بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما نافعا وعملا صالحا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أما بعد، فما زلنا مع منظومة فقه النوازل، وكنا قد وصلنا إلى قول الناظم: وكل ما يؤخذ من خنزير * فعندهم ذاك من المحظور. بالهبرين، الإنسولين، الأنفحة، صمام قلب، أو صمام قلب مجمع قد أوضحه.
لا رشكال ولا ريب في أن الله سبحانه وتعالى قد حرم لحم الخنزير، قال الله سبحانه وتعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ. الأصل أن الخنزير نجس، كما هو معلوم بجميع أجزائه، ولكن استجد في عصرنا الحاضر استعمالات طبية تؤخذ من، يعني، استعمال بعض أجزاء الخنزير في بعض الاستعمالات الطبية.
ومنها هذه، استعمال الخنزير في الهيبارين، وفي الإنسولين، والأنفحة. طبعا الأنفحة ليس بالضرورة أن تكون استخداما طبيا، بل هذا استخدام غذائي، وقد يكون هناك استخدام طبي لست على بينة. ثم صمام القلب، فقد يحتاج فيه إلى الأخذ من الخنزير.
جاء في قرار المجمع الفقهي التابع للرابطة: لا يحل للمسلم استعمال الخمائر والجيلاتين المأخوذ من الخنازير في الأغذية، الجيلاتين المأخوذ من الخنازير. وجاء في قرار المجمع التابع للمنظمة: المواد الغذائية التي يدخلها شحم الخنزير في تركيبها، مثل بعض الأجبان وبعض أنواع الزيت والدهن والسمن والزبد وبعض أنواع البسكويت والشوكولاتة والآيسكريم، هي محرمة لا يحل أكلها مطلقا، اعتبارا لإجماع أهل العلم على نجاسة الخنزير وعدم حل أكله، لانتفاء الاضطرار إلى تناول هذه المواد.
وقد درس المجمع أيضا التابع للمنظمة في قرار آخر، القرار رقم مئتين وعشرة، وجاء فيه: اتفق المشاركون على ما ورد في الفتوى والتوصية الصادرة من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية في ندوة المواد المحرمة والنجسة في الغذاء والدواء، والتي نصت على أن الهيبارين المستخرج من الخنزير لا يجوز استفاده إلا في حالة الضرورة.
وإذا تم تعديله للحصول على هيبارين ذي وزن جزيئي منخفض، فإن هذه العملية لا تعتبر استحالة نهائية يبنى عليها حكم مستقل. وأما الهيبارين المحضر عن طريق الهندسة الوراثية من دون استخدام أجزاء الخنزير، فلا حرج في استخدامه. وكذلك جاء في قرار المجمع رقم مئتين وعشرة: الإنسولين المستخلص من الخنزير لا يجوز استعماله إلا لضرورة لوجود البديل الحلال.
وكذلك في نفس القرار نص على حرمة أنفحة الخنزير ونجاستها. وأيضا في نفس القرار صمامات القلب، الصمامات البديلة إما أن تكون معدنية أو حيوية بشرية أو حيوانية، يجوز استخدامها، أما الصمام المأخوذ من الخنزير فلا يجوز استخدامه إلا في حالة الضرورة.
ولكن أيضا صدر قرار آخر في، أجرى قرار آخر من، في حكم استعمال الهيبارين الجديد، وهو صادر عن المجمع الفقهي التابع للرابطة عام ألف وأربع مئة وأربعة وعشرين. وقد نص القرار في أوله: يراد بالهيبارين مادة تنتجها خلايا معينة في الجسم، وتستخلص عادة من أكباد ورئات وأمعاء الحيوانات، ومنها البقر والخنزير.
أما الهيبارين ذو الوزن الجزيئي المنخفض، فيهيأ من الهيبارين العادي بالطريقة الكيميائية المختلفة، وهما يستخدمان في علاج أمراض مختلفة، كأمراض القلب والذبحة الصدرية وإنزال الخثرات وإزالة الخثرات الدموية وغيره.
ثانيا: أن عملية استخلاص الهيبارين ذي الوزن الجزيئي المنخفض من الهيبارين العادي تتم بطريقة كيميائية ينتج عنها مركبات جديدة مختلفة في خواصها أو صفاتها الفيزيائية والكيميائية عن الهيبارينات العادية، وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالاستحالة.
ثالثا: أن استحالة النجاسة إلى مادة أخرى مختلفة عنها في صفاتها وخواصها، كتحول الزيت إلى صابون ونحو ذلك، أو استهلاك المادة بالتصنيع الصفات والذات، تعد وسيلة مقبولة في الفقه الإسلامي للحكم بطهارة واباحة الانتفاع بها شرعا.
وبعد المناقشات المستفيضة من المجلس للموضوع، وما تقرر عند أهل العلم، وما تقتضيه القواعد الشرعية من رفع الحرج ودفع المشقة ودفع الضرر بقدره، وأن الضرورات تبيح المحظورات وارتكاب أخف الضررين لدرء أعلاهما، قرر المجلس ما يأتي: يباح التداوي بالهيبارين الجديد للوزن الجزيئي المنخفض عند عدم وجود البديل المباح الذي يغني عنه في العلاج، إذا كان البديل يطيل أمد العلاج.
يعني هنا المجمع، نكمل: عدم التوسع في استعماله إلا بالقدر الذي يحتاج إليه، فاذا وجد البديل الطاهر يقينا يصار إليه عمل بالأصل ومراعاة للخلاف. نعم، ثم أوصى المجمع وزراء الصحة في الدول الإسلامية بالتنسيق مع شركات الأدوية المصنعة للهيبارين والهيبارين الجديد ذي الوزن الجزيئي المنخفض، على تصنيعه من مصدر بقري سليم.
وحاصل ما في هذا القرار والقرار الذي قرأناه قبل قليل: أن الهيبارين ذو الوزن الجزيئي المنخفض قد اختلف المجمعان فيه، المجمع التابع للمنظمة في قراره لم يجعله من باب الاستحالة، لم يجعل الحاصل فيه من باب الاستحالة، والمجمع التابع لمكة جعله من باب الاستحالة.
قرار المجمع التابع للرابطة فيه إشارة إلى، يعني، جوازه مع شيء من الكراهة، تمام؟ ولأنه بدأ القرار بقوله: يباح التداوي به عند عدم وجود البديل، تمام، ولم يبدأ القرار بتحريم ذلك إلا عند الضرورة، فهو إشارة إلى أنه يجوز ولكن فيه شبهة ينبغي أن يراعى فيه الخلاف وما إلى ذلك، هذا حاصل المسألة.
إذا، هذا ما يتعلق بمسألة الأخذ من الخنزير، تلخص من ذلك أن الخنزير بجميع أجزائه نجس، وأن ما يؤخذ منه نجس لا يجوز استعماله تماما بالدواء ولا الغذاء. ثم هناك بعض الصور التي اختلف الفقهاء المعاصرون في حصول الاستحالة فيها، ثم إذا مع خلافهم في حصول الاستحالة، هناك أصلا خلاف فقهي: أن الاستحالة هذه أصلا هل تؤثر في نقل العين النجسة إلى عين طاهرة يجوز تناولها واستعمالها أو لا؟
فكل هذا يورث شبهة حتى عند القائلين بطهارة الأعيان بالاستحالة، مما جعل قرار المجمع يقول، بقرار مجمع الرابطة، يقول بأن لا ينبغي استخدامه، أن إباحته عند تعذر البديل، وأن عند وجود البديل لا ينبغي اللجوء إلى شيء من ذلك، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت