تسجيل الدخول

الدرس 2

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

صباح الخير يا شباب، فهذا هو الدرس الثاني من قراءتنا لمقدمة الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه، وهي مقدمة تأسيسية في علوم الحديث. وكان الدرس الأول أحببت أن أقدم فيه في شرح هذا البرنامج أو هذه الدورات العلمية، وأحببت كذلك أن أبين الكتب التأسيسية التي يحتاجها طالب العلم الذي يريد معرفة علوم الحديث، ويريد أن يتخصص فيها، أو أن يهتم بها، أو أن يشتغل بها.

وهذا الدرس إن شاء الله تبارك وتعالى سنبدأ فيه بقراءة مقدمة الإمام مسلم في صحيحه. ولكن قبل القراءة، لمن يسأل عن أين أجد ترجمة موسعة للإمام مسلم، فهنا يمكن أن أدله على بعض العلماء الذين ترجموا للإمام مسلم ترجمة موسعة. بداية الإمام مسلم رحمه الله توفي سنة 261، وهو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم النيسابوري. ونيسابور يا شباب هي يعني تعد كالعاصمة الحكم العباسي مركزا في التجارة والعمران والثقافة، وبلغة فارس يقولون نيشابور، وهي الآن تقع في إيران، يعني شمال شرق إيران.

الإمام مسلم رحمه الله يعني توفي تقريبا وهو في عمر 55 سنة، وهذا يرجح أن مولده كان سنة 206. وأنا لن أتكلم في ترجمته يعني ترجمة عامة شاملة، ولكن ساحاول أن أرشدكم للكتب أو للعلماء الذين ترجموا للإمام مسلم ترجمة موسعة. فمثلا منهم الحافظ أبو الفضل ابن عمار الشهيد، وهو له كتاب علل أحاديث مسلم.

وكذلك الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، وهو مؤلف كتاب شروط الأئمة الستة، وكذلك القاضي عياض، وأبو بكر محمد بن موسى الحازمي في كتاب شروط الأئمة الخَمْسَة، وأبو عمرو عثمان بن الصلاح رحمه الله أيضا في كتابه صيانة صحيح مسلم. والنووي رحمه الله محيي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف -طبعا تعرفون شرحه على صحيح مسلم- أيضا ترجم للإمام مسلم، وابن رشيد الفهري، والمزي، والذهبي، وابن رجب الحنبلي، وابن حجر العسقلاني.

وهناك كتاب للشيخ مشهور حسن بعنوان الإمام مسلم ومنهجه في الصحيح أيضا ترجم للإمام مسلم. ويوجد كتاب شرح مقدمة الإمام مسلم هو كتاب كبير بعنوان قرة عين المحتاج في شرح مقدمة الإمام مسلم بن الحجاج للشيخ محمد بن علي بن آدم الأثيوبي، وهو كتاب جيد في الوقوف على ترجمة موسعة للإمام مسلم؛ لأنه حاول أن يجمع كل ما قيل عن الإمام مسلم، وشرحه لمقدمة مسلم جيد وفيه فوائد، إلا أنه أحيانا يتوسع في أشياء كثيرة لا علاقة لها بالكتاب.

تكلم كثيرا مثلا عن معنى البسمله، وعن كل كلمة فيها، وعن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعن معنى الحمد والفرق بين الحمد والشكر. وأنا في رأيي أن التوسع في هذه الأمور لا يكون إلا في مواضعها، لا يكون إلا في المواضع التي قصد المؤلف أو الكاتب التعرض لها، أما مجرد مثلا ذكر البسمله في بداية الكتاب، أو كلمة الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، التوسع في المعاني التي لم يقصدها المؤلف في رأيي أنها تأخذ وقتا من شرح الكتاب.

وفي رأيي أن يجعل كل بيان عند الأليق موضع به، فأنالا أحب التوسع إلا فيما قصد المؤلف بيانه. وأنا في رأيي أن هذه الكتب ينبغي أن تخدم وأن يقدم لها بما يناسبها، فالمتلقي لمثل هذه الكتب يحتاج مقدمات تنفعه في قراءه هذه الكتب، فيحتاج مثلا أن يعرف مقدمة في التصنيف في علوم الحديث، يحتاج أن يعرف مثلا أنواع الكتب، أو أهم الكتب التي يحتاجها طالب العلم، يعني أعني كتب المتقدمين في هذا الباب.

فالإكثار من المقدمات التي لا علاقة لها بصلب الكتاب أو مقصود الكتاب في رأيي أنها ربما تأخذ وقتا طويلا، وأنها لا تناسب الكتاب، وهذا يجني على مقاصد الكتاب نفسه. فأنا أحب في الشرح أو المدارسة بشكل عام أن نهتم بمقاصد الكتاب وموضوعات الكتاب ومسائل الكتاب، فكل ما له علاقه بذلك، كل ما يمهد له، كل ما يتفرع عنه، يمكن أن يكون محل اهتمام منا.

فكذلك الدكتور حاتم العوني له أشرطة كان يتكلم فيها عن الكتب، تكلم فيها عن صحيح البخاري وصحيح مسلم وغيره من الكتب، أيضا تكلم فيها عن الإمام مسلم بكلام جيد وعن كتابه، وكذلك كتاب عبقرية الإمام مسلم لحمزة المليباري. هناك كتب كثيرة تناولت الإمام مسلم، طبعا لأنه من أصح الكتب التي جمعت فيها أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والإمام مسلم يا شباب هو من فقهاء المحدثين، وهذا من أخص ما أحب أن أقف فيه مع ترجمته. أبو عبد الله الحاكم رحمه الله وله كتاب معرفة علوم الحديث، وهو من كتب مصطلح الحديث المهمة والتي سنقرا إن شاء الله، جعل الإمام مسلما من فقهاء المحدثين وهو جدير بذلك، يعني هو ذكر فقهاء المحدثين، يعني المحدثين الذين اعتنوا بفقه الحديث ومعناه والاستنباط منه، وذكر منهم الزهري والأوزاعي وابن عيينة وابن المبارك والقطان وابن مهدي وأحمد بن حنبل وابن المديني.

قال رحمه الله في النوع الموفي العشرين: قال الحاكم معرفة فقه الحديث إذ هو ثمره هذه العلوم وبه قوام الشريعة، فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر فمعروف في كل عصر وأهل كل بلد، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث وأهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعه من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث إذ هو فرع من أنواع أو إذ هو نوع من أنواع هذا العلم.

هذا الكلام في رأيه يا شباب مهم جدا؛ لأن كثيرا من طلاب الحديث يظنون أن معنى كونك مهتما بعلم الحديث، أو معنى كونك محدثا يقتصر في معرفة أسماء الرواة، أو معرفة الجرح والتعديل، أو معرفة صحة الحديث وضعفه، وهذا ليس صحيحا، بل أئمة الحديث الكبار لابد أن لهم عناية بفقه الحديث لأمرين.

الأمر الأول: أن هذا يخدمهم في معرفة صحة الحديث وضعفه؛ فإنك لا تكتشف نكارة الحديث ولا شذوذ المتن إلا عن طريق فقه الحديث ومعرفه معناه، ولا تعرف الخطا في اختصار الحديث أو في رواية الحديث بالمعنى إلا بشيء من ذلك.

الوجه الآخر: أن هذا هو ثمره العلم أصلا، نحن إنما نريد أن نعرف صحة الحديث وسقمه لماذا؟ حتى نعرف ما الذي يعمل به، وكيف يعمل به، وكذلك الجمع بين الأحاديث وما يظن أنه من مختلف الحديث، هذا أيضا يحتاج فقه الحديث. وسبق لنا دراسة ذلك موسعا في كتاب الرسالة في باب علل الأحاديث حينما ذكر الشافعي رحمه الله أنه كيف نجمع بين الأحاديث التي قد يظهر لبعض الناس منها أنها مختلفة، يعني متعارضة أو متباينة؟ فبين رحمه الله أن كل حديث كل الأحاديث التي نسبت إلى ذلك وجد لها وجها لا تصير به مختلفة، فكل هذا يبين أن هؤلاء المحدثين الكبار كان لهم عناية خاصة بفقه الحديث.

والذي يهمني هنا أن تعرف أن الإمام مسلم رحمه الله من فقهاء المحدثين، يعني هو محدث في أعلى درجة، بل هو إمام من الأئمة، وهو عندي أجل من كتب في مصطلح الحديث؛ يعني إذا تكلمنا عن علم مصطلح الحديث كعلم، فأجل قطعة حديثية هو ما كتبه الإمام مسلم رحمه الله في كتابه في هذه المقدمة أو في كتابه التمييز.

أما عن كتابه، فهذا الكتاب وهو صحيح مسلم، يعني هو كتاب لا يشبع منه، لا يشبع من قراءته والتامل فيه، وحسن ترتيبه وجمعه ودقته والتحري وحسن، وطبعا في أعلى درجة من الصحة. وكان الإمام مسلم رحمه الله له عناية خاصة بالاحاديث التي يجعلها في كتابه، وهو نفسه قال: ما وضعت شيئا في كتابي إلا بحجه، وما تركت شيئا منه إلا بحجه. وهو نفسه رحمه الله قال -كما روى عنه مكي بن عبدان، وهو الذي روى عنه كتاب التمييز- قال: سمعت مسلما يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مائة سنة

يعني يكتبون الحديث من سنة، فمدار على هذا المسند؛ يعني يبين أنه جمع ما يحتاجه، كل من يكتب في السنن فإنه سيدور في فلك هذا الكتاب، يبين أن كتابه مؤسس، كتابه عمدة، كتابه فيه جمل الأحكام.

وهذا يا شباب من أحسن ما يخدم به الإنسان أي علم من العلوم، من أحسن ما يخدم به الإنسان أي علم من العلوم أن يعني يتبحر في هذا العلم بعدما يكون له طرف من كل العلوم، أن يتبحر في العلم ثم يكتب لأهل هذا العلم، أو يصنف لأهل هذا العلم ما يكون لهم بمثابة المرجع والمرد والعمدة.

وسبق أن ذكرت لكم قولا لابن عطية رحمه الله في مقدمة تفسيره لما ذكر أن طالب العلم يحتاج أن يدرس، يدرس كتبا يعني يدرس يأخذ من كل علم بطرف، ولكنه بعد ذلك لابد أن يجمع همه وقلبه على علم، ويكون في هذا العلم أو يكون لأهل هذا العلم مرجعا ومرد، ويحتاجه أهل العلم.

فالامام مسلم رحمه الله يا شباب حاول في هذا الكتاب أن يجمع ما يحتاجه أهل العلم أو المسلمون عموما في السنن والأحكام، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في قراءتنا لكلامه رحمه الله.

كذلك الإامم مسلم يا شباب قال: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة، أبو زرعة الرازي رحمه الله من أكبر علماء العلل في عصر الإمام مسلم، معه طبعا أبو حاتم الرازي ومحمد بن مسلم بن وارة، فقال مسلم: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة فكل ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال صحيح ليس له علة أخرجته.

أيضا يا شباب من الأمور المهمة جدا في الحديث عن الإمام مسلم رحمه الله أن نبين أن الإمام مسلما رحمه الله كان جامعا لعلوم الحديث، يعني ليس هناك علم يندرج تحت علوم الحديث أو أبواب علم الحديث إلا وكان الإمام مسلم إماما فيه؛ مثلا علمه بالرجال بالجرح والتعديل، وعلمه بعلل الحديث، وعلل الحديث هو أدق علم وهو اكتشاف أخطاء الثقات.

فالإمام مسلم مارس ذلك عمليا وكتب لنا كتابا يعني جليلا في هذا الباب يجمع أصول الأخطاء وهي أخطاء الثقات، ويعطيك مفاتيح كيف تكتشف الخطأ في كلام أو في أخطاء أو في روايات الثقات، كذلك في علم في التصنيف والتأليف.

فبالنسبة للتصنيف والتأليف الإمام مسلم ألف كتبا كثيرة تخدم هذا العلم، وأجل هذه الكتب هو كتابه المسند المختصر من السنن بنقل العدل عن العدل، اللي هو مسمى اختصارا بصحيح مسلم.

كذلك فقه الحديث، الإمام مسلم ليس له شرح، ليس له شروح في الحديث، ولكن ترتيبه لهذه الأحاديث وضح فقه الإمام مسلم رحمه الله في الحديث.

فباختيارك عنه وعن صحيح البخاري كلام يطول وله فروع، وأنا إذا قدر الله سبحانه وتعالى وتدارسنا سويا يعني كتاب الإمام مسلم، ربما إن شاء الله نتكلم عن شيء من ذلك، ولكني أحب هنا أن اختصر حتى ندخل في مسائل علوم الحديث.

أريد فقط أن أبين أن مقدمة الإمام مسلم ليس بعدها إلا سرد الأحاديث، يعني الأبواب أو التراجم قبل كل باب هذا ليس من صنع الإمام مسلم رحمه الله، التراجم التي تجدها مكتوبة ليست من صنع الإمام مسلم وإنما هي من عمل النساخ والشراح، ومن أهم هؤلاء النووي.

أما أسماء الكتب يعني مثلا كتاب الإيمان كتاب الطهارة كل هذا من عمل الإمام مسلم، أما التبويبات والتراجم ليست منه وإنما هي من الشراح أو من النساخ.

والسيوطي رحمه الله يعني استحب، وأنا كذلك استحب هذا، ألا تذكر التبويبات والتراجم التي لم يذكرها الإمام مسلم، يعني الأفضل أن يطبع، أو يطبع كتاب صحيح مسلم دون هذه التراجم، ولكن للاسف كثير من النسخ الموجودة بين أيدينا موجود فيها هذه التبويبات والتراجم، وهي اجتهاد من عمل الشراح أو النساخ، وكثيرا لا تكون لائقة بالأحاديث التي ذكرها مسلم رحمه الله.

وقال السيوطي: كان الصواب ترك ذلك، ولهذا نجد النسخ القديمة ليس فيها أبواب البته، يعني يقول إن النسخ القديمة ليس فيها إلا الأحاديث فقط والكتب.

وابن الصلاح رحمه الله ذكر أن مسلما رتب كتابه على الأبواب، ولكن لم يذكر تراجم الأبواب لئلا يزداد حجم الكتاب أو لغير ذلك من الأسباب.

النووي كذلك يا شباب لما يعني تكلم عن هذا المعنى وقال: قد ترجم جماعة أبوابه بتراجم بعضها جيد وبعضها ليس بجيد، أما لقصور في عبارة الترجمة وأما لركاكة أو لغير ذلك، وأنا إن شاء الله أحرص على التعبير عنها بعبارات تليق بها في مواطنها.

يعني يقول هو: انتقد صنيع من سبقوه في هذه التراجم، وهو صنع تراجم خاصة به، وأيضا هذه التراجم لم تسلم من نقد، وبعض أهل العلم انتقد ذلك.

لمن يريد أن يتوسع في ذلك يمكن أن يرجع إلى الكتب التي تكلمت عن صحيح مسلم مثل كتاب مشهور حسن مثلا، اللي هو تكلم فيه عن الإمام مسلم وصحيحه.

أحب أن أبين أن كتاب مسلم يدخل في كتب الجوامع؛ لأنه فيه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة على الأبواب، وأنها شاملة لكل أبواب الشريعة، الإيمان والأحكام والعبادة والعمل الصالح والأخلاق والسير والتفسير والمناقب والفتن، فبذلك يدخل في الكتب المسمى بالجوامع.

وكذلك هذا صحيح الإمام مسلم رحمه الله مع يعني أحب أن أقول: إن الذي روى هذا الكتاب هو أبو اسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان، ويروى في بعض البلدان يعني في المغرب مثلا أبي محمد أحمد بن علي القلانسي يرويه عن مسلم.

هذا الكتب، هذا الكتاب اللي هو كتاب الإمام مسلم، اعتني به كثيرا، سواء في شرح أو في الاستدراك عليه أو في الإلزام، مثلا كان الدارقطني يلزم الإمام مسلم بإخراج أحاديث كان يرى الدارقطني أنها ينبغي أن تكون في كتابه، هذا في كتاب اسمه الإلزام.

وكذلك كتاب الإمام مسلم وكتاب الإمام البخاري يعني انتقده بعض أهل العلم، انتقده طبعا فيه بعض المواضع مثل كتاب التتبع للدارقطني وغيره من الكتب، وهناك كتب خاصة بعوالي مسلم؛ يعني الأحاديث التي علا فيها مسلم على البخاري، وأنا أحببت منكم أن تذاكروا مثلا خمس صفحات كل يوم من صحيح مسلم، تركزون فيها على الموضوعات التي تكلم عنها مسلم، والمسائل التي تكلم عنها، والقواعد والفوائد والاشكالات التي تواجهكم، فأنا أحب أن تسيروا بهذه الطريقه حتى يعني تدرب نفسك على الفهم.

نبدأ إن شاء الله تبارك وتعالى في قراءة الكتاب، سبق شباب أن ذكرت لكم أن قراءتي لهذا الكتاب معكم سنقسم الكتاب إلى فقرات؛ يعني نحاول أن نقرا فقرة وتتدرب فيها على كيف نفهم كلام أهل العلم، وكيف نستخرج منه الأحكام والمعاني.

أحب منكم يا شباب أن تنتبهوا لنقطه مهمة جدا في المذاكره حتى في الشرح، هناك فرق بين أن تستنبط المعاني وأن تشرح الكلام من نفس الكلام، وبين أن تاتي بكلام آخر تشرح به الكلام.

يمكن مثلا أننا عند كل فقرة أو كلمة من كلام الإمام مسلم أن نذهب إلى غيره من أهل العلم وننظر ماذا قال فيها، ولكن أنا لا أحب هذه الطريقة، وإنما أحب أن تبتدئ بفهم الكلام من نفس المؤلف.

بعض الناس أحيانا يشرح متنا أو كتابا فيشرح كل شيء إلا كلام المؤلف نفسه، يبدأ يأتي بتوسعات كثيرة جدا، والطالب يعرف معلومات عامة كثيرة، لكن لا يعرف ماذا قال المؤلف، واضح يا شباب؟

فلذلك أنا ساسير معكم إن شاء الله بهذه الطريقة، أننا نقرا كلام الإمام مسلم رحمه الله ونحاول أن نفهمه وأن نستنبط منه الفوائد والقواعد، وإذا كان عند أحد منكم إشكال يمكن أن يسجله في التعليقات ونجيب عنه إن شاء الله.

قال الإمام مسلم رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.

أما بعد، فإنك يرحمك الله بتوفيق خالقك ذكرت أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه، وما كان منها في الثواب والعقاب.

والترغيب والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء، بالأسانيد التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم. فأردت، أرشدك الله، أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة، وسألتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك زعمت مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها. وللذي سألت، أكرمك الله، حين رجعت إلى تدبره، وما تؤول به الحال وما تؤول به الحال إن شاء الله عاقبة محمودة ومنفعة موجودة، وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن وعزم لي عليه وقضي لي تمامه، كان أول من يصيبه نفع ذلك، كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس، لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف.

خلونا يا شباب يعني نبدأ في بيان هذه الفقرة؛ الإمام رحمه الله بدأ بحمد الله وبدأ ببيان أو أو هذه البداية عموما كثير من العلماء يبدأ بها، يبدأ بالبسمله وبالحمد لله رب العالمين وكثير منهم يبدا بالشهادتين ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. قال: أما بعد، يبتدئ الكلام يعني: فانك يرحمك الله بتوفيق خالقك. يعني هناك شخص يخاطبه الإمام مسلم رحمه الله في هذه المقدمة، وهذا الشخص يا شباب هو أحمد بن سلمة النيسابوري الحافظ، وهو متوفى سنة 286، وهو يعني ممن رافقوا الإمام مسلم في رحلته لقيب بن سعيد، وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد: جمع له مسلم كتابه الصحيح. فهذا السائل هو الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوري.

ونلاحظ أن هذا السائل يا شباب، طبعا الإمام مسلم جعل هذه المقدمة التي يصف بها منهجه في كتابه قبل الكتاب، وأما الإمام الترمذي رحمه الله فجعل ذلك في آخر كتابه في كتاب سماه العلل، شرح فيه منهجه في كتابه وأسانيده إلى الفقهاء والمحدثين ومقاصده من الكتاب. فخلينا نقف يا شباب مع هذا الكلام، قال: أما بعد فانك يرحمك الله، فانك يرحمك الله يدعو له الإمام مسلم، وهذا من حسن البيان ومن النصيحة للمسلمين. فانك يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت فحص و... طبعا بتوفيق خالقك يا شباب يبين أن الإنسان إنما يهدى إلى الخير بتوفيق الله تبارك وتعالى وإلهامه، وقد قال شعيب عليه السلام: وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ. فالتذكير بهذه المعاني يا شباب حسن جدا، خصوصا من المعلم للطالب، كثير من الطلاب يا شباب أحيانا يعتمد على نفسه وذكائه وخبرته ومجهوده في تحصيل العلوم، ولا يستحضر أن العلم عبادة ولا يستحضر معاني إياك نعبد وإياك نستعين، فأنا أحب كثيرا التنبيه على ذلك. ونحن يا شباب إنما قصدنا قراءة تراث الأئمة لهذه المعاني، وليس فقط المعلومات، وإنما نريد أن نتعلم منهم كيف كانوا يتكلمون، ما هي المعاني التي كان يذكر بعضهم بها بعضا؟

قال: أما بعد فانك يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت بالفحص، هممت يعني قصدت. قصدت بالفحص، يعني الفحص اللي هو شدة الطلب، الإنسان يفحص، يبحث، يتعب، يجتهد للوصول إلى شيء يريده، أنك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة. التعرف يعني يعني أكثر من مجرد المعرفة، تطلب المعرفة أنك تريد أن تتعرف، يعني هذا فيه تعب، فيه تكلف، فيه بذل، فيه اجتهاد، فيه تفرغ عن تعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. كلمة جملة يا شباب هذه تكثر في كلام أهل العلم، معنى جملة شباب هي الخلاصة والعمدة، كما قال الإمام الشافعي رحمه الله بأنه ذكر جملا من هذا العلم في كتابي، والجمل هي الخلاصة والعمدة التي يعتمد عليها، يعني كأنه يذكر لك القواعد ويذكر لك الأشياء المؤسسة في هذا العلم وأنت تنسج على منوالها. فهذا الرجل الذي سأل الإمام مسلم رحمه الله كان عاقلا في سؤاله، لماذا؟ لأنه سأله عن جملة الأخبار المأثورة، فهو هنا لا يريد أن يعرف كل ما روي من الأخبار لا، وإنما يعني أراد أن يعرف الجملة الزبدة الخلاصة التي يعتمد عليه. يعني يا شباب الأحاديث العمدة في كل باب، مثلا نحن عندنا يا شباب في كل باب من الأبواب هناك أحاديث تعد عمدة في الباب، مثلا في باب الإيمان، في باب الإسلام، في باب الطهارة، في باب الزكاة، في باب الحج، في باب الجهاد، في مثلا فضائل الصحابة، كل باب من الأبواب فيه عمدة وفيه أحاديث تأسيسية يتفرع عنها ما بعدها أو هي تغني عما بعدها أو يدخل فيها ما بعدها.

فأراد هذا الرجل أن يبحث وأن يطلب هذه الأحاديث التي هي جملة خلاصة زبدة معتمد، كما مثلا سماها بعض العلماء عمدة الأحكام، أو مثلا جامع العلوم والحكم، وهي الأحاديث مثلا أحاديث الإمام النووي التي جمعها تعد عمدة تدخل في كل باب، مثلا حديث إنما الأعمال بالنيات، حديث مثلا الإسلام والإيمان والإحسان، حديث لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهكذا. فهناك أحاديث تأسيسية، فهذا الرجل يا شباب كأنها كثرت الأحاديث عليه ورأى روايات كثيرة جدا تحت كل باب من الأبواب، فأراد أن يعرف جملة الأخبار المأثورة، والخبر يا شباب الخبر والحديث والأثر كل ذلك بمعنى واحد، ولكنه هنا قال المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خلونا يا شباب ناخذ كل قيد في سؤال هذا السائل. أولا هذا السائل عاقل جدا، لماذا يا شباب؟ لأنه اختص بالسؤال أكبر أهل العلم في بلده وفي زمانه وهو الإمام مسلم رحمه الله. طبعا كان البخاري رحمه الله إماما في هذا العلم وهو أعلى من الإمام مسلم في الجمله، ولكن هذا الرجل رافق مسلما ويعرفه ويعرف إمامته. فأول شيء يا شباب ننتفع به من هذه المقدمة: حسن اختيار من ترجع إليه في الباب الذي تطلبه. حسن الاختيار هذا شباب مهم جدا، من الذي تطلب منه النصيحة؟ من الذي تطلب منه أن يعينك على أمر ما؟ من الذي تطلب عنه عنده هذا العلم المعين؟ كثير من طلاب العلم يا شباب أحيانا لا يحسن الاختيار، لا يفرق بين الرجل الطيب الذي حبب إليه الإيمان يعني حبب إليه طريق الاستقامة وشجعه عليه، وبين العالم المتخصص، وربما مثلا يكون هناك عالم متميز في علوم الحديث لكن ليس متميزا مثلا في علوم اللغة، وآخر متميز في اصول الفقه وليس متميزا مثلا في التاريخ والسير، وهكذا. فلا بد أن تحسن الاختيار، وحسن الاختيار يا شباب فيه أمران: الأمر الأول أن تختار الأنسب، وأن تختار من يعني يستطيع أن يعينك لأن ليس كل يعني ربما تجد طالب علم كبير لكنه لا يحب أن يعاون الناس، يعني هو مشغول بنفسه أو ليس عنده لا يفتح بابه لمن يطلب منه ذلك. فأنا في رأيي أن طالب العلم يحسن اختيار من يستنصره ومن يطلب العلم عنده، فهذا أول ما نستفيده من هذا السائل.

الأمر الثاني يا شباب: الفحص والتحري والتعب. هناك أشياء لا تأتي بمجرد الرغبة ولكن لابد من العزم، وحتى الألفاظ التي اختارها الإمام مسلم رحمه الله هي ألفاظ جميلة، وهذه القطعة يا شباب في رأيي من ناحية اللغة هي من أجمل ما كتب، يعني مقدمة الإمام مسلم في هذه مع كتاب الرسالة وجماع العلم وبعض القطع صراحة هي في أعلى درجات البيان في لسان العرب. قال: انك هممت بالفحص عن تعرف جملة الأخبار المأثورة، هذا هو القيد الثاني، اخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو هنا يا شباب لا يريد كل ما أثر، فهناك روايات ماثورة عن الصحابة أو عن التابعين، لا، هو أراد الأخبار المنقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ماذا؟ في سنن الدين وأحكامه. في سنن الدين يعني يعني هو شمل كل شريعة الإسلام، هو لا يريد فقط ما يسمى بالأحكام، لا يريد فقط أحاديث الطهارة والزكاة والصلاة والحج ونحو ذلك، لا، يريد كل ما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نقصد الجمل، يعني الأحاديث التأسيسية العمدة التي يعتمد عليها ويتفرع عنها وهي أصل في الباب لا يستغنى عنه. يعني يا شباب هناك أحاديث لا يستغنى عنها في في أي باب ولا بد أن تجدها موجودة في كل الكتب.

التي تكلمت عن هذا الباب، واضح، فلا يصح أن تغفل هذه الأحاديث، بينما هناك أحاديث أخرى تدخل ضمناً في هذه الأحاديث، واضح يا شباب. فهو الرجل أراد جملة، يعني الزبدة والخلاصة والمعتمد في الأخبار المأثورة المنقولة، يعني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا تخصيص فهو لا يريد كل الآثار في سنن الدين. السنن يا شباب هي السنة هي الطريقة أو الهدي، فهو يريد كل، يعني جمل السنن المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين اللي هو الشريعة وأحكامه، السنن والأحكام.

وأنا في رأيي أن هذا ليس خاصاً بما سموه بالفقه، وإنما هذا يدخل فيه أحاديث الإيمان، يدخل فيه، يدخل فيه أحاديث الفتن، ويدخل فيه كذلك كل الأبواب الأخلاق والآاداب، كل هذا يدخل في الأحكام. وما كان منها، هذا من هذا يا شباب كلمة وما كان منها هذا من عطف الخاص على العام، يعني أن سنن الدين يدخل فيها كل هذا، واضح كده. ولكنه أراد هنا أن يخص، يعني أراد هنا أن يشمل، يعني اذكر لي كذلك ما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب. الثواب والعقاب يا شباب معروف هو، يعني عندنا باب الثواب والعقاب والترغيب والترهيب والوعد والوعيد، كل هذه الأبواب يا شباب ترجع إلى إما ما أمر الله به أو ما نهى الله عنه.

فالأصل يا شباب في هذا الباب هو الأمر والنهي والتشريع، لكن هذا الأمر والنهي له خطاب وهناك ثواب وعقاب ووعد ووعيد وترغيب وترهيب. فالله سبحانه وتعالى حينما يأمر بشيء فانه يرغب فيه، وانه وعدنا الحسنى إذا قمنا بهذا العمل، وانه سبحانه وتعالى كذلك ذكر لنا الثواب على هذا العمل. وفي المقابل إذا نهانا الله سبحانه وتعالى عن شيء فإنه لا يحب منا أن نفعله، وأنه يكره لنا فعله، وأنه ربما يعاقبنا عليه ويتوعد فاعله. فكل هذه الأبواب يا شباب ترجع إلى باب الأمر والنهي.

طيب، احنا عندنا يا شباب في دين الإسلام عندنا نوعان مما جاء في الوحي أو في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، إما أخبار وإما شرائع. الأخبار اللي هو يعني الكلام إما خبر وإما إنشاء، مثلاً الله سبحانه وتعالى قال: الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، هذا خبر. كذبت قوم نوح المرسلين هذا خبر. وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُغُوبٍ، هذا خبر. النبي صلى الله عليه وسلم قال مثلاً: أنا سيد ولد آدم ولا فخر، هذا خبر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، هذا خبر، واضح؟

فعندنا أخبار وعندنا كذلك أحكام أو إنشاء، أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، هذا خبر وإنشاء؛ بين أن الإسلام بني على الشهادتين والصلاة والزكاة والصيام والحج، وكذلك إنشاء لأنه يأمرنا بهذه الشرائع. فهذا الرجل يا شباب أراد أن يعرف جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه. كان يمكن أن يكتفي في هذا لكنه أراد أن يفصل، لماذا يا شباب؟ لأن بعض أهل العلم كان يفرق بين السنن الثواب والعقاب والترغيب والترهيب فيحصى في الأحكام، مثل مثلاً كتاب عمدة الأحكام. أنت مثلاً إذا قرأت هذا الكتاب تجد أن الأحاديث الموجودة فيه تتكلم عن الأحكام الأمر والنهي في الطهارة في الصلاة في الزكاة في الحج.

لكن هذا الرجل يا شباب يريد الأحاديث التأسيسية المركزية التي يعتمد عليها في كل باب من أبواب الدين عامة، سواء في ذلك الأخبار، وسواء في ذلك ما جاء في الثواب والعقاب، أو الوعد والوعيد، أو الأمر والنهي، أو الترغيب والترهيب. الترغيب والترهيب يا شباب يعني هو مأخوذ من قول الله سبحانه وتعالى: وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا، وفي دعاء المؤمنين: إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ، فالرغبة أن ترغب في الخير، وترهب من طلب الشر، واضح؟ فهذا هو الترغيب والترهيب. قال: والترغيب والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء.

يبقى هذا الرجل يا شباب نلاحظ أنه جمع ثم فصل ثم جمع، يعني يريد أن يقول: أنا اريد منك، يعني يطلب من الإامام مسلم، أن تجمع لي الأحاديث المؤسسة العمدة جمل الجمل يعني في كل أبواب الدين. فلكونه يخشى أن يظن الإمام مسلم أنه يريد الأحكام فقط فقال: وما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء. فهذا يؤكد يا شباب أن الإمام مسلم حينما استجاب لهذا الرجل أنه جعل كتابه جامعاً، والكتاب الجامع يا شباب هو الذي لا يترك باباً من أبواب السنن المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ويذكره، بخلاف مثلاً كتب السنن، مثلاً سنن أبي داود، شباب أبو داود لم يدخل فيها كتاب الزهد مثلاً، لماذا؟ لأنه أراد أن يجمع سنن الأحكام فتكلم عن الطهارة والصلاة والزكاة وغير ذلك والنكاح والمعاملات والنذور والأيمان. فهذا الرجل أراد أن تذكر الجمل في كل أبواب الدين وأبواب الشريعة.

ثم قال: بالاسانيد. بالاسانيد يا شباب، الإسناد معروف، الإسناد هو حكاية طريق المتن، يعني أن يبدأ من المصنف إلى من انتهى إليه السند. فهو يريد الأحاديث بأسانيد، لا يريد الأحاديث مرسلة أو معلقة، لا، يريد باسناد يبدأ من مسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واضح يا شباب؟ قال: بالاسانيد التي بها نقلت. بالاسانيد التي بها، الهاء تعود على ماذا؟ على السنن المأثورة، يعني أريد شوف يا شباب لأن هذه المقدمة هي خير ما تتعرف به على شرط الإمام مسلم أو منهجه في كتابه، وأنا أحب يا شباب أن نتدرب على استنطاق النصوص لا أن نحمل النصوص كلاماً ليس فيها، يعني يا شباب نحن نريد هنا أن نتعلم كيف نستخرج من نفس الكلام المعاني، لا ندخل في الكلام معاني من خارجه، فهمنا يا شباب؟

قال: بالاسانيد التي بها نقلت وتداولها أهل العلم فيما بينهم. اه، هذا قيد آخر، الرجل لا يريد الاسانيد الغريبة، الرجل لا يريد الأسانيد الغريبة، وإنما يريد أن الأسانيد المشهورة المتداولة وكان العلماء يذمون الغريب، واضح؟ وذكرت لكم الأسانيد لأني أخشى أن بعض الشباب معنا يكون جديداً فلا يعرف معنى الإسناد. الإسناد يا شباب يعني هو سلسلة الرواة التي تبدأ من المصنف إلى من انتهى إليه السند، مثلاً الترمذي يقول: حدثنا محمود بن غيلان عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يا شباب إسناد. هذا الإسناد مكون من الرواة ومكون من كذلك صيغ الأداء: حدثنا، أخبرنا، عن، قلت، أو قال لي، وهكذا.

فهو أراد بالاسانيد، والإسناد معروف، وأراد كذلك الأسانيد المشهورة، هذا قيد مهم يخرج به الأسانيد الغريبة الحديث الغريب غير المتداول. هذا الرجل، إذاً يا شباب، هذا الرجل الذي هم بهذا وقصد هذا وتحرى وطلبه وفحص، يعني طلب جمعه، قال الإمام مسلم رحمه الله: فأردت، أرشدك الله، أن توقف على جملتها مؤلفة محصاة. يعني يقول له: أنت اردت أن توقف، يعني تعلم، اردت أن تتعلم أو تطلع، واضح كده؟ أن تطلع، توقف يعني يعني وقف فلان فلاناً على شيء يعني أطلعه عليه، علمه إياه، بصره به، هداه إليه، هذا هو معناه يعني.

قال: مؤلفة، المؤلفة يعني مجموعة يا شباب، محصاة يعني معدودة محفوظة، واضح؟ فهذا الرجل يا شباب خلينا كده إيه نقف مع مقاصد هذا الرجل لنعرف كيف صنف الإمام مسلم رحمه الله كتابه في استجابه لهذا المطلب. أول فائدة يا شباب عندنا هنا أن تأليف العلماء كان لحاجة لحاجة الناس. والامر الثاني أنهم كانوا معدين إعداداً تاماَ لهذا الذي قصدوا تأليفه، يعني القصة ليست فقط حاجة الناس، هل أنت أساساً عندك استعداد لأن تسد هذه الثغرة أم لا؟ يأي شخص مثلاً فيقول: أنا الناس يحتاجون من يرد على الشبهات والاشكالات أنا سأرد، لا، أنت لست معداً أساساً، فادخل البيوت من أبوابها، يعني كل من أراد شيئاً طلب أسبابه، لا تكفي العاطفة فقط، وكم من انسان مثلاً أراد أن يناظر عن الدين فكان سبباً في في

في استطالة الفجرة والفسق الذين ينشرون البدع وينشرون الشبهات بضعفه، كما قال ابن تيمية رحمه الله عن هؤلاء: لا للإسلام نصروا ولا لعدوه كسروا. يبقى احنا عندنا عاملان رئيسان في التأليف أو التصدر: الأول حاجة الناس، والثاني استعداد المتصدر أو المؤلف. فإذا لم تكن هناك حاجة لهذا التأليف فلماذا تؤلف وتتعب نفسك؟ وكثير من الناس يؤلف كتبا ويوجد في المكتبات كتب أفضل منها وتغني عنها، فلماذا يعني تزيد الكتب كتابا لا نحتاج إليه؟

واضح، من الذي قال إن الإبداع محصور في التأليف؟ ومن الذي قال إن الإبداع هو أن تفعل شيئا جديدا لم يفعل؟ لا، الإبداع هو أن تحسن استثمار مواهبك، هذا هو الإبداع. قد تكون مواهبك في الشرح، قد تكون مواهبك في نصيحة الناس وتشجيعهم، قد تكون مواهبك في تعليمهم القرآن، في تشجيعهم على الهمة العالية والنشاط وهكذا. خلاص، ابحث عن مواهبك وهذا هو الإبداع، فهذا أمر مهم يا شباب.

هذا الرجل يا شباب باختصار، خلينا بقى نقف على كلام هذا الرجل: أراد جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه، وما كان منها في الثواب والعقاب والترغيب والترهيب وغير ذلك من صنوف الأشياء. يعني كأنه يقول للإمام مسلم: لا تترك لي بابا من أبواب العلم أثر فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سننا إلا وتذكر لي جملتها، يعني خلاستها وزبدتها وعمدتها في كل باب من الأبواب، ولكني أريد الأسانيد المشهورة.

تمام كده؟ فالإمام مسلم يقول: أنت أردت أن توقف على جملتها. لاحظ كلمة "جملتها" أيضا كررت معنا لتبين أن الرجل لم يرد كل ما ذكر في الباب، وهذه يا شباب فائدة نفيسة جدا قل من ينتبه لها. هناك كتب يا شباب تذكر كل ما جاء في الباب، وهناك كتب تذكر أعلى ما جاء في الباب وأصح ما جاء في الباب، وهناك كتب -وهي أعلى الكتب- تذكر خلاصة ما ذكر من أصح الأحاديث.

يعني إيه يا شباب؟ افهم كده: عندنا مثلا ابن أبي الدنيا وغيره من المؤلفين يذكر لك كل ما جاء في الباب؛ مثلا: فضائل أبي بكر الصديق، فضائل علي بن أبي طالب. يذكر لك كل ما روي، والذي يذكر لك كل ما روي بإسناد، يعني يقول لك: أنا ذكرت لك بالإسناد، ابحث أنت في الإسناد. فالذين يذكرون كل ما روي في الباب يذكرون الأحاديث الضعيفة والموضوعة والمتوسطة، ليس عندهم انتقاء، فهذا صنف.

طيب، هناك صنف آخر يقول: لا، أنا سأذكر الأحاديث الصحيحة في الباب. هذا جيد، لكن الأفضل من هذا وذاك الذي يذكر لك أصح الأحاديث العمدة، يعني الأحاديث التي يعتمد عليها. فهو هنا لا يتعبك في ذكر الأحاديث الضعيفة ولا يتعبك في الأحاديث التي أغنى عنها أحاديث أخرى، يبقى ذكر لك خلاصة.

ومن هنا يا شباب تفهم لماذا سمى البخاري ومسلم كتابيهما "المختصر من السنن"، يعني لماذا لم يقل "الصحيح من السنن"؟ لأنه يريد أن يذكر لك العمدة، الأحاديث التي يعتمد عليها في الباب ولا يستغنى عنها. فهمنا كده يا شباب؟ فأرجو أن تنتبه لكلمه "الجمله"، لأن كلمة الجمله هذه لها معنى.

فبالتالي يا شباب ركزوا بقى: لا يُستدرك على الإامم مسلم أو على الإامام البخاري أنهما لم يُخرجا بعض الأحاديث الصحيحة. لماذا؟ لسببين: الأول لأن الإمام مسلم لا يخرج كل الصحيح وإنما يختار أصح الصحيح -السبب الثاني، طبعا الإمام البخاري كذلك- السبب الثاني أنه لم يشترط أن يخرج كل ما جاء في الباب، وإنما خرج لك ما يعتمد عليه في الباب.

يعني مثال يا شباب: لو أنا عندي حديث يقول: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، وعندي حديث مثلا: لا يقبل الله صلاة بغير طهور مثلا، فهل هذا -مش يعني- واحد من الأحاديث يغني عن الآخر؟ واضح يا شباب؟ فانت لا تستدرك على شخص.

لأني لماذا أنا أقول ذلك يا شباب؟ لأن الذين استدركوا على الشيخين عندهم مشكلة في هذا، أنهم يظنون أن البخاري ومسلما يخرجان كل الصحيح، هذا ليس صحيحا، يخرجان أصح ما عندهما، فهذا قيد، وأصح هذا قيد آخر، والأحاديث العمدة الجمله هذا قيد ثالث. واضح يا شباب؟ لكن كتاب التتبع، أقصد كتاب الإلزامات للدارقطني، يعتبر أقوى ما ألزم به الشيخان رحمه الله، لماذا؟ لأنه يذكر الأحاديث التي لم يخرج ما ينوب عنها، واضح يا شباب؟

يبقى يعني أحب منك أن تنتبه إلى هذه المعاني. قال مؤلفه محصاة، كلمة مؤلفه يعني إيه يا شباب؟ يعني أراد الرجل أن تجمع هذه الأحاديث بهذه الصفة في كتاب واحد، يعني مؤلفه يعني مجموعة، محصاة يعني معدودة، يعني محفوظة، يسهل على الإنسان أن يضبطها. وهذا يا شباب أفضل ما أحبه لطالب العلم: أن يكون عنده كتاب هو الأصل في كل باب من أبواب العلم.

وأنا يا شباب يعني درست بهذه الطريقة، يعني مثلا كنت حينما حببت أن أدرس الإيمان مثلا: الإيمان له أبواب، منها مثلا باب الإيمان، أن تعرف معنى الإيمان وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الإيمان يدخله العمل وأنه قول وعمل، وحكم مرتكب الكبيرة، وغير ذلك من المعاني. وعندنا باب القدر، وباب الأسماء والصفات، وباب الإيمان بالرسل، كل هذه أبواب أنا أحب أن أجعل في كل باب من أبواب العلم كتابا واحدا هو الأصل، ويعني أزيد عليه من الكتب الأخرى.

كذلك يا شباب في علل الحديث، في الجرح والتعديل، في مصادر السنة، مثلا في أصول الفقه، في فقه الخلاف. فهذا جميل يا شباب، فالرجل أراد ذلك: أراد أن يجمع له الإمام مسلم رحمه الله كتابا فيه السنن وفيه أصح الأحاديث بالأسانيد المشهورة في كل أبواب الدين، ويركز على الأحاديث العمدة في الباب مؤلفه محصاة، وهذا هو كتاب الجامع. فهمنا كده يا شباب؟

إذا يا شباب أنت من هذا الكلام تستطيع أن تعرف ما معنى كلمة الجامع: هو الكتاب الذي جمع الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل أبواب الدين، فبالتالي هو لا يذكر أحاديث الصحابة ولا الآثار عن التابعين.

قال رحمه الله: وسالتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر. سنقرا الجملة اللي بعدها شباب ثم نحللها أيضا إن شاء الله. قال: وسالتني أن ألخصها لك في التأليف بلا تكرار يكثر، فإن ذلك زعمت مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها. وللذي سالت -أكرمك الله- حين رجعت إلى تدبره، وما تؤول به الحال إن شاء الله، عاقبة محمودة ومنفعة موجودة. وظننت حين سالتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه وقضي لي تمامه كان أول من يصيبه نفع ذلك آياي خاصة، قبل غيري، قبل غيري من الناس، لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف.

خلينا نقف مع هذه الجملة يا شباب. قال: وسالتني أن ألخصها لك في التأليف. "أن ألخصها لك" هذا أيضا قيد جديد، يعني أن هذا الرجل أراد الملخص. لماذا يا شباب؟ هذه فكرة مهمة جدا يا شباب، ركز فيها قوي. هذا الرجل لماذا أرادها ملخصة؟ التلخيص معروف يا شباب، يعني أنه يقتصر على ما لا يستغنى عنه، هذا هو معنى التلخيص يا شباب. التلخيص هو جمع المعاني أو الكلمات المركزية.

مثلا إنسان يقول لك: اذكر لي ملخص هذه الكلمه مثلا. إنسان خطب خطبة طويلة جدا يتكلم فيها عن الإيمان والعمل الصالح، فواحد يقول لك: الخطيب خطب عن إيه؟ اذكر لي الملخص. فتقول: هو باختصار كان يشجعنا على العمل الصالح، خلاص كده هذا هو الملخص. فهذا الرجل أراد من الإمام مسلم أن يلخصها له في التأليف بلا تكرار يكثر.

كلمة "بلا تكرار يكثر"، طبعا "الخصها لك" يعني أشرحها، أبينها، أنتخبها، يعني انتقي أصح الأحاديث وأجمع الأحاديث الجوامع يا شباب، تمام؟

طيب، قال: بلا تكرار. التكرار اللي هو الإعادة بفتح التاء يا شباب، لكنه قال: بلا تكرار يكثر. إذا يمكن أن يكون هناك تكرار للحاجة، ولكنه لا يريد أن يكون كثيرا.

فهذا بخلاف فعل البخاري يا شباب، لأن البخاري رحمه الله كتابه يكثر فيه التكرار والاختصار. لماذا؟ لان البخاري كان من فقهاء المحدثين، يحب أن يوظف الحديث في أكثر من باب، فإذا وجد الحديث يمكن أن يستثمر في باب الطهارة، ويستثمر مثلا مرة أخرى في باب الزكاة، ومرة أخرى في باب الأخلاق والآداب، فانه يكرر الحديث، وإن كان لا يكرره إلا بفائدة جديدة، إما في الإسناد أو في المتن، وربما يختصره.

وهكذا هذا الرجل يا شباب لم يرد ذلك؛ هذا الرجل أراد من الإمام مسلم أن يلخص له ذلك بلا تكرار يكثر. إذاً، يمكن أن يكون هناك تكرار ولكنه قليل، عند الحاجة وعلى قدر الحاجة. لماذا يا شباب هذا مهم جداً؟ لماذا أراد الرجل؟ أولاً، ركز كذا معي، خلينا نعرف هذا الرجل عن ماذا سأل ولماذا سأل؟ الرجل سأل عن جملة الأخبار المأثورة في كل أبواب الدين بالأسانيد المشهورة، وأراد أن تعرف أو أن تكون مجموعة له محصاة في كتاب، وأن لا يكون فيها تكرار يكثر.

لماذا؟ قال: فإن ذلك زعمت، يعني زعمت، يعني أنت يعني ادعيت أو بينت، فإن ذلك زعمت مما يشغلك عما له قصدت من التفهم فيها والاستنباط منها. ولا الذي، أو والذي سالت، خلينا نقف عند هذا يا شباب، هذا الرجل يا شباب أراد جمع السنن بهذه الطريقة وهذه الشروط، لأنه طلبها للتفهم فيها والاستنباط منها وللعمل بها، فبالتالي هو لا يريد كل ما جاء في الباب، ولا يريد كل ما روي، ولا يريد فقط أحاديث الأحكام، بل يريد كتاباً جامعاً جمعت فيه أصح الأحاديث في كل باب، يجمع فيه الأحاديث العمدة في الباب بلا تكرار يكثر، بالأسانيد المشهورة، حتى يبدأ بالنظر فيها والتفكر والتدبر والتأمل والاستنباط، ويتعبد إلى الله تبارك وتعالى بها، ويعلم الناس إياها.

يا سلام على هذا! والله العظيم هذا الكلام القليل الذي قرأناه يعني لو أردت أن استخرج منه المعاني التي ينتفع بها المسلم عامة وطالب العلم خاصة لبقينا أكثر من ساعتين. لماذا يا شباب؟ لأن هذا الرجل عاقل، لا يريد أن يتشبع بما لم يعطى. بعض الشباب مثلا يفتخر بأنه قرأ مثلا مائة كتاب مثلا، وهو لم يضبط كتاباً واحداً، بينما شخص آخر يعني ذكر لي صديقي أن شخصاً كان يشرح لهم علوم العربية، يعني النحو بالذات، ويقسم لي صاحبي أنه كان مبدعاً في الشرح، يعني بيقول لي إيه في الشرح، وصاحبي سأله قال له: كم درست من الكتب؟ قال له: كتاب واحد، كتاب شرح ابن عقيل، ولكني قرأته مائة مرة واستمعت إلى شروح كثيرة فيه إلى أن صار متقناً لهذا الكتاب.

فالقصة يا شباب ليست في كثرة الكتب ولا كثرة الدورات التي تشترك فيها. هنا الآن مثلا كذا شاب أعرفه مشترك في عشر ة دورات وعشرين مجموعة على النت، ويتابع مائة شخص، ليست العبره بالكثرة يا شباب، إنما العبرة بالجودة. فهذا الرجل السائل نتعلم منه هذا؛ أولاً لابد أن تعرف ماذا تطلب، وبناء على الذي تطلبه ستحدد ما الذي تحرص عليه.

فإذا هذا الرجل هل طلب السنن ليحفظها لا، هو طلبها ليفقهها، ليعمل بها، ليعلمها للناس، فبالتالي هو لا يريد أن يعرف كل طرق الحديث. مثلا حديث إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ هذا له أكثر من خمسمائة طريق، هو لا يريد أن يعرف كل هذا، يريد أن يعرف فقط الحديث مثلا يرويه محمد بن إبراهيم التيمي عن يحيى بن وقاص الليثي عن علقمة عن محمد بن إبراهيم التيمي عن إلى آخر الإسناد.

يعني نسيت الإسناد، هو لا يريد أن يعرف تفاصيل يا شباب، هو يريد أن يعرف أن هذا المتن صحيح، ثم يبدأ بعده. فهذا جميل جداً يا شباب. محمد بن إبراهيم التيمي عن يحيى بن وقاص الليثي عن علقمة عن عمر رضي الله عنه، أظن هذا هو الإسناد، فهذا هو أشهر إسناد له يا شباب، وبعد كده تتفرع منه الأسانيد، كلهم أخذوا عن محمد بن إبراهيم التيمي.

فهو لا يريد يا شباب هذه الأسانيد. طيب، عكسه بقى مين يا شباب؟ يحيى بن معين، يحيى بن معين كان يعتني بجمع كل طرق الحديث، ليه؟ لأن عمل يحيى بن معين غير عمل هذا الرجل. يحيى بن معين يريد أن يكتشف علة الحديث، يريد أن يحكم على الراوي، ويريد أن يعرف من الرواة الثقات ومن الذي أخطأ في الحديث.

يبقى هذا مهم جداً يا شباب، اريد منك أن تركز على هذا؛ هذا الرجل يريد جمع الأحاديث للتفهم فيها، أن يفهم معناها وأن يفقهها وأن يستنبط منها، وسبق معنى كلمة الاستنباط يا شباب، والاستنباط هو استخراج المعاني من الكلام، المعاني التي ليست ظاهرة تستخرج، وسبق بيان ذلك بتفصيل حينما كنا نقرا في كتاب الرسالة.

كذلك قال: والاستنباط منها. ولا الذي ولا الذي سالت أكرمك الله، أيضاً يدعو له أيضاً حين رجعت إلى تدبره. يبقى الإمام مسلم لما ساله السائل لم يتعجل في قبول هذا العرض، وهذا يحصل للكثير منا شباب؛ واحد مثلا يطلب منك يقول لك: اريد منك أن تعطينا درساً في كذا، فتقول: يلا، يعني تقول هذا من المسارعة في الخيرات. لا، لابد أن يكون عندك حلم، وأنه يمكن أن يطلب منك شيء لست أهلاً له، أو لست خير من يقوم به، أو أنت مشغول بعمل خير منه. واضح يا شباب؟

يبقى الإمام مسلم حينما طلب منه هذا الرجل هذا الطلب تدبره أولاً، ونظر في عواقبه، ونظر هل يستطيعه أم لا، وتفهم السؤال جيداً، وعلم مقاصد الرجل حتى يجمع له طلبه بدقة. قال: وللذي سالت أكرمك الله حين رجعت إلى تدبره، التدبر هو النظر في عواقب الأمور، وللذي سالت أكرمك الله حين رجعت إلى تدبره وما تؤول به الحال.

يعني أنا تفكرت حينما ساله السائل أن يجمع له السنن في كل أبواب الدين بالأسانيد المتداولة، وأن يختصره، وأنه يريد أن يفقهه. الإمام مسلم فكر مع نفسه، قال: هل أنا مؤهل لذلك؟ طيب، نعم. هل الناس محتاجون إلى ذلك؟ نعم. طيب، هل سيكون خيراً على المسلمين؟ نعم. هل هناك ما يسد مسده لا؟ إذن الناس يحتاجون إلى هذا بشدة.

فهذا يؤكد يا شباب أن طالب العلم أو الداعي أو العالم أو أي إنسان يطلب منه أي شيء لا يتعجل في قبوله أو رده، يتفكر فيه، فإذا كان أهلاً له، كان مستعداً له ونظر في عواقبه. مثلاً بعض الشباب يطلب يقول: أنا أريد منك أن تناظر فلاناً، لأن فلاناً هذا يثير الشبهات ويفعل كذا، فانظروا في هذا الأمر: هل مناظرة هذا الشخص لها فوائد؟ هل خيرها أكثر من شرها؟ هل نحن بحاجة إلى ذلك؟ هل هذا الشخص أساساً معروف ومشهور بين الناس حتى يعتنى بالرد عليه وعلى شبهاته؟ وهكذا شباب، إذاً لابد أن تتحلى بالحلم والأناة ولا تتعجل، لا تتعجل لا في القبول ولا في الرد، والحلم والأناة خصلتان يحبهما الله ورسوله.

طيب قال: وللذي سالت به وللذي سالت أكرمك الله حين رجعت إلى تدبره وما تؤول به الحال إن شاء الله عاقبة محمودة ومنفعة موجودة. أنا وجدت أن العاقبة إن شاء الله ستكون خيراً، والمنفعة موجودة يعني متحققة وليست مظنونة، لا، هي منفعة متحققة. تمام كذا يا شباب؟

قال: وظننت حين سالتني تجشم ذلك. التجشم طبعا يا شباب خلينا نلاحظ هنا أن الرجل أراد ما قل وكفى، كما قلت لكم كثيراً: ما قل وكفى خير مما كثر وألهى في أي باب من أبواب الحياة يا شباب، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى في كل تفاصيل حياتك، مثلاً في من تتابعهم، في من تدرس عليهم، في الكتب التي تقراها. ممكن إنسان مثلاً يريد أن يطلب علم اصول الفقه فيكون عنده خمسمائة كتاب، واضح؟ ليست العبرة بكثرة الكتب، وإنسان آخر يكون قرأ خمسة كتب لكن هي العمدة، هي خلاصة كتب أصول الفقه، فهمنا كذا يا شباب؟ شخص يتابع عشرات القنوات في يوتيوب، بينما هو حتى بعد، مع أنه يتابع عشرات القنوات، لكن يخفى عليه

أهم القنوات النافعة. فاذاً يا شباب، ما قل وكفى خير مما كثر والّه كذلك، التركيز على الصحيح والاشتغال به أفضل من الاستكشاف من الأحاديث التي تلهي؛ لا أنا يكون عندي أحاديث أنا فاهمها وأعمل بها، أفضل من أحاديث كثيرة فيها ضعيف وفيها صحيح ولا أعمل بها. قال: كذلك من الفوائد يا شباب، أن المراد من التعرف على السنن هو فقهها والعمل بها والتعبد إلى الله تبارك وتعالى.

طيب، هذا يا شباب فيه فائدة للدعاة: ما هي؟ ألا يشغلوا العامة إلا بما يحتاجونه؛ يعني أنا وجدت شخصاً أعرفه كان يخرج على المنبر يكلم الناس في علل الحديث واختلاف شعبة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة، هذا لا يحتاجه الناس ولا يفهمونه، فلماذا تشغل الناس بما لا يحتاجونه؟ وكل من شغل الناس بما لا يحتاجونه لا بد أن يقصر فيما يحتاجونه. فهذا مهم جداً يا شباب، لا تشغل الناس بكل ما تطلبه أنت، هناك فرق بين دائرة الاهتمام ودائرة التعليم والدعوة؛ أنا مثلاً أقرا في المذاهب العلمانية والليبرالية والمدنية والماركسية والشيوعية وتاريخ الأمم وفلسفة أرسطو وأفلاطون مثلاً، لكن لما أدرس للناس أو أعلمهم، أعلمهم ما يحتاجونه، يبقى في فرق يا شباب بين ما تعرفه أنت وما يحتاجه الناس، ما تذاكر أنت وما تعلمه للناس، ليس كل فائدة عرفتها تذكرها للناس، واضح يا شباب؟ فهذا مهم جداً.

أيضاً من الفوائد يا شباب: اهتمام المحدثين بفقه الأحاديث، وهذا يرد على المستشرقين وغيرهم من جهلة لقطاء الفكر الذين يزعمون أن أهل الحديث لم يكونوا يعرفون إلا الرواة وأسماء الرواة والأسانيد وغير ذلك.

طيب، قال: قال رحمه الله: وظننت حين سألتني تجشم ذلك. يعني الإقبال على ذلك؛ يعني أن لو عزم لي عليه وقضي لي تمامه كان أول من يصيبه. يعني عزم لي؛ يعني لو ألزمت ذلك يعني أو نويت ذلك أو عزمت عليه وأردت أن أقوم به وقضي لي تمامه؛ يعني أتممت هذا الكتاب وقضي لي تمامه كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس. يا سلام على الجمال، لاحظوا يا شباب، والله هذا هذه المعاني هي التي نقرا لأجلها كتب الأئمة يا شباب. هؤلاء كانوا يرون العلم ديناً، ديناً عبادةً يعني، وهو يذاكر يحتسب ذلك، وإذا نظر الإنسان إلى أي عمل في حياته على أنه عبادة لا بد أن هذا العمل سيكون خفيفاً عليه من وجه وسيكون باباً عظيماً في الإيمان من وجه، وكذلك سيحتسب الأجر فيه.

يعني مثلاً أنت إذا علمت أبناءك وصبرت عليهم أو مارست الرياضة أو ذهبت لقضاء حاجات لبعض إخوانك أو أعنت زوجتك في البيت أو أي عمل من الأعمال تدخل فيه معنى التعبد فلا بد أنه سيكون خفيفاً عليك إن شاء الله. فشوف الإمام مسلم هنا يقول إيه يا شباب؟ يقول: وظننت حين سألتني تجشم ذلك. يعني أنت طلبت مني أن أقبل على ذلك أن لو عزم لي عليه، لو ألزمت به يعني وشرعت فيه وقضي لي تمامه؛ يعني فعلاً تم هذا الكتاب، أول من ينتفع منه أنا. فهذا سبحان الله كم كم انتفع الإمام مسلم بهذا يا شباب؟ ألا تشعرون يا شباب بقيمة هذا؟ يعني أنا حينما شباب مثلاً أجلس، والله كنت في في بعض البلدان يعني يعني بلد بلد أوروبية وأنا ماشي في الطريق سمعت رجلاً في محل في دكان وهو مشغل الشيخ عبد الباسط عبد الباسط عبد الصمد رحمه الله وبيستمع، قلت سبحان الله يعني شوف الرجل هذا يسكن في في بلد أظن كان في في في باريس تقريباً، والرجل يشغل هذا القرآن، كم هذا الأجر؟ يعني شوف ربنا سبحانه وتعالى ينفع بكثير من الأعمال وأنت لا تشعر، هذا العلم الذي تبثه للناس، النصائح التي تعطيها لأبنائك، التشجيع الذي تشجعه لجارك ولصديقك في العمل، كل هذا يبقى، والله هذا هو الذي يبقى، هذه هذه هي الباقيات الصالحات يا شباب.

فالإمام مسلم بيقول هذا مما يشجعنا على العمل يا شباب: علم ينتفع به، إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، ومنه علم ينتفع به. علم ينتفع به، شوف كم إنسان قرأ صحيح مسلم وكل هذا في ميزانه، فهو بيقول وهذا شباب يؤكد لحظة الأجر، وكم من إنسان كان يكسل عن العمل فحينما تذكر الأجر قام للعمل، وهذا هو الذي كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السماوات والارض، جعل الصحابي يعني يقول يعني لئن بقيت لئن آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، هذا مهم جداً يا شباب، والله حينما يعني تذكر أبناءك بطاعة الله لا تمل من ذلك يكفي أنك تأخذ أجراً، حينما تشجع الناس على العلم.

وبعض الناس شباب يربط استمراره على الخير برؤية النتائج أو بثناء الناس عليه أو بشكر الناس أو بمقابلة الناس الإحسان بالإحسان، هذا يجعله ينقطع عن العمل، لا، لابد، أقسم بالله كم مرة وبعضكم يرى، بدات الدرس ويمضي من الدرس نصف ساعة وليس هناك من يستمع إلى الدرس، ليس ذنبي هذا، أنا الحمد لله حضرت الدرس جيدا وأعلنت عن الدرس وبدات فيه، والله استمع مليون واحد استمع شخص لم يستمع أحد لا يهمني، لماذا؟ لأني أديت ما علي وأنا أحتسب الأجر عند الله إن شاء الله، هذا هو الذي أريد أريدك أن تضع أمام عينيك ألا تهتم بأن تجازى من عملك إلا من الله، والله هذا يا شباب مفتاح البقاء على العمل، وكل من ربط استمراره على العمل برؤية النتائج أو بتشجيع الناس أو بالثناء عليه أو بمقابلة الإحسان بالإحسان أو بالشهرة أو بأن يرى ثواب عمله في الدنيا، كل من ربط عمله بذلك فانه يعني ينقطع عن العمل ولا يستمر ويدخله كثير من الرياء وغير ذلك.

فاستعن بالله تبارك وتعالى وأخلص النية لله واعلم أن ربك بكل شيء عليم، وهو وحده الذي يملك لك الضر والنفع ولا تخاف معه ظلماً ولا هضماً، لن يهضم. فشوف الإمام مسلم أول معنى فكر فيه: هل ينتفع الناس من ذلك أم لا؟ اثنان: أنا أول من ينتفع من ذلك، صح كده؟ قال إيه: كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري من الناس لأسباب لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف.

طيب يا شباب، خلونا الآن وأنا طبعا أريد أن أخذ راحتي معكم في هذا الكتاب، لا أريد أن أتعجل، يعني هذا الكتاب أنا شرحته للشباب في يوم واحد واضح، كنا في دوره كبيرة وكان هذا ضمن مجموعة من الكتب شرحته لهم في يوم، ولكن طبعا لم أتوسع فيه ولكني أحب أن أخذ كل كلمة في هذا الكتاب لننتفع بها نحن في حياتنا في طلب العلم. خلينا يا شباب نقف مع الفوائد التي يمكن أن يكون الإمام مسلم تحصل يعني تحصل عليها غير الأجر، يعني لن نتكلم عن الأجر الآن.

خلونا يا شباب نفكر: إذا أراد الإنسان أن يعلم الناس شيئاً أو أن يعد شيئاً يعد خطبة أو يعد كتاباً أو يعد درساً ما هي الأمور التي سينتفع بها هذا الشخص؟ أولاً: يكفي أنه مشغول بما يرضي الله، والله يا شباب هذا المعنى معنى عظيم جداً، مجرد أنك مشغول بالخير، يعني أفكر أني سأعطي الشباب كتاباً في كذا، طيب هذا أول شيء أن أنا مشغول بهذا، طيب هذه الفائدة الأولى: أني مشغول بالخير ومشغول عن الشر، وكم من شاب كان يتعلم ويقرا ويحفظ وكان مشغولاً بذلك عن المعاصي، فأول ما ترك الحفظ والعلم تفرغ للمعاصي، وهذا شباب أنا ذكرته كثيراً أن الفراغ قاتل، ولو لم يكن في اشتغالك بالعلم والقرآن سوى أنك مشغول عن الحرام لكفى، فكيف بالثواب؟ يبقى دي أول فكرة: أنك مشغول بالخير بتفكر فيه ومشغول عن الشر لا تفكر فيه.

طيب الفائدة الثانية: أنك ستعد ذلك، هتعد ذلك إزاي؟ ستتقرأ، ستبحث، ستكتب، كل هذا علم جديد لك. الأمر الذي بعد ذلك يا شباب: ستاخذ وقتاً من يومك في الكتابة وفي الشرح وفي البيان، ولا أريد ولا أستطيع أن أصف لك البركة التي يحصلها الإنسان حينما ينوي نفع الناس.

مجرد أنك مشغول بما يحتاجه المسلمون وبما يحتاجه شباب الإسلام وتفكر وتخطط وتكتب وتسهر وتقوم من نومك جاءتك فكرة تقوم تسجل هذه الفكرة رأيت موقفا يحتاج التعليق فقمت تعلق عليه وحضرت لهذا والله العظيم يا شباب لو لم يكن في ذلك أنك مشغول بالخير ومصروف عن الشر لكفى.

فالإمام مسلم رحمه الله يا شباب يتذكر هذه المعاني يتذكر أنه أول من ينتفع بذلك فيقول: وظننت حين سألتني تجشم ذلك أن لو عزم لي عليه وقضي لي تمامه كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة قبل غيري.

وهذا يؤكد يا شباب أن طالب العلم أو العالم لابد أن يلاحظ معنى العبادة والاستعانة في كل ما يقدم عليه: إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وأن يلاحظ عواقب الأمور وأن لا يتعجل وأن يتأنى، الحلم والأناة خصلتان يحبهما الله ورسوله.

طيب قال لأسباب كثيرة يطول بذكرها الوصف، يبقى هذا هو حسن القصد والاحتساب، ندخل في الفقرة التي بعدها شباب قال سنقرأ الفقرة كاملة ثم نعلق عليها بإذن الله.

قال: إلا أن جملة ذلك أن ضبط القليل من هذا الشأن واتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يوقفه على التمييز غيره.

فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشان وجمع المكررات منه لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله.

فذلك إن شاء الله يهجم ما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه، فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا عن معرفة القليل.

يا سلام خلينا نقف يا شباب مع هذه الجمل من كلام الإمام مسلم، أولا هذا الرجل الذي سأله أن يصنف له هذا الكتاب يعني أن يجمع له هذا الكتاب وهو الحافظ أحمد بن سلمة النيسابوري الذي صاحبه في رحلته إلى قتيبة بن سعيد.

هذا الرجل طلب منه أن يجمع جملة الأخبار المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنن الدين وأحكامه، يعني لا يترك بابا من أبواب الشريعة إلا ويجمع فيه أصح ما جاء في الباب والجمل التي لا يستغنى عنها وأن يلخصها دون تكرار.

يكثر لماذا؟ لأن الرجل يريد أن يفقهها وأن يستنبط منها، والإمام مسلم بين له أن ذلك عاقبته محمودة وأنه أول من يعود عليه نفع ذلك.

فنصحه هنا الإمام مسلم، يعني الإمام مسلم هنا يوجهه لأمر يحتاجه هذا السائل قال له: إلا أن جملة ذلك، شوفوا يا شباب الجملة هي الخلاصة والزبدة والمعتمد والعمده، يعني كل باب له عمدته فالإمام مسلم يقول: إلا أن جملة ذلك يعني جملة الأخبار المأثورة في سنن الدين يعني لابد أن تعرف فائدة هنا ما هي.

أن ضبط القليل من هذا الشأن واتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام إلا بأن يوقفه على التمييز غيره، على التمييز غيره، ماذا قال هنا يا شباب؟

الإمام الإمام مسلم يريد أن يقول له: إذا اردت ذلك فاعلم أن ضبط القليل من هذا الشأن الشأن اللي هو إيه؟ السنن جمع السنن واتقانه، يبقى إيه الضبط؟ ضبط القليل والاتقان وهذا أيسر على المرء من معالجة الكثير منه، هذه هي الفكرة التي تكلمنا عنها يا شباب اللي هو ما قل وكفى خير مما كثر وقالها التركيز على الصحيح والاشتغال به والعمل به أولى من الاشتغال الكثير دون فقه أو عمل.

كذلك المراد من السنن فقهها، لا يشتغل بالجمع والإكثار من ليس أهلاً له، فهو بيقول: إلا أن ضبط القليل من هذا الشان واتقانه أيسر على المرء من معالجة الكثير منه.

المعالجة يا شباب فيها معاناة وفيها انشغال وفيها تعب، ولا سيما يعني يترجح هذا أو يتاكد هذا أو يتحتم هذا عند من لا تمييز عنده من العوام إلا أن يوقفه على التمييز غيره، يعني مثلاً شخص ليس ليس عنده علم بالرجال ولا العلل ولا يعرف شيئاً في علوم الحديث، هل تشغله بكثرة الروايات أم تنتخب له أصح ما جاء في الباب؟ هذا هو الأولى تمام يا شباب.

قال: إلا بأن يوقفه، يعني يعلمه على التمييز غيره يعني من أهل العلم.

فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، يعني إذا كان الأمر في هذا الشأن في الاشتغال بالسنن الصحيحة المختصرة الجامعة أولى من معالجة الكثير لا سيما أن هذا الكتاب سيكون موجوداً بين يدي الناس وليس محصوراً على طلاب الحديث.

قال: فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا، فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم، كان الإمام مسلم والله أعلم فهم من السائل والله أعلم أن السائل يريد الجمل المأثورة دون أن يحصرها في الصحيح، فلذلك الإمام مسلم أرشده هنا إلى أني ساجمع لك الجمل يعني الأحاديث العمدة في الباب ولكن ساقتص منها على الصحيح.

لأنه هنا كأنه يرشده إلى ذلك، قال: فالقصد منه إلى الصحيح القليل أولى بهم من ازدياد السقيم يعني أولى من أن تطلب الزيادة في وتطلب التكثر دون فائدة، السقيم اللي هو يعني الضعيف يا شباب وهذا من المصطلحات التي كان يستعملها بعض أهل العلم في التعبير على ضعف عن ضعف الرواية.

قال: وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشان، يعني أحياناً يطلب الإنسان كثرة الروايات ويريد أن يعرف كل ما جاء في الباب نعم يكون هذا صحيحاً متى؟ عندما يكون أهلاً لذلك.

قال: وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشان وجمع المكررات منه لخاصة من الناس، اللي هم يا شباب أهل العلم بالحديث، اللي هم أهل العلم بالرجال، أهل العلم بعلل الحديث، يعني الأئمة الكبار شباب مثلاً مثل عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان والبخاري وغير هؤلاء سياتي ذكرهم إن شاء الله.

كان عندهم اعتناء خاص بالععلم بكل الروايات التي روي بها الحديث، لماذا شباب؟ لأنهم إذا لم يعرفوا هذه الروايات لم لم يتميزوا لم يتبين لهم صحة الحديث من ضعفه، وعلي بن المديني قال: الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطاه أو لم تظهر علله.

وابن المبارك قال: إذا أردت أن يصح لك حديث فاضرب بعضه ببعض، فلا بد من جمع الروايات والأئمة كانوا يعتنون عناية خاصة بذلك ليعرفوا عله الحديث.

كما كان يقول عبد الرحمن بن مهدي: لأن أعرف علة حديث هو عندي أحب إلي من أن أكتب عشرين حديثاً ليس عندي، يعني لأن أعرف علة حديث هو عندي موجود عندي، يعني هذا هو الذي أقوله يا شباب أن تجود الكتاب الذي درسته أفضل من أن تدرس كتاباً جديداً، أن تثبت السورة التي حفظتها أفضل من أن تحفظ سورة جديدة.

وهكذا يا شباب يعني حفظ رأس المال أفضل من الربح، فهو يريد هنا أن يقول يبين قيمة العلم بعلل الحديث، وهذا العلم يا شباب علم شريف علم عال، المحدثون يعني كانوا كثيرين ولكن الأئمة الذين كان لهم علم بعلل الحديث هؤلاء قليلون جداً.

ومن أئمة هؤلاء يعني يعني الأوائل عبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه والبخاري ومحمد بن يحيى الزهلي ومسلم والترمذي والنسائي، وكذلك أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي وغير هؤلاء من الأئمة.

طيب يا شباب قال: وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن، يعني هو كأنه يقول ليس كل الجمع يكون نافعاً، بل يكون نافعاً إذا كان لغرض اكتشاف علة الحديث، وكذلك يكون من شخص مؤهل لهذا العلم.

قال: وإنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشأن وجمع المكررات منه، المكررات يا شباب يعني الأسانيد والروايات المتنوعة تحت الباب الواحد أو تحت المعنى الواحد لخاصة من الناس ممن رزق فيه بعض التيقظ والمعرفة بأسبابه وعلله، كلمة بأسبابه يعني يعرفون لماذا يجمعون هذه الروايات ويعرفون الرواة.

ويعرفون كيف يحكمون على الحديث وكيف يميزون الصحيح من السقيم، قال: فذلك يعني هذا الذي توفرت فيه هذه الصفات فذلك يهجم يعني كلمة يهجم يعني ينال بغيته أو مراده. قال: فذلك إن شاء الله يهجم يعني يقع عليها ما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمع، يعني هذا الشخص هو الذي نعم نشجعه ونقول له اجمع من الأحاديث حتى تكتشف عللها. لكن الشخص الذي ليس عنده علم بذلك فالاستكثار هذا يضره، قال: يبقى هنا شباب هذا جمع ونقد وفقه واستنباط.

جمع الروايات لمعرفة الصحيح من السقيم وللحكم على الرواة، وكذلك نقد الروايات لمعرفة المحفوظ وغير المحفوظ، ثم الفقه والاستنباط. قال: فأما عوام الناس يعني الذين ليسوا على هذه الصفة، قال: فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة. لاحظ هنا لما قال عوام الناس بعض الناس يمكن أن يقول إن عوام الناس المراد بهم هنا العامة يعني الذين ليسوا من طلاب العلم، لا، هو لا يقصد ذلك، يقصد كل من ليس من أهل علم علل الحديث. يمكن أن يكون فقيها، يمكن أن يكون راويا للحديث، يمكن أن يكون عالما من علماء العربية. فالعوام فيه كل من ليس من علماء علل الحديث، واضح يا شباب؟ لأنه حددها.

قال: فأما عوام الناس وهذه ليست شتيمة يا شباب وليس انتقاصا، كل إنسان يمكن أن يكون بارعا في مجال ويكون عاميا من عامة الناس في مجال آخر، هذا ليس ذما. قال: فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص يعني ليس عندهم معاني التيقظ، بخلاف معاني الخاص من أهل التيقظ والمعرفة، فلا معنى لهم من الطلب يعني لا فائدة، ليس ليس عندهم داع، فلا معنى لهم في طلب الكثير وقد عجزوا عن معرفة القليل. يعني إذا كان هم أساسا لا يعرفون القليل من هذا العلم فكيف يطلب منهم؟ يعني تخيل ممرض تطلب منه أن أن يعمل عملية قلب مفتوح دقيقة لشخص، إذا كان هو أساسا يعني بيضرب حقن بالعافية فكيف يصنع هذه العملية؟

فهذا مهم جدا يا شباب، والله هذا الكلام نافع جدا، أنا أرى أن احنا نقف عند هذا الحد، لأن يعني أنا أحب منكم أن نحلل هذا الكلام ونأخذ كلمة كلمة لا نتعجل فيه. وأن الكلام اللي جاي يتصل بعضه ببعض، فخلينا نقف هنا ونكمل إن شاء الله غدا. ويمكن أن يأخذ معنا هذا الكتاب يعني كما يأخذ، لكن لا أريد أن يعني اختصر فائدة لأني أحب أن نتعلم من أهل العلم، نتعلم منهم الأخلاق والمقاصد والنيات ونتعلم منهم كذلك لماذا كانوا يؤلفون وكيف كانوا يؤلفون، فإن هذا ننتفع منه إن شاء الله.

وأحب أن يعني نتوقف في الدرس يعني كل يوم ساعة ونصف هذا جيد، لأن احنا عندنا أيضا درس آخر سيكون بعد صلاة الظهر في كتب ابن تيميه رحمه الله. جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح. بارك الله فيكم يا شباب وصباح الخير.