تسجيل الدخول

الاستحالة بالتفاعل الكيميائي (البيت 143)

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فما زلنا مع منظومة فقه النوازل، وهذا شرح البيت الثالث والأربعين بعد المئة، قال الناظم: إن كمل التفاعل الكيميائي، فذا استحالة بنمت رأي. مسألة الاستحالة مسألة معروفة عند الفقهاء؛ هل الاستحالة ينقلب بها حكم العين فتتغير ويتغير حكمها من حُرمة للحل، أو من الحل إلى الحرمة، ومن الطهارة إلى النجاسة، أو من عفوا من النجاسة إلى الطهارة؟ مسألة معروفة دي من الدرس الفقهي.

طيب، إذاً لماذا وضعت في النوازل؟ المقصود هنا بوضعها في النوازل هو النظر في معنى الاستحالة وتنزيل ذلك وفقاً للعلوم الحديثة وعلم الكيمياء الحديث. نبدأ أولاً بالكلام عن حقيقة الاستحالة أصلها بمعنى التغير والتبدل؛ قال الفيومي: استحال الشيء بمعنى تغير عن طبعه ووصفه. وقال الرازي: استحال الشيء انقلب عن حاله. واستعمال الفقهاء قريب أيضاً من هذا، قال ابن عابدين: الاستحالة هي تغير العين النجسة وانقلاب حقيقتها إلى حقيقة أخرى. وقال الحطاب رحمه الله: هي إزالة جميع صفات العين النجسة إلى صفات أخرى مخالفة، وإزالة اسمها، وإزالة اسمها إلى اسم آخر. وقال البيجوري: هي انقلاب الشيء من صفة إلى صفة أخرى. وهذه الأمور تدور في معنى بمعنى واحد.

طيب، هذا الكلام إذا أردناه أن نطبقه على الحقائق العلمية فإننا نجد أن الاستحالة في المصطلح الفقهي تمام آه تختلف عن تغير الوصف الذي لا يترتب عليه ذلك؛ مثلاً تحول اللبن إلى جبن والطحين إلى خبز لا يعتبر استحالة، بينما مثلاً اعتبروا تحول الكلب إلى ملح يعتبره استحالة. وفي بحث النوازل في الأطعمة تأليف بدرية الحارثي تقول: والاستحالة في المصطلح الفقهي لا تخرج عن الاتحاد الكيميائي في المصطلح العلمي. ومما مثل به الفقهاء للاستحالة انقلاب الخمر إلى آخره والحاصل أن الخل لا يتكون من تأكسد الكحول مع الخميرة التي قد تتشكل بفعل اختمار الكحول الموجود في الخمر، ويتم هذا التحول في بيئة هوائية أو من خلال المواد المضافة للسوائل الكحولية حتى يتم اتحاد عناصر الفواكه ونحوه إلى حمض مدخل، والخل كما هو معروف يختلف في صفاته عن صفات الخمر من حيث الطعم واللون والرائحة، كما أنه يحمل اسماً خاصاً به ليس هو اسم الخمر مستحيل عنها، وهذا هو معنى الاستحالة في المصطلح العلمي.

ثم ذكرت بعض التعريفات التي ذكرها المتخصصون، فعرفها بعضهم بقوله: هي كل تفاعل -اللي هي الاستحالة- هي كل تفاعل كيميائي يحول المادة إلى مركب آخر، كتحويل الزيوت والشحوم على اختلاف مصادرها إلى صابون. وعرفت آخر بقوله: تحول المادة إلى مادة أخرى لها صفات فيزيائية وكيميائية مختلفة عن المادة الأصلية، وذلك نتيجة للتغيرات الكيميائية في البناء الجزيئي للمادة. ثم قالت: وهذان التعريفان المذكوران يصبان في معنى واحد، وهو أن الاستحالة هي التحول الذي يفقد المادة خصائصه وصفاتها الأصلية. وهي بهذا المعنى تختلف عن مصطلح الخلط الذي تتداخل فيه أجزاء مادة في أجزاء مادة أخرى، فيتكون بذلك مخلوط أو مزيج أو محلول، ويظل كل مكون من مكونات الخليط محتفظاً بصفاته وآثاره الطبيعية والكيميائية كما هي دون أن تتغير، أما الصفات الطبيعية التي تطرأ تطرأ على الخليط من لون أو طعم أو رائحة فهي صفات عارضة لا تغير من حقيقته، ويمكن فصل مكونات بعضها عن بعض بخلاف الاستحالة.

إذاً هذا البيت يقرر، هذا البيت يقرر أن التفاعل الكيميائي الكامل الذي يغير ايش صفات العين هو هذا معنى الاستحالة، وأما مجرد الخلط لمادتين، أو مجرد حصول تغير أو يعني تغير اه جزئي تمام. كما قلنا مثلاً لو جمد الشيء، مثلاً تحويل الحليب مثلاً إلى لبن، أو تحويل الحليب إلى جبن، أو نحو ذلك من هذه الصور، فان هذا لا يعتبر استحالة. ومع هذا التعريف يعني الذي يمكن أن يقال إنه محل توافق إلى حد ما عند كثير من المعاصرين، إلا أنه في التطبيق قد حصل الخلاف في بعض الصور؛ فمثلاً الجيلاتين المأخوذ من الميتة، هل نقول والله هذا الجيلاتين حصلت وتحقق فيه معنى الاستحالة أو لم يتحقق فيه معنى الاستحالة؟ هناك من قال إنه لا تتحقق فيه ايش الاستحالة، وهناك من قال تتحقق فيه الاستحالة.

نعم، ولذلك مثلاً في مسألة الجيلاتين الذي يؤخذ من لحم الخنزير، الجيلاتين الذي يؤخذ من لحم الخنزير، هل هذا هل هذا الجيلاتين يعتبر قد استحال؟ طبعا نحن لا نتكلم الآن أصلاً عن قضية أنه الاستحالة تطهر أو لا تطهر لماذا؟ لأن مسألة الاستحالة هل تطهر أو لا تطهر؟ هل تقلب الحكم أو لا تقلب الحكم؟ هذه ليست من هذه مسألة معروفة عند الفقهاء رحمهم الله تعالى عندما نتكلم هل تتحقق الاستحالة أصلا؟ أو لا تتحقق؟ يعني النظر الكيميائي هنا ذكرت أيضاً أو بدرية الحارثي في نوازل الأطعمة أن المختصين في الجيلاتين المستخلص من الخنزير اختلفوا؛ هل جرت عليه عملية استحالة تامة حيث تغيرت حقيقة الجلد المحرم والنجس وانقلبت عينه إلى مادة أخرى جديدة مباينة للأولى في الاسم والخصائص والصفات أم لا؟ فهناك بعض علماء الكيمياء الحيوية والصيدلة وغيرهم يرون أن الجيلاتين المستخلص من الخنزير قد جرت عليه استحالة تامة بالمعنى الشرعي ونسب هذا القول إلى يعني مجموعة، وذكرت رأياً آخر وهو أن الجلد الذي يستخلص منه الجيلاتين لا يستحيل استحالة كاملة عند تحويله إلى الجيلاتين، وهو قول أيضاً ببعض الكيميائيين تبناه بعض الفقهاء، والأول قول لبعض الكيميائيين تبناه بعض الفقهاء. والمقصود أننا إذا قلنا إن الاستحالة هي التفاعل الكيميائي الكامل فهذا لا يعني بالضرورة أنه لابد أن يحصل وثاق ببعض الأمثلة.

هذا ما يتعلق بشرح هذا البيت، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.