السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. مما ثبت عن الصحابي رضي الله عنه، قال: إن العبد المؤمن يرى ذنبه كأصل جبل يوشك أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنبه كذبابة وقفت على أنفه فقال بها هكذا. هذا الحديث يصف فيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حال المؤمن وخوف المؤمن أن يعصي ربه تبارك وتعالى، وكيف ينظر المؤمن إلى ذنبه، فهذا الحديث يصف خوف المؤمن ذنبه، ويصف كذلك خوف المؤمن أثر ربي ذنب.
والنبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه كان يقول بأنفسنا ذات أعمالنا. النفس هي الذنوب والمعاصي، وسيئات الأعمال هي المصائب التي تصيب العبد بسبب تنبه السيئة في لغة العرب، وكذلك في الوحي تأتي كثيراً مصيبة، كما قال الله تعالى: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ، حسناته هي النعم، والسيئات هي المصائب. فهنا الصحابى الكريم يصف حال المؤمن أو الحال الذي ينبغي أن يكون عليه المؤمن، أنه يرى ذنبه بأنه أصل جبل أوشك أن يقع عليه، يعني يعظم الذنب، وتعظيم الذنب تعظيم لله تبارك وتعالى.
وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أثر عنه قول عظيم قيم جداً، أثنى به بعض أهل العلم شرعاً ومنهم رحمهم الله، قال علي بن أبي طالب كلمة جامعة يعني قريبة من قول عبد الله بن مسعود، قال علي رضي الله عنه: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخافن عبد إلا ذنبه. يعني أن العبد المؤمن لا يتكل على عمله، لأن عمله وإن كان سبباً في نيل خير، فإن الذي يوفقه إلى العمل هو ربه تبارك وتعالى، لكن لا يخشى العبد إلا من ذنبه، فإن الذنب هو أساس المصائب التي تصيب العبد: وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ.
فهذا القول من الصحابي الكريم ابن مسعود أن العبد المؤمن يرى ذنبه كأنه بأصل جبل يوشك أن يقع عليه، أول فائدة فيه أن العبد المؤمن ينبغي أن يعظم حرمات الله، ينبغي أن يجتهد في ألا يقع فيما لا يرضي الله، هذا أولاً. الأمر الثاني أن يخشى من أثر هذا الذنب، أثر هذا الذنب فإن هذه الحال هي التي يفصل المؤمن عن الفاجر، إذاً المؤمن ليس معصوماً من أن يقع في خطأ أو كبيرة، المؤمن يمكن أن يقع في معصية، لكن الذي يبقى يميزه عن الفاجر أنه أولاً يعظم ويخشى من آثار الذنوب، والامر الثاني أن يجتهد في البعد عن الوقوع في المعصية.
الله سبحانه وتعالى قال: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. أنت قوي في البعد عن المعصية والشيطان ضعيف أن يوقعك فيها، ما دمت لم تخطُ ولم تنفِ طريق المعصية، فإذا خطوت خطوة صرت أضعف وصar الشيطان أقوى، وهكذا كلما اتخذت خطوة في طريق المعصية صرت ضعيفاً في عدم الوقوع فيها، وصار الشيطان أقوى في أن يوقعك فيها، وهذا هو السلطان الذي للشيطان عليك، فواقع الأمر أن العبد قوي في عدم الاستجابة للشيطان ما دام لم يخْطُ خطوة في طريق المعصية.
وقال الشيطان لما قُضي الأمر: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِّنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ. يعني أنت جعلت للشيطان عليك سبيلاً بهذه الخطوات التي أطعت الشيطان فيها، فصرت ضعيفاً بمقاومة الشيطان وصار الشيطان قوياً، أما في واقع الأمر فقد قال الله: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ. نعم، فأنت من يعطي الشيطان على نفسه فيجعله قوياً بهذه الخطوة.
إذاً، الميزة الثانية التي يتميز بها المؤمن عن الفاجر أن المؤمن يجتهد في البعد عن طاعة الشيطان، يجتهد فيأخذ بالأسباب التي لا توقعه فيما لا يرضي الله. الأمر الثالث: إذا ضعف المؤمن فوقع فيما لا يرضي الله، فانه يعظم ذلك تعظيماً كبيراً، ويخشى أثره، ويخشى السيئات التي يمكن أن تصيبه بسبب ذنبه، فهذا التعظيم في نفسه هو الوقود الذي يحركه للخطوة التالية وهي أن يبادر بالاستغفار والتوبة، وأن يستحدث أعمالاً صالحة يكفر بها عن خطاياه. قال الله تبارك وتعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ.
وقال سبحانه وتعالى في صفة عباده المؤمنين الذين مدحهم الله تبارك وتعالى مدحاً كبيراً، فبين أن من أخص خصالهم أنهم إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم تذكروا عظمة الله وعظم عليهم هذا الذنب فسارعوا في التوبة والاستغفار، قال الله تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
فالإصرار هنا معناه أن تبقى مذنباً بغير استغفار وتوبة، هذا معنى الإصرار، ليس معنى الإصرار أن تعود مرة أخرى إلى الذنب، يمكن أن يعني تغلب الإنسان شهوته فيعود إلى ذنب بعد مجاهدة نفسه أن ينصرف عنه، لكنه مع ذلك يبقى يستغفر ويسارع في التوبة ويبقى معظماً لحرمات الله. إذاً، هذه هي الخصلة الرابعة التي تميز العبد المؤمن عن الفاجر أنه إذا غلبته نفسه فوقع في معصية، فانه يبادر بالاستغفار والتوبة فيستحدث لذلك أعمالاً صالحة.
قال الله تبارك وتعالى في صفة المؤمنين: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا. الآية في المؤمنين.
إذاً، الله سبحانه وتعالى بين أن العبد المؤمن يتميز عن الفاجر الذي يستهين بحرمات الله بأمور يمكن أن ألخصها هنا في نقاط: أولاً أن يستعظم الذنب وأن يستعظم حرمات الله، ثانياً أن يجتهد في الأخذ بالأسباب حتى لا يقع فيما لا يرضي الله وأنه يبصر دائماً طريقه فيعلم أنه إذا أطاع الشيطان في أول خطوة صار ضعيفاً وصار الشيطان أقوى، لذلك نهانا الله: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ.
الأمر الثالث أنه إن غلبته نفسه فوقع فيما لا يرضي الله فإنه يبادر بالاستغفار والتوبة، وأن يعوض ذلك بالأعمال الصالحة، وهذه صفة المؤمن أنه لا يرضى أن يبقى مذنباً بغير توبة. هذا هو معنى الإصرار، معنى الإصرار أن العبد لا يكترث بأنه مذنب غير تائب، هذا هو معنى الإصرار، ليس معنى الإصرار أن العبد بعد مدة يمكن أن يعود إلى ذنبه أو يمكن أن تضعف نفسه، هذا ليس إصراراً، وإنما الإصرار أن يبقى العبد مذنباً وهو مستريح البال لا يخطر بباله أنه فعل شيئاً كبيراً.
لذلك قال علي رضي الله عنه: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه. يعني لا ينبغي لعبد أن يعقد رجاءه على ما يقوم به من العمل، وإنما يعقد رجاءه على ربه تبارك وتعالى، فهو الذي يعينه ويوفقه إلى العمل، كذلك لا يخاف العبد من ربه تبارك وتعالى فإن الله لا يريد أن يعذبه، وإنما يخاف من ذنبه الذي يتسبب عنه المصائب وربما يدخله النار.
فهذه الاقوال الجامعة من صحابتي الكرام قولان جامعان: القول الأول قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن العبد المؤمن يرى ذنبه كأنه بأصل جبل يوشك أن يقع عليه، والفاجر يرى ذنبه كذبابة وقفت على أنفه فقال بها هكذا. يعني أن الفاجر لا يعظم حرمات الله ولا يخخشى من آثار هذه الذنوب التي يقع فيها، بعكس المؤمن فإنه يخخشى من الذنب وكذلك يخخشى من السيئات التي هي المصائب التي تصيبه بسبب الذنب.
والقول الثاني بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: لا يرجون عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه. فنسأل الله سبحانه وتعالى صرف قلوبنا إلى طاعته، وأن يجعلنا ممن يعظمون حرماته، وأن يعيننا على العمل الصالح، وأن يوفقنا لتوبة نصوح. بهذه الكلمات نبدأ درسنا السابعة من التعليق على شرح كتاب لغة المحدث، وصلنا في الحديث عن مصطلح الحسن.
وبياناً أن أهل الحديث يمكن أن يستعملوا مصطلحاً واحداً لأكثر من دلالة، ويمكن أن يعبروا عن الدلالة الواحدة بأكثر من مصطلح، وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. فوصلنا إلى صفحة مائة وسبعة وأربعين.
في التعليق على قول إبراهيم النخعي رحمه الله: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا أن يخرج الرجل أحسن حديثه، وعبر عن هذه الجملة الإمام أبو داود السجستاني في رسالته لأهل مكة: كانوا يكرهون الغريب من الحديث.
الشيخ طارق هو صاحب هذا الكتاب يرى أن هذا يمكن أن يكون تفسيراً من أبي داود السجستاني، ويمكن أن يكون رواية أخرى من إبراهيم النخعي، بمعنى أن إبراهيم النخعي رحمه الله وهو من أئمة الكوفة الكبار استعمل لفظ الحسن بمعنى الغريب أو المنكر، فهذا دليل للشيخ على أن المحدثين كانوا أحياناً يستعملون مصطلح الحسن ويريدون به الحديث الغريب أو المنكر.
طيب، نكمل، قال الشيخ في صفحة مائة ومرجحاً وإن كان قوله الغريب هو من تصرف أبي داود فهذا يدل على أن الإام أبا داود عليه رحمة الله يفهم أن الحسن والغريب معنى واحد، وحسبك بذلك فهماً.
وكذلك الإام أبو عمرو بن الصلاح ذكر قول ذكر مقولة النخعي هذه بلفظ أحسن ما عنده في كتابه المحدث الفاصل، الإام وما هرمزي له كتاب حدث فيه عن خصائص أهل الحديث أنهم يعتنون بالمتن كما يعتنون بالاسناد، وبين فيه يعني فقه النظر عند المحدثين، وكان يرد بهذا الكتاب على بعض المتكلمين الذين قللوا من شأن الحديث.
المهم أن هذا الكتاب اسمه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، فذكر فيه هذه المقولة وذكرها بلفظ الحسن: كانوا يكرهون إذا اجتمعوا ليخرج الرجل أو المحدث أحسن حديثه، يعني المنكرات أو الغرائب التي في حديثه.
ثم قال الرامهرمزي باب في باب من كره أن يروي أحسن ما عنده، فقد صدر الباب بهذا العنوان ثم ساق كلمة النخعي هذه مع كلمات أخرى مأثورة عن السلف الصالح عليهم رحمة الله، كلها تدل على ذم رواية الغرائب واستحباب رواية الأحاديث المشهورة المعروفة، فهذا يدل على أن الرامهرمزي فهم من كلمة إبراهيم النخعي أنه يقصد بالحسن ها هنا الغريب والمنكر، لا الحسن الاصطلاحي الذي هو من قسم المقبول.
والأمثلة على هذا كثيرة موجودة في كتب أهل العلم، فينبغي لطالب العلم أن يتفهم هذا وأن يعرف أن علماء الحديث عليهم رحمة الله قد يطلقون الحسن على إرادة الغرائب. الآن أربعة معاني لمعنى صلاح الحسن عند أهل الحديث: المعنى الأول أن الحسن بمعنى الحديث يعني يمكن أن يكون الحديث قد توفرت فيه كل شروط القبول ويسمونه حسناً.
والإطلاق الثاني الحسن بمعنى أن الإسناد به راو خفيف الضبط، لكن باقي الشروط متوفرة، فالحديث ليس شاذاً ولا معللاً، فيسمونه حسناً، وهذا هو المعنى الأشهر وهو الذي استقر عليه الاصطلاح عند المتأخرين.
المعنى الثالث يقصد به الحديث الضعيف الذي قوي بمجموع الطرق الذي يسميه الحسن لغيره، واضح؟ فإذاً، كل هذه تدخل في حيز المقبول.
أما الإطلاق الرابع الذي اخذناه فهو أن يطلق الحسن بمعنى الغريب أو المنكر. سيذكر الشيخ الآن مثالاً لإطلاق الحسن على الحديث الموضوع أو المكذوب، قال الشيخ حفظه الله: وأما إطلاقهم للحسن على الأحاديث الموضوعة المكذوبة فهو أيضاً راجع إلى معنى استحسنوه في الحديث.
وإن كان هذا المعنى قد يوجد أحياناً في الأحاديث الصحيحة، وقد يوجد أحياناً في الأحاديث الضعيفة بل وفي الموضوعات أيضاً، إلا أنهم حيث وصفوا الحديث بالحسن وارادوا هذا المعنى لم يقصدوا الحكم على الحديث. فلما وجدناهم أطلقوا الحسن أو الحسنى على الأحاديث الموضوعة التي اشتملت على هذا المعنى الحسن، عرفنا أنهم حيث أطلقوا الحسن على مثل هذه الأحاديث وأرادوا مثل هذا المعنى لم يكونوا قاصدين للحكم على الحديث بأنه صحيح أو بأنه ضعيف.
بل هذا معنى لا علاقة له بصحة الحديث أو بضعفه، يعني هو يريد هنا أن يقول إن بعض النقاد أو بعض الذين حكموا على روايات قد يطلقون لفظ الحسن على رواية مكذوبة أو موضوعة يعنون بها حسن المعنى، أو أن هذا الحديث به أمر يستحسن لأجله، ليس معنى ذلك أن هذا الحديث صحيح يحتج به.
قال: وهذا المعنى هو أن يكون الحسن الذي أرادوه في الرواية راجعاً إلى شيء لطيف اشتمل عليه الإسناد، أو معنى رائق مليح اشتمل عليه المتن، وهذا المعنى الحسن أو الألفاظ الجيدة التي قد توجد في المتون ليست بالضرورة أن تكون الأحاديث التي اشتملت عليها صحيحة، كما أنه ليست بالضرورة أن تكون ضعيفة، بل قد توجد الألفاظ الحسنة والعبارات الرائقة في الروايات الصحيحة وأيضاً في الروايات الضعيفة.
فالإام حيث يصف الحديث بالحسن ويقصد به حسن المعنى أو حسن اللفظ، فإن هذا المعنى الذي استحسن الحديث من أجله لا علاقة له بثبوت الحديث أو ضعفه، وإنما نعرف صحة الحديث من ضعفه بأدلة أخرى راجعة إلى النظر في الرواية والنظر في رواتها.
نريد هنا أن نتكلم عن الصفات التي توصف بها الأشياء، يعني مثلاً لو أننا أرادنا أن نتكلم عن معنى الشهرة، الشهرة وصف للأحاديث، هذه الشهرة ربما يكون الحديث معها صحيحاً، وربما يكون كذوباً، فكلمة الشهرة هذا وصف لمعنى معين وهو ذيوع هذا الحديث على الألسنة أو كون هذا الحديث مشهوراً يعرفه الناس، قد يكون مشهوراً وقد يكون صحيحاً مثل حديث إنما الأعمال بالنيات، وقد يكون مشهوراً وهو حديث باطل لا أصل له كأحاديث كثيرة جداً مشتهرة بين الناس أو على ألسنة الناس مثل نحو: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع، وغير ذلك من الأحاديث.
مثلا: يا ابن آدم لا تخف من ذي سلطان هذا حديث أيضاً قدسي مشهور ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يثبت، وغير ذلك من مثلاً حديث فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، أحاديث كثيرة جداً يعني مشهورة على الألسنة لكنها لا تثبت، وصف الشهرة هنا لا يقتضي أن يكون صحيحاً ولا يستلزم أن يكون ضعيفاً.
كذلك وصف الحسن الذي نتحدث عنه هنا هو حسن المعنى، قد يكون معنى الكلام جميلا جداً لكنه لا يثبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، أليس كل ما يصح من جهة المعنى يجب أن يكون صحيحاً مسنداً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى من أسند إليه الكلام؟
قال: وكذلك قد يستحسنون الإسناد لاشتماله على لطيفة من لطائف الأسانيد، كأن يكون مشتملاً على رواية الأقران بعضهم عن بعض، أو رواية الأكابر عن الأصاغر، أو يكون من المدبج، والمدبج أن يروي أحد القرينين كل عن الآخر كما هو معروف في كتب علوم الحديث.
يعني الشيخ هنا يقول: يمكن للناقد أن يستحسن الحديث لمعنى لا يرجع إلى الثبوت أو إلى الضعف، كأن يكون في الإسناد لطيفة معينة، يعني فائدة منها، مثلاً أن يكون الراوي كبيراً.
يعني مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الجساسة المشهور الذي رواه الإام مسلم، وإن كان يعني هذا الحديث توجه إليه بعض اهل العلم بالنقد لكونه يتعارض مع أحاديث أخرى، المهم أن هذا الحديث فيه لطيفة وهي أن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم روى هذا الحديث عن تميم بن أوس الداري، فهذه رواية الأكابر عن الأصاغر، أو رواية مثلاً صالح بن كيسان عن الزهري وصالح أكبر من الزهري، هذه لطيفة من اللطائف.
وقد يكون هناك لطيفة أخرى، أن يروي أحد القرينين عن الآخر، كل منهما يروي عن الآخر، مثلاً شعبة بن الحجاج وسفيان الثوري يعني كانا أقران ومع ذلك يروي أحدهما عن الآخر، فهذه يستحسنها بعض العلماء فيرون أن هذه حسنة ويستحسن الحديث حتى لو كان الحديث بعد ذلك غير ثابت.
قال: فهذه المعاني كلها معان يستحسن الحديث من أجلها، وهي ليست متعلقة بصحة الحديث أو بضعفه، فمثال ما وصفه أهل العلم بأنه حسن وأرادوا به حسن المعنى أو حسن الألفاظ التي اشتمل عليها المتن ما رواه الإام ابن عبد البر في كتاب جامع
في بيان العلم وفضله من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه بإسناد ضعيف جدا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا القرآن، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة. حديث طويل معروف جدا، يعني يذكره بعض غير المحققين، حديث فضل تعلم القرآن، مع أن في صحيح الحديث ما يغني عن سقيمه.
كثير من الأحاديث التي يعني اشتهرت بين يدي الناس في أبواب العلم المختلفة، وفي فضائل القرآن وفضائل الأعمال، يوجد في صحيح السنة وفي الوحي ما يغني عنها وأقوى منها دلالة. لكن كثيرا من الناس لجهله بالوحي أو لجهله بالأحاديث الصحيحة يعتمد على ذلك في باب الترغيب والترهيب. قال الشيخ: حديث طويل اشتمل على معان حسنة، وعلى ألفاظ رائقة جزلة جيدة.
فإذا بالإمام ابن عبدالبر عليه رحمة الله، يعني ذكرنا قبل ذلك كتابا للإمام ابن عبدالبر هو كتاب التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، وهذا كتاب آخر يعني عظيم النفع وهو جامع بيان العلم وفضله، ذكر هذا الحديث وعلق عليه فقال: هذا حديث حسن جدا ولكن ليس له إسناد قوي. فلا شك أنه أراد بالحسن حسن المعنى.
الناظر في كلمة ابن عبدالبر هذه قد يتوهم أنها كلمة متعارضة متناقضة، كيف يصفه بأنه حسن جدا ثم يقول ليس له إسناد قوي؟ ولكن قد بين ذلك الإمام العراقي عليه رحمة الله حيث قال: أراد الإمام العراقي في كتاب التقييد والإيضاح، والإمام العراقي هو شيخ الحافظ ابن حجر، وهو أحد العلماء البارزين المتأخرين الذين اعتنوا بعلم مصطلح الحديث حتى بالتطبيقات العملية، وله كتاب رائع جدا في التعليق على كتاب مقدمة ابن الصلاح اسمه التقييد والإيضاح.
قال الإمام العراقي رحمه الله: أراد يعني ابن عبدالبر بالحسن حسن اللفظ قطعا، فانه من رواية موسى بن محمد البلقاوي عن عبدالرحيم بن زيد العمي، والبلقاوي هذا كذاب كذبه أبو زرعة وأبو حاتم، ونسبه ابن حبان والعقيلي إلى وضع الحديث، والظاهر أن هذا الحديث مما صنعت يداه. وعبدالرحيم بن زيد العمي هو متروك الحديث. أيضا يبين أن الحديث باطل، ومع ذلك أطلق عليه ابن عبدالبر الحسن، فقصد قطعا حسن المعنى.
فعرفنا من ذلك أنه ما قصد بقوله حسن جدا إلا حسن اللفظ وحسن المعنى الذي اشتمل عليه ذلك المتن، وإن كان الحديث ضعيفا من حيث إسناده، وإنما استحسن الإمام الحديث فقط لفظه ومعناه. وقد وجد ذلك في استعمال ابن عبدالبر وغيره من أهل العلم، حتى أنه في كتاب التمهيد له ذكر حديثا يرويه بعض الضعفاء عن مالك بن انس عن نافع عن ابن عمر مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولفظه: من قال في يوم مائة مرة لا إله إلا الله الحق المبين، حديث طويل.
ثم قال الإمام ابن عبدالبر معلقا هذا الحديث: هذا الحديث لا يرويه عن مالك من يوثق به، وهو لا يعرف من حديثه، يعني هو منكر، ثم قال: وهو حديث حسن ترجى بركته إن شاء الله. فنحن نفهم أنه إنما أراد بالحسن هاهنا حسن اللفظ فقط دون حسن الرواية التي يكون راجعا إلى ثبوتها.
ومن ذلك كله أدلة تدل على أن قد يصف متنا حديثا معينا بأنه حسن ولا يعنون أنه صحيح، وإنما يقصدون حسن المعنى. ومن ذلك أن الإمام الذهبي عليه رحمة الله ساق في كتاب سير أعلام النبلاء في ترجمة عباس الدوري عن الأصم أنه قال: لم أر في مشايخي أحسن حديثا منه. فبين الإمام الذهبي مراده من قوله أحسن فقال: يحتمل أنه أراد بححسن الحديث الاتقان، أو أنه يتبع المتون المليحة فيرويها، أو أنه أراد علو الإسناد، أو نظافة الإسناد وتركه رواية الشاذ والمنكر والمنسوخ ونحو ذلك.
فهذه امور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يققال ما أحسن حديثه فيقصد أنه يمكن أن يقصد بالحسن كون الراوي يعني ثقة ثبتا ينتقي روايات، أو أن الحسن هنا بمعنى أنه يختار روايات جميلة المعنى أو التي فيها لطيفة أنا استحسنها لأجلها. طيب، نكمل إن شاء الله. فقوله: يحتمل أنه أراد بحسن الحديث الاتقان، فهذا أمر وارد، أو أنه يتبع المتون المليحة فيرويها، وهذا أيضا أمر وارد، أو أنه أراد علو الإسناد، فلا شك أن هذا الإسناد العالي أحسن من الإسناد النازل.
أو نظافة الإسناد، لا شك أن الإسناد إذا كان نظيفا من الرواة الضعفاء فهذا معنى يستحسن الحديث من أجله. وتركه رواية الشاذ والمنكر وهذا مما لا شك فيه، لأن الحديث الصحيح حديث حسن، قال: والمنسوخ، يعني يترك رواية الحديث المنسوخ، فالحديث المنسوخ بطبيعة الحال حديث قد وجد فيه معنى يجعل الراوي لا يقبل على سماعه ولا يستحسن سماعه بخلاف ما إذا كان الحديث محكما غير منسوخ.
فئهذه كلها معاني يستحسن الحديث من أجلها، قال: فهذه امور تقتضي للمحدث إذا لازمها أن يقال ما أحسن حديثه. فالشيخ هنا يعني في خلاصة قوله يريد أن يقول: إن إطلاق النقاد على حديث ما بأنه حسن لا يستلزم أن يكون حكما منهم بصحة هذا الحديث، وإنما قد يعنون فقط أن فيه لطيفة أو فيه معنى جيد أرادوا يعني استحسنوا الحديث لأجله.
قال: إذا عرفنا من ذلك أن الحسن ليس دائما راجعا إلى ثبوت الحديث، بل أحيانا يكون راجعا إلى ثبوت الحديث وأحيانا أخرى لا يكون كذلك. ومثال الأحاديث التي أحسنوها لمعنى راجع إلى الإسناد بصرف النظر عن كون هذا المعنى له علاقة بالثبوت أو لا، ما وجد في استعمالهم أنهم يطلقون على الحديث الذي هو من رواية الأقران بأنه حسن ولو كان الحديث قد اشتمل على كذابين ومتروكين.
رواية الأقران، الأقران هم جماعة أو هم رواة تقاربوا في السن والأخذ عن المشايخ، يعني مثلا مالك وابن عيينة ومعمر طبقة، سفيان الثوري وشعبة طبقة، الحسن البصري وابن سيرين طبقة، البخاري ومسلم طبقة، أحمد ويحيى بن معين طبقة، وهكذا. طبقة يعني قوم يعني أقران يعني اجتمعوا في يعني تقاربوا في السن وفي الأخذ عن المشايخ أو يعني عاشوا في عصر واحد.
قال روى الإمام أبو يعلى الخليلي في الإرشاد، ويعلى الخليلي له كتاب اسمه الإرشاد تحدثوا فيه عن الرواة أو عن الجرح والتعديل، وله مقدمة مهمة في علوم الحديث. روى الإمام أبو يعلى الخليلي في الإرشاد حديثا من طريق آدم بن أبي إياس عن محمد بن كثير المصيصي عن ابن المبارك عن شعبة، رواه بهذا الإسناد ثم قال الإمام أبو يعلى: حسن جدا في رواية الأقران آدم عن محمد وهما قرينان، ومحمد يوافق ابن المبارك في شيوخ الشام، بل أدرك من لم يدركه ابن المبارك.
فتبين من سياق كلامه أن قوله حسن جدا ليس حكما منه على الحديث بأنه حسن مقبول، بل هذا راجع إلى أنه استحسن رواية الأقران الواقعة في هذه الرواية، فهو قال هنا حسن لا يقصد أن هذا الحديث حديث ثابت أو صحيح، يمكن أن يكون ثابتا ويمكن ألا يكون ثابتا، لكنه تحدث فقط عن كون آدم هو ومحمد قرينان ومع ذلك روى أحدهما عن الآخر، فهذا معنى تستحسن من أجله الرواية.
وكذا الحديث المدبج، فإن التدبيج معنى يستحسن الحديث من أجله، التدبيج أن يروي كل قرين عن أخيه، يعني مثلا الحسن البصري يروي عن ابن سيرين وابن سيرين يروي عن الحسن البصري، أنس يروي عن أبي هريرة وأبو هريرة يروي عن أنس، هذا اسمه المدبج، واضح؟ طبعا هذه الأمور لا تفيد الحديث أن يكون صحيحا أو ضعيفا، لكنها من اللطائف التي كان يعتني بها يعني المتأخرون.
لم يكونوا يعتنون بهذه الأمور أساساً. كانوا يعتنون بكل ما له علاقة بثبوت الرواية وكذا. قال روى أبو يعلى الخليلي أيضاً عن يونس بن محمد عن حماد بن زيد عن سفيان الثوري عن زيد بن أسلم عن عبد الرحمن بن وعلة عن ابن عباس حديثاً مرفوعاً.
ثم قال أبو يعلى: لم يروه عن حماد غير يونس، وهو ثقة من كبار شيوخ بغداد، وهو حسن في من المدبج. فنستخلص من هذا أن مصطلح الحسن هذا مثال آخر لإطلاق العلماء على المدبج حسناً.
قال الشيخ: فنستخلص من هذا أن مصطلح الحسن عند أئمة الحديث عليهم رحمة الله إنما هو مصطلح يطلقونه على كل ما يستحسنونه من الحديث في الحديث لشيء ما، سواء كان هذا الذي استحسنوه الحديث لأجله أو من أجله له علاقة أو له تأثير في قبول الحديث أو رده أو ليس له علاقة بذلك.
فعلى طالب العلم أن يكون فاهماً لهذا ومدركاً له وأن يحسن فهم كلام أهل العلم عليهم رحمة الله حتى يمكنه ذلك من أن يفهم كلام أهل العلم على وجهه، فلا يعمد إلى موضع أطلقوا فيه الحسن وأرادوا به الضريبة أو المنكر أو الموضوع، فإذا به يعتبر ذلك تصحيحاً منهم للحديث وتثبيتاً له، أو يفعل العكس فيعمد إلى بعض المواضع التي أطلقوا فيها الحسن وأرادوا أنه صحيح أو أرادوا أنه داخل في نطاق الحجة، فإذا به يفهم من هذا الموضع أنهم أرادوا الغرابة أو النكارة.
فلا بد من معرفة مناهج المحدثين ومعرفة اصطلاحاتهم حتى يفهم كلامهم على وجهه، وحتى لا يساء فهم كلامهم وحتى لا نسب إليهم ما لم يقصدوا من الأقوال والأحكام. خلاصة هذا الفصل: هذا الفصل تحدث فيه الشيخ عن مصطلح الحسن، بين فيه أموراً يمكن أن نلخصها هنا.
الامر الأول أن المتأخرين الذين اهتموا بمسألة الحد الأرسطي وضبط الحدود والتعريفات على الميزان المنطقي الذي وضعه أرسطو، هؤلاء اضطربوا اضطراباً شديداً في تحرير دلالة الحسن. وذكرت لكم أن سبب اضطرابهم أنهم أرادوا أن يطوروا المصطلح ويجعلوا لكل مصطلح دلالة واحدة، بينما هذا المصطلح يستعمل في كلام النقاد لدلالات كثيرة، فكان ينبغي أن تعدد هذه الدلالات، وأن تذكر القرائن التي تعرف أي دلالة أرادوها.
فهذه هي الفائدة الأولى. الأمر الثاني هو أن مصطلح الحسن استعمل كثيراً في كلام الأئمة المتقدمين وله اطلاقات تظهر من السياق وبالقرائن، من ذلك اطلاقات كل حديث مقبول أياً كانت درجته يمكن أن يسموه حديثاً حسناً، يمكن أن يكون في أعلى درجات الصحة ويمكن أن يكون حديثاً متوسط القبول، ويمكن أن يكون حديثاً حسناً لغيره بمعنى أنه أو حديث ضعيف يتقوى من أكثر من طريق.
لكن الحسن كمصطلح كذلك أطلق على الرواية الضعيفة أو الرواية المنكرة، والاستحسان فيها أنهم كانوا يحبون هذا النوع يعني بعض الرواة يحبون هذا النوع من الأحاديث، يعني يفيد به أصحابه من الرواة، وكان النقاد يعتنون بهذا النوع من الأحاديث ليحذروا الناس منه وليحكموا به على الراوي بأنه يروي المنكرات أو الغرائب وهكذا، فهذا معنى تستحسن الرواية المنكرة الغريبة لأجله.
كذلك يمكن أن يطلق على الحديث الموضوع إذا كان اشتمل على معنى حسن واضح، وكذلك يمكن أن يطلق لطيفة في الإسناد كان يروي الكبير عن الصغير، أو يروي مثلاً الولد عن أبيه عن جده، أو يروي الولد عن أبيه، أو الوالد يروي عن الابن، أو القرين يروي عن قرينه، أو الأقران يروي أحدهما عن الآخر أو كل منهما عن الآخر وهكذا.
وأكد الشيخ في خاتمة هذا الفصل معنى مهماً جداً وهو أن طالب الحديث إذا لم يفقه هذا الاختلاف في إطلاق هذه المصطلاحات واختلاف دلالاتها فانه سيقع في الخطأ لا محالة؛ لأنه ربما يعطي حكماً غير دقيق لكونه فهم كلام المحدث على غير وجهه.
طيب، ندخل هنا في الفصل الذي بعد ذلك صفحة مائة وخمسة وخمسين: الاحتجاج بالحديث الحسن. نقرأ ثم نعلق إن شاء الله بما يلخص الكلام إن شاء الله. قال الشيخ حفظه الله وأكرمه: ذكرنا آنفاً أن الحسن يطلق على أنواع كثيرة من الأحاديث، منها المقبول عامة، سواء كان صحيحاً من أعلى درجات الصحة أو من أدناها. ويطلق أيضاً على الغرائب والمناكير والموضوعات.
وقد ذكرنا فيما سبق أن معرفتنا بالمعاني المختلفة للمصطلح الواحد يساعدنا على معرفة الأحكام المترتبة على هذه المصطلاحات. وعلى ضوء هذا، فاذا وجدنا إماماً من الأئمة أطلق مصطلح الحسن على حديث، فلابد قبل أن ننسب إلى هذا الإمام أنه يصحح أو يضاعف أن نتفهم مراده من الحسن في هذا الموضع، سواء رجعنا في ذلك إلى سياق الكلام والنظر فيما تقدمه وما تأخر عنه بحيث نستطيع أن نفهم الكلام على وفق مراد قائله، أو نكون عارفين بمصطلح هذا الإمام، كأن يكون من الأئمة الذين لا يطلقون الحسن إلا على إرادة معنى ما، وهذا شأن العلماء المتأخرين.
فالمتأخرون حيث يقولون حسن فالغالب أنهم يقصدون الحجة، فإذا وجدنا مثل الحافظ ابن حجر العسقلاني تعرض للحكم على حديث ما فقال: هو حديث حسن، فنحن نفهم من قوله هذا أن الحديث عنده حجة، ولا يمكن أن يتطرق شك لأن الحافظ ابن حجر عليه رحمة الله حيث قال في هذا الحديث حسن أنه يحتج به.
بينما إذا قال ذلك الحكم إمام متقدم فلابد وأن نفهم مراده وأن نعرف على أي معنى أراد هذا المصطلح، فقد يقول حسن ويريد به الصحة والقبول، وقد يقول حسن ويريد به الشذوذ أو النكارة أو الغرابة، فلابد من تفهم هذا ومعرفته.
ولكن سنقف قليلاً مع نوعي الحسن أن نقف هنا لأن هو يعني هذه فقرة جديدة الشيخ يريد ختم بخاتمة جيدة جداً يريد أن يقول: وإن كان مصطلح الحسن تختلف دلالاته نعم في تصرفات العلماء، لكن لابد أن يتفهم طالب العلم الاصطلاح الشائع. فمثلا المحدثون المتأخرون الذين لهم أحكام على الأحاديث مثل الحافظ ابن حجر ومثل الذهبي هؤلاء غالب استعمالهم للفظ الحسن لا يعنون به أي معنى إلا الحديث المقبول، سواء كان حسناً لغيره أو كان حسناً لذاته واضح.
لكن إذا وقع ذلك في كلام إمام متقدم واشتهر عنه أنه قد يغير في دلالة هذا المصطلح فيريد به مثلاً المنكر أو الشاذ، فإننا يجب أن نتنبه لذلك. سيدخل الشيخ الآن في فقرة جديدة يبين فيها أنه سيقف عند نوعين اشتهر عند المتأخرين، وهو الحديث الحسن لذاته والحديث الحسن لغيره.
قال الشيخ: ولكن سنقف قليلاً مع نوعي الحديث الحسن اللذين وجدا في اصطلاح الأئمة المتأخرين عليهم رحمة الله، ألا وهو ما يسمونه بالحسن لذاته وما يسمونه بالحسن لغيره، ولننظر ما هي الشرائط التي يجب توفرها في الحديث حتى يكون حسناً لذاته وحتى يكون حسناً لغيره، حتى يكون مقبولاً محتجاً به.
قد عرفنا أن الحسن لذاته حجة، كلمة حجة يعني تبنى عليه الأحكام أو يستنبط منه الأحكام أو يحتج به في المسائل، قال: قد عرفنا أن الحسن لذاته حجة، وأن الحسن لغيره أيضاً حجة، فما هي شرائط الحسن لذاته عند أهل العلم وما هي شرائط الحسن لغيره عند أهل العلم عليهم رحمة الله؟
قال: الحسن لذاته وشرائطه. نقرأ إن شاء الله الفقرة كاملة ثم بعد ذلك نعلق عليها بتعليق يكون مختصراً ويبين ذلك بإذن الله. قال: الحسن لذاته وشرائطه، فأما الحسن لذاته فالعلماء عليهم رحمة الله وصفوه بأنه حديث قد اجتمعت فيه كل شرائط الحديث الصحيح سوى شرط واحد، وهذا الشرط لم يختل كلياً فقط هو نزل من أعلى درجاته إلى أدناها، ألا وهو شرط ضبط الراوي؛ راوي الحديث الصحيح هو من أعلى درجات الثقات، بينما راوي الحديث الحسن من أدنى درجات الثقات.
إلّا أنه إلّا أن الجميع داخل في نطاق الثقة، فرواي الحديث الحسن راو من جملة الثقات، إلّا أن ضبطه وإتقانه وتثبته لم يبلغ إلى أعلى آآ مراتب الثقات كما وصل إلى ذلك راوي الحديث الصحيح.
أمّا بقية الشرائط من كون الراوي عدلاً، ومن كون الإسناد متصلاً، ومن كون الحديث سالماً من الشذوذ سالماً من العلة، فهذا كله يشترك في يمتلك تحققه في في الصحيح والحسن. فلا بد في الحديث الحسن من أن يكون إسناده متصلاً، وأن يكون الراوي عدلاً، وأن يكون ضابطاً ضابطاً أيضاً، وإن لم يبلغ في الضبط أعلى درجات الضابطين، وأن يكون الحديث سالماً من الشذوذ، وأن يكون أيضاً سالماً من العلة.
إذا تحقق ذلك الحديث، فإذا تحقق ذلك كان الحديث حسناً وكان حينئذ حُجّةً. بل وكما أشرنا سابقاً، فإن بعض أهل العلم يجعل هذا الحديث هو والصحيح سواءً؛ بمعنى أنهم قد يُدخلون مثل هذه الأحاديث في الكتب التي خصوها برواية الأحاديث الصحيحة. فقد وُجِدَ في الصحيحين أحاديث طُبِّق عليها شرط الحسن لذاته، وما ذلك إلّا لأن البخاري ومسلماً حيث أخرجا لمثل هؤلاء الرواة مثل هذه الأحاديث ترجح لديهم أن هذه الأحاديث بعينها أمّا حفظها هؤلاء الرواة ولم يخطئوا فيها أو لم يخطئوا فيه، يعني وفي الحديث ومما سَلِمَ من الشذوذ وسَلِمَ من العلة، فاستجازوا أن يدخلوها في كتاب الصحيح على أساس أنها من جملة الأحاديث المقبولة المحتج بها.
طيب، نقرأ هذه الفقرة يعني نعلق على هذه الفقرة ونبينها بإذن الله. الشيخ هنا بعدما تكلم عن اختلاف دلالات مصطلح الحسن أراد أن يتكلم عن دلالة واحدة، وهي الحديث الحسن الذي أماه المتأخرون الحسن لذاته. أولاً، كلمة حسن هنا تعني أنه مقبول آآ لكنه لم يبلغ آآ في القبول الدرجة الكبيرة، أو لم يعني نحن قبل ذلك لابد أن نعرف أن الصحة درجات.
طبعاً يا شباب، الحديث هو خبر والخبر إما صدق أو كذب ليس هناك وسط، فكيف يوصف حديث بأنه متوسط في القبول؟ هذا بحسب نظر الناقد؛ يعني أن هذا الناقد صحح الرواية لكنه لم يقطع بكونها صحيحة كقطعه بصحة الحديث الصحيح أو الحديث المتواتر. واضح؛ لأن القبول والرد كذلك درجات، والقطع والظن درجات، حتى الإيمان درجات. إبراهيم عليه السلام كان يؤمن بأن الله قادر على أن يحيي الموتى، لكنه سأل ربه أن يرى ذلك بعينه، فلما رأى ذلك اطمأن قلبه، يعني ازداد إيماناً. كذلك الحواريون قالوا: نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين.
كثرة الأدلة تزيد من تصديق الإنسان بالشيء وتزيد من اقتناعه، واضح. فكذلك الحديث، إما أن يكون حديثاً كذباً أو أن يكون حديثاً صدقاً، لكن كيف يكون الحديث متوسطاً في القبول يعني بالنسبة إلى الناقد؟ يعني الناقد هو الذي يترجح لديه القبول، واضح. أما الخبر فإما أن يكون صدقاً وإما أن يكون كذباً. فالشيخ هنا تحدث عن الحديث الحسن لذاته في اصطلاح المتأخرين؛ خلاصة هذا الحديث ما معناه؟ له حديث نظرنا إلى إسناده فوجدنا الإسناد صدقة توفرت فيه كل شروط القبول، كل شروط القبول قواته ثقات حفاظ عدول، الإسناد متصل ولم يثبت خطأ من الرواة، لكن بعض الرواة راوياً أو أكثر يعني لم تبلغ درجة حفظه أعلى الدرجات فلذلك سموه الحسن.
طب لماذا سموه الحسن لذاته؟ لأن الحسن جاءه من إسناد واحد، أما لو كثرت الأسانيد وكانت أقوى أو في نفس الحكم، فانه بذلك يصير الحديث حسناً آآ يصير صحيحاً لغيره أو صحيحاً بمجموع الطرق، واضح؟ طيب هنا لابد من التنبيه على مجموعة أمور. الأمر الأول: الحديث عن الراوي آه كما سبق الراوي له حكمان: حكم عام وحكم خاص. فيمكن للراوي الواحد أن يكون له عشرة أحكام، يعني ليس حكماً واحداً. فيكون هذا فيكون هذا الراوي ثقة في روايته عن راوي، وضعيفاً في روايته عن راوي آخر، ومتوسطاً في روايته عن راوي آخر، وضعيفاً في روايته عن أهل بلد، ويكون ثقة في روايته عن أهل بلد آخرين.
أخذ مثالاً آآ أحد الرواة الحفاظ المكثرين الذين رووا كثيراً جداً من الروايات والتقوا آآ بأكثر المشايخ الذين كانوا في عصرهم، هذا الراوي هو معمر بن راشد آآ رحمه الله. هذا الراوي لن تستطيع أن تحكم عليه حكماً واحداً؛ فمعمر مثلاً وثقة حافظ مُكثر عن الزهري، وعن عبدالله بن طاوس، وكذلك عن آآ عبدالله بن آآ هشام بن عروة، وكذلك آآ هو من جملة الثقات عن يحيى بن أبي كثير. لكن معمراً هذا إذا روى عن أيوب السختياني أو قتادة أو ثابت البناني أو عمرو بن دينار، فانه ضعيف لا يُقبل.
فصار الراوي الواحد له أكثر من حكم، واضح. فهنا لابد أن تتنبه لهذه لهذا الأمر. بعض الطلاب الذين لم يتمرسوا في علوم الحديث ولم يدخلوا البيوت من أبوابها في دراسة علوم الحديث، أرادوا مثلاً أن يحققوا كتباً، فيذهبون إلى كتاب الحافظ ابن حجر رحمه الله كتاب آآ تقريب التهذيب، يقولون: إن هذا الحديث حسن؛ لأن فيه مثلاً حماد بن سلمة وقد قال فيه الحافظ صدوق، واضح؟ فظنوا أن هذا الحكم العام ينفع في في هذا الحديث الخاص أو في هذه الرواية الخاصة، وهذا خطأ وجهل في الحكم؛ لأن هذه الأحكام العامة التي وصل إليها الحافظ رحمه الله هي أحكام مُجْمَلة، هي مجرد مقدمة.
يبقى النظر في حال الراوي في تلك الرواية؛ فربما يكون مثلاً الراوي آآ في الجملة صدوق، لكنه ضعيف عن شيخ وأوثق الناس في شيخ. مثلاً حماد بن سلمة كمثال، هو في الجملة صدوق يخطئ، لكنه أوثق الرواة عن ثابت البناني، ومن أضعف الرواة عن قتادة وعن مثلاً عمرو بن دينار أو عن أيوب، ويخطئ كثيراً ويروي رُعتا هؤلاء. إذاً، الراوي الواحد يمكن أن يتعدد فيه الحكم. لماذا أردت لماذا قلت هذا؟ لأن بعض الناس يتعامل مع الرواة والأحاديث تعاملاً رياضياً، يرجع إلى كتاب الحافظ ابن حجر رحمه الله يصب أو يعني يحكم على الراوي أو على روايته بناءً على حكم الحافظ رحمه الله. والحافظ أساساً كان يحكم حكماً مُجْمَلاً، كما قلت لكم: إن طالباً معيناً مثلاً جاب امتياز أو جيد جداً، هذه نتيجة عامة، لكنه يمكن في مادة يكون جايب مقبول، وفي مادة أخرى يكون امتيازه في مادة أخرى جيد، مادة أخرى جيد جداً، فالحكم العام شيء والحكم الخاص آآ شيء آخر، واضح.
طيب آآ نأتي إلى التعليق على مسألة مهمة جداً وهي أن الشيخ هنا قال آآ أصحاب الصحيح البخاري ومسلم يمكن أن يدخل الواحد منهم في كتابه حديثاً من هذا النوع. لماذا؟ لان البخاري ومسلماً لهما نقد للرواة، فإنهم قد يأتون إلى راو ثقة فيتركون بعض رواياته التي تحقق عندهما أنه أخطأ فيها وإن كان ثقة، واضح. كونهم يزنون هذا الراوي بغيره من الرواة فيكتشفون أن هذا الراوي أخطأ في هذه الرواية المعينة فلا يقبلون آآ حديثه، واضح.
كذلك ويمكن أن يأتوا إلى راو متوسط أو راو متكلم في حفظه، ويقبلون روايته لكونهما تحققا من أنه ضبط تلك الرواية بموافقة الثقات له. فبالتالي يخطئ أيضاً بعض المتعجلين آآ في دراسة الأسانيد فيضاعفون روايات في البخاري ومسلم بناءً على أن به راوٍ، هذا الراوي متكلم في حفظه أو ضعيف وغفلوا عن أمرين مهمين.
الأمر الأول: أن هذا الراوي قد يكون ضعيفاً في الجملة، لكنه ثقة في هذا الشيخ الذي خرج له آآ أحد الشيخين البخاري أو مسلما أو مسلماً. وكذلك الأمر الثاني: أن هذا الراوي يمكن فعلاً أن يكون متكلماً في حفظه، لكنه في تلك الرواية بعينها قد وافقه الثقات، فتأكد الإمام من كونه ضبط تلك الرواية، فلا مانع من أن يخرجها، بل هذا من العدل والإنصاف.
طيب هنا سيذكر قولاً للإمام ابن القيم يشرح فيه لماذا يخرج الإمام مسلم رحمه الله لبعض الرواة المتكلم في حفظهم. قال ابن القيم آه يقول الإمام ابن القيم في بعض هؤلاء الرواة يعني الرواة الذين تُمكِّن في حفظهم
آه أو في ضبطهم وخرج لهم الإمام مسلم. قال: ولا عيب على مسلم في إخراج حديثه؛ لأنه ينتقي من أحاديث هذا الضرب ما يعلم أنه حفظه، كما يطرح من أحاديث الثقة ما يعلم أنه غلط فيه. فغلط آآ فغلط في هذا المقام من استدرك عليه آآ وإخراج وإخراج جميع حديث الثقة، ومن ضعف جميع آه حديث سيء الحفظ.
فالأولى طريقة الحاكم، فالأولى طريقة الحاكم وأمثاله. والثانية طريق أبي محمد بن حزم وأشكاله. وطريقة مسلم هي طريقة أئمة هذا الشأن. والله المستعان.
هذا من الأقوال المحكمة القوية آآ آآ العلامة ابن القيم رحمه الله. فابن القيم هنا يقول رحمه الله: لا عيب على مسلم أنه أخرج لبعض الرواة المتكلم فيهم؛ لأنه تحقق عنده أنه ضبط تلك الرواية.
كذلك الإمام مسلم في الوجه الآخر يمكن أن يترك حديث الراوي الثقة الذي تحقق عنده أنه أخطأ. فهنا الإمام ابن القيم يحاول أن يبين الأخطاء في فهم هذا الصنيع، فيقول: عندنا خطأين.
من يأتي إلى الراوي الضعيف الذي انتقى له الإمام مسلم بعض الأحاديث، فيلزم الإمام مسلما أن يخرج له كل الأحاديث، قال له: هذا خطأ؛ لأن الإمام مسلم انتقى له ما تحقق لديه أنه ضبطه.
الخطأ الثاني آآ بعض الناس يأتي آآ فيلزم كذلك في الخطأ الأول هذا أنه يستدرك على الإمام مسلم، أنه كيف يخرج للضعيف أو كيف يحكم على راو معين بأنه ضعيف ثم يخرج روايته. فهنا خطأين في الطريق الأول بالنسبة للراوي الضعيف.
الخطأ الأول: كيف تخرج للضعيف؟ والخطأ الخطأ الثاني: ما دمت خرجت للضعيف رواية، ينبغي أن تخرج له كل الروايات. أما الخطأ بالنسبة للراوي الثقة فيقول له: كيف توثقه وتترك بعض رواياته؟
فإن كان ثقة أقبل كل الروايات، وإن كان ضعيفا رد كل الروايات. وهذا خطأ؛ لأن منهج أهل الحديث المحققين أنهم لهم في كل رواية نقد خاص. فلا يصح أن آآ تلزمهم بطريقة رياضية: الراوي الثقة حديثه صحيح، والراوي المتوسط حديث حسن، والراوي الضعيف حديثه ضعيف.
هذا خطأ، هذا جهل في التعامل مع الرواة. الرواة بشر، قد ينشط الراوي فيكون ثقة في حديث، ونفس هذا الراوي يضعف في روايات أخرى. واضح؟ قد يكون وثقة في شيخ، قد يكون ضعيفا في غيره. واضح؟
مثلا الإمام الأعمش ثقة ثبت في رواية عن إبراهيم النخعي وأبي وائل وأبي صالح، لكنه ضعيف إذا روى عن آآ أقرانه. إسماعيل بن أبي خالد وحبيب بن أبي ثابت وأبي إسحاق السبيعي مثلا. واضح؟
معمر بن راشد ثقة ثابت في روايته عن الزهري، لكنه ضعيف في رواية عن معمر أيوب. وهكذا غيرهم كثير جدا جدا من الرواة. فلن تستطيع أن تخلص آآ لراو بحكم جامع يجمع له كل الروايات.
وأذكر هنا أن بعض الشباب المحققين، يعني من زمان، قرأت له تعليقا أن هو آآ يعني آآ يعنف الإمام علي بن المديني. الإمام علي بن المديني هو إمام أهل العلل.
كان يقول البخاري: ما استصغرت نفسي بين يدي أحد إلا عند علي بن المديني. فجاء شاب محقق لا يفهم شيئا، وتحقيقه في منتهى الضعف والجهل، فقال لابن المديني: آه كيف تفعل هذا؟ توثق راويا ثم تنكر له رواية.
بهذا الشاب آه الجاهل ظن أن هذا تناقض: كيف توثق راويا وتضاعف رواية له؟ ثم قال كلمة صارت صارت مشهورة يعني يضحك بها الناس الذين يعني درسوا علوم الحديث.
قال لابن المديني بهذا اللفظ والله في التعليق: ما هكذا تعل الأحاديث يا ابن المديني. هذا الشاب الجاهل الذي لا يفهم يعني شيئا في علم العلل يقول لإمام العلل: ما هكذا تعل الأحاديث.
يعني ليس يعني إنسان يمكن أن يتصور أن يأتي شخص فيفتح الله عليه بعدما يتعب ويتمرس فيستدرك خطأ على عالم أو على امام. هذا ممكن، لا نقول بعصمة هؤلاء. أما أن يقول له: ما هكذا تعل؟ ده معناه كده أن هو أساسا لا يستدرك، هو يقدح في منهج آآ منهجه في في التعليل.
والإمام علي بن علي بن المديني هو أجل أئمة العلل، وبه تخرج الأئمة الكبار كأحمد والبخاري وهؤلاء.
المهم وهذا يعني يحصل كثيرا من المتعجلين من الطلبة، أما إذا كان مثل هذه الأحاديث التي يرويها مثل هؤلاء الرواة لم تسلم من شذوذ أو لم تسلم من علة، فإن هي الحالة هذه تكون أحاديث مردودة غير مقبولة ولا داخلة آه في نطاق المقبول من الأحاديث.
كيف لا؟ والصحيح نفسه الذي هو أعلى درجة من الحسن لذاته، إذا وجد فيه شذوذ أو وجد فيه علة، فإن ذلك يوجب على الناقدين أن يجعلوه في نطاق الأحاديث المردودة والا يحتجوا به والا يقيموا عليه الأحكام.
فالحسن لذاته الذي هو أدنى من الصحيح أولى بذلك وأحق. يعني إذا تحقق الناقد من كون الرواية بها خطأ، وتحقق من من الخطأ، فانه يردها.
وهنا قاعدة محكمة للإمام أحمد يعني شرحتها لكم بالتفصيل في يقع على نخبة الفكر. قال أحمد رحمه الله: الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدا منكر.
يعني الحديث الذي وجد فيه راو ضعيف لا تتعجل في رده، فقد توجد له روايات أخرى تبين أن الراوي الضعيف ضبطه. أما المنكر بدل منكر يعني الحديث الذي تحققت من وقوع خطأ الراوي فيه فانه مردود حتى لو كان الذي أخطأ فيه أوثق الرواة.
قال الشيخ حفظه الله: فلهذا لابد من أن يتنبه طالب العلم إلى أن الحديث الحسن لذاته لابد وأن يتحقق فيه بقية شرائط الصحة، وإن كان شرط ضبط الراوي قد تسامح فيه الأئمة ولم يشترطوا في راوي الحديث الحسن أن يكون من أعلى درجات الثقات، آه كما اشترطوا ذلك في آه راوي الحديث الصحيح.
ومن هنا ندرك أن من يحكم من يحكم على حديث بأنه حسن لذاته بناء على النظر في حال الراوي فحسب هو مخطئ في تصرفه. فبعض المشتغلين بعلم الحديث ينظر في حال الرواة، فإذا وجد راوية في مرتبة الحديث الحسن، أي أن العلماء قالوا فيه أقوالا تفيد أن ضبطه ليس كاملا، وإن كان من جملة وإن كان هو من جملة الضابطين، إذا به يبادر بالحكم على الحديث بأنه حسن من غير أن ينظر هل هذا الحديث مما وقع فيه شذوذ أو علة أم لا؟
وهذا خطأ من طالب العلم، بل لابد لط طالب العلم أن يتتبع إلى الأحاديث وأن يتتبع أحكام أهل العلم عليهم رحمة الله على هذا الحديث الذي هو بصدد تحقيقه لينظر وليتبين له لينظروا لينظر وليتبين له: هل هذا الحديث مما أخطأ فيه هذا الراوي أم لا؟ هل هذا الحديث مما حكم الأئمة بشذوذه أم لا؟ هل الحديث مما وجد فيه أهل العلم علة أم لا؟ ولا يكتفي بالنظر في حال الراوي ويبني حكمه على الحديث بأنه حسن بناء على حال الراوي فحسب.
الشيخ هنا يريد أن يبين أمرا مهما من أخطاء المحققين وقد سبق وآآ نبهت عليه، هو أن المحقق أو طالب العلم الذي يتدرب على آآ دراسة الأسانيد يتعجل في الحكم على الراوي، فإذا وجد حكما عاما على الراوي بأنه ثقة جعل حديثه صحيحا، أو وجده متوسطا جعل حديثه حسنا، أو وجده ضعيفا رد روايته.
فهذا خطأ، فلا بد أن يتنبه طالب العلم ويعرف أن الحكم الإجمالي على الراوي هو مجرد مقدمة، ويبقى النظر في هذا الراوي: هل هذا الراوي انفرد بالرواية أم اشترك معه غيره؟ فإن انفرد بالرواية: هل هو ثقة آه في هذا الشيخ الذي تفرد عنه أم لا؟ آآ وإن اشترك: هل وافقه الثقات أم لا؟ هل وافق الثقات أم خالفهم؟ كل هذه معايير ينبغي النظر فيها أكثر من حال الراوي العام.
قال: ولا بأس بذكر مثال ها هنا لحديث هو من حيث الظاهر إسناده حسن لذاته، والأئمة عليهم رحمة الله أنكروه على راويه واعتبروه من أخطائه الشيخ طارق عوض الله حفظه الله ومن من كبار المشايخ معاصرين الذين اعتنوا بعلوم الحديث كافة: علم مصطلح الحديث، علم علل الحديث، علم الرجال، صادر السنة، وله دروس نافعة جدا، وهو من أكثر من انتفعت بهم في حياتي يعني.
الدروس التي حضرتها له والدروس التي سمعتها له وهي كثيرة جدا، ونفعني الله تبارك وتعالى بدروسه آآ كون الشيخ مارس علم الحديث آآ وحقق كثيرا من الروايات صار شرحه لمصطلح الحديث شرحا رائعا جدا.
هذا الشرح هو شرح عملي لأنه ناتج من الروايات وليس كلاما نظريا، الشيخ عنده مئات الأمثلة وعشرات الأمثلة على كل ما يقول، وله كتاب هو أمتع ما كتب في بابه.
يتكلم فيه عن أخطاء من المعاصرين الذين يقوون الأحاديث الضعيفة بكثرة الروايات، فبين معظم أخطاء هؤلاء وذكر لكل خطأ مثالا أو اثنين أو ثلاثة، والكتاب له مقدمة رائعة جدا عن الجهد الذي قام به أهل الحديث في تحقيق الروايات.
والورع وخشية الله التي كانت عندهم في تحقيق روايات، كتاب اسمه الإرشادات في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات، كتاب قيم جدا وفي رأيي أفضل كتاب للشيخ حفظه الله، أكرمه الله وجزاه الله عنا خيرا.
سيذكر هنا آآ مثالا الشيخ لحديث من حيث الظاهر هو حسن، لكن العلماء انكروا قال حتى يكون مثالا يحتذى به ويقاس آآ ويقاس عليه بقية الأمثلة اه، قال الحديث الذي اخترته هو حديث يرويه راو اسمه الربيع بن يحيى الأُسْناني.
الربيع هذا أحد الثقات، وثقه الإمام أبو حاتم الرازي وغيره، وروى حديثا في جمع التقديم يعني جمع الصلاة بإسناد أخطأ فيه، فقال عن سفيان الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
أن طالب العلم المبتدأ إذا ما نظر في هذا الإسناد من غير أن يرجع إلى أهل العلم يغتر بهذا الإسناد ويحكم عليه بالحسن، بل ربما بالصحة على أساس أن الراوي الذي تفرد به آآ وهو الربيع بن يحيى الأُسْناني أحد الثقات.
بل قال فيه أبو حاتم نفسه ثقة اه ثبت، وهذا يدل على أنه تفرد بحديث، وهذا يدل على أنه إن تفرد بحديث فإن حديثه يكون صحيحا، وإن كان وإذا كان أبو حاتم الرازي الرازي قد قال فيه هذا القول العالي.
فأبو حاتم نفسه حينما سئل عن حديثي هذا انكره غاية الإنكار، يعني أبو حاتم هذا في الحكم المجمل وثق الربيع هذا وثقه، فقال الله يسلمك يا عبدالرحمن، شكرا يا حبيبي آآ الإمام أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس الرازي رحمه الله آآ وثق هذا الراوي، لكنه مع ذلك أنكر له تلك تلك الرواية بعينها.
هذا ليس تناقضا واضح آآ، فهذا حكم عام وحكم خاص آآ، فقد روى ابن أبي حاتم عن أبيه في كتاب العلل، كتاب العلل لابن أبي حاتم أدوى أنفس آآ كتب آآ.
بل الحديث آآ آآ فيه مقدمة رائعة جدا جدا عظيمة في الترجمة لأئمة النقاد الكبار، وفيه فوائد كثيرة جدا في علم الحديث، ينقل فيه أقوال مهمة في تعليل الروايات آآ، الكتاب الذي فيه مقدمة عن آآ.
أما الجرح والتعديل هو كتاب مقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، أما كتاب العلل ففيه فوائد في علم علل الحديث، قال آآ نقل عن أبيه أنه قال هذا حديث باطل عندي.
هذا خطأ لم أدخله في التصنيف، أراد يعني الربيع بن يحيى الأُسْناني أبا الزبير عن جابر أو آآ أبا الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس والخطأ من الربيع.
يعني أن الربيع هذا أخطأ يعني أدخل إسنادا على على متن واضح، فقال الإمام الصحيح أن هذا الحديث ليس حديث محمد بن المنكدر عن جابر، وآآ وانما هو آآ حديث أبي الزبير عن جابر.
حديث أبي الزبير عن جابر أو آآ حديث أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، والذي أخطأ هو الربيع، وادي فيها فائدة يا شباب ذكرناها في الدرس آآ قبل الفائت تقريبا أو الدرس اللي فات.
أن النقاد لا يهمهم فقط آآ وقوع الخطأ في الرواية، وإنما يهمهم جدا مجموعة أمور: أولا هل الرواية خطأ أم لا؟ ثانيا ما نوع الخطأ؟ هل هو دخول حديث في حديث؟ هل هو إبدال راو براو؟ هل هو مثلا ذكر لفظ السماع في موضع العنعنة؟ ما هو نوع الخطأ؟ الأمر الثاني من المخطئ؟ هذا مهم جدا، يهمهم أن يعرفوا من المخطئ في الرواية حتى يعد ذلك في في أخطائه.
آآ طيب آآ قال هذه الكلمات التي قالها الإمام أبو حاتم الرازي كلمات في غاية الدقة، فهو قد وثق فهو قد كان وثق الراوي الذي يخطئه هنا، فلم يغتر الإمام بثقة الراوي، بل نظر في روايته وتأملها واعتبرها فتبين له أنها آآ رواية خطأ فقال إنها باطلة.
كلمة اعتبرها يا شباب معناها اختبرها وقارنها بغيرها من الروايات فقال إنها باطلة، ثم أكد ذلك بقوله لم أدخله في التصنيف، قال لم أدخله في التصنيف لأن المصنفات عند المحدثين هي الكتب المصنفة على الأبواب كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبدالرزاق.
فالإمام بقولي هذا لم أدخله في التصنيف يريد أن هذا الحديث الذي رواه الربيع بن يحيى الأُسْناني وأخطأ في إسناده لا يصلح أن يدخل في باب مصنف على الأبواب، لأن الحديث إنما يدخله الأئمة في مثل هذه الكتب أما للاحتجاج واما للاستشهاد، وما لا يصلح للاحتجاج أو للاستشهاد لا يصلح أن يُدخل في مثل هذه الكتب.
طيب، فهذا يدل على أن هذا الحديث الذي جاء به الربيع آآ هذا في غاية الضعف عند الإمام أبي حاتم الرازي، بحيث أنه عنده لا يصلح للاحتجاج ولا للاستشهاد.
ثم بين الإمام عليه رحمة الله وجه الخطأ بحسب اجتهاده وفهمه فقال أراد أبا الزبير عن جابر، يعني كأنه يرى أن أن الربيع بن يحيى الأُسْناني أخطأ في إسناد هذا الحديث فدخل عليه إسناد في إسناد، أراد أن يروي الحديث من طريق أبي الزبير عن جابر عن جابر فأخطأ.
وقال عن محمد بن المنكدر عن جابر، وذلك لأن أبا الزبير له عن جابر روايات لهذا الحديث، يعني أن ذكر ذكر هنا آآ محمد بن المنكدر خطأ واضح؟ والصواب أنه أبو الزبير.
طيب ثم قال آآ ثم قال أو أبا الزبير عن سعيد بن جبير آآ عن ابن عباس، يعني أن أبا الزبير له إسناد آخر آآ لهذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، فكأنه يرى أن هناك إمكانية.
أن يكون الربيع بن يحيى الأُسْناني أخطأ حيث قال محمد بن المنكدر عن جابر، وكان عليه أن يقول عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير آآ عن ابن عباس، فإن هذا هو الإسناد.
الذي يروى به هذا المتن، فهذا ما يقول فيه العلماء دخل عليه حديث في حديثه، فانظر إلى دقة الإمام أبي حاتم الرازي حيث كيف أنكر أعني من حيث الإسناد مع أن كيف أنكر الحديث أعني من حيث الإسناد، يعني أنكر إسناد الحديث.
مع أن الراوي الذي أخطأ فيه عنده أحد الثقات وهو نفسه قد وثقه، والامام الدارقطني عليه رحمة الله لما سئل عن هذا الحديث بعينه أجاب بنحو جواب الإمام أبي حاتم الرازي، فقد روى عنه البرقاني البرقاني.
في أحد كبار تلامذة الدارقطني آآ وله سؤالات عنه كان يسأل الدارقطني عن العلل وعن الرواة آآ قال هذا حديث ليس لمحمد بن المنكدر فيه ناقة ولا جمل، ليس فيه ناقة ولا جمل، لهذا المثال مشهور يعني ربما لا يعرف بعض الناس آآ سببه.
أرض سوس حرب الباسوس التي كانت بين كانت بين تغلب وبكر يعني في الجاهلية آآ كانت بسبب ناقة وجمل، فكان بعض الناس إذا طلب منه أن يدخل في هذه المعركة.
آآ فكان يقول أنا ليس لي في هذه المعركة لا ناقة ولا جمل آآ واضح يعني آآ الناقة ناقة البسوس والجمل كان جمل آآ كليب في القصة المشهورة، يعني يعني حصل مشكلة بسبب الجمل والناقة.
بين تغلب وبكر، فكان أي واحد يطلبه منه أن هو يدخل في هذه المعركة فيقول أنا ليس لي فيها لا ناقة ولا جمل، يعني أنا لست صاحب الناقة ولست من أهل الجمل.
اه، فهو يريد هنا أن يقول: إن محمد بن المنكدر، آه، رحمه الله، لا علاقة له بهذا الحديث أصلاً، وإنما أدخل الربيع اسمه خطأً منه؛ يعني أن هذا الحديث ليس هو من حديث محمد بن المنكدر أصلاً، إنما هو من حديث غيره.
وهذا يدل على، آه، مثل ما دل عليه كلام أبي حاتم الرازي، من أن الراوي قد دخل عليه حديث في حديث، روى الحديث عن محمد، عن محمد بن المنكدر والصواب أنه ليس من حديث محمد المنكدر، إنما هو من حديث غيره.
وسأله الحاكم أبو عبد الله النيسابوري أيضاً، الحاكم أبو عبد الله اللي هو صاحب المستدرك، آه، اسمه محمد بن عبد الله النيسابوري الحاكم المعروف الإمام، وله مستدرك على الصحيحين، آه، أيضاً هو من تلامذة الدارقطني.
قال: وسأله الحاكم، الهاء هنا تعود على الدارقطني، يعني أن الحاكم سأل الدارقطني، وسأله الحاكم أبو عبد الله عن الربيع بن يحيى الأُشناني صاحب هذا الحديث، فقال: ليس بالقوي، يروي عن الثوري عن ابن المنكدر عن جابر في الجمع بين الصلاتين، وهذا حديث يسقط مئة ألف حديث.
فاعتبر الإمام الدارقطني خطأه في هذا الحديث من نوع الفاحش جداً، بحيث إنه يؤثر على مئة ألف حديث من أحاديثه، ولعل قوله ليس بالقوي إنما نزل بدرجته من أعلى درجات الثقات إلى هذه الدرجة الدنيا؛ لأنه روى هذا الحديث المنكر، هذا الحديث الخطأ، هذا الحديث الباطل.
يعني أن الدارقطني استعظم أن يقع هذا الراوي في هذا الخطأ، يأتي إلى حديث مشهور عن أبي الزبير عن جابر، أو عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن ابن عباس، ثم يجعله من رواية محمد بن المنكدر، فاستعظم هذا الخطأ، وذكر حكماً ربما يكون مبالغاً فيه أنه يسقط مئة ألف حديث، كأنها كناية عن شدة الخطأ.
طيب، نقف إلى هنا في الدرس، لكن نحاول أن نلخص ما أخذه في درس اليوم.
آه، نحن تحدثنا عن مصطلح الحسن، وعن اختلاف دلالات هذا المصطلح، وذكرنا معاني كثيرة، لكني أريد أن أخلص الكلام على الحديث الحسن لذاته، حينما نتكلم عن الحديث الحسن لذاته، كلمة الحسن لذاته.
أولاً: لم تكن معروفة قط عند الأئمة المتقدمين، وإنما وجدت في العصور المتأخرة، واضح؟ فقصدوا بالحسن لذاته أن الحديث ليس في أعلى درجات الصحة، لكنه مقبول من حيث الجملة، وحكموا على إسناد من أسانيده بأنه حسن، يعني أن الراوي الذي تفرد به متوسط في القبول، واضح؟
الفائدة التي بعد ذلك: الراوي إما أن ينفرد بالرواية أو أن يشترك مع غيره من أقرانه من الرواة، فإن انفرد فاننا ننظر في حاله عن شيخه الذي تفرد عنه، فإن كان ثقة يحتمل أن ينفرد عنه كان حديثه صحيحاً.
واضح؟ وإن كان متوسطاً وانفرد عنه فهذا فيه خلاف، والأكثر يردون هذا التفرد ولا يقبلونه، وسيأتي في بحث التفرد، وإن كان ضعيفاً لم يقبل تفرده عنه.
أما إذا اشترك الراوي مع غيره من الرواة، فهذا الأمر يكون أسهل؛ لأننا ننظر إلى هذا الراوي، هل وافق الثقات أم لا؟
ربما يكون الراوي ضعيفاً عن شيخ معين، لكنه يوافق الثقات في رواية عن هذا الشيخ، مثلاً الأوزاعي ليس بالقوي في رواية عن الزهري، لكنه ربما يوافق سفيان بن عيينة ومالكاً ومعمراً، واضح؟ وعقيلاً، فيقبل العلماء، آه، هذه الرواية بعينها لكونه وافق، وافق ثقات.
مثلاً جرير بن عبد الحميد الضبي، آه، لم يكن بالضابط عن الأعمش، كان متكلماً في حفظه عن الأعمش، لكنه ربما وافق شعبة، ووافق الثوري، ووافق أبا معاوية الضرير في روايته عن الأعمش، فيقبل العلماء تلك الرواية بعينها.
له، وليس يعني ذلك أنهم يقبلون كل رواياته عن، آه، الأعمش، واضح؟
الأمر الذي بعد ذلك، أنه لا يصح أن نحكم حكماً كلياً على الراوي بأن الراوي الثقة في الجملة ينبغي أن تكون كل أحاديثه صحيحة، والراوي الضعيف أن تكون كل أحاديثه ضعيفة، الراوي المتوسط الصدوق تكون كل أحاديثه حسنة، هذا ليس صحيحاً، هذا ليس إنصافاً وليس عدلاً، وإنما ينبغي أن ننظر إلى الحيثيات التي ذكرتها، هل انفرد أو اشترك مع غيره؟ هل وافق الثقات أم لا؟ هل ثبت منه وقوع الخطأ أم لا؟
الفائدة الأخيرة التي أؤكد عليها كثيراً: أن الأئمة النقاد كما أنهم يردون من أحاديث الثقة ما تحقق لديهم أنهم أخطأوا فيه، فإنهم كذلك يقبلون من أحاديث الرواة المتوسطين والرواة الضعفاء ما تحقق لديهم أنهم أصابوا فيه.
نسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، وإن شاء الله موعدنا غداً يكون، يعني، آخر درس، بعد ذلك سيكون عندي، إن شاء الله، يعني دورة في، في مكان آخر، يكون، يعني، تقريباً لمدة عشر أيام، ثم، يعني، إن شاء الله سياخذ معي الكتاب إن استطعت أن أنا يكون عندي وقت، نأخذ، إن شاء الله، حتى ننهي الكتاب وندخل في كتاب تحرير علوم الحديث.
فإذا لم استطع، وإن شاء الله، يعني، ساجتهد في ذلك، سنكمل بعد عشرة أيام، لكن غداً عندنا الكلام عن الحديث الحسن لغيره وشرائطه.
أسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، جزاكم الله خيراً، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق