بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، معنا في هذا الدرس مسألة ضمن عنوان الجنايات والقضاء، وهي مسألة تتعلق بالقضاء. ما هي هذه المسألة وما صورتها؟ هذه المسألة هي مسألة تقنين الأحكام الشرعية وإلزام القضاة بهذا التقنين. صورة ذلك أن يقرر ولي الأمر مثلاً أن توضع الأحكام الشرعية وفق قول مثلاً من المذاهب المعتمدة، أو وفق ما رجحه علماء معتبر. خلاص، يقول: ضعوا هذه الأحكام على هيئة قانون فيه مواد بالصياغة، ثم يقول: هذا القانون ملزم للقضاة، يجب عليهم أن تكون أحكامهم وفق هذا القانون. فما حكم ذلك؟
المسألة لها شقان؛ الشق الأول: مجرد تدوين الأحكام الفقهية على الترتيب القانوني، فهذا نمط من أنماط التدوين الفقهي الذي في الحقيقة لا يمكن أن يقال بمنعه. إنما الاشكال الذي يبحث في منعه هو قضية الالزام بهذا التقنين. وهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، لكن ذهبت هيئة كبار العلماء بالأغلبية، كما في قرارها الصادر عام 1393، الى المنع من ذلك، فقال في جاء في القرار الهيئة بأكثريتها ترى أنه لا يجوز تدوين الأحكام على الوجه المقترح لإلزام القضاة الحكم به، لإلزام القضاة الحكم به. ولذلك قال الناظم: ومنع تقنين مع الالزام لمعشر القضاة في الأحكام، قول كبار العلماء. اذاً، قول كبار العلماء في هذه المسألة هو المنع، وهي مسألة فيها خلاف.
ووجه القول الآخر الذي يقول الجواز، وجهه يقول: إنه من النادر في زماننا هذا أن يوجد مجتهد مطلق. وأنتم تعلمون أن الاجتهاد المطلق من قديم هو أمر نادر، بل ادعي فقده في بعض الازمان. قال قلت في نظم رسم المفتي: فطلق يفتي بلا تقييد بمذهب، ودون ما بلا تقييد مذهب ودون ما تقليده. قال ابن حمدان: ومن أزماني عدم، ودعي الحراني. فانعدام المجتهد المطلق أدى الى أن يقول الخلفاء أو الملوك أو أولياء الامور يقولون في بعض الدول: خلاص، القاضي يحكم بالمذهب الفلاني. فكانت بعض الدول مثلاً تلزم القضاة بالمذهب الحنفي، فيمنعون من الخروج عن المذهب الحنفي، وبعضها تلزمهم بالمذهب المالكي، وربما بمعتمده.
هل الأمر يختلف لو أننا قننا؟ هناك طبعا من العلماء من لا يرى أصلا أن المذاهب يمكن أن يلزم القضاة بها، تمام؟ لكن عندما نقول بجواز ذلك بالنسبة للمذاهب، فما الفرق بينه وبين التقنين؟ ما الفرق؟ هل هناك فرق؟ نعم، أبدا. المانعون فرقوا وقالوا: إن المذاهب المدونة المعتبرة من المذاهب الأربعة لو ألزم القاضي بها، ألزم القاضي بها، فإن هذه مذاهب معتبرة قد استقرت وانتهت، غير قابلة للتغيير. يعني لا يمكن لو لو قال ولي الأمر القاضي يحكم بالمشهور من مذهب الحنابله كما في الإقناع والمنتهى، الإقناع والمنتهى كتب لا يمكن أن تغير، يعني لا يمكن غدا أن يكون الإقناع متغيرا، نعم. بخلاف إذا قلنا والله سنضع قانونا ونلزم به، فإن هذا القانون يمكن أن يتغير عبر برلمان ولا عبر لجان ولا غير ذلك. فلذلك كان الالزام بمذهب من المذاهب المعتبرة المدونه سالم من هذا الاشكال الذي يتعلق بالتقنين، من هذا الاشكال الذي يتعلق بالتقنين.
والمسألة كما تعلمون فيها نقاش طويل بين أهل العلم وأهل الشأن، لكني نظمت هذا القول الذي قررته هيئة كبار العلماء. بقي معنا في البيت مسألة، وهي قول الناظم: ثم النساء يمنعن من تنصيبه رؤساء. وهذه المسألة عنوانها: هل يجوز للمراه أن تتولى رئاسة الدولة؟ هل يجوز للمراه أن تتولى رئاسة الدولة؟ من المعلوم أن المرأة لا تتولى الولاية العامة، فلا تكون خليفة ولا تكون قاضياً مثلاً، تمام؟ فأكثر العلماء المعاصرين قالوا كذلك رئاسة الدولة لا يجوز للمرأة أن يتولاها لأنها من باب الولاية العامة، وقد جاءت الأحاديث تدل على المنع من ذلك، كحديث: لَا يُفْلِحُ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً. ولذا قال: ثم النساء يمنعن من تنصيبه رؤساء. وعلم من ذلك أنه يجوز أن تتولى المرأة ولاية خاصة، كإدارة مدرسة ونحو ذلك.
هذا ما يتعلق، وقد نص على هذا جمع من أهل العلم، منهم الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، حيث قال: تولية المرأة واختيارها للرئاسة العامة للمسلمين لا يجوز، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على ذلك. هذا ما يتعلق بهذه المسألة. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا وإياكم في الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت