بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع منظومة فقه النوازل، ومعنا في هذا الدرس البيت المتعلق باللحوم المستوردة. قال الناظم غفر الله له: في وارد اللحوم من كفار أهل كتاب الخلاف جاري. أطلق الناظم عفا الله عنه الخلاف في هذه المسألة. أولاً، ما صورة المسألة؟
نقول: اللحوم المستوردة من أهل الكتاب، اللحوم المستوردة خلينا نتكلم عن اللحوم المستوردة إجمالاً، فنقول: اللحوم المستوردة منها لحوم مستوردة من بلدان الكفار غير أهل الكتاب، الذين لا تحل ذبائحهم أصلاً، فهذه لا إشكال في عدم جواز أكلها؛ لأنها ممن لا يحل ذبحه أصلاً، يعني حتى لو افترضنا أنه ذبح فذبائحهم لا تحل، كالمجوس والوثنيين والهندوسيين وغير ذلك.
النوع الثاني: اللحوم المستوردة من بلدان المسلمين، وهذه لا إشكال في أنه يجوز تناولها ما لم يعلم أنها لم تذبح، تمام؟
النوع الثالث: اللحوم المستوردة من بلاد أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، فهذه أيضاً لها ثلاثة أحوال. الحالة الأولى: أن يعلم أنها قد ذبحت ذبحاً شرعياً، فهذا لا إشكال في جوازه، ويدخل في ذلك يعني من طرائق العلم بذلك أن يكون الغالب على أهل البلد أنهم يذبحون بالطريقة الشرعية، أن يكون الغالب أصلاً في حالهم أنهم يذبحون بالطريقة الشرعية، فهذه مثلها.
كما ذكر هذا الشيخ عبد الله بن حميد -وهو ممن يحرم اللحوم المستوردة- أنه إذا كان الغالب على أهل البلد أنهم يذبحون، فاللحوم المستوردة منهم جائزة، يذبحون ذبحاً شرعياً.
الثاني: إذا كان المستورد منهم قد علم أن ذبائحهم لم تذبح بالطريقة الشرعية، يعني معلوم أنها لم تذبح بالطريقة الشرعية، فهذه لا يجوز تناولها ولا يجوز أكلها لا إشكال في ذلك، إلا ما يروى ممن يأخذ بقول إذ ذكره الإمام ابن العربي رحمه الله تعالى في أحكام القرآن. ولكن على مذهب جماهير الفقهاء أنه لا يحل أكل ذبائحهم إذا علم أنهم لم يذبحوها بالطريقة الشرعية.
النوع الثالث: وهو ما جهل حاله، ما جهل حاله هل ذبح ذبحاً شرعياً أم لا؟ فهذا اختلف فيه العلماء المعاصرون رحمهم الله وحفظ أحيائهم على قولين. القول الأول: جواز أكلها عملاً بأن الله عز وجل قال: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ. فيقولون: هذه تحل ما لم يعلم أنها لم تذك زكاة، ما لم يعلم أنها ميتة. وهذا القول يختاره الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى والشيخ ابن عثيمين عليهما رحمة الله، وكذلك غيره. والقول الثاني: عدم الجواز، وهو قول الشيخ عبد الله بن حميد رحمه الله، وشيخنا الشيخ صالح الفوزان حفظه الله ورعاه في كتابه الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح.
هذان القولان في المسألة. بالنسبة للمذهب الحنبلي، والحقيقة ليس هناك نص يمكن أن يحسم المسألة، وذلك أنهم قالوا مثلاً: ويحل مذبوح منبوذ، أي ملقى بموضع يحل ذبح أكثر أهله ولو جهلت تسمية الذابح؛ لأنه كما في كشاف القناع؛ لأنه يتعذر الوقوف على كل ذابح، وعملا بالظاهر، وتقدم حديث عائشة. تمام، فهم يقولون ايش؟ إنه إذا وجد مذبوحاً ملقى في موضع يحل ذبح ايش أكثر أهله، فإنه يحل ولو جهلت التسمية ولو جهلت التسمية، فهذه المسألة تدل يعني قد يتمسك بها من يجيز.
ولذلك شيخنا الشيخ أحمد القعيمي تردد في المسألة، تردد في المسألة ولم يجزم فيها بشيء، لكنه في موضع قال: إن ظاهر المذهب يقتضي تحريمها. من القواعد التي يستدل بها القائلون بالتحريم أن الأصل في اللحوم التحريم، والأصل في الأبضاع واللحوم والنفس والأموال للمعصوم تحريمها حتى يجيء الحل، تفهم رعاك الله ما يمل. وممن يقول بالتحريم أيضاً الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله تعالى ونفع به.
وممن يقول بالتحريم أو يميل إلى التحريم الشيخ محمد سالم بن عبد الودود، مشهور بعدود، شيخ شيوخنا، يقول: كان في الطائرة وقدمت له تفاحة، وقدم له لحماً مستورداً، فأكل التفاحة وترك اللحم وقال: تفاحة جنية لتوها خفيفة، مثل طعام جؤها. حاصل مقتضى نصوص المذهب تحريم لحم أوروبا المعلب، فإن تقل أهل كتاب قلت: قد شاع للإلحاد فيهم ملتحد، ولو فرضناه يعني فرضنا أنه من أهل الكتاب، ولو فرضناه فهم يلغون ذكاة ما من ذاك يأكلون، ولو فرضناها أي الذكاة فهم على الأقل يعني فرضنا أنه يوجد فيهم الذكاة احتمال أنه موجود فيهم، قال: ولو فرضناها فهم على الأقل غابوا وأكل الميت فيهم مستحل.
وعند المالكية أن الكتابي الذي يستحل أكل الميتة لا تحل ذبيحته إلا إذا ذبحها بحضرة المسلم، كما سمعتم الشيخ عدو وبعض مشايخ المالكية. ولو فرضناها فهم على الأقل غابوا وأكل الميت فيهم مستحل، قلت: ومن أحس مس السغب فيهم يقل بقولة ابن العربي، فهي وإن زيفها المفتون في عصره تؤلف المفتونة؛ فإن دين الله يسر، والحرج عن مقتضى مقاصد الشرع خرج. وآية العقود في طعام أهل الكتاب حجة الإقدام، وحجة الأحجام قل مأخوذة مما اقتضته آية الموقوذة، والحزم الاكتفاء بالأسماك والبيض والأخباز والفواكه.
هكذا قال الشيخ، وأنا نظمت المسألة نظماً مستقلاً قبل نظم النوازل، قلت فيها: في وارد اللحوم كالابقار إن وردت من بلد الكفار، فمذهب الاشياخ في هذا اختلف، فبعضهم أجازها والبعض كف. فابن العثيمين كذا ابن باز، فتواهما فيها على الجواز، وابن حميد قل مع الفوزان لأكل ذي اللحوم يمنعان. ولم أجد نصاً عن الحنابلة يحسم هذا الخلاف أو دلائله، وما لذي قصور أو تعلم في حالة الترجيح من تكلمه.
فعلى كل حال، مسألة فيها خلاف، ولا شك أن الخروج من الخلاف مستحب، وأن التورع من مثل هذا محمود، والخروج من الخلاف قد روي يشرع إجماعاً حكاه النووي، ما لم يخالف سنة أو يوقع في خلف آخر فذا شرط رعي. نسأل الله عز وجل أن يفقهنا في الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت