السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
نكمل إن شاء الله تبارك وتعالى مدارسة كتاب شرح منظومة لغة المحدث للشيخ طارق عوض الله حفظه الله. أريد فقط أن يكتب لي أحد الإخوة إذا كان الصوت قويا أو ليس قويا.
طيب، نقرأ إن شاء الله. طبعا نحن في هذا الكتاب وصلنا إلى الحديث عن كتاب الحديث الحسن لغيره، وذكرنا أن الإامم الترمذي رحمه الله في كتابه الجامع إذا ذكر أن الحديث حديث حسن، فإنما أراد به حسن إسناده عنده، وذكر شروطه: كل حديث يروى لا يكون فيه من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذا، وأن يروى من غير وجه، فهو حديث حسن. فذكرنا أن هذا هو الذي سماه المتأخرون الحديث الحسن لغيره.
وسندخل إن شاء الله تبارك وتعالى في هذا الدرس بشرح مصطلح حسن صحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب في صفحة مائة وخمسة وسبعين. قال الشيخ حفظه الله: وحيث ثبت أن الحسن يطلق عند المتقدمين على تلك المعاني كلها، لا ينبغي أن يستشكل صنيع الأئمة كالترمذي وغيره من جمعهم بين الحسن وغيره من الألفاظ الدالة على الصحة أو الضعف، كقولهم: هذا حديث حسن صحيح، أو حديث حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، أو حديث حسن ليس إسناده بالقائم، أو نحو ذلك.
قال: وقد استشكل فعلا جماعة من المتأخرين هذا الجمع الواقع في كلام المتقدمين. وأجاب البعض عن هذا الاستشكال بأجوبة متعددة مبسوطة في مواضعها من كتب مصطلح الحديث، وكلها لا تخلو من ضعف. قال: وأقرب الأجوبة إلى الصواب جواب الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى.
قبل أن ندخل فيما نقله الشيخ من قول ابن رجب الحنبلي رحمه الله عن معنى حسن صحيح عند الإمام الترمذي، يمكن أن نقدم مقدمة نشرح فيها صورة المسألة ونبين فيها سبب الإشكال. احنا عندنا لفظ الحسن عند الأئمة المتقدمين له دلالات كثيرة؛ فإنهم يطلقونه على كل ما يستحسن في الرواية. قد يكون الحديث الصحيح يسمونه حسنا، وقد يكون الحديث متوسطا في القبول فيسمونه حسنا، وقد يكون الحديث في أدنى درجات القبول فيسمونه حسنا، وقد يكون الحديث منكرا يسمونه حسنا، وقد يكون الحديث ضعيفا فيسمونه حسنا، وقد يكون معناه حسنا فيسمونه حسنا وإن كان إسناده ضعيفا. ذكرنا هذا في الدروس السابقة.
لكن درس اليوم نتحدث فيه عن الجمع بين وصف الحديث الواحد بأنه حسن وصحيح، أو حسن غريب، أو حسن صحيح غريب، فما وجه الإشكال في هذا الجمع؟ وجه الإشكال أن لفظ الحسن عند الإمام الترمذي، وهو من أكثر من استعملوا هذا اللفظ، يعني أن هذا الحديث توفر فيه شروط ثلاثة: الشرط الأول أنه يروى لا يكون فيه من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه؛ يعني أنه يكون في أقل درجات القبول. أما وصف الحديث بالصحة فهذا يعني أنه في أعلى درجات القبول. فكيف يكون الحديث الواحد في أعلى درجات القبول وفي أدنى درجات القبول؟ هذا هو وجه إشكال الجمع بين الحسن والصحيح.
فالشيخ هنا حفظه الله ذكر أن المتأخرين حاولوا أن يفهموا هذا الجمع: لماذا يجمع الترمذي في كتابه الجامع، اللي هو يعني كتاب جامع الترمذي؟ لماذا يجمع في حكمه على حديث واحد بأنه حسن وأنه صحيح؟ واضح.
فنقل الشيخ هنا كلام ابن رجب الحنبلي رحمه الله. والاعتناء بكلام ابن رجب هنا من باب أن ابن رجب رحمه الله شرح كتاب باب جامع الترمذي، فلا شك أنه اطلع على ما لم يطلع عليه غيره، فربما يكون جوابه أقرب. ولكننا بعدما نقرأ يمكن أن نعلق على ذلك إن شاء الله.
قال الشيخ: قال الإمام ابن رجب الحنبلي: قد بين الترمذي مراده بالحسن، وهو ما كان حسن الإسناد، وفسر حسن الإسناد بأن لا يكون في إسناده متهم بالكذب، ولا يكون شاذا، ويروى من غير وجه نحوه. فكل حديث كان كذلك فهو عنده حديث حسن. وقد تقدم أن الرواة منهم من يتهم بالكذب، ومنهم من يغلب على حديثه الوهم والغلط، ومنهم الثقة الذي يقل غلطه، ومنهم الثقة الذي يكثر غلطه. فعلى ما ذكره الترمذي، كل ما كان في إسناده متهم فليس بححسن، وما عداه فهو حسن بشرط ألا يكون -والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه- وبشرط أن يروى نحوه من غير وجه؛ يعني أن يروى معنى ذلك الحديث من وجوه أخر عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير ذلك الإسناد.
فعلى هذا، الحديث الذي يرويه الثقة العدل ومن كثر غلطه ومن يغلب على حديثه الوهم إذا لم يكن أحد منهم متهما، كله حسن بشرط ألا يكون شاذا مخالفا للأحاديث الصحيحة، وبشرط أن يكون معناه قد روي من وجوه متعددة. فإذا كان مع ذلك من رواية الثقات العدول الحفاظ فالحديث حينئذ حسن صحيح. وإن كان مع ذلك من رواية غيرهم من أهل الصدق الذين في حديثهم وهم وغلط، أما كثير أو غالب عليهم، فهو حسن ولو لم يرو لفظه إلا من ذلك الوجه، لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه لا نفس لفظه. وعلى هذا فلا يشكل قوله حديث حسن غريب، ولا قوله صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
يمكن أن نعلق هنا على هذه الفكرة: احنا عندنا الحديث إما أن يكون له إسناد واحد، وإما أن يكون له أكثر من إسناد. فإذا كان الحديث له إسناد واحد فلماذا يطلق عليه الإمام الترمذي حديث حسن صحيح؟ ولماذا أحيانا يقول حسن فقط؟ ولماذا أحيانا يقول حسن غريب؟ ولماذا أحيانا يقول حسن صحيح غريب؟ واضح.
حاول بعض المتأخرين أن يفهم ذلك، فيقول: إذا أطلق على حديث ليس له إلا إسناد واحد أنه حسن وصحيح، فهذا يدل على أن راويا من رواة الإسناد اختلف فيه، فوثقه بعضهم وحسن حاله بعضهم، فيكون المعنى حسن أو صحيح، فهو يعني بذلك أن هناك ترددا. واضح.
أما إذا كان له إسنادان -يعني إذا كان للحديث الذي قال فيه الترمذي حسن صحيح، إذا كان له إسنادان- فهذا يعني أنه حسن باعتبار إسناد وصحيح باعتباره إسنادا. هذا قول مشهور.
لكن الشيخ هنا رجح خلاف ذلك، فرأى أن القول الأقرب هو قول ابن رجب الحنبلي رحمه الله. ماذا يريد أن يقول ابن رجب الحنبلي رحمه الله؟ نشرح ما يريد أن يقول في الجملة، ثم نعيد القراءة مرة ثانية لنفك العبارة.
ابن رجب الحنبلي رحمه الله يريد أن يقول: الإمام الترمذي حينما يطلق على رواية ما أنها حسنة -يعني أن الحديث حسن- فهذا يعني أن هذا الحديث ليس في إسناده راو متهم بالكذب، هذا أول شرط. الشرط الثاني: ألا يكون شاذا، ومعنى عدم الشذوذ يعني ألا تكون الرواية منكرة، يعني أن هذا الحديث لم يثبت فيه خطأ. والشرط الثالث: أن يروى من غير وجه، يعني أن يكون معنى هذا الحديث روي من أوجه أخرى. فكل حديث توفرت فيه هذه الشروط فهو حسن.
فإذا كان مع ذلك رواة هذا الحديث ثقات حفاظ، فهذا يدل على أن هذا الحديث حسن وصحيح. واضح؟ فهذا الحديث هنا حسن وصحيح، يعني أنه توفرت فيه كل شروط الحسن، وكذلك زاد على ذلك فكان صحيحا؛ كما يقولون مثلا: فلان مؤمن ومسلم، فإذا كان فلان هذا حقق الإسلام ففيه صفة الإسلام، فاذا كان مع ذلك حقق الإيمان -ويعنون بذلك أن الإيمان أعلى درجة، كأنه يفعل المستحبات وقام بكل الواجبات وأتى بأصل الإيمان- فهذا مسلم ومؤمن. واضح؟ فابن رجب الحنبلي رحمه الله يريد أن يقول أن الإمام الترمذي حيث يجمع بين وصف الحسن والصحة في رواية...
فهذا يعني أن هذا الحديث بعينه حسن وصحيح كما تقول فلان مؤمن ومسلم. واضح؟
آه، نرى ذلك في كلام الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله، ثم قال: ولو لم يروَ لفظه إلا من ذلك الوجه؛ لأن المعتبر أن يروى معناه من غير وجه، لا نفس لفظه. يعني لا يلزم أن يكون نفس اللفظ مروياً من أكثر من وجه، يمكن أن يكون معنى الحديث هو الذي من أكثر من وجه، قال: وعلى هذا فلا يشكل قوله حديث حسن غريب، ولا قوله صحيح حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ لأن مراده أن هذا اللفظ لا يعرف إلا من جهة، إلا من هذا الوجه، لكن لمعناه شواهد من غير هذا الوجه، وإن كانت شواهد بغير لفظه.
يعني يريد أن يقول مثلاً إن الحديث الذي يقول فيه الإمام الترمذي حسن غريب، هذا يبدو لأول وهلة أنه تناقض؛ لأنه أساساً يشترط في الحسن تعدد الأوجه وتعدد الروايات، فكيف يكون الحديث متعدد الروايات وغريباً، غريب يعني فرداً؟ فكيف يكون الحديث متعدد الروايات ويكون فرداً في ذات الوقت؟
لأنه يريد أن يقول إن هذا اللفظ بعينه غريب، لم يروَ إلا بهذا الإسناد، لكن المعنى الذي تضمنه هذا الحديث موجود في نصوص أخرى، يمكن أن يكون موجوداً في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو أحاديث موقوفة، أو فتاوى للصحابة، أو يمكن أن يكون موجوداً في أحاديث مرسلة، ويمكن أن يكون موجوداً كذلك معناه في القرآن، وأن يكون معناه معروفا أو متفقاً عليه أو مشهوراً.
إذاً، الإمام الترمذي حيث يصف حديثاً ما بأنه حسن غريب، أو حسن، أو حسن صحيح غريب، إنما يريد بالغرابة هنا أن هذا اللفظ لم يروَ إلا بهذا الإسناد، لكن المعنى الذي جاء في الرواية موجود معروف في الشريعة. واضح؟
في فرق، يعني في فرق بين اللفظ والمعنى. يعني مثلاً لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، هذا تماماً موافق لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يَقَبْلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ. يعني أن الله سبحانه وتعالى لا يقبل صلاة إلا بطهور بوضوء. واضح؟ فهذا نفس المعنى وإن كان اللفظ مختلفاً.
سيذكر الشيخ هنا مثالاً للحديث الذي يعني جاء بلفظ فرد لكن المعنى موجود في الشريعة في نصوص أخرى قال: وهذا كما في حديث الأعمال بالنيات، فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر مروياً من غير حديثه من وجه يصح.
وبمعنى هذا الذي ذكرناه فسر ابن الصلاح كلام الترمذي في معنى الحسن، غير أنه زاد: إلا ألا يكون من رواية مغفل كثير الخطأ.
الشيخ هنا يريد أن يقول إن حديث الأعمال بالنيات هذا الحديث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن المعنى وهو اعتبار النيات في الأعمال هذا موجود في الشريعة في نصوص أخرى ومتفق عليه، فاللفظ واحد، لكن المعاني مختلفة، أقصد أن الألفاظ مختلفة لكن المعنى واحد.
ثم قال: وبمعنى هذا الذي ذكرناه فسر ابن الصلاح كلام الترمذي في معنى الحسن، غير أنه زاد: إلا ألا يكون من رواية مغفل كثير الخطأ. وهذا لا يدل عليه كلام الترمذي، لأنه إنما اعتبر ألا يكون راويه متهماً فقط، لكن قد يؤخذ مما ذكره الترمذي قبل هذا أن من كان مغفلاً كثير الخطأ لا يحتج بحديثه ولا يشتغل بالرواية عنه عند الأكثرين.
شيخنا ذكر حاشية، قلت: وهذا يدل على رجوع الإام ابن رجب عما أطلقه آنفاً من أن كل من هو دون المتهم بالكذب يكون حديثه حسناً عند الترمذي، إذا لم يكن شاذاً وروي من غير وجه، ويكون على هذا كثير الخطأ ومن يغلب على حديثه الوهم غير قابل لحديثه حسناً، وإن لم يكن متهماً.
ومثله قول الإام مسلم رحمه الله في مقدمة الصحيح في بيان مراتب الرواة ومراتب رواياتهم: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط أمسكنا أيضاً عن حديثهم. ثم بين علامة الحديث المنكر، ثم قال: فاذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبول ولا مستعمل. فواضح من كلامه أنه لا يفرق بين المتهم بالكذب وبين من يكثر في حديثه المنكر أو الخطأ، وأن كل هؤلاء لا يشتغل بحديثهم ولا يلتفت إليهم، والله أعلم.
هذه فكرة مهمة، وهي أن الإام الترمذي لما قال: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، هل معناها أن الراوي وإن كان شديد الضعف لكنه لم يتهم بالكذب، هل هذا يدخل في الرواة الذين يحسن الترمذي حديثهم؟
الجواب: لا، لأن الراوي إذا كان الأغلب على روايته الأحاديث المنكرة، يعني كان كثير الخطأ، فهذا الراوي منكر الحديث أو متروك الحديث، فهذا الراوي لا يدخل في من يحسن الترمذي حديثهم، وإنما يلحق بصفة التهمة بالكذب.
فالتهمة بالكذب ليست محصورة في من يتعمد الخطأ، وإنما يدخل فيها كذلك كثير الغفلة، الذي يغلب على روايته الأحاديث المنكرة، واضح؟
فهذا مراد الإام ابن رجب هنا في تعليقه على كلام الترمذي، وهو نفسه كلام الإام مسلم حينما بين أن قسماً من الرواة لا يشتغل بحديثهم، وهم الذين يغلب على روايتهم كثرة الخطأ.
قال: وقول الترمذي رحمه الله يروى من غير وجه نحو ذلك، ولم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
بقي هنا يمكن أن نعلق على جزء على كلمة في صفحة مئة وسبعة وسبعين أن الشيخ حفظه الله قال: والظاهر أنه أراد بالشاذ ما قاله الشافعي، وهو أن يروي الثقات عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.
الإامام الشافعي رحمه الله في هذا الكلام الذي نقل عنه لم يكن يعرف لفظ الشاذ، يعني الإامام الشافعي لم يكن يجعل للشاذ حداً فيقول: الحديث الشاذ هو أن يروي الثقة ما يخالف الثقات، وإنما كان هذا في معرض حديثه عن الروايات التي ينفرد بها الراوي الثقة، واضح؟
فيقول إن الراوي الثقة الثابت إذا انفرد برواية فلا يصح أن نحكم عليها بالشذوذ، إذا كان أهلاً للرواية قبلنا الرواية، إنما الشذوذ المردود هو أن يروي الراوي الثقة حديثاً فيخالفه الثقات، فالشافعي هنا لم يكن يذكر حداً للحديث الشاذ، وإنما كان يذكر بعض صور الشذوذ وهي أن يروي الراوي الثقة حديثاً ويخالفه الثقات، فهذا ليس تعريفا من الإمام الشافعي، وإنما يذكر حالة من الشذوذ.
طيب، نعيده مرة أخر، وقول صفحة مئة وتسعة وسبعين قال: وقول الترمذي رحمه الله: ويروى من غير وجه نحو ذلك، ولم يقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيحتمل أو فيحتمل يعني القول، يحتمل أن يكون مراده عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يحمل كلامه على ظاهره وهو أن يكون معناه يروى من غير وجه ولو موقوفاً ليستدل بذلك على أن هذا المرفوع له أصل يعتضد به.
وهذا كما قال الشافعي في الحديث المرسل إنه إذا عضده قول صحابي أو عمل عامة أهل الفتوى به كان صحيحاً. وعلى هذا التفسير الذي ذكرناه لكلام الترمذي، إنما يكون الحديث صحيحاً حسناً إذا صح إسناده برواية الثقات العدول، ولم يكن شاذاً، وروي نحوه من غير وجه.
يعني الشيخ يريد أن يقول هنا: هل الإام الترمذي في قوله أن يروى من غير وجه نحو ذلك أو نحو ذلك، هل معنى ذلك أنه يشترط أن تكون الرواية التي تقوى بها الرواية الأولى، هل يجب أن تكون مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، لا يلزم، يمكن أن يكون موقوفاً على صحابي، ويمكن أن يكون عليه فتوى.
الصحابة الكرام تماما كما قوي الإمام الشافعي الحديث المرسل بأن يروى من غير وجه يمكن أن يكون مرسلا يمكن أن يكون موقوفا يمكن أن يكون فتوى وللصحابة أو عليه العمل أو نحو ذلك.
قال الشيخ: على هذا التفسير الذي ذكرناه لكلام الترمذي إنما يكون الحديث صحيحا حسنا يعني متى يكون صحيحا حسنا يعني أن نقول فيه حسن صحيح إذا توفرت فيه شروط الحسن وزيادة، يعني كان الحديث ليس فيه متهما بالكذب بل كان الراوي ثقة ثبتا مع توفر باقي الشروط فيكون هذا الحديث حسن وصحيح.
حسنا وصحيحا، واضح؟ كما نقول إن فلان مسلم ومؤمن، يعني توفر فيه الإسلام وتوفر فيه الإيمان، يعني مثلا لو أن طالبا من الطلبة نجح فهو انتقل من الصف الأول إلى الصف الثاني، تحقق فيه هذا، يعني كل الطلبة اللي هم يعني في نتيجة الاختبار أكثر من خمسين بالمئة فهذا انتقل من الصف الأول للصف الثاني.
فإذا كان مع ذلك مثلا جاب مثلا تسعين بالمئة فيلحق بالمتفوقين، فهو تحقق فيه هنا صفتان، الأولى أنه ناجح ومنقول إلى الصف الأول، وكذلك هو متفوق، واضح؟ لكن بعض الطلبة يمكن أن ينتقل إلى الصف الثاني ولا يكون متفوقا، فربما يكون الحديث حسنا فقط وربما يكون حسنا صحيحا.
قال الشيخ: وأما الصحيح المجرد فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه، لكن لابد ألا يكون أيضا شاذا، وهو ما روت الثقات خلافه، يعني الحديث الشاذ هو أن يروي الثقات خلاف ما وهو الثقة خلاف يعني لا يمكن الجمع بين الروايتين يعني على ما يقوله الشافعي والترمذي فيكون حينئذ الصحيح الحسن أقوى من الحديث الصحيح المجرد.
قال الشيخ: نعيد الجملة مرة أخرى، وأما الصحيح المجرد يعني الحديث الذي يقول فيه الترمذي هذا حديث صحيح لا يأتي بعده بكلمة حسن استنوا أو قبله فلا يشترط فيه أن يروى نحوه من غير وجه، يعني يمكن أن يكون صحيحا جاء بإسناد واحد ليس له روايات أخرى في نفسي معناه واضح لكن لابد ألا يكون أيضا شاذا وهو ما روت الثقات خلافه.
يعني الحديث الذي قال فيه الترمذي الصحيح لابد ألا يكون شاذا يعني لا يثبت الخطأ فيه ولا يخالف الثقات تلك الرواية، فهنا يمكن أن يكون الحديث صحيحا أما الحديث الحسن الصحيح لابد أن تتعدد رواياته لأن لفظ الحسن يشترط فيه تعدد الروايات.
قال: وقد يقال إن الترمذي إنما أراد بالحسن أو بالحسن ما فسره به ها هنا إذا ذكر الحسن مجردا عن الصحة، فاما الحسن المقترن بالصحيح فلا يحتاج إلى أن يروى نحوه من غير وجه، لأن صحته تغني عن اعتضاده بشواهد أخر والله أعلم.
الشيخ هنا يجتهد من نفسه فيقول: ربما يكون شرح الإمام الترمذي لمصطلح الحسن عنده تعلمون أن الإمام الترمذي شرح دلالة المصطلح عنده في آخر كتابه فقال: كل حديث يروى من غير وجه لا يكون فيه من يتهم بالكذب ولا يكون شاذا ويروى من غير وجه، واضح؟ فهو عندنا حديث حسن.
فالشيخ طارق يرى اجتهادا منه أن هذا المعنى إنما يكون إذا أفرد لفظ الحسن في الحكم على حديث ما، أما إذا جاء بالحسن والصحيح فربما لا يستلزم أن يروى من غير وجه لأن الحديث أساسا لا يحتاج إلى أكثر من وجه حتى يكون قويا، لأن القوة تأتيه من نفس الإسناد ربما يكون ذلك لكن يعني قلبي يميل إلى المعنى الأول وهو أن الحسن عند الإمام الترمذي كأنه يقتضي دوما أن هذا المعنى في الحديث له روايات أخرى أما مرفوعة أو من عمل الصحابة، هذا في رأي يمكن أن يكون هو الأقرب، وأن يكون معنى الحسن وحده تماما كمعنى إذا جمع معه الصحيح والله أعلم.
قال الشيخ: ومحصلة هذا الجواب أن قول الترمذي عليه رحمة الله ألا يكون في إسناده من يتهم بالكذب هل معنى هذا أنه لابد وأن يكون ضعيفا إلا أنه مع ضعفه لم يبلغ إلى حد أن يكون متهما بالكذب، أم من الممكن أن يكون ثقة أو صدوقا؟
يعني هل الإمام الترمذي لما قال ألا يكون الراوي متهما بالكذب هل هذا هو الحد الأدنى؟ فيدخل في ذلك الثقة والصدوق والوسط؟ أم أنه يقصد وتحديدا الراوي اللي هو ضعيف لكن ليس ساقطا، واضح؟ قال الشيخ: الظاهر عدم اشتراط ضعف الراوي لأن اشتراط كون الرواية سالمة من المفروض أو من متهم بالكذب لا يلزم منه أن تكون الرواية ضعيفة، أي لا يلزم من هذا الشرط أن تكون الرواية قد اشتملت على راو ضعيف ضعفه هين، لأن الرواية التي يرويها الثقات هي سالمة من متهم بالكذب، والرواية التي يرويها أهل الصدق أيضا سالمة من متهم بالكذب.
فإن كان هذا هو مراد الترمذي من قوله لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب أنه يدخل فيه الثقات ويدخل فيه أهل الصدق ويدخل فيه أيضا الضعفاء الذين لم يبلغوا من الضعف إلى تحدي أن يكونوا متهمين بالكذب، فحينئذ يسهل علينا فهم الجمع الذي وجد في كلام الإمام الترمذي عليه رحمة الله من قوله في كثير من الأحاديث التي أدخلها في الجامع هذا حديث حسن صحيح.
فيصف الحديث بالحسن ويصفه أيضا بالصحة ومعلوم أن الحسن إنما هو نوع من الأحاديث مرتبته دون مرتبة الحديث الصحيح، فكيف استجاز الترمذي وغيره من أهل العلم ممن وجد في كلمهم مثل هذا الجمع كيف استجازوا عليهم رحمة الله أن يجمعوا بين هذين الوصفين في الحكم على حديث واحد في آن واحد وبينهما بون؟
لأن وصف الحديث بالصحة معناه أنه في أعلى درجات القبول ووصفه بالحسن معناه أنه في أدنى درجات القبول، فكيف يكون الحديث الواحد في آن واحد في أعلى درجات القبول وهو أيضا في أدنى درجات القبول؟
الشيخ هنا يريد أن يشرح وجه الإشكال فيقول: هذا الاشكال ينحل إذا قلنا أن الإمام الترمذي يقصد ألا يكون الراوي متهما بالكذب يعني أن يكون ضعيفا أو أن يكون صدوقا متوسطا أو أن يكون في أعلى درجات الثقة، فبهذا يتصور أن يكون الحديث الواحد حسنا أنه يكون حسنا باعتبار أنه جمع الحسن واضح ليس فيه راوي متهم بالكذب وروي من غير وجه وليس الحديث شاذا، فإذا كان مع ذلك الرواة ثقات فهذا يدل على أنه حسن وزيادة يعني أنه حسن وصحيح.
قال الشيخ: هذا مما استشكله يعني الجمع بين الحسن والصحة هذا مما استشكله كثير من أهل العلم من الأئمة المتأخرين، فاذا فهمنا كلام الترمذي عليه رحمة الله على نحو ما قلت سهل علينا الجواب عن هذا الاشكال.
ذالك أن هذا الحديث الذي وصفه الإمام الترمذي عليه رحمة الله بأنه حسن قد وصفه بذلك بناء على اجتماع ثلاثة أمور فيه، الأول أن راويه سالم من التهمة بالكذب، الثاني أن الحديث سالم من الشذوذ، الثالث أن هذا الحديث قد روي نحوه من وجه آخر أو أكثر.
فإذا وجدنا الحديث هذه صفته صدق عليه اسم الحسن، صدقه يعني يعني صح أن نطلق عليه ده لفظ منطقي، يقولون إن في تعريف وفيما صدق من يصدق عليه التعريف، واضح؟
يعني مثلا لو قلنا في تعريفهم للإنسان مثلا حيوان ناطق مثلا، كلمة حيوان يعني فيه حياء وناطق في ادعائهم أنه مفكر وإن كان في لسان العرب لا يأتي النطق بمعنى التفكير، إنما النطق له أما بمعنى اللي هو الحزام اللي احنا بنربطه أو بمعنى الكلام يعني علمنا منطق الطير، أما النطق بمعنى التفكير فهذا اختراع من المناطقة، واضح من المناطقة العرب.
المهم أنهم يقولون مثلا الانسان حيوان ناطق فهذا الوصف يصدق على من؟ يصدق على أحمد وعلى علي وعلى خالد وعلى سعاد وعلى فلان وهكذا، واضح؟ فكلمة صدقة يعني ينطبق.
واضح، فهو بيقول إيه؟ صدق عليه اسم الحسن، يعني انطبق عليه هذا الاسم، أو يصح أن نطلق عليه الحسنى. فإذا انضم إلى هذا أن هذا الراوي الذي هو ليس متهماً بالكذب، كان من أهل الثقة، أي كان ثقة، فالثقة بطبيعة الحال سالبون من التهمة بالكذب.
فيصدق على الحديث أيضاً وصف الصحة؛ لأنه من رواية الثقات، ويصدق عليه أيضاً اسم الحسن؛ لأنه قد اشتمل على أوصاف الحسن عند الإمام الترمذي. الإمام الترمذي هذا شرحناه قبل ذلك، الإمام الترمذي اشترط في الحديث الحسن أن يكون رويه سالماً من التهمة بالكذب، وهذا ثقة سالم من التهمة بالكذب. الترمذي اشترط في الحديث الحسن أن يكون الحديث سالماً من الشذوذ، وهذا أيضاً سالم من الشذوذ، واشترط أيضاً أن يروى من غير وجه نحوه، وهذا أيضاً قد روي من غير وجه نحوه.
فهذا الحديث الذي بين أيدينا له طرق متعددة، وله شواهد من غيره، من غير رواية ذلك الراوي الذي تفرد بالوجه الأول، وليس بالضرورة أن تكون هذه الشواهد باللفظ، بل ربما تكون بالمعنى؛ إذ الاعتبار ها هنا هو بالمعنى، لا اللفظ. واضح؟ هذا ما ذكرناه قبل ذلك، أن الحديث الواحد يمكن أن يجمع شروط الحسن ويزيد عليها فيكون حسناً صحيحاً.
واضح؟ فلو جاءنا حديث يرويه ثقة، وهذا الحديث سالم من الشذوذ، وروي نحوه من غير وجه، صدق عليه اسم الحسنى؛ لأنه قد تحققت فيه شرائط الحسن عند الترمذي، أو الحسن، وصدق عليه أيضاً اسم الصحيح؛ لأنه تحققت فيه شرائط الصحة من ثقة الرواة واتصال الإسناد، والسلامة من الشذوذ والعلة. فيصلح حينئذ أن أقول في هذا الحديث إنه حسن صحيح؛ حسن باعتبار تحقق شرائط الحسن، أو الحسن التي ذكرها الترمذي فيه، وصحيح باعتباري أن شرط الحديث الصحيح أيضاً قد تحقق فيه.
واضح، يعني أن الحديث الواحد اكتمل فيه شروط الحسن وكذلك زاد على ذلك فهو حسن صحيح، وإن لم يكن الراوي ثقة، بل هو راو ضعيف، إلا أن ضعفه من الضعف الهين وليس من الضعف الشديد، فهو أيضاً حديث حسن؛ لأن هذا الراوي ليس متهماً بالكذب وحديثه أيضاً سالم من الشذوذ، وهو أيضاً قد روي من غير نحوه، إذا تحقق فيه شرط الحسن عند الإمام الترمذي عليه رحمة الله.
يعني لو كان الراوي ليس في أعلى درجات الثقات الحفاظ، لكن ضعفه كان محتملاً، وليس الحديث شاذاً، وروي من أكثر من وجه، فهذا يسمى حسناً. قال: فإذا صادف أن هذا الراوي روايته بلفظ ما، وتلك الشواهد التي انضمت إليه، وإن وافقته في المعنى إلا أنها لا توافقه في اللفظ، فحينئذ يصدق على الحديث وصف حسن غريب، أي حسن لتحقق شرائط الحديث الحسن التي ذكرها الترمذي في هذا الحديث، وهو غريب بهذا اللفظ الذي جاء به ذلك الراوي متفرداً به، أو قد تكون الغرابة راجعة إلى الإسناد؛ كأن يكون ذلك الراوي الذي هو فيه نوع ضعف، إنما تفرد برواية ذلك الحديث بإسناد معين لم يأت به غيره، والمعنى الذي يتضمنه المتن له شواهد تأخذ بيده وتعضده وتؤكد أن الراوي حفظ المتن أو معناه، وإن لم يحفظ الإسناد، فحينئذ يصدق عليه وصف حسن غريب أيضاً؛ بمعنى أنه يكون حسناً لتحقق شرائط الترمذي في الحسن، وغريباً أي من هذا الوجه ومن هذا الإسناد الذي تفرد به ذلك المتفرد.
يعني إيه يا شباب؟ عندنا حديث، هذا الحديث توفرت فيه شروط الحسن، يعني رواه راوي ليس متهماً بالكذب، وهذا الراوي لم يكن متهماً بالكذب ولم يثبت الشذوذ في روايته، وجاء من أكثر من وجه، لكن ليس اللفظ، اللفظ هذا ليس له إلا هذا الإسناد، أو حصل نوع تفرد في الإسناد، كأن مثلاً يكون هذا الحديث لم يرو عن الزهري إلا معمر، فهذه غرابة. واضح؟ الغرابة يمكن أن تكون في الإسناد ويمكن أن تكون في المتن.
فاحنا عندنا هنا احتمالات يا شباب، عن ماذا نتكلم يا شباب؟ نتكلم عن وصف الإمام الترمذي لرواية معينة بأنها حسن غريب. لماذا يقول غريب بعدما قال حسن؟ الحسن معناه أن هذه الرواية جاءت من أكثر من وجه، فكيف يجمع معها الغرابة؟ كيف يقول حسن غريب؟ هذا كأنه تناقض؛ لأن الحسن يقتضي أن يكون لهذه الرواية أكثر من وجه، والغرابة تقتضي تفرداً ما، لازم يكون في تفرد حصل. واضح؟
فعندنا هنا صور ثلاثة يا شباب، الصورة الأولى أن يقع التفرد في المتن، يعني أن يكون المتن غريباً؛ هذا اللفظ لم يجيء في أي رواية إلا بهذا الاسناد، وإن كان روي معناه بأسانيد أخرى، فهذا يكون غريباً؛ بمعنى أن هذا المتن لم يرو إلا بإسناد واحد، وإن كان له ربما يكون هذا المتن روي بمعاني أخرى، فهذه هي الصورة الأولى. الصورة الثانية أن يكون الحديث روي من أوجه كثيرة إلا لفظة معينة.
مثلاً الإمام الترمذي روى حديثاً، هذا الحديث روي بأسانيد كثيرة، وهي: أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا عِنْدَهُ أَنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. روي من روايات كثيرة جداً عن أبي هريرة، لكن بعض الروايات القليلة هي رواية رواها الترمذي في كتاب الجامع، يرويها محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أن الله كتب كتاباً بيده أن رحمتي سبقت غضبي. فكلمة بيده هذه لم ترو ولم تصح عن أبي هريرة إلا من هذا الطريق.
واضح؟ وكل الرواة الذين رووا هذا الحديث عن أبي هريرة وحفظت روايتهم لم يقولوا بيده، وإنما قالوا: أن الله كتب كتاباً عنده أن رحمتي سبقت غضبي. فلذلك أطلق الإمام الترمذي الغرابة على هذه الرواية، لا يعني أن هذا غريب، وإنما يعني أن تلك اللفظة بعينها لم تجئ إلا في هذه الرواية، فهذا غريب من حيث هذه اللفظة، فهذه هي الصورة الثانية.
الصورة الثالثة التفرد الواقع في الإسناد، أن يكون راوياً ما تفرد بالرواية عن شيخه، مثلاً لم يرو هذا الحديث عن الثوري إلا يحيى القطان، أو لم يروه عن الزهري إلا معمر، أو لم يروه عن الأعمش إلا جرير، أو لم يرو عن أيوب إلا حماد بن زيد، سواء كان تفرده مقبولاً أو ليس مقبولاً. واضح؟ فهذه هي الصور التي يمكن أن يقول فيها الإمام الترمذي غريب، وهي الغرابة بمعنى التفرد.
طيب، قال الشيخ: وعلى هذا فلا إشكال في قول الترمذي في الحديث: هذا حديث حسن غريب، ولا قوله: حسن صحيح، ولا قوله: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ فهذا حكم متعلق بالرواية من حيث الإسناد، والحسن راجع إلى المتن وإلى المعنى الذي تضمنه ذلك المتن، وهذا أمر معروف. فهناك من الأحاديث ما يكون غريباً من حيث اللفظ، بمعنى أنه لم يرو بهذا اللفظ إلا من وجه واحد، وإن كان المعنى الذي تضمنه ذلك اللفظ مروياً من وجوه كثيرة، فحينئذ الغرابة تكون راجعة إلى رواية بعينها أو لفظ بعينه.
وإن كان المعنى الذي تضمنه ذلك اللفظ معنى مشهوراً مستفيضاً لا غبار عليه ولا شك في صحته. سيذكر هنا مثلاً قال: كمثل حديث الأعمال بالنيات؛ فإن شواهده كثيرة جداً في السنة، مما يدل على أن المقاصد والنيات هي المؤثرة في الأعمال، وأن الجزاء يقع على العمل بحسب ما نوي به، وإن لم يكن لفظ حديث عمر الذي أخرجه البخاري ومسلم واتفق الأئمة على صحته، وهو حديث: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى إلى آخر حديث بعينه، مروياً من حديث من غير حديث عمر من وجه يصح.
فالمعنى الذي تضمنه هذا الحديث هو معنى مشهور، لا نستطيع أن نقول إنه غريب، وإن كان اللفظ نفسه غريباً لم يصح إلا من هذا الوجه؛ تفرد عمر بن الخطاب به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتفرد علقمة به عن عمر، ولتفرد محمد بن التيمي به عن علقمة، ولتفرد يحيى بن سعيد الأنصاري به عن التيمي، فهو بهذا الإسناد غريب، ولكن المعنى الذي تضمنه معنى مشهور قد تلقاه العلماء بالقبول، وروي بموافقته بموافقة أحاديث كثيرة، فهذا محصلة.
اه، فهذا محصلة جواب الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله عن هذا الإشكال، وهو كما ذكرنا من أقرب الأجوبة إلى الصواب، ومن أدقها، ومن أسلمها عن الاعتراض والإيراد، والله أعلم.
طبعا، يمكن أن يكون هذا الجواب قريبا من الصواب، لكن المسألة أيضا تحتاج تحريرا أكثر. وهناك كتاب كبير تقريبا ستة مجلدات للشيخ خالد الدريس يشرح فيه مصطلح الحسن ودلالاته عند الأئمة، لكن يعني بشكل إجمالي يمكن أن نكتفي بهذا القدر في هذه المسألة، وهو محصلة جواب الإمام ابن رجب رحمه الله.
يعني أذكر خلاطتها؛ أن الإمام الترمذي رحمه الله حيث يطلق على رواية ما (حسن صحيح) فإنما يريد أن هذه الرواية توفرت فيها شرائط الحسن وشرائط الصحة. وإذا جاء بكلمة (غريب) فإنما يريد بذلك أن هذه الرواية بها تفرد ما، قد يكون تفردا في الإسناد تفرد راو عن راو، وقد يكون هذا اللفظ فردا، لكن المعنى جاء من أكثر من وجه. واضح؟
إذا قال فيه (حسن غريب) فهذا يعني أنه جاء من أكثر من وجه المعنى، أما اللفظ فجاء في لفظ واحد أو في إسناد واحد. أما إذا قال، وكذلك إذا كان الحديث مرويا من أكثر من وجه، لكن به لفظة معينة هي التي جاءت بهذا الإسناد. واضح؟ فبهذا لا نستشكل أن يقول في حديث واحد (حسن صحيح) أو (حسن غريب) أو (صحيح غريب) أو (حسن صحيح غريب).
فهذا اختلاف تنوع يا شباب، اختلاف التنوع أن يكون الشخص الواحد يجتمع فيه أكثر من وصف باعتبارات مختلفة. يعني إيه يا شباب؟ احنا عندنا الخلاف أنواع؛ فيه خلاف لفظي، وفيه اختلاف تنوع، وفيه اختلاف تضاد.
خلاف لفظي هو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ. يعني مثلا، أنا أرير أن أعبر عن أن راويا ما ثقة، يمكن أن يكون: ثقة، حجة، ثبت، إمام، حافظ، متقن؛ فهذا اختلاف لفظي والمعنى واحد. أنا أريد أن أتكلم عن حفظ وضبط الراوي، يبقى جهة الحكم واحدة والمعنى واحد واللفظ مختلف. واضح؟
أما اختلاف التنوع فهو اختلاف جهة الحكم؛ كأن أقول: هذا الشخص مسلم مصري أبيض طويل، هذه أوصاف مختلفة لكن جهات الحكم مختلفة؛ هنا أحكم على الطول، وهنا أحكم على البلد التي هو منها، وهنا أحكم على دينه، وهنا أحكم على لونه. واضح؟
وكنا زمان لما نحب مثلا نمزح مع طفل نقول له مثلا: الطيارة أسرع ولا النخلة أطول؟ ده اختلاف تنوع. واضح؟ لأن هنا أتكلم عن السرعة وهنا أتكلم عن الطول. فهكذا هو اختلاف التنوع. اختلاف التنوع هو اختلاف جهة الحكم؛ يعني مثلا إذا قال الإمام أحمد: معمر ثقة في الزهري، ضعيف في أيوب، فمرة وصفه بالثقة ومرة وصفه بالضعف، هذا اختلاف تنوع.
فاختلاف التنوع فيه اختلاف جهة الحكم لكن يمكن الجمع بين الأقوال، تماما مثل (حسن صحيح غريب)؛ حسن باعتبار، صحيح باعتبار، غريب باعتبار. واضح؟ فهذا يسمى اختلاف تنوع.
أما اختلاف التضاد فهو أن تكون جهة الحكم واحدة، لكن لا يمكن الجمع بين الأقوال. واضح؟ أضرب لكم مثالا على فكرة اختلاف التنوع حتى تفهم اختلاف التضاد؛ إذا قلت لك مثلا: إسطنبول هي بعيدة وقريبة، ده كلام صحيح، هي مثلا بعيدة من مصر وقريبة مثلا من بلد اسمها بورصة دي بلد قريبة منها شوية، فهي قريبة وبعيدة. نعم، لكنها قريبة بالنسبة لبلد وبعيدة بالنسبة لبلد.
لكن هل يمكن أن تكون قريبة وبعيدة من نفس البلد؟ لا. هل يمكن أن يكون الشيء موجودا ومعدوما في نفس الوقت؟ لا. هل يمكن أن يكون مثلا هذا الشيء طويلا قصيرا في نفس الوقت؟ لا. واضح؟ فبالتالي، هذه الصفات التي ذكرها الإمام الترمذي هي صفات اختلاف تنوع يمكن أن تتوفر في الحديث الواحد.
طيب، ندخل في ما بعده، لو حد عنده إشكال يا شباب يا ريت يسجله. هنا الشيخ حفظه الله سيذكر مجموعة من الألفاظ التي تستعمل، يطلقها العلماء في الحكم على بعض الروايات، سأذكرها سريعا لأن هي لا تحتاج تعليقا كثيرا. قال: قولهم له أصل.
قال الشيخ حفظه الله: قول المحدثين في الحكم على الحديث (له اصل) لا يلزم منه عندهم أن الحديث صحيح أو أنه موصول؛ موصول يعني متصل، بل قد يكون ضعيفا، فقد يكون هذا الأصل الذي وجد له فيه من العلل ما يوجب ضعفه. يعني كلمة (له أصل) معناها أن له إسنادا، لكن هل يستلزم أن يكون الحديث صحيحا؟ لا، لا يلزم. يعني إطلاق العلماء على رواية ما أن لها أصلا أو على حديث ما بأن له أصلا لا يستلزم أن يكون هذا الحديث صحيحا، وإنما يجب أن نرجع إلى هذا الأصل الذي ذكروه ونطبق عليه شروط القبول.
قال: ذكر لأبي حاتم حديث من حديث عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن عمر مرفوعا في الوضوء من لحوم الإبل، فقال: كنت أنكر هذا الحديث لتفرده، فوجدت له أصلا، ثم ذكر: وله وجه آخر عن عطاء بن السائب به، ثم ذكره من وجه ثالث عن عطاء موقوفا على ابن عمر، ثم قال: موقوف أشبه. كلمة (أشبه) عند العلماء يعني هو الوجه المحفوظ للرواية. فابن أبي حاتم الرازي هنا رحمه الله قال: إن هذا الحديث له أصل مرفوع نعم، لكن ليس هذا هو الرواية الصحيحة، وإنما الرواية الصحيحة أن يكون موقوفا على ابن عمر. واضح؟ قال: موقوف أشبه، يعني أشبه يعني هو الوجه المحفوظ للرواية.
ومن ذلك إطلاقهم الصحة على الكتب الخمسة، يقصدون بالكتب الخمسة: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود. واضح؟ يعني كانوا قديما لا يدخلون ابن ماجة رحمه الله في هذه الكتب أو الأصول، وإنما ألحق متأخرا، بعضهم كان يدخل الدارمي رحمه الله.
قال: ومن ذلك إطلاقهم الصحة على الكتب الخمسة، يقصدون صحة أصولها ولا يلزم منه صحة كل أحاديثها. قال الحافظ أبو طاهر السلفي: وكتاب أبي داود، فهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ الحديث الأعلام النبهاء، أي على قبولها والحكم بصحة أصولها، يعني صحيح الأصل، يعني صحيح النسبة. كتاب معروف مشهور، ليس معنى ذلك أن كل حديث فيها يحكم له بالصحة.
قال الحافظ العراقي: ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا. فقد ذكر ابن الصلاح عند ذكر التعليق -إن لم يكن في لفظه جزم، التعليق اللي هو الحديث المعلق: أن يحذف المصنف من مبتدأ الإسناد راويا أو أكثر، وهذا ذكرناه بالتفصيل في التعليق على كتاب نخبة الفكر، وسيأتي معنا إن شاء الله-.
قال: ولا يلزم من كون الشيء له أصل صحيح أن يكون هو صحيحا، فقد ذكر ابن الصلاح عند ذكر التعليق -يعني الحديث المعلق- أن ما لم يكن في لفظه جزم، مثل: روي، فليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه. قال: ومع ذلك فإيراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله، انتهى. فلم يحكم في هذا بصحة، مع كونه له أصل صحيح، والله أعلم.
نحاول نشرح الكلمة دي يا شباب عشان يكون الناس كلها فاهمة إن شاء الله. بيقول: هنذكر كلام الإمام ابن الصلاح هنا عند ذكر التعليق؛ يعني الحديث المعلق والحديث الذي يتعمد المصنف أن يحذف من مبتدأ الإسناد راويا أو أكثر، قال: أن ما لم يكن في لفظه جزم -الجزم يعني يقول: قال، واضح، أو: عن، فإذا قال: ذكر أو روي، فهذا يسمونه صيغة تمريض، واضح؟- فابن الصلاح يقول: إذا ذكر الأئمة حديثا معلقا بغير صيغة الجزم كان قالوا مثلا: ذكر، روي، فليس في شيء منه حكم منه بصحة ذلك عمن ذكره عنه. واضح؟ يعني هذا لا يجزم بصحته إلى من علق عنه الحديث. واضح؟ ومع ذلك، فإيراده له -يعني إدخال إمام من الأئمة كالبخاري أو مسلم في صحيحيهما هذا الحديث المعلق-
هذا مشعر بصحة أصله واضح؟ فالشيخ هنا الشيخ طارق يريد أن يفهم من هذا أن كلمة أن هذا أن كلمة له أصل لا تستلزم أنه صحيح. واضح؟ فيمكن أن يكون له أصل يعني له إسناد معروف، واضح؟ هذا في ذاته لا يستلزم أن يكون صحيحا وإنما ينبغي أن نرجع إلى هذا الأصل، ونطبق عليه شروط القبول. واضح؟
فكلمة له أصل كأنها بمعنى معروف، يعني يقولون: آه والله هذا حديث معروف، يرويه أهل السنن أو يرويه أهل الكتب، هذا لا يستلزم أن يكون صحيحا وإنما نرجع إلى تلك الروايات فنطبق عليها شروط القبول. يبقى الخلاصة: وصف الأئمة لرواية ما بأن لها أصل لا يستلزم أن تكون صحيحة.
قال: قولهم أصح شيء في الباب كذا. قال الشيخ: قول المحدثين هذا الحديث أصح شيء في الباب لا يلزم منه صحة الحديث، فإنهم يقولون تلك العبارة وإن كان الحديث ضعيفا ومرادهم أنه أرجح ما في الباب أو أقله ضعفا، وقد يكون غيره مما في الباب ضعيفا جدا أو موضوعا ونحو ذلك. قولهم أحسن ما في الباب كذا وأجود وأقوى وأشبه وأسند ونحوها.
دلوقتي احنا نريد أن يفهم ماذا يعني العلماء بقولهم هذا الحديث أصح شيء في الباب، هي صيغة تفضيل كما أقول: الدهب الفلاني ده أفضل لاعب في الفرقة. هذا لا يلزم أن هو يكون لعيب ممكن يكون باقي الفرقة الفرقة تعبانين جدا وما لهمش في اللعب أساسا، واضح؟ فصيغة التفضيل هذه لا تقتضي وصف الحديث بالصحة، وإنما تقتضي فقط أن هذا الباب الفقهي أو العقدي أو التفسيري الذي روي فيه الحديث هذا أصح شيء فيه.
مثلا إذا جئنا لباب أن تنكح المرأة بولي، وجوب الولي مثلا فنقول: أصح حديث في الباب: لا نكاح إلا بولي. هل هذا معناه في قولي أصح شيء في الباب أن هذا الحديث يجب أن يكون صحيحا؟ لا، يمكن أن يكون صحيحا ويمكن ألا يكون صحيحا، لكني أقصد أن هذا الباب الفقهي وهو وجوب الولي في نكاح المرأة أصح شيء فيه تلك الرواية.
نفس هذه الرواية قد تكون أصح من غيرها لكنها في نفسها حسنة، أو مثلا ضعيفة وغيرها شديد الضعف، واضح؟ فكلمة أصح شيء في الباب تقتضي دلالة واحدة، أن هذه الرواية أفضل ما روي في الباب. لكن هل هي توفرت فيها كل شروط الصحة أم لا؟ هذا يرجع إلى تطبيق شروط الصحة عليها.
وكذلك قولهم أحسن شيء في الباب أو أجود أو أقوى أو أشبه أو أسند، كل هذا فقط يعطينا دلالة واحدة وأنها هذه الرواية أفضل ما روي، لكن هل هي صحيحة أم لا؟ هذا يرجع إلى تطبيق الشروط عليها. ذكر الشيخ أيضا ألفاظا أخرى تطلق يطلقها العلماء على الروايات المعينة هذه، قال: هذه الألفاظ مستعملة عند أهل الحديث في المقبول صفحة مائة سبعة وتمانين يا شباب آه، قال: وبعضها يطلق على معنى خاص منه ذكرتها ليقف عليها طالبها. ذكر لفظ المحفوظ والمعروف والحجة وهكذا.
قال الشيخ: لفظ المحفوظ يغلب إطلاقه في مقابل الشاذ إذا كان الشاذ مما عرف بالمخالفة. يعني إيه يا شباب؟ يعني إذا كان عندنا رواية إن شاء الله في المرات القادمة نحاول نشرح على السبورة بس آه حاولت أجرب على السبورة وجدت أن الصورة هتبقى عكسية، فاحنا بدأنا نتطور يعني الميكروفون جه والصوت بقى كويس شوية، فيمكن إن شاء الله بعد كم سنة كده نفقر في موضوع السبورة إن شاء الله.
احنا عندنا يا شباب رواية مثلا يرويها راي واختلف الرواة عنه، وليكن مثلا رواية يرويها الأعمش رحمه الله واختلف رواته، رواها مثلا شعبة والثوري ويحيى القطان آه رواها عن الأعمش عن أبي صالح مرسلة، يعني عن أبي صالح عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها راو آخر وهو جرير آه عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فيقول العلماء ماذا؟ يقولون: رواية شعبة والثوري والقطان محفوظة. ماذا يقصدون بكلمة محفوظة هنا؟ لا يقصدون أنها صحيحة، وإنما يقصدون أن هذا هو الوجه الصحيح عن الأعمش. وماذا يسمون رواية جرير؟ يقولون رواية جرير شاذة أو منكرة أو خطأ، واضح؟ فهذا يطلقون لفظ المحفوظ مقابلا للفظ الشاذ أو لفظ المنكر.
واضح يا شباب؟ فكلمة محفوظ هنا لا تقتضي أن الرواية كاملة صحيحة، وإنما تقتضي فقط أن هذا هو الوجه الصحيح لتلك الرواية. واضح يا شباب كما ذكرت لكم قبل ذلك كثيرا: إذا قال شخص قال النصارى الله إله واحد، وقال شخص آخر قالت النصارى الله ثالث ثلاثة، فهنا لنا حكمان.
الحكم الأول على صحة النسبة، فالذي قال قالت النصارى لا إله إلا الله أخطأ، واضح؟ لأن النصارى لم يقولوا ذلك، فهذا حديث شاذ منكر خطأ، واضح؟ وإن كان قول لا إله إلا الله هو الحق بلا شك، لكننا نريد هنا أن نعرف ما الذي قالته النصارى، والذي قال قالت النصارى الله ثالث ثلاثة أو المسيح ابن الله، هذا القول صحيح النسبة إلى النصارى وإن كان بعد ذلك هذا القول منكرا هذا أمر آخر، واضح يا شباب؟
يبقى كلمة محفوظ عند العلماء تعني أن هذا هو الوجه الصحيح لتلك الرواية، ثم لما نطبق باقي شروط القبول على الرواية من أولها إلى آخرها يمكن أن يكون بعد ذلك صحيحا ويمكن ألا يكون صحيحا.
قال: والمعروف، الشيخ طبعا ذكر هنا حاشية، قال: مراد أهل العلم من قولهم المحفوظ مقابل الشاذ والمعروف مقابل المنكر، أي حيث تقع رواية شاذة ويستدل على شذوذها بالمخالفة، فإن الرواية الراجحة هي المحفوظة، وحيث تقع رواية منكرة ويستدل على نكارتها بالمخالفة، فإن الرواية الراجحة هي المعروفة.
ومعلوم بداهة أن الرواية الصحيحة المحفوظة أو المعروفة هي صحيحة ثابتة وإن لم تعارضها رواية شاذة أو منكرة، وبهذا تعلم خطأ من صنف في علم المصطلح من المعاصرين حيث أفرد لكل من المحفوظ والمعروف فصلا معرفا الأول بأنه ما رواه الأوثق مخالفا لرواية الثقة، والثاني بأنه ما رواه الثقة مخالفا لما رواه الضعيف، فأوهم بذلك أنه لا يكون الحديث محفوظا إلا إذا عارضه شاذ ولا معروفا إلا إذا عارضه منكر.
وإنما استدل الأئمة على شذوذ رواية الشاذة بمخالفتها لما هو محفوظ سلفا، وعلى نكارة المنكرة بمخالفتها لما هو معروف سلفا، فالمحفوظ محفوظ وإن لم يخالف، والمعروف معروف وإن لم يخالف، فافهم. هذا تنبيه من الشيخ، الشيخ يريد أن يقول يا شباب: وصف لرواية ما بأنها محفوظة أو معروفة يقتضي أن هذا هو الوجه الصحيح للرواية بغض النظر هل خالفها غيرها أم لا؟ هذا وصف ذاتي لها، واضح؟ يمكن أن يكون مع ذلك لها ما يخالفها ويمكن ألا يكون، واضح؟
يعني لا يلزم من وصف العلماء لرواية ما بأنها محفوظة أو معروفة أن يكون هناك روايات أخرى خالفتها ولا تثبت، بل يمكن أن يكون الحديث محفوظا وليس له رواية واحدة فيسميه العلماء هذا محفوظ، ويمكن أن يكون محفوظا وله روايات أخرى خالفته. المهم يا شباب أن كلمة محفوظ لا تقتضي أن الناقد يصحح تلك الرواية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل يمكن أن يصححها ويمكن أن يقصد فقط أن هذا هو الوجه المحفوظ الصحيح لتلك الرواية، واضح يا شباب؟
قال: والمعروف يغلب إطلاقه في مقابل المنكر إذا كان المنكر مما عرف بالمخالفة كذلك، يعني يقول المنكر أن يكون هناك رواية هي الثابتة وروايات أخرى خالفتها وليست ثابتة، فيقولون هذه الرواية معروفة، ولفظ معروف نادر جدا جدا في استعمال الأئمة المتقدمين في إطلاقه على رواية ما، وإنما يكثر قولهم صحيح أو محفوظ يريدون به أن هذا هو الوجه الصواب لتلك الرواية، بغض النظر هل هي بعد ذلك ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم أو لا؟ وإنما يقصدون فقط أن هذا هو الوجه الصحيح لتلك الرواية، لكن لفظ معروف يندر جدا في إطلاق العلماء بحسب مطالعتي.
قال: وقد يطلق المحفوظ على المعروف والعكس. والأمر سهل؛ يعني يمكن أن يطلق العلماء لفظ محفوظ آآ يكون الروايات الأخرى ضعيفة أو منكرة، ويكون الرواة المخالفين فيها ضعفاء أو ثقات، عادي.
كما قلت لكم: إن المحدثين أو النقاد يعبرون عن المعنى الواحد بأكثر آآ من لفظ، ويعبرون باللفظ الواحد عن أكثر من دلالة. عندهم سهولة جدا في هذا الباب، لكن المتأخرين كثير منهم للأسف حاول أن يطور المصطلحات وأن يجعل للمصطلح الواحد آآ دلالة واحدة.
فلذلك وقع خلط كبير جدا عند الطلاب الذين لم يعتنوا بدراسة كلام الأئمة المتقدمين أو مطالعة الكتب التي آآ اهتمت بشرح مصطلحاتهم؛ فظن أن المصطلح الواحد له دلالة واحدة، وإذا استعمل بغير ذلك فقد خالف الاصطلاح. لا آآ، الأئمة عندهم سعة في هذا.
كما في لسان العرب آآ، كما ذكر الشافعي رحمه الله: العرب تسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، وتسمي بالاسم الواحد الأشياء الكثيرة. قال الشيخ: والمتفق عليه، يعني لفظ متفق عليه هو ما اتفق عليه، وما اتفق البخاري ومسلم على تخريجه في صحيحيهما من حديث صحابي واحد.
أما إذا كان المتن الواحد عند أحدهما من حديث صحابي غير الصحابي الذي أخرجه عنه الآخر، مع اتفاق لفظ المتن أو معناه، فالظاهر من تصرفاتهم أنهم لا لا يعدونه من المتفق. يعني إيه يا شباب؟ يعني نسمع مثلا حديث متفق عليه، الشيخ هنا يرى أن كلمة متفق عليه يعني فيه شرطان: أن يكون هذا المتن اتفق البخاري ومسلم على تخريجه في صحيحيهما -هذا هو الشرط الأول- وأن يكون من رواية صحابي واحد.
يعني مثلا يكون الحديث عند البخاري من رواية أبي هريرة، وعند مسلم من رواية أبي هريرة. أما إن كان المتن اه واحدا لكنه عند الإمام مسلم من رواية أنس، وعند البخاري من رواية أبي هريرة مثلا، أو من رواية عائشة رضي الله عنها، فانه لا يطلقون عليه متفقا آآ عليه. واضح؟ فكأن شرط متفق عليه فيه شرطان: أن يكون المتن واحدا، وأن يكون من رواية صحابي واحد.
أيضا من الألفاظ التي يستعملونها لفظ مستقيم؛ قال: هو ما جاء على وفق أحاديث الثقات من غير مخالفة في المتن. طبعا لفظ مستقيم قليل جدا آآ في استعمال العلماء؛ فالعلماء نادرا ما يطلقون على حديث بأنه مستقيم. واضح؟ الشيخ سيذكر هنا شاهدا، لكن هذا الشاهد وصف لروايات راو مقارنة بغيره من الرواة الثقات، لكنه لفظ نادر جدا في استعمال العلماء، أنا لا أعلمه موجودا إلا في تلك الرواية.
قال الشيخ: هو ما جاء على وفق أحاديث الثقات من غير مخالفة في المتن أو الإسناد، ومنه قولهم آآ: فلان مستقيم الحديث أو أحاديثه مستقيمة. لاحظ هنا يأتي وصفا لأحاديث الراوي؛ فهو وصف للراوي. واضح؟ أما أن يحكموا على حديث معين بأنه مستقيم، فهذا يعني قليل جدا بحسب مطالعتي.
وقال ابن معين: قال لي إسماعيل ابن علية يوماً: كيف حديثي؟ ابن معين أحد النقاد النقاد الكبار يسأله إسماعيل ابن علية، وهو أحد أكابر الثقات الحفاظ، وأراد أن يعرف حاله في الروايات، فذهب إلى إمام، وهذا الإمام كيف يكون أخبر بحديث الراوي من نفسه؟ يعني ربما آآ يأتي بعض الناس يقول: كيف يكون ابن معين أعلم برواية راو من نفسه؟ نعم؛ لأن ابن معين يسمع الرواية من أكثر من وجه، قارن بين الأوجه، فمن هنا يعرف هل هذا الراوي يكثر عليه موافقة الثقات أو مخالفة الثقات.
واضح؟ فهنا قال إسماعيل بن علية يوماً لابن معين: كيف حديثي؟ يعني أنت حينما اختبرت حديثي واعتبرته وقارنته بأحاديث الثقات من طبقتي من الذين يشاركونني في الرواية، كيف وجدت حديثي؟ قال ابن معين: قلت: أنت مستقيم الحديث. قال: فقال لي: وكيف علمتم ذلك؟ قلت له: عارضنا بها أحاديث الناس. كلمة الناس هنا يعني الثقات، فرأناها مستقيمة. قال: فقال: الحمد لله.
واضح؟ يبقى كلمة الاستقامة للأحاديث تدل على أن أن هذا الحديث جاء على وفق أحاديث الثقات. قال: المستوي، يعني آآ كلمة مستوي يطلقون عليها على الحديث، قال مثل المستقيم؛ منه قولهم: فلان المستوي الحديث أي مستقيمه. قال أبو حاتم في عبدالعزيز بن المختار: صالح الحديث، مستوي الحديث، ثقة.
واضح؟ وروى بعض الضعفاء حديثا بإسناده عن الزهري عن أبي إسحاق السبيعي، فقال الإمام ابن عدي: هذا الإسناد ليس بمستو؛ لأن الزهري لا يحدث عن أبي إسحاق، يعني أنه إسناد مركب غير مستقيم. فهذا يفيد يا شباب أن كلمة مستوي قريبة من المعنى اه من كلمة مستقيم.
كل هذه ألفاظ يا شباب نادرة جدا في استعمال النقاد، وغالبا ما تطلق على وصف أحاديث الراوي وليس لوصف حديث معين. قال: والجيد قريب من الصحيح. وفي التدريب -أي تدريب الراوي- أن الجبذ منهم لا يعدل عن الصحيح إلى جيد إلا لنكتة يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغ الصحيح، فالوصف به أنزل من الوصف بصحيح، وكذا القوي.
يعني يريد أن يقول يا شباب: لماذا يطلق العالم على رواية ما: جيد؟ فهو أتى هنا بكلام آآ من كتاب تدريب الراوي للسيوطي رحمه الله، بيقول السيوطي: إن الجهبذ -يعني الناقد- لا يعدل في حكمه على رواية بأنها صحيحة، فيقول هي جيدة، واضح، إلا لمعنى معين؛ ما هو؟ أن هذه الرواية أعلى من الحديث الحسن وأقل من الحديث الصحيح، فيسميها حينئذ جيدة. واضح؟ فكأنه يريد أن يقول: الجيد فوق الحسن، أقل من الصحيح.
قال: كأن يرتقي الحديث عنده عن الحسن لذاته، ويتردد في بلوغه الصحيح. يعني يقول: هذا أفضل من الحديث الحسن، لكنه متردد أن يلحقه بالصحيح، فيطلق عليه مصطلح جيد. قال: فالوصف به أنزل من الوصف بصحيح. قال: وكذا القوي، يعني كلمة القوي هي قريبة من كلمة الجيد؛ يعني يطلق على حديث ما بأنه قوي، يعني أنه أفضل حالا من آآ كلمة حسن.
لكن كما قلت لكم يا شباب أن هذا آآ يحتاج إلى معرفة دلالة، صفحة مائة وتسعة وثمانين -اللي بيسأل عن الصفحة: صفحة مائة وتسعة وثمانين- آآ هذه المصطلحات يا شباب أولا نادرة جدا وقليلة، ثانيا اه لن نعرف معناها بالتحديد في كلام الناقد أو في كلام العالم إلا إذا آآ قرأنا النص كاملا، ربما كان يريد بها معنى آخر، لكن هذه هي المعاني الغالبة.
قال: الثابت كذلك، يعني وصف العلماء بحديث أنه ثابت يعني أنه في حيز القبول. قال: المشبه، ويطلق على الحسن وما يقاربه، فهو بالنسبة إليه كنسبة الجيد إلى الصحيح. في رأيي أن آآ قول الشيخ حفظه الله أن لفظ المشبه يطلق على الحديث الحسن وما يقاربه، أن هذا خطأ.
والذي أعلمه من أمثلة كثيرة جداً جداً: أن النقاد يطلقون كلمة أشبه أو مشبه بمعنى محفوظ وليس بمعنى حسن وليس بمعنى صحيح. كلمة مشبه عندهم تطلق في المقارنة بين الروايات، فإذا أرادوا أن يحكموا على وجه ما من بين هذه الأوجه بأنه هو الصحيح هو المحفوظ، قالوا هو الأشبه. واضح؟ وهذا سيأتي من المثال.
ففي رأيي أن قول الشيخ حفظه الله أن المشبه يطلق على الحسن وما يقاربه هذا ليس بصحيح. اه، الشيخ هنا ذكر مثالا يبين الفكرة التي اه اردت التنبيه عليها. قال أبو حاتم الرازي -اللي هو محمد بن إدريس الإمام الناقد الكبير، الذي له كتاب آآ ينقله آآ يعني ينقل عنه ابنه آآ فيه اه كتاب العلل وكتاب الجرح والتعديل- قال أبو حاتم الرازي في عمرو بن آآ حصين البصري: تركت رواية عنه، هو ذاهب الحديث، ليس بشيء.
أخرج أول شيء أحاديث مشبهة حساناً، ثم أخرج آآ بعد لابن آآ ثلاثة أحاديث موضوعة، فأفسد علينا ما كتبناه ما كتبنا عنه، فتركنا حديثه. الشيخ هنا حفظه الله اعتمد اه على هذه الكلمة: مشبهة حسانا، فاعتبر أن كلمة مشبهة هنا يعني بمعنى الحسن. في رأيي: هذا الفهم ليس صحيحا، وإنما الشيخ يريد أن يقول: أن هذا الراوي أخرج أحاديث محفوظة، واضح؟ أخرج أحاديث محفوظة، يعني وافق فيها الثقات الذين شاركوه في الرواية.
ثم أخرج بعد لابن علاسة أحاديث موضوعة علينا ما كتبناه، يعني أن الراوي أخرج أحاديث بعد ذلك موضوعة، فتركنا حديثه. لماذا قلت ذلك يا شباب؟ لأن الراوي أساسا لا يمدح بكونه يروي أحاديث صحيحة أو أحاديث حسنة، واضح؟
الراوي وظيفته أنه ناقل، فنريد منه أن يروي الرواية كما تحملها، بمعنى أن الراوي إذا تحمل الرواية مرسلة فيجب أن يرويها مرسلة. فإذا تحملها مرسلة وجعلها موصولة فهذا ليس بثقة، واضح يا شباب؟ يعني أضرب لكم مثلاً لو أن راوياً روى رواية عن الزهري رحمه الله، وليكن الأوزاعي، الزهري قال في روايته، قال الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه الرواية مرسلة؛ لأن سعيداً لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم. فلو أن الأوزاعي قال عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا إسناد متصل، نعم، لكن الأوزاعي أخطأ، فروايته هذه ليست محفوظة. الراوي الثقة يا شباب، ليست وظيفته أن يروي الرواية المتصلة الصحيحة، وظيفته فقط أن ينقل الرواية كما تحملها، فإذا كان شيخه روى الرواية مرسلة أو منقطعة أو ضعيفة أو غير ذلك، يجب أن يرويها كما تحملها.
أما إذا تصرف هو في الرواية فروايته ليست بمحفوظة. إذاً، الراوي لا يمدح بكونه يروي الأحاديث الصحيحة، وإنما يمدح بكونه يروي الرواية كما تحملها، واضح؟ فبالتالي في رأيي أن فهم الشيخ هنا لقول أبي حاتم الرازي في وصفه لعمرو بن حصين البصري أنه كان يروي أحاديث مشبهة حساناً، أنه يقصد أن الأحاديث حسنة يعني جيدة، هذا الفهم ليس صحيحاً، وإنما يقصد بكلمة مشبهة أنها محفوظة، يعني هذا هو الوجه الصحيح للرواية بغض النظر عما جاء بعدها، والله أعلم.
قال الشيخ من ضمن المصطلحات مصطلح حجة، وهذا أعم، فهو يشمل كل ما يصح لإقامة الحجة ولو كان دون الصحيح. وقول ابن حبان في الضعفاء ها، ابن حبان له، أبو حاتم ابن حبان البستي له كتاب في الثقات، وكتاب في الضعفاء، واضح؟ اللي هو اسمه المجروحين. الشيخ هنا ذكر قولا لابن حبان، قال: وقول ابن حبان في الضعفاء: كثيراً لا يعجبني الاحتجاج به إلا فيما وافق عليه الثقات. فهو يعني بالاحتجاج هنا الاستئناس والاستشهاد، وقد صرح هو بذلك في مواضع، ولفظه في بعضها: لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات.
فيكون حديثك المستأنس به دون المحتج بما يرويه، يعني يقصد الشيخ أن كلمة حجة إذا أطلقها العلماء يعنون بها أن هذا الحديث من جملة ما يستشهد به، قد يكون في أعلى درجات القبول، وقد يكون في أدنى درجات القبول. قال الشيخ: ومن ذلك قول الإامام أحمد رحمه الله في عمرو بن شعيب، عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده له رواية معروفة، قال الإمام أحمد: ربما احتجنا به وربما وجس في القلب منه شيء. كلمة احتجنا يعني استأنسنا واستشهدنا وقبلنا، فالاحتجاج هنا بمعنى الاستشهاد، وقد صرح الإمام أحمد أيضا بذلك، فقال في رواية أخرى: عمرو بن شعيب له أشياء مناكير، يعني أحاديث منكرة ثبت فيها خطؤه، وإنما يكتب حديثه يعتبر به، فأما أن يكون حجة فلا. المقصود بالحجة إيه يا شباب؟ يعني إذا انفرد.
كما قال الذهبي: علمت بالاستقراء أن أبا حاتم الرازي إذا قال في راوٍ ما إنه يكتب حديثه، يعني أنه لا يحتج به. يعني إيه يا شباب؟ يعني إذا انفرد. يعني أحياناً يكون الراوي مقبولاً إذا وافق الثقات، أو جاءت روايات تعضد روايته، أما إذا انفرد برواية لا يقبل، فهذا معناه أن هذا الراوي ليس حجة. الراوي الحجة هو الذي يقبل تفرده.
قال: وسئل أبو حاتم الرازي عن حديث مخلد بن خفاف عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن الخراج بالضمان، فقال: ليس هذا إسناداً تقوم به الحجة، غير أني أقول به؛ لأنه أصلح من آراء الرجال. يعني الشيخ يريد أن يقول إن أبا حاتم هنا يقول: هذا إسناد ليس حجة، غير أني أقول به، واضح؟ لأنه أصلح من آراء الرجال. يعني هذا الحديث لا يبلغ درجة الحجة، ليس في الدرجة العليا من القوة، لكنه مع ذلك يعمل به؛ لأنه أفضل عنده من الرأي أو من القياس.
قال: والجيد غير المجود. الشيخ يعني يأتي بفائدة أن كلمة جيد غير مجود، يعني كلمة جيد سبق أن الشيخ ذكر أن معناها حسن أو أعلى من الحسن. أما مجود، فإن هذا من أسماء المردود، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث تدليس التسوية، يعني كلمة مجود يا شباب، لو قيل إن فلاناً جود الرواية، يعني أنه حسنها أو جملها يعني أخفى عيبها، واضح يا شباب؟ إذا أخفى الراوي الرواية فإنهم يقولون: جوده. هذا سيأتي معنا إن شاء الله في مبحث تدليس التسوية. وعلماء الحديث يقولون: جوده فلان، لا يعنون أكثر من أنه أسند الحديث أو رفعه إذا كان غيره يرويه مرسلا أو موقوفا، بصرف النظر عن كونه أصاب فيما زاد أم لم يصب، والله أعلم.
يعني أن الحديث إذا كان رواه عدد من الرواة مرسلاً أو منقطعاً، واضح يا شباب؟ فجاء راوٍ وصله أو جعله من رواية صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيقولون: فلان جود الرواية. يعني زاد فيها، بغض النظر هل زيادته هذه صحيحة أم لا؟ فهذا الوصف لا يقتضي الصحة ولا يقتضي عدم الصحة، واضح؟ وسيأتي إن شاء الله معنا تفصيل لمعنى جوده أو حسنه أو سواه. وقد يطلق الجيد على الغريب والمنكر أيضاً كما سبق ذلك في الحسن. ومن ذلك قول أبي داود: أنا لا أحدث عن فضل بن سهل الأعرج؛ لأنه كان لا يفوته حديث جيد. يعني الشيخ يريد أن يقول إن مصطلحي الجيد كذلك من المصطلحات التي نحتاج أن ندقق في دلالتها عند من استعملها، فربما أراد به معنى غير الحسن، ربما أراد أنه حديث منكر أو ضعيف.
وقال ابن عمار: يحيى الحماني قد سقط حديثه، قيل: فما علته؟ قال: لم يكن لأهل الكوفة حديث جيد غريب ولا لأهل المدينة ولا لأهل الشام إلا رواه، فهذا يكون هكذا. يعني من فعل هذا يستحق أن يسقط حديثه، وهذا الفعل هو ما يسمى عندهم بالسرقة، ويصفون فاعله بسارق الحديث، وقد وصف الحماني بذلك. يعني الشيخ يريد أن يقول إن كلمة جيد تطلق أحياناً عند النقاد بمعنى المنكر والغريب، واستدل على ذلك بأن العلماء رووا يحيى الحماني؛ لأنه كان يروي الأحاديث الجيدة الغريبة، ففهم الشيخ هنا، وهذا الفهم الصحيح، أن كلمة جيد أحياناً تطلق بمعنى المنكر. فالفايدة من ذلك يا شباب أن لفظ جيد قريب من لفظ حسن، يحتاج أن نفهم دلالته عند من ذكره من أهل الحديث.
قال الشيخ الصالح: يعني كلمة صالح، قيل هو ما يصلح لإقامة الحجة ولو كان دون الصحيح فيكون كالحجة. يعني كلمة صالح معناها أنه يستشهد به وتقوم به الحجة، قد يكون درجته عالية وقد يكون في أقل درجات القبول. وقيل هو ما يصلح للاعتبار؛ بالتقوية والاستشهاد. ومن ذلك قول أبي داود بشأن سننه، الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله لما صنف كتابه السنن، يعني صنف كتاباً صغير الحجم لكنه عظيم الفائدة، اسمه الرسالة، يعني بعث رسالة إلى أهل مكة يشرح في هذه الرسالة خطته ومنهجه في كتاب السنن، الكتاب اسمه رسالة أبي داود لأهل مكة.
قال أبو داود رحمه الله: وما كان في كتابي من حديث فيه وهن شديد فقد بينته، ومنه ما لا يصح سنده وما لم أذكر فيه شيئا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض. يعني أبو داود السجستاني رحمه الله يقول لأهل مكة ويريد أن يعرف بكتابه فيقول: لو وجد لو كان في كتابي هذا حديث شديد الضعف لابد أن أبين ضعفه، ومنه ما لا يصح سنده، لابد أن أبين ذلك.
وما لم أذكر فيه شيئاً، إذا لم أعلق على رواية وسكت عنها فهذه رواية صالحة. يعني تقوم بها الحجة، قال: وبعضها أصح من بعض، يعني الأحاديث الصالحة درجات. واضح يا شباب؟
لكن هنا فائدة مهمة، أن الإامم أبا داود السجستاني رحمه الله لا يلزم أن يعلق على الحديث الذي يضاعفه صريحاً، فيقول هذا حديث ضعيف أو غيره أصوب منه، لكنه ربما يشير إلى ضعف الرواية بأن يخرج بعدها أو قبلها رواية تعارضها وهي أصح منها.
نعيد الفكرة ثانية يا شباب، الإمام أبو داود يقول رحمه الله: إذا سكت عن حديث فهو عندي صالح، يعني لو ذكرت حديثاً ولم أعلق عليه بأنه ضعيف فهذا يعني أنه عندي حديث مقبول تقوم به الحجة. لكن هل سكوت هل آه تعليق الإمام أبي داود على رواية ما يجب أن يكون بأن يقول حديث ضعيف أو حديث منكر؟ لا، يمكن أن أجى آه حديثاً صحيحاً يعارض متنه. من ذلك مثلاً أنه خرج حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: آه من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء له، واضح؟ هذا حديث رواه عن أبي هريرة، لكنه آه خرج معه حديثاً يناقضه تماماً وهو حديث عائشة رضي الله عنها وهو موجود في صحيح مسلم، قالت: والله ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على سهل بن بيضاء إلا في المسجد، واضح؟
فهذا يؤكد أن الإمام أبا داود ينكر الرواية التي رواها صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى على الجنازة في المسجد فلا شيء آه له. واضح؟ وأيضاً الإمام أبو داود ذكر في مسائله قال: رأيت أحمد بن حنبل ما لا أحصي على الجنازة في على الجنازة في المسجد، فهذا يؤكد أنه ينكر الرواية التي تنهى عن الصلاة الجنازة في المسجد.
المهم والشاهد من هذا الكلام أن تعليق الإمام أبي داود رحمه الله آه وغيره وغيره من العلماء لا يلزم بأن يقول هذا الحديث ضعيف، لا، يكفي أن يخرج آه ما يعارضه من الروايات الصحيحة الثابتة التي تؤكد أن هذا المعنى خطأ وأن غيره هو الصواب.
آه وبهذا يمكن أن نكتفي إن شاء الله، يعني تقريباً اخذنا ساعة ونصف فأحب ألا آه يعني أزيد عن ساعة ونصف، وإن شاء الله موعدنا غدا في الكلام على آه معنى وصف العلماء أن حديثاً من الأحاديث على شرط البخاري ومسلم أو على شرط آه أحدهما، ونسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح.
وأحب أن أنا يعني أنبه الشباب على أن علوم الحديث علوم شيقة وممتعة تحتاج فقط أن يصبر الإنسان وآه وأن يجتهد وأن يحاول ألا يتعجل في الحكم على نفسه في هذه المادة، فكثير من الشباب الذين كانوا لا يحبون هذه المادة أو يشعرون بصعوبتها شيئاً فشيئاً شعروا أنهم آه فهموا هذه المادة وتكرار المعلومة وبمحاولة التطبيق العملي. يعني ربما لو كان فكرة المدارسة يعني أننا نتدارس مع بعض بشكل مباشر ويكون معنا الكتب ونأتي بالتراجم ونأتي بالأحاديث ونرسم على السبورة يكون هذا أقوى، لكن يعني آه ما لا يدرك كله يعني لا يترك كله، يعني نحاول أن نحن يعني ندرك ما نستطيع إن شاء الله من الخير.
لكن إن شاء الله مع الاختبار الذي سنعمله على الكتاب ومع التراجم التي يعني ستكون عندكم آه بشكل واجب والأحاديث التي تتدربون عليها إن شاء الله ربما يكون ذلك يسهم في أن تدخل إليك المعلومات شيئاً فشيئاً، وإن شاء الله سيكون بعد هذا كتاب كتاباً أشمل وأوسع هو كتاب تحرير علوم الحديث لعبد الله بن يوسف الجدي، ستتكرر معنا كل هذه المعلومات وزيادة، وبعدها بعد هذه المراحل نحن اتفقنا أن المقدمة كونوا ستكونوا في آه ثلاث كتب؛ نخبة الفكر مع آه شرح الشيخ حازم الشربيني وهذا أنهيناه بفضل الله، وكتاب لغة المحدث، وكتاب تحرير علوم الحديث.
بعدها سندخل في الدراسة التفصيلية علم المصطلح، آه وعلم الرجال وعلم العلل وعلم بتخريج آه الحديث ودراسة الأسانيد، نأخذها إن شاء الله وبعد ذلك استقراء لتراث الأئمة آه المحققين المتقدمين، إن شاء الله شيئاً شيئاً ستدخل عندك هذه المعلومات وتثبت.
لكن أود منك إذا قابلك أي إشكال يعني لا تتردد في أن ترسله في رسالة أو تعليق به، وإن شاء الله لن أتأخر في الإجابة عليه، آه أطلب منك فقط أن تقرأ الدرس مرة أخرى ويمكن أن تسمع الشرح مرة أخرى، ونسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، وموعدنا غداً إن شاء الله في نفس الموعد، وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم.
ويمكن أن يكون بعد ذلك نقدم مقدمة قصيرة خمس دقائق يعني كان بعض الشباب يعجب بالمقدمات التي ننبه فيها على شيء من العمل الصالح أو عن الهمة أو آه آه يعني كيف يجعل الإنسان آه بيته بيتاً صالحاً؟ أو كيف يعني يجعل زوجته تعينه على آه طريق طلب العلم النافع والعمل الصالح؟ يمكن أن يكون لنا إن شاء الله شيء من ذلك، ونسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد، وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق