السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ومن دعاء لا يسمع.
قبل أن ندخل في الدرس الثالث في علوم الحديث، أحب أن أتكلم عن مسألة مهمة تتعلق علوم الشريعة بشكل عام، وأخص الحديث هنا عن مسائل أربعة. هذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يكون على معرفة بها، من حيث معنى هذه المسالة، وصورة هذه المسألة، والفروع التي تندرج تحتها، وكذلك نشأة هذه المسألة أو نشأة الكلام فيها؛ متى بدأ الكلام فيها، ومن أبرز المتكلمين فيها، وما الفروع التي نشأت عنها، كذلك معرفة مناط هذه المسألة وما يترتب عليها من الآثار.
عندنا مسائل أربعة كبيرة، هذه المسائل تدخل في كل العلوم ويبنى عليها كل ما بعدها. المسألة الأولى هي مسألة مصادر المعرفة؛ من أين نأخذ ديننا؟ وإذا حصل نزاع، إلى أي شيء نرد هذا النزاع؟ تبقى الجزئية الأولى أو المسألة الأولى هي مسألة مصادر المعرفة، من أين نأخذ ديننا وما الذي يفصل بيننا عند التنازع؟ يبقى المسألة الأولى هي مصادر المعرفة، وفيها الحديث عن أمرين مهمين؛ العقل والوحي والعلاقة بينهما.
يجب لطالب، يجب على طالب العلم أن يتعرف على هذا الباب وأن يتقنه وأن يحسنه، وأن يعرف ما مع، يعني يعرف الوحي، ويعرف أنواع الدلالة في الوحي، ويعرف ما معنى العقل، وما هو مجال العقل بالتحديد؟ وهل العقل يتكامل مع الوحي أم يتعارض معه؟ وإذا حصل تعارض، مثلاً في ذهني الباحث، أيهما يقدم عند التنازع؟ فهذه هي المسألة الكبيرة الأولى؛ هي مصادر المعرفة العقل والوحي والعلاقة بينهما ومعرفة مقالات الناس في هذه الأبواب.
عندنا هنا الرسول، وعندنا الفقيه، وعندنا الفيلسوف، وعندنا المفكر، كل واحد من هذه النماذج له مصدر للمعرفة، فبالتالي لابد أن تعرف من أين تصدر المقالات. كل الفرق والأديان والملل والنحل والجماعات، كل هؤلاء سبب اختلافهم الرئيس ربما يرجع إلى الاختلاف في مصادر المعرفة، فهذه هي المسألة الأولى الكبيرة التي يجب على طالب العلم أن يحكمها، وأن يعرف مقالات الناس فيها، وأن يعرف منازلهم فيها؛ مسألة العقل والوحي والعلاقة بينهما.
المسألة الكبيرة الثانية هي مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع، فلا بد أن تتعرف على نشأة هذه القسمة، ومن أبرز المتكلمين عن هذه القسمة، وما مناط القسمة؟ يعني كيف يجعل الشيء من الأصول وكيف يجعل من الفروع، ثم ماذا يترتب على هذه القسمة؟ فهذه هي المسألة المهمة، وهي بمنزلة معرفة، معرفة قدر المسألة في الشريعة ورتبة المسألة في الشريعة.
يبقى المسألة الأولى كانت عن مصادر المعرفة؛ من أين نأخذ ديننا وإلى أي شيء نرد النزاع؟ والمسألة الثانية هي مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع؛ متى نشأت؟ وما مناط القسمة؟ كيف يجعل الشيء من الأصول وكيف يجعل من الفروع؟ وما الذي يترتب على هذه القسمة؟ وهل هذه القسمة صحيحة أم لا؟ وهل هذه القسمة نشأت في الشريعة ودل عليها الوحي، أم أن هناك قسمة أخرى؟ وهكذا.
المسألة الثالثة هي تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد. ما معنى المتواتر؟ وما معنى الآحاد؟ ولماذا نشأت هذه القسمة؟ من أول من تكلم بها؟ هل الذين تكلموا بها كانوا على علم بقواعد علوم الحديث أساساً حتى يقعدوا قواعد أو يذكروا هذه التقسيمات والتفريعات؟ أم أنهم اخترعوها من عند أنفسهم؟ وما دوافع هذه القسمة؟ ولماذا نشأت؟ وما الآثار التي تترتب عليها؟ فهذه المسألة تخص طريق ورود الدليل، طريق ورود الدليل.
والأخيرة من المسائل الكبار التي أردت أن نتحدث عنها هنا أو نتحدث عن أهمية معرفة طالب العلم بها، هي مسألة تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز. ما معنى الحقيقة؟ وما معنى المجاز؟ ومتى نشأ، متى نشأت هذه القسمة؟ وما دلالة لفظ الحقيقة؟ وما دلالة لفظ المجاز؟ وما دوافع هذه القسمة؟ وما الآثار التي تترتب عليها؟
هذه المسائل الأربعة يا شباب هي مسائل كبار، هذه المسائل الكبار لابد لطالب العلم أن يفقهها وأن يعرفها معرفة قوية، من حيث النشأة، ومن حيث المناط، ومن حيث الدلالات، ومن حيث ما يترتب عليها. واحد منها يخص من أين نأخذ ديننا وإلى أي شيء نرد عند التنازع أو ما الذي يفصل بيننا إذا حدث نزاع.
والأمر الثاني يحدد منزلة المسألة في الشريعة وما يترتب على ذلك من الخطأ فيها أو الصواب فيها. والثالث يخص طريق الورود؛ يعني ما هو الحديث الصحيح الذي يحتج به في العقائد والأحكام وغيرها من الأبواب؟ والأخير يخص الدلالة؛ كيف نفهم النص؟ فبالتالي يجب على طالب العلم أن يعرف، فهذه المسائل الأربعة الكبيرة علم الحديث يهتم من هذه المسائل بمَسْألة واحدة، وهي تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد.
وهذه القسمة قد تكلمنا عنها قبل ذلك، لكن يمكن أن أوجز الكلام عنها هنا في نقاط سريعة، حتى يفهم الطالب بداية هذه القسمة؛ تقسيم الأخبار إلى قسم اسمه متواتر وقسم اسمه آحاد. لم يكن موجوداً عند أئمة السلف من أهل الحديث ولا حتى من الفقهاء، وإنما نشأ ذلك عن طريق المعتزلة وانتشر فيهم وتكلموا فيه وأدخلوه في كتب أصول الفقه.
ثم انتقل من كتب أصول الفقه ودخل إلى كتب علم الحديث عن طريق الخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت رحمه الله، الذي له كتابان أساسان من كتب علوم الحديث؛ كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وكذلك كتاب الكفاية في أصول علم الرواية.
الخطيب البغدادي رحمه الله أدخل هذه القسمة بعدما كانت حصراً في كتب المتكلمين من المعتزلة الأصوليين، أدخلها هو في كتب علوم الحديث، ثم قبلها عنه عدد كبير جداً ممن جاءوا بعد وصدروا عنها. لكن يمكن أن نلاحظ هنا أن أحد الأئمة الكبار الذين أعتنوا جداً بكتب الخطيب البغدادي لم يدخل هذه القسمة في كتبه، بل جاءت عنه عبارات تدل على أنه لم يرتضي هذه القسمة وبين أنها كانت للمتكلمين، ولم يتكلم بها المحدثون، وهو ابن الصلاح رحمه الله، وبين أن هذه الشروط التي اشترطها هؤلاء لم تتحقق ولا في حديث واحد، ربما تتحقق في حديث واحد، وهو من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.
كذلك نجد الإمام الذهبي وقد جاء متأخراً لم يرتضي هذه القسمة، أو على الأقل لم يذكرها في خلال ما أطلعت عليه. فبالتالي يا شباب هذه القسمة من حيث النشأة لم تكن، نشأت عند أهل العلم بالحديث الذين هم أهل الحديث، الذين هم أهل الاصطلاح وأهل القواعد الذين مارسوا الرواية وعرفوا رجال الحديث وتكلموا عنهم وقعدوا قواعد النظر في الرواية في الراوي.
وإنما نشأت عن قوم ليس لهم في علم الحديث أي نصيب يعني، لهم يعني أشياء قليلة جداً، ليس لهم اعتناء بالرواية، وأنت لا تجد يعني رواة ثقات حفاظ من المعتزلة، هؤلاء أساساً لم يكونوا يعتنون هذه العلوم، وإنما أنشأوا هذه العلوم لدوافع معينة، أو أنشأوا هذه المسائل لدوافع معينة، وهي في مختصر الامر يمكن أن، أه، أحاول أن أبسطها لكم في فكرة.
احنا عندنا المعتزلة يا شباب أو المتكلمون ارتضوا علم الكلام أو ارتضوا ما ترجم من كتب الفلاسفة. احنا عارفين الفلاسفة ترجم عنهم كتب في اتجاهات، منها مثلاً كتب في الخطابة واضح، ومنها كتب في المنطق اللي هو طرق التفكير، ومنها كتب في الفلسفة اللي هي النتائج التي وصل إليها الفلاسفة.
فالفلسفة كانت تتكلم في كل العلوم، ومن جملة ما كانت تتكلم فيه، كانت تتكلم عن الدين أو الإلهية واضح. إذا ما ترجم من كتب اليونان للمسلمين، ترجم في في عامة الفنون، أو كان المسلمون قديماً يترجمون أو ينتفعون من غير المسلمين في كل العلوم، لكن لم يكن المسلمون يعتنون بترجمة كتب الإلهيات أو الكتب التي تخص الدين أو تخص المعرفة.
وإنما ربما كانوا ينتفعون مثلاً في العمارة في في الهندسة أو في نحو ذلك، أما أو في الطب مثلاً، أو أما أن يستفيدوا من هؤلاء فيما يخص الدين أو فيما يتعلق بالمعرفة وأصولها، فهذا كان محدثاً.
وتعرفون أن هذا يعني بدأ في الظهور في عهد المأمون، اللي هو الخليفة العباسي، لما طلب منه المعتزلة، وكانوا قريبين منه وكانوا هم الذين ربوه أساساً، طلبوا منه أن يترجم لهم كتب اليونان.
وأن هذه الكتب لما ترجمت، كان المراد منها أن يتعرف هؤلاء على غير المسلمين، يعني أراد المعتزلة أن يتعرفوا على غير المسلمين حتى يسهل عليهم مناظرة هؤلاء، فهم أرادوا أن يتعلموا لسانهم حتى يناظروهم بهذا اللسان؛ لأنهم ظنوا أن الوحي ليس فيه أدلة عقلية، المعتزلة ظنوا أن الوحي ليس فيه أدلة عقلية وإنما هو فيه فقط أدلة خبرية.
يعني إيه خبرية يا شباب؟ يعني مجرد أخبار لا يؤمن بها إلا المسلم الذي يصدق النبي صلى الله عليه وسلم، فبالتالي هم يريدون علوماً أو يريدون كتباً فيها أدلة عقلية حيث يتعلمون المناظرة العقلية حتى يناظروا غير المسلمين.
وهذا أول خطأ كبير عند هؤلاء المعتزلة، أنهم نظروا إلى الوحي أنه مجرد نقل أساساً، هذا الوحي إنما أنزل إلى قوم مكذبين للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم مشركين بالله، وأقام عليهم أعظم الحجة.
فبالتالي هذا الوحي أساساً كيف يمكن أن يقال إنه خطاب موجه للمسلم الموحد فقط بينما هو أساساً أنزل على قوم مشركين مكذبين لنبيهم، ومع ذلك قامت به الحجة البالغة؟ الوحي جاء باعظم الأدلة العقلية التي يصدق بها كل عاقل مريد للهداية ولا ينحصر ذلك في المسلم، واضح؟
والأدلة العقلية في الوحي كثيرة جداً على أكبر المسائل، مثل قدرة الله على البعث، ووجوب إفراد الله تبارك وتعالى بالصفات والأفعال والربوبية والألوهية، والإيمان بالقدر، وتصديق النبي صلى الله عليه وسلم، وتصديق باقي الأنبياء، وصدق الوحي، كل هذه الأمور الكبيرة جاء الوحي فيها بأعظم الأدلة العقلية، وقد قال الله تبارك وتعالى: وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثِلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا.
فبالتالي الوحي جاء بأعظم الأدلة العقلية في أخص المسائل التي يحتاج إليها المسلم للهداية أو يحتاج إليها العالم للمناظرة عن هذا الدين العظيم، لكن هؤلاء جهلوا هذه النصوص وجهلوا هذا الموقع للوحي.
فلذلك طلبوا الأدلة العقلية أو طلبوا هذا النوع من العلم عند اليونان، ثم أرادوا أن يناظروا اليونان، اللي هم يعني غير المسلمين اليهود النصارى أو الفلاسفة، بلسانهم. وطبعا في نهاية المطاف هزمهم هؤلاء الفلاسفة، وكما قال ابن تيمية عنهم: لا للإسلام نصروا ولا لعدوه كسروا؛ لأنهم غفلوا عن السلاح، وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً، السلاح الذي يتسلح به المسلم في حياته ويتسلح به المسلم في الاستدلال لدينه ويتسلح به المسلم في ذب يعني أي شبهات عن دينه هو سلاح الوحي، وكل من لم يتفقه في الوحي فإنه يضل ويكون سبباً في ضلال غيره.
وقد قال الله سبحانه وتعالى مبيناً أن هداية نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم لم تكن منه ولا بعقله، وإنما كانت بسبب اهتدائه بالوحي: قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي، لذلك أمره الله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تاب معكَ وَلَا تَطْغَوْا.
إذن الضلال الأول عند هؤلاء هو ظنهم أن الوحي ليس فيه إلا مجرد أخبار لا يحتج بها إلا على المسلم، أما غير المسلم من اليهود والنصارى والمجوس والفلاسفة، فإن هؤلاء لا يصح أن نناظرهم بمجرد أخبار، فلذلك أرادوا أن يستوردوا علوماً يتعلموا منها الدلالة العقلية.
لما استوردوا هذه العلوم هم لم يستوردوا فقط نتائج، يعني هم لم يستوردوا فقط نتائج فلسفية، إحنا قلنا إن هم استوردوا يعني يمكن ما يخص الدين ثلاثة أشياء: طرق التفكير التي تسمى بالمنطق، ونتائج وصل إليها الفلاسفة أرسطو أفلاطون سقراط فيثاغورس أي واحد من هؤلاء، وكذلك استوردوا الخطابة اللي هو طرق التعبير.
يبقى عندنا أول شيء طرق النظر التي تسمى المنطق، كيف نفهم وكيف نناظر وكيف نستدل، والثاني هو النتائج التي وصل إليها الفلاسفة في الأبواب ومنها الألوهية، والثالث هو ما يخص الخطابة أو التعبير، كيف نعبر عما نعرف من العلوم والمعارف، واضح يا شباب؟
طيب المفروض أنهم أساساً أرادوا أن يستوردوا أو أرادوا أن يستفيدوا منهم في طرق التفكير، يعني كيف نفكر أو كيف نناظر، لكنهم مع ذلك تأثروا بمقالات هؤلاء في الألوهية وفيما يخص الدين وفيما يخص الإيمان وفيما يخص القدر، كيف يمكن لمسلم أن يرجع في امور دينه بل في أخص أمور دينه التي هي صفات الله التكليف والتشريع والقدر واليوم الآخر؟ كيف يرجع إلى قوم ملحدين أساساً ليس عندهم أثارة من علم الأنبياء؟
فهذا هو الضلال الثاني الكبير، أن هؤلاء التمسوا الهدى بباب المعرفة وفي باب الاستدلال وفي باب النظر في غير الوحي، وهذا مبني على الضلال الأول وهو ظنهم أن الوحي ليس كافيا في باب المعرفة وليس كافيا بالتالي في باب المناظرة والاستدلال.
لما ترجمت هذه الكتب فرآها هؤلاء وأعجبوا بها، ثم بدأ هؤلاء يعني يختلفون في نظرتهم إلى هذه العلوم، فصار منهم فلاسفة إسلاميين، صار منهم فلاسفة إسلاميون مثل الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد، والغزالي كذلك تأثر كثيرا بالفلسفة وإن كان في آخر عمره رجع إلى التصوف.
ومنهم قوم متكلمون وهم المعتزلة، طبعا الجهمية قبلهم والمعتزلة، وبعد ذلك نشأت فرقة أرادت أن تتوسط بين أهل السنة والمعتزلة الكلابية في مسألة كلام الله، ثم بعد الكلابية جاءت الأشعرية فالماتريدية إلى آخر هذه الفرق.
الضلال الرئيس عند كل هذه الفرق أنهم لم يجعلوا الوحي هو المنطلق في البحث ولم يجعلوه هو الفصل عند التنازع، فبالتالي نشأت هذه المقالات في كل أبواب الدين، في باب أسماء الله وصفاته وفي باب الإيمان وفي باب القدر وفي باب الإيمان باليوم الآخر وفي الأنبياء وفي آيات الأنبياء إلى غير هذه المسائل.
لما وصل المتكلمون ونحن سنتكلم عن المتكلمين تحديدا لأنهم هم الذين اخترعوا تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد بهذه بهذا المناط، وهو الشروط التي ذكروها الأربعة، هؤلاء المتكلمون لما نظروا في الفلسفة وفي علم الكلام وصلوا إلى نتائج مثلا، وليكن نحن نتحدث الآن عن المعتزلة، وصلوا إلى نتائج مثلا أن الإله يمتنع منه الفعل، يعني يمتنع أن يقوم به فعل.
بنوا ذلك على ما يسمى دليل الأعراض، وأن ما يقوم به الفعل فهو حادث؛ لأن الأفعال حادثة إذا قامت بشيء تدل على أنه حادث، إلى آخر هذا الكلام الذي لا أريد أن أدخل فيه الآن وربما لا يناسب الطالب المبتدئ.
المهم أنهم وصلوا إلى نتيجة وهي امتناع الأفعال والصفات عن الله تبارك وتعالى، بنوا ذلك على ما يسمى دليل أعراض وهو دليل مأخوذ من الفلسفة وعلم الكلام ولم يكن مرجعه إلى الوحي، بل الوحي يناقضه.
لما وصل هؤلاء إلى هذه النتائج التي من ضمنها امتناع الكلام عن الله سبحانه وتعالى أو امتناع الفعل عن الله، وجدوا أن الوحي يعارض هذا، الوحي يثبت صراحة الأفعال لله، رضي الله عنهم ورضوا عنه، لَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ، كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا، نصوص كثيرة جدا جدا تثبت في القرآن وفي السنة الصفات والأفعال لله تبارك وتعالى.
طيب هؤلاء كيف يدفعون معارضة الوحي للنتائج التي وصلوا إليها؟ أنا بحاول أبسط الكلام يا شباب شوية، هو ممكن يكون صعب حبة لكن أحاول إن شاء الله أبسطه.
يعني هؤلاء يا شباب لا يهمهم أن يكون الوحي شاهدا لهم بقدر ما يهمهم ألا يكون الوحي شاهدا عليهم، يعني لا يهمهم أن يأتوا بأدلة من الوحي على النتائج التي وصلوا إليها؛ لأنهم أساسا يرون أن الوحي ليس كافيا أو ربما ليس أصلا في الاستدلال، واضح، لكنهم أرادوا فقط لما نسبوا هذه النتائج إلى دين الإسلام
أرادوا ألا يظهر معارضة هذه النتائج لدين الإسلام. طب عندنا آيات كثيرة جدا تثبت صفات الله، تثبت السمع والبصر وتثبت لله سبحانه وتعالى صفة اليد وصفة العين، وآآ وصفة الرحمة صفة، ونصوص في السنة أثبتت لله صفات كثيرة مثل المجيء ومثل النزول آآ إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، ومثل صفة الكلام، وأن الله يرى المؤمنون يوم القيامة. كيف أو كيف يعني كيف يدفعون هذه النصوص الكثيرة؟
آه الدليل يا شباب إذا أرادنا أن نرده يعني لو إنسان استدل علينا بدليل وأردنا أن نرد هذا الدليل فأمامنا ثلاث طرق، أما أن نقول آه أن هذا الدليل ليس حجة يعني ليس مما يصح الاحتجاج به، يعني لو أن إنسانا مثلا قال آه يمكن للناس أن تزور القبر البدوي وتتصدق آآ له وتنذر له وتذبح له، فقلنا له ما حجتك في ذلك؟ فيقول إن الشيخ الفلاني مثلا أو شيخ الأزهر أو فلان أو فلان يفعل هذا فنقول له هذا ليس حجة.
يبقى هذا الدليل الذي ذكره الرجل نحن رددناه من قبل أنه ليس حجة، وإن كان ثابتا يعني إن كان فعلا شيخ الأزهر أو فلان أو فلان يفعل هذه الأفعال نحن نصدق أنه يفعل ذلك، لكننا نقول إن فعله أساسا ليس مما يحتج به في الدين. فهذا رد للدليل من أصله أنه ليس حجة، الأمر الثاني الذي يرد به الدليل هو أن يكون في أصله حجة لكنه ليس ثابتا، يعني لم يثبت، يعني واحد يقول أنا أحتج بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فنحن نقول نعم نحن نقبل الأحاديث ونحتج بها، لكن هذا الحديث بعينه ليس صحيحا، واضح؟
يبقى إحنا لا نخالف في الاحتجاج بالسنة، وإنما نخالف في في هذا الحديث بعينه فإنه ليس ثابتا. الأمر الثالث هو رد الدليل من جهة الدلالة، أن معنى هذا الدليل لا يصح أن يستنبط منه ما فهمته أنت، واضح؟ فلو أن شخصا مثلا يقول إن علي بن أبي طالب ينبغي أن يكون هو الإام بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول له ما حجتك؟ يقول حجتي حديث صحيح.
نقول ما هو هذا الحديث؟ يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم قال يعني لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله. فنقول له نحن نحتج بالسنة، وهذا حديث صحيح، يبقى هذا هذا الدليل يعني نجح في اختبارين، اختبار الحجية واختبار الصحة، لكن هل هو يدل على أن علي بن أبي طالب ينبغي أن يكون الإام بعد النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا، لا يدل.
إذا رد هذا الدليل ليس من جهة الحجية ولا من جهة الثبوت، وإنما من جهة الدلالة. واضح يا شباب؟ بحاول أبسط كده شوية الآية المعلومات دي، إن شاء الله تكون مفهومة. فهؤلاء لما رأوا أحاديث كثيرة جدا تدل على نقيض النتائج التي وصلوا إليها، أحاديث واضحة كالشمس وجاءت من طرق كثيرة جدا تقول إن الله ينزل إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول هل من داع فأغفر له وهكذا واضح.
ونصوص كثيرة جدا تبين مجيء الله تبارك وتعالى يوم القيامة للفصل بين العباد، ونصوص كثيرة تثبت لله صفة الضحك أو صفة الرحمة أو صفة العجب إلى غير ذلك، فماذا فعل هؤلاء؟ لم يستطيعوا أن يردوها من أساس الحجية، لا يستطيع هؤلاء أن يقولوا إن السنة ليست حجة، وكذلك لم يستطيعوا أن يردوها من باب الدلالة؛ لأن الدلالة واضحة كالشمس واضحة جدا ينزل ربنا إلى سماء الدنيا، وإن كان بعضهم حاول أن يحرفها من جهة الدلالة يقول ينزل الله ملكا.
لكن أرادوا أن يصنعوا قانونا كليا يدفع عنهم هذه المعارضة، فمن هنا أنشأوا فكرة تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد، يعني أن الأخبار المروية عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من حيث الورود إلينا هي متواتر وآحاد. المتواتر بقى اشترطوا له شروطا تأكدوا أنها لم تتوفر ولا في حديث واحد، أن يرويه العدد الكثير الكثير الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب وأن يستندوا إلى أمر محسوس، وآآ أن تمنع العادة أن يتواطؤوا على كذب أو على خطأ، وأخف شرط عندهم أن يكون رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرة وعن كل واحد من العشرة عشرة، يعني يكون الطبقة الأولى عشرة من الصحابة واللي بعدها مائة من التابعين واللي بعدها ألف وهكذا.
هذه الشروط أساسا لم يأخذها هؤلاء، هم بداية هؤلاء يعني خليك معي في الترتيب، هؤلاء أساسا كلهم ليسوا من أهل الحديث، ليس فيهم شخص واحد محدث أو خبير بعلم الحديث، لا خبير في الرواية ولا له روايات ولا عالم بالرجال ولا عالم بقواعد العلل والنقد ولا أي شيء، ده أول أمر. الأمر الثاني أن هذه القواعد لم يأخذوها من واقع الرواية وإنما ألفوها تأليفا عقليا، ثالثا أنهم لم يرجعوا فيها إلى المحدثين، رابعا أنهم أدخلوها في علم أصول الفقه وهي أساسا صنعة للمحدثين وليست خاصة وليست خاصة الأصوليين.
واضح لما دخلت هذه القواعد أو هذا هذه القسمة في الكتب لم يرتض بها المحدثون إلى أن جاء الخطيب البغدادي رحمه الله فأدخلها، فهذه القسمة أساسا آآ لم تصدر عن أهل الحديث، ولم تصدر بلغة الحديث ولا بقواعد الحديث، وإنما أنشأها قوم لا علم لهم بالحديث ولا علم لهم بالرواية، وأنشأوها لرد النصوص السنية الحديثية التي يعترض بها عليهم.
ثم للأسف دخلت هذه القسمة بمناطها وبتطبيقاتها في كتب المحدثين وانتشرت وصارت كأنها صدرت عنهم، ولا يستطيع شخص أن ينسبها إلى محدث قبل الخطيب البغدادي رحمه الله، بل ما جاء عن الأئمة الكبار من مناقشات كان ينقض أصول هذه القسمة وينقض مناطها ويبين أن كل خبر صحيح يصح أن يحتج به في كل أبواب الدين.
لان هؤلاء أرادوا آه أن يقولوا إن العقيدة أمر عظيم فلا يصح أن نستدل آه له أو فيه إلا بأدلة، ثم اشترطوا في التواتر شروطا يعرفوا أنها أو يعرفون أنها لا تتحقق في حديث واحد، فبالتالي إذا احتجت أنت عليهم بأي حديث دون هذا الحديث من باب أنه ليس متواترا أو لم يجمع شروط التواتر، فأصل الخطأ هنا عند أهل السنة أو عند بعض أهل السنة أنهم قبلوا هذه القسمة في أصول الفقه وفي علوم الحديث ثم خالفوها من جهة التطبيق.
صاروا يحتجون بأحاديث هي في نظر المعتزلة أحاديث آحاد ويستدلون بها على أمور عقدية، فقال لهم المعتزلة أو المتكلمون بشكل لأن الأشاعرة تبعوا المعتزلة في ذلك، قالوا لهم كيف تحتجون علينا بأحاديث في آحاد ولم ولم تتوفر فيها شروط التواتر ونحن في مسألة عقدية؟ فصار هذا السني الذي وافقهم على الأصول وخالفهم في التطبيقات أطول فروع صار هو المتناقض وليسوا هم، هم طردوا أصلهم عدم الاحتجاج إلا بالسنة المتواترة، ولن يجدوا حديثا واحدا في كل السنة يتوفر فيه أول شرط من التواتر.
واضح يا شباب؟ لكني أوضحت كذلك أن لفظ المتواتر كان مستعملا عند أئمة الحديث، ولكن ليس بهذه الدلالة المبتدعة، ولكن كان يستعمل في الدلالة على الحديث الصحيح الذي جاء من طرق كثيرة الذي رواه جمع كبير أو الذي جاءت فيه قرائن تدل على آآ يعني التحقق من ثبوت الرواية، أما هذه الشروط المخترعة المبتدعة لم يقبلها النقاد ولا المحدثون.
ولم يكن العدد عندهم يعني هو هو المناط، وإنما كانت المناط صفات في الراوي من الصدق والتثبت وكثرة الرواية وما يشهد لصدق الراوي. المهم يعني بينت لكم قبل ذلك خطأ هذه القسمة آآ فيمكن إن شاء الله أن احنا يعني الذي يريد أن يتوسع يمكن أن أذكر له بعض المراجع التي يتوسع فيها آه وآآ بعض النقولات المهمة في هذا.
طيب ندخل إن شاء الله في آآ الكتاب، نحن وصلنا إلى صفحة مائة وسبعة، آآ تحدثنا هنا عن أقسام الحديث من حيث عدد الطرق وذكرنا القسمة التي ذكرها الشيخ حفظه الله وبينا أن أساس هذه القسمة آآ
هو للمتكلمين، وأدخله الخطيب البغدادي في كتب علوم الحديث. لكننا مع ذلك شرحناه حتى يكون الطالب على علم، فذكرنا أن الحديث ينقسم عند هؤلاء إلى متواتر وآحاد. المتواتر لابد أن يعني إيه؟ يكون له شروط، أن يرويه العدد الكثير وأن يصل الإنسان فيه إلى العلم أو القطع أو اليقين بأن هذا الخبر ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما فقد شرطاً من شروط التواتر فهو آحاد. فالآحاد هذا بقى يدخل فيه المشهور، ويدخل فيه العزيز، ويدخل فيه الغريب. الغريب اللي هو الفرد، الذي يرويه راوي واحد في أي طبقة من طبقات الإسناد، يعني حدث فيه نوع من التفرد، وقلنا إن التفرد في نفسه ليس موجباً لرد الرواية، كما أن العدد الكثير ليس موجباً لقبول الرواية، وإنما مناط قبول الرواية هو صفات في الراوي الناقل؛ أن يكون حافظاً وأن يكون صادقاً، يعني أن يؤدي الرواية كما تحملها. تكلمنا عن هذا كله فنقرأ إن شاء الله من أول صفحة مائة وسبعة، وقال: فائدة، استعمل الإمام البخاري رحمه الله غريب بمعنى مقل، فقد قال في ترجمة مسلم بن أبي مريم اه من التاريخ الكبير، يعني البخاري له كتاب اسمه التاريخ الكبير اه يهتم بعلم الرجال أو بنقد الرواة، أحياناً يذكر الراوي ويذكر من أحاديثه ما يدل على حكم البخاري فيه، وقال البخاري: ومسلم هذا غريب الحديث، ليس له كبير حديث، يعني هو يقصد أن كلمة غريب هنا بمعنى مقل من الرواية.
قلت: ومسلم هذا أخرج له البخاري ومسلم، وهو ثقة، وقد قال ابن سعد فيه: كان ثقة قليل الحديث. يعني هو الشيخ يريد أن يقول إن كلمة غريب إذا أطلقت على الراوي قد تدل على أنه قليل الرواية، واضح؟ وقد تدل على أنه منكر الحديث إذا صار الراوي يغرب يعني ينفرد بأحاديث لا يحتملها أو يخالفه فيها الثقات. طيب، صفحة مائة وثمانية، قال الشيخ، الشيخ هنا بيتكلم عن... الشيخ هنا سيتكلم عن... في عنده بيت شعر في آخر صفحة مائة وسبعة من منظومته: والكل قد تجمعه واحدة. يقصد أن الرواية الواحدة أو الحديث الواحد قد يكون له يعني قد يجمع كل هذه الصفات، فقد يكون مثلاً في بعض طرقه يكون متواتراً، ويكون في بعضها غريباً، ويكون في بعضها مشهوراً. يعني إيه يا شباب؟
يعني مثلاً يمكن أن حديثاً معيناً يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان من الصحابة؛ مثلاً أبو هريرة وعبد الله بن عمر، يبقى هو بالنسبة للنبي عزيز يعني رواه اثنان، ثم يأتي من بعد النبي... يهديكم الله ويصلح أحوالكم ماشي يا هندسة شكرا يا حبيبي... ثم يأتي من بعد النبي صلى الله عليه وسلم يرويه مثلاً عنه اثنان اللي هو أبو هريرة وعبد الله بن عمر، ثم يرويه عن ابن عمر عدد مثلاً من صحابي كبير، ويرويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عدد كبير أيضاً، فيكون متواتراً بالنسبة لأبي هريرة ومتواتراً بالنسبة لعبد الله بن عمر، ثم بعد ذلك لا يرويه عن واحد من هؤلاء إلا واحد فيكون غريباً. فالحديث الواحد قد يجمع أكثر من صفة، فقد يكون مشهوراً في طبقة وعزيزاً في طبقة وغريباً في طبقة أخرى. قال الشيخ: أي أن الرواية الواحدة قد تجمع تلك الصفات كلها، فتوصف الرواية بأنها متواترة ومشهورة وعزيزة وغريبة في آن واحد بحسب اختلاف الاعتبار.
مثال: حديث نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. الحديث عزيز عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه عنه حذيفة وأبو هريرة، حذيفة بن اليمان وأبو هريرة، وهو مشهور عن أبي هريرة، رواه عنه سبعة: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو حازم، وطاووس، والأعرج، وهمام، وأبو صالح، وعبد الرحمن مولى برثم. أبو حازم ده يا شباب اللي هو الأشجعي؛ لأن في عندنا أكثر من أبي حازم. وكذلك حديث إنما الأعمال بالنيات، فهو حديث فرد، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولم يرو عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يرو عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يرو عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ومثل هذا يقال أيضاً في المشهور. يعني حديث إنما الأعمال بالنيات بدأ من أوله إلى يحيى بن سعيد الأنصاري لم يروه عن كل واحد إلا واحد؛ لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر، ولم يرو عن عمر إلا علقمة، ولم يرو عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم، ولم يرو عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم رواه طبعا يحيى بن سعيد جمع كثير جداً واضح.
قال الشيخ: ومثل هذا يقال أيضاً في المشهور النسبي، والعزيز النسبي، والغريب النسبي، والله أعلم. يعني ممكن الحديث الواحد يا شباب يأخذ أكثر من صفة. وأيضاً حديث حماد بن سلمة عن أبي العشراء عن أبيه قال: قلت يا رسول الله، أما تكون الزكاة... اللي هي الزكاة اللي هي تزكية الذبيحة إلا في الحلق واللبة؟ فقال: لو طعنت في فخذها أجزأ عنك. قال الترمذي: فهذا حديث تفرد به حماد بن سلمة عن أبي العشراء، ولا يعرف لأبي العشراء عن أبيه إلا هذا الحديث، وإن كان هذا الحديث مشهوراً عند أهل العلم، وإنما اشتهر من حديث حماد بن سلمة، لا يعرف إلا من حديثه، فيشتهر الحديث لكثرة من روى عنه، إنما هو كاتب روية، لا هي روى بفتح الراء، يعني الإام الترمذي يبين أن هذا الحديث غريب يعني فرد، لكنه صار مشهوراً في الطبقات النازلة، لكن أساسه أنه حديث فرد، لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا واحد، واضح كده؟ لكن لما رواه حماد بن سلمة عن أبي العشراء هذا يعني كثر الرواة عن حماد، وإلا فالحديث في أصله كان حديثاً غريباً.
الشيخ بيذكر مثالاً آخر: ومن ذلك حديث عبد الكريم بن روح عن سفيان الثوري عن سليمان التيمي عن بكر بن عبد الله المزني عن المغيرة... المفروض المغيرة بن شعبة... أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائماً ثم توضأ ومسح على خفيه. قال أبو يعلى الخليلي: حديث صحيح مشهور، سليمان التيمي رواه عنه جماعة، غريب من حديث الثوري عنه، لم يروه عنه غير عبد الكريم. يعني يبين نفس الفكرة يا شباب أن الحديث يمكن أن يكون في بعض الطبقات يمكن أن يكون حديثاً غريباً لم يرو إلا راوٍ واحد، وفي طبقة أخرى يمكن أن يكون مشهوراً.
واضح، وبناء على هذا فما اشترطه بعض أهل العلم في الخبر المتواتر أن تتحقق شروطه في جميع طبقات الإسناد، فإذا تخلف ذلك في بعضها لم يحكم للحديث بالتواتر، وإنما اشترطوا ذلك حيث يوصف الحديث بأنه متواتر عن متواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من انتهى إليه الخبر، فحينئذ لابد من توفر ذلك في جميع طبقات الإسناد؛ لأنه إذا كان الخبر مروياً عن النبي صلى الله عليه وسلم فلن يكون متواتراً عنه إلا إذا رواه عنه عدد من أصحابه يحصل بروايتهم له تواتر الخبر، وإذا وقع ذلك وقع بالضرورة في طبقة التابعين، وإذا وقع في طبقة التابعين وقع في الطبقة التي بعدهم، وهكذا.
لكن إذا لم يتواتر الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يرويه عدد من الصحابة عنه يحصل بروايتهم التواتر، فإن هذا لا يمنع أن ترى عن بعضهم رواة الإسناد سواء الصحابي أو من دونه، إذا توفرت في الطبقة التي روته عنه فما دونها شروط المتواتر، ويكون معنى نسبة التواتر إلى هذا الخبر أن هذا الراوي الذي تواتر الخبر عنه قد جاء بطريق يفيد العلم، وهو التواتر هنا؛ أنه روى هذا الخبر بإسناده الذي ذكره إلى النبي صلى الله عليه وسلم. أحاول أشرح هذه الفكرة يا شباب، أتشرح الأول ماذا يريد أن يقول الشيخ الكريم؟
ثم التعليق على هذا الكلام، الشيخ الكريم حفظه الله يريد أن يقول: إن الحديث إذا تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم، يعني رواه عنه عدد كبير من الصحابة، يطمئن القلب إلى صدق الخبر برواية.
فسيحصل التواتر بناءً على ذلك في طبقة التابعين إلى آخره. هذا الكلام ليس دقيقاً على شروط المتكلمين الذين وضعوا هذه الشروط؛ لأن المتكلمين الذين وضعوا هذه الشروط لم يطلبوا التواتر فقط عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما طلبوا التواتر عن كل شخص راوٍ في الرواية.
بمعنى أن هذا الحديث لو فرضنا أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عشرة من الصحابة، ففي الطبقة الثانية لا يقبل هؤلاء -يعني طبقة التابعين- لا يقبل هؤلاء المتكلمون الذين وضعوا هذه الشروط أن يرويه عن كل صحابي تابعيٌّ واحد، لا؛ يجب أن يرويه عن كل صحابي عدد يبلغون حد التواتر، فيكون عن أبي هريرة مثلاً عشرة، وعن ابن عمر عشرة، وعن عائشة رضي الله عنها عشرة.
واضح؟ فالخطأ هنا أن تظن أنهم يريدون أن يتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد من الصحابة أو يرويه عدد من الصحابة ثم من بعدهم لا يشترطون فيه ذلك، لا، هم يريدون لكل صحابي عدد كبير من الرواة أيضاً.
فبالتالي هذه الشروط التي وضعها هؤلاء لم يتوفر فيها أو بها حديث واحد، ربما يوجد في حديث الشرط الأول وهو العدد الكثير في حديث واحد أو حديثين، لكن فكرة استحالة تواطؤهم على الكذب هذا ليس موجوداً، وهذا هو الذي دفع عدداً من المتكلمين أن يقولوا: حتى لو توفرت في الحديث كل شروط التواتر ثم خالف عقلي فإني أرد دلالة هذا الحديث.
وهذا صرح به كبار هؤلاء، منهم الرازي، الذي وضع القانون الكلي، الذي يسمونه القانون الكلي هو قانون تعارض العقل والنقل، واضح يا شباب؟ فبالتالي في رأيي الخطأ هنا أن الشيخ الكريم وافقهم على هذه القسمة وعلى مناط القسمة، لكنه ربما يريد أن يخالفهم في تفاصيل، ومنها أنه يريد أن يحتج بكل حديث صحيح في العقيدة وغيرها.
وهم أساساً ما أنشأوا هذه القسمة إلا لرد الأحاديث ورد الاحتجاج بها في العقيدة، فبالتالي عدم الموافقة على هذه القسمة هو الحل الصحيح، وهو الذي يطرد القول، وهو الذي لا يجعلك تتناقض.
الشيخ الكريم قال: وعليه فلا يلزم من هذا التواتر النسبي أن يكون الحديث متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا يلزم منه أن يكون الحديث صحيحاً أصلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لاحتمال أن يكون هناك ما يوجب ضعفه في الإسناد الذي ذكره ذلك الذي تواتر الخبر عنه.
يعني الشيخ يريد أن يقول: إن مجرد العدد الكثير لا يكفي، مع أنهم أساساً بنوا قولهم على العدد الكثير. وقد رأيت حديث الأعمال بالنيات، رغم أنه غريب في أصله، إلا أنه لما رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري عدد كثير مع تحقق باقي شروط التواتر، قال الحافظ ابن حجر: قد تواتر عن يحيى بن سعيد، يعني صار تواتراً نسبياً فجوز إطلاق التواتر عليه، رغم أنه إنما تواتر عن بعض الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقع التواتر في كل طبقة من طبقات الإسلام.
الشيخ يركز على فكرة التواتر النسبي والشهرة النسبية والغريب النسبي، فهكذا الحديث في طبقاته العليا من أخبار الأفراد والغرائب، ثم إنه قد رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري جماعة كثيرون حتى وصفه الحافظ ابن حجر بأنه متواتر عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
فالتواتر هنا إنما هو تواتر نسبي، أي بالنسبة إلى أحد رواة الإسناد وإن لم يتواتر عمن فوقه في الإسناد، فقد يكون الحديث غریبآ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عزيز عن أحد الصحابة.
بمعنى أن الصحابي الذي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم متفرداً به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رواه عن هذا الصحابي رجلان من التابعين، فيصير هذا الحديث عزيزاً عن الصحابي، ثم قد يتفق أن أحد هذين التابعين أو التابعي التابعين قد روى الحديث عنه جماعة كثيرون بحيث يكون الحديث مشهوراً عن هذا التابعي وإن لم يكن مشهوراً عن التابعي الآخر.
ثم قد يتواتر الحديث بعد ذلك بأن يرويه العدد الكثير الذي يستحيل في العادة -كلمة يستحيلها دي الشيخ طبعا جلبها منهم، لم يتحدث المتكلمون في الحديث من السلف ومن الأئمة، لم يستعملوا هذه الألفاظ المحدثة- يستحيل في العادة والكلام ده.
قال: العدد الكثير الذي يستحيل في العادة أن يتواطؤوا على الكذب، فحينئذ يكون قد تواتر في بعض طبقات الإسناد. الحديث الواحد قد يكون متواتراً عن بعض الرواة، مشهوراً عن بعض الرواة الآخرين، عزيزاً عن بعض الرواة الآخرين، غريباً عن بعض الرواة الآخرين، وليس بالشرط أو بالضرورة لكي يوصف بكونه متواتراً أن يتواتر في كل طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنه عزيز أن يكون عزيزاً في كل طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنه مشهور أن يكون مشهوراً في كل طبقات الإسناد، أو لكي يوصف بأنه فرد غريب أن يكون كذلك في كل طبقات الإسناد.
هذا ليس شرطاً وليس ضرورياً، بل الحديث يوصف بهذه الأوصاف إما مطلقاً وإما بالنسبة لبعض الرواة والله أعلم.
الشيخ طبعا بكرر كثيراً أنه بيحاول يشرح ويبسط، نذكر مختصر الفكرة يا شباب: الشيخ الكريم هنا يتحدث عن الحديث من حيث عدد الطرق أو عدد الرواة، فيقول: يمكن لحديث واحد أن يجمع كل الصفات.
فيمنك أن يكون هذا الحديث بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم رواه مثلاً اثنان من الصحابة، مثلاً عائشة رضي الله عنها وابن مسعود، وممكن يكون رواه مثلاً عن عائشة بعد ذلك سبعة، فيكون هذا الحديث بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم عزيزاً، لكنه بالنسبة لعائشة مشهوراً.
واضح؟ لأن عائشة رضي الله عنها روى عنها سبعة، واضح يا شباب؟ ويمكن أن يكون مثلاً واحد من السبعة الذين رووا عن عائشة، يعني واحد من السبعة الذين رووا عن عائشة، روى عنه عشرين واحد، واضح يا شباب؟ فيكون بالنسبة لهذا الشخص يكون مثلاً متواتراً وهكذا.
واضح؟ لكن هذا لا يستلزم قبول الرواية ولا رد الرواية؛ لأننا يجب أن نرجع فيها إلى صفات الراوي، يعني الصفات التي نريدها في الراوي، وهي أن يكون حافظاً وأن يكون صادقاً.
الشيخ يقول حكم المتواتر والآحاد هذا وينبغي أن يعلم أن الأخبار المتواترة كلها مقطوع بصحتها، فهي تفيد العلم اليقيني القطعي، وبطبيعة الحال هذا حيث يتحقق فيها التواتر الذي أشرنا إليه آنفاً، وإلا فلابد من تحقق شرائط التواتر حتى يحكم بمقتضاها بالتواتر، وعليه يحكم بأنه خبر مقطوع بصحته.
يعني الشيخ هنا يريد أن يقول: إن الحديث المتواتر إذا عرفنا أنه تواتر فلابد أن يكون صحيحاً؛ لأن المتواتر هو أعلى درجات الصحة، لكن الشيخ لم يذكر هنا أن المتكلمين قالوا إن المتواتر لا يبحث فيه من حيث صفات الرواية؛ لأننا نقطع بثبوته، وهذا تناقض منهم، ليه نحن أساساً لم نصل إلى القطع بثبوته إلا بعد أن بحثنا عن صفات الرواة؟
هم يقولون لا، هو لا يحتاج أن يبحث عن رواته، وهذا تناقض، كيف وصلنا إلى أن هذا الخبر صحيح ثابت مقطوع بصحته دون أن نعرف الطريق إلى هذا الحكم؟ واضح؟ وده لأن هذه القواعد لم ينشئها المحدثون، فهي كتبت بلسان المتكلمين صرفاً، وكتبت بواقع المتكلمين الذين لم يفقهوا واقع الرواية.
الشيخ هنا تأثر بهذا بهذه اللغة، فتراه يتكلم بنفس الكلام، يقول: إن الأخبار المتواترة كلها مقطوع بصحتها، فهي تفيد العلم اليقيني القطعي. واضح؟ أيوه، هي أفادت العلم القطعي متى؟ بعدما نظرنا في أحوال رواتها، وليس في مجرد عددهم، واضح يا شباب؟
إذاً الخطأ الرئيس عند هؤلاء المتكلمين ومن تبعهم أنهم ركزوا على العدد، وذكروا شرطاً عقلياً خطأ، قالوا: يستحيل تواطؤهم على الكذب، الاستحالة هذه لن تتحقق، الاستحالة هذه لن تتحقق، أي رواة على وجه الأرض الكذب منهم ممكن، عادي جداً والتواطؤ عليه ممكن، فكلمة الاستحالة عندهم هذه.
سبب في انهم يدفعوا بها ما يعترض عليهم من الادلة. واضح يا شباب، اذا نحن نريد ان فهم المسألة من اولها، المتكلمون اه لما وصلوا الى نتائج آآ هذه النتائج تعارض الوحي في باب الاسماء والصفات، او في باب القدر، او في باب الايمان، او في اي باب من الابواب التي سموها الابواب التي سموها اصول الدين، ارادوا الا تكون نصوص الوحي شاهدة عليهم، فنصوص الوحي هنا القرآن والحديث، فرد الدليل كما قلنا انما يكون اما برد حجيته، او برد ثبوته، او برد دلالته.
فمن هنا نشأ الكلام عندهم في اه تقسيم الاخبار الى متواتر وآحاد، ثم اشترطوا في التواتر شروطا لا تتوفر في الحديث، لا تتوفر في الاحاديث العقدية التي يحتج بها اهل السنة، فلما يحتج عليهم انسان بحديث معين، يقولون: هذا الحديث لم تتوفر فيه شروط التواتر، وهذا الحديث في باب العقيدة لا يصح ان نحتج بالاخبار الاحادية في ابواب العقيدة. فكان من الخطأ هنا ان توافقهم على هذه القواعد، ثم تخالفهم في التطبيق او في الفروع، والصواب ان قواعد علوم الحديث انما تؤخذ من المحدثين لا تؤخذ من غيرهم، لكن هذه القواعد او هذه القسمة من اساسها لم تكن من المحدثين، ولم تكتب بلسان المحدثين، وانما كانت تدون في كتب اصول الفقه، كتب اصول الفقه المعتمدة عندهم، ثم ادخلها بعد ذلك الخطيب البغدادي رحمه الله في كتب علوم الحديث، ثم يعني نقلها من جاء بعده، وان كان الامام ابن تيمية، وهو من ابرز المستفيدين من اه احمد بن علي بن ثابت، اللي هو الخطيب البغدادي، لم يقبل ان يدخل هذه القسمة في كتابه، بل ظهر آآ منه اعتراض اه بان ادخلها الخطيب البغدادي وجلبها من كتب الاصوليين او المتكلمين.
فالخلاصة هنا انه من الخطأ ان توافقهم على اساس القسمة وعلى مناط القسمة، ثم تخالفهم فيما يترتب على القسمة، هذا هو التناقض، والصحيح آآ ان تطرد مذهبك بالا تقبل قواعد في نقد الرواية، او في الحكم على الراوي، او في الحكم على آآ الرواية الا من اهل الحديث، لانهم هم الذين خبروا رواياتهم، الذين خبروا الرواة.
الشيخ الكريم هنا قال: حكم المتواتر والآحاد. قال: هذا، وينبغي أن يعلم أن الأخبار المتواترة كلها مقطوع بصحتها، فهي تفيد العلم اليقيني القطعي، وبطبيعة الحال هذا حيث يتحقق فيها التواتر الذي أشرنا إليه آنفا، وإلا فلابد من تحقق شرائط التواتر حتى يحكم بمقتضاها بالتواتر، وعليه يحكم بأنه خبر مقطوع بصحته. أما أخبار الآحاد فالأصل أنها لا تفيد العلم اليقيني.
يقصد بالعلم اليقيني يا شباب أن اصول المعرفة وحصول التثبت من خبر ما درجات، اتعرف ان الايمان أو التصديق درجات؟ مثلا ابراهيم عليه السلام كان يعلم ويشهد ان الله تبارك وتعالى قادر على ان يحيي الموتى، لكنه لما رأى بعينه احياء الله للموتى ازداد ايمانا، وليطمئن قلبي. واضح، فكثرة الادلة وكثرة القرائن تزيد الانسان اه تثبتا وتزيده يقينا، واضح يا شباب، فبالتالي كذلك الاخبار يمكن أن يكون الخبر اه في نفسه فيه درجة من درجات الصدق، ويحصل للناقد اه الشهادة بصدقه، لكن اذا اجتمعت معه اخبار اخرى او قرائن اخرى في الرواية، فانها تزيد درجة التثبت اه الشهادة بصدقه.
فهو يقولون: أما أخبار الآحاد يعني ما ليس بمتواتر، فالاصل انها لا تفيد العلم اليقيني، فاذا صح اسناد الآحاد لثقة الرواة وعدالاتهم اه واتصال الاسناد وسلامة الحديث من الشذوذ والعلة، فهو حديث يجب العمل به، وهو حديث حجة يتدين به وتبنى عليه الاحكام، ولكنه ليس كالخبر المتواتر، فالخبر المتواتر كما سبق مقطوع بصحتها. أما هذا فمهما تحققت فيه شرائط شرائط الصحة، فاحتمال خطأ الراوي الثقة فيه ما زال واردا، ولهذا لا نحكم بأنه مقطوع بصحته، وان كنا نعتقد وجوب العمل به.
لكن اذا انضم الى خبر الآحاد القرائن التي اذا ما احتفت به جعلته منزلة الخبر المتواتر من حيث القطع بكونه صحيحا، ومن حيث افادته اما اليقينية او القطعي اليقيني، فحينئذ ليس هناك فرق بين الخبر المتواتر والخبر الآحاد، فخبر الآحاد الذي انضمت اليه او احتفت اليه او احتفت به القرينة التي تدل على افادته للعلم، هو حينئذ يكون هو والخبر المتواتر سواء بسواء.
نحن يا شباب لا نخالف أن الاخبار من حيث الاخبار الصحيحة آآ من حيث درجة قبولها درجات وليست على درجة واحدة، ولا نخالف في أن لفظ التواتر استعمله النقاد والمحدثون، وانما نخالف في دوافع هذه القسمة، وفي هؤلاء الذين قسموا هذه القسمة، وفي مناط القسمة، وفيما ترتب على القسمة، فالمشكلة في تقسيم الاخبار الى متواتر وآحاد ليست لفظية، ليس خلافا لفظيا، بل هو خلاف قوي حقيقي واقعي وله آثار، ويترتب عليه مسائل، ويقع بسببه نزاع.
فدوافعه ونشأته، والذين اخترعوا هذه القسمة، والآثار التي ترتبت عليه، كفيلة بان يعيد الانسان النظر فيه، ويحاول أن يقيمه بأن يعرف أساس هذه القسمة، ويعرف من الذين قسموه، وما هو مناط القسمة عندهم، وما الآثار العملية المترتبة عليه، والا فانه اذا لم يفقه هذا سينسب الى اهل الحديث انهم قسموه باعتبار أن هذا مستعمل في كلامهم، وهذا ليس دقيقا، وهذا ليس تحريرا.
والامام الشافعي رحمه الله قال: من تعلم علماً فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم، وأرى أن من دقيق العلم أن يعرف طالب الحديث منشأ هذه القسمة، وأن يعرف دوافع هذه القسمة ومن الذين قسموها؟ وماذا يترتب على هذه القسمة؟ آآ أما اذا وافقهم في هذه القواعد، ثم خالفهم في التطبيق فقال: نحتج عليهم في العقيدة باحاديث آحاد، فهو اساسا لم يفقه دوافع هذه القسمة عندهم.
فالشيخ هنا يريد أن يقول في خلاصة القول، يريد أن يقول أمرين: الاول أن الحديث الذي ليس متواترا لا يبلغ حد اليقين ولا القطع، لكنه قد يبلغ قطعا إذا احتفت به قرائن.
فائدة معرفة هذا الباب هذا، وفائدة معرفة هذه الاقسام ودرجاتها، ومعرفة أن المتواتر يفيد العلم، وأن خبر الآحاد المحتف بالقرينة ايضا يفيد العلم، وأن خبر الآحاد العاري عن القرينة دون ذلك اه، فائدة معرفة هذا عند اهل العلم هو الترجيح عند التعارض، فاذا كان الائمة بصدد ترجيح رواية على اخرى، فان معرفتهم بمراتب هذه الاحاديث وبدرجاتها يعينهم على الترجيح فيما بينها عند عدم امكانية الجمع والتوفيق بينها.
ولهذا نجد اهل العلم عليهم رحمة الله اذا ما كانوا بصدد النظر في روايتين قد تعارضتا من حيث الظاهر ولم ولم يمكن الجمع أو التأويل أو التوفيق بين هاتين الروايتين، فان الائمة عليهم رحمة الله يلجؤون الى الترجيح بتقديم احدى الروايتين على الاخرى، ومن طرق الترجيح النظر في هذه الاعتبارات، فالخبر المتواتر أرجح من خبر الآحاد، وخبر الآحاد المحتف المحتف بالقرائن أرجح من خبر الآحاد العاري عن القرينة.
فنجدهم يرجحون الحديث لكونه آآ على حديث آخر لكونه غريبا، مع أن المشهور والغريب كلاهما من اخبار الآحاد، ويرجحون ما اخرجه البخاري ومسلم على ما اخرجه البخاري فقط، أو على ما اخرجه مسلم فقط، أو ما اخرجه البخاري ومسلم أو أحدهما على ما لم يخرج في الصحيحين وان كان الكل من اخبار الآحاد، ولكن ما خرجه البخاري ومسلم قد انضاف اليه وانضم اليه هذه القرائن التي تعطيه قوة تجعله راجحا عند التعارض على ما عري عن مثل هذه القواعد.
وكذلك نجدهم يرجحون آآ احد الحديثين بأنه قد رواه الائمة الحفاظ على غيره الذي لم يروه الائمة الحفاظ، وانما رواه المشايخ، كلمة المشايخ شباب تطلق في لسان المحدثين بمعنى الراوي المتوسط، كلمة يقولون فلان شيخ يعني آآ احيانا تأتي هذه اللفظة بمعنى شيخ يعني متوسط آآ قال: وانما وانما رواه المشايخ او الرواة الذين لم يعرفوا بالحفظ والفقه والامامة، وهكذا نجد ائمة الحديث عليهم رحمة الله ينتفعون في هذا الباب بمثل هذه البحوث التي اودعوها في كتب الحديث، فبتمييزهم بين المتواتر والآحاد وبين وبين الآحاد بنوعيه، يعني يقصد النوع المحتف بالقرينة والنوع العاري عن القرينة، يتمكنون من الترجيح بين الروايات التي ظاهرها التعارض.
التعارض إذا لم يمكن الجمع بينها والله أعلم. يعني الشيخ يريد أن يقول لأن فائدة معرفة هذا الباب أنه قد يحدث تعارض بين الأحاديث فحينها يكون من مناط آآ الترجيح معرفة عدد الرواة أو معرفة آآ درجات الحديث من حيث عدد الرواة.
قال الشيخ الكريم والخبر المقبول والمردود فيها وكل آآ فله قيود وفي الآحاد المقبول والمردود. يعني أخبار الآحاد فيها أحاديث مقبولة وفيها أحاديث مردودة لكن أخبار الأخبار المتواترة اه يعني كلها مقبولة وكلها صحيحة.
آآ قال وفي الأخبار الآحاد وفي وفي الآحاد المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها دون المتواتر فكله مقبول إفادته القطع بصدق مخبره بخلاف غيره من أخبار الآحاد.
هذه الجملة أيضا أخذها الشيخ رحمه الله ممن قبولوا هذه القسمة أن هذه الجملة فيها تناقض يا شباب الشيخ بيقول وفي الآحاد المقبول والمردود لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها.
يعني لأنني لا أستطيع أن أحتج برواية الآحاد إلا بعد أن أبحث في حال الرواة، وقد وصلت إلى ثبوت الرواية عن طريق البحث والنظر والاستدلال فهي آحاد ففيها مقبول ومردود.
أما الحديث المتواتر لا أحتاج أن أنظر إلى أحوال الرواة. واضح الشغل؟ لا أحتاج أن أنظر إلى أحوال الرواة وهذا ليس صحيحا لأنه ما من خبر إلا وأحتاج أن أنظر في أحوال رواته مهما بلغ عدد هؤلاء الرواة.
واضح وهذا هو الذي يعني ناظر به الشافعي رحمه الله المتكلمين الذين ناظرهم في كتاب جماع العلم، حيث كانوا يتكلمون عن عدد الرواة وعن حالة التواطؤ على الكذب وهذه المعاني الغريبة على علم الحديث، فردهم الشافعي إلى مناط القبول ومناط البحث في الراوي مثل الصدق والحفظ والأمانة والعدل وهكذا.
أما فكرة أن أنا الأخبار المتواترة لا أحتاج أن أنا أبحث في روايتها والخبر الآحاد فقط هو الذي أبحث عنه هذا خطأ، ليس هناك خبر يروى بإسناد إلا وأحتاج أن أنظر في أحوال رواة هذا الإسناد مهما بلغ عددهم.
طيب الشيخ بقى سيفصل في الكلام عن الحديث المقبول وعن شروط القبول. قال الشيخ الكريم المقبول والمردود من الآحاد والخبر المقبول آآ ما ترجح صدقه والمردود لم يرجح.
ده ده الشعر اللي الشيخ كاتبه أو في المنظومة يعني قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في الآحاد المقبول وهو ما يجب العمل به عند الجمهور وفيها المردود وهو الذي لم يرجح صدق المخبر به لتوقف الاستدلال به على البحث عن أحوال رواتها دون المتواتر فكله مقبول لافادة القطع بصدق مخبره بخلاف غيره من أخبار الآحاد.
فأنت اللي أنا عرفت الشيخ طارق حفظه الله من أين أخذ هذه العبارة؟ هذه العبارة الأخيرة التي ذكرها في صفحة مية وأربتاشر هي مأخوذة من الحافظ ابن حجر رحمه الله.
والحافظ ابن حجر ينقل هذا الكلام عن المتكلمين، هذا الكلام ليس موجودا اه عند إمام من أئمة المحدثين المتقدمين وإنما هو كلام أدخل في كتب الحديث ومنشأه كتب أصول الفقه عند المتكلمين.
آآ ماذا يريد أن يقول الشيخ؟ الشيخ يريد أن يقول إن الخبر الآحاد فيه مقبول وفيه مردود واضح اه أما الحديث المتواتر فكله مقبول لأنني لا أحتاج أن أبحث عن أحوال الرواة لأننا نقطع بثبوته.
قال الشيخ لكن إنما وجب العمل بالمقبول منها لأنها أما أن يوجد فيها أصل صفة القبول وهو ثبوت صدق ناقل أو أصل صفة الرد وهو ثبوت كذب ناقل أو لا. فالأول الأول يغلب على الظن ثبوت صدق الخبر لثبوت صدق ناقله فيؤخذ به.
تاني يغلب اه يغلب وليس يغلب، يغلب على الظن كذب آآ الخبر لثبوت كذب ناقله فيطرح. والثالث إن وجدت قرينة تلحقه بأحد القسمين التحق وإلا فيتوقف فيه.
يعني الشيخ يريد أن يقول يا شباب أو الحافظ رحمه الله يريد أن يقول إن الخبر في الأساس أما صدق أو كذب، أي خبر أما حصل أو لم يحصل لكن الباحث لما يحكم على حديث بأنه صحيح أو ضعيف أو متوسط ليس هناك حديث متوسط، ما هو يا أما كذب يا أما صدق.
لكن هو يحكم يعني بالحكم أنه متوسط بناء على علمه هو بصدقه فهو يقول هو محتمل للثبوت واضح؟ فيقول هو محتمل للثبوت، الخبر في نفسه أما أن يكون صدقا واما أن يكون كذبا واضح.
لكن لما ناقد يحكم عليه بأنه صحيح هذا معناه أن هذا يرى أنه خبر صدق، قد يخطئ هذا الناقد وقد لا يخطئ يعني مثلا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان في الحديث الثابت يقول آآ إنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم أن يكون ألحن بحجته من أخيه فمن قضيت له بحق أخيه إنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها.
فمعنى الحديث إيه؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بما يظهر له لكن قد يكون هذا الحكم ليس موافقا للواقع ويكون بعض المختصين كذبة في دعواه أو ادعى شيئا ليس له فيحكم النبي صلى الله عليه وسلم لهم بمقتضى ما يظهر واضح؟ نفس الكلام يا شباب قد يحكم الناقد على حديث بأنه صحيح ويكون في واقع الأمر ليس صحيحا، هي مسألة اجتهادية.
فابن حجر هنا يوضح لك هذه الفكرة الحديث الذي يغلب على الظن أن هو صحيح فيحكم عليه الناقد بأنه صحيح، والذي يغلب عليه أنه كذب يحكم على أنه كذب، وقد يحصل توسط في هذا الحديث فيختلف فيه النقاد بعضهم يقول هو الصحيح وبعضهم يقول هو آآ خطأ أو آآ ضعيف.
قال وإذا توقف عن العمل به صار كالمردود صار كالمردود لا لثبوت صفة الرد بل لكونه لم توجد فيه آآ صفة توجب القبول. لو أن ناقدا مثلا توقف في الحكم بصحة حديث أو ضعفه، هذا التوقف معناه أننا لم نعمل بالحديث فبالتالي هو يشبه المردود من أنه لا يعمل به لا لأننا تحققنا من كذبه.
قال الشيخ وخبر الواحد قد يقترن به قرائن تدل على أنه صدق في نفسه فيفيد العلم كالمتواتر والخبر المحتف بالقرائن أنواع. يعني يريد أن يقول ما هي القرائن التي يمكن أن تحتق بالخبر الواحد؟ الخبر الواحد يا شباب ليس معناه الخبر الغريب وإنما الخبر الواحد عندهم كل ما ليس بمتواتر.
واضح قال والخبر المحتف بالقرائن أنواع منها ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما مما لم يبلغ حد التواتر فإنه احتفت بقرائن منها جلالتهما في هذا الشأن وتقدما وتقدمهما في تمييز الصحيح على غيرهما وتلقي العلماء كتابيهما بالقبول.
وهذا التلقي وحده أقوى في إفادة العلم من مجرد كثرة الطرق القاصرة عن التواتر إلا أن هذا مختص بما لم ينتقده أحد الحفاظ مما في الكتابين وبما لم يقع التجاذب بين مدلوليه مما وقع في الكتابين حيث لا ترجيح لاستحالة أن يفيد المتناقضان العلم بصدقهما من غير ترجيح لأحدهما على الآخر وما عدا ذلك فالإجماع حاصل على تسليم صحته.
نشرح الفكرة دي يا شباب الشيخ ذكر أحد القرائن التي إذا احتفت برواية فإنها ترفع من شأن الرواية فتجعلها تفيد العلم يعني القطع بصحتها واضح.
من هذا يا شباب ما اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم يعني الشيخ يقول إذا اتفق البخاري ومسلم على رواية معينة فإن هذا يرفع من شأن الرواية فيجعل هذه الرواية آآ يعني آآ تفيد العلم يعني نقطع بثبوتها.
بيقول الشيخ ومن ذلك أن العلماء تلقوا الكتابين بالقبول يعني العلماء كثير منهم يعني يقول إن الأمة تلقت هذين الكتابين بالقبول يعني أنهم قبلوا ما في هذين الكتابين من الأحاديث واضح.
بيقول الشيخ إيه بقى؟ إلا أن هذا مختص يعني هناك قيد من جهتين، الجهة الأولى أن هناك بعض الأحاديث التي انتقدها بعض النقاد على الصحيحين أو على أحدهما مثلا الدارقطني انتقد أشياء على البخاري ومسلم في كتاب التتبع واضح فيمكن أن يكون انتقاده صحيحا ويمكن ألا يكون صحيحا يمكن أن يكون الصواب مع البخاري ويمكن أن ينتقد البخاري ليس في أصل الحديث ولكن في بعض طرقه.
المهم أن الشيخ هنا يقول الأحاديث التي توجه فيها بالنقد إلى الشيخين أو أحدهما فإننا يعني لا نقول إن هي تكون بمنزلة الأحاديث التي لم يختلف فيها، أيضا عندنا نوع آخر لا يأخذ حكم التواتر بالنسبة لنظر الشيخ، وهو الأحاديث التي حدث فيها تعارض بين الكتابين، يعني إذا حدث تعارض بين مدلول حديث عند البخاري ومدلول حديث عند مسلم فلا يمكن أن نعمل بالحديثين المتناقضين.
عارفين المتناقضان يا شباب؟ اللي هو يعني مثل العلم والجهل، مثل الوجود والعدم، واضح كده؟ فمثل الصعود والنزول، هذه اسمها صفات متناقضة، لا تجتمع ولا ترتفع، واضح يا شباب؟ لا يمكن أن يكون الشيء موجودا ومعدوما، ولا يمكن أن يكون لا موجودا ولا معدوما، بثبوت أحدهما ينتفي الآخر.
فهو بيقول هنا لو أن يعني حديثين واحد في البخاري وواحد في مسلم بينهما تعارض فلا يمكن أن نعمل بالاثنين جميعا لأنهما لا يجتمعان، فبالتالي سيكون أحدهما هو الصحيح.
قال الشيخ من القرائن ومنها المشهور إذا كانت له طرق متباينة سالمة من الضعف من ضعف الرواة والعلل، يعني سليمة من العلل، يعني الحديث المشهور الذي رواه عدد كثير وكان حديثا صحيحا فانه يعني يعد هذا قرينة ترفع من شأنه، ومنها المسلسل بالأئمة الحفاظ المتقنين، حيث لا يكون غريبا كالحديث الذي يرويه أحمد بن حنبل مثلا ويشاركه فيه غيره عن الشافعي ويشاركه فيه غيره عن مالك بن أنس، فانه يفيد العلم عند سامعه بالاستدلال من جهة جلالة رواته، وأن فيه من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما يقوم مقام العدد الكثير من غيرهم.
الأمر الثالث اللي ذكره الشيخ مما يعني يحتف بالحديث ويقويه أن يكون رواه الأئمة الحفاظ الثقات، طبعا هذه الشروط التي يذكرها الشيخ أو هذه القرائن ليست مقبولة عند المتكلمين الذين وضعوا هذه القسمة، وإنما هو ما أراد بعض المحدثين أن يجعلوا هذا من علوم الحديث.
يعني إيه؟ يعني إيه يا شباب؟ يعني أساس هذه القسمة لا يقبل بهذه القرائن ولا يجعل هذه القرائن ترفع الخبر حتى يفيد العلم، هذا ليس موجودا عندهم لأنهم عندهم شروط المتواتر لابد أن تتوفر في كل خبر، كل الشروط تتوفر في كل خبر يحتج به في العقيدة، واضح؟ فهذه التي تذكرها أنت هي قرائن صحيحة، لكنها ليست صحيحة عندهم، وإنما صحيحة فقط عند المحدثين أو عند أهل السنة، إنما هؤلاء لا يقبلون هذه القرائن ولا يعتبرونها أساسا لأنهم لا يرجعون إلى قواعد المحدثين.
قال الشيخ الكريم: طبعا احنا شرحنا قبل ذلك المثال الذي هو مسلسل بالأئمة الحفاظ، يعني مثلا حديث يرويه مالك ويرويه عن مالك مجموعة من التلاميذ منهم الشافعي، ويرويه الشافعي عنه مجموعة من التلاميذ منهم الإمام أحمد، وهذا النوع من الأحاديث يعني قليل.
قال: وهذه الانواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث المتبحر فيه العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور، واضح يا شباب؟
يعني إيه؟ يعني يريد أن يقول إن هذه القواعد أو هذه القرائن لا يمكن أن يعرفها ولا أن يختبرها ولا أن يتوصل إليها إلا العالم بأحوال الرواة وعالم بقواعد نقد الرواة ونقد الراوي، أما الإنسان العادي فلا يستطيع أن يحكم أساسا، الإنسان العادي لا يستطيع أن يحكم، واضح يا شباب؟ لأنه ليس عنده علم بهذه بصفات القبول ولا بنقد الرواية.
فكأنه يريد أن يقول إنه يمكن أن يتحقق لأهل الحديث العلم بضعف رواية وليس متحققا عند غيرهم، أو العلم بثبوت رواية أو تواتر رواية وليس هذا متحققا عند غيرهم، فالخلاصة ينبغي أن يرجع في معرفة شروط القبول وفي معرفة ثبوت الرواية إلى أهل الحديث وليس إلى غيرهم.
قال الشيخ: ويمكن اجتماع الثلاثة أنواع في حديث واحد، فلا يبعد حينئذ القطع بصدق، والله أعلم.
قال الإمام أبو نصر الوائلي في كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت حاكيا عن الإمام أحمد عليه رحمة الله وغيره من العلماء، قال: أخبار الآحاد عند أحمد وغيره من علماء النقل ضربان، فضرب لا يصح أصلا ولا يعتمد عليه، فلا العلم يحصل بمخبره، ولا العمل يجب به، وضرب صحيح موثوق بروايته، وهو على دربين: نوع منه قد صح لكون رواته عدولا ولم يأت إلا من ذلك الطريق، فالوهم وظن الكذب غير منتف عنه، لكن العمل يجب به.
ونوع قد أتى من طرق متساوية في عدالة الرواة وكونهم متقنين أئمة متحفظين من الزلل، فذلك الذي يصير عند أحمد في حكم متواتر، يقصد بهذا النوع الآخر ذلك الخبر الذي هو خبر آحاد قد احتفت به القرينة الدالة على إفادته للعلم، فهذا في الحكم كالمتواتر سواء بسواء، وليس هناك فرق بين هذا الخبر وخبر التواتر.
وإن كان يسمى آحادا، إلا أنه يفيد العلم القطعي اليقيني كما يفيد خبر التواتر، وإن كان هذا الخبر الذي هو من أخبار الآحاد ما أفاد العلم اليقيني إلا بعد أن انضمت تلك القرينة الدالة على ذلك.
وهاتان القرينتان اللتان ذكرهما الإمام أبو نصر الوائلي، وهو أن يروى من عدة طرق، وأن يرويه الأئمة الحفاظ، ليستا آخر القرائن في هذا الباب، بل هناك قرائن أخرى، منها ما بينه الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني عليه رحمة الله كما سبق.
نشرح يا شباب كده الكلام من أوله: بصوا يا شباب الشيخ هنا يريد أن يقول إنه من الخطأ أن تحصر الخبر اليقيني أو الذي يحدث به العلم اليقيني فيما اجتمع فيه شروط التواتر، اللي هو أن يرويه العدد الكثير الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب ويفيد خبرهم العلم.
واضح طبعا نفس هذه الشروط يا شباب متناقضة أساسا، يعني هم يجعلون من ضمن الشروط أن يفيد خبرهم العلم، مع أن إفادة العلم المفروض أن هي أثر من الآثار وليست جزءا من الشروط، واضح يا شباب؟
المهم أن الشيخ هنا يريد أن يقول: لا، يمكن أن يأتي خبر آحاد يعني لم تتوفر فيه شروط المتواتر، لكن تحتف به قرائن ترفع من شأنه وتجعله يفيد العلم، فهو ذكر هنا يعني نقلا عن أبي نصر الوائلي في كتاب الرد على من أنكر الحرف والصوت، يقصد يقول إن هناك فرقة قالت إن الله يتكلم لكن ليس بحرف وصوت، واضح يا شباب؟
يعني فرقة من المتكلمين مثل الكلابية والأشاعرة يقولون مثلا إن الله يتكلم ليس بحرف ولا بصوت، جماعة منهم يقولون هذا، فهو يقول: لا، الله يتكلم بحرف وصوت عادي، فهو ذكر حكاية عن الإمام أحمد.
وكثير من هذه الحكايات يا شباب يكون اجتهادا من المنتسبين إلى المذاهب، يعني هو يجتهد فيصف قولا للإمام الذي يتبعه، سواء كان أبا حنيفة أو الشافعي أو مالك أو أحمد، فينسب إليه أقوالا، لكن إذا حررت هذه الاقوال أما أننا لا نجد هذا العالم قالها الإمام، أو نجد أن هذا العالم المتأخر تصرف في لفظها يعني نقلها بغير ما قاله الإمام.
هو ينقل هنا عن الإمام أحمد وغيره أن أخبار الآحاد نوعين: في نوع منها لا يصح أصلا، وفي نوع منها جاء عن رواة مقبولين، النوع الذي جاء عن رواة مقبولين درجات: منه درجة نقبلها لكن يبقى احتمال الخطأ فيها واردا، ونوع آخر جاء من طرق كثيرة فنحن نقبلها ونقطع بصدقها، فهذا كالحديث المتواتر.
هذا من حيث القواعد كلام جيد، لكن الاشكال يا شباب الأصل هنا هو محاولة التوفيق بين ما قاله المتكلمون في أصول الفقه وما طبقه المحدثون، لا، نحن أساسا لسنا محتاجين إلى قبول ما قاله المتكلمون في القسمة، ولسنا محتاجين إلى تكلف شرح هذا الكلام، ولسنا محتاجين إلى محاولة التوفيق بينه وبين قواعد المحدثين، ولا نحن نحتاج إلى أن نخالفهم في الناحية التطبيقية لأننا أساسا لسنا مجبرين على قبول هذه القسمة.
ولسنا، وليس من الصحيح أن نأخذ قواعد علم الحديث عمن ليسوا من أهل الحديث. إذا كان للأصوليين أن يقولوا: يجب أن نحتج بالحديث الصحيح، وهذا عمل الأصول أن يكون الحديث صحيحاً، لكن ليس لهم أبداً أن يحددوا مناط القبول ولا مناط الصحة، لأنهم أساساً ليسوا سوء محدثين، وسيد الأصوليين الشافعي رحمه الله كان يرجع في علوم الحديث وفي قواعد الحديث وفي معرفة ثبوت الحديث وضعفه إلى أهل الحديث، حتى لو كانوا تلامذته، حتى لو كانوا تلامذة الشافعي كان يرجع إليهم.
فبالتالي يا شباب، أرى أن الخطأ الكبير هنا هو قبول ما ذكره الأصوليون، سواء في تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد أو إلى غيره مما يدخل في علم الحديث، قبول هذا الكلام ثم أدخاله إلى كتب الحديث ثم جعله هو القول المحكم، وتكلف يعني التماس أدلة له من كلام الأئمة، أرى أن هذا خلل كبير جداً جداً، وكان الصواب أن تنتقد هذه القسمة من أصلها وينتقد من يترتب عليها.
فخلاصة القول يا شباب أن الأخبار إنما تختلف بحسب ثقة الرواة وعدالة الرواة وضبط الرواة، وقد ينظر كذلك إلى عدد الرواة، لكن المناط الأصلي هو صفات القبول، لأن الراوي في الأول وفي الآخر هو ناقل.
الأمر الثاني يا شباب أن لفظ المتواتر يستعمل عند المحدثين ولكن ليس بنفس دلالة المتكلمين. الأمر الذي بعد ذلك أن الأحاديث المقبولة درجات، واضح، ليست على درجة واحدة.
لكن الذي أنكره وأؤكد عليه أن دوافع هذه القسمة ونشأة هذه القسمة وما ترتب على هذه القسمة ومناط هذه القسمة، كل هذا لم يكن عند المحدثين، وإنما هو مستورد من كلام المتكلمين، وله آثار سيئة جداً على الشريعة، ومنها أنهم يردون كل الأحاديث التي يحتج بها في العقيدة في أسماء الله وصفاته والقدر وغيره من الأبواب بحجة أنها لم تتوفر فيها شروط التواتر.
بالتالي يا شباب، كان من الخطأ أن تقبل القسمة ثم يعني تردها من حيث التطبيق. نقف هنا إن شاء الله تبارك وتعالى، وإن شاء الله المرة القادمة نأخذ الحديث المقبول ونأخذ شروط القبول.
لكن غدا إن شاء الله موعدنا مع الدرس الثالث من التعليق على تفسير الإمام ابن تيمية رحمه الله لقول يونس عليه السلام في دعائه: لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. نسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح، وجزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم.
وإن شاء الله يمكن أن أضع لكم روابط مهمة تتكلم عن هذا الموضوع أو تقسيم الأخبار إلى متواتر وآحاد أو عن نشأة القسمة، ويمكن أن ترجع فيها إلى هذا البحث من شرح الشيخ حازم الشربيني على نخبة الفكر، ووضع في آخره يعني حوالي تقريبا عشر صفحات في آخر الكلام عن الحديث المتواتر، تقريبا عشر صفحات تتكلم عن نشأة القسمة، وإن كان مختصراً لكنه مختصر نافع إن شاء الله. جزاكم الله خيراً وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق