تسجيل الدخول

الدرس 5

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

مساء الخير يا شباب، هذا هو الدرس الخامس من قراءتنا لمقدمة الإام مسلم في الصحيح، التي يشرح فيها شريطته في كتابه ومنهجه في تأليف كتابه المسند المختصر الصحيح. وصلنا إلى قول الإمام رحمه الله: فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ هُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُتَّهَمُونَ. سأقرأ أولاً بإذن الله الكلام تاما، ثم بعد ذلك نقف مع فك ألفاظ كلام الإمام ونعرف شرحه إجمالاً، ثم نفصل الكلام فيه بإذن الله تبارك وتعالى.

وأحب أن أنبه أننا في قراءتنا لهذا الكتاب أحببنا أن تكون مراجعة لكل الكتب السابقة، وأحببنا أن تكون تدريباً لفقه كلام الأئمة، واستخلاص الفوائد والنتائج من كلامهم، ومحاولة تصنيف كلامهم تحت أبواب العلم المعروفة. ثم بعد ذلك سنأخذ باباً عملياً تطبيقياً في ترتيب الإمام مسلم لأحاديث صحيحة إن شاء الله.

نبدأ بالقراءة، قال رحمه الله: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم، فلسنا نتشا بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مسور أبي جعفر المدائني، وعمرو بن خالد، وعبد القدوس، وعبد القدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمر أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الحديث وتوليد الأخبار. وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط؛ أمسكنا أيضاً عن حديثهم، وعلامة المنكر في حديث المحدث: إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها؛ فاذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبول ولا مستعمل.

فمن هذا الضرب من المحدثين: عبد الله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبد الله بن ضميرة، وعمر بن صهبان، ومن نحى نحوهم في رواية المنكر من الحديث؛ فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشا به، لأن حكم اهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث: أن يكون قد شارك الثقات من اهل العلم والحفظ في بعض ما رووا، وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه، قبل زيادته.

فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة وحديثه عند أهل العلم مبسوط مشترك قد نقل أصحابه عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابه وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم؛ فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، والله أعلم.

قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به من أراد سبيل القوم ووفق لها، وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحاً وإيضاحاً في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعلة، إذا اتينا عليها في الأماكن التي تليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى.

هذا الكلام يا شباب هو الذي سنقفه معه إن شاء الله تبارك وتعالى اليوم في مدارستنا لهذه المقدمة النفيسة. الإمام مسلم رحمه الله بين الطبقات التي سيخرج حديثهم من حيث الرواة ومن حيث الأحاديث، وبين أنه سيقدم تحت كل باب من الأبواب الروايات الأسلم من العيوب، وكذلك الأنقى من حيث الرواة، ثم ذكر معنى النقاء. وبين أنه قد يخرج حديث الصنف الثاني، وهم من جملة الثقات، إلا أنهم لا يبلغون درجة الثقات الحفاظ في كل طبقة من الطبقات. ثم بين الإمام أننا لابد أن ننزل الناس منازلهم، وألا نرفع من قدره يعني قليلاً، ولا نعظم الهين ولا نستهن بالعظيم، فلا نقصر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا نرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، إلى آخر ما ذكر.

ثم الآن بين الصنف الثالث من الرواة، قال رحمه الله: فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا عَنْ قَوْمٍ، فاما ما كان منها أي الأخبار؛ يعني الأخبار التي كانت تدور على الرواة المتهمين. قال: فأما ما كان منها يعني أي من الأخبار، عن قوم يقصد مدار الأحاديث عن قوم، لا يقصد فقط أنهم مجرد رواة وإنما هم تدور عليهم الأسانيد، يعني أنهم أساس في هذا الإسناد، ليسوا فقط مجرد رواة؛ لأن أحياناً يكون في بعض طرق الحديث راو ضعيف ومع ذلك يصح الحديث، لكنه قصد هنا أن يكون الراوي المتهم هو مدار الحديث، يعني تلتقي عنده الأسانيد ويكون عصباً في هذا الحديث، فبالتالي لا تقبل روايته.

فقال رحمه الله: فأما ما كان منها أي الأخبار عن قوم، عن قوم هم عند أهل الحديث، يقصد بأهل الحديث يا شباب ليس مجرد الرواة، وإنما يقصد بأهل الحديث علماء الجرح والتعديل أو علماء العلل؛ يعني عند شعبة والثوري، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن مسلم بن وارة، وآل البخاري ومسلم وهؤلاء. يعني يقصد أهل الحديث ليس مجرد رواة الحديث، وإنما أئمة الحديث. وهذا يؤكد أن الإمام مسلم رحمه الله أيضاً يرجع إلى أهل الحديث، وهذا من أخص ما تميز به الإمام مسلم، أنه في أحكامه على الأحاديث أو على الرواة فإنه لا يخالف أئمة الحديث، بل هو متفق معهم يصدر عنهم ويوافقهم وهو من أجل هؤلاء.

ومع ذلك يتبع حكم هؤلاء، وهذا يا شباب يوضح أخطاء كثيرة وقع فيها بعض المتأخرين، أنهم يحكمون على الأسانيد وعلى الرواة بنظرة سطحية بمجرد الحكم العام على الراوي، ويظنون أن الراوي الذي قيل إنه ثقة، قيل إنه ثقة هذا يكون حديثه صحيحاً دائماً، والراوي الذي قيل إنه صدوق يكون حديثه حسناً دائماً، والراوي الضعيف يكون حديثه ضعيفاً دائماً. هذه النظرة السطحية سببها الأصلي أمران: أنهم أساساً لم يفقهوا الفرق بين الحكم العام والحكم الخاص.

فالحكم العام شيء والحكم الخاص شيء، كما ذكرت لكم؛ طالب مثلاً جاب تسعين بالمية في الثانوية العامة، لكنه في مادة الإنجليزي جاب خمسين بالمية، وفي مادة اللغة العربية جاب مية بالمية، فالحكم العام أنه تسعين بالمية، لكن كل مادة له فيها حكم، فكذلك الراوي. فهذا هو الخطا الأول. الخطا الثاني عندهم: أنهم لم يرجعوا إلى أئمة الحديث ولم يصدروا عنهم، وللاسف هذا جعلهم إما أنهم لا يلتفتون أساساً إلى كتب الائمه في العلل والرجال والحكم على الرواة والروايات، أو أنهم يتعمدون مخالفتهم، وبعضهم يعني يتطاول في الحكم، كما قرأت في بعض التعليقات أن بعضهم قال لعلي بن المديني، يعني بعض المحققين المعاصرين: والله لم يكن يفهم ما يقول، قال لعلي بن المديني: ما هكذا تعلل الأحاديث يا ابن المديني بنفس الطريقة السافلة هذه، وهو لا يدري، لا يدري أن البخاري رحمه الله يقول: ما استصغرت نفسي إلا بين يدي... أو العكس.

أقصد، أقصد أن علي بن المديني كان البخاري يبجله، وهو إمام العلل، والذي تعلموا منه هم أحمد ويحيى بن معين، وهو أكبر أئمة العلل، ومع ذلك يقول له هذا الشاب الذي لا يدري أساساً ما يقول، يسخر منه ويقول: ما هكذا تعلل الأحاديث! وبعضهم مثلاً يتعجب من الدارقطني، يقول له: كيف توثق شعبة وتقول إنه أمير المؤمنين في الحديث، ثم بعد ذلك تضاعف له رواية بعينها؟ لا يدري الفرق بين الحكم العام والحكم الخاص.

إذاً يا شباب، إذا كان الإمام مسلم رحمه الله وهو من أجل وأكبر أئمة الحديث يرجع إلى حكم من سبقوه من أئمة الحديث، فكيف بمن بعده؟ قال: فأما ما كان منها يعني من الأخبار عن قوم هم عن قوم، اللي هم الرواة، عن قوم هم عند أهل الحديث، يعني عند أئمة الجرح والتعديل ذكرت لكم.

أسماؤهم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند الأكثر منهم؛ فلسنا نشأ بتخريج حديثهم. التهمة يا شباب، أو الجرح عموماً، يكون في العدالة ويكون في الضبط. فيكون في العدالة، يكون مثلاً أعلاه التهمة بالكذب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو التهمة بالكذب في حديث الناس، أو التهمة بالفسق، أو بسرقة الحديث، أو بالبدعة، أو بالجهالة، هذا مما يقدح به في العدالة، مع أن البدعة لها تفاصيل سياتي ذكرها إن شاء الله.

كذلك الجرح أو الطعن في باب الضبط، قد يكون بأن الراوي، محمد عبد الحميد كاتب، هل لو عرفنا أسماءهم كي نحذر من تحقيقاتهم؟ والله، وأنت ستجد يعني طرفاً منهم في كتاب للشيخ طارق عوض الله اسمه الاعتبارات بتقوية الحديث بالشواهد والمتابعات، ذكر فيه يعني بعض كتب هؤلاء وبين أخطاءهم في التحقيق، ولكن أنا أفرق هنا بين نوعين: بين الذين اعتمدوا طريقة في التصحيح والتضعيف لم يكن عليها الأئمة السابقون، وبين السفلة من بعض هؤلاء المحققين الذين جمعوا بين الجهل وبين سوء الخلق.

فالشيخ طارق عوض الله حفظه الله اعتنى بالصنف الأول وهم الذين منسوبون إلى العلم، ولكنهم للأسف يقوون الروايات بطريقة لم يكن يفعلها أئمة العلم؛ مجرد كثرة الروايات يعني تجعلهم يقوون الحديث، بينما تكون كثرة الروايات شاهدة على ضعف الحديث. فبشكل عام هؤلاء ولله الحمد، يعني الأخ الكريم الذي طلب أسماءهم، هم ولله الحمد ليسوا معروفين أصلاً، وإنما أغلب المشهورين في التحقيق يعني هم إجمالاً من أهل الخير، ولكن لعلك تسأل العكس، لعلك تسأل السؤال بشكل عكسي، تقول: من هم المحققون الأفضل الذين يمكن أن نعتني بتحقيقهم؟ وهذا في رأيي جيد، مثلاً: عبد الله بن يوسف الجديع تحقيقاته ممتازة من ناحية جمع الطرق، كذلك الشيخ طارق عوض الله، الشيخ أبو اسحاق الحويني من حيث كذلك جمع الروايات، الكتب المكتوب عليها حققها بشار عواد أو شعيب الأرنؤوط، هذه الكتب في إجمالها هي كتب جيدة، ولكن هم ليسوا المحققين لها، أو على الأقل كان يشاركهم بعض طلاب العلم، لذلك خرجت كتبهم ليست على مستوى واحد في التحقيق والتخريج.

من ذلك مثلاً مسند أحمد وتهذيب الكمال، فهذه الكتب سواء لبشار عواد أو لشعيب الأرنؤوط، رحم الله من مات منهم وبارك فيمن حي منهم، كتب في إجمالها فيها مجهود كبير جداً من ناحية جمع طرق الحديث، أما الحكم على الروايات أو التعليق على الاحاديث فكثيراً ما يكون تعليقاً خطأً، وكثيراً ما يكون مخالفاً حتى من ناحية معاني الحديث، وإذا كان في باب الأسماء والصفات أو الإيمان أو نحو ذلك قد يقع فيهم أخطاء، وأنا تتبعت تخريج مسند أحمد فوجدت أن المجموعة التي حققت هذا الكتاب وإن قاموا بمجهود كبير جداً في الكتاب إلا أن مستوياتهم مختلفة تماماً، يعني متنوعة؛ أحياناً أجد بعض التحقيقات على بعض الأجزاء متميزة جداً، وأحياناً تكون ضعيفة، وأحياناً يكون عليها تعليقات عقدية ضعيفة جداً.

فبشكل عام، يعني هؤلاء مثلًا عبد الله الجديع كما ذكرت لك، أبو إسحاق الحويني، طارق عوض الله، كذلك مشهور حسن، بشار عواد، شعيب الأرنؤوط، يعني هؤلاء تحقيقاتهم يعني أقرب إلى الإفادة وأقرب إلى منهج الأئمة بشكل عام، وإن كان طبعاً بعضهم أعلى من بعض؛ يعني أنا أحب تحقيقات الشيخ طارق عوض الله أكثر، وأحب تعليقات أو تحقيقات كذلك عبد الله الجديع، هي أقرب كمان لعلمه بهذا. فأنا في رأيي أن الاهتمام بهؤلاء أفضل من أنك أنت تعرف الطرف الآخر.

طيب، قال رحمه الله: طب يبقى اتفقنا يا شباب أن التهمة أو الجرح عموماً بابان: باب العدالة وباب الضبط. باب الضبط مثلاً كان يوصف بأنه سيء الحفظ، أو مختلط، أو فاحش الخطأ، أو كثير الخطأ، أو منكر الحديث، أو يقبل التلقين. التهمة يا شباب هي الظنة، يعني أن هذا الشخص متهم.

طيب، متهم يعني إيه يا شباب؟ متهم يعني أنه رؤي في رواياتهم علامات الكذب، لكن لم يقطع بكونه كذاباً. فإحنا عندنا، يعني إذا حكم على راوي بأنه متهم بالكذب، فهذا يعني أن الروايات التي رواها تظهر عليها سيم الكذب، لكن لم يقطع بذلك. فالجرح يا شباب إذا صدر من عالم معتبر في راوٍ بأنه متهم بالكذب، فهذا جرح عظيم الأثر، واضح. لكن مع ذلك لابد من جمع كلام النقاد والبحث عن أسباب تهمة ذلك العالم لهذا الراوي، وهل المراد بالكذب هنا شدة الغفلة، أن هذا الراوي مغفل ويخطئ من جهة ضعف الحفظ، أو يعني يخطئ بشكل عام بغير قصد، أم أنه متعمد؟ هذا مهم جداً؛ لأن الكذب في لسان العلماء قد يراد به، كما قال بعض العلماء: إن الكذب يجري على ألسنة كثير من العباد وهم لا يشعرون أو لا يقصدون. فالكذب بشكل عام هو مخالفة الواقع، قد يكون بتعمد وغير تعمد.

لكن التهمة بالكذب هي من أعلى الأوصاف التي يوصف بها الراوي في رد حديثه، وطبعاً أعلى وصف هو كذاب أو وضاع، هذا أشد الأوصاف، لكن بعده التهمة بالكذب. فهذا مهم جداً، لكن لابد، قد يتحقق ذلك يا شباب، قد يتحقق باعترافه، يعترف هو كما اعتراف بعض الوضاعين، وقد ينزل ذلك منزلة الاعتراف بأن يشهد أصحابه، أو يشهد إمام من الأئمة أنه كان يضع الحديث ويتعمد ذلك، وهكذا. فأما التهمة بالكذب وهذا هو أغلب الحال، أغلب الحال يا شباب هو أن يكون متهماً بالكذب لا أن يكون صرح هو بأنه كذاب، يعني يتهمه عالم، عالم ينظر إلى رواياته فيجد أن هذه الروايات مكذوبه، يعني يقطع العالم بأن هذه الروايات مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يحمل هذا الراوي هذه الأخطاء أو هذه الكذبات.

وبالتمثيل شخصاً ما بأنه كذاب، أولاً أن يجد في حديثه روايات مكذوبة، يبقى هذا أول شيء. وثانياً أن يحمله هو الكذب، يعني يجعله هو المتحمل للكذب؛ لأن أنت عارف الكذب قد يأتي من أكثر من راوي. وآخر شيء أنه يجعل ذلك من باب التعمد وليس من باب الغفلة، وهذا يا شباب مداره على الاجتهاد، وكثيراً ما يقع خلاف، يمكن أن يحكم عالم من العلماء بأن هذا الراوي متهم بالكذب وغيره يجعله ليس كذلك، يجعله مثلاً صدوقاً، أو يجعله يعني يجري الكذب عليه من باب الغفلة.

فإذاً هذا يا شباب مداره على الاجتهاد، فالحكم على الراوي هو مداره على الاجتهاد، فلذلك يا شباب لابد من انحطاط، ليس مجرد أن يتهم راوٍ بالكذب هذا يجعل حديثه موضوعاً؛ لا، لأنه أولاً قد يعارض هذا بثناء بعض العلماء، وقد يفسر هذا بنوع من الخطأ، ولا يكون المقصود منه أنه يضع الحديث. ومما جاء في ذلك، يعني يبين هذا الأمر، أن ابن أبي حاتم رحمه الله قال في ترجمة أحمد بن إبراهيم الحلبي: سالت أبي عنه وعرضت عليه حديثه فقال: لا أعرفه، وأحاديثه باطلة موضوعة كلها ليس لها أصول، يدل حديثه على أنه كذاب.

فنلاحظ هنا أن أبا حاتم الرازي لم يكن يعرف هذا الرجل اللي هو أحمد الحلبي، ولكن حكم على أحاديثه بأنها باطلة وموضوعة كلها، كل هذه الأحاديث ليس لها أصول، يعني ليس لها أصول صحيحة. ثم قال: يدل حديثه على أنه كذاب. فهذا يفيد فائدتين: الأولى أنه حكم عليه بالنسبة للحكم على حديثه، واضح كده؟ فوجود الكذب في حديثه جعله يحكم عليه بأنه هو الذي كذب هذه الأحاديث. وهذا يؤكد يا شباب أن هذا محل اجتهاد، وأن الحكم على الراوي مستنبط من الحكم على رواياته.

أيضاً كذلك يا شباب، لما ابن أبي حاتم سال أباه عن حديث رواه عبد الكريم الجرجاني عن الحسن بن مسلم عن الحسين بن واقد عن ابن بريدة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: من حبس العنب أيام القطاف ليبيع من يهودي أو نصراني كان له من الله مقت. قال أبو حاتم معلقاً على هذا الحديث يا شباب: هذا حديث كذب باطل. قال ابنه: قلت: تعرف عبد الكريم هذا اللي هو عبد الكريم الجرجاني، هل تعرفه؟

يعني قال لا قلت: فتعرف الحسن بن مسلم؟ قال: لا. ولكن تدل رواياتهم على الكذب.

يبقى إذاً الناقد لم يكن يعرفه، يعني لم يكن يعرف أنه كذاب أو لم يعرف سيرته، لكنه بنى حكمه عليه بناءً على تلك الروايات. واضح كده يا شباب؟ فهذا مهم جداً.

وأحياناً يوصف بعض الرواة بالكذب وعند التحقيق لا يثبت الكذب عليهم، مثلاً كما وصف عكرمة بن عكرم مولى ابن عباس، فعكرمة بعض العلماء نسبوه إلى الكذب، مثلاً نسبه إلى الكذب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير في بعض الحكايات يعني ونقل ذلك عن غيرهما، ولم يثبت، ومع ذلك روى عنه الأئمة وعلم أنهم إنما وصفوه بذلك لكونه كان من اتباع الخوارج الفرية وكان ينشر هذا المذهب، يعني كان يدعو لهذه البدعة، ومع ذلك قبله عدد من أهل العلم واحتج بحديثه، وابن أبي حاتم لما سأل أباه عن عكرمة فقال: هو ثقة، قلت: يحتج بحديثه؟ قال: نعم إذا روى عنه الثقات.

والذي أنكر عليه يحيى بن سعيد الأنصاري ومالك فلسبب رأيه. يبقى إذاً هنا هذا يؤكد لك أن الراوي قد يتهم بالكذب وقد لا يثبت، قد لا تثبت التهمة عليه من وجه، أو قد تفسر هذه التهمة بنوع من الخطأ وليس هو الكذب اللي هو تعمد الكذب أو وضع الرواية.

فهذا يا شباب لابد فيه من الدقة، يعني لابد أن يكون الإنسان دقيقاً، ليس مجرد أن يتهم راوٍ بالكذب نصدق ذلك ونطرح رواية الراوي.

كذلك شباب مثلاً عفان بن مسلم قال في روح بن أسلم الباهلي: كذاب، ومع ذلك ابن معين مع شدته في الحكم لم يقل عنه إنه كذاب، وإنما قال: ليس بذلك، لم يكن من أهل الكذب، يعني نفي عنه الكذب وبين أنه ضعيف.

وهذا مهم جداً يا شباب، لأن الرواة مراتب، لا تظن أن الضعفاء مرتبة واحدة، لا، الضعفاء مراتب. والإمام أحمد قال: الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، فالراوي الذي قيل فيه إنه كذاب هذا لا تتقوى روايته ولا تقوي غيرها، أما الراوي الضعيف فهذا يحتمل في بعض المواضع.

فالشاهد يا شباب من هنا أن التهمة بالكذب هذه اجتهاد لابد أن نتحقق من ثبوتها وأن نتحقق من معناها.

واضح؟ حتى كذلك عثمان الدارمي نقل عن يحيى بن معين في القاسم بن محمد المعمري البغدادي قال: خبيث كذاب، فتعقبه الدارمي. وعثمان بن سعيد الدارمي يا شباب هو في رأيي أفضل طلاب يحيى بن معين، لأنه كان لا ينقل فقط أقواله بل كان أحياناً يعارضه ويخالفه ويعلق عليه، بخلاف مثلاً الدوري أو ابن طهمان أو غيرهم، هؤلاء من الأكابر عنه ولكن لم يكن -أو لم أرى، لم أطلع أنا- على نقد لهم أو تعقب أو تعقيب على كلام ابن معين.

الدارمي تعقب يحيى بن معين فقال: وقد أدركت القاسم هذا وكان ببغداد ليس كما قال يحيى. يبقى إذاً الدارمي مع أنه سمع قول يحيى بن معين في القاسم بن محمد المعمري البغدادي أنه قال: خبيث كذاب، تعقبه قال: لا، أنا عرفته وقابلته ولم أرى فيه ما قاله يحيى. فهذا مهم جداً يا شباب، ووثقه قتيبه بن سعيد وابن حبان، وقال ابن حجر عنه: صدوق، ونقل عثمان الدارمي أن ابن معين كذبه ولم يثبت، ولم يثبت ذلك -أو لم يثبت ذلك، يعني لم يثبت منه الكذب- فهذا شباب مهم جداً.

فخلاص هذه الفكرة: أن الوصف بالكذب بداية قد يكون معناه أنه بتعمد أو أنه يجري الكذب على لسانه دون قصد. يبقى هذه أول فائدة.

الفائدة الثانية: أن التهمة بالكذب معناها أن العالم اجتهد فوصفه بالكذب، قد يكون ذلك ثابتاً في حق هذا الراوي وقد يكون غير ثابت، فلا بد من جمع كلام النقاد ولا بد من معرفة معنى الكذب ولا بد من تفسير هذا الكذب؛ ربما يكون بمعنى الغفلة، وربما يكون بمعنى البدعة، وربما يكون -كما وصف الحارث الأعور بأنه كان كذاباً يعني في رأيه يعني كان على بدعة- فربما يكون للغفلة، وربما يكون للبدعة، وربما يكون بوضع الحديث فعلاً، وربما يكون كذاباً في حديث الناس. فكل هذا لابد من تفسيره.

وشباب، هنا في فائدة جديدة: ليس كل حديث يوصف بالوضع أو الكذب يجب أن يكون الراوي كذاباً، لماذا يا شباب؟ لأن الوصف بالكذب يرجع للرواية وليس للراوي، فإذا حكم العلماء بأن رواية ما موضوعة أو مكذوبة هذا حكم للرواية، قد يتعدى ذلك إلى الراوي وقد لا يتعدى.

مثلاً جباره بن المغلس الحماني قال فيه يحيى بن معين: كذاب، لكن قال أبو زرعة: قال لي ابن نمير -وهو من أئمة فالذين كان يؤخذ عنهم القول في الرجال- قال لي ابن نمير: ما هو عندي ممن يكذب. قلت: كتبت عنه؟ قال: نعم. قلت: تحدث عنه؟ قال: لا. قلت: ما حاله؟ قال: كان يوضع له الحديث فيحدث به وما كان عندي ممن يتعمد الكذب.

فهذه مهمة جداً يا شباب، نلاحظ أننا كلما تعمقنا في عبارات الأئمة كلما عرفنا وجهها وتفسيرها ومعناها، وكلما جمع كلام العلماء في الباب الواحد يفسر يعني بعضهم كلام بعض وبعضهم يتعقب على بعض، وسياتي عندنا باب اللي هو تعارض الجرح والتعديل إن شاء الله، ومر معنا قبل ذلك، فهذا مهم جداً يا شباب.

لكن إذا قام الدليل على وصف راوي بأنه كذاب فهذا يجزم بأنه كذاب، كما مثلاً في خالد بن القاسم المدائني قال يحيى بن حسان وكان ثقة: يلزق أحاديث الليث بن سعد إذا كانت عن الزهري عن ابن عمر أدخل سالماً، وإذا كانت عن الزهري عن عائشة أدخل عروة. قلت له: اتق الله. قال: ويجيء أحد يعرف هذا؟ يعني هذا كان يعني إذا ثبت أنه يتعمد الكذب أو يركب إسناداً على متن فهذا لا شك أنه كذاب وأنه يعني يتقى حديثه. واضح كده يا شباب؟ فأرجو أن يكون هذا واضحاً.

ومن كانت عامة أحاديثه مكذوبة فهو ساقط لا يجوز أن يعتبر بحديثه، فهو لا يقوي ولا يتقوى، كما مثلاً قال يحيى بن معين في عبد الحكيم بن منصور الواسطي: كذاب. وقال أبو حاتم الرازي: لا يكتب حديثه، ولم يختلفوا في أنه متروك الحديث. فهذا مهم جداً يا شباب الاعتبار هذه الأمور، أرجو أن يكون الكلام واضحاً.

طيب نكمل يا شباب. قال رحمه الله: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون أو عند الأكثر منهم.

نلاحظ أن الإمام مسلم هنا يعتمد، يعني شوف يا شباب، مجرد أن الإمام مسلم رحمه الله يعتبر كلام الأئمة ويرجع إلى نقد العلماء الذين سبقوه هذا يقوي كل النتائج التي يصل إليها مسلم، لأنه يبين لك منبع هذه النتائج. فالإمام مسلم كان من أكابر أهل العلم ومع ذلك كان يرجع لأئمة العلل، كان يرجع للبخاري ولأبي زرعة ولغيرهما ويرجع لكلام من سبقوه، فهو يراجع كلام العلماء في الرواة الذين يعني يريد أن يخرج حديثهم.

قال: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، يعني هذا بإجماع، أو عند الأكثر منهم، يعني الأغلب من علماء الحديث أنهم اتهموه، فلسنا نتشا -شوف- فلسنا نتشا بتخريج حديثهم.

هذا شباب فيه فائدة مهمة جداً، هذا فيه فائدة مهمة وهي أن الإمام مسلم كتب هذه الاحاديث والائمة كانوا يكتبون أحاديث الضعفاء والوضع لمعرفة والتمييز، لكنهم لم يخرجوها من جهة يعني لم يروها في كتبهم اللي هي كتب الصحيح أو الكتب الفقهية ولم يتشاغل بها ولا باستنباط المعاني منها والأحكام منها. فقوله هنا: فلسنا نتشا بتخريج حديثهم، هذه دقيقة، ففرق بين كتابة الحديث وبين رواية الحديث وبين الاحتجاج بالحديث.

فالإمام مسلم يقول: هؤلاء وإن كان عندي حديثهم وأنا على اطلاع به إلا أني لا أتشا بهم لأنهم متهمون عند أكثر أهل العلم أو عند كل أهل العلم بالحديث. واضح يا شباب؟

طيب، فهذه الفائدة أرجو أن هي تكون منك على بال، اللي هي فائدة أن الأئمة يروون الأحاديث للاعتبار أو للتمييز. ويمكن هنا أن نذكر بعض الفوائد في هذا وهي أن الإمام

أحمد حينما كان يكتب حديث أبان بن أبي عياش عن أنس، وسأله ابن معين: لماذا تكتب هذه الصحيفة وتعلم أنها موضوعة؟ فأخبره أنه يفعل ذلك حتى يميزها الناس، وحتى لا يقلب أحد الحديث فيجعله من رواية ثابت عن أنس، فيقلب هذه الأحاديث للناس. وأرجو أني ذكرت لكم هذا كثيراً، هو عناية العلماء بكتابة الأحاديث عن الضعفاء والوضع من باب الاعتبار أو التحذير. وهذا يا شباب تجده كثيراً موجوداً في الكتب التي اعتنت برواية الضعفاء للتحذير منها، أو الاستدلال على ضعفهم، مثل كتاب الكامل لابن عدي، وكتاب المجروحين لابن حبان، والضعفاء للعقيلي، وكتاب ميزان الاعتدال للذهبي.

طيب، نلاحظ هنا يا شباب أن الإمام مسلماً رحمه الله لم يترك هذا الكلام إلا بالتمثيل، وهذا من أجمل ما في الكتاب، ونلاحظ هنا جودة الأمثلة. قال: فلسنا نشتغل بتخريج حديثهم كعبد الله بن مسور، يعني كمثال للرواة الذين اتهموا عند أهل العلم أو عند أكثرهم، وأن الإمام مسلماً لم يشتغل بتخريج حديثهم، فضرب لك أمثلة حتى تتضح القاعدة بالمثال. وهذا يا شباب أجود ما عند الأئمة؛ الأئمة المتقدمون لم يكن عندهم قواعد جامدة، كانت هذه القواعد أساساً مستنبطة من الأمثلة التطبيقية، بعكس كثير من المتأخرين.

فأنا في رأي أن هذه الأمثلة من احسن ما ذكره الإمام رحمه الله من جهتين: أولاً، أنه ذكر أسماء رواة يكثر وجودهم في الروايات، ودائماً المعنى الذي يكثر حاجة الطالب إليه ينبغي للمعلم أن يكثر منه، فهؤلاء الرواة أسماءهم مشهورة ومعروفة ومتداولة. وجودة المثال من الجهة الثانية أن هؤلاء بالفعل اتفق الأئمة أو أغلب الأئمة على اتهامهم بالكذب أو ترك حديثهم. فأنا يا شباب صراحة عندي انبهار بالإمام مسلم رحمه الله؛ الإمام مسلم وطبعا يعني قبله الإمام الشافعي رحمه الله.

في الواقع الإمام مسلم يا شباب في كل كلمة يعبر بها عن الفكرة، أو في الأمثلة التي يضربها على أعلى ما يكون، يعني يوفي بالامثلة التي يذكرها تماماً، يعني المثال مطابق للعنوان. هو قال هنا: فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون، أو عند أكثرهم كعبد الله بن مسور، كل المذكورين هنا في التمثيل ينطبق عليهم هذا الوصف تماماً. فعبد الله مثلاً بن المسور، أنا لا اريد أن اترجم لكل هؤلاء طبعا يا شباب، لانه ليس هو المقصود من مدارسة الكتاب، ولكن ساقف على جودة الأمثلة.

عبد الله بن مسور اللي هو أبو جعفر المدائني، هذا الإمام مسلم أولاً ذكره، نلاحظ أنه ذكره باسمه وذكره بلقبه وكنيته المشهوره بها، وهذا جميل لأنه أحياناً يذكر بهذا ويذكر بهذا، فهذه فائدة، مثل سليمان بن مهران الأعمش، فأحياناً يذكر الأعمش وأحياناً يذكر سليمان، فهو لما أنا أقول لك سليمان بن مهران الأعمش هذه فيها فائدة، يحيى بن سعيد القطان أو القطان، يبقى هذه فائدة لأنك ستعرف، قد تقابله بلقبه، وقد تقابله بكنيته، وقد تقابله باسمه، فهذا فائدة.

كلام النقاد على هذا الرجل يا شباب دائر بين التهمة بالكذب وانه متروك أو يضع الحديث أو منكر الحديث، أو أحاديثه ليس لها أصل، أو أنه يفتعل الحديث. وهذا الرجل بالفعل متفق على الطعن فيه وفي أحاديثه ومشحور بالوضع، فمن هنا يا شباب يظهر جودة التمثيل من الإمام مسلم رحمه الله.

كذلك الراوي الآخر الذي ذكره هو عمرو بن خالد، وعمرو بن خالد هذا هو القرشي، هو كذلك متهم بالترك والكذب، وأحاديثه موضوعة، وغير ثقة، وكذاب، وذاهب الحديث، ولا يشتغل بحديثه، نفس الكلام يا شباب. وكذلك عبد القدوس الشامي، عبد القدوس الشامي أيضاً، وطبعا عبد القدوس الشامي هذا يا شباب يعني فضحه ابن المبارك وقال عنه كذاب، وقال الفلاس أجمع على تركه وهو منكر الحديث، لكنه بخلاف راوي آخر.

هناك راوي آخر يا شباب اسمه عبد القدوس بن الحجاج الحمصي، أيضاً ينسب للشام، ولكن هذا ثقة وروى له الجماعة، وهو كنيته أبو المغيرة الخولاني، وهذا يروي عن الأوزاعي، ففي خلاف بين عبد القدوس بن حبيب الشامي هذا دمشقي هذا هو الوضاع أو الكذاب، وعبد القدوس بن الحجاج هذا حمصي يروي عن الأوزاعي وهو من الثقات.

أيضاً يا شباب هذا من جودة التمثيل، كذلك محمد بن سعيد المصلوب، أيضاً هو من أشهر الأمثلة على الوضاعين والكذابين، وهذا يا شباب يؤكد جودة الإمام مسلم في الأمثلة. وكذلك غياث بن إراهيم نفس الشيء، هو غياث النخعي، وكان الشيخ محمد عمرو رحمه الله وهو يدرس لنا كان يقول، حينما يقرأ أسماء هؤلاء: تقريبا كلمة النخع المشهورة في مصر يقول لك فلان ده بينخ يعني بيكذب، كأنها منسوبة لهؤلاء.

لأن أغلبهم، كثير من اللي هو آخره نخعي مثلاً، حتى اللي بعده سليمان بن عمرو النخعي اللي هو أبو داود النخعي برضه نفس الكلام، وإن كان طبعا إراهيم النخعي ده من أئمة الحفظ لكن كأنه استثناء. فأيضاً غياث بن إراهيم هذا النخعي متهم بالوضع ومتروك، وكذلك سليمان بن عمرو أبو داود النخعي أيضاً كذلك متهم بنفس هذه التهمه، وسواء ذلك باعترافهم أو عرف من حديثهم واتهمهم العلماء.

قال رحمه الله: وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار. يعني يقول هؤلاء المتهمون وأشباههم، أنا ذكرت لك الأمثلة المشهورة لكن كل من كان على مثل هؤلاء، ممن يولد الأخبار، يولد الأخبار يعني يفتعلها، يففتريها، يكذبها، يضعها، كل هذا يعني وضع الأخبار وضع الأحاديث وتوليد الأخبار، هذا كأنه بنفس المعنى من لفظ كلمة توليد، هي جديدة لم أقرأها لأحد من أئمة الحديث قبل ذلك، وهو لفظ يدل على أنهم أنشأوها وابتدعوها. يبقى الإمام مسلم بين هنا يا شباب أنه لا يشتغل بتخريج حديث هذا الصنف من الرواة.

قال رحمه الله: وكذلك، وكذلك هذه معطوفه على الأصناف التي لا يشتغل بتخريج حديثها، يعني كأنه يقول: أنا لن أخرج للمتهمين بالكذب ولن أخرج لهؤلاء الذين ياتي ذكرهم. قال: وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضاً عن حديثهم. وكذلك من عرفنا أن الغالب على حديثه المنكر، والمنكر يا شباب هو الخطا، يعني العلماء يعبرون بالنكار، سواء كان هذا الخطا في روايات الثقات أو في روايات الضعفاء، المنكر أبداً منكر، يعني الخطا يرد من كل من جاء منه، سواء كان ثقة أو ضعيفاً، وأياً كان نوع الخطا.

ولكن نلاحظ أن الإمام مسلماً قال: وكذلك من الغالب على حديثه المنكر. إذاً الثقات يخطئون، لكن ليس الغالب عليهم النكارة والخطا. يبقى هنا يا شباب الإمام مسلم يلفت نظرك إلى ماذا؟ إلى أن مجرد خطا الراوي أو كثرة أخطاء الراوي لا تجعل حديثه منكراً، وإنما ننظر في قدر الأحاديث التي رواها، ونسبة الصواب إلى الخطا، أو الخطا إلى الصواب.

قال: وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط. كأنه يريد بالمنكر هو الاختلاف في الرواية، أو كأنه الخطا الذي اكتشفناه بمعارضة روايات الراوي، أو عرض روايات الراوي على غيره من الثقات، أياً كان، سواء كان ضعيفاً أو ثقة، ويريد بالغلط الذي هو الوهم. قال: أمسكنا عن حديثهم.

طيب، سؤال يا شباب يمكن أن نفقر فيه لمدة دقيقة: ما الفرق بين هذا الصنف والصنف الذي قبله؟ وهو هنا قال إن هؤلاء لن أشتغل بحديثهم، فلماذا جعل هذا الصنف غير الصنف الذي قبله؟ لماذا ميزه مع أنه لن يشتغل بحديثه كما لم يتشاغل بتخريج حديث القوم الذين سبقوه؟ ما الفرق بينهما؟ نفكر كدة شوية يا شباب.

الفرق يا شباب هو أن الصنف الأول أحاديثهم منكرة لكنها وصفت بالكذب، والكذب هو القطع بخطا الراوي، والتحقق من كون الرواية أو الحديث موضوعاً أو مكذوباً، واضح؟ فهذا جعلهم متهمين بالكذب أو بافتعال الحديث، إنما الصنف الثاني يقع منهم أخطاء كثيرة قد تكون في الإسناد ويكون المتن صحيحاً، وقد يكون مثلاً بزيادة أو بنقص، أو بإبدال راوٍ براوٍ. فالصنف الثاني يكثر منه الخطا والمخالفة نعم، لكنه لا ينسب إلى.

التهمه يعني لا ينسب إلى أنه وضاع أو كذاب، وإن كان بعضهم نسب لأن هذا أمر يعني اجتهادي، فالشاهد أن الفرق الذي يظهر لي بين هؤلاء وهؤلاء أن الصنف الأول يظهر في أحاديثهم نعم الأول محمد كتب الأول في تعمد كذب أو غلبة خطأ، والثاني قد يكون ذو صلاح لكن قلة ضبط نعم يا محمد أحسنت، طيب.

قال أمْسَكنا أيضاً عن حديثهم يعني لم نشتغل، مع أنه يمكن أن يكون عارف عالما به، ويمكن كذلك أن يكون يمكن كذلك أن يكون عنده حديثه ويعلمه، لكنه لم يخرجه لأن كتابه هذا خاص بالصحيح؛ لأنه سيبنى عليه الأحكام، وهذا شباب مهم جداً، وأنا في قصة جميلة أنا أحبها أن الأئمة كانوا ينتقدون أحاديث هؤلاء الكذابين، وهي قصة يعني تحفز طالب العلم على طلب علوم الحديث والصبر على طلب العلم.

لما بعض الملوك أراد أو الخلفاء أراد أن يقتل رجلاً زنديقاً كان يضع الأحاديث، فالرجل التفت إليه وقال يعني أنا وضعت بيدي هاتين يعني مئات الآلاف من الأحاديث أحل فيها الحرام وأحلل أحل فيها الحرام وأحرم فيها الحلال، فيعني كان الرجل يقول له: يجب عليك أن تبقيني حتى أبين لك هذه الأحاديث، قال قال له: كيف أنت يا عدو الله وعندي أبو إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك يتخلل انها نخلاً يعني بيقول له إن أنت مهما تكذب عندي علماء ثقات يستطيعون كشف كذبك.

وهذا جميل جداً يا شباب أن الإنسان لابد أن يجتهد في بيان الحق، ويدعو أن يكون ممن ينصرون الله تبارك وتعالى، ودائماً يا شباب طلاب العلم وعلماء الإسلام الكبار هم أمنة للناس يعني الناس يثقون فيهم ويرجعون إليهم عند الفتن وعند المصائب وعند النوازل وعند الشبهات، سواء في أنهم يلتمسون عندهم المحكمات والأجوبة أو في أن هؤلاء يذبون عن دين الإسلام ويدافعون عن دين الإسلام ويردون على الفسقة والفجرة الذين يريدون أن يشككوا الناس في دينهم ويطمسوا معالم دينهم.

طيب، هذا أيضاً يا شباب مهم جداً، وهو أن المنكر الرواية المنكر هي خطأ والحديث المنكر أبداً منكر يعني إيه يعني ها الرواية التي تحققنا فيها من خطأ الراوي هذه الرواية لا تقوي ولا تتقوى، خلاص كده، سواء كان المخطئ من أعالي الرواة أو كان من أضعف الرواة، واضح كده يا شباب؟ والامام أحمد له مقولة مشهورة: الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبداً منكر، وهي في رأي من الكلمات التأسيسية.

وقال: الحديث عن الضعفاء يعني إذا رايت حديثاً في إسناده بعض الضعفاء لا تتعجل في رده ولا تقبله، وإنما قد تحتاج إليه؛ لأنك قد ترى شواهد تشهد لضعفه أو شواهد تشهد لصدقه فتقبله وتعمل به وتنتفع به، والمنكر يعني ما الحديث الذي تحققت كونه خطأ هذا مردود لا يقبل، سواء كان المخطئ أعلى الرواة أو أقل الرواة.

ثم ذكر بعد ذلك شوف من جمال الإامم مسلم أن هو لم يذكر لك فقط هذا، لا، ذكر لك كيف تكتشف النكارة في الحديث، والله يا شباب هذا نسق متكامل في العلم، نسق متكامل صراحة بديع جداً، كلام قليل يؤخذ منه معاني جامعة.

قال رحمه الله: وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على روايات غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، يبقى هو الآن يا شباب يتكلم عن ماذا؟ كيف نعرف نكارة الحديث؟ والنكارة يا شباب هي الخطأ بشكل عام، قد يكون هذا الخطأ إدخال حديث على حديث أو إبدال راوي براوي أو رفع الحديث الموقوف أو وصل الحديث المرسل أو أي صنف من أصناف الخطأ، فكلمة منكر يا شباب هو لفظ عام يعبر به عن كل خطأ في الرواية.

ومن الأخطاء التي أ... فيها الحافظ بن حجر رحمه الله وتبعه عليها نفر كبير من المتاخرين: أنه حصر لفظ المنكر في مخالفة الراوي الضعيف لمن هم أوثق لمن هم أعلى منه أو لمن هم أقل منه ضعفاً، فجعل المنكر هكذا، والشاذ هو مخالفة الثقة للثقات، وهذا ليس صحيحاً يا شباب، نعم هذا نوع من انواع منكر لكنه ليس كل أنواع المنكر، فلفظ المنكر عند العلماء إذا أطلق على الراوي منكر الحديث يعني معناها أنه كثيراً ما يخالف الثقات.

أما إذا أطلق على الرواية فمعناه أن هذه الرواية خطأ أو حصل فيها مخالفة خالف الراوي من هم أولى منه بالضبط أو ثبت خطأ الراوي فيها، أما أن المنكر يطلق على الراوي الضعيف أو مخالفة الضعيف للثقة، واضح من ذلك مثلاً ما رواه الإمام أحمد في المسند ورواه ابن ماجه وعبد بن حميد من طريق بن لهيعة عن عقيل بن أبي خالد، عن عقيل بن خالد، عن الزهري، عن عروة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه زيد بن حارثة رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمني جبريل الوضوء وامرني أن أنضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء.

فهذا هذه الرواية خالف فيها رشدين بن سعد كما عند الإامم أحمد فرواه مرسلاً بدون ذكر زيد يعني رواه عن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الحافظ ابن حجر في الفتح المعروف رواية ابن لهيعة، فوجه الشاهد هنا ابن لهيعة ضعيف ورشدين هذا ضعيف، ولكن ابن لهيعة أقل ضعفا، فهو حكم على أن المعروف هو رواية ابن لهيعة، بينما الرواية الأخرى منكرة.

الشاهد يا شباب أن هذا نوع من مما يسمى بالمنكر، لكن هل أخطاء الثقات أو مخالفات الثقات لمن هم أوثق منهم المخالفة الخطأ يعني هل تسمى منكرة؟ طبعا هذا كثير جداً يا شباب، هذا موجود في تصرفات العلماء، وابن رجب الحنبلي رحمه الله قال: لم أقف لأحد من المتقدمين على حد المنكر في الحديث يعني المنكر من الحديث وتعريفه إلا على ما ذكره أبو بكر البرديجي، وأنا في رأي أنه كان يجب أن يذكر ما ذكره مسلم؛ لأن ماذا ذكره مسلم رحمه الله هو علامة للمنكر، وعلامة المنكر هي تعريف للمنكر.

لكن بشكل عام يا شباب الأئمة استعمل لفظ المنكر في تفرد الثقة يعني إذا تفرد الراوي الثقة بحديث ولم يكن أهلاً للتفرد به يطلق بعض العلماء أنه منكر يعني ليس معروفاً، ليس مشهوراً، أطلق ذلك أحمد بن حنبل وأبو بكر البرديجي ويحيى القطان والنسائي، كذلك مثلاً الحديث الفرد الذي تفرد به راوي ولا يحتمل التفرد يعني وهم فيه ولا يحتمل التفرد، كذلك يسميه بعض العلماء أنه منكر.

وكذلك الحديث الفرد الذي يرويه الصدوق اللي هو راوي يعني من أقل الثقات، كذلك سماه الذهبي منكراً، وكذلك الحديث الذي ينفرد به الضعيف بما لا يعرف من غير طريقه، كذلك هذا يسمى منكراً، وعامة أحاديث يا شباب التي ليست معروفة، أما لكونها ليست مشهورة، أو تفرد بها راوي لا يحتمل تفرده، أو ثبت فيها خطأ الراوي، أو ثبت فيها مخالفة الثقات، كل هذه الأصناف يا شباب تسمى منكرة.

فمن الخطأ هنا شباب من الخطأ ما ذكره ابن حجر رحمه الله أنه حصر مصطلح الخطأ في مخالفة الراوي الضعيف لمن هم أعلى منه أو لمن هم أدنى منه ضعفاً، يعني أقل منه ضعفاً، هذا ليس صحيحاً يا شباب، الإامم أحمد مثلاً في المنتخب من علل الخلال ذكر خطأ الأوزاعي وسماه منكراً، وكذلك بعض العلماء أطلق ذلك، والشيخ طارق عوض الله ذكر فصلاً كبيراً في كتاب لغة المحدث من صفحة 407 إلى صفحة 415، ونحن ذكرنا ذلك بشيء من التوسع الشباب حينما شرحنا هذا الكتاب.

فالخلاصة أن النكارة في كلام العلماء أما أن يقصد بها مطلق التفرد، واما أن يقصد بها التفرد الذي لا يحتمل يعني راوي انفرد وهو لا يحتمل هذا التفرد، أو يقصد بها التفرد الذي ثبت فيه وهم الراوي، ثبت فيه وهم الراوي ولا يتقوى، أو أنه يمكن أن يسمونه أن يسموه بالشاذ يعني الشاذ عندهم والمنكر يعني يمكن أن.

يأتي بنفس المعنى، فبالتالي يا شباب الخطأ هنا في رأي أن يحصر لفظ المنكر، وهذا كان موجوداً عند الحافظ رحمه الله وبعض المتأخرين؛ أنهم يجعلون للمصطلح الواحد دلالة واحدة، ولا يكون ذلك عند الأئمة المتقدمين، بل كل إمام منهم يعبر عن المعنى بأكثر من لفظ وباللحظة. اكتشاف النكارة أو الخطأ أو المخالفة وعلامة المنكر في حديث المحدث، يبقى الآن هو يتكلم عن الحديث وليس عن المحدث، يبقى هذا يا شباب يدخل فيه كل محدث حتى لو كان ثقة.

فقوله وعلامة المنكر في حديث المحدث، يعني الراوي بشكل عام سواء كان ثقَة أو ضعيفاً أو أي راوي، إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، يبقى هو يقول هنا إننا سنعرض هذه الرواية، يعني سنقارن رواية هذا الشخص بأهل طبقته، بالثقات الذين شاركوه في الشيوخ أو في الروايات التي رواها، تمام كده.

الغلط يا شباب هو بمعنى الوهم، فانما النكارة هي الخطأ الذي يكتشف، يعني هذا واضح من كلام مسلم: الخطأ الذي يكتشف بالمقارنة، مقارنة رواية الراوي بغيره من روايات الثقات، فهو يقارنه بأهل طبقته من أهل الحفظ والرضا، فإذا خالفت روايته روايتهم، يعني كان دائماً يخالف الثقات أو لم تكد توافقها، يعني كان الاغلب عليه أنه يخالفها، يبقى إما أنه دائماً يخالف أو الأغلب أنه يخالف.

ما حكم هذا الشخص يا شباب؟ انتقل الآن من الكلام عن الرواية للكلام عن الراوي، كان الأول يتكلم عن الراوي، أقصد كان يتكلم عن الرواية، علامة المنكر في حديث المحدث، يعني النكارة في حديث المحدث تكتشف بهذه الطريقة، أن تعرض رواياته على رواية الثقات الذين يعني شاركوه في الشيخ أو في الروايات.

كمثال مثلاً يا شباب، أنا أريد مثلاً أن أعرف رواية حال قبيصة بن عقبة في الثوري، فآتي بكل الاحاديث التي اشترك فيها قبيصة مع الثقات عن الثوري، مثل ابن المبارك ووكيع وعبد الرحمن بن مهدي ويحيى القطان وأبي نعيم الفضل بن دكين والأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن مثلاً، فإذا وجدت هذا الشخص يخالفهم دائماً أو غالباً، يبقى هو كان منكر الحديث، طبعا قبيصة لم يصل إلى هذه الدرجة، أنا فقط أضرب لكم مثالاً.

فهو بيقول هنا انتقل يا شباب من الحكم على الرواية فبيقول: هذه الرواية منكرة، فإذا تكررت منه النكارة فصارت الغالبة أو هي حكم لكل الروايات، قل ذلك الحكم من الحكم على الرواية للحكم على الروايات. يعني إيه يا شباب؟ أنا عندي لاعب كورة مثلاً لعب مباراة ولم يوفق فيها، يبقى هو في المباراة دي كان وحش، طيب لو لعب في الموسم كله، لو لعب في الموسم مثلاً 50 مباراة، وكان في الـ 50 مباراة تعباناً، يبقى استطيع أن أنا آخذ حكماً عاماً بدل ما كنت بقول إن هو في المباراة دي ضعيف وفي المباراة دي ضعيف؟ لا، خلاص أصبح هذا حكماً عاماً لازق فيه، يبقى إيه؟ اللاعب ده ضعيف تعبان، أو كان الاغلب عليه يعني في 45 مباراة تعبان، يبقى الأغلب عليه برضه أن هو لاعب تعبان.

كذلك يا شباب ننظر إلى الراوي، وأنا آسف أن أنا بضرب هذه التشبيهات، هي فقط من باب التعليم لأن بعض الشباب أحياناً لا يتصور هذا إلا بهذه الأمثلة، فهو قال رحمه الله: أو لم تكد توافقه، يعني الأغلب أنها كذلك. قال: فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث غير مقبولة ولا مستعملة، يعني كان مهجور الحديث، يعني ترد ترد روايته ولا يستعمل، يعني يكون متروكاً يحكم عليه بأنه متروك.

ماشي يا شباب؟ يبقى هذا الصنف من الرواة يختلف عن الصنف الذي قبله؛ لأن هذا الصنف يعني ثبتت نكارة أحاديثه، ولكن لم يثبت أنه متعمد للرواية، وإن كان متعمد أقصد للكذب، وإن كان كذلك تطرح روايته وتكون مردودة.

ثم مثل رحمه الله لهذا الصنف، نلاحظ أن هذا الصنف يا شباب صنف جديد مختلف عن الأصناف السابقة؛ لأن هو تكلم بداية عن الثقات الحفاظ، ثم عن الثقات الأقل حفظاً أو الرواة الذين في حديثهم بعض الكلام، فهؤلاء ممكن أجعلهم يعني ثلاثة إلى الآن: الثقات الحفاظ، ثم الثقات الأقل، ثم الرواة الذين متكلم في حفظهم لكنهم تقبل رواياتهم على وجه ما، ثم هناك صنفان لا تقبل روايتهم ولا يشتغل بحديثهم، الأول: المتهمون، وكان هؤلاء اتهموا بالوضع، والصنف الثاني ممن ترد روايتهم هو الصنف الذي يعني حديثه منكر يخالف الثقات كثيراً، ولكن كأنه يميل إلى أن هؤلاء لم يثبت عليهم التهمة بالكذب، وإن كان بعض النقاد نسبهم إلى الكذب إلا أن خطأهم من باب كثرة الغفلة، بخلاف الصنف الأول الذي كان خطؤه أكثر من باب التعمد.

طبعاً هو ضرب أمثلة هنا برضه غاية في الدقة، يعني هو رحمه الله ذكر أمثلة غاية في الدقة، فضرب مثلاً مثالاً عبد الله بن محرر، قال: فمن هذا الضرب من المحدثين، الضرب اللي هو الصنف يعني يا شباب، جمعة جمعة رباء أو ضروب، وهو هو جعلها أضراباً، يعني الإمام مسلم جمع على أضراب، وبعض الناس يعني انتقدوه في ذلك، المهم أن الضرب هنا بمعنى الصنف أو الطائفة يعني، فذكر منهم عبد الله بن محرر، وعبد الله بن محرر هذا يعني كلام النقاد فيه يدور على ما ذكره مسلم، أن هو متروك أو منكر الحديث لا يكتب حديثه، ولكن بعض أهل العلم وصفه بانه كان من العباد.

واضح كده يا شباب؟ وهذا جميل جداً يا شباب؛ لماذا؟ لأنهم لما وصفوه بالعبادة فكانهم ينفون عنه التهمة بالكذب أو وضع الحديث، وإن كانوا يردون حديثه، وهذا موجود يا شباب أن بعض العلماء يقول: فلان هذا من أعلم، أقصد من أكثر الصالحين، وهو عندي يؤتمن على بيت المال، ولكنه يعني لا يقبل حديثه لأنه ليس من أهل الحديث، فهذا يا شباب له شواهد كثيرة جداً، وأخذناها مرت معنا بالتفصيل في دراسة تحرير علوم الحديث.

كذلك ذكر مثلاً يحيى بن أبي أنيسة، وهو أخو زيد بن أبي أنيسة، وزيد هذا يعني ثقه، ولكن وشهد على أخيه بالكذب بالمناسبة، وكلام العلماء أيضاً في يحيى بن أبي أنيسة يدور على هذا: أنه لا يكتب حديثه، متروك، ليس بشيء، منكر الحديث، وكذلك الجراح بن المنهال اللي هو أبو العطوف الجزري، أيضاً العلماء قالوا به غفله لا يكتب حديثه متروك ذاهب الحديث، بعض العلماء قال: يكذب في حديثه، ويقصدون في رأيي أنه مغفل.

عباد بن كثير مثلاً هو المثال الرابع عندنا، واحد اثنان ثلاثة أربعة، هو الرابع هذا المثال في رأي من أجود الأمثله؛ لماذا؟ لأن عباد هذا كان منسوباً للزهد والعبادة والتقشف، ولكن مع ذلك كان العلماء يحذرون منه ومن روايته ويثنون عليه في عبادته، وحذر منه شعبه والثوري وابن المبارك؛ لماذا؟ حتى لا يغتر بعبادته فتصح رواياته.

كذلك يا شباب من هؤلاء كما ذكر مسلم: حسين بن عبد الله بن دميرة، نفس الشيء يا شباب هذا أيضاً كلام العلماء فيه أنه متروك نسب للكذب أحياناً لا يكتب حديث الغالب عليه النكارة والوهم، كذلك عمر بن صهبان، نفس الكلام، قال مسلم: ومن نحى نحوهم في رواية المنكر من الحديث فلسنا نعرج على حديثهم ولا نشتغل به.

عندي هنا تعليق يا شباب مهم جداً، هؤلاء الرواة الذين وصفوا بالعبادة وفي نفس الوقت أحاديثهم منكرة، في رأي يا شباب أن هؤلاء العباد يؤخذ عليهم أمران: الأمر الأول: أنهم حدثوا وهم ليسوا من أهل الحديث، ليسوا معروفين بالحفظ، فكان الأولى بهم الاحتياط وترك الرواية لأنهم ليسوا من أهل الحديث، والاشد من ذلك باباً هو الماخذ الثاني: أن اهل العلم بالعلل وبجرح والتعديل حذروهم وبينوا لهم ضعفهم، ومع ذلك بقي كثير منهم يحدث بالأحاديث، وهذا يا شباب يدل على ضعف الورع، أما أهل العبادة من الصحابه ومن بعدهم كانوا يخافون من ذلك ويحتاطون.

فهذا مهم جداً يا شباب، أيضاً من الفوائد هنا أن بعض من يكتب في تراجم هؤلاء الثقات أو الضعفاء الذين ذكر مسلم أسماءهم هنا يغفل كلام مسلم عنهم.

مثلاً يذكر الكلام الموجود في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم، أو التاريخ الكبير للبخاري، أو تهذيب الكمال، تهذيب التهذيب أو أي كتاب، ولا يذكر ما ذكره مسلم عنهم، وهذا في رأي الشباب من التقصير البالغ؛ لأن الإمام مسلم لما ذكر هؤلاء الثقات، أو هؤلاء المتوسطين، أو هؤلاء الضعفاء الذين تكلم فيهم، أو المتهمين، أو المتروكين، ينبغي أن يلحق هؤلاء يعني حينما نأتي لترجمة واحد من هؤلاء نقول ذكره مسلم في صفة مثلاً المتهمين، أو ذكرهم مسلم في صفة منكر الحديث، أو ذكرهم مسلم في صفة الثقات الحفاظ، وهكذا.

هذا مهم جداً يا الشباب، يغفل عنه كثير من طلاب العلم الذين يجمعون كلام العلماء على الأحاديث أو على الرواة، قال مسلم: ومن نحى نحوهم.

وأحياناً يا شباب يكون مثلاً الإمام الترمذي علق على حديث مثلاً بذكر أحكام على الرواة أو على روايتهم، ويغفل ذلك قال مسلم: ومن نحى نحوهم، يعني نحى نحوهم يعني قصد قصدهم أو سلك سبيلهم، يعني في رواية المنكر يعني مشهور برواية الأحاديث المنكرة فلسنا نعرج على حديثهم ولا نتشاغل به، نعرج التعريج يا شباب هو الاهتمام أو الميل أو الإقامة هو بمعنى ذلك، يعني عرج علينا يعني اهتم بينا اقم معنا مل إلينا، فهو بيقول لا نعرج يعني لا نتشاغل، لا نهتم، واضح كده يا شباب؟

ولا نتشاغل بها، لماذا لا نتشاغل بها؟ لأن الإمام مسلم إنما خرج في كتابه هنا ما يستنبط منه الأحكام ويفقه ويعلم معانيه، فبالتالي هذه الروايات أساساً وجودها وعدمها سواء، فلماذا يشتغل بها؟ مع أنه يا شباب كتب هذه الروايات وحفظها وعرفها ليميز ويردها، وهذا جميل جداً يا شباب، كما نتعلم نحن مقالات الجبرية والقدرية والمرجئة والخوارج واليهود والنصارى والعلمانيين والليبراليين، لماذا لنميز؟

وهو والله سبحانه وتعالى لماذا ذكر لنا أنواع الباطل في القرآن؟ لماذا ذكر لنا ذلك؟ قال: وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ.

كما أن الأئمة اعتنوا بتخريج أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو الأحاديث الموقوفة، أو الآثار، خرجوا كذلك حديث الموضوع أو الواهية ليحذر الناس منها، وفائدة هنا يا شباب أن من أهم الكتب التي يعرف بها الحكم على الرواة المتكلم فيهم كتاب الكامل لابن عدي في الضعفاء، والمجروحين لابن حبان، والعقيلي في الضعفاء، وميزان الاعتدال للذهبي، وهو يعتبر جمع هذه الكتب الأربعة، ويعني له تعليقات جميلة جداً، فهذه الكتب يأتي فيها ذكر هؤلاء المتكلم فيهم، وما يدل على جرحهم، أو ما يدل على الدفاع عنهم، أو التفصيل في أمرهم كما سبق بيان ذلك كثيراً.

نلاحظ هنا يا شباب أن الإمام مسلم رحمه الله أتى بنسق متكامل في هذا الكتاب، فهو أولاً شرح منهجه ونتائجه، وذكر أقواله، أول شيء يا شباب هو ذكر المنهج والنتائج والأقوال، اثنان شرحها، يعني شرح لك مقصده، ثالثاً مثل لك، ضرب أمثلة، رابعاً علل لك، خامساً أنه بين لك أنه لم يبتدع هذه الأمور بل اتبع فيها أئمة الحديث، وهذا في رأي يا شباب والله هو النسق المتكامل لمعنى العلم.

قال: لأن حكم اهل العلم هنا سيُعلق؛ لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شارك الثقات، هنا الإمام مسلم يا شباب يتكلم عن التفرد، والتفرد هو أن ينفرد الراوي، يعني ألا يروي هذا الحديث إلا هذا الراوي، وممكن أن ينفرد بأصل الحديث، ويمكن أن ينفرد بطبقة من الطبقات، يعني مثلاً يا شباب لم يروي الحديث عن الزهري مثلاً إلا يونس، فهذا انفرد بطبقة من الطبقات، مع أن ممكن الزهري يكون شاركه بعض الرواة في الرواية مثلاً عن سعيد بن المسيب، فلو كان يعني إن شاء الله وقت آخر نبقى ناخذ هذا تدريباً عملياً على السبورة، فالتفرد يا شباب أن الراوي ينفرد عن شيخه برواية من الروايات، هذا التفرد يا شباب في أصله ليس علة، فتفرد يمكن أن يكون بعد إذنكم يا شباب ثانية واحدة.

بسم الله، الآن يا شباب نحب أن نبين فكره مهمة جداً عند العلماء وهي أن العلماء لا يحبون غريب الحديث، وكثيراً ما يعلل العلماء بالتفرد، يعني يقولون إن فلاناً تفرد بالحديث، والإمام أحمد رحمه الله قال: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتهم عن الضعفاء، فذم الفرد هذا كثير جداً، هم يحبون الأحاديث المتداوله المشهوره المعروفه التي رواها كثير من الثقات، وقال كذلك الإمام أحمد: شر الحديث الغريب التي لا يعمل بها ولا يعتمد عليها، والامام مالك كذلك قال: شر العلم الغريب، وخير العلم الظاهر الذي قد رواه الناس، وابن المبارك قال: العلم هو الذي يجيئك من ها هنا ومن ها هنا، يعني المشهور، فلذلك الرجل الذي سأل مسلما يا شباب ساله عن الأحاديث المتداولة أو بالاسانيد التي تداولها الناس، والخطيب البغدادي قال: أكثر طالب الحديث في هذا الزمان -يقصد زمانه في الأزمنة المتاخرة- يغلب على إرادتهم كتب الغريب دون المشهور، ممكن كتبه يعني هم يكتبون الأحاديث الغريبه دون المشهورة، وسماع المنكر دون المعروف، طبعا هي كتبوا نعم كتبوا أو كتابه يعني كتب يعني كتابه وسماع المنكر دون المعروف والاشتغال بما وقع فيه السهو والخطا من رواية المجروحين والضعفاء، حتى لقد صار الصحيح عند أكثرهم مجتنباً، والثابت مصوفاً عنه يعني متروكاً مطرحاً، وذلك كله لعدم معرفتهم بأحوال الرواة ومحلهم ونقصان علمهم بالتمييز وزهدهم في تعلمهم، وهذا خلاف ما كان عليه الأئمة المحدثين والأعلام من اسلافنا الماضين.

هذا شباب بالتحديد هي الفكرة التي أتكلم عنها كثيراً، هي أن كثيراً من الشباب خلينا نضرب مثالاً الأول نشرح هذه الفكرة، يقول الخطيب البغدادي يتكلم عن زمنه، وطبعاً من المتاخرين في هذا العلم، طبعاً ليسوا من المتاخرين جداً، ولكن هو طبعاً يعني فرق بينه وبين الطبقة الأولى اللي هي طبقة يحيى القطان وابن مهدي وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل والبخاري ومسلم وهؤلاء، وطبعاً من بعدهم الدارقطني وغيره، فهو بيقول إن طلاب الحديث في زمنه اشتغلوا بماذا؟ بالغريب دون المشهور، وبالمنكر دون المعروف، وبالأحاديث التي وقع فيها السهو والخطا من رواية المجروحين والضعفاء، وترْك ما ينبغي أن يحرص على ضبطه، هذا هو الذي حدث لطلاب لكثير من طلاب العلم أو المثقفين أو المسلمين في هذا الزمان، تجده يهتم بالأشكال والشبهات والاعتراضات والجزئيات دون أن يعرف المحكمات والكليات والقواعد الصحيحة، تجده ينتعش حينما يستمع درساً في رد شبهة وهو لا يعرف المحكمات في هذا الباب، فهذا العيب كان موجوداً، ولكن في العصور المتاخرة لم يكن عند الأئمة، وابن رجب رحمه الله علق على الخطيب البغدادي قال: وهذا الذي ذكره الخطيب حق، ونجد كثيراً ممن ينتسب إلى الحديث لا يعتني بالأصول الصحاح كالكتب الستة ونحوها، ويعتني بالأجزاء الغريبة بمثل مسند البزار ومعاجم الطبراني وأفراد الدارقطني، وهي مجمع الغرائب والمناكير.

فإذاً يا شباب عناية العلماء بالأحاديث المشهورة المتداولة المعروفة التي ينقلها أئمة الحديث هذا أمر معروف، وذم العلماء للأحاديث الغريبة هذا أيضاً معروف، وقل من يعرف هذا يا شباب، يعني قل من يفطن لهذه الأبواب، لذلك أنا أحب أن أذكر هذا القول كثيراً لأنه جميل، يعني جرى بين يعني كلام بين أبي حاتم الرازي وأبي زرعة الرازي قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديث ويذكر عللها، يعني أبو حاتم الرازي وأبو زرعة الرازي من أكابر علماء العلل في زمانهم وباطلاً يعني يتذاكرون الأحاديث ويذكرون عللها، قال: وكذلك كنت أذكر أحاديث خطا وعللها يذكر الأحاديث الخطا وعللها وخطأ الشيوخ، فقال لي يا أبا حاتم -يعني أبو زرعة بيكلم أبو حاتم-: قل من يفهم هذا، مين في الزمن ده يعرف هذا يعرف اكتشاف الأخطاء، يعني ما أعز هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد من يحسن هذا، وربما أشك في شيء أو يتخالجني شيء من في حديثي في حديث، فالى أن التقي معك لا أجد من يشفيني منه، قال أبي: وكذلك كان أمري، يا سلام يبين يعني أن إيه أن هم الاثنين.

عندهم هم واحد، فيعني أبو حاتم وأبو زرعة لما كانوا في مكان بعيد عن بعض، كل واحد منهم يخطر بباله فائدة لا يجد من يحدثه بها، زي ما تكون إنت كده عندك معنى جميل؛ قرأت تفسير جميل لآية، أو شرح حديث، أو جمع بين حديثين، نفسك تجد من تخاطبه وتحدثه بهذا المعنى ولا تجد. واضح كده يا شباب؟

فالشاهد من هذا الأمر أن التفرد عند العلماء في نفسه ليس سبباً موجباً لرد الرواية، لكن قد تحف به قرائن تجعله مردود الرواية. إذاً يا شباب، مجرد أن ينفرد الراوي بالرواية، هل هذا يوجب أن يطعن في روايته؟ لا. لماذا؟ لأنه يمكن أن يكون أهلاً للتفرد، كما انفرد الزهري ببعض الروايات وكانت سبباً في مدحه، وكما ينفرد عفان بن مسلم، أو ينفرد الثقات عن أصحابهم أو عن شيوخهم.

يبقى إذاً يا شباب التفرد يعني ليس مذموماً عند العلماء بشكل عام، لكنه ليس سبباً موجباً للقدح في الرواية أو لرد الرواية، لكن قد تحف به قرائن تجعله مردوداً. يعني قد يأتي شاهد آخر مع مجرد التفرد فيجعله مردوداً، أو يعني يميل كفة الرد. من ذلك مثلاً يا شباب أن يكون الراوي المتفرد بالحديث من أهل الطبقات النازلة. وطبعاً إحنا عارفين الطبقات العالية، مثلاً طبقات التابعين وأتباع التابعين، لو كان الراوي من الطبقات النازلة يا شباب بعد أن استقرت الرواية وعرفت مخارجها، فهذه قرينة تقوي رد هذه الرواية التي تفرد بها الراوي. واضح كده يا شباب؟

كما ذكر الذهبي رحمه الله أسامي جملة من الحفاظ إلى أن وصل إلى مشايخه، ثم قال: فهؤلاء الحفاظ الثقات إذا انفرد الرجل منهم من التابعين فحديثه صحيح؛ لأن الطبقات العالية يا شباب لم تكن الرواية مشهورة فيها فيمكن أن يقبل التفرد. قال: وإن كان من الاتباع قيل: صحيح غريب، يعني صحيح ولكن يعني فيه غرابه؛ لأنه كان المفروض يتداول. قال: وإن كان من أصحاب الاتباع قيل: غريب فرد، ويندر تفردهم، فتجد الإام منهم عنده مائة ألف حديث لا يكاد ينفرد بحديثين ثلاثة، ومن كان بعدهم فأين ما ينفرد به ما علمته.

وقد يوجد، يعني دائماً يا شباب في أريد منك أن تتصور مثلاً الصحابة الذين اخذوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى تتصور هذا شباب واقعاً؛ لأن التصور أحياناً يجعلك تستشعر هذا الكلام. احنا عندنا مثلاً يا شباب الرواة الكبار، الصحابة الذين أكثروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرواية وليس من العلم (العلم طبعاً أعلاهم أبو بكر وعمر والأربعة، أنا أتكلم هنا عن الرواة: أبو هريرة، وعائشة، وأنس، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وجابر، وأبو سعيد الخدري، وأبو موسى الأشعري، وعبد الله بن عمرو بن العاص). هؤلاء يا شباب تفرقوا في البلدان، كل واحد منهم صار عنده تلاميذ، ماشي كده؟ ولكن كان التلاميذ عددهم مش كبير جداً زي المتاخرين.

بعد ذلك يا شباب بدا يأتي طبقة أخرى، مثلاً: ابن سيرين، الشعبي، الحسن، ثابت البناني، نافع، طاووس، مجاهد، سعيد بن جبير، ابن المنكدر. بعد ذلك جاءت طبقة أخرى: قتادة، الأعمش، الزهري، أبو إسحاق السبيعي، يحيى بن أبي كثير. وهكذا، كلما نزلت الطبقة كلما قل احتمال التفرد؛ لأن مثلاً كان الزهري ده مثلاً لما يجلس يعني يحضر له الآلاف، وطبعاً شعبة لما يجلس يحضر له كذلك عدد مهول، طب الإمام أحمد بقى يجلس له أكثر.

فلذلك يا شباب من القرائن التي يرد بها تفرد الراوي أن يكون في الطبقة النازلة، فاذا اجتمع معه كذلك أن هو ليس من المحققين في الشيخ الذي انفرط عنه، فهذه قرينة أقوى ترد بها. واضح يا شباب؟

ثم قال الذهبي رحمه الله: وقد يسمي جماعة من الحفاظ الحديث الذي ينفرد به مثله هشيم وحفص بن غياث منكراً. يعني بعض العلماء يجعلون الراوي وإن كان ثقة لكنه ليس من أعلى درجات الثقات كهشيم مثلاً وحفص، فهؤلاء ليسوا من كبار الثقات، فهؤلاء بعض العلماء يجعل تفرده مسمى بالمنكر، ماشي كده يا شباب؟

ثم قال: فاذا كان المنفرد من طبقة مشيخة الأئمة، يعني اللي هم شيوخ الأئمة الذين صنفوا الكتب، أطلقوا النكارة على من تفرد به مثل عثمان بن أبي شيبة وأبي سلمة التبوذكي، وقالوا: هذا منكر. يبقى الإمام الذهبي يا شباب يرى أن الطبقة إذا كانت نازلة وانفرد الراوي، فإما أن يكون الراوي من أعلى، وله خصوصية بالشيخ الذي انفرد عنه، أو يعني يعد تفرده منكراً. فهذا مهم جداً يا شباب، فهذه هي القرينة الأولى.

القرينة الثانية: أن يكون الراوي المتفرد واحداً ممن هم دون أهل الحفظ والإتقان والتثبت، يعني أن تفرده لا يحتمل. واضح كده يا شباب؟ خصوصاً إذا انفرد عن إمام عالم كبير، يعني يأتي مثلاً شخص ليس من كبار الثقات فينفرد مثلاً عن قتادة، أو عن الشعبي، أو عن الحسن، أو عن ثابت، أو عن مجاهد، أو عن الأعمش، أو عن أبي إسحاق السبيعي، أو عن يحيى بن أبي كثير. لا، واضح كده، هذا تفرده لا يقبل.

واضح يا شباب؟ أيضاً من -طبعاً يعني- في في عندنا مقالات كثيرة جداً تبين هذا، مثلاً قال ابن رجب الحنبلي: واما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الحديث الذي ينفرد به واحد، وإن لم يروي الثقات خلافه: إنه لا يتابع عليه، يعني يقولون: فلان لا يتابع عليه، يعني تفرده لا يحتمل، ويجعلون ذلك علة فيه، اللهم إلا أن يكون ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أيضاً، ولهم في كل حديث نقد خاص ليس عندهم لذلك ضابط يضبطه.

يبقى هذا مهم جداً يا شباب، أن الراوي إذا كان له خصوصية بشيخه يقبل تفرده، أما إذا لم يكن من كبار -يعني- تلاميذ شيخي، مثلاً يونس مثلاً من جملة تلاميذ الزهري، يونس بن يزيد، لكن ليس من الأكابر، فهذا لا يقبل تفرده، واضح كده؟ ولكن يقبل في المتابعات.

أيضاً يا شباب من القرائن أن يكون الرجل أن يكون التفرد من رجل مقل، ويعني يروي بعض -يعني- أحاديثه قليلة، هذا ليس مشهوراً، فهذا الرجل أيضاً تفرده لا يحتمل، أو كون تفرده قرينة على رد روايته. كذلك من من الأسباب أيضاً يا شباب -طبعاً كل هذا له شواهد موجودة- تجد الشيخ طارق عوض الله له فصل ممتاز جداً جداً من صفحة ثلاثمائة واحد وعشرين إلى تقريبا إلى صفحة -يعني- فصل طويل جداً يمكن إلى صفحة ثلاثمائة وأربعة وخمسين تقريباً، لا أ... تقريباً إلى صفحة أيوة ثلاثمائة وثمانية وأربعين، ذكر فيها القرائن التي يرد بها تفرد الراوي.

طيب، أرجو أن يكون هذا شباب يعني فهمنا فكرة التفرد، وأن التفرد في ذاته ليس علة موجبة لرد الرواية، ولكن هو يعني قرينه يبحث فيها عن أهلية الراوي للتفرد. والعكس يا شباب قد يكون تفرد الراوي مما يتميز به الراوي، يعني قد يكون تفرد الراوي مما يتميز به عن غيره ويبين أن له خصوصية بشيخه. واضح يا شباب؟

والأصل في تفرد الثقات الحفاظ القبول، واضح؟ ولكن قد تاتي قرائن تدل على أن أن حديثهم به عله. مثلاً، مما يدل على أن الأصل في رواية الثقات الحفاظ حتى لو انفردوا القبول، مثلاً قال ابن أبي حاتم: سألت أبا زرعة عن حديث رواه علي بن مسهر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الغار؟ قال أبو زرعة: لا أعلم أنه رواه غير علي بن مسهر. قلت له: هو صحيح؟ قال: نعم، علي بن مسهر ثقة. يعني يقول إن هو ثقة يحتمل ذلك. فهمنا كده يا شباب؟

فمثلاً حديث إنما الأعمال بالنيات، هذا الحديث تفرد به يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص عن ابن عمر، لم يروه غيره، ومع ذلك قبله العلماء. وأحاديث كثيرة جداً يا شباب يعني ذكرها العلماء وقبلوها مع أنها يعني انفرد بها الراوي، ويمكن أن نراجع هنا يا شباب فصلاً مهمماً قد درسناه قبل ذلك ولله الحمد.

بتفصيل من أول صفحة 659 إلى صفحة 800، أقصد 668 من كتاب تحرير علوم الحديث، من كتاب تحرير علوم الحديث.

طيب يا شباب، نكمل، يا ريت حد يكتب لنا الوقت اللي احنا قضيناه. قال: لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم. يبقى إذاً هو ينقل عن أهل العلم، يا شباب، من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث. إذاً العلماء يقبلون تفردات بعض الرواة، هذا بشهادة مسلم، واضح؟ ليس التفرد بمجرده مردوداً.

قال: لأن حكم أهل العلم. يبقى هو يرجع إلى أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم يعني من منهجهم. ساعة وثلث، طيب جميل. يعني إن شاء الله يعني 10 دقائق إن شاء الله وننهي، نحاول نلتزم بال بالساعة ونصف إن شاء الله، وممكن إن شاء الله بالليل يكون عندنا درس في كتاب الإيمان الأوسط، نبدأ حتى ننجز لأن الكتاب كبير جداً، يعني تقريباً الكتاب 700 صفحة، أو الكتاب حوالي 600، 550 صفحة كتاب الإيمان الأوسط، وكتاب يعني يحتاج تفكيراً، فممكن إن شاء الله نبدأ فيه بجوار كتاب مسلم.

طيب، نرجع تاني يا شباب، قال: لأن حكم أهل العلم. يعني الإمام مسلم هنا يعلل لماذا لا يتشاغل بحديث هؤلاء الذين انفردوا به، واضح؟ قال: طبعا يا شباب، احنا عندنا الراوي بشكل عام إما أن يشترك مع غيره، أو ينفرد عنهم، فإذا اشترك مع غيره فنقيس بروايتهم، وإذا انفرد عنهم ننظر في حاله، فإذا كان كلما اشترك وافق، حينها يقبل تفرده، واضح كده؟

طيب، قال: لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث. إذاً أحياناً يقبل النقاد ما يتفرد به المحدث، اللي هو الراوي، من الحديث؛ أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة. يبقى يقول لك: السبيل الذي نحكم به على تفردات أي راوي أن ننظر إليه حال اشتراكه، فإذا كان كلما اشترك مع العلماء وافقهم أو كان الأغلب، ولاحظ كده كلمة أمعن؛ أمعن بمعنى يعني بالغة. وأمعن يا شباب مأخوذة من إمعان الفرس، يعني أنه تباعد في عدوه، يعني أنه يعني قطع شوطاً كبيراً، فهمنا كده يا شباب؟ وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، يعني أن هذا الراوي كل مثلاً يا شباب، نحن نريد أن نختبر رواية مثلاً عبيد الله الأشجعي عن الثوري، أو خليني أنوع لكم في الأمثلة: رواية مثلاً همام بن يحيى عن قتادة، فنقارن روايته برواية هشام الدستوائي وسعيد بن أبي عروبة وشعبة، فلما نجده يعني أمعن في الموافقة، أو يعني قارب، فهذا يمكن أن يقبل تفرده مثلاً في روايته عن قتادة، وهكذا شباب، بأن يكون قد شارك قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ يعني عن شيخ. نحن الآن يا شباب نتكلم عن شيخ معين، يعني مثلاً نريد أن نعرف تفردات مثلاً تفرد معمر عن يحيى بن أبي كثير، أو تفرد مثلاً أبو معوية، تفرد أبي معوية عن الأعمش، أو تفرد مثلاً، يعني احنا بنتكلم عن النسبة هنا، نتكلم عن تفرد الراوي عن شيخ ما، فننظر إلى الروايات التي اشترك فيها هذا الراوي مع الرواة أو مع غيره من الثقات عن ذلك الشيخ، فإذا كان وافقهم وأمعن -لإمعان الاكثار- وأكثر في ذلك على الموافقة، فإذا وجد كذلك، ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه، قبلت زيادته.

طبعاً يا شباب، يقصد بالزيادة هنا أنه انفرد بحديث، لا أنه زاد في حديث شاركهم فيه، واضح يا شباب؟ وهذا من من الأخطاء المشهورة أن بعض الناس يحمل كلام الإمام مسلم على أنه زاد في أصل روايتهم، يعني اشترك معهم في الرواية ثم زاد عليهم شيئاً لم يروه، وهذا يا شباب يعني هو محل بحث كبير جداً، اللي هو حكم زيادة الثقة، وهذا بحث طويل جداً. نحن ذكرناه قبل ذلك، وهو موجود في لغة المحدث، وموجود في كتاب النهج المبتكر صفحة 124، وذكرناه بتفصيل في كتاب تحرير علوم الحديث من صفحة 669 إلى صفحة 699. وخلاصة ذلك يا شباب أن زيادة الثقة يمكن أن يزيد في حديث اشترك فيه معهم ثم زاد لفظة أو جملة أو راوياً، ويمكن أن ينفرد بحديث فيكون هذا الحديث زائداً بالنسبة لباقي الرواة، يعني أنه رواه وانفرد به وهم لم يرووا هذا الحديث. وتفاصيل هذا الكلام يا شباب سبقت معنا كثيراً في هذه الكتب، يعني مرت معنا في لغة المحدث وتحرير علوم الحديث والنهج المبتكر، يمكن أن تراجعها بتفصيل في الأشرطة أو من خلال الكتب، وأنا ذكرت لكم أرقام الصفحات.

قال: وأمعن في ذلك على الموافقة، فإذا وجد كذلك -يعني إذا وجد كذلك، يعني عرف من هذا الراوي أنه يوافق الثقات ثم زاد بعد ذلك شيئاً ليس عند أصحابه- قبلت زيادته، يعني ثم زاد ثم زاد حديثاً جديداً لم يكن عند أصحابه، يعني عند أصحاب ذلك الشيخ الذي انفرد عنه أو عند أقرانه الذين كان يشاركهم قبل ذلك، فهذا هو الأقرب في تفسير ذلك، وليس معناه أنه انفرد بزيادة لفظة أو جملة أو إسناد أو رفع موقوفاً أو وصل مرسلاً، بل هذا من أبواب العلل، ولكن بعض العلماء يقبلون زيادة الثقة أحياناً.

إذاً يا شباب، زيادة الثقة ليس لها حكم واحد، قد تقبل أحياناً وقد ترد أحياناً، وتفصيل ذلك مر معنا لا أري أن أعيده مرة أخرى.

هنا بقى يا شباب سيذكر لك العكس، الراوي الذي يقبل تفرده من هو؟ الذي كلما شارك الثقات وافقهم وأمعن في الموافقة، فإذا وجد -يعني حديثاً تفرد به عنهم- وهذا مما يوضح يا شباب أنه يتكلم عن الحديث، وليس عن الألفاظ والزيادات في الإسناد أو في المتن، أنه قال: لأن حكم أهل العلم والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث. وأنا في رأي أن هذا يحمل على الحديث الجديد وليس على الزيادة في أصل الرواية.

طيب، قال: فهذا الشخص الذي أمعن في الموافقة، إذا انفرد عن شيخه يقبل تفرده، وهذا يؤكد أن التفرد في نفسه ليس موجباً لرد الرواية، وأن الراوي يمكن أن يحتف به قرائن تسق تفرده أو ترفع تفرده وتجعله مقبولاً.

قال: فاما من تراه، يبقى أما من تراه هذا مخالف للصنف الأول، أما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته -محمد بن شهاب بن مسلم الزهري في جلالته وكثره أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره- يبقى هو ضرب هنا أمثله. شوف جودة وإبداع الأمثلة! جودة الأمثلة الإمام مسلم عالي جداً في ضرب الأمثلة يا شباب وفي الشرح.

قال: فاما من تراه يعمد، يعني يقصد لمثل الزهري، يعني واحد ينفرد عن الزهري والزهري من أجل العلماء المكثرين، هو مكثر حديثاً وهو ثقه حافظ كبير، اعتنى العلماء بجمع حديثه وضبطه وكتابته وروايته، فكيف ينفرد شخص عنه وهو ليس مشهوراً عنه، وهو شخص أساساً كلما اشترك مع أصحاب الزهري الثقات خالفهم؟ طبعاً يا شباب أصحاب الزهري الثقات أعلاهم مالك وابن عيينة ومعمر، ويعني يدخل فيهم عدد من، عقيل وشعيب بن أبي حمزة والزبيدي وغير هؤلاء كذلك يدخلون في الثقة عنه، وهم درجات، وإن شاء الله سياتي شرح ذلك بإذن الله في المجلد الثاني من شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي.

قال رحمه الله: فاما من تراه يعمد المثل الزهري في جلالته وكثره أصحابه والحفاظ، وكثره أصحاب الأصحاب اللي هم التلاميذ يا شباب، التلاميذ، يعني كل شيخ كان بيكون له أصحاب، مثلاً أبو هريرة كان له أصحاب، كان له مثلاً سعيد بن المسيب وغيره من الرواة، مثلاً أبو صالح وغيره، أبو وائل وغيره، مثلاً شعبة كان له أصحاب، الثوري كان له أصحاب، فهو هنا بذكر أمثلة، فضرب مثالاً الأول هو الزهري، والثاني هو هشام بن عروة، وهشام بن عروة بشكل عام يعني روايات أهل المدينة عنه أحصح وأصح، وله يعني حفاظ اعتضوا بجمع حديثه وضبطوا حديثه، مثل مالك وأبي أسامة وحماد بن زيد والثوري وابن عيينة وعلي بن مسهر والقطان ووكيع، فهؤلاء يعني من جملة الثقات عنه، واضح يا.

شباب، فهو بيقول: لو وجدت شخصاً يعمد لمثل هؤلاء؟ قال: وحديثه عند أهل العلم مبسوط مشترك قد مشترك، يعني نقله كثير من أصحابهم، قد نقل أصحابه ما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره، يعني أن هؤلاء اتفقوا على في أغلب الأحاديث، يعني مثلاً أصحاب الزهري اتفقوا على تخريج حديثه على وجه معين، تمام كده؟ وهم كثيرون.

قال: فيروي عنهما أو عن أحدهما، يعني هذا الشخص الذي يعمد للزهري أو لهشام بن عروة، فيروي عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث مما لا يعرفه أحد من أصحابه! يبقى هو كده انفرد عنه، يبقى هذا يؤكد أن الإمام مسلم يتكلم عن الرواية وليس مجرد الزيادة على الرواية، يتكلم عن حديث ينفرد به وليس مجرد زيادة.

قال: مما لا يعرفه أحد من أصحابه وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس والله أعلم. هذا يا شباب هو المنكر، هذا هو بالضبط معنى النكارة وهو التفرد الذي لا يحتمل. فالإمام مسلم تكلم في الصنف الأول عن المخالفة، أن يخالف الراوي الثقات، يبقى في الصنف الأول تكلم عن المخالفة وفي الصنف الثاني تكلم عن التفرد الذي لا يحتمل، التفرد الذي لا يحتمل.

وكيف يعرف التفرد الذي لا يحتمل؟ بالمخالفة، يعني من كثرة ما خالف هذا الراوي الثقات كلما اشترك معهم صرنا نخاف من تفرده. لكن يا شباب هذا إبداع من الإمام مسلم، ليه؟ لأنه ذكر أولاً علامة المنكر في الحديث التي بها رد روايات هؤلاء، ثم بين لك أن الصنف الذي يقبل تفرده عن شيخه هو الذي كلما اشترك وافق، فإذا انفرد قبل، كلما اشترك، لكن إذا كان كلما اشترك خالف، لا يمكن أن يقبل تفرده. فشوف ماذا قال يا شباب، قال: مما لا يعرفه أحد من أصحابه.

وما هذا يا شباب هو الذي قاله شعبة لما ذكر عن المنكر؟ قال: أن يروي عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، يعني المعروفون يقصد المعروفين من أصحابه، يعني أن يروي مثلاً شخص شخص مثلاً يروي عن الثوري ما لا يعرفه، يعني ما لا يرويه الكبار عن الثوري، أو شخص يروي عن شعبة ما لم يروه عنه القطان وغندر ونحو هؤلاء، أو شخص يروي عن الأعمش ما لا يرويه عنه أبو معوية أو الثوري أو شعبة، أو شخص مثلاً يروي عن قتادة ما لم يروه عنه شعبة وسعيد وهشام وهمام.

وهكذا يا شباب، أن يروي عن المعروفين، يعني الرواة الذين تدور عليهم الأسانيد، الذين لهم أصحاب اعتنوا بروايتهم وجمع حديثه وروايته، فيروي عنهم ما لا يرويه هؤلاء الثقات. وكان الشيخ محمد عمرو رحمه الله له تفسير آخر لكلمه شعبة، اللي هو: أن يروي عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون، يعني أن ينكر الراوي أنه روى هذا الحديث، يعني مثلاً شخص يروي عن شعبة حديثاً فلما يسأل شعبه عن هذا الحديث يقول: أنا لم أروه، فهذا وجه آخر جيد في هذا المعنى، أما أن يكون الشيخ أنكر رواية هذا التلميذ، أو أن يكون الثقات من أصحاب ذلك الشيخ لم يرووا هذه الرواية ولم يشاركوا هذا التلميذ، واضح يا شباب؟

قال: وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، يعني كمان هو شخص نكرة، ليس مشهورا بالعلم وليس معروفا بخصوصية لهذا الشيخ المكثر مثل الزهري وثابت وشعبه والثوري وغير هؤلاء، أو نحو هؤلاء، ثم هو لم يشارك الثقات في الصحيح وليس مشهورا بذلك، ثم ينفرد، فهذا لا يقبل حديثه.

شوف قال: فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس، الضرب اللي هو الصنف، يعني والله أعلم، يعني شوف بعد ده كله بيقول: والله أعلم، يسند العلم إلى الله، يبقى هو هنا يتكلم عن رواية هذا الراوي. قال: وقد شرحنا، أرجو أن يكون الكلام واضحا يا شباب، فنلاحظ هنا أن النكارة إما أن تكون أو تكتشف بمخالفة الراوي لمن هم أوثق منه، أو تكتشف بتفرد الراوي بما لا يحتمل تفرده، واضح كده؟

فإذا المخالفة أو النكارة قد تكون بسبب مخالفة الثقات، وقد تكون بسبب أنه ليس أهلا للتفرد، لا لأن التفرد في ذاته علة، ولكن لأنه ليس أهلا لهذا التفرد. وهنا يا شباب فائدة مهمة، قد يكون الراوي أهلا للتفرد ببعض الروايات دون بعض، مثلا وده فائدة كويس أن انا افتكرتها، مثلا حماد بن سلمة هو باجماع العلماء أوثق الرواة عن ثابت البناني مع أنه ضعيف إذا روى عن أيوب، وإذا روى عن قتادة وإذا روى عن غير هؤلاء فهو ضعيف، مثلا في روايته عن أهل البصرة أو عن بشكل عام ضعيف في روايتي عن أيوب مثلا وقتادة وغير هؤلاء.

لكن حماد بن سلمة هو أوثق الرواة عن ثابت فيقبل تفرده عن ثابت ولا يقبل تفرده عن غيره، معمر مثلا معمر ضعيف في روايته عن قتادة وضعيف في روايته عن أيوب أيضا، واضح يا شباب؟ مع أن معمر هذا ثقه عن الزهري وثقه عن يحيى بن أبي كثير وهكذا، يبقى إذا الراوي قد يقبل بعض تفرده ولا يقبل بعض تفرده، وقد يكون الراوي بشكل عام ثقة ثبت عن شيخ معين ومع ذلك لا يقبل تفرده لقرينة شهدت بأنه أخطأ في تلك الرواية بعينها.

يا شباب أجمل كلمة قالها ابن رجب الحنبلي أنه قال: ولهم في كل حديث نقد خاص، ما عندناش يا شباب اللي هو واحد زائد واحد يساوي اثنين، ده الراوي الثقة حديثه صحيح، الراوي الضعيف حديثه ضعيف، لا، نحن نتعامل مع بشر يمكن أن يخطئ ويمكن أن يصيب.

مثلا الأعمش عاش سنوات طويلة مع أبي وائل وإبراهيم النخعي وأبي صالح، فهو من أعلى الناس فيهم، لكن هو نفسه لما روى عن أصحابه أو أقرانه سلمة بن كهيل وحبيب بن أبي ثابت لم يضبط حديث هؤلاء لأنه لم يكن معتنياً بهم.

وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحا وإيضاحا في مواضع في مواضع من هذا الكتاب عند ذكر الأخبار المعلة، إذا اتينا عليها في الأماكن التي تليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى، وممكن يكون الشرح والإيضاح يعني وسنزيد، آه لا، يعني سياتي الشرح والإيضاح في مكانه إن شاء الله.

شباب، هنقف عند هذه الفقرة ونشرحها بتفصيل لأن هذه الفقرة مهمة جدا أن نقف معها بشكل عملي لنعرف أن الإمام مسلم كان إماما في ترتيب أحاديث كتابه وأن ذلك مفتاح لفقه كتاب مسلم، وأنا يا شباب يعني أحيانا أن أفتح لكم هذا الباب وهو باب علوم الحديث لسببين.

السبب الأول: لعلمي بقيمة هذا العلم في تأسيس طالب العلم، وأن كل الطلاب الذين لم يعتنوا بعلوم الحديث لابد أن يكون النقص فيهم قويا وواضحا، فلذلك أنا عنيت بهذا الباب.

الفكرة الثانية يا شباب: قلة من يعتني بهذا الباب بهذه الطريقة، بعض الناس يمكن أن يقرا مثلا كتاب نزهة النظر أو كتاب تيسير مصطلح الحديث للشيخ الطحان وانتهى الأمر، ليس لهم عناية بكتب الأئمة، لابد أن يوجد في أمة الإسلام من يعتني بهذا الصنف من العلوم، لابد أن نعتني بكتب الأئمة، فهذا والله هو الذي يجعلنا باذن الله قادرين على أن نقدم للأمة ما ينفعها في المسائل النازلة، وكل من كان مقطوع الصلة بماضي الأئمة وبترات الأئمة لابد أنه سيكون عاجزا عن تقديم حاجات عصره وواقعه، واضح يا شباب؟

فنقف هنا إن شاء الله، وبإذن الله في المرة القادمة نتكلم عن فقه الإمام مسلم في ترتيب أحاديث كتابه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يبارك سعينا، وأن يتم لنا ما نطلب من الخير، وأن يبارك في أعمارنا، هذا يا شباب أحب أن ندعو به كثيرا، أن يبارك الله في أعمالنا حتى نتمم هذه المشاريع، وأن يجعلها في ميزان حسناتنا يوم نلقى الله تبارك وتعالى، إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ، وخير ما تلقى به ربك تبارك وتعالى أنك عبد قمت بواجب العبادة وسعيت في نصر دين الله، فهؤلاء خير الناس، يعني هؤلاء خير الناس على الإطلاق.

من يريد أن يحيي دين الإسلام سواء ببيان محكمات، أو بكشف شبهاته، أو برد الباطل، أو بنشر العلم بين الناس، أو بتصبر الناس عند الفتن، أو بالتبصير عند الفتن، أو بتشجيعهم على طلب معالي الأمور؛ هؤلاء الذين يحيون الإسلام ويحيون في نفوس الناس طلب معالي الأمور والعمل لدين الله، هؤلاء أولى الناس بالأنبياء وهؤلاء أعظم الناس أجراً عند الله. إنا لا نضيع أجر المصلحين الذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة. الله سبحانه وتعالى لا يضيع هؤلاء أبداً، هؤلاء لا يمكن أن يضيعهم الله، بل ينعمهم في الدنيا قبل الآخرة ويحييهم حياة طيبة بما يقومون به من الأعمال، ويصبرهم على الأعمال حتى تصير الأعمال في حقهم مستراح بها وليس مستراح منها.

والله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمَحْسِنِينَ. فاصبروا يا شباب، اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون. ولا تضيعوا أوقاتكم فيما لستم أهلًا له، وفيما لستم مكلفين به، دوركم إن شاء الله سيأتي في بيان العلم وفي التعليم. لا تهتم بأن تعرف كل الأخبار وكل الحوادث، وأن يكون لك تعليق على كل خبر وهذه الأمور يا شباب؛ أنت لن تستطيع أن توفي فيها أولاً، ثانياً ستعطل عن مشوارك، ثالثاً كثير منها ينغص عليك عيشك، ويجعل نفسك مسدودة عن أنك أنت تقرأ أصلاً.

وأنا تكلمت بالأمس عن هذا المعنى حينما تكلمت عن مهارات طالب العلم، كانت في محاضرة لطلاب الجامعة موجودة الآن هي على يوتيوب. فشدوا حلكم يا شباب واجتهدوا واصبروا، ويعني الله سبحانه وتعالى لن يضيع تعبنا، ويكفي أن يكون ذلك سبباً في تثبيتنا. والله يا شباب أنا أقول لكم شيئاً وأنا أخوكم؛ يعني والله أنا أحاول أن أتعب في هذا الطريق لنفسي قبل كل شيء، لأني دائماً عندي هذه الآية مكتوبة أمامي: الله سبحانه وتعالى قال: إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. فكاني أقول يا رب أنا أسعى في نصر دينك لتثبتني حتى ألقاك على الإسلام.

والإنسان الذي يظن أن الوفاء على الإسلام هذا أمر سهل؛ هذا إنسان مغفل، الوفاة على الإسلام ليست سهلة، دعا بها يوسف عليه السلام: تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ. وأوصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب: يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. وخبيب قال: ولست أبالي حين أقتل مسلماً. فالإنسان منا إنما يتعب في ذلك ليثبت، هذا أعلى ما نطلبه. أعلى ما نطلبه يا شباب هو أننا بهذا التعب في العلم وفي الفقه في الدين وفي علوم الشريعة حتى يثبتنا الله، ثم نرجو منها نفعاً للناس، نرجو منها نفعاً للناس. ولو لم ننتفع من هذا العلم إلا أننا اشتغلنا بكلام الله وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فبها ونعمت.

وأنا ذكرت لكم كلمة قرأتها في ترجمة البخاري قبل يعني حوالي ١٧ عام، وهذه الكلمه أكتبها أمامي وأكرر النظر فيها، لما كتب حديثاً كثيراً للفبري وهو تلميذه الذي دون عنه الصحيح فقال الفبري: خشيت أن يكون البخاري قد ملّ. فقال البخاري لتلميذه: طِب نفساً؛ فإن أهل الملاهي في ملاهٍ، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجارتهم، وأنت مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه. يعني يقول له: أحمد الله أن شغلك بكلام نبيه صلى الله عليه وسلم وكلام أصحابه. يا سلام، في أجمل من ذلك يا شباب؟

إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك فانظر فيما أقامك، انظر ما الذي شغلك الله به؛ فإذا كان الله قد اختارك لتشتغل بالقرآن والآيات والأحاديث ومسائل الشريعة في الإيمان والقدر وأسماء الله وأحكام الشريعة، في أجمل من ذلك يا شباب؟ هل هناك ما هو أجمل من ذلك؟ ثم يأتي شخص تافه يكذب عليك ويقول: هذا الذي تشتغلون به لا قيمة له ولن يغير شيئاً في الأمة. وهو يبرر قعوده وكسله، ويخرج كسله في صورة النضال؛ يبقى هو أكثر من ١٠ ساعات يتابع خبراً ويقرا ما كتب عنه في الصحف ولا هو يقدم شيئاً، ويقول: أنا أهتم بأمر المسلمين. أعظم صور للاهتمام بأمر المسلمين هو أن تقدم نفعاً للمسلمين، هذا أعظم صور للاهتمام بشأن المسلمين، وليس أن تتابع الأخبار التي تذكر عن المسلمين أنه مش عارف المسلمين حصل لهم إيه وحصل لهم إيه. هذا جزء من الاهتمام، لكنك تحتاج أن تتصور لتتصرف، لكن أنت هتقضيها تصور أنت عمال فقط تسمع وخلاص؟ لا، لابد أن تتحرك وعندك إمكانات وعندك قدرات تستطيع بها أن تصلح نفسك وأهلك وجيرانك وأصدقائك.

وخير طريق للنهي عن المنكر الأمر بالمعروف، وخير طريق لمقاومة الفواحش نشر الطيبات، وخير طريق لرد الشبهات بيان المحكمات، وخير طريق لمواجهه الباطل هو نشر الحق، والله سبحانه وتعالى قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يلقي بنا على الباطل ويدمغ بنا الباطل وينشر بنا الحق.

بارك الله فيكم يا شباب، أنا بحب دايماً في الآخر كده أقول لكم كلمتين يسخنوكم. وأنا كم كنت أتمنى أن أنجد، أو كم كنت أرجو أن أجد من يقول لي هذا الكلام، وإن كان الله سبحانه وتعالى أكرمني فأنا من زمان أحاول أن أشجع، لا أنتظر من يشجعني أو يحفزني، ولكن أنا مع ذلك يعني أراعي نفسية الطالب، الطالب بين وقت وأخر يحتاج من يشجعه، من يحفزه، من يحرك يعني القوة التي بداخله. فاستعن بالله تبارك وتعالى وأكثر من دعائه، واصبر وما صبرك إلا بالله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.