بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد. قال الناظم: جاز الجيلاتين من النبات وما يحل لا من الميتات.
مسألة الجيلاتين له ارتباط بأصلين: الأصل الأول؛ هل الاستحالة تغير حكم الشيء أو أنها لا تغير؟ تغير حكم الشيء من النجاسة إلى الطهارة، ومن الحرمة إلى الحل أو لا تغير؟ وهذه مسألة ليست من النوازل؛ لأنها مسألة مذكورة عند الفقهاء السابقين. الحنابلة مثلاً عندهم أن الاستحالة بموضوع الطهارة والنجاسة لا تغير الحكم، لا تغير الحكم، وفي بعض المسائل أجرى حكم الاستحالة، آآ لكن من ناحية الطهارة والنجاسة وحل الأكل وعدمه لم يحكموا بمسألة إيش تغير الحكم بالاستحالة. قال في الزاد: ولا يطهر متنجس بشمس ولا ريح ولا دلك ولا استحالة غير الخمر.
إذاً؛ الأصل الأول وهو مسألة معروفة عند الفقهاء: هل الاستحالة تغير الحكم أو لا؟ الأصل الثاني؛ هو هل الجيلاتين أصلاً تتحقق فيه، يتحقق فيه معنى الاستحالة أو لا؟ وهذا الذي سيأتي إن شاء الله في البيت مئة وثلاثة وأربعين في قول الناظم: إن كمل التفاعل الكيميائي فذا استحالة بلا ارتآء.
طيب، الجيلاتين يعتبر من المواد التي تدخل في كثير من الصناعات الغذائية، ويستخدم في أشياء كثيرة؛ الصناعة الغذائية مثلاً في تغليف لحوم الأبقار والدواجن، وآآ في صناعة بعض المخبوزات، في صناعة بعض الحلويات، في صناعة بعض المساحيق التي تؤكل، بصناعة المربى، آآ في صناعة بعض الألبان والزبادي، وصناعة بعض المثلجات الآيس كريم مثلاً، وفي بعض المشروبات، وفي بعض الأغذية المنخفضة السعرات، وفي بعض الأحيان بديل للدهون الحيوانية والنباتية، كما في بحث نوازل الأطعمة لبدرية بنت مشعل الحارثي، الجزء الأول صفحة أربع مئة وستين.
إذاً، هذه بعض الاستخدامات. طيب، ما حقيقة الجيلاتين؟ ننقل من نفس البحث: الجيلاتين مادة بروتينية تشبه بروتين الدم اللي هو الهيموجلوبين، يستخلص من البروتينات الموجودة في أنسجة الجلود أو العظام الحيوانية والمسماة بالكولاجين، بعد معاملتها بطرق كيميائية حتى يتم تفكيك الهيكل الكيميائي لهذه البروتينات الحيوانية كولاجين، وذلك بإتمام جزئي من الماء، جزيئات في مواضع مختلفة، مما يؤدي إلى تكسير الرابطة الكيميائية التي تربط بينها، وتشكيل هياكل جديدة أصغر حجماً، ويتم ذلك إما في وسط حمضي أو قاعدي. ومن خواصه أنه مادة صلبة بيضاء اللون بها لون أصفر خفيف، تذوب بسهولة في الماء الساخن، وتعطي محلولاً لزجاً، وذلك عندما يبرد المحلول أو يتجمد في صورة هلام شفاف.
طيب، هذه حقيقة الجيلاتين. من وين يؤخذ الجيلاتين؟ قد يؤخذ من جلود الحيوانات المختلفة، تمام، وسواء وذكرت هنا آآ جلود خضراء أو طازجة، وهي جلود الحيوانات التي تم سلخها في المجازر، وهذه الجلود ترسل إلى مصانع استخلاص الجيلاتين في ثلاجات خاصة بعد الذبح مباشرة خلال أربع وعشرين ساعة. أيضاً من الاثنين؛ الجلود الجافة، وهي تلك التي تجفف لدبغها في مصانع دباغة الجلود، وما يستخدم منها لصناعة الجيلاتين هي تلك الأجزاء المتبقية من الصناعات الجلدية والتي لا تصلح للصناعة كالجلد حول الرقبة، والأرجل الأمامية والخلفية، وما يغطي الذيل، وهذه الأجزاء ترسل لمعالجتها قبل الاستخلاص. ثالثاً؛ جلود جافة معالجة ببعض الأملاح، تمام.
طيب، هذه بعض مصادر الجيلاتين، ثم آآ ذكرت من أراد أن يرجع للبحث بعض التفاصيل في كيفية صناعة الجيلاتين. طيب، بالنسبة للجيلاتين إذا كان مأخوذاً من الحيوانات المذكى ذكاة شرعية فلا إشكال في إباحة الجيلاتين، كما قال الناظم: جاز الجيلاتين من النبات وما يحل. كالحيوان المأكول اللحم المزكى، هذا لا إشكال في جوازه. وأما إذا كان يؤخذ من الميتة أو من الخنزير فهذه حصل فيها الخلاف.
وسَبَبُ هذا الخلاف بالنسبة للميتة -زيادة على المسائل التي ذكرناها سابقاً، اللي هي مسألة الاستحالة هل تغير الحكم؟ ومسألة هل الجيلاتين أصلاً استحالة أو ليس باستحالة؟- هناك مسألة أخرى، وهي هل جلد الميت يطهر بالدباغ أو لا يطهر بالدباغ؟ تمام. فمن قال إنه لا يطهر بالدباغ فإنه سيميل هنا إلى التشديد في موضوع آآ الجيلاتين المأخوذ من جلد الميتة، بخلاف من يرى أنه إيش، أنه يطهر بالدباغ، فإنه قد يكون هذا مؤثراً في قوله بالجواز. فهو إذا قال إن الاستحالة تغير الحكم، وأن الجيلاتين هذا تحقق فيه معنى الاستحالة، فانه سوف يحكم في ذلك بالجواز، ولكن بالنسبة للمعتمد عند الحنابلة أن الاستحالة لا تطهر النجس، فحينئذٍ حتى لو قلنا إن الاستحالة تحققت، وأيضاً عندهم المعتمد أن جلد الميتة لا يطهر بالدباغ، ومعنى هذا حتى لو قلنا بأن آآ الاستحالة متحققة في الجيلاتين، فإن هذا لا يفيد في إباحته.
ولذلك الناظم قال، وبنى أيضاً على قرار المجمع الفقهي. نعم، من قرار المجمع الفقهي الصادر عن مجمع الرابطة عام ألف وأربع مئة وتسعة عشر، ينص حينما ناقش مادة الجيلاتين قال: ظهر للمجلس أن الجيلاتين مادة تستخدم في صناعة الحلوى الحلويات وبعض الأدوية الطبية، وهي تستخلص من جلود الحيوانات وعظامها، وبناء عليه قرر المجلس ما يلي: أولاً؛ يجوز استعمال الجيلاتين المستخرج من المواد المباحة ومن الحيوانات المباحة المزكاة تذكية شرعية، ولا يجوز استخراجه من محرم كجلد الخنزير وعظامه وغيره من الحيوانات والمواد المحرمة. ثانياً؛ يوصي المجلس الدول الإسلامية والشركات العاملة فيها وغيرهما أن تتجنب استيراد كل المحرمات الشرعية محرمات شرعاً آآ وأن توفر للمسلمين الحلال الطيب.
هناك قرار آخر في موضوع الجيلاتين صدر عن مجمع الفقه الإسلامي بالهند، والمجمع الفقهي في الهند أجاز استعمال الجيلاتين. ونص القرار الصادر عام ألف وأربع مئة وخمس وعشرين يقول: الجيلاتين مادة كيماوية عضوية ونوع من البروتين، يتم صنعه بإجراء تغيرات كيماوية في بروتين يوجد في جلود وعظم الحيوانات، يدعى كولاجين أو كولاجين تمام. آآ وذكر أنه في طبيعته وتركيبته الكيماوية يختلف تماماً عن الكولاجين، ويصبح بعد المرور بالعمل الكيماوي نوعاً خاصاً من البروتينات. مادة الجيلاتين هذه تكون مختلفة تماماً عن الكولاجين في لونها ورائحتها وطعمها وخصوصياتها.
ثانياً؛ معلوم أن ما حرمته الشريعة من الأشياء يرفع عنها حكم التحريم السابق حال تغير طبيعتها وماهيتها، وذلك لأن خصائص الشيء أي شيء الأساسية هي التي تكون طبيعة وماهية ذلك الشيء. ولقد اطلع المجمع على نتائج أبحاث أصحاب الاختصاص، وأنها تبرهن على أن مادة الجيلاتين تخلو من أي خصوصية طبيعية من خصائص الحيوانات التي تستخرج من جلودها وعظامها تلك المادة، وإنما تتحول إلى مادة كيماوية لا علاقة لها بالكولاجين، ولهذا الأسود هذه الأسباب يقال إنه هذا هو الملخص؛ أنه يجوز استعمال الجيلاتين شرعاً. إلا أنه انتقل إلى خلاف في آراء الاختصاصيين والخبراء؛ يرى الشيخ بدر الحسن القاسمي -أحد المشاركين في الندوة- أنه من الأفضل أن لا تستعمل هذه المادة إذا كانت مستخرجة من جلود وعظام الحيوانات التي يحرم أكل لحومها.
ثالثاً؛ بالنظر إلى الاختلاف بين الفقهاء، والى أن المأكولات من الأشياء والمواد تتطلب في الاعتبارات الشرعية تدقيقاً أشد وأعمق، فإن الندوة تناشد الصناع المسلمين صنع مادة الجيلاتين من جلود وعظم الحيوانات التي أحل الله لحومها. حاصل القرار مجمع الفقهي الهندي هو إيش؟ جواز استعمال الجيلاتين فيما يبدو، ولو كان مستخرجاً من حيوانات محرمة تمام، ولكنهم أيضاً يعني يوصون وينصحون ويوجهون إلى الاستغناء عنه بالجيلاتين متفق على جوازه الذي لا إشكال فيه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت