السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى درسنا العاشر من التعليق على شرح منظومة لغة المحدث للشيخ طارق عوض الله حفظه الله.
أخذنا في الدرس السابق الحديث عن مجموعة من المصطلحات المستعملة من أحكام النقاد على الروايات المختلفة، منها مثلا الجمع بين الحسن والصحة: حسن صحيح، أو حسن صحيح غريب، أو حسن غريب.
وكذلك أخذنا مصطلحات مشهورة مثل مصطلح صالح، ومصطلح حجة، وثابت، وجيد، وتكلمنا عن دلالات هذه المصطلحات. واليوم بإذن الله تبارك وتعالى ندخل في التعليق على مصطلح مهم جدا صار مشهورا بعد الشيخين، بعد البخاري ومسلم، وهو مصطلح أن الحديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، أو على شرط أحدهما.
فنبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في التعليق على الكتاب نقرأ أولا ثم بعد ذلك نعلق. قال الشيخ حفظه الله: على شرط البخاري ومسلم، يقصد الشيخ أن من جملة الألفاظ المستعملة في التعبير عن الحكم على رواية معينة أن الرواية على شرط البخاري ومسلم.
يعني الشيخ ذكر مصطلح صالح، ومصطلح حجة، ومصطلح ثابت، ومصطلح جيد كمصطلحات يستعملها النقاد في الحكم على رواية معينة، فذكر من جملة هذه المصطلحات مصطلح على شرط البخاري ومسلم.
قال الشيخ حفظه الله: يكثر في كتب الحديث والتخريجات وغيرها مصطلح على شرط البخاري، أو على شرط مسلم، أو على شرط البخاري ومسلم، أو على شرطهما، أو على شرط الشيخين ونحوه.
وهذا المصطلح لم يكن معروفا بداهة قبل البخاري ومسلم، ولم يكن أيضا معروفا في عصرهما، بل لم يعرف إلا بعد عصرهما بفترة. ولعل أول من استخدم هذا المصطلح هو الإمام الدارقطني عليه رحمة الله، وذلك في كتابه الإلزامات، حيث ألزم الشيخين إخراج أحاديث لم يخرجاها وهي على شرطهما.
قال الدارقطني في أول هذا الكتاب: ذكر ما حضرني ذكره مما أخرجه البخاري ومسلم، أو أحدهما من حديث بعض التابعين، وترك من حديثه شبيها به ولم يخرجاه، أو من حديث نظير له من التابعين الثقات ما يلزم إخراجه على شرطهما ومذهبهما.
وقال في أثنائه، يعني في أثناء كتابه: ذكر أحاديث رجال من الصحابة رضي الله عنهم، رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم، رويت أحاديثهم من وجوه لا مطعن في ناقلين بها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئا، فيلزم إخراجهما على مذهبهما وعلى ما قدمنا ذكره، وما أخرجا أو أحدهما، ثم انتهى كلام الدارقطني.
قال الشيخ: ثم اشتهر هذا المصطلح بعد ذلك، فوجدنا الحاكم أبا عبد الله النيسابوري قد أكثر من استخدامه في كتابه المستدرك على الصحيحين، بل جعل أصل موضوع كتابه هذا، وقال في مقدمته بشأن شرط كتابه: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها، إذ لا سبيل إلى إخراج ما علة له، فانهما رحمهما الله لم يدعيا ذلك لأنفسهما.
قال الشيخ المعلمي اليماني: ولم يصب في هذا، فإن الشيخين ملتزمان ألا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة. فالدارقطني والحاكم في حكمهما على الحديث بكونه على شرط الشيخين، اتفقا في شرط واختلفا في شرط آخر.
اتفقا على أنه لا يشترط أن رواة الحديث هم من رواة الكتابين، وإنما يكتفى عندهما أن يكون هؤلاء مثل رواة أخرج لهم الشيخان من حيث الثقة، واختلفا في اشتراط السلامة من العلة، فالدارقطني يدل كلامه على اشتراط السلامة من العلة، بينما كلام الحاكم صريح في عدم اشتراط ذلك، ولا شك أن هذا من الأسباب القوية التي أدت إلى كثرة الأحاديث المعلولة في المستدرك.
انتهت هذه المقدمة من الشيخ حفظه الله ليدخل في الحديث عن معنى مصطلح على شرط البخاري ومسلم. ويمكن هنا أن نعلق تعليقا مختصرا حتى ندخل به في الموضوع.
أولا: الإمام البخاري ومسلم ألف كل واحد منهما كتابا، سمى هذا الكتاب الجامع. وكتب الجوامع غير كتب السنن، وغير كتب المسانيد، وغير كتب المستدرك والمستخرج. كتب الجوامع يعني أن صاحب الكتاب يجمع الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في كل أبواب الدين؛ في باب العلم، والطهارة، والإيمان، والزكاة، والصلاة، والحج، والنكاح، والمعاملات، والمغازي، والسير، وغير ذلك.
أما كتب السنن فهي تخص أحاديث الأحكام أو الفقه. كتب الجوامع هذه أججلها الصحيح: إن كتاب الجامع الصحيح المختصر المسند من سنن النبي صلى الله عليه وسلم أيامه للإمام البخاري، وكذلك كتاب الجامع للإمام مسلم.
الإمام البخاري لم يصرح بشرطه في كتابه، لكنه علم بالاستقراء أن الإمام البخاري انتقى أحاديث كتابه من أصح الأحاديث التي حفظها، فجعل في كتابه هذا أصح ما عنده ورتبه على الابواب.
لكن شرط الإمام البخاري هو شرط الحديث الصحيح، فربما يخرج لراو متكلم فيه نعم، لكنه يتأكد أن هذا الراوي ضبط تلك الرواية بعينها، يعلم ذلك بمقارنة رواية الراوي بمن شاركه هذا الراوي أو تابعوه عن ذلك الشيخ.
إذا شرط الإمام البخاري وشرط الإمام مسلم هو نفس شرط الحديث الصحيح. فلما جاء الإمام الدارقطني بعدهما أراد أن يلزمهما باخراج بعض الأحاديث التي لم يجدها موجودة في كتابيهما، فكأنه يقول لهما: هذه أحاديث توفر فيها نفس الشروط التي اشترطتموها لإخراج الحديث في كتابيكما، فكان ينبغي عليكم أن تخرجاها.
لكن الإمام الدارقطني -لأنه إمام كبير في علم العلل- فكان شرطه في كتابه هذا، كتاب الإلزامات وهذا الكتاب طبع مع كتاب آخر اسمه التتبع، الفرق بين الإلزامات والتتبع أن الإلزامات يلزم الشيخين إخراج أحاديث لم يخرجوا مثلها، أو لم يخرجوا ما يغني عنها.
يعني أنهم وإن خرجوا أحاديث لهؤلاء الرواة، لكنهم لم يخرجوا أحاديث تعوض هذه الأحاديث التي ألزمهم بها الإمام الدارقطني. فالدارقطني يلزمهما بإخراج هذه الروايات، يقول لهم: كان ينبغي عليكما أن تخرجا هذه الروايات، فإنها قد تحقق فيها نفس الشروط التي اشترطتموها، وكذلك لم تخرجوا ما ينوب عنها.
فالإمام الدارقطني -لأنه إمام كبير في علم العلل- كانت كتابه في الإلزامات قويا، أقوى بكثير جدا من كتاب مستدرك الحاكم. والحاكم هو تلميذ الدارقطني، لكن كتابه المستدرك لم يكن شرطه فيه شرطا قويا، بل كان فيه نوع تساهل في هذا الكتاب، فجاء في كثير من الروايات يعني جاءت روايات موضوعة، وروايات شديدة الضعف، وروايات منكرة، وقليل جدا منها هو الذي يمكن أن يكون صحيحا.
فضلا عن أن يكون على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما. المهم هنا أن مصطلح صحيح على شرط البخاري ومسلم فيه جزئان: الجزء الأول: الحكم على الحديث بكونه صحيحا، والجزء الثاني: أن هذا الحديث كذلك يصح أن يدخل في كتاب البخاري ومسلم أو أحدهما.
لأن المصطلح يمكن أن يكون صحيح على شرط البخاري، أو صحيح على شرط مسلم، أو صحيح على شرط البخاري ومسلم، أو صحيح على شرط الشيخين، هكذا يستعمل النقاد في الحكم على رواية إذا أرادوا أن يلحقوها بالصحيحين.
إذا هنا فكرة أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين تحتاج من الطالب أن يعرف أولا من هم الشيخ وما شرطهما في الكتاب؟ وهل هذا الحديث بالفعل تحقق فيه هذه الشروط أم لا؟
الشيخ هنا لم يتكلم إلا عن كتاب الدارقطني، وهو كتاب الإلزامات، وتكلم كذلك عن كتاب المستدرك، لكنه علق على كلام الحاكم في المستدرك أن الحاكم يقول
في صفحة مائة ثلاثة وتسعين، قال الحاكم في المقدمة: يشتمل على الأحاديث المروية بأسانيد يحتج محمد بن إسماعيل ومسلم بن الحجاج بمثلها؛ إذ لا سبيل إلى إخراج ما لا علة له، فإنهما رحمهما الله لم يدعي ذلك لنفوسهما. يعني كأنه يقول: إن الأحاديث يمكن أن يكون فيها علة ويخرجها.
فالمعلمي اليماني -طبعا- استدرك عليه ذلك وبين أن هذا خطأ، قال: لم يصب في هذا، يعني لم يصب الحاكم في هذا، فإن الشيخين ملتزمان ألا يخرجا إلا ما غلب على ظنهما بعد النظر والبحث والتدبر أنه ليس له علة قادحة. العلة هي الخطأ، وكل علة في الرواية هي قاضية قادحة، ليس هناك علة غير قادحة؛ لأن الراوي إذا روى الرواية على غير الوجه الذي تحمله فهذه علة قادحة، حتى لو كان الراوي أبدل راوياً ثقة بثقة آخر.
يعني بعض الناس يقول: هناك علة غير قادحة، وهي إذا كانت الرواية مثلاً فيها سفيان الثوري، فأبدل الراوي فجعل مكانه سفيان بن عيينة. فيقولون: هذه علة غير قادحة لأنه إبدال ثقة بثقة. هذا ليس صحيحاً، هي علة قادحة؛ لأن الراوي كان ينبغي أن يروي الرواية كما تحملها، فبالتالي هذه العلة علة قادحة. ليس في علوم الحديث أو في علم علل الحديث علة غير قادحة، كل علة لابد أن تكون قادحة في رواية الراوي، وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لذلك.
ثم ذكر الشيخ أن الدارقطني والحاكم اتفقا على شيء، وهو أن يخرج يعني نظير ما خرج البخاري ومسلم، ولا يلزم أن يكون نفس الرواة، المهم أن هذا الحديث تحقق فيه الشروط التي يشترطها الشيخان لإخراج حديث ما، واختلفا في شرط، وهو السلامة من العلة؛ فالدارقطني يعتني بمسألة العلة ويعتني بنقد الرواية قبل أن يلحقها أو يلزم بها البخاري ومسلماً، أما الحاكم فانه لا يعتني بذلك، ولذلك جاء في كتابه روايات منكرة بل روايات موضوعة.
نكمل إن شاء الله، احنا في صفحة مائة وخمسة وتسعين. قال الشيخ: هذا فضلاً عن أن الحاكم لم يوفِ حتى بشرطه في كتابه، فهو فيه ضعفاء وهلكى، وأحاديث منكرة وموضوعة. وقد أشار إلى ذلك في الألفية قائلاً: وكم به تساهل حتى ورد فيه مناكر وموضوع يرد. يعني السيوطي يبين أن كتاب الحاكم هو المستدرك على الشيخين، فيه تساهل كثير جداً حتى إن به أحاديث منكرة وأحاديث موضوعة مردودة.
قال الشيخ: وقد قال الحافظ ابن حجر: ينقسم المستدرك أقساماً، كل قسم منها يمكن تقسيمه؛ الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجاً بروايته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع، سالماً من العلل. ولا يوجد في المستدرك حديث بهذه الشروط لم يخرجا له نظيراً أو أصلاً إلا القليل. نعم، فيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما، استدركها الحاكم واهماً في ذلك ظناً أنهما لم يخرجاها.
يعني نحاول أن نذكر كل قسم ونعلق عليه بشيء مختصر. الحافظ ابن حجر رحمه الله يريد أن يقيم الحاكم في كتابه؛ الحاكم هنا يستدرك على الشيخين، يعني يقول: كان ينبغي للبخاري ومسلم أن يخرجا هذه الأحاديث في الصحيحين، لكنهما لم يخرجا. فالحافظ ابن حجر يقول: الحاكم كتابه هذا يمكن أن نقسم الأحاديث الموجودة فيه أقساماً؛ القسم الأول: أن يكون إسناد الحديث الذي يخرجه محتجاً برواته في الصحيحين أو أحدهما على صورة الاجتماع سالماً من العلل.
يعني القسم الأول هو أحاديث صحيحة، توفر فيها شرط الشيخين، لكن هذه الأحاديث موجودة أصلاً في الشيخين، فهي استدراك الحاكم وهم من الحاكم، واضح. قال: نعم، فيه جملة مستكثرة بهذه الشروط، لكنها مما أخرجها الشيخان أو أحدهما، استدركها الحاكم واهماً في ذلك ظناً أنهما لم يخرجاها. فهذا هو القسم الأول من كتاب مستدرك الحاكم.
القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرج لجميع رواته، لا على سبيل الاحتجاج، بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق، أو مقروناً بغيره. ويلتحق بذلك ما إذا أخرج لرجل وتجنب ما تفرد به أو خالف فيه. وهذا القسم هو عمدة الكتاب.
القسم الثاني من كتاب الحاكم يمكن أن نشرحه كالتالي: الإمام البخاري مثلاً يا شباب، حينما يخرج لراو من الرواة، فانه يعتني جداً بنقطة جوهرية، وهي أن هذا الراوي لابد أن يكون ثقة في ذلك الشيخ الذي روى عنه. اخذنا قبل ذلك في الدروس السابقة أن الراوي يمكن أن يكون ثقة في بعض شيوخه، ويكون ضعيفاً في بعض شيوخه، واضح. مثلاً معمر بن راشد هو ثقة ثبت في روايته عن الزهري، وثقة في روايته عن يحيى بن كثير، لكنه يخطئ كثيراً في روايته عن قتادة وأيوب والأعمش وأبي إسحاق السبيعي، إذاً هو ثقة في رواة وضعيف في رواة آخرين.
فإذا أراد الإمام البخاري أن يخرج حديثاً لمعمر فله حالات؛ أما أن يختار المشايخ الذين يرى أن معمراً قوياً فيهم مثل الزهري ويحيى بن أبي كثير مثلاً، أو يخرج لمعمر الروايات التي تأكد أن معمراً أصاب فيها، واضح؟ ففي كل الحالات لا يحكم فقط حكماً مجملاً على معمر أو على أي راو غيره، وإنما يركز في أن معمراً أصاب في تلك الرواية بعينها.
ما دلالات ذلك؟ دلالات ذلك أن إخراج البخاري لراو من الرواة لا يعني ذلك أن البخاري يصحح كل روايات ذلك الراوي، بل يمكن أن يكون البخاري انتقد أو أعل رواية معينة لذلك الراوي أخطأ فيها عن شيخ معين. الحاكم هنا رحمه الله ماذا يفعل؟ يأتي مثلاً إلى إسناد من الأسانيد، مجرد ذكر الراوي في كتاب البخاري يجعل الحاكم يخرج لهذا الراوي الحديث، دون أن ينظر: هل هذا الراوي ثقة عمن روى عنه؟ هل هذا الراوي أصاب في رواية عن شيخه أم لا؟
فنقرأ الجملة مرة ثانية ونحاول أن نفك ألفاظها: قال القسم الثاني: أن يكون إسناد الحديث قد أخرج لجميع رواته. يعني كل الرواة الموجودين في هذا الإسناد نعم أخرج لهم البخاري ومسلم، لا على سبيل الاحتجاج -يعني ما معنى الاحتجاج يا شباب؟ الاحتجاج هو أن يكون الراوي حجة يصح أن يحتج بتفرده، يعني أن هذا الراوي لو انفرد برواية نقبل تفرده- لكن البخاري ومسلم رويا لهذا الراوي في الشواهد والمتابعات والتعاليق، يعني في الأحاديث المعلقة.
فإذا كان البخاري مثلاً أو مسلم اختار راوياً من الرواة فخرج له استشهادا أو استئناساً، أو في المتابعات، يعني أنه لم يعتمد عليه، وإنما اعتمد على غيره وذكر هذا الراوي استشهادا، فلا يصح هنا أن نصحح كل روايات الراوي على شرط البخاري أو على شرط مسلم، هذا خطأ؛ لابد أن نتأكد أن هذا الراوي أصاب في تلك الرواية ولم يخطئ.
فقال: أو مقروناً بغيري، يعني أن يكون الراوي مقروناً بغيره من الرواة، واعتمد البخاري على غيره ولم يعتمد على ذلك الراوي بعينه عن ذلك الشيخ. قال: ويلتحق بذلك ما إذا أخرج لرجل وتجنب ما تفرد به أو خالف فيه. وهذا القسم هو عمدة الكتاب، يعني أن أغلب ما في كتاب الحاكم من الأحاديث التي استدركها على الشيخين هو من هذا الصنف. يأتي الحاكم إلى راو أخرج له البخاري ومسلم أو أحدهما حديثاً في الشواهد أو المتابعات أو التعليق أو مقروناً بغيره، أو انتقيا له من الأحاديث ما أصاب فيه وتجنب ما تفرد به، فيأتي هو إلى كل روايات هذا الراوي أو بعض روايات هذا الراوي ويصححها ويستدركها على البخاري ومسلم. وهذا خطأ، لماذا يا شباب خطأ؟ لأن البخاري ومسلماً أو أحدهما إذا خرجا لراو فإنهما ينتقيان لهذا الراوي ما تأكدا أنه أصاب فيه.
قال القسم الثالث: أن يكون الإسناد لم يخرجا له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات.
وهذا قد أكثر منه الحاكم، فيخرج أحاديث عن خلق ليسوا في الكتابين، ويصححهما، لكن لا يدعي أنها على شرط واحد منهما، وربما ادعى ذلك على سبيل الوهم. وكثير منها يعلق القول بصحته على سلامتها آآ مين بعض رواتها، ومن هنا دخلت الآفة كثيرا فيما صححه، وقل أن تجد في هذا القسم حديثا يلتحق بدرجة الصحيح، فضلا عن أن يرتفع إلى درجة الشيخين والله أعلم.
القسم الثالث في القسم الأول يخرج يعني خلينا نراجع عشان نذكر القسم الثالث وتتصوره، نحن الآن نتكلم عن كتاب مستدرك الحاكم، الحاكم رحمه الله أراد أن يستدرك أحاديث على الشيخين. ما معنى يستدرك يا شباب؟ يعني يقول يا بخاري يا مسلم، أنتما خرجتما أحاديث في كتابيكما، وتركتما آآ مجموعة من أحاديث كان ينبغي أن تخرج في كتابيكما، واضح؟ فهو يستدرك هنا.
طيب هذا الذي يستدرك يمكن أن يصيب ويمكن أن يخطئ، واضح؟ فالحافظ ابن حجر باستقرائه لكتاب المستدرك يقول: يمكن أن نقسم هذا الكتاب إلى أقسام، القسم الأول من كتاب مستدرك الحاكم هو أحاديث فعلا آآ خرج البخاري بنفس هذه الأسانيد روايات، واضح؟ لكن هذه الروايات بالفعل موجودة في كتاب البخاري ومسلم، فاستدراك الحاكم عليهما خطأ وهم، لأن الأحاديث موجودة بالفعل فكيف تستدركها؟ واضح؟ فهذا قسم. ومنها يعني ما يصح أن يستدرك لكنه قليل جدا.
طب القسم الثاني، وهو عمدة الكتاب، يأتي الحاكم إلى أحاديث، هذه الأحاديث لرواة متكلم فيهم، واضح؟ لكنهم بالفعل موجودون في البخاري ومسلم، أو آآ فيهما جميعا، لكن هؤلاء الرواة حيث أخرج البخاري أو مسلم آآ حديثا لهم، كان ينتقي من هذه الأحاديث ما تأكد أنهم ضبطوه واتقنوه، واضح؟ أو يخرج لهم في المتابعات والشواهد، أو يخرج لهم مقرونين بغيرهم من الرواة، فبالتالي هو لم يعتمد عليهم. إذاً، إخراج البخاري ومسلم أو أحدهما حديثا لراوي متكلم فيه، لا يقتضي أنهما يصححان كل أحاديث ذلك الراوي، فضلا عن أن تجعل على شرطهما.
القسم الثالث، القسم الثالث أن آآ أن يكون الإسناد لم يخرج له لا في الاحتجاج ولا في المتابعات، يعني الرواة ليسوا موجودين لا في البخاري ولا في مسلم، واضح؟ والحاكم يخرج هذا كثيرا، لكنه أحيانا لا يقول هذا صحيح على شرط البخاري ومسلم. قال الحافظ ابن حجر: إن هذه الأحاديث فيها أحاديث كثيرة جدا لا تلتحق بدرجة الصحيح، فضلا عن أن يقال فيها إنها صحيحة على شرط الشيخين. فخلاصة هذا الأمر أن كتاب مستدرك الحاكم آآ لم يعني يكن كتابا قويا في الاستدراك على الشيخين، وعامة ما في أو أغلب ما فيه آآ ليس آآ صحيحا، فضلا عن أن يكون على شرط البخاري ومسلم.
ندخل هنا في شرح شرط البخاري ومسلم آآ، نقرأ إن شاء الله كل كل شرط من هذه الشروط، وبعد كده آآ نعلق عليه إن شاء الله. قال الشيخ حفظه الله: واما شرط الشيخين فاعلم أن البخاري ومسلما لم ينقل عن واحد منهما أنه قال: شرطت أن أخرج في كتابي ما يكون على الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتابيهما، فيعلم بذلك شرط كل رجل منهما. الشيخ طبعا نقل هذه العبارة عن شروط الأئمة لابن طاهر. اللهم إلا ما ذكره الإمام مسلم، هذا كلام الشيخ، اللهم إلا ما ذكره الإمام مسلم عليه رحمة الله في مقدمة صحيحه في مسألة عنعنة المعاصر من الاكتفاء من غير المدلس بالمعاصرة مع إمكان اللقاء. وليس يخفى أن شرطهما على سبيل الإجمال هو نفس شرط الصحيح المتفق عليه عند علماء الحديث، وهو الحديث الذي اتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة.
آآ يعلق هنا فقط على فكرة أن أن الشيخين لم يذكرا شرطهما، الشيخ يريد أن يقول إن الشيخين لم يصرحا في في كتابيهما أو في أي كتاب آخر أن شرطهما في الكتاب كذا وكذا، وإن كان الإمام مسلم جاءت له إشارات واضحة جدا في مقدمته وسنقراها إن شاء الله تبارك وتعالى آآ في استقراء كتب الأئمة المتقدمين، جاء عنه أنه ذكر شيئا من شرطه في كتابه. قال: إلا ما ذكر الإمام مسلم في في مقدمة صحيحه في مسألته عنعنة المعاصر من الاكتفاء من غير مدلس بالمعاصرة مع إمكان اللقاء.
يقصد المسألة التي تكلمنا عنها، وهي إذا كان الراوي آآ روى عن شيخه بلفظ عن، لم يقل حدثنا أو سمعته أو أخبرنا، آآ فهل تحمل على الاتصال أم لا؟ فذكر أن الإمام مسلم رحمه الله قال: يشترط أن يكون الراوي غير مدلس، وأن يكون معاصرا واللقاء بشيخه يكون ممكنا، فبذلك نحكم لهذه العنعنة بأنها متصلة كأنه قال حدثنا أو أخبرنا. وسيأتي إن شاء الله مزيد تفصيل لهذه الجزئية.
آآ ثم قال الشيخ: شرط الشيخين هو نفس شرط الحديث الصحيح، أن يكون الإسناد متصلا، كل راوي تحمل الرواية عمن روى عنه بطريقة صحيحة من طرق التحمل المعتبرة، وأن يكون آآ الرواة آآ ثقات حفاظ يعني كلمة ثقة يعني جمعوا بين العدالة والضبط، الصدق والحفظ، وآآ يكون هذا الشرط متحققا في من أول الإسناد إلى آخره، ولا يكون الحديث شاذا ولا معللا، يعني لا يثبت فيه خطأ أيا كان نوع هذا الخطأ.
قال الشيخ: يقول الحافظ ابن الصلاح رحمه الله: شرط مسلم في صحيحه أن يكون الحديث متصل الإسناد بنقل الثقة عن الثقة من أوله إلى منتهاه، سالما من الشذوذ ومن العلة، وهذا هو حد الصحيح في نفس الأمر. إلا أن أكثر العلماء الذين اطلقوا هذا المصطلح لا يحكمون على حديث ما بأنه على شرط الشيخين أو أحدهما إلا بمراعاة اختيارهما للرواة والكيفية التي التزماها في الإخراج لهم. ويمكن تلخيص شرائط الحكم على الحديث بأنه على شرطهما أو شرط أحدهما اعتمادا على أقوال وأفعال العلماء المحققين على النحو التالي.
نحن الآن يا شباب سنتحدث عن معنى كون الحديث على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما، نتصور المسألة يا شباب، نتصور المسألة أن الإمام البخاري لما صنف كتابه وضع فيه مجموعة من الأحاديث، فجاء شخص بعد البخاري مثلا آآ بعشرين سنة أو بمائة سنة، فقال للبخاري: هذه الأحاديث ليست موجودة في كتابك، لكنها تحقق فيها نفس الشروط التي اشتراطتها في الأحاديث التي خرجتها في كتابك، فكأنه يستدركها عليه أو يلزمه بها، فلذلك جاءت هذه الكتب باسم الإلزامات أو المستدرك، واضح يا شباب؟
طيب هذا الرجل الذي استدرك على البخاري ومسلم أو أحدهما، يمكن أن يصيب في حكمه ويمكن أن يخطئ. نحن حتى نفهم هذه المسألة نحتاج أن نعرف ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر في الحديث الذي يقال فيه إنه على شرط بخاري أو مسلم أو آآ على شرطهما جميعا، واضح يا شباب؟
طيب الشرط الأول: أن يكون رواة هذا الإسناد قد خرج لهم الشيخان أو أحدهما في الصحيحين، ولا يكتفى بأن يكونوا من حيث الثقة مثل رواة الكتابين؛ فإن هؤلاء وإن كان يسمى حديثهم صحيحا إذا تحققت فيه بقية شرائط الصحيح، إلا أنه لا يرقى آآ إلى أن يكون على شرطهما. يعني إيه يا شباب هذا الشرط؟ إذا قال شخص مثلا هذا الإسناد أو هذا الحديث ينبغي أن يلحق بالبخاري ومسلم أو أحدهما، فنحن نقول له آآ ينبغي أن يكون بداية وانت تبحث في هذا الحديث، ينبغي أن يكون نفس هؤلاء الرواة قد أخرج لهم البخاري ومسلم أو آآ أحدهما حتى تلحقه بالكتاب، واضح؟ لا يكتفى بأن يكون الراوي آآ ثقة فتقول ينبغي أن يكون حديثه في الصحيحين، لأ، يجب أن يكون البخاري مسلمون قد أخرجا لهذا الراوي وارتضيا هذا الراوي، فهذا هو الشرط الأول.
آآ طبعا المقصود يا شباب أن يخرج له الشيخان في الصحيحين وليس في الكتب الباقية؛ لأن مثلا الإمام مسلم له كتاب التمييز، والبخاري له كتاب الأدب المفرد، وله كتاب آآ مثلا آآ في الدعاء، وله كتاب في خلق أفعال العباد، وغير ذلك من الكتب، لا، نحن نريد أن يكون البخاري فرج له في الصحيح، واضح؟ أن يريد الإمام مسلم أن يكون خرج له في الصحيح.
الشرط الثاني أن يكون رجال هذا الحديث ممن أخرج لهم الشيخان أو أحدهما احتجاحاً لا في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقروناً. واضح يا شباب؟ نفهم هذه الجزئية. نحن عندنا -يا شباب- الإامام البخاري مثلاً، إذا أخرج لراو من الرواة، فإنه يمكن أن يخرج له ويعتمد على روايته؛ يعني يحتج بروايته. يعني أن هذا الراوي وحده يكفي لأن يخرج له البخاري ويستنبط منه حكماً من حديثه.
فمثلاً إذا أخرج عن الزهري، فإنه يخرج له رواية معمر، أو سفيان بن عيينة، أو مالك، أو عقيل، أو شعيب، أو أي واحد من هؤلاء الثقات. إذا أخرج مثلاً عن الأعمش، فإنه ينتقي أوثق الرواة عنه، مثل شعبة والثوري ويحيى القطان، وأيضاً أبو معاوية الضرير مثلاً. إذا أخرج مثلاً لثابت البنانِي يخرج له عن حماد بن زيد مثلاً. طيب، عمرو بن دينار ينتقي له سفيان بن عيينة. وهكذا محمد بن سيرين ينتقي له أيوب؛ يعني يختار عن كل راو أوثق الرواة عنه.
واضح؟ لكنه أحياناً يأتي بشواهد ومتابعات لراو معين؛ يعني أنه مثلاً يأتي عنده راوي متكلم في روايته عن شيخ معين. واضح؟ وليكن مثلاً يونس بن يزيد الأيلي متكلم في روايته عن الزهري، فإذا أخرج عن الزهري رواية رواها عنه يونس، فإنه يأتي برواية أخرى تقوي هذه الرواية، تشهد أن يونس ضبط تلك الرواية. فحينئذٍ نقول: الإمام البخاري خرج ليونس عن الزهري في المتابعات والشواهد؛ يعني أنه لم يحتج به، وإنما روى له استئناساً أو استشهاداً.
إذاً -يا شباب- فرق بين أن يعتمد البخاري على راو في روايته عن شيخ معين، وبين أن يخرج له استئناساً أو استشهاداً أو مقروناً بغيره. فالشرط هنا أن الراوي الذي تريد أن تلحقه بالشيخين -يعني تقول إن هذا الراوي حديثه ينبغي أن يقبله البخاري ومسلم أو أحدهما- فحينئذٍ ينبغي أن يكون هذا الراوي روى له البخاري ومسلم في الأصول؛ يعني احتج به، ولا يُكتفى فقط بأن يكون خرج له استشهاداً أو استئناساً أو مقروناً بغيره. واضح؟
أو في التعاليق، هنا في نقل للإمام ابن القيم برضه أنا كتبته عشان نذكره. قال ابن القيم: لأن الشواهد والمتابعات يحتمل فيها ما لا يحتمل في الأصول. وقد استشهد البخاري في الصحيح بأحاديث جماعة وترك الاحتجاج بهم. يعني ابن القيم يقول -طبعا في كتابه الفروسية، وهذا الكتاب لابن القيم من الكتب المتميزة التي ذكر فيها ابن القيم فوائد حديثية كثيرة- يريد ابن القيم أن يقول إن البخاري يمكن أن يخرج في المتابعات لرواة لا يعتمد عليهم، لكنه فقط استشهد بهم أو استأنس بهم.
طيب، الشرط الثالث أن يكون الشيخان قد احتج برواية هذا الحديث جميعاً على نفس الكيفية. لكن إذا كان الحديث قد احتج برواته في الكتابين بصورة الانفراد، أو كان بعض رواة الحديث ممن احتج به البخاري فقط، والبعض الآخر احتج به مسلم فقط، فليس هذا الحديث على شرطهما ولا على شرط أحدهما. قال الحافظ ابن حجر: كسفيان بن حسين عن الزهري، فانهما احتجا بكل منهما على الانفراد؛ يعني احتج بسفيان بن حسين وبالزهري، لكن لم يحتج بسفيان عن الزهري، ولم يحتج برواية سفيان بن حسين عن الزهري؛ لأن سماعه من الزهري ضعيف دون بقية مشايخه.
فاذا وجد حديث من روايته عن الزهري لا يققال على شرط الشيخين؛ لأنهما احتجا بكل منهما، بل لا يكون على شرطهما إلا إذا احتج بكل منهما على صورة الاجتماع. وكذا إذا كان الإسناد قد احتج كل منهما برجل منه ولم يحتجا بآخر منه، كالحديث الذي يروى عن طريق شعبة مثلاً، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، فإن مسلما احتج بحديث سماك إذا كان من رواية الثقات عنه ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة دون سماك، فلا يكون الإسناد والحالة هذه على شرطهما، حتى يجتمع فيه صورة الاجتماع. وقد صرح بذلك الإمام أبو الفتح القشيري وغيره.
نشرح هذا -يا شباب- الشرط بمقدمة مهمة. احنا عندنا الراوي -يا شباب- مثلاً حتى نريد أن نحكم على هذا الراوي، كيف نحكم على هذا الراوي؟ نحكم على هذا الراوي من خلال أمور؛ منها: المشايخ الذين روى عنهم ذلك الراوي، هل هو ثقة في كل المشايخ الذين روى عنهم؟ يعني عندنا مثلاً حماد بن سلمة، هذا راو روى عن مشايخ كثيرين جداً، روى عن ثابت البناني وعلي بن زيد بن جدعان وروى عن أيوب، وروى عن قتادة، روى عن عدد، وعمرو بن دينار.
لكن هل هو ثقة في روايته عن كل هؤلاء؟ لا، هو ثقة في بعض الرواة وضعيف في بعض الرواة. هو ثقة مثلاً في روايته عن ثابت البناني، وضعيف في روايته عن قتادة، وفي روايته عن أيوب، وفي روايته عن عمرو بن دينار. واضح يا شباب؟ طيب، يعني ما معنى أن يكون الراوي ثقة في شيخ وضعيفاً في آخر؟ هذا معروف جداً، زي مثلاً مثل طالب؛ هذا الطالب متميز مثلاً في مادة الإنجليزي وضعيف مثلاً في مادة اللغة العربية، أو متميز في مادة التاريخ وضعيف في مادة العلوم مثلاً.
واضح؟ أو طالب علوم شرعية يكون متميزاً مثلاً في الفقه ويكون ضعيفاً جداً في علوم الحديث. هذا موجود معروف، فراو يمكن أن يكون له اعتناء خاص ببعض مشايخه. يعني مثلاً -يا شباب- الأعمش؛ الأعمش هذا جلس عمرا طويلا مع أبي صالح، ومع أبي وائل، ومع إبراهيم النخعي، فحفظ أحاديثهم حفظاً. لكنه لما روى روايات عن أقرانه؛ أبي إسحاق السبيعي، وسلمة بن كهيل، وحبيب بن أبي ثابت، لم يكن متقناً لحديثهم. فكان ثقة في أبي وائل وأبي صالح وإبراهيم، وكان يخطئ كثيراً في أقرانه إذا روى عنهم أبو إسحاق السبيعي وسلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت. وهكذا.
معمر بن راشد مثلاً؛ معمر بن راشد هذا جمع عدداً كبيراً من الرواة، روى عنهم حتى قال عنه الدارقطني: لا أعلم أنبل من معمر بن راشد فإنه لقي مشايخ لم يلقهم غيره. روى مثلاً عن الزهري، وعن يحيى بن أبي كثير، وروى عن هشام بن عروة، وروى عن ثابت البناني، وعن عمرو بن دينار، وعن عدد كبير جداً، وعن قتادة. لكن هل معمر كان ثقة في كل هؤلاء؟ لا، لم يكن ثقة في كل هؤلاء، وإنما كان ضعيفاً في بعضهم وثقة في بعضهم. وهكذا. إذاً المحور الأول الذي ننظر فيه في حال الراوي، هو هل هذا الراوي كان ثقة في كل المشايخ الذين روى عنهم أم لا؟
المحور الثاني: هذا الراوي استمع أو تحمل الرواية في بلدان، وأدى الرواية في بلدان. مثلاً معمر هذا سمع من أهل البصرة ومن أهل اليمن، وسمع في الكوفة وفي غيرها. مثلاً هل هو ثقة في كل هذه البلدان؟ ولا كان يخطئ في رواية بعض البلدان؟ هذا محور آخر، بعض الرواة مثلاً يقال إنه يخطئ في روايته عن أهل البصرة، أو يخطئ في روايته عن أهل الشام.
المحور الثالث هو: هل هذا الراوي الذي امتدت روايته -مثلاً بدأت الرواية من سن عشر سنوات وتوفي بعد مثلاً سبعين عاما- هل هذا العمر يعني هو دلوقتي توفي وعنده سبعين عام؛ يعني ستين عام يتحمل ويؤدي، هل هذا الراوي في كل هذا العمر كان ثقة في التحمل والأداء أم طرأ على حفظه خطأ؟ الراوي يمكن أن يكون في بداية حياته نشيطاً قوياً، ذاكرته قوية، يؤدي الرواية كما تحملها. ويمكن أن يكون الراوي ضعيفاً في بعض مراحل حياته. واضح؟ أو يطرأ عليه حادثة معينة تنسيه بعض الأحاديث، أو يصيبه الخرف مثلاً.
فيختلط الاختبار الثالث للراوي: هل هذا الراوي في كل عمره كان ثقة حافظاً أم لا؟ بعض الرواة مثلا يا شباب كان ثقة، لكن لما اه كبر اه سنه اه نسي أو وهم أو اختلط، مثل مثلا عطاء بن السائب أو اه أبي إسحاق السبيعي، مثلا طرأ عليه تغير في الحفظ، واضح؟
ويمكن أن يكون العكس، يمكن أن يكون الراوي وهذا قليل جداً، لا أعلمه إلا في راوٍ واحد وهو همام بن يحيى، أنه كان في بدايات حياته يحدث من حفظه، ثم أصابه مرض معين فرجع إلى بيته فحدث من كتبه، فكانت روايته رواية قوية، لذلك الذين حدثوا عنه في آخر عمره أقوى رواية ممن سمع منه في بداية عمره.
المهم أن هذا هو الاختبار الثالث، هو الفترة الزمنية التي روى فيها الراوي؛ هل اختلط أم لا؟ المحور الرابع هو الموضوعات التي حدث فيها الراوي، فإن الراوي مثلاً يمكن أن يحدث في أحاديث في العقيدة، يمكن أن يحدث أحاديث في الأحكام، في في التفسير، في القراءات، هذه موضوعات في الرقائق؛ هل الراوي في كل هذه الموضوعات التي حدث فيها هو ثقة أم لا؟
نجد هنا مثلاً راوياً وهو حفص بن سليمان الذي نقرأ بروايته، رواية حفص عن عاصم، هذا ثقة ثبت في القراءات واضح ويعتمد عليه ويحتج به، لكنه في في في رواية الأحاديث الأخرى متروك وضعيف، واضح؟
كذلك عاصم بن أبي النجود، احنا نقرأ حفص عن عاصم، عاصم هذا إمام في القراءة، لكنه في الحديث متوسط ويميل إلى الضعف، ولا يقبل تفرده إلا نادراً، يعني واضح؟ مثلاً محمد بن إسحاق بن يسار إمام في السير والمغازي، لكن إذا جاءت أحاديث الأحكام أو الصفات فإنه يعني متكلم في روايته في هذه الأبواب، في آآ حديث الأحكام وفي أحاديث الصفات، وهكذا يا شباب.
فالراوي الواحد يمكن أن تقبل أحاديثه آآ في باب من الأبواب وترد، مثلاً آآ فليح بن سليمان يخرجه البخاري أحاديث في الرقائق، لا يخرج له أحاديث في الأحكام وهكذا. إذا تصورنا هذه الفكرة يا شباب، علمنا أن الإمام البخاري إذا أراد أن يخرج لراوي فانه يختبره بهذه الصورة، فإذا انتقى البخاري لراوي معين أحاديث ضبطها عن شيخ معين، فلا يقال هنا كل أحاديث ذلك الراوي صحيحة على شرط البخاري، خطأ.
إنما انتقى البخاري من جملة أحاديث الراوي هذه من الأحاديث؛ فيه راوي اسمه إسماعيل بن أبي أويس، هذا الراوي متكلم في حفظه جداً، وضعفه عدد من العلماء، والبخاري روى له بعض الأحاديث، فبعض الجهلة يطعن في البخاري، يقول: الأئمة ضاعفوا هذا الراوي فكيف يخرج له البخاري؟
نفس هذا الراوي ثبت عنه أنه قال يعني كان يجتمع بالناس فيقول لهم، يخرج كتاباً فيقول: أهذا الكتاب به أحاديث انتقاها محمد بن إسماعيل من كتابه؟ يعني يقول إن البخاري كان ينتقي له ما تحقق لديه أنه ضبطه.
إذا تصورنا هذا يا شباب، فهمنا أن البخاري أو آآ مسلما أو أي ناقد من النقاد إذا صحح رواية لراوٍ ما، لا يعني ذلك أن كل أحاديث ذلك الراوي صحيحة اه يعني صحيحة على شرط هذا الإمام، بل إنه انتقاها لأنه تحقق لديه أنه ضبط تلك الرواية بعينها.
إذا فهمنا هنا معنى الكيفية يا شباب، الكيفية يعني إيه؟ يعني البخاري خرج مثلاً لمعمر عن الزهري، لم يخرج لمعمر عن ثابت البناني، لكنه خرج لثابت البناني إذا روى عنه حماد بن زيد، واضح؟ خرج مثلاً لعمرو بن دينار إذا روى عنه سفيان بن عيينة.
واضح يا شباب؟ فمن الخطأ هنا أن تجعل مجرد وجود الراوي أو اسم الراوي في البخاري يجعل كل أحاديث ذلك الراوي صحيحة على شرط البخاري، واضح؟ أو بيحصل هنا تلفيق، يعني إيه يا شباب؟ هنا صور من الخطأ.
الصورة الأولى أن يكون مثلاً نضرب مثالاً، الإمام مسلم خرج لعمرو بن دينار واضح، وخرج لحماد بن سلمة، لكن لما خرج لحماد بن سلمة اختار الأحاديث التي رواها حماد بن سلمة عن ثابت البناني، لماذا؟ لأن حماد ثقة في روايته عن ثابت، ولما أراد أن يخرج أحاديث عمرو بن دينار خرج له إذا روى عنه سفيان بن عيينة.
فإذا أنت وجدت إسناداً فيه حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار لا يصح أن تقول: هو على شرط مسلم بناء على أن أن حماداً موجود في مسلم وعمرو بن دينار موجود في مسلم، هذا خطأ؛ لأن مسلم لم يحتج بهذه التركيبة اللي هو عن عمرو بن دينار، لا، واضح يا شباب؟
فهذا من الأخطاء المشهورة جداً، ليس عند الحاكم فقط، ولكن عند كثير من اه المحققين المتأخرين، يكتفي فقط بمجرد وجود اه الاسم في الكتاب دون مراعاة الكيفية. ذكر هو هنا مثالاً مثلاً من صور الأخطاء أيضاً آآ سماك عن عكرمة، فهو يقول: فإن مسلما احتج بحديث سماك واضح ولم يحتج بعكرمة، واحتج البخاري بعكرمة ولم يحتج بسماك، فلو أنت أتيت، يعني البخاري احتج بعكرمة ومسلم لم يحتج به، ومسلم احتج بسماك ولم يحتج بعكرمة، فلو وجدنا إسناداً فيه سماك عن عكرمة لا يصح أن تقول: على شرط البخاري أو مسلم.
هذا، هذه التركيبة خطأ، يجب أن تكون التركيبة بنفس الكيفية موجودة في البخاري ومسلم، أو أحدهما على حسب ما تريد أن تلحقه، يعني أرجو أن يكون الكلام مفهوماً إن شاء الله، وشيئاً فشيئاً آآ يعني سيفهم بإذن الله.
هنا أيضاً نقلي لابن القيم آآ جيد جداً يمكن أن نقرأه: قال ابن القيم: البخاري يوثق آآ جماعة ويعلل هو بعينه آآ بعض حديثهم ويضاعفهم، وكذلك غيره من الأئمة ولا تنافي عندهم في الأمر في الأمريرين، بل هذا عندهم من علم من علم الحديث وفقه عللهم الذي تميز به نقاده وأطباؤه آآ عن آآ عن يعني لما الكلام مش واضح.
يعني يريد أن يقول إنهم تميزوا به عن غيرهم آآ اه وعن جماعة ليس همهم إلا جمع الروايات وليس دراية الروايات، يعني يريد أن يقول هنا اه الإمام ابن القيم رحمه الله: أن البخاري يمكن أن يخرج رواية بعض الرواة ويعلل أحاديثهم في خارج الكتاب، فليس إخراج البخاري آآ رواية معينة لراوٍ يقتضي أن تكون كل روايات ذلك الراوي صحيحة، فضلاً عن أن تكون صحيحة على شرط البخاري.
طيب، الشرط الرابع احنا في صفحة مئة وتسعة وتسعين: الشرط الرابع أن يكون الحديث سالماً من الشذوذ والعلة، سواء في الإسناد أو في المتن، وهذا شرط جوهري، وهو شرط في أصل الصحة، فكيف بشرط الشيخين؟ وقد سبق أن شرطهما هو شرط الصحيح المتفق عليه.
وهذا الشرط صرح به الحافظ ابن حجر، وقال: إذا أخرج لرجل وتجنب ما تفرد به أو ما خالف فيه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ما لم يتفرد به، فلا يحسن أن يقال إن باقي النسخة على بشرط مسلم؛ لأنه ما خرج بعضها إلا بعد أن تبين أن ذلك مما لم ينفرد به، فما كان بهذه المثابة لا لا يلتحق أفراده بشرطهما.
قلته، يعني الشيخ طارق: ويصدق هذا ويصدق هذا قول أبي يعلى الخليلي في ترجمة العلاء، هذا من الإرشاد: مختلف فيه، لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها، كحديث: عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان النصف من شعبان فلا صوم حتى رمضان، وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه آآ دون هذه والشواذ.
نشرح هذا الشرط يا شباب، نحن هنا آآ يمكن أن نلخص الشروط شيئاً فشيئاً؛ الشرط الأول أن يكون الرواة يعني الإسناد موجود، هؤلاء الرواة أسماؤهم موجودة في البخاري ومسلم، يعني موجود مثلاً حماد بن زيد، حماد بن سلمة. آآ طبعا لم يخرج له الإمام يعني لم يحتج به الإمام آآ البخاري، وإنما احتج به الإمام مسلم.
مثلاً الزهري، معمر، عمرو بن دينار، أبو إسحاق السبيعي، سفيان بن عيينة، الأعمش، رواة يعني كثيرون، المهم يكون اسم الرواة موجوداً. الشرط الثاني أن يكون بنفس الكيفية. الشرط الثالث بقى مهم جداً وهو
إن ممكن يكون فعلاً الكيفية موجودة، لكن هذا الحديث بعينه أخطأ فيه ذلك الراوي عن ذلك الشيخ. نفهم الفكرة يا شباب؟ الحكم العام على الراوي يا شباب شيء، والحكم الخاص شيء آخر.
الحكم العام على الراوي يشبه الشهادة التي يستلمها الطالب في آخر العام أو في منتصف العام؛ بياخد مثلاً تسعين بالمئة، أو خمسين بالمئة، أو ثمانين بالمئة، أو أربعين بالمئة، ده اسمه حكم عام.
لكن هذا الحكم العام داخله مجموعة من الأحكام الخاصة، منها مثلاً الحكم عليه في مادة معينة؛ هو جاب مثلاً تسعين بالمئة، بس في مادة التاريخ جاب تمانين بالمائة. طيب، في صورة أدق، في مادة التاريخ في السؤال الأول جاب مائة بالمائة، في السؤال الثاني خمسين بالمائة، في السؤال الثالث سبعين بالمائة، وهكذا. واضح يعني؟ الحكم العام شيء، والحكم الخاص شيء آخر.
كذلك الراوي؛ الراوي يحكم عليه حكم عام بناءً على عدد ما روى وقدر الإصابة، آآ بناءً على قدر الخطأ. يعني هذا الراوي روى مثلاً ألف رواية، أصاب في تسعمائة رواية مثلاً، وأخطأ في مائة رواية، فهذا الراوي في المجمل هو راوٍ ثقة، لكنه في بعض الأحاديث أخطأ، فيكون هذا الراوي ثقة في بعض الروايات، وضعيفاً في روايات أخرى. إذاً، لا تلازم بين الحكم العام والحكم الخاص، واضح؟
كذلك، إذا كان الراوي ثقة في روايته عن شيخ ما، يعني معمر مثلاً ثقة في روايته عن الزهري، هل يلزم أن يكون كل روايات معمر عن الزهري تكون صحيحة؟ لا، يمكن أن يخطئ في بعض الروايات. إذاً، إذا وجدت حديثاً بنفس الكيفية موجود في البخاري أو في مسلم أو فيهما آآ جميعاً، لا تتعجل في الحكم عليه بأنه صحيح أو على شرط الشيخين إلا بأن تتأكد من كون الراوي لم يخطئ في تلك الرواية المعينة، واضح؟ فإن نفس الأئمة الذين يحكمون بثقة الراوي في شيوخ معينين هم أنفسهم يبينون أن هؤلاء الرواة أخطأوا في تلك الروايات عن أولئك الشيوخ.
إذاً، الحكم العام على الراوي شيء، والحكم الخاص على هذا الراوي في شيخ معين شيء، والحكم الخاص على الراوي في رواية معينة شيء ثالث. يعني عندنا هذه الصور الثلاثة: حكم عام على الراوي نرجع فيه إلى قدر ما روى وما أصاب، آآ إلى ما أخطأ، يعني قدر الإصابة للخطأ ونوع الخطأ وغير ذلك من فيات؛ الأمر الثاني: حال الراوي في شيخ معين، أيضاً ينظر فيه إلى أمور؛ قدر ما روى عنه، وقدر الإصابة إلى قدر الخطأ؛ ثم حال قوي في تلك الرواية المعينة.
إذاً، ليس مجرد إخراج البخاري آآ ومسلم أو أحدهما بصورة معينة لراوٍ معين عن شيخ معين يقتضي أنهما يصححان كل رواية آيات ذلك الراوي عن ذلك الشيخ، بل ربما يكون الراوي قد أخطأ فيها، واضح؟ فالشيخان كما ينتقيان للضعيف ما أصاب فيه، فإنهما كذلك يتركان من حديث الراوي الثقة ما حقق لديهما أنهم آآ أنه أخطأ فيه. ولذلك صنف الإمام مسلم كتاباً عظيماً جداً، هو في رأيي أفضل قطعة حديثية في علم علل الحديث، آآ في شرح آآ مسالك النقاد في التعرف على العلة، آآ ذكر فيها الإمام مسلم أخطاء لرواة ثقات حفاظ، ليبين أن الراوي الثقة يمكن أن يقع في حديثه الخطأ وعلمك كيف تكتشف خطأه بمقارنته بأحاديث الثقات.
يمكن أن نشرح هنا آآ هذه الكلمة آآ من كلام ابن حجر، آآ يقول ابن حجر: إذا أخرج لرجل وتجنب -احنا في صفحة آآ مائة وتسعة وتسعين- قال: إذا أخرج لرجل وتجنب ما تفرد به أو ما خالف فيه. يعني إذا البخاري ومسلم أو آآ أحدهما أخرج لرجل، يعني لراوي، وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه.
احنا عندنا الراوي يا شباب إذا روى رواية، فإما أن ينفرد، وإما أن يشترك مع غيره من الرواة. فإذا انفرد، ننظر إلى أهلية ذلك الراوي؛ هل هذا الراوي أهل لهذا التفرد أم لا؟ يمكن أن يكون الراوي أهلاً آآ لأن يتابع آآ أو تقوى روايته أو تتقوى، واضح؟
لكن آآ هذا الراوي يمكن أن يروي عن شيخ آخر ولا يقبل تفرده. فالحالة الأولى: أن ينفرد الراوي؛ ننظر إلى حاله، هل هو أهل للتفرد أم لا؟ واضح؟ مثلاً حماد بن سلمة أهل أن ينفرد عن ثابت البنانين، لكنه ليس أهلاً أن ينفرد عن آآ مثلاً قتادة أو عن أيوب أو عن عمرو بن دينار أو آآ غيرهم من الرواة الذين آآ يخطئ فيهم، يبقى الحال الأول: الانفراد. الحال الثاني: أن يشترك مع غيره من الرواة، فهنا ينبغي أن يوافق الثقات.
فابن حجر يقول: إذا البخاري ومسلم أو أحدهما أخرجا لراوٍ واضح؟ وتجنبا ما تفرد به أو ما خالف فيه. يعني أحياناً يتجنب- يخرجان لراوي معين آآ ما وافق فيه الثقات، لكن من فرد به أو ما خالف فيه الثقات يتجنباه، كما أخرج مسلم من نسخة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، واضح رضي الله عنه، ما لم يتفرد به. ده اللي هو آآ راوي مشهور جداً، ينتقي له الإمام مسلم بعض الأحاديث، منها مثلاً حديث: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، وبعض الأحاديث القليلة انتقاها له الإمام مسلم.
فيقول ابن حجر: فلا يحسن أن يقال إن باقي النسخة، يعني باقي حديث آآ العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة كلها على شرط مسلم؛ هذا خطأ، لأنه انتقى منها ما لم يتفرد به العلاء. إذاً، العلاء هذا له ثلاث صور: أن يوافق الثقات، أو أن يخالف الثقات، أو أن ينفرد. الإمام مسلم اختار له فقط حينما يوافق الثقات، فعندنا حالتان: إذا انفرد وإذا خالف، لم يخرج له، فلا يصح أن تلحق باقي النسخة بصحيح مسلم.
طيب، آآ الشيخ بيقول: وكذلك قول آآ أبي يعلى الخليلي في ترجمة العلاء هذا، لما قال: مختلف فيه. يعني النقاد اختلفوا في حكم العلاء، لأنه يتفرد بأحاديث لا يتابع عليها؛ كحديث عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان النصف من شعبان فلا صوما، اللي هو حديث: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، وهو حديث أنكره آآ جماعة كبيرة من المتقدمين، ويعني صححه بعض المتأخرين، والصحيح فيه أنه لا يثبت، ومتنه منكر كذلك، يخالف أحاديث صحيحة.
قال: وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير من حديثه، يقصد بالمشاهير هنا ليس المشهور باصطلاح المتأخرين، وإنما يقصد مشهور هنا: ما وافق فيه الثقات دون هذا، يعني دون هذا الحديث الذي هو منكر ودون الشواذ، يعني الأحاديث التي تفرد بها أو خالف فيها الثقات.
ندخل في الشرط الخامس؛ آآ الشرط الخامس: أن تقع رواية آآ رواية هذا الحديث في الصحيحين قصداً لا عرضاً أو اتفاقاً. كلمة اتفاقاً يعني عرضاً دون قصد. من ذلك -طبعاً الشرط ده نادر جداً- لكن مع ذلك الشيخ بيذكره آآ كفائدة.
قال من ذلك: قال البخاري في المناقب من صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، أخبرنا سفيان، حدثنا شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين، فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.
قال سفيان -لا زلنا في الحديث الذي رواه البخاري-: قال سفيان: كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث عنه، يعني عن شبيب، قال: سمعه شبيب من عروة، فأتيته، فقال شبيب: إني لم أسمعه من عروة، قال: سمعت الحي يخبرونه عنه، ولكن آآ سمعته يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة. قال: وقد رأيت في داره سبعين فرساً.
قال الحافظ آآ عروة -طبعاً المذكور ده اللي هو عروة البارقي، ده صحابي سكن الكوفة، وهو أول قاضي بالكوفة-: قال الحافظ في مقدمة الفتح: فهذا كما ترى، لم يقصد البخاري الرواية عن الحسن بن عمارة ولا الاستشهاد به، بل أراد بسياقه ذلك أن يبين.
انه لم يحفظ الإسناد الذي حدث به عروة. ومما يدل على أن البخاري لم يقصد تخريج الحديث الأول أنه أخرج هذا في أثناء أحاديث عدة في فضل الخيل. وقد بلغ أبو الحسن ابن القطان في كتاب بيان الوهم والإنكار على من زعم أن البخاري قد أخرج حديث شراء الشاة قال: وإنما أخرج حديث الخيل فانجر به سياق قصة إلى تخريج حديث الشاة. وهذا ما قلناه وهو لائح لا خفاء فيه والله الموفق.
نفهم هذا الشرط يا شباب آآ هذا الشرط معناه أن يكون ذكر الراوي في هذا الكتاب قصدا، يعني أن هذا الراوي جزء أساسي في الإسناد. ما معنى أن يكون الراوي جزءا أساسيا في الإسناد يا شباب؟ يعني ممكن أنا مثلا أحكي لك قصة معينة، وهذه القصة أسندها فأقول لك هذه القصة حدثني بها محمد عن خالد، وكان خالد يجلس مع علي، فحدثني خالد بكذا وكذا وكذا.
ذكر علي هنا ليس تأسيسيا، جاء عرضا اتفاقا، يعني علي هذا ليس جزءا في الرواية، ليس راويا لم يسند إليه الكلام. واضح؟ فلا يصح هنا أن يقال آآ إني ذكرت عليا من جملة الرواة، لا، جاء ذكره عرضا. واضح؟ فأنا أقول مثلا حدثني محمد عن خالد وكان خالد يجلس مع علي فحدثني خالد بكذا وكذا، فأن ذكرت هنا أن خالدا كان يجلس مع علي. فعلي هذا يمكن أن يستغنى عنه، ليس جزءا في الإسناد.
فكذلك الحسن بن عمارة في هذا الحديث ليس جزءا في الإسناد. الحسن بن عمارة أساسا هو متروك، واضح، فحديثه هذا لم يحتج به البخاري، والبخاري لم يذكر هذا الراوي قصدا، وإنما ذكره يعني اتفاقا أو عرضا. نقرأ تاني عشان ما يكونش فيه شيء الشباب مش فاهمينه؛ الشرط الخامس أن تقع رواية رواية هذا الحديث في الصحيحين قصدا لا عرضا أو اتفاقا. واضح يا شباب؟
آه طب طبعا في مثال آخر آه حتى لا ننساه؛ الحديث يرويه مسدد عن عبد الواحد عن الأعمش قال سمعت الحجاج بن يوسف على المنبر يقول السورة التي يذكر فيها البقرة قال فذكرت ذلك لإبراهيم فقال حدثني عبد الرحمن بن يزيد أنه كان مع ابن مسعود ثم ذكر آآ في سورة البقرة. فذكر الحجاج هنا آه الحجاج بن يوسف هنا ذكر في الرواية لكنه ليس محتجا به وليس من الرواة أصلا، وإنما جاء ذكره عرضا، لذلك قال الحافظ ابن حجر في ترجمته في التقريب قال يوسف آآ الحجاج بن يوسف الثقفي ذكره في تهذيب التهذيب لم يقصد الشيخان وغيرهما الرواية عنه.
واضح؟ آآ كما لم يقصد البخاري آآ الرواية عن الحسن بن عمارة، وإنما جاء الذكر عرضا. واضح يا شباب؟ تمام آآ نقرأ الحديث الذي في البخاري ونحاول نبين ألفاظه. قال من ذلك يعني من ذلك أن هناك رواة ذكروا آآ في البخاري أو في مسلم عرضا وليس قصدا، فلا يصح أن تقول هؤلاء من رواة الصحيحين.
قال البخاري في المناقب يعني في كتاب المناقب من صحيحه حدثنا علي بن عبد الله أخبرنا سفيان حدثنا علي بن عبد الله طبعا بيبقى يعني طالما عن سفيان بيبقى علي بن المديني عن سفيان سفيان بن عيينة قال حدثنا شبيب بن غرقدة قال سمعت الحي الحي جماعة من الناس يعني يتحدثون عن عروة أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة وحكى القصة. قال سفيان كان الحسن بن عمارة جاءنا بهذا الحديث.
إذا ذكر الحسن بن عمارة هنا قصة جاءت عرضا، زي ما أنت تكون بتروي رواية وتقول فأن في هذا الوقت شربت ماء مثلا أو آآ كلمت أحدا، فهذه القصة خارجة عن سياق الرواية التي تريد أن تحكيها. قال سفيان كان الحسن بن عمارة طبعا الحسن بن عمارة هذا متروك، جاءنا بهذا الحديث عنه يعني عن شبيب قال سمعت آآ آآ سمعه شبيب من عروة قال معه شبيب من عروة فأتيته فقال شبيب إني لم أسمعه من عروة، طبعا اللي هو عروة البارقي صحابي كريم.
قال سمعت الحي يخبرونه عنه ولكن سمعته يقول سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة. الذي يؤكد أن البخاري لم يخرج الرواية الأولى أنه لم يجيء بهذه الرواية إلا في باب عن ذكر الخيل، فهذا يؤكد أن البخاري لم يخرج بالرواية الأولى التي فيها الحسن بن عمارة. واضح يا شباب؟
يمكن أن نلخص هنا الشروط يعني نقف عند هذا الحد ونلخص الشروط إن شاء الله. نحن الآن شباب نتحدث عن نوع من الأحاديث أو من الألفاظ التي يستعملها المحدثون. المحدثون يستعملون في آآ التعبير عن حال الرواية دلالات. من جملة هذه الاصطلاحات التي جاءت بعد البخاري ومسلم مصطلح صحيح على شرط الشيخين، أو صحيح على شرط مسلم، أو صحيح على شرط البخاري.
واضح؟ هذا يعني أننا يجب أن نعرف ما هو شرط البخاري وما هو شرط مسلم؟ وهل هذا الحديث صحيح فعلا؟ وهل يصح أن آآ يعني يستدرك آآ هذا الحديث أو يلزم به الشيخان أم لا؟ واضح؟
بداية البخاري لم يصرح في أي كتاب من كتبه الموجودة بين أيدينا بشرطه، لكنه علم بالاستقراء وبسبب الروايات، والإمام مسلم له إشارات قوية واضحة آآ ذكرت جملة من شرائطه في الأحاديث التي يدخلها في كتابه. طيب بداية، هذا الحكم لم يكن موجودا في وقت الشيخين وإنما وجد بعدهما، وأول من نعلمه تكلم به هو الإام الدارقطني في كتابه الإلزامات.
دارقطني له كتاب الإلزامات وكتاب التتبع، التتبع نقد لروايات في آآ الصحيحين، وكتاب الإلزامات يلزم به البخاري ومسلما أن يخرج أحاديث لم يخرجها ما يغني عنها ويرى أنها قد تحقق فيها الشروط. واضح؟ طيب، كتاب الدارقطني أقوى بكثير وأقل طبعا حجما، يعني دارقطني الدارقطني إمام كبير في علم العلل، وجاء كتابه قويا جيدا.
أما الإمام آآ الحاكم رحمه الله فكتابه لم يكن قويا، وبه جملة كبيرة جدا من الأحاديث الضعيفة، ولم يوف بشرطه آآ في هذا الكتاب الشروط التي ينبغي أن تتوفر في أي رواية حتى يقال إنها صحيحة على آآ يقal إنها صحيحة على شرط البخاري ومسلم أو أحدهما.
تمام؟ ينبغي أن يكون نفس الرواة موجودين في البخاري ومسلم وأن يعني يكون الإسناد الذي تزعم أنت أنه على شرط الشيخين أن يكون بنفس الكيفية، لا يصح أن تأتي براو خرج له في رواية عن بعض الشيوخ فأن تخرج له كل الروايات وتجعلها على شرط الشيخين أو على شرط أحدهما، هذا خطأ، يجب أن يكون بنفس الكيفية، ويجب كذلك ألا آآ يكون هذا الراوي مما ذكره البخاري ومسلم في الشواهد أو المتابعات أو مقرونا أو في التعليق، وتجنب ما تفرد به آآ أو ما خالف فيه.
وينبغي كذلك ألا يكون الحديث معللا، وينبغي أن يكون آآ الرواة ذكروا قصدا وليس آآ عرضا، فإذا آآ توفر في حديث ما كل هذه الشروط فحينها يمكن أن تقول هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين أو آآ أحدهما.
أريد فقط هنا أن أنبه على تنبيه آآ على أمر مهم وهو أن الإام الذهبي رحمه الله له كتاب اسمه تلخيص المستدرك، وهذا الكتاب يلخص فيه كتاب الحاكم، الذهبي يلخص كتاب الحاكم، والذهبي من أوائل من انتقدوا الحاكم في هذا الكتاب، فسبقه ابن تيمية، وكثير من الناس آآ يظن أن الذهبي هو أول من انتقد الحاكم في كتاب المستدرك، والصحيح أن ابن تيمية سبقه، سبق الذهبي، وابن تيمية هو شيخ الذهبي.
ابن تيمية في كتاب قاعدة جليلة انتقد كتاب مستدرك الحاكم نقدا قويا آآ المهم أن الذهبي يلخص كتاب المستدرك، فبعض الناس مثلا إذا آآ ذكر الذهبي قال الحاكم صحيح على شرط الشيخين فماذا يقول؟ يقول صححه الحاكم ووافقه الذهبي وهذا خطأ ليس صحيحا. واضح؟ لأن الذهبي كان يلخص الكتاب لا ينسب له قول إلا إذا قال قلت، أما باقي الكلام فهو تلخيص فقط، لا يصح أن يقال ووافقه.
أبي إلا إذا صرح الذهبي بأنه وافق، يعني قال: قلت نعم هو على شرطهما، أو نعم كذا، فهذا ينسب إليه. أما ما دون ذلك فهو مجرد تلخيص، وألف بعض المعاصرين كتابا ممتعا جدا في هذا، آآ في آآ في آآ آآ قول الحافظ في قول آآ صححه الحاكم ووافقه الذهبي، ألف آآ مؤلف اسمه الزبيري دحان، وهو كاتب مغربي متميز، آآ له مؤلفات قليلة لكنها متميزة جدا، منها هذا الكتاب اسمه إياك والاغترار فيما نسب للذهبي من موافقة وإقرار.
بين فيه هذا الخطأ الذي شاع عند كثير جدا من آآ المتأخرين. وهذا الكتاب يعني عرضته على عدد كبير من من المشايخ المتميزين، الشيخ طارق عوض الله، والشيخ محمد عمرو عبداللطيف، وأعطيت نسخة للشيخ أبو اسحاق الحويني آآ حفظه الله، وحفظ الشيخ طارق، ورحم الشيخ محمد عمرو عبداللطيف. وآآ كلهم آآ يعني الشيخ طارق أعجب بالكتاب، والشيخ آآ محمد عمرو أعجب به، وهو أصلا كان يقول بهذا القول يعني متأخرا.
آآ والشيخ أبو إسحاق أهديت له آآ نسخة من هذا الكتاب، لأن الشيخ كان سيؤلف كتابا اسمه إتحاف الناقم بوهم الذهبي على الحاكم، يعني الشيخ يريد أن يقول الذهبي وهم على الحاكم في بعض الروايات، لكن أظن أن الشيخ رجع عن هذا الكتاب حفظه الله وشفاه.
فييمكن أن نكتفي بهذا المقدار حتى لا نطيل عليكم. وإن شاء الله آآ بعد الغد إن شاء الله، إن غدا إن شاء الله يعني عندي بعض الأعمال، بعد الغد إن شاء الله آآ نكمل وندخل في الحديث آآ المردود. يعني آآ لماذا يحكم على حديث ما بأنه مردود؟ أتكلم فيه عن السقط في الإسناد، وأنواع الحديث الذي يرد لكونه به سقط في الإسناد.
ونتكلم بعد ذلك عن نقد الرواية الإسناد ونقد المتن، آآ ونتكلم عن فوائد في علم الحديث، فنسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح. وجزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، وإن شاء الله آآ أرجو أن يعني يكون الكلام سهلا، ولو حد عنده إشكال يسجله.
وإن شاء الله سننتهي من هذا الكتاب قريبا، وأنا يعني نعقد بعده اختبارا، وبعد ذلك ندخل في كتاب تحرير علوم الحديث، آآ وبعده إن شاء الله نبدأ في استقراء آآ يعني في كل قسم من الأقسام نأخذ كتابا خاصا فيه في آآ في مصطلح الحديث، وفي علم الرجال، وفي علم العلل، وفي التخريج، وفي دراسة الأسانيد. فنسأل الله أن يعيننا على إتمام هذا البرنامج.
وأطلب منكم أن تجتهدوا وأن يعني تتركوا فضول الأشياء، يعني تحاولون التركيز على طلب العلم النافع والعمل الصالح، لأن كثير جدا من الشباب لا ينقصهم آآ إلا الهمة، عندهم ذكاء، عندهم نية صالحة، لكنهم يضيعون أوقاتهم كثيرا جدا في أمور لا يستحق أبدا أن يضيع الإنسان فيها نفسه.
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ. كثير من الناس آآ لا يشعر بقيمة الوقت الذي يضيع منه، وهذا الوقت كان يمكن أن آآ يبني فيه نفسه، يمكن أن آآ يزداد علما يزداد عملا، آآ ولا يكون ذلك إلا بمجاهدة النفس والشعور بقيمة الوقت وقيمة الحياة.
وإذا أحب الإنسان نفسه أحب لها الخير، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذلك. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق