي من التفريط في العلم؛ الأصل صاحب العلم طالب العلم صاحب الهمة العالية عليه أن يحافظ على هذه الهمة في مختلف علوم الشريعة. عليك أن تحافظ على هذه الهمة العالية وعلى هذه العزيمة الماضية في مختلف علوم الشريعة، وعليك دائماً أن تحتسب الأجر عند الله سبحانه وتعالى فيما يصيبك من النصب والتعب وأنت تحاول أن تفهم المسألة الشرعية وأن تحققها وأن تحلها وأن تصل فيها إلى الصواب.

لذلك إخواني هذه المجالس التي نعقدها ونتعلم ونتدارس فيها علم الفرائض نحن نأخذ فيها بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي يروى عنه وذكرناه آنفاً: تعلموا الفرائض وعلموها. ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم ببركة أخذنا بهذه الوصية، وببركة تلبيتنا لنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يبارك الله في اوقاتنا وفي فهومنا وفي أرزاقنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

إخواني، فيما يتعلق بدراسة علم الفرائض الذي ينظر في طريقة العلماء الأوائل يجدهم كانوا يدرسون علم الفرائض منفصلاً عن علم الفقه، مع أنه جزء منه؛ الفرائض هي جزء من الفقه، لكن العلماء قديماً كان منهجهم أن يدرسوا الفرائض وحدها مستقلة عن الفقه خصوصاً في المرحلة الابتدائية. وهذا يعود إلى أن المسائل الفرضية إخواني فيها تمارين رياضية وفيها أمثلة، وتحتاج إلى ممارسة وتحتاج إلى ترتيب معلومات من طالب ماهر حاذق بالمسائل الرياضية. فلذلك المنهج الصحيح، وهو الذي اتبعه علماؤنا الأوائل، أن طالب العلم عليه أن يدرس علم الفرائض ابتداءً في مجالس مستقلة، في مجالس مستقلة من خلال كتاب مخصوص يقرؤه على شيخ من بدايته إلى نهايته، ويتعلم المسائل ويتلقى القواعد الرياضية.

ثم بعد ذلك يعود طالب العلم لدراسة علم الفرائض من خلال كتب الفقه الموسعة التي تتطرق إلى الفرائض وإلى غيرها من الأبواب الفقهية. لأن كثيراً من الطلبة وجدتهم أحبائي يرمون طلب علم الفرائض من خلال كتب الفقه الموسعة أو من خلال المختصرات الفقهية التي تتكلم في العبادات والمعاملات والمناكحات والجنايات، فالطالب لا يكاد يصل إلى باب الفرائض في آخر أبواب المعاملات إلا وقد أصاب التعب والإرهاق بعد أن مر على مسائل الطهارة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد ودقائق المعاملات، إذا به يصل إلى باب الفرائض وهو مرهق، فيجد ذهنه متعباً ولا يجد عنده دافعية لفهم المسائل الدقيقة الرياضية الآن بعد مشوار طويل بدأ من كتاب العبادات.

لذلك أقول لأحبائي حتى لا تقعوا في هذه العقبة: أنصحكم أن تتعلموا علم الفرائض وأنتم بهمتكم ونشاطكم، فتأخذوا فيها دورة أو مجالس مستقلة من خلال كتاب مخصوص على مذهبكم، بإذن الله تكون الهمم حاضرة والعقول متقدة، الإنسان ما زال مشتعلاً في البدايات، فإذا أتقن الإنسان القواعد الابتدائية للفرائض هانت عليه بعد ذلك المسائل. أما المشكلة في أن الطلبة لا يتقنون القواعد الابتدائية للفرائض ولا يحفظون من هم أصحاب الفروض، من هم العصبات، طرق الحجب أو مسائل الحجب، فيبقى الطالب يشعر بكآبة حينما يسمع بعلم الفرائض أو بأن هناك حاجز من الخوف بينه وبين هذا العلم، وهذا خطأ. أنا أنصحكم، هذا العلم علم رائع سهل هين بإذن الله وجميل، لكن دعونا ندرج فيه رويداً رويداً، والله سبحانه وتعالى الموفق والهادي.

وعليكم أن تسألوا الله سبحانه وتعالى أن يرزقكم الفهم؛ نعم إخواني، الإنسان لا يعتمد على قوته ولا على ذكائه ولا على فهمه، إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده. فعلينا إذاً أن نتوكل على الله سبحانه وأن نطرق باب السماء، وأن نسأله عز وجل أن يسهل علينا وأن يهون علينا، ونقول: اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً. دائماً إخواني طالب العلم لا يتكل على نفسه وعلى ذكائه، أحذروا هذا؛ من اتكل على نفسه وعقله وكله الله إلى ذلك، وأما من توكل على ربه سبحانه فإنه عز وجل يفتح عليه ما استغلق عليه من مسائل الشريعة، فثقوا بربكم سبحانه وتعالى والجؤوا إليه واسألوه التوفيق دوماً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

السادة الحنابلة إخواني كغيرهم من المذاهب الفقهية اهتموا بوضع مصنفات ومنظومات ومختصرات خاصة بعلم الفرائض تكون منفصلة عن كتب الفقه. وهذا دليل آخر على أن علم الفرائض كان يحظى باستقلالية نوعاً ما عن علم الفقه، وأن طبيعة الدرس الفرضي تختلف عن طبيعة الدرس الفقهي في العديد من الجوانب. بل حتى يا إخواني -يعني هذا ما أتى على خاطري- حتى يا إخواني عندما تقرؤون في تراجم العلماء يقولون: وكان فلان

فقيهاً فرضياً. لماذا يقابلون بين الفقيه والفرضي؟ مع أن الفرائض جزء من الفقه. هذا فيه إشارة كما قلت لكم إلى الانفصال في عملية الدراسة، فكأنهم كانوا يعتبرون الفرائض علماً مستقلاً، فيقولون: فلان فقيه وفرضي، بالدلالة على أنه أحكم هذه الأبواب وهذه الأبواب.

إذاً، نعود إلى السادة الحنابلة، كما قلنا، السادة الحنابلة كغيرهم من أصحاب المذاهب الفقهية المتبوعة، وضعوا مصنفات مستقلة من نظم ونثر خاصة بعلم الفرائض، ليدرسها الطالب قبل أن يقتحم باب الفرائض في الكتب الموسعة الشاملة للفرائض ولغيرها كما قلنا. ومن أجل هذه المنظومات ومن أنفعها هذه المنظومة التي قرر شرحها في برنامج غراس العلم، وهي منظومة الفارضية للإمام محمد شمس الدين القاهري الحنبلي الملقب، لقبه الفارضي، هذا لقبه الإمام شمس الدين محمد القاهري الحنبلي، ويعرف بين الناس يعني من ينظر في سيرته وما كتبه العلماء فيها يقولون: وكان يلقب بالفارض.

وتوفاه الله سبحانه وتعالى عام إحدى وثمانين وتسعمائة للهجرة تقريباً، لأن هناك خلاف وهذا ما ذكره ابن العماد في تاريخ وفاته تقريباً. ولذلك هو يعتبر من الحنابلة المتأخرين، لأن المرحلة الثالثة والمرحلة المتأخرة عند الحنابلة تبدأ من الإمام المرداوي علاء الدين المرداوي ثمانمائة وخمسة وثمانين هجري. والإمام الفارض اتى بعد ذلك، وبالتالي منظومته التي بين أيدينا منظومة محررة على ما عليه الفتوى في المذهب، منظومة محررة على ما عليه الفتوى في المذهب وتسير على طريقة المتأخرين من الحنابلة وتذكر لنا قولاً واحداً في المسألة.

إخواني، منظومة الإمام الفارض رحمة الله عليه لها عدة ميزات هي التي دفعتني لاختيارها. أولاً أنها منظومة مختصرة، أنت تتكلم عن مئة وسبعة وعشرين بيتاً، أنت تتكلم عن مئة وسبعة وعشرين بيتاً، وهذا عدد قليل في الحقيقة مقارنة مع غيرها من المنظومات الأخرى. إذاً، هذه الميزة الأولى لها أنها موجزة مختصرة.

ثانياً، مع إيجازها واختصارها لكنها شملت على أبواب في علم الفرائض لم تشملها المنظومات الأخرى، حتى منظومة الرحبية، المنظومة الشهيرة بين طلبة العلم، اشتملت -مع أنها موجزة- اشتملت على أبواب أكثر من الأبواب الفرضية التي تكلمت عنها الرحبية. أيضاً من ميزاتها أنها خلت من الحشو، أنها خلت من الحشو، فلا يوجد فيها استطرادات لا قيمة لها، لا يوجد فيها حشو وكلام زائد لمجرد تتميم الأبيات، بل الأبيات رصينة.

بل اهتمام الفارض بإزالة الحشو لعله، أقول لعله، أوقعه في شيء من التعقيد في بعض المناطق، لعله لأنه كان مهتماً بإزالة الحشو الذي وقع فيه الرحبي رحمة الله عليه. وقد أشار هو إلى هذه الميزة في منظومته حينما قال: وجيزة والحشو فيها يندر، فاحفظ وحشو الرحابي سكر. أراد أن يبين أن منظومتي الحشو فيها قليل، بخلاف الرحبي فإنه كثر عنده الحشو. لكنه لا يريد أن يقلل من أهمية الرحبية، ولا يقلل من جهد السابقين، فانظر الأدب والاحترام حينما قال: وحشو الرحابي سكر، أي الرحبي عنده حشو، لكن حشوه سكر لطيف جميل، وهذا من أدب العلماء مع بعضهم البعض.

إذاً إخواني، هذه أيضاً ميزة لهذه المنظومة؛ الميزة الأولى أنها مختصرة مئة وسبعة وعشرين بيتاً، الميزة الثانية أنها احتوت على أبواب لم تشتملها المنظومات المختصرة الأخرى أو حتى الأطول منها كالرحبية، ثالثاً أنها قليلة الحشو.

جميل، في المقابل أقول في المقابل قد تجد بعض العيوب في هذه المنظومة ذكرها بعض أهل العلم، هي أولاً كثرة التضمين. والمراد بالتضمين هنا ليس التضمين الذي يتكلم عنه البلاغيون، بل المراد التضمين الشعري في أن البيت السابق لا تنتهي معناه إلا في البيت اللاحق، فالأبيات كما قلت لكم فيها شيء من التداخل، وستلاحظون هذا.

وقد لون الإخوة لكم هذه المنظومة حتى تعرفوا التداخل بين الأبيات، أن البيت السابق فكرته في كثير من الأحيان لا تكتمل إلا في البيت اللاحق، وليس كل بيت مستقل بنفسه. وهذا قد أقول قد يسبب تشويشاً على من قرأ المنظومة من دون أن يفكها على شيخ، واما من درسها على شيخ وحلها فبإذن الله ستجدون هذا العيب يزول مع الوقت ومع كثرة الممارسة لهذه المنظومة والتحليل لأبياتها وفهم المراد، تجدونها إن شاء الله انحلت بين أيديكم سهلة عذبة بإذن الواحد الأحد.

أيضاً من الإشكاليات التي قد تذكر في هذه المنظومة أنه كان يمكن أن يرتبها بصورة أفضل من حيث الأبواب، يعني أخر أبواب وقدم أبواباً. وفي الحقيقة هذا التقديم والتأخير رآه كثير من العلماء المتأخرين بعده قد يسبب خللاً في فهم مسائل الفرائض، يعني مثلاً هو قدم باب الجد والأخوة، قدم باب الجد والأخوة على أبواب التأصيل والتصحيح، وستعرفون ما هذه الأبواب بالتفصيل إن شاء الله.

ففي الحقيقة أن يتعلم الطالب قضية ميراث الجد مع الأخوة وما فيها من مسائل وتفاصيل قبل أن يتعلم التأصيل والتصحيح أجد فيه إشكالاً، وأجد أن كثيراً من الطلبة إنما يصعب عليهم فهم مسائل الجد والأخوة لأنهم يتأخرون في دراسة التصحيح والتأصيل إلى ما بعد ذلك. والطريقة الصحيحة في التعليم أن يقدم باب التأصيل والتصحيح قبل باب الجد والأخوة، يتعلم الطالب كيف يؤصل المسألة الفرضية، كيف يشكلها، كيف يصححها، ثم بعد ذلك سيسهل عليه جداً أن يفهم قضية العلاقة بين الجد والأخوة إذا اجتمعوا في الميراث.

فهذا مثال، وهناك عدة أمثلة في المنظومة فيها هذه الإشكالية، حيث إنه كان بإمكانه رحمه الله أن يرتب مواضيع الفرائض في الفارضية بصورة أفضل. لذلك نحن بإذن الله حينما نشرح على الشاشة، ومن خلال الشرح الذي أرسلناه إليكم، سنقوم بتقديم بعض الأبواب وبتاخير بعض الأبواب لتحصيل المصلحة التعليمية، لأن مصلحة الطالب بالنسبة لي هي الأهم، يهمني جداً أن تكون المعلومات متسلسلة وبنائية هرمية.

فلا ينتقل الطالب إلى كتاب لاحق إلا وقد أتقن السابق، ولا يتطرق الطالب إلى مسألة يتوقف فهمها على باب أخره الفارض إلى آخر المنظومة. فلذلك اهتممت في هذا الشرح أن أعيد ترتيب بعض المناطق في منظومة الفارضية. طبعا نحن المنظومة تركناها كما هي، لأن النظم يجب أن يحفظ كما هو، لكن أثناء الشرح -أقول أثناء الشرح- ستلاحظون أنني ساقدم بعض الأبواب وأؤخر بعض الأبواب لمصلحتكم أنتم في عملية فهم المسائل الفرضية وبنائها في أذهانكم بهدوء بإذن الله.

فهذه إذاً، أو هذا هو العيب الثاني الذي قد يذكر في هذه المنظومة، أنه كان بإمكانه أن يرتب بعض الأبواب بصورة أفضل. وأما في عمومها فهي منظومة رائعة، أنا أقول منظومة رائعة وجميلة، وكما قلت ما فيها حشو كثير ومختصرة، وفي الباب الواحد -في الباب الواحد أقول- يرتب المسائل بطريقة جميلة وفريدة. فلذلك اهتموا أحبتي، خاصة الحنابلة، لضبط هذه المنظومة لأنها ستؤطر لكم علم الفرائض. وبإذن الله حينما نتدارسها معاً بهدوء، ستنحل عندكم كل هذه العقد التي تشعرون بها تجاه هذا العلم، ستجدونه علماً رفيعاً رائقاًَ كان يستحق أن يدرس قبل ذلك.

طيب، الآن البعض يسأل: هل هذه المنظومة لها شروح؟ أقول أحبتي، هناك شراح على هذه المنظومة، هناك شرح للشيخ عبد الله الشنشوري رحمة الله تعالى عليه، وهو شافعي المذهب. والعجيب أن الإمام الفارض يقولون: الإمام الفارض هو الذي طلب من الإمام عبد الله الشنشوري أن يشرح هذه المنظومة. الظاهر أن الفارض لم يكن متمرساً على الشرح، قد يكون هذا هو السبب، فذهب إلى الشنشوري وطلب منه أن يشرح له منظومته، فشرحها رحمة الله عليه عبد الله الشنشوري.

شرحها في شرح أجمله، شرح مجمل لم يهتم فيه بفك الأبيات، وإنما اهتم بشرح الأبيات عموماً، وذكر الأمثلة والتطبيقات بصورة مختصرة. وهذا الشرح اسمه: الدرة المضيَّة على الفارضية، هذا اسم شرح عبد الله الشنشوري على هذه المنظومة. ولاحظ، عبد الله الشنشوري شافعي، لكنه شرح هذه المنظومة على طريقة الحنابلة، ثم ينبه أن هذا هو مذهب الحنابلة وهو يخالف مذهب الشافعي.

طيب، لماذا شرحها؟ كما قلنا، كانت هناك صداقة بين عبد الله الشنشوري وبين الفارض محمد شمس الدين القاهري الفارض الحنبلي، فالفارض الحنبلي طلب من عبد الله الشنشوري أن يشرح له منظومته.

لان دائماً إخواني المنظومات التي لا تخدم بالشروح عادة ما يبتعد عنها طالب العلم، طلبة العلم يهتمون بالكتب المخدومة التي خدمها العلماء بالشرح، بالتحشية، روح الصوتية مثلاً في وقتنا المعاصر تجد الطلبة ينكبون؛ لان هناك اهتمام واحتفاء بها. فلذلك أراد الفارضي أن يهتم الطلبة بمنظومته، فقال: لا يوجد حل إلا أن أذهب إلى عبد الله الشنشوري وأطلب منه أن يشرحها، وفعلاً سبحان الله شرحها شرحاً لطيفاً لكنه مجمل.

بعد ذلك جاء الإمام ابن بدران الدمشقي الحنبلي، ابن بدران الدمشقي الحنبلي وضع كتاباً أصبح يعرف بالبدرانية في شرح الفارضية، وهو كتاب في الحقيقة من ينظر فيه يجد أن ابن بدران استفاد كثيراً من شرح الشنشوري، ابن بدران استفاد كثيراً بل أخذ جل الكلام في مسائل الفرائض من شرح الشنشوري عليها، لكن ميزة البدرانية أن الإمام ابن بدران الدمشقي رحمة الله عليه اهتم بفك عبارات الأبيات، تم بفك العبارة في الأبيات وبيان مواطن الإعراب، وهذا سيساعد الطالب على فهم كيفية يعني تحليل المنظومة من الناحية اللفظية والشكلية.

فأنا أقول: كل شرح له ميزته، شرح الشنشوري مجمل، وشرح البدرانية مأخوذ من شرح الشنشوري لكنه تم بفك العبارات في الأبيات، وهذا كما قلنا له ميزة في إفادة الطالب كيف يقرأ المنظومة بالشكل الصحيح ويفهم ارتباط الكلمات بعضها ببعض. إذاً هذا الكلام في قضية شروح هذه المنظومة، بقي علي أن أتكلم في مسألة: كيف يدرس الطالب علم الفرائض؟

أقول لكم باختصار أحبتي واسمعوا هذه النصيحة، اسمعوها في وقت مبكر اهتموا بها جيدا، علم الفرائض علم تسلسلي، علم تسلسلي لا يمكن أن تفهم الدرس اللاحق إذا لم تحضر الدرس السابق. هناك بعض العلوم التسلسل فيها قليل يعني مثلاً في الفقه ربما لا تحضر مع الشيخ كتاب الطهارة فتفهم معه كتاب الصيام لعدم الارتباط. في علم الفرائض هذا لا يصلح، لا تسمع المحاضرة الثانية حتى تسمع المحاضرة الأولى، من دون ذلك ستضيع في علم الفرائض ولن تفهم كثير من المسائل، خاصة أحبائي المحاضرات الأول التي فيها التقعيد لمفهوم التعصيب، الحجب من أصحاب الفروض، من أصحاب العصبات، الحجب بأنواعه.

إذا الطالب لم تتقن المفاتيح الأساسية لعلم الفرائض لن تفهم الفرائض أبدا ولن تستطيع أن تحل المسائل، فلذلك أحبائي بعض الطلبة هداهم الله عنده ألوب يعني القفز، هذا أسلوب القفز دعه الآن في هذه الدورة، عليك أن تكون حريصاً على أن تسمع كلمة كلمة كلمة، وأن تفهم مسألة مسألة، وأي مسألة لا تفهمها أو لا تفهمها عليك أن تسأل عنها وأن تبحث عن إجابتها؛ لأن عدم فهم مسألة أساسية قد يعيقك في إكمال المشوار معنا، فإياك أن تستحي من السؤال في العلم، نعم اسأل بأدب واحترام لكن اسأل ولا تهب من السؤال ولا تستحي حتى لا يضيع عنك كثير من العلم، كما ذكر العلماء أن كثير العلم يذهب بالحياء من أو في السؤال عنه.

فهذه قضية إخواني مهمة جداً قضية التسلسل في سماع المحاضرات، ثانياً قضية الممارسة يعني نحن في هذا المجلس سنسعى أن نمارس ما يمكن ممارسته من الأمثلة التطبيقية، لكن أنت الآن هنا دورك يا طالب العلم أن تذهب إلى مذكرة، إلى أمثلة تطبيقية كتبها العلماء على مسائل الفرائض وتبدأ أنت تحلها بنفسك. كثرة الممارسة وتخطئ مرة ثم تمارس وتخطئ مرة ثانية ثالثة ورابعة وتقف على خطأك وتفهم موطن الخطأ هذا بإذن الله سيجعلك متقناً متفنناً حتى يقال عنك إنك فارضي، لكن هذا الإتقان لابد فيه ابتداءً من التعثر.

بعض طلبة العلم إذا تعثر مرة أو مرتين يشعر بحاجز بينه وبين العلم، هذا خطأ، ستتعثر مرات ومرات في الفرائض، لكن بعد ذلك بإذن الله ستصل إلى النجاح وستحقق الإبداع، لكن عليك أن تستمر وأن تكابد وأن تسأل وأن تستفسر وأن تمارس وأن تطبق مرة بعد مرة، والله سبحانه وتعالى هو الموفق والهادي وهو المستعان وعليه التكلان في كل ما نقصده ونطلبه في حياتنا. جميل.

إذاً، هذه خطوات منهجية في دراسة علم الفرائض، الآن أنا أحبائي أريد أن أشرح بشكل سريع في هذه المنظومة ولا أريد أن أطيل عليكم فيها، سنبدأ اليوم بإذن الله قبل أن نشرع في هذه المنظومة سنبدأ كالعادة دراسة المبادئ العشرة لعلم الفرائض، سأعتبر علم الفرائض علماً مستقلاً وقد اعتبره مجموعة من العلماء علماً مستقلاً وذكروا له مبادئ عشرة.

ما هي المبادئ العشرة يا شيخ؟ كما قلنا مراراً وتكراراً، المبادئ العشرة مجموعة من المعارف تتكلم حول العلم يجب أن تعرفها قبل أن تلج إلى العلم. مجموعة من المعارف تتكلم حول العلم يجب أن تعرفها قبل أن تلج إلى العلم، لماذا؟ لأنها تعطيك فكرة وتصوراً عاماً عن هذا العلم الذي تريد أن تقتحمه وأن تلج منه، عليك أن تعرف المبادئ العشرة لأي علم تدرسه يا طالب العلم. هذه المبادئ العشرة نظمها العلامة الصبان في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومن درى الجميع حاز الشرف.

فذكر لنا الصبان أن المبادئ العلوم عشرة: تعريف العلم، موضوع العلم، ثمرة العلم، نسبة العلم أي علاقته بالعلوم الأخرى، فضل العلم، واضع العلم، اسم هذا العلم، مما استمد هذا العلم ومما أخذ، حكم الشارع في تعلمه، وأخيراً المسائل التي يتم تعلمها وتدارسها في هذا العلم تأتي بعد ذلك كمبدأ أخير ومنها ينطلق الطالب في دراسة هذه المسائل. فدعوني إذاً أحبائي أطبق هذه المبادئ العشرة وأنزلها على علم الفرائض ليكون عندنا تصور عن حقيقة هذا العلم وعن موضوعه وعن طبيعته وعن ثمرته قبل أن نلج في دراسة مسائله.

بسم الله الحمد لله، نبدأ إخواني بالمبدأ الأول وهو تعريف علم الفرائض، ما هو علم الفرائض في اللغة وفي الاصطلاح؟ هذا هو المبدأ الأول، انتبهوا، الفرائض إخواني جمع فريضة، الفرائض جمع فريضة، وفريضة وزنها الصرفي فعيلة، أليس كذلك؟ فعيلة بمعنى مفعول، وهو فعيل بمعنى مفعول فكأنها فريضة بمعنى مفروضة، وهذا النوع معروف عند علماء الصرف أن تأتي صيغة فعيل أو فعيلة بمعنى اسم المفعول.

واشتقاقها ابتداء وجذرها الأساسي كلمة فريضة، ما هو؟ هو الفعل ف ر ض، الفاء والراء والضاد، الفعل فرض، ففريضة جذرها أصالة هو الفعل الثلاثي فرض، فدعونا ننظر ما معنى كلمة فرض في لسان العرب حتى نفهم لماذا اختار العلماء كلمة الفريضة عنواناً وشعاراً لهذا العلم، ودائماً أقول أحبتي فائدة دراسة المعنى أو تحليل المعنى اللغوي للكلمة أو لاسم الفن أو للمصطلح.

أهمية معرفة المعنى اللغوي قبل المعنى الاصطلاحي له تساعد الطالب على فهم الارتباط بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي وتساعده على أن يدرك لماذا اختار أهل الاصطلاح هذه المفردة من مفردات العربية دون غيرها لتعبر عن علمهم أو عن فكرتهم، جميل؟ لذلك دراسة المعنى اللغوي للكلمة مهم قبل أن نقتحم إلى المعنى الاصطلاحي؛ لأنه إخواني لا يوجد تباين تام بين المعنى اللغوي والاصطلاحي، هذا وهم.

هناك مئة بالمائة علاقة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي؛ لأن علماء الاصطلاح ينظرون إلى المفردات اللغوية فينظرون أي كلمة من المفردات اللغوية هي أنسب وأليق بعلمهم، فيأخذون هذه المفردة ويضعونها عنواناً أو شعاراً لفكرة أو لعلم ثم يعدلون التعريف قليلاً، يعدلون تعريف هذه الكلمة من معناها اللغوي العام يأتون ويضعونها لمعنى خاص، بحيث في العادة أقول في العادة يكون المعنى الاصطلاحي لهذه الكلمة أخص من المعنى اللغوي العام لها، جميل.

المهم نأتي لكلمة فريضة، كما قلنا فريضة مأخوذة من الفعل الثلاثي فرض، الفعل فرض ما معناه في اللغة؟ له عدة معاني، في الحقيقة أنا ذكرت لكم ثلاثة، الفعل فرض يأتي بمعنى القطع والحسم، يأتي بمعنى القطع والحسم، فحينما أقول فرضت عليك أن تفعل كذا يعني ألزمتك أن تفعل كذا، حينما يقول الابن لابنه: فرضت عليك أن تفعل كذا معناها أنا ألزمتك أن تفعل هذا الفعل.

فالمعنى الأول لكلمة فرض، أي: ألزم وقطع وحسم، فأصبحت القضية قطعية لا نقاش فيها. هذا المعنى الأول للفرض: القطع. المعنى الثاني للفرض: الإنزال، فرض تأتي بمعنى أنزل، ومنه قوله تعالى: إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ. قال بعض العلماء: فرض عليك، أي أنزل عليك.

فكلمة فرض تأتي بمعنى أنزله، لكن لاحظوا، لربما هذه المعاني اللغوية لا تتناسب مع المعنى الاصطلاحي الذي نريد أن نصل إليه. طب، ما هو المعنى الثالث لكلمة الفرض والفعل الثلاثي فرض؟

آه، المعنى الثالث هو التقدير، فالفرد يأتي بمعنى التقدير، وهذا الاستعمال مشهور، وهذا الاستعمال مشهور عندنا في حياتنا، مثلا نقول نحن: افرض أنه وقع كذا، أليس كذلك؟ يعني قدر أنه وقع كذا، اجعله تقديرا. صحيح؟ في المعنى الثالث لكلمة الفرض هو التقدير، أقول والله أعلم لعل هذا المعنى هو الذي دفع علماء الفرائض ليأخذوا كلمة الفريضة ويضعوها شعارا على هذا العلم؛ لأن علم المواريث في الحقيقة هو علم تقدير، تقدر لكل وارث نصيبه من الميراث.

نحن في علم الفرائض ماذا نفعل؟ ألا نقدر؟ نقدر، لاحظ، نقدر لكل وارث نصيبه من الميراث ونصيبه من التركة. فعملية الفرائض، عملية المواريث، هي عملية تقدير؛ ولأن فيها تقدير، ولأن أساسها يقوم على التقدير، اختاروا مصطلح الفريضة ليعبر عن هذا العلم، اختاروا مصطلح الفريضة ليعبر عن هذا العلم، وجمعوا الفريضة على فرائض، فأصبح طبعا العلم مشهور بالجمع وليس بالإفراد، فيقولون: علم الفرائض؛ لأن الفرائض هي جمع فريضة، والفريضة مأخوذة من الفرض، والفرض يدل في اللغة على التقدير، وعلم المواريث مبني على التقدير.

فكانت هذه الكلمة الفرض وما تفرع عنها من فريضة وجمعها على فرائض، أصبحت هي الأنسب والأليق لأن تصبح شعارا على هذا العلم. فجاء علماء المواريث فأخذوا كلمة فريضة من الفرض ثم جمعوها على فرائض وأطلقوها عنوانا ولقبا على هذا الفن الذي ندرسه، ثم بعد ذلك عرفوا الفرائض في الاصطلاح. لاحظ، بعد أن ذكروا لك ما هو المعنى اللغوي للفرائض من خلال إعادتها إلى المفرد وهو فريضة ثم النظر في الجذر وهو الفرض وعرفنا أن الفرض هو التقدير، الآن سيبين لك ما بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي، سيبين لك ما العلاقة بين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي؟ إذا راقبت أنت هذه العلاقة ستفهم لماذا اخذوا هذه الكلمة دون غيرها؟

المهم، نذهب الآن إلى تعريف الفرائض اصطلاحا. علم الفرائض اصطلاحا ما هو؟ قالوا: هو علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث، علم يعرف به من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث. هذا باختصار. إذا لو واحد سألك الآن: أنت حضرت المحاضرة الأولى، فقلت آآ بعد أن خرجت من سماعك للمحاضرة جاءك شخص فقال لك: ماذا كنت تصنع؟ فتقول له: كنت أسمع محاضرة في علم الفرائض، فيقول لك: ما هو علم الفرائض؟ فيقبع بطالب العلم أن يقول: والله أنا درست الفرائض وحللت المسائل وعرفت كيف أحلها لكنني لا استطيع أن أعطيك تعريفا عن الفرائض، هذا لا يصلح، ينبغي أن يكون عندك تصور عام عن حقيقة هذا العلم، حتى إذا سئلت عن طبيعته تستطيع أن تعطي توضيحا مختصرا عنه.

فنقول: الفرائض إذا اصطلاحا هو علم، طبعا كلمة علم إذا وردت في بداية أي تعريف فإما أن تفسر بالإدراك، وإما أن تفسر بالقواعد والمسائل، وإما أن تفسر بالملكة، تمام؟ والأنسب هنا والله أعلم أن نُفسر كلمة العلم بالقواعد والمسائل، فكأننا فكأننا قلنا: الفرائض اصطلاحا قواعد ومسائل يعرف بها -أي من خلال دراستها وتعلمها- يعرف من خلال هذه القواعد والمسائل من يرث، من هم الأشخاص الذين يرثون؟ ومن لا يرث، من الأشخاص من الأقارب الذين ليس لهم من الميراث شيء؟ ثم ما هو مقدار ما لكل وارث؟ لأن الورثة الذين قسم الله عز وجل لهم الميراث، كم سيأخذون من الورثة؟ فهذه الأمور الثلاثة هي التي يدور عليها علم الفرائض، قواعد ومسائل يعرف بها من يرث ومن لا يرث ومقدار مال كل وارث.

جميل، الآن إخواني، أنتقل إلى الموضوع الثاني من مواضيع علم الفرائض، أو عفوا المبدأ الثاني من المبادئ العشرة. المبدأ الثاني من المبادئ عشرة كما قال الصبان: إن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع. ما موضوع علم الفرائض؟ دائما أقول لأحبتي إخواني: يجب على طالب العلم أن يحسن التفريق بين تعريف العلم وبين موضوع العلم، فتعريف العلم يتكلم عن المسائل والقواعد التي تحوم حول موضوع العلم، فموضوع العلم إخواني هو محور هذه دائما الصورة التي أشبهها لأحبابي الطلبة، موضوع العلم يعني المحور الذي تدور حوله مسائل العلم، وأما المسائل نفسها فهذه هي العلم.

فبدن الإنسان، بدن الإنسان هو المحور الذي يشكل موضوع علم الطب، وأما نفس علم الطب فهي المسائل والقواعد التي تدور وتتكلم عن بدن الإنسان من حيث الأمراض، من حيث الصحة، من حيث الأدوية وما شابه ذلك، فالأمراض والصحة والأدوية هي علم الطب، هي مسائل القواعد، وأما موضوعه فهو بدن الإنسان. وقل ذلك في الفرائض، فموضوع علم الفرائض المحور الأساس الذي تدور حوله كل مسائل هذا العلم ما هو؟ التركات، التركة التي تتركها وراءك أيها المسكين يا من ستغادر قريبا إلى الله سبحانه وتعالى، تركتك هي موضوع الفرائض، فكل المسائل التي سنتعلمها مسائل الفرض والتعصيب والحجب والجد مع الإخوة والتأصيل والتصحيح والمناسخات إلى كل هذه المسائل هي علم الفرائض وكلها تدور حول محور واحد يشكل موضوع علم الفرائض، هذا المحور الواحد هو التركات.

فاذا سئلت: ما موضوع علم الفرائض؟ فتقول: التركات، لكن لابد تذكر الحيثية، لا تقول آآ التركات ثم يسكت الإنسان، لا، يقول: التركات من حيث ما يتعلق بها من مسائل الميراث، لأن تركة الإنسان يتعلق بها العديد من الحقوق كما سيأتي معنا، قد يتعلق بها ديون، قد تتعلق بها وصايا، تعلق الديون بتركة الإنسان، تعلق الوصايا بها، هذا ليس مهمة علم الفرائض، علم الفرائض يتكلم عن التركة من حيثية محددة وهي هذه الحيثية، من حيث ما يتعلق بهذه التركات من مسائل الميراث فقط، أما ما يتعلق بتركة إنسان من حقوق أخرى فهذا لا دخل لعلم الفرائض به.

جميل، إذا عرفنا موضوع علم الفرائض. طيب نذهب إلى المبدأ الثالث، ثمرة هذا العلم. ما ثمرة علم الفرائض؟ ثمرة هذا العلم إخواني أنه يوصل الحقوق الشرعية إلى أهلها، كما قال: إصال الحقوق إلى ذويها من الورثة، لو أنكم أضفتم من الورثة يكون جيدا، إيصال الحقوق إلى ذويها من الورثة، فهذه مهمة علم نحن نريد أن نوصل الحقوق إلى أصحابها من الورثة بالعدل الذي شرعه الله سبحانه وتعالى. جيد، إذا هذه الثمرة باختصار ولم أحب أن أطيل أكثر من ذلك.

طيب نذهب إلى المبدأ الرابع، نسبة هذا العلم، ما معنى نسبة العلم؟ يعني ما علاقة علم الفرائض بغيره من العلوم الأخرى؟ دائما هذا الذي أذكره في النسبة، علاقة العلم بغيره من علوم الأخرى، فلو شخص سألك: ما علاقة علم الفرائض بغيره؟ فتقول: أولا، علم الفرائض هو من علوم الشريعة، فليس هو من علوم اللغة، وليس هو من العلوم الإنسانية، وليس هو من علوم الطبيعة، هو علم شرعي بالتأكيد. جميل، طب من أي علوم الشريعة هو؟ هل هو من علوم الوسائل أو من علوم المقاصد؟ فتقول: هو من علوم المقاصد وليس من علوم الوسائل؛ لأن الفرائض جزء من الفقه، وتعرفنا سابقا -أو عرفنا سابقا- أن الفقه من علوم المقاصد والغايات وليس من علوم الوسائل والآلات، فإذا الفرائض من علوم المقاصد، إذا هو من علوم الشريعة ومن علوم المقاصد أيضا.

أذهب إلى مبدأ خامس، المبدأ الخامس يتكلم عن فضل هذا العلم، سأذكر حديثين يبينان الفضل، وكما أقول دائما: الفرق بين الثمرة والفضل أن الثمرة هو الشيء المعجل عادة، الشيء الذي تلقاه في الحياة الدنيا، والفضل يتعلق بالأمور الشرفية من الثواب والأجر والحسنات التي تدخرها عند الله سبحانه، هذا من أقرب ما يقال في التفريق بينهما، وإن كان البعض لا يفرق بينهما أصالة، ويرى أن الثمرة والفضل متلازمان.

فضل العلم. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم.

طبعا المراد بنصف العلم كما ذكر كثير من شراح الأحاديث، النصف هنا ليس النصف الذي يقسم الشيء إلى شطرين، لا، المراد بالنصف القسم مطلقا، يعني هو قسم من العلم، كأنه صلى الله عليه وسلم يقول هكذا: فإنه نصف العلم، أي قسم من العلم. فهنا النصف وهذا كثير استعماله في لسان العرب أن النصف والمراد به القسم، ولا يراد به النصف بالضبط الذي يقسم الشيء إلى شطرين.

فإنها نصف العلم وهو ينسى. ها، لاحظوا، وهو ينسى. العلم هذا سريعا ينسى بسبب قلة الممارسة والتطبيق. وهو أول شيء ينزع من أمتي. هذا حديث رواه ابن ماجه والدارقطني، وكما قلت، ضعفه كثير من أهل العلم في الحقيقة، وبعض أهل العلم يوصله إلى مرتبة الحسن لغيره بمجموع الطرق التي تحدث عن أهمية تعلم آه الفرائض وتعليمها وأنها أول شيء ينزع.

فهناك حديث آخر عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. وهذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وفيه الإفريقي رحمة الله عليه، والإفريقي تكلم فيه كثير من علماء الحديث وضعفوه.

لكن كما قلت أيضا حديث آخر عن اه ابن مسعود رضي الله عنه قريب من حديث أبي هريرة، آآ وهذه الأحاديث بجملتها كما قلت، والله أعلم، قد يقوي بعضها بعضا لترتقي إلى مرتبة الحسن لغيره، وكلها تدل إن صحت على ماذا؟ تدل على شرف تعلم علم الفرائض وأنها وصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الأمة.

خل الحديث ضعيف، خل هذا الحديث ضعيفا، ألا يمكن أن يكون صحيحا في الواقع؟ فإن تضعيف التضعيف عند علماء الأحاديث إنما هو باعتباره ما يظهر من الإسناد. فنحن نحكم على هذا الحديث بناء على ما في الإسناد من ضعف على ظاهره. لكن أن يقول علماء الأحاديث: لكن في الباطن، في الباطن قد يكون الحديث صحيحا.

بالتالي إذا كان الحديث في فضائل الأعمال وفيه ترغيب في الخيرات ولا يتعلق به حلال وحرام، فإننا نقرأه عموما ونبين للناس ما فيه من الضعف لكن نرغب بالعمل به، لانه كما قلنا لا يتعارض مع أصول ولا مع كلياتها.

جميل، نذهب إلى مبدأ آخر، إذا أن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع. المبدأ السادس: من واضع علم الفرائض؟ الذي وضع علم الفرائض إخواني أساسا هو الله سبحانه وضعه في كتابه في آيات سنأتي عليها بإذن الله في ختام الدورة، وعلمها للنبي صلى الله عليه وسلم آه وتلقاها الصحابة من النبي عليه الصلاة والسلام وتحدثوا فيها، فإذا لو عدنا إلى المصدر الأساس فواضع علم الفرائض هو الله سبحانه وتعالى.

أنزل ثلاث آيات محكمات في كتابه تفصل هذا الموضوع. النبي صلى الله عليه وسلم أيضا تحدث في مسائل الفرائض وتكلم عن كثير من جوانبها، ثم بعد ذلك بدأ الصحابة يجتهدون في اليسير الذي بقي منها.

وأما اسم هذا العلم وهو المبدأ السابع، فاسمه علم الفرائض، وهناك اسم آخر له وهو علم الموالي. فالبعض يقول إن الفرائض والبعض يقول علم المواريث، وهذا كله خير.

دعونا ننطلق إلى نقطة أخرى، من المبدأ الثامن: استمداد العلم، مما استمد هذا العلم؟ استمداد العلم يعني ما هي المنابع التي أخذ منها هذا العلم؟ مثلا علم أصول الفقه أخذ من عدة منابع، منها اللغة العربية، منها اللغة العربية، وكذلك أخذ شيئا من علم العقائد أو يسمونه علم الكلام وتصور الأحكام على صورة معينة تحدثت عنها في دورة سابقة.

المهم إذا أصول الفقه استمدت مادته من علوم أخرى، وحينما تعرف يا طالب العلم هذا العلم من أين أخذت مادته؟ من أين استمدت؟ هذا يقودك إلى أن تعود أحيانا إلى تلك الجذور وإلى تلك المنابع الأساسية لتحقق بعض المسائل التي لم تستطع تحريرها في هذا العلم. فمعرفة الاستمداد مهم جدا لمعرفة أن مادة هذا العلم التي بين أيدينا مما جمعت، حتى أعود إلى الأصول فأبحث في الأصول بدقة أكثر وبتحري أكثر عن بعض المسائل التي قد تشكل علي.

فعلم الفرائض الذي دونه الفقهاء وسطره العلماء أخذ من الكتاب الكريم أولا، وكما قلنا هناك آيات محكمات في سورة النساء تتحدث عن الفرائض، ثم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا، ثم من الإجماعات التي أجمع عليها الصحابة، ثم من فتاويهم فيما اختلفوا فيه، ثم من فتاويهم فيما اختلفوا فيه. فهذه مصادر هذا العلم.

ومن هنا استمد: الكتاب والسنة والإجماعات، وكما قلنا من فتاوى الصحابة فيما اختلفوا فيه ولم يجمعوا عليه، فليس كل أو جميع مسائل الفرائض مجمع عليها بل هناك خلافات في بعض التفاصيل.

طيب، نذهب إلى حكم تعلم الفرائض. حكم تعلم الفرائض أنا أقول أحبتي تعلم الفرائض كغيره من علوم الشريعة الأصل أنه فرض كفاية. ما معنى أنه فرض كفاية؟ يعني إذا تعلمه من يكفي من الأمة سقط الإثم عن الباقين. إذا تعلمه من يكفي من يكفي بهذا القيد؟ سقط الإثم عن الباقين. وإذا لم يتعلمه أحد أثم من كان قادرا على التعلم ولم يتعلم، وأثم من كان قادرا على أن يعين غيره على أن يتعلم ولم يعن، يأثم هذا وهذا.

من كان قادرا على أن يتعلم ولم يتعلم يأثم، ومن كان قادرا على أن يعين غيره على التعلم ماديا ونفسيا ومعنويا يأثم أيضا. فعلينا أن نتكاتف جميعا لصناعة طالب العلم المتمكن المحقق، على الأمة أن تتكاتف من تجارها من أصحاب العقول وصناع القرار ومن الطلبة ومن المؤهلين. نتكاتف جميعا هكذا نحقق الإنجاز بإذن الله.

أخيرا، المبدأ العاشر والأخير إخواني: مسائل علم الفرائض. ومسائل العلم هي كل ما سندرسه في هذا العلم من مسائل الفرض والتعصيب والحجب والمناسخات وميراث الغرقى وميراث الحمل والرد إلى غير ذلك من المسائل التي نمر عليها بإذن الله خلال هذه المنظومة. فهذه هي مسائل العلم وهكذا نكون مررنا على المبادئ العشرة: إن مبادئ كل فن عشرة الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل والبعض بالبعض اكتفى ومنذر الجميع حاز الشرف.

وأنتم عرفتم جميع المبادئ، فأسأل الله أن أكون أنا وأنتم ممن حاز الشرف في تحصيل هذا العلم وتحقيقه. طيب، نذهب الآن إخواني إلى أول مسألة من مسائل علم الفرائض، هذه المسألة لم يتكلم عنها الفارضي رحمة الله عليه في منظومته، فهي مسألة في الحقيقة سابقة على المواريث لكنها تتعلق بها وسنتعرف عليه الآن إن شاء الله بالتفصيل. لذلك سأشرح هذه المسألة أولا ثم بعد ذلك أقرأ مقدمة الفارض في منظومته ثم ندرج في تعلم مسائل الفرائض معه، إذا رويدا.

هذه المسألة الأولى إخواني هي المسألة التي تتكلم عن ما هي الحقوق المتعلقة بالتركة. إذا مات الإنسان وخلف وراءه مالا، هذا المال هناك عدة حقوق تتعلق به، هناك عدة حقوق تتعلق به. الميراث واحد من هذه الحقوق لكن هناك عدة حقوق تتعلق به.

إذا تصورتم القضية، إذا مات الإنسان وترك مالا هذه التركة، هناك عدة حقوق تتعلق بها. بما أن هناك عدة حقوق تتعلق بالتركة علينا أن نعرف كيف نرتب هذه الحقوق أولا بأول، يعني ما هو الحق الأول الذي يجب أن نقدمه؟ فإذا فرغنا منه انتقلنا الحق الثاني، إذا فرغنا منه انتقلنا إلى الحق الثالث، إذا فرغنا انتقلنا إلى الحق الرابع ثم ننتقل إلى الحق الخامس.

فالحقوق المتعلقة بتركة الإنسان الذي توفاه الله خمسة. الحقوق المتعلقة بتركة الإنسان الذي توفاه الله خمسة: الحق الأول: حق تجهيز الميت من التركة كفنا وقبرا وتغسيلا وما شابه ذلك. الحق الثاني: الديون التي هي في ذمة الميت، فهذه الديون يجب أن تؤدى من التركة. وتنقسم هذه الديون إلى قسمين كما سيأتي معنا: ديون اللي هي أو حقوق متعلقة

بعين التركة، وحقوق مرسلة لا تتعلق بالعين، وإنما هي في ذمة المتوفى عموماً. إذاً، عندنا مؤنة التجهيز، وهناك الديون المعينة والمرسلة، وهناك وصايا أوصى بها الميت قبل أن يتوفاه الله تؤدى بهذه التركة، وهناك الميراث.

فبالتالي نتج، أنا لسا ما تكلمت عن الترتيب، أنا الآن فقط أصور لك الحقوق التي تتعلق بتركة الإنسان. هناك مؤنة التجهيز له حتى يدفن، وهناك الديون التي تتعلق بعين تركته، وهناك الديون المرسلة التي تتعلق بذمته، وهناك الوصية، وهناك الإرث.

الآن، إخواني، كيف ترتب هذه الحقوق؟ وما الذي يجب أن يبدأ به منها؟ السادة الحنابلة، رحمة الله عليهم، يرون هذا الترتيب أو بهذه الصورة، أن هناك خلاف في الحقيقة بين الحنابلة وبين غيرهم، وكل ما أقرره في الدورة أنا أقرر قُولاً واحداً على مذهب الحنابلة حتى يستريح الطالب ولا تشتت بكثرة الأقوال. فما نقرره عندنا في المذهب أن ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة بهذه الصورة: أول حق يجب أن يفعل بالتركة وأن يخرج منها هي مؤنة تجهيز الميت.

بدنا نفرض، إخواني، أن إنسان مات ولم يخلف وراءه إلا عشرة دنانير، بس هذه كل ميراثه عشرة دنانير. الآن، أي حق من الحقوق سيفعل بهذه العشرة دنانير أولاً؟ مثلاً، هذا الإنسان اسمه زيد، مات وترك عشرة دنانير فقط، نحتاج إلى مؤنة لتجهيزه حتى يدفن، وعليه حقوق متعلقة مثلاً اه بعين تركته، أو هناك ديون في ذمته عموماً، وهناك وصية قد أوصى بها بهذا المال. فهل ننفذ أولاً وصيته؟ قال: لا. هل نؤدي الديون التي عليه؟ كلا.

أول شيء نفعله، نذهب إلى مؤنة تجهيزه، فننظر كم يحتاج زيد آآ من سعر كفن، حتى يحفر له قبر، بعض الأمور التي تتعلق بقضايا الدولة، تجهيز مثلاً أوراق رسمية أو ما شابه ذلك. الأمور التي تتعلق بمؤنة تجهيزه هي التي تخرج من العشرة دنانير أولاً. طيب، إذا استغرقت مؤنة التجهيز العشرة دنانير، خلاص، انتهى، ما عنده غير هذه العشرة دنانير وصرفناها في أولى الحقوق وهي تجهيزه. هذا من باب تكريم الميت.

فلو أن هذا الإنسان، يا إخوان، ذهبنا لنؤدي الديون عنه ولا نجد من يدفع عنه مؤنة التجهيز، كيف سيدفن؟ إشكالية. فبالتالي الحنابلة، رضوان الله عليهم، قالوا: أول شيء علينا أن نكرم هذا الإنسان الميت فنقوم بدفنه، ثم بعد ذلك ننظر في باقي الحقوق عليه، وإلا فابتداء ننظر في دفنه فنخرج مؤنة التجهيز من المال الذي تركه وراءه.

ممتاز. الخطوة الثانية: إذا انتهينا من إخراج مؤنة التجهيز وبقي مال كثير بعد ذلك، نبدأ ننظر ثانيا في الحقوق المتعلقة بعين التركة. طيب، أعطيكم مثالاً تقريبياً حتى تفهموا ما الفرق بين الحقوق المتعلقة بعين التركة وبين الثالث وهو الديون المرسلة.

إخواني، زيد ذهب إلى محمد فطلب منه قرض خمسة آلاف دينار، فمحمد ماذا قال لزيد؟ قال: أنا لا أعطيك خمسة آلاف دينار حتى تعطيني هذه السيارة التي لك رهناً، أريد رهناً. فزيد مضطر، فقال له: خذ هذه السيارة وأعطيني الخمسة آلاف. فوضع السيارة رهناً عند محمد وأخذ منه الخمسة آلاف، فأصبح محمد يريد من زيد خمسة آلاف وقد أخذ رهناً مقابل هذا الدين وهو السيارة. جيد.

ثم بعد ذلك بعد شهر زيد احتاج لمال آخر، فذهب زيد إلى شخص آخر اسمه خالد، فهنا زيد قال لخالد: يا خالد، ترى أنا أحتاج قرض. قال له خالد: كم؟ قال له زيد: أُريد ألفاً. فخالد، جزاه الله خيراً، ما طلب رهناً من زيد، قال: خلاص، خذ ألفاً ولما تتيسر معك ردها. فأخذ زيد هذه الأالف من خالد. الآن زيد عليه دينان: عليه دين تجاه محمد خمسة آلاف دينار وهناك سيارة مرهونة له عند محمد، وهناك دين آخر عليه تجاه خالد وهو بألف دينار. جميل.

الآن مات زيد، رحمة الله عليه، قبل أن يقضي هذا الدين وهذا الدين، توفاه الله. فالآن يأتي علماء الميراث أو علماء الفقه، نقول إلى تركة زيد، فأول شيء يأخذون من تركة زيد مؤنة تجهيزه كما ذكرنا، فجهزوا زيد وغسلوه وكفنوه ودفنوه. الآن المال المتبقي، إيش عنده مال متبقي؟ اه، قالوا: عنده سيارة، عند زيد المتوفى سيارة. أين هذه السيارة؟ والله هذه السيارة مرهونة عند محمد مقابل الدين الخمسة آلاف.

فالآن زيد توفاه الله سبحانه وتعالى وأخذوا مؤنة التجهيز وجهزوه، ولم يوجد في ميراثه إلا هذه السيارة، ونريد أن نسد الديون التي في ذمته، لأن نفس المؤمن معلقة بدينه وهو في القبر حتى يقضى عنه، الأمر شديد فيما يتعلق بالدين، والإنسان يبقى في قبره كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: نفسه معلقة حتى يقضى عنه الدين. نحن نريد أن نخلص زيداً من الديون التي عليه وهو الآن في قبره.

لكن السؤال: زيد لم يترك إلا سيارة، هذه السيارة سنبيعها، لكن من الذي سيأخذ دينه ابتداءً؟ محمد ولا خالد؟ اه، قال العلماء: محمد يأخذ دينه قبل خالد، ليه؟ لأن محمد حقه يتعلق بعين السيارة، حقه يتعلق بعين السيارة، لأنه محمد لماذا أخذ السيارة رهناً؟ حتى إذا زيد عجز عن أن يدفع الدين فإن محمد سيقوم ببيع السيارة ويأخذ دينه من خلاله، فلذلك محمد طلب الرهنا.

أما خالد فلم يطلب رهناً، فبالتالي خالد دينه معلق بذمة زيد عموماً، ولذلك يقولون: دين خالد دين مرسل، دين خالد دين مرسل لأنه لم يقيده برهن، واما دين محمد لا، دين متعلق بعين التركة، لأنه قيد دينه ابتداءً برهن وهو عين هذه السيارة، فهو أحق بثمن السيارة أن يقضى منه دينه من خالد.

فبالتالي لاحظوا، إذا كان هناك شخص يتعلق حقه بعين التركة، وهذا هو المثال المشهور، الشخص الذي له دين على المتوفى وقد اخذ منه رهناً، فهذا يكون حقه متعلق بعين التركة لأنه أخذ هذا الرهن حتى يحفظ حقه، فحقه مقدم على أصحاب الديون المرسلة الذين لم يقيدوا ديونهم برهن. جميل؟

فإذا فرغنا، مثلاً بعنا هذه السيارة، والله هذه السيارة ما شاء الله جابت سبعة آلاف، هذه السبعة آلاف، زيد محمد كم كان بده من زيد؟ خمسة، فأعطينا محمد الخمسة اللي هي دينه وانتهى الأمر، وزاد ألفان. اه، هنا الآن نذهب إلى المرحلة الثالثة، نقول لخالد: تفضل، هذه الألف التي كنت تريدها من زيد الذي توفاه الله.

فأولاً انتهينا من دين محمد لأن دينه متعلق بعين التركة بالسيارة، ثم بعد ذلك فرغنا من دين خالد لأن لدينا هدين مرسل مطلق معلق في ذمة زيد، لكن مطلق لم يقيد برهن.

إذا فرغنا من الديون المعينة والمرسلة، والحمد لله، فضل مال، وجد مال كثير لهذا المتوفى، أها، نذهب إلى تنفيذ وصيته. فقبل أن نقسم الميراث نبدأ في تنفيذ وصيته به، أنا ساختم إن شاء الله بهذه المسألة، لا تقلقوا، نذهب إلى تنفيذ وصيته فننظر: هل زيد الذي توفاه الله هل كان أوصى بشيء لأحد؟ فإذا كان أوصى بشيء لأحد فإنها تنفذ الوصية.

طبعاً هناك أحكام للوصية، أنه يجب أن تكون الوصية لا تتجاوز ثلث المال، وألا تكون الوصية لوارث إلا برضا الورثة، فهناك أحكام تتعلق بالوصايا، الوصية ليست مفتوحة بل هناك أحكام وضوابط لها تدرس في باب الوصايا.

إذا فرغنا من إنجاز الوصية، حينئذ ننظر في المال المتبقي بعد مؤنة تجهيز المتوفى، وبعد أداء الحقوق المتعلقة بعين تركته، وبعد أداء الحقوق المرسلة، وبعد تنفيذ وصيته. بعد أن ننهي كل هذه المراحل ننظر في المال المتبقي، فهذا الذي نقسمه على الورثة، فهذا الذي نقسمه على الورثة.

إذاً، إخواني، هل بمجرد أن يموت الإنسان يبدأ الورثة بتقسيم التركة؟ هذا خطأ كبير يفعله العوام اليوم، نسأل الله لنا ولهم الهداية. أبداً، علينا أن ننظر خطوة بعد خطوة، إذا مات الإنسان نقول لورثته: انتظروا، أولاً علينا أن نجهز هذا الميت من تركته. الآن إذا في واحد من الابناء أو من الاقارب تبرع بمؤنة التجهيز، جزاه الله خيراً.

لكن إذا ما حدا تبرع، من أين سنأخذ مؤونة التجهيز؟ من التركة. إذا فرغنا من مؤنة التجهيز، نقول لهم: انتظروا، لا تقسموا الميراث. علينا أن ننظر، هل هناك ديون متعلقة بعين التركة؟ يعني شخص يريد من هذا المتوفى مال وقد أخذ رهنا منه.

إذا وجدنا، علينا أن نعطي صاحب الحق حقه. طيب، إذا لم نجد إنسان صاحب حق متعلق بعين التركة، ننظر: هل هناك إنسان صاحب حق مرسل؟ يعني عنده دين عام على المتوفى، إن وجد نعطيه حقه قبل أن نفكر في الميراث.

إذا فرغنا من الخطوات الثلاث، نذهب إلى الوصية، ننجز الوصية إذا كانت شرعية وفق مراد الله سبحانه. بعد أن ننجز الوصية، حينئذ نبدأ نفكر كيف نقسم الميراث.

في المحاضرة القادمة بإذن الله أحبتي، سنبدأ ندرج رويداً رويداً في تعلم قواعد الميراث: من الذين يرثون؟ من الذين لا يرثون؟ ما هي أركان الإرث، أسباب الإرث؟ شروط الإرث، موانع الإرث، وغير ذلك من المسائل الشيقة بإذن الله.

نلقاكم على خير ومودة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.