تسجيل الدخول

التصوير والتمثيل (البيت 171)

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فما زلنا مع منظومة فقه النوازل، ونشرع في هذا الدرس فيما يتعلق بالفن والرياضة. والبيت الأول في هذا المبحث مسألة التمثيل، وقد ذكر الناظم التمثيل إجمالاً، ثم ذكر في البيت الذي بعده تمثيل الأنبياء والصحابة رضوان الله عليهم؛ تمثيل الأنبياء عليهم السلام والصحابة، تمثيل الأنبياء عليهم السلام وتمثيل الصحابة رضي الله عنهم.

نعم، قال الناظم: والخلف في التمثيل عنهم أتي، وهكذا التصوير بالآلات. إذاً عندنا، أطلق الناظم، ذكر مسألتين، وذكر فيهما خلافاً دون أن يرجح، وسبب ذلك أنه لا يوجد قرارات مجمع فيها في هاتين المسألتين. المسألة الأولى التمثيل؛ لم يرجح لعدم وجود إيش؟ قرارات مجمع فيها، خلاف، والفتاوى فيها فردية ومعروفة.

المسألة الأولى وهي مسألة التمثيل، وينبغي أن يعلم أن البحث هنا عن التمثيل من حيث حكم التمثيل أصالة، دون النظر فيما يقترن به؛ بمعنى لا خلاف بين العلماء أن التمثيل الذي فيه كشف للعورات أو حث على الفجور والمعصية، أو فيه ظهور للنساء المتبرجات وما إلى ذلك، أن هذا لا إشكال في تحريمه. إنما البحث في التمثيل الخالي من المنكرات؛ مجرد أشخاص يؤدون دوراً، ربما يكون ذلك هادفاً وربما يكون على شيء مباح ليس فيه هدف وإنما الهدف منه الترويح، فما حكم التمثيل؟

نقول: القول الأول: القول بمنع التمثيل وعدم جوازه، وهذا القول محكي عن جماعة من أهل العلم، منهم الشيخ ابن باز؛ الشيخ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله، وكذلك محكي عن الشيخ بكر أبو زيد وله فيه رسالة، وكذلك الشيخ صالح الفوزان وغيرهم ممن تكلم في المسألة. سواء ممن ألف رسالة مستقلة في منع التمثيل أو من يعني منعه في فتاوى صدرت عنه. وهذا القول كما لا يخفى يستند على أن التمثيل لا يمكن أن يخلو من الكذب، لا يمكن أن يخلو من الكذب.

القول الثاني هو الجواز، وهو أفتى به الشيخ ابن عثيمين، شيخنا الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، وشيخنا الشيخ العلامة أيضاً الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين عليهما رحمة الله. وأنا ما أدري ربما نسيت أن أترحم على المشايخ الذين ذكروا من قبل، الشيخ بن باز رحمه الله والشيخ بكر أبو زيد رحمهم الله، والشيخ صالح الفوزان حفظه الله وبارك في عمره. فهذان القولان؛ القول الأول ذكرنا أن أبرز ما يستند عليه هو أن التمثيل لا يمكن أن يخلو من الكذب، وأما القول الثاني فيجيبون عن هذا ويقولون: الأصل الإباحة، وأما الكذب فانه ليس من باب الكذب على الحقيقة، لأنه إن كانه يحكي القول عن غيره فهذا الممثل الذي يقول مثلاً: قد ذهبت، وقد فعلت، يحكي قول غيره. مثل ما يعني مما استدلوا به أيضاً أن العلماء تلقوا مثل كتاب المقامات للحريري ومثل كتاب كليلة ودمنة ونحو ذلك من الكتب، لم يستنكر ما فيها من الأخبار التي تذكر مع أنها من باب الخيال. فأطلق الناظم هنا الخلاف، وليس مثل الناظم، الناظم هذا ليس أهلاً أن يرجح، وإنما حكى خلاف العلماء.

نعم، المسألة الثانية وهي مسألة التصوير بالآلات، وهي المسمى بالتصوير الفوتوغرافي بالكاميرا ونحوها. ولا خلاف أن هذا التصوير إذا كان وسيلة إلى محرم أو كشف عورات وما إلى ذلك وفتنة، فهذا ليس محل البحث، وإنما محل البحث في التصوير الخالي من المنكرات الزائدة؛ يعني مجرد تصوير بالآلة. فهذا اختلف فيه العلماء، فمنهم من قال بجوازه، مثل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، والشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي رحمه الله، فله كتاب اسمه الجواب الشافي في التصوير الفوتوغرافي. وبالمناسبة، فقد نسب هذا القول بعضهم إلى الشيخ محمد نجيب المطيعي، كما في رسالة أحكام التصوير، وعندنا اشتهر بهذا المطيعي؛ عندنا عالم حنفي وهو الشيخ محمد بخيت المطيعي، تمام؟ وهو المراد هنا صاحب هذه الرسالة الجواب الشافي في التصوير الفوتوغرافي. وهناك أحد العلماء آخر وهو متأخر عنه اسمه محمد نجيب المطيعي، وهو شافعي، شافعي المذهب، له تكمله المجموع. الذي أردناه هنا صاحب الرسالة محمد بخيت المطيعي الحنفي. وممن ينقل عنه الجواز مثلاً من الحنابلة ابن بدران. والمسألة يعني فيها كلام كثير، ومنهم من صنف فيها رسالة مستقلة، بل فيها رسالة ماجستير، وهي رسالة الشيخ واصل محمد واصل، في اسمها أحكام التصوير.

القول الثاني وهو القول بالمنع، واليه ذهب الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، والشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، وكذلك اللجنة الدائمة أفتت بذلك. ومن قال بالمنع والتحريم دليلهم التمسك بالنصوص الواردة في منع التصوير، والأدلة في هذا مشهورة معروفة. أما الذين قالوا بأن التصوير الفوتوغرافي جائز، فإنهم يقولون إن الأدلة الواردة في تحريم التصوير لا تتناول التصوير الفوتوغرافي أصلاً ليستدل بها؛ لأن حقيقته حقيقة أخرى، فهو وإن سمي تصويراً إلا أن حقيقة التصوير المعروفة والمعهودة في زمن الرسالة ليست هي التصوير بالآلات، بل التصوير بالآلات نازلة جديدة لا يمكن أن نجعلها فرداً من أفراد الحقيقة التي ورد بها النص. هذا إجمالاً ما يتعلق بمسألة التصوير والتمثيل، وإن شاء الله في درس آخر ناخذ مسألة تمثيل الأنبياء والصحابة رضي الله تعالى عنهم وارضاهم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.