السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل بيته وذريته كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. صباح الخير يا شباب، أهلا بكم في الدرس التاسع من قراءتنا لمقدمة الإمام مسلم رحمه الله، والتي أحببت أن تكون دراستنا لها دراسة موسعة في مسائل علوم الحديث وغيره من أبواب فقه الدين في التلقي والأداء والتعليم ونشر السنن.
وأحببت أن نقف مع هذه المقدمة وقفات ينتفع بها طالب العلم في أبواب تلقي العلوم الشرعية وفي الدعوة والتعليم وغير ذلك من أبواب الخير التي ذكرها الإمام مسلم رحمه الله. أحب أن أبين أن هذه المقدمة عندي هي أجمل قطعة كتبت في علوم الحديث، سواء من حيث المسائل أو اللغة التي كتبت بها، أو الاستدلالات والشواهد التي شهد بها الإمام مسلم، أو الأبواب التي أراد أن يبثها، أو في ترتيب الموضوعات واختيار هذه الموضوعات.
فرحم الله الإمام مسلم رحمة واسعة ورفع درجته وكتب أجره ونفعنا الله بما في هذه المقدمة من الفوائد. وصلنا إلى أثر في صفحة سبعة يعني على طبعة اللي هي طبعة الفيريابي التي حققها الفيريابي، قال: حدثنا داود بن عمرو الضبي، حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويحفي عني.
وقال ولد الناصح: أنا اختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون قد ضل. حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال: أوتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه فمهاه إلا قدر، واشار سفيان بسفيان بن عيينة بذراعه يعني قدر الذراع.
سيأتي شرح ذلك إن شاء الله. حدثنا حسن بن علي الحلواني، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا ابن إدريس عن الأعمش عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله، أي علم أفسدوا! حدثنا علي بن خشرم، أخبرنا أبو بكر يعني ابن عياش قال: سمعت المغيرة يقول: لم يكن يصدق على علي أو يصدق على علي في الحديث عنه إلا من أصحاب ابن مسعود.
سنتناول هذه الآثار بالبيان إن شاء الله ونحاول أن نقف مع ما فيها من المعاني. هذا الأثر الأول هو أثر داود الضبي الذي رواه الإمام مسلم بإسناده إلى ابن أبي مليكة، وابن أبي مليكة عبد الله بن عبيد بن أبي مليكة رحمه الله أحد الثقات الحفاظ. في هذا الأثر أن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي ويحفي عني، يخفي عني يعني وفي بعض الروايات يحفي.
والإحفاء بمعنى النقص مثل إحفاء الشوارب اللي هو الجِز، أو المعنى أنه أراد منه أن يكتب له بعض الأحاديث وأن يمسك عن بعض حديثه. فقد يكون المراد من هذا الكلام -طبعا المعنى الجامع لهذا- أن ابن أبي مليكة أراد من ابن عباس أن يكتب له بعض الأحاديث وأن يخفي عنه، أو أن ينقص من الأحاديث أو أن يمسك عن بعض الأحاديث حتى لا يكثر عليه.
واختلف العلماء في معنى هذا: لماذا أراد ابن أبي مليكة أن يخفي ابن عباس بعض الأحاديث؟ هل لانه أراد مثلا أصح ما عنده أو أشهر ما عنده، أو أراد ألا يكثر عليه حتى لا ينسى؟ أو كلمة يحفي بمعنى الإحفاء عن الإلحاح والاستقصاء هذا عكس الأول، كما في قوله: يَسْأَلُكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا.
فكأن المعنى كلمة لا يحفي أو يحفي علي يعني أنه يستقصي كل ما عنده من الأحاديث لا يترك منها شيئا، أو يكون المعنى أن ينتقي له ابن عباس أحسن ما عنده فيحدثه به. ولعل هذا هو الأقرب أن ابن أبي مليكة أراد من ابن عباس أن يكتم عنه بعض الأحاديث لعلة ما، قد تكون هذه أحاديث في الفتن وسيحصل بسببها ضرر كثير ولو أرسلها ابن عباس إليه وعلم الناس بها ربما يتذرع بها بعض الناس كما كان أبو هريرة رضي الله عنه يمسك عن بعض الأحاديث خشية الفتنة.
فييمكن كأن ابن أبي مليكة يقول: أنا لو كنت استمع منك مشافهة سأستمع إلى كل الأحاديث، ولكن لأن بعض الأحاديث إذا تناقلها الناس ربما تسبب ضررا، فلذلك لم يرض أن يكتب له ابن عباس كل ما عنده. فالشاهد من هذا أن ابن أبي مليكة أراد من ابن عباس أن يكتب له كتابا يعني فيه أحاديث أو آثار ويخفي عنه.
هذا الإخفاء هو وجه الشاهد من كلام مسلم، الإمام مسلم كان يتكلم عن ألا يحدث الإنسان بكل ما سمع وأن هذا من الفقه، وقد يكون عدم تحديثه بكل ما سمع لأسباب؛ يمكن أن يكون بعض ما سمع ليس صحيحا، أو أحاديث منكرة أو مكذوبة، أو عن رواة ضعفاء أو كذابين أو متروكين، ويمكن أن يكون الحديث صحيحا لكن المتلقي لا يفقهه، ويمكن أن يكون الحديث صحيحا لكن المتلقي سيفتن به أو يفهمه على غير وجهه، أو سيتضرر به المتكلم نفسه كما في حال أحاديث أبي هريرة، أو سيتصرف به المتلقي على وجه ليس حسنا كما خشي بعض الأئمة كالحسن البصري أن يحدث الحجاج بحديث العرنيين مثلا لأنهم سيتخذونه حجة في المبالغة في سفك الدماء وكما سبق بيان ذلك في الدرس السابق.
المهم أن وجه الشاهد هنا أن ابن أبي مليكة أراد من ابن عباس أن يخفي عنه بعض هذه الأحاديث، وهذا فيه شاهد ألا يحدث الإنسان بكل ما سمع للعلل السابقة.
قال رحمه الله: كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني. فقال -يعني القائل هنا هو ابن عباس-: فقال ولد ناصح، يعني أن سائل هذا السؤال ناصح يعني صالح ومخلص عنده فقه ونحو ذلك: أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. يعني كأنه بيقول: أنا سأجيبه.
قال: فدعا -القائل هنا ابن أبي مليكة- فدعا بقضاء علي، أي الكتاب الذي جمع فيه أقضية علي، جعل ابن عباس يكتب منه أشياء، يعني ابن عباس اختار من هذا الكتاب الذي كتب فيه أقضية علي يعني ما قضى فيه علي بن أبي طالب وما أفتى فيه، لقي ابن عباس ينتقي منه أشياء مما توافق سؤال ابن أبي مليكة.
ثم يمر ابن عباس على بعض الأشياء التي لا تليق أبدا بمقام علي رضي الله عنه في العلم، في العلم بالقضاء، فيستنكر هذا يقول: أيمكن أن يكون علي أفتى بهذا؟ فينكر هذا، يقول: لا يمكن أن يقضي بهذا علي إلا أن يكون قد ضل. فهذا إنكار من ابن عباس على هذا الكلام المنسوب إلى علي بن أبي طالب، وطبعا معلوم أن علي بن أبي طالب إمام راشد فهو يقصد أن ينكر هذا الذي كتب في هذا الكتاب ونسب إلى علي بن أبي طالب ويبين أنه كذب عليه.
في هذا الأثر ما يوافق مقصد الإمام مسلم تماما، فيه مثلا حسن التلقي وفيه الانتخاب والانتققاء خشية الفتنة أو خشية ضعف الروايات، وهذا واضح جدا؛ لأن ابن عباس وجد أحاديث منسوبة لعلي بن أبي طالب وهي كذب عليه، وهذا يؤكد أن الكذب كان في الآثار أيضا وليس فقط في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
كذلك فيه علم ابن عباس بالحديث وأنه ينتقي، وهذا يؤكد أن الانتقاء أو النقد كان قديماً وليس متأخراً كما يقول بعض الناس إن مثلاً شعبة هو أول من فتش عن الإسناد. لا، هذا يقصدون في العراق أو في بلده، ولكن بشكل عام كان الصحابة الذين تأخرت وفاتهم الذين شهدوا حدوث بعض البدع والفتن والكذب في الحديث أو في الآثار كان عندهم هذا النقد.
كذلك فيه دليل على وجود الكذب في الروايات حتى على التابعين، وكذلك فيه رد المتشابه إلى المحكم. فهذا الكتاب وإن كان منسوباً إلى علي بن أبي طالب، لكن ابن عباس لما رأى نكارة بعض هذه الأقضية علم أنه لا يمكن أن تكون ثابتة على علي بن أبي طالب لعلمه بعلي بن أبي طالب ومكانته في الإسلام وقضائه.
ولعل بعض الأقضية كانت ثابتة عن علي بن أبي طالب، ثم نسب إليه كثير من أصحابه الذين ليسوا ثقات، نسبوا له كثيراً من هذه الأقضية، وهي مكذوبة عليه. وطبعا في هذا الأثر باب المكاتبة، وهو أن يكتب عالم إلى تلميذه بالأحاديث، وفي خلاف بين أهل العلم في قبول اتصال الإسناد بهذه الصورة سبق بيانه في كتاب تحرير علوم الحديث.
في أيضاً فائدة أن طالب العلم يتحرى من يأخذ عنه وماذا يأخذ عنه، وهذا دقيق جداً يا شباب. كثير من طلاب العلم ربما لا يفرق بين شيخه الطيب الذي حببه في الاستقامة، وبين الباحث المتخصص الذي يأخذ عنه العلم المعين، وأحياناً يأخذ من شخص علماً لأنه يعجب به فيه، ثم يأخذ منه علماً آخر مع أنه ليس متميزاً فيه.
الشاهد يا شباب أن هذه الآثار ينبغي أن ننتفع منها وأن نستثمرها أكثر من مجرد أن نعرف معناها، ونعرف أن هؤلاء كانوا فقهاء وكانوا عندهم من الورع والدين والتقوى ما يجعل طلب العلم عندهم أو التعليم عبادة وليس مجرد وظيفة. فهو يعرف عمن يأخذ، وماذا يأخذ، وكيف يأخذ، ومن الذي يعطيه علمه، ومن الذي يحدثه بهذا العلم.
طيب، وفيه كذلك أن الطالب يتقي ما فيه ضرر كبير أو ما فيه فتنة أو ما يخشى منه الفتنة، وهذا طبعا يشهد لكلام الإمام مسلم في أن الكذب لم يكن فقط في الحديث المرفوع بل كذلك في الآثار. الأثر الذي بعده عن طاووس قال: أوتي ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي فمحاه إلا قدر أشار سفيان بذراعه. محاه يعني أن ابن عباس لما رأى هذه المنكرات الكثيرة في هذا الكتاب محى كل هذا، وهذا فيه إزالة المنكر، وفيه رد المنكر، وفيه بيان المنكر، وفيه أن الأئمة كانوا ينقدون الروايات قديماً وأنهم إذا وجدوا شيئاً منكرا محوه لا يحدث به الناس.
وهو شاهد قوي جداً لكلام الإمام مسلم؛ لأن الإمام مسلم أساساً حذر من نشر الأحاديث المنكرة أو الضعيفة أو الأحاديث عن المجاهيل والضعفاء. فبين هنا أن ابن عباس أزال هذا المنكر ومحاه وأبقى منه الصحيح، فهو شاهد من وجهين: في نشر الأحاديث الصحيحة، وفي عدم تحديث الناس بالأحاديث المنكرة التي ثبت خطؤها بل محو هذه الأحاديث، وهذا أبلغ ما يكون في التحذير منها أن تمحى وأن تهجر أصلاً.
الكثير من الدعاة لا يهتم أبداً في الحديث إلا بمعناه، يعني يريد أن يحضر خطبة مثلاً في باب الصبر أو العلم أو الجهاد أو أي معنى من المعاني، فيرجع إلى أي كتاب لا يتحرى، فلا هو من أهل الحديث ولا من طلاب الحديث ولا حتى يتواصل مع طلاب الحديث ولا يعتمد على الكتب الصحيحة. طيب يا أخي، ما أنت عندك أحاديث صحيحة في كل الأبواب، ما الذي يحوجك إلى هذا الحديث وأنت تعرف أنه متكلم فيه أو ضعيف أو كذا أو كذا؟
وأنا أقول إن ليس هناك معنى في شريعة الإسلام يحتاج إليه إلا ويكون في كتاب الله، وفي صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما جاء عن الصحابة الكرام أبلغ ما يكون فيه، لا تحتاج أبداً لا إلى روايات ضعيفة ولا إلى قصص ولا إلى أي شيء. يعني في صحيح الحديث ما يغني عن سقيمه، فهذا أيضاً شاهد قوي جداً.
لكن شف كده لما قال الراوي اللي هو طاووس قال: فمحاه. شوفوا، محاه يعني كتاب كبير محاه إلا قدر ذراع، هذا يؤكد كثرة الكذب، يعني كأن هذا الكتاب الأصل فيه الكذب ثم فيه بعض الآثار الصحيحة. فهذا شاهد قوي لكلام الإمام مسلم أن الأحاديث الباطلة أو الآثار الباطلة كانت منتشرة، مما يدل على وجوب نقد الروايات والكلام في الكذابين والمتروكين والمجاهيل والضعفاء، وكذلك وجوب أن يحدث الناس بالأحاديث الصحيحة والآثار الصحيحة، أو أن تمحى هذه الآثار أو الأحاديث الضعيفة.
وهذا يؤكد يا شباب أن أحياناً الإنسان لا يرى المنكر، يعني مثلاً أنا كان بعض أصحابي كنا نتكلم في بعض البدع المنتشرة فكان هو، كنت أكلمه عن دورنا في تبصير الناس في مسائل الشرك وأنهم يدعون غير الله وينذرون للبدوي أو الحسين أو كذا مما هو منتشر عندنا في مصر في كثير من القرى والمدن كذلك. ترى شخصاً مثلاً دكتوراً في الجامعة أو طبيباً أو كذا، ومع ذلك ينذر لغير الله ويذبح لغير الله، هو يقف أمام قبر البدوي يقول: يا بدوي ارزقني وأطعمني وزوجتي لا تنجب اجعلها تنجب، وهذا شرك.
فكنت أحدث صديقي عنه وعن دورنا في هؤلاء بالحكمة والموعظة الحسنة، فهو كان يقول: وهل يوجد أحد يفعل ذلك؟ يعني هو لم يكن يعلم أساساً أن هذا موجود. فأحياناً الإنسان الذي لا يخرج من مكتبته لا يدري ما الذي يحدث في الخارج، فتراه مثلاً لا يعرف ما يفعله المبتدعة ولا يفعله أهل الفسق أو دعاة التنوير أو غير هؤلاء الذين يريدون تفصيل إسلام يوافق مطالب من يعطيهم الأموال وغير ذلك، فهم لا يشعرون، هو طالب علم قاعد مع الكتب وخلاص لا يعرف شيئاً.
وهذا يا شباب يؤكد أن الأئمة كانوا في كل وقت من الأوقات على خبرة مفصلة بواقعهم، وكانوا يقدمون لهذا الواقع قيام واجب الإصلاح، سواء في نفي الباطل أو في تقرير الحق. وابن تيمية رحمه الله مما أُثر عنه، وهو قول أنا أكتبه أمامي، قال: بيان الحق عند التباسه خير ما عُبد الله به. يا سلام، وهذا هو عمل الأنبياء، بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين لماذا؟ ليحكموا بين الناس فيما اختلفوا فيه.
فكل من أقام الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، ورد الباطل بالحجة والبيان، وفرق بين الحق والباطل، فهذا أولى الناس برسل الله صلى الله عليهم وسلم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لم يكن نبي قبلي إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وأن ينذرهم شر ما يعلمه لهم. فكل من سعى في ذلك أعد نفسه وتعلم ودرس ودقق في العلوم ثم كان عالماً بواقعه كان خبيراً به وعرَف ما فيه من نقص الخير أو ما فيه من وجود الشر، فسعى في رد الشر بحسب إمكانه وبنشر الخير بحسب إمكانه، فهذا هو أولى الناس بالانبياء عليهم الصلاة والسلام.
وهكذا كان الأئمة يا شباب، من أخص ما جعلني أحثكم على قراءة تراث الأئمة ليس مجرد المعلومات، وأنا تكلمت على ذلك كثيراً، ولكن أن أتعلم كيف كان يعيش هؤلاء، كيف كانوا يتلقون العلم، وكيف كانوا على خبرة بواقعهم وبالإسلام، وأنهم يقدمون لواقعهم ما يحتاجه الواقع. لم يكونوا منعزلين، لم يكونوا منفصلين، وإن كانوا مع ذلك لا يشتغلون بكل خبر ولا يعيشون على مجريات الأشياء التي تجري. بل كان عندهم علم بالواقع، لكن لم يكونوا غارقين في الواقع، وكثير من الناس لا يفرق بين هذا وذاك.
مثلاً إما أنه لا يعرف شيئاً عما يحدث حوله للمسلمين، أو أنه غارق في تفاصيل أخبار ومتابعة قنوات. والصواب يا شباب ليس كذلك، الصواب أن تجمع قلبك على هدفك وأن تجمع وقتك عليه، ومع ذلك أن تكون عالماً بما يجب أن تعلمه من هذا الواقع حتى تقدم خطاباً يناسب الناس.
واضح، وأنا تكلمت في هذه النقطة كثيراً؛ ابن عباس رحمه الله ورضي الله عنه وجزاه خيراً لما رأى هذا الكذب على علي بن أبي طالب محاه، وهذه قوة في إنكار المنكر، محاه وبين لهم ما هو الحق، وهذا هو معنى النقد.
النقد ليس بمعنى الرد أو التخطئة، وإنما النقد هو اختبار ما يعرض عليك، وقد ترى فيه صحيحاً، وقد ترى فيه خطأً أو منكراً، فهذا هو النقد. فابن عباس أقر الصحيح منه، ورد الباطل المنكر منه، وهذا هو عمل الناقد، وهذا يؤكد أن ابن عباس من أوائل في من مارسوا النقد كما سبق في أثر بشير بن كعب العدوي، وهذا وجه الشاهد من كلام الإمام مسلم.
طيب، قال في الأثر الذي بعده وذكرناه بإسناده قال عن أبي إسحاق قال: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي، قال رجل من أصحاب علي: قاتلهم الله، أي علم أفسدوا لما أحدثوا تلك الأشياء؟ يقصد به الشيعة.
وهؤلاء الشيعة الذين انتسبوا لعلي بن أبي طالب كان كثير منهم جاهلا بالإسلام، وكان كثير منهم زنديقاً فاسقاً فاجراً، وكما سيأتي بيان ذلك وسيأتي معنا إن شاء الله كتاب خاص في نقض مقالات الرافضة الذين جمعوا مع الرفض الاعتزال في كتاب منهاج السنة النبوية للإمام ابن تيمية رحمه الله.
فيقصد هنا الشيعة لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي، يعني بعد موت علي ابتدعوا ما لم يكن عليه علي رضي الله عنه، ونسبوا إليه الباطل وتقولوا عليه، فهؤلاء أولاً خرجوا عن المسلمين وخالفوا الكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة، بل ما كان عليه علي رضي الله عنه؛ لأن علياً كان على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
ثم نسبوا إلى علي ما لم يقله وتقولوا عليه، فلما اختلطت هذه الآثار الباطلة بما أثر عن علي، كان ذلك سبباً في رد ما جاء عن علي عند كثير ممن ليس لهم تمييز، يعني علموا أن هناك كذابين كذبوا على علي بن أبي طالب، واختلطت هذه الآثار بالآثار الصحيحة، فلم يقبلها كثير منهم، طبعاً إلا الذين كان عندهم علم بالرواة وبالنقد، أخذوا منها الصحيح وردوا منها الباطل.
الشاهد هنا يا شباب في أمور، أولاً أن هؤلاء الذين انتسبوا إلى علي بن أبي طالب كثير منهم كان كذاباً وكان زنديقاً كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله، وأنهم نسبوا إلى علي مقالات ليروجوا تلك المقالات؛ فإن الذي ينسب إلى كبير -ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو إلى صحابي كريم أو إلى عالم مرضي- إنما يريد أن يمرر ذلك المعنى اعتماداً على صحة ذلك.
وإن كان في الإسلام لا تقام الحجة إلا برسول الله صلى الله عليه وسلم وما اجتمع عليه الصحابة الكرام، لكن بشكل عام نسب هؤلاء أشياء أو أحاديث إلى علي بن أبي طالب أو أفعالاً ولم يفعلها رضي الله عنه، فلذلك قال أبو إسحاق رحمه الله: لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي، قال رجل من أصحاب علي: ابتلاهم الله.
طبعاً أبو إسحاق السبيعي وهو كان كوفياً وكان عالماً بهؤلاء، وهو كان فيه نوع من الميل لعلي بن أبي طالب، وهذا يكسب ذلك قوة، فكان عالماً بهؤلاء وبتحريف هؤلاء، وبين أن التشيع لعلي بن أبي طالب لم يكن معناه هذه، وإنما كان فيه نوع من الميل أو النصرة، ولم يكن فيه كل تلك المحدثات، فالتشيع درجات شباب.
ولم يكن أبداً عند الذين كان فيهم ميل للتشيع أو لعلي بن أبي طالب لم يكن فيهم أبداً مثلاً تفضيل علي على أبي بكر وعمر، ولم يكن فيه سب أبي بكر وعمر أو سب أمهات المؤمنين، كل هذا يا شباب إنما نشأ فيهم متأخراً لم يكن كذلك.
فالشاهد من هذا الأثر يا شباب وجود الكذب في الآثار، وكذلك أن الذي يكذب يفسد الأحاديث الصحيحة خصوصاً حينما تختلط، ووجوب وجود في الأمة من يكون خبيراً بهذه المقالات، لذلك يا شباب أنا أقول: الذين يزاهدون الناس في علوم الحديث ويقولون يعني قد اكتفينا، كيف اكتفينا يعني؟ ليس هناك باب من أبواب الاسلام فيه كفاية، بل نحن دائماً نحتاج أن نتعلم حتى يؤدي كل جيل دوره في الإصلاح.
يعني واحد قبل ذلك، أحد الدعاة جاء إلى بيتي فعرف أنني مهتم بعلوم الحديث وأحبها كثيراً، وهو كان رجلاً فاضلاً طيباً ولكنه أراد أن ينصحني ولكن بئست النصيحة، يعني ما أزال أذكر هذا الموقف تماماً، كنا في وقت متأخر، وجاءني مع صديق يعرفني، وجاء إلى بيتي ونادى: يا حسين، يا حسين.
فخرجت له، قلت: أهلاً ومرحباً، تعال تفضل، قال: لا، نريد أن نجلس في السيارة قليلاً، فجلست معه.
قال لي يعني: لماذا تعتني بعلم الحديث وكذا، واهتم بابواب العبادة؟ قلت له: أنا الحمد لله أهتم بابواب العبادة، أهتم بكتاب الله وأهتم بعلوم القرآن، ومع ذلك أحب علم الحديث، وأرى أن المسلمين يحتاجون هذا الباب، وعندي ميل له وكذا وكذا.
والله يا شباب بقي يزهدني في هذا العلم، ويقول: هو سيقسي القلب، قلت: لماذا يقسي القلب؟ يعني علم الحديث هذا من أخص أبواب خدمة الإسلام، الأئمة الكبار أئمة الزهد والورع والآمامة، وكانوا على دين، ليست المشكلة في علم الحديث، وإنما المشكلة في فساد قلب الإنسان.
حتى لو كان يدرس القرآن كما كان الخوارج يدرسون القرآن، ومع ذلك كانوا ضلالاً وقتلوا الصحابة واستحلوا دماءهم وكفروهم، فليست المشكلة في العلم كعلم وإنما المشكلة في نفس المتلقي.
فإذا كان المتلقي يعرف كيف يأخذ وماذا يأخذ، وكان مع ذلك يعتني بقلبه وبأعماله الصالحة، فعلم الحديث يزيده بصيرة، والشافعي قال: من تعلم الحديث فقد قويت حجته.
المهم بقيت أتكلم معه، فهو نفسه قال لي كلمة، قال: إن الشيخ الألباني رحمه الله كفانا كل هذا، قلت له: نعم جميل، هو الشيخ أدى ما عليه في وقته رحمه الله وغفر الله له، ولكن علينا نحن أن نبقي هذا، يعني أن نبقي في الأمة في كل باب من يعتني بها.
فهو نفسه كان، قلت له: طيب حضرتك معتني جداً بابواب الرقائق والزهد، إذا قال لك قائل إن أبواب الزهد كفانا فيها ابن القيم وأبواب الرقائق ونحو ذلك، ماذا تقول؟ فقال: أنا أنشر ما يقول، قلت له: تماماً بالتحديد ما أفعله، أنا أنشر ما قاله الأئمة المتقدمون، أنا لم أكن أجادل معه، وإنما كنت أبصره بأدب وحكمة، وأشكر له أنه جاء ينصحني.
والإنسان يجب أن يحب الناصحين، لكن في فرق بين أن تحب الناصحين وأن تقبل كل نصيحة؛ لأنه يمكن أن يخطئ النصيحة، ولا شك أنه أخطأ في هذه النصيحة، وأردت أن أبين له أن من طلاب علم الحديث من يعتنون بابواب الإيمان وتزكية النفس والاستقامة.
لعله قابل بعض طلاب الحديث الذين وجد فيهم غلظة أو وجد فيهم سوء أدب أو وجد فيهم تربص بمن يحضرون له من الخطباء أو الأئمة، نعم لعلهم وجد ذلك، لكن هل وجود من يسيء أمرا هو في الأصل أمر حسن؟ هل وجود هؤلاء يجعلنا نزهد الناس في اصل العلم؟ لا، بالعكس، بل ينقى العلم منهم.
وأنا أحب كثيراً أن أنبه على هذا المعنى يا شباب، بعض الناس مثلاً يقول: أنا صرت أبغض طلاب العلم، لماذا؟ لأنه وجد فلاناً.
يحقر الناس، وفلانا لسانه طويل، وفلان مثلا عنده كبر، وفلان مثلا يشتغل بقضايا تافهة، أو فلان لا يفرق بين ما تعلم هو وما ينشره بين الناس. نعم كل هذا موجود، لكن هل المشكلة في الفقه في الدين؟ بالعكس، الفقه في الدين من أعظم أبواب العبادة، ومن أعظم الأبواب التي ينصر بها الدين؛ فيجب هنا أن نقدم للناس نموذجا حسنا لمن يطلب الفقه في الدين.
آآ نختار بعناية الموضوعات التي نتكلم فيها، ونعلم أننا مسئولون. فأنا اردت أن أبين هذه الفكرة يا شباب، وهي آآ ضرورة وجود من يتعلم هذه العلوم في شباب الإسلام. فهذا أيضا يا شباب آآ من الشواهد على وجود الكذب في الروايات، آآ بل في الآثار.
اه قال: أي علم أفسدوا؟ تكلمنا عليها؛ لأنهم لما خلطوا ذلك، اه خلطوا صحيح ما جاء عن علي بن أبي طالب بالمنكرات التي اه آآ يعني نسبت إليه، أفسدوا علما كثيرا وأساءوا إليه؛ لأن من ليس له تمييز إذا عرف أن ما نسب لعلي منه كذب ومنه صحيح، أنه سيتركه كله. لكن أهل العلم يعرفون كيف يقبلون؛ فإنهم يسألون عن الإسناد.
الأثر الذي بعده عن المغيرة، طبعا ذكرنا نحن الآثار قبل ذلك بأسانيدها، يقول: لم يكن يصدق أو يصدق، يعني فيها روايتان. طبعا يا شباب، الأثر الفائت هذا فيه فائدة: أن الكذب في الشيعة هو كثير وشائع، بل هم المعنيون أصالة حينما يققال: لا يؤخذ عن أهل البدعة. هؤلاء أول من يدخل في التحذير عن الأخذ من أهل البدع لا سيما الأحاديث؛ لأنهم يستحلون الكذب، كثير منهم يستحل الكذب.
وهم في رأيي المعنيون آآ هم آآ الزنادقة من الخوارج، هم المعنيون بقول ابن سيرين: ينظر إلى أهل السنة اه فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم. هم المعنيون بهذا أصالة؛ لأن كثيرا منهم كان يستحل الكذب.
طبعا آآ المغيرة آآ رحمه الله، هو المغيرة بن مقسم، وهو كوفي فقيه. وطبعا شهادته يعني لاحظ الإمام مسلم يعني كان دقيقا في اختيار من يشهد لهذه الفكرة. آآ أبو إسحاق هو كوفي وهو عالم بهؤلاء، وكذلك المغيرة بن مقسم كذلك آآ فقيه كوفي ثقة فبين ذلك؛ لأن التشيع ظهر في الكوفة كثيرا، وهي البلد التي يعني أقام فيها علي بن أبي طالب آآ رضي الله عنه.
قال: يصدق أو يصدق، ينفع الاثنان يعني، لم يكن يصدق على علي في الحديث عنه اه. وإذا كان كلمة يصدق أو يصدق، كلمة يصدق أو يصدق فيها فائدة، وهي وجود نقد الروايات وتمييز الصحيح من السقيم؛ لأنه إذا قال: لم يكن يصدق على علي أو يصدق على علي، فهذا يؤكد علم هؤلاء الأئمة بالثقة والضعيف، أو من يصدقه الناس ومن يكذبه الناس. فهذا فيه -سواء برواية يصدق أو يصدق- كلمة يصدق يعني شهادة لهؤلاء بالصدق، وكلمة يصدق شهادة لهؤلاء أنهم مرضيون عند أهل العلم النقاد.
قال: لم يكن يصدق، لكن في رأيي الأقرب هي لم يكن يصدق على علي في الحديث عنه، يعني اه في في الروايات عنه آآ إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود. كلمة إلا من أصحاب عبد الله بن مسعود فيها يعني معنيان؛ يعني معناها: أنه لم يكن يؤخذ آآ عن أصحاب علي إلا إذا كانوا كذلك من أصحاب عبد الله بن مسعود؛ لأن عليا وابن مسعود كانا في الكوفة يا شباب.
وابن مسعود روى عنه كبار التابعين والمخضرمون واضح آآ. هؤلاء له ابن مسعود له أصحاب ثقات مثل علقمة بن قيس وأبي وائل -اللي هو شقيق- ومسروق والأسود يزيد، فهؤلاء أيضا كانوا أصحاب علي رضي الله عنه، فهذا هو المعنى الأول. هناك معنى آخر: أنه لم يكن يقبل من الحديث عن علي، ولكن كان يقبل من آآ أصحاب عبد الله بن مسعود الثقات.
يعني أنه كلمة إلا هذه يعني استثناء على غير بابه، اللي هي بمعنى لكن، واضح كده آآ. كقول بعض المفسرين: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ. المراد: لكن إبليس؛ باعتبار أن إبليس ليس من الملائكة. فهذا اسمه استثناء ليس على بابه.
لكن في رأيي والله أعلم أن المراد أن النقاد كانوا يأخذون روايات عن علي بن أبي طالب من ثقات أصحاب عبد الله بن مسعود؛ لماذا؟ لأنه يوجد في الرواة عن علي بن أبي طالب كذابون نسبوا إليه أشياء لم يقلها، فلذلك رد العلماء آآ أحاديثهم. أما عبد الله بن مسعود فله أئمة حفظوا حديثه واعتنوا به، وآآ لم آآ يحدث عنه أو لم يكذب عليه كما كذب على علي بن أبي طالب.
فمعنى هذا يا شباب آآ أن هذا القول، اللي هو من قول المغيرة، أولا يثبت وجود الكذب على علي بن أبي طالب وهو كثير جدا، وكذلك يثبت أن الروايات عن علي بن أبي طالب يجب أن تكون من نفس الطرق التي آآ ثبت بها الحديث عن عبد الله بن مسعود، اللي هو كما ذكرت لكم علقمة وأبو وائل والأسود آآ مسروق وهؤلاء. آآ كذلك الشباب هذا يؤكد أن آآ كثيرا من آآ ممن روى عن علي بن أبي طالب يكذب عليه ليمرر كثيرا من هذا الباطل، وآآ كأن أصحاب ابن مسعود هنا ذكروا كنموذج لهؤلاء الذين حفظوا أحاديث الصحابي الذي تعلموا عنه. وهو أيضا شاهد للإام مسلم في وجود الروايات عن الكذابين وعن المجاهيل وعن آآ المتروكين؛ لأنه لما يعني كأنه يقول هنا: لم يكن العلماء آآ إذا قال أحد قال علي بن أبي طالب لم يكن العلماء يلتفتون إليه إلا إذا كان من كبار أصحاب عبد الله بن مسعود؛ لأن هؤلاء ثقات وكذلك كانوا أمناء.
طيب، الباب الذي بعده الذي يعني ترجم له لعل الذي ترجم له هو النووي رحمه الله: باب في أن الإسناد من الدين. قال: حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد. وحدثنا فضيل عن هشام قال: وحدثنا مخلد بن حسين عن هشام عن محمد بن سيرين قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم.
هذا الإسناد يا شباب بعض الناس لم يفهمه. يعني حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا حماد عن أيوب وهشام، الآن الإمام مسلم من شيخه الذي حدثه؟ هو حسن بن الربيع؟ تمام، حدثه الحسن بن الربيع عن حماد. حماد هذا له شيخان في هذه الرواية: أيوب -اللي هو أيوب السختياني- وهشام -اللي هو هشام بن حسان-. وهشام بن حسان من آآ الثقات اللي هي آآ الذين يروون عن محمد بن سيرين، وهو من كبار أصحابه هو وأيوب السختياني. يبقى انتهى الإسناد هنا عن محمد -اللي هو محمد بن سيرين-.
وحدثنا فضيل، هذا هو الفضيل بن عياض. من الذي قال حدثنا شباب؟ الذي قال حدثنا هو حسن بن الربيع؛ يبقى حسن بن الربيع يا شباب هنا هو الذي يتكلم وليس مسلما؛ لأن الفضيل بن عياض أساسا كبير، والذي يروي عنه هو حسن بن الربيع وليس مسلما. آآ قال: وحدثنا فضيل، طبعا هو الفضيل بن عياض هو أبو علي الزاهد، وطبعا هو من أهل خراسان ونزل مكة، وهو ثقة عابد إمام آآ جمع بين التفقه في الحديث وآآ شهرته بالورع.
وكان مجاورا للبيت الحرام، وكان يهاب الحديث، وكان ورعا. وفي رأيي أن هذا نموذج فريد، أن كثيرا من المشهورين بالزهد في هذا الباب يعني ضعفاء، لا يعتنون بتحري الحديث ولا الرواية، ويتساهلون فيها، ويرون المنكرات. وكان قد حذر منهم الأئمة، حتى قيل آآ يعني قال بعضهم: إذا قال لك حدثنا فلان الزاهد فاغسل يديك من الحديث؛ كناية على أنهم يتساهلون ولا يتحرون.
لكن هذا الرجل من الصالحين ومن الأئمة ومن العباد، وآآ يعني يعجبني جدا وصف إسحاق آآ الطبري. إسحاق بن إبراهيم الطبري قال: ما رأيت أحدا أخوف على الناس آآ أخوف على نفسه ولا أرجى للناس من الفضيل.
وهذا معنى جليل وشريف جدا يا شباب؛ أن هو كان يخاف على نفسه، وكان يقلل من نفسه، وكان يزكي نفسه -ومع ذلك يرجو الخير للناس ويحسن الظن بهم-. ولا شك أن هذا له فقه، ولكن بشكل عام هذا من الصفات الحسنة، فأنا في رأيي
إن فضيل بن عياض، وطبعا قصة توبته مشهورة جدا لمن يريد أن يراجعها. في رأيي أن هذا الرجل فريد من هذا الباب، أنه جمع التفقه في الحديث، جمع بين أقصد الورع تزكية النفس والعناية بهذه الأبواب، ومع ذلك كان ثقة في حديثه. طبعا لم يكن معتنيا بالحديث كسفيان بن عيينة مثلا وكالثوري وشعبة، ولكنه بشكل عام كان ثقة في الحديث، وكان يهاب الحديث.
وأعجبت جدا هذا الوصف، أنه كان شديد الهيبة للحديث. يوقر الحديث. ليس ككثير من الوعاظ أو الخطباء أو العباد يتساهل جدا في أن ينقل رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو لم يتثبت منها. أو ككثير من هؤلاء الذين يعتمدون على الروايات الباطلة والموضوعة في إنشاء خطب ومعان كثيرة لم يشهد لها القرآن والسنة ولا ما كان عليه الصحابة.
مع التنبيه أن ابن تيمية رحمه الله حينما يتكلم عن أئمة التصوف الكبار الذين كان لهم عناية بالعبادة وهم قريبون جدا من أهل السنة، وإن كان عليهم بعض المآخذ. مثل مثلا اعتزال الناس، ومثل التعبد بما ليس مشروعا، أو المبالغة في الخوف من الله الذي قد يصل إلى اليأس والقنوط، أو مثلا تحريم الطيبات، ولكن بشكل عام, هناك بعض الأئمة كانوا قريبين من أهل السنة، يعني على رأسهم الفضيل بن عياض.
طبعا هو كان سنيا، وأقصد قريبين من أهل السنة، يعني أنهم هم من أهل السنة. ولكن أقصد أنهم أخذ عليهم مآخذ معينة في طريق التعبد. أو في طريقة العيش بشكل عام. لكن هذه طريقة يردها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لكنهم بشكل عام أقرب هؤلاء إلى الحق.
من هؤلاء طبعا الفضيل وسهل التستري والجنيد وابن نجيد وأبي سليمان، وأبو سليمان الداراني وغير هؤلاء ممن سيأتي الكلام عنهم مفصلا في كتاب مهم جدا في نقد الرسالة القشيرية، وهو كتاب الاستقامة للامام ابن تيمية رحمه الله. وفيه أن القشيري نسب إلى هؤلاء الأئمة ما لم يكونوا عليه وما يخالفه ما كانوا عليه. وسيأتي ذلك إن شاء الله.
المهم, اردت فقط أن أقف مع هذا المعنى الجميل في ترجمة فضيل بن عياض. وأنا والله يا شباب لا أترجم. أنا لو دخلت في باب الترجمة لهؤلاء، أنا أحب الكلام عنهم جدا. وكان من أخص الأمور التي أكرمني الله بها بطلب لعلوم الحديث, أني كنت كل أسبوع يعني أخصص يوما لتراجم الأئمة الكبار. من أول طبعا العناية بالأنبياء الكرام, هذا هو الأصل. في تتبع ذكر الأنبياء في القرآن وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم سيرة النبي صلى الله عليه وسلم. ثم الصحابة وأعلاهم الأئمة الأربعة الخلفاء. ثم بعد ذلك كبار أئمة السنة, مثل ابن سيرين والشعبي والحسن البصري وقتادة والزهري وأبو إسحاق السبيعي والأعمش ويحيى بن كثير وهؤلاء الأئمة. لازم لا يمر أسبوع إلا وأقرأ على الأقل ترجمة أو اثنين لهؤلاء.
وكنت أخصص يعني كبار هؤلاء الذين لهم أثر كبير في الإسلام. مثلا شعبة، ابن المبارك، طبعا أجمل ترجمة قرأتها في حياتي هي ترجمة ابن المبارك. هذه لا يشبع منها. ولابد أن تتغير بها. يقينا. يعني أنا لم أر أحدا قرأ ترجمة ابن المبارك ثم خرج منها كما كان قبلها. وكذلك ترجمة أحمد والبخاري.
هذه التراجم يا شباب كنت أقرأها بعناية كبيرة جدا وأتعلم من هؤلاء. وأقيد كل ما يوافق كلامهم في تزكية النفس أو العلم أو الأمانة أو الدين أو الإصلاح أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو الصدع بالحق أو التكامل مع إخوانهم من أهل العلم. جمعت من ذلك شباب علما كثيرا، وأكرمني الله سبحانه وتعالى بذلك.
وإن شاء الله غدا الاثنين عندنا درس في تبع دروس الجامعة في الثامنة مساء، بعنوان كلمات تأسيسية لأهل العلم ينتفع بها طالب العلم. هذا يعني أنا ذكرت جملة مما جمعته من أهل العلم، لكنها مقالات عظيمة جدا ينتفع بها طالب العلم. إن شاء الله سنقف مع طرف منها بإذن الله.
أنا يا شباب أشجعكم على هذا. وطبعا من أفضل الكتب في ذلك كتاب سير أعلام النبلاء. اختر الأئمة, مثلا الأوزاعي، الزهري، شعبة، سفيان الثوري، سفيان بن عيينة. اقرأ في تراجم هؤلاء، واكتب كل ما يعني يزيد إيمانك ويزيد علمك ويزيد حكمتك ويجرئك على تحمل المسؤولية ونحو ذلك من المعاني.
فرحم الله هؤلاء الأئمة الذين حفظ الله تبارك وتعالى بهم الدين. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون لنا نصيب من هذا، أن يكون لنا نصيب ليس في أن نكون مشهورين ولا أن نكون معروفين، ولكن أن يرضى الله تبارك وتعالى عنا بهذا العلم. أن نحاول أن نكمل هذه السلسلة المباركة التي كان فيها كل عالم من هؤلاء يتقي الله، ويجتهد في نصر السنة وفي رد البدعة وفي الإصلاح بين الناس، وكان حكيما، وكان عالما بواقعه.
وكل إنسان يطلب من هذه الأبواب يا شباب ما يناسبه. لا تقلد أحدا في ذلك. طيب، قال: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. أظن أن احنا ذكرنا الإسناد، يبقى قال: حدثنا الفضيل عن هشام. يبقى الفضيل حدثه عن هشام يعني حسن الإسناد كالتالي يا شباب. حسن بن الربيع عن حماد عن أيوب، وهشام عن محمد بن سيرين.
طب الإسناد الآخر؟ قال: مسلم وحدثنا حسن بن الربيع عن الفضيل عن هشام، خلاص انتهى الإسناد إلى هشام. قال: وحدثنا مخلد بن حسين. برضه الذي قال حدثنا مخلد بن حسين هو حسن بن الربيع. يبقى يا شباب حسن بن الربيع في هذا الحديث له ثلاثة مشايخ، أو يعني الذين حدثوا حماد, اللي هو حماد بن زيد، وفضيل بن عياض، ومخلد بن حسين. تمام كده؟
طيب, لماذا فصل الإمام بين الروايات؟ لأن مسلما دقيق دقيق في هذا. حسن بن الربيع لما حدث عن حماد, حماد حدثه عن اثنين؛ عن أيوب, وهشام عن محمد. لكن لما الحسن حدث عن فضيل بن عياض جعلها عن هشام فقط. تمام كده.
ولما حدث عن مخلد أيضا جعلها عن هشام فقط ولم يجمع معه أيوب. فلذلك فصل الإمام مسلم بين هذه الأسانيد. يبقى بالاختصار كده يا شباب، مختصر الكلام؛ الحسن بن الربيع سمع من حماد عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين. والحسن بن الربيع سمع من فضيل عن هشام عن محمد، ومن مخلد بن حسين عن هشام عن محمد بن سيرين أيضا.
إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. قاعدة عظيمة جدا. إن هذا العلم دين. دين يعني عبادة، قربة إلى الله. وهذا شباب من أجمل ما قيل في طلب العلم على الإطلاق. إن هذا العلم دين، رتب على هذه الكلمة كل معاني الخير.
إن هذا العلم دين، أخلص فيه النية لله. إن هذا العلم دين، انتقي من تأخذ عنه دينك. إن هذا العلم دين، فلا تطلب به دنيا. إن هذا العلم دين، فانظر من تعطيه دينك. كذلك يعني إذا كنا نتكلم عن الاحتياط في الأخذ، فإننا كذلك نتكلم عن الاحتياط في العطاء.
كما أنك يجب أن تنتقي من تأخذ عنهم، انتقي من تعطيهم علمك. واضح يا شباب أن هذا العلم دين، يعني يتقرب به إلى الله. فكأنه تعليل لما جاء بعده. إن هذا العلم دين، لذلك انظروا عمن تأخذون دينكم. فكأنها تعليل لأنه عبادة.
فانظر, وهذا شباب ليس فقط خاصا بعلم الحديث، وإن كان هنا هو يريد الحديث: إن هذا العلم, الألف واللام للعهد الذي يفهمه المتلقي، وكان يقصد به أصالة الحديث. ولكنه بشكل عام, انظر من تأخذ عنه دينك. وكم من إنسان فسد بسبب من تلقى عنهم العلم.
وكم من إنسان صار سليط اللسان قليل الأدب متكبرا مستعليا أو تافها يشتغل بأمور فارغة، لكونه لم ينتقِ ولم يعلم ممن يأخذ. والحمد لله الخير موجود. إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. لماذا هذا العلم دين؟ لماذا قال إن علم الحديث دين؟
لأن علم الحديث ينسب به إلى الدين حينما يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، أو قال علي، أو قال أبو بكر أو غير هؤلاء، فإنه ينسب إلى الدين ما ليس منه، أو ينسب إلى الدين ما هو فيه. فبالتالي هذا سيترتب عليه التلقي وانتشار الأحاديث، وكذلك عمل الناس بها. وهذا عام يا شباب في كل علم شرعي. وهذا يا شباب المعنى في رأيي مهم جدا، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بهذا.
وهذا يا شباب يؤكد أن النقد بدأ في الأئمة مبكرا. كان الأئمة، أئمة العلم أئمة الإسلام، الذين يرون مسؤولية الإصلاح والنصح لأمة المسلمين، كانوا يواجهون كل بدعة أو محدثة أو باطل بما يناسبه في عصره. فلذلك أنشأ هذه المقالة المباركة هذا الإمام الجليل، وهو محمد بن سيرين، من كبار أئمة التابعين وهو متوفى سنة مائة وعشرة، وأنشأ هذه المقالة التي تعد يعني مقالة تأسيسية: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، يعني انظر وانتق.
وهذا أيضا شاهد قوي للإمام مسلم من جهات؛ أولا: وجود الروايات المنكرة، وإلا إذا لم تكن الروايات المنكرة موجودة أو الباطلة، لم يكن يحذر محمد بن سيرين عمن نأخذ. وثانيا: وجود الرواة الكذابين أو المجاهيل أو المتروكين؛ لأنه أساسا يطالبك بأن تتحرى عمن تأخذ الحديث. وكذلك فيه نشأة النقد في الروايات مبكرا، وأن هذا النقد ليس من الغيبة. فإن الإمام مسلم كان يرد على جهلة العباد الذين كانوا يرمون أئمة النقد بأنهم يغتابون الصالحين، وأنهم يقولون في الأحاديث بالخرص والظن.
فجاء بهذا الشاهد من كبار أئمة العبادة، الإمام في الدين، وهو محمد بن سيرين قال له: هذا الإمام كان يدعو إلى النقد والتحري، وهذا يلزم عنه أن نعرف من الثقة ومن الضعيف، ونحكم على الروايات الثقة والضعيفة من الصحيحة. فهذا ضمنا يقتضي وجود علم الجرح والتعديل والعلل ونقد الروايات، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. يعني أنا حينما أكلّفك بأمر فأقول لك: لا تحدث عن المجاهيل أو المتروكين وحدث عن الثقات، هذا ضمنا يقتضي أني أمرك بالعلم بقواعد النقد ومعرفة الجرح والتعديل والعلل.
فلما قال: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فهذا يؤكد ضمنا وجود علم الجرح والتعديل وعلم العلل ونقد الروايات. وأن هذا ليس كذلك، وهذا شاهد جميل أن الكلام في هؤلاء إذا كان على قدر الحاجة وعند الحاجة، فهو من الدين وليس من الغيبة. هذا ليس من الغيبة بل هو من الدين، عدمه هو من الدين والسكوت عن هؤلاء، عدمه ليس من الدين، والسكوت عن هؤلاء هو الذي يخالف الدين ويناقض الدين. فكل من تكلم في هؤلاء بعلم وعدل وصدق وإنصاف وأراد وجه الله، فهذا من أخص الأعمال الصالحة. واضح يا شباب؟
طيب، فهذا وجه استدلال الإمام مسلم. طيب بعد ذلك، قال رحمه الله: حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح، حدثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم. هذا الأثر أيضا يا شباب من الآثار التأسيسية أيضا لمحمد بن سيرين رحمه الله. ونلاحظ أن محمد بن سيرين كان بصريا، وعموما الكذب انتشر في العراق قبل أن ينتشر في غيره. لذلك تجد مثلا من رواة الكوفة كثيرا من الكذابين، ولم يكن الكذب موجودا منتشرا في أحاديث مثلا أهل الحجاز أو غيرهم، وإنما كان منتشرا هنا في العراق.
يعني طبعا قال حدثنا، اللي هو أبو جعفر محمد بن الصباح، هذا يا شباب أبو جعفر هذا يعني له لقب أو ينسب، يقال: أبو جعفر محمد بن الصباح الدولابي، هو صاحب السنن. يعني له كتب في السنن، والامام أحمد كان يعظمه، وكان ثقة حجة، روى عنه أحمد، وروى عنه عبد الله بن أحمد، وروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود. لكن يا شباب هو غير الدولابي، اللي هو مؤلف كتاب اسمه الكنى والأسماء. صاحبنا هذا، أبو جعفر الدولابي هذا، يعني توفي سنة مئتين وسبعة وعشرين، وهو غير أبي بشر محمد بن أحمد الدولابي، اللي هو مؤلف كتاب الكنى والأسماء، وهذا الكتاب مطبوع وكتاب مهم جدا في الكنى، يعني الرواة الذين ذكروا بكناهم، وهذا متوفى سنة ثلاثمائة وعشرة، فهذا غير هذا يا شباب، حتى لا يختلط عليكم، ودولاب هذه قرية كانت بالري.
قال: حدثنا إسماعيل بن زكريا الخلقاني، هذا كان يعني متوسطا في الرواية، لم يكن من جملة الثقات، لكنه متكلم فيه. الإمام مسلم لم يكثر عنه، روى عنه تقريبا عشر أحاديث. أنا يا شباب لا أتَرجم، ولكن أذكر بعض المعاني التي يحتاجها الطالب الذي سيكمل في قراءة كتاب الإمام مسلم. ولعلنا إن شاء الله نوفر بعد ذلك وقتا نقرأ فيه في كل كتب السنن، هذا في خطتي إن شاء الله أن نمر على كتب السنن ومسند أحمد وموطأ مالك وسنن الدارمي إن شاء الله. نسأل الله أن يعيننا على ذلك، يعني نجعل له مثلا، قل لي مثلا مدة، نأخذ مثلا أسبوعا في قراءة البخاري مثلا، ثم أسبوعا في قراءة مسلم والترمذي وهكذا.
وكذلك مسند الإمام أحمد نمر مرورا سريعا، وكذلك سنن مسند الدارمي، وكذلك طبعا موطأ مالك. وأرجو أن يكون معنا، وهذا أساسي في الخطة بإذن الله، تفسير، أيضا هذا سيكون معنا بإذن الله، فلعلنا إن شاء الله يعني الواحد نفسه في أشياء كثيرة جدا، ولكن الوقت صراحة ضيق. نسأل الله أن يبارك في أعمارنا، يعني أنا نفسي أقرأ معكم كل كتب الإسلام، والله العظيم نفسي أقرأ معكم كل هذه الكتب، يعني نبقى من أول الفجر إلى منتصف الليل، نتدارس هذه العلوم ونتعلم وننتفع، نتعاون على هذا الطريق، ولكن سبحان الله الوقت ضيق جدا، والأبواب كثيرة. عندي مجموعات كثيرة جدا، وكثير من أهل الخير عندهم معاهد ويريدون أن أشارك معهم. يعني كنت أحب أن أعطيكم وقتا أكثر من ذلك بكثير، كما كنا نأخذ مثلا في اليوم ست ساعات، ولكن يعني أحببت أن يتوزع الخير، ولكن الله سبحانه وتعالى أهم شيء ينفعنا بهذا العلم.
قال: عن عاصم الأحول. عاصم الأحول بن سليمان، هو ثقة، تكلم فيه يحيى القطان، ولكن العلماء لم يقبلوا هذا النقد، وهو عموما من جملة الثقات، وأكثر عنه مسلم. يعني مسلم روى عنه كثيرا، وكان يقال: ليس في العواصم، يعني في الذين اسمهم عاصم، أثبت منه، يعني من عاصم الأحول. لو كان مثلا يفاضل بينه وبين عاصم بن أبي النجود، اللي هو الذي نقرأ قراءته، وهي حفص عن عاصم هذا، وكان عاصم الأحول أقوى منه بشكل عام، وهو من الثقات.
قال ابن سيرين: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. هذا يا شباب تأريخ مهم جدا لبداية النقد في الروايات، وهذا لابد أن يرجع فيه إلى زمن السؤال. يعني لم يكونوا يسألون عن إسناد، يقصد ابن سيرين أن من أدركه من الصحابة وأئمة التابعين وكبار التابعين لأن ابن سيرين توفي سنة مائة وعشرة، ويقصد أنهم لم يكونوا يسألون عن الإسناد. لماذا؟ لأن الراوي إما أن يكون صحابيا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم واضح، أو يكون صحابيا يروي عن صحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يكون تابعيا من الكبار الذين لا يروون إلا عن الصحابة، أو أن يكون تابعيا ثقة مأمونا لا يحدث عن الضعفاء. فبالتالي كانوا لا يسألون عن الإسناد، وهذا يؤكد أن السؤال عن الإسناد نشأ بسبب وجود الكذب وانتشار الرواة الضعفاء والكذابين، وهذا.
هذا شاهد لما قاله الإمام مسلم، لكن بعض الناس الشباب احتج بهذا على تصحيح الحديث المرسل. قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فمعنى ذلك أن الحديث المرسل يقبل. لماذا؟ لأن الرواة كانوا لا يسندون باعتبار أن من أسقطوه من إسناد بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم كان ثقة، فلذلك نقبل المرسل.
وهذا يا شباب ليس صحيحاً. المرسل عند أهل الحديث ليس بحجة، حتى الشافعي لما أتى إلى المرسل جعل له ضوابط ذكرناها في كتاب الرسالة، منها أن يكون من كبار التابعين وأن تتعدد الطرق وأن يشهد له ما يقويه إلى غير ذلك. يعني المرسل أيضاً عند الشافعي ليس حجة؛ لأنه اشترط له شروطاً، فبالتالي يا شباب هذا ليس شاهداً على تصحيح الحديث المرسل.
المرسل اللي هو رواية التابعي عن النبي صلى الله عليه وسلم، لابد من معرفة الإسناد. حتى الذين صححوا المرسل إنما صححوه بشواهد وضوابط، واشترطوا فيه شروطاً شديدة وسبق ذكرها في الكتب السابقة جميعاً، وفي كتب الحديث، وحتى في كتاب الرسالة توسعنا فيها.
قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد. يكون هذا، هذا ضمير الجمع هذا يعود إلى من أدركهم ابن سيرين من الصحابة وأئمة التابعين وكبار التابعين وهكذا. لأن ابن سيرين يا شباب من أواسط التابعين. الحسن وابن سيرين من أواسط التابعين. وأواسط التابعين شباب هم الذين لم يلتقوا الصحابة الكبار: أباکر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود.
أقصد بالكبار هنا الذين تقدمت وفاتهم؛ لأن في صحابة تأخرت وفاتهم مثل ابن عمر وأنس وابن عباس، واضح؟ الذي يروي عن الصحابة الذين تقدمت وفاتهم هذا إما أن يكون مخضرم، يعني مثلاً كان عاش الجاهلية والإسلام ولم يرَ النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به، وإنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم أو في بلد بعيد ولم يلتقِ بالنبي صلى الله عليه وسلم ولكنه عاش في زمنه، مثل قيس بن أبي حازم وأبي عبيدة السلماني وزر بن حبيش، هؤلاء من المخضرمين.
وقد يكون من كبار التابعين، يعني مثل سعيد بن المسيب وعلقمة بن قيس النخعي وهؤلاء. الشاهد يا شباب أن لم يكونوا هو يتكلم عن صدر هؤلاء، أو الصحابة الذين أدركهم، وكذلك عن أئمة التابعين.
طيب، قال: فلما وقعت الفتنة. هذا بقى مهم جداً يا شباب. لما وقعت الفتنة، ما هي هذه الفتنة التي وقعت؟ الفتنة يا شباب يعني لها معاني، منها مثلاً بمعنى الابتلاء، منها بمعنى مثلاً الاختبار، بمعنى المحنة، ولكن المقصود هنا ظهور الفرق أو المقالات الباطلة، وعلى رأس هؤلاء الخوارج والشيعة، فهؤلاء أول البدع التي ظهرت، واضح كده؟
فالقرطبي رحمه الله له تعليق. القرطبي هنا ليس المفسر يا شباب، وإنما القرطبي الذي شرح مسلم، اللي هو القرطبي صاحب كتاب اسمه المفهم في تعليقات على كتاب مسلم، وله تعليقات نافعة جداً يا شباب. يقول إن هذه الفتنة هي فتنة مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وفتنة خروج الخوارج، الذين خرجوا على علي ومعاوية رضي الله عنهما؛ لأنهم كفروا عليا ومعاوية واستحلوا الدماء والأموال.
وقد اختلف في تكفير هؤلاء، وبشكل عام شباب الصحابة لم يسن فيهم سنة الكفار، ولكن أنهم قاتلوهم، ولا تلازم بين القتال والحكم بالكفر. سبق بيان ذلك كما في كتاب الإيمان الأوسط، وبشكل عام أنهم لم يكفروهم ولكنهم قاتلوهم لأنهم بدءوهم بالقتال إلى غير ذلك، ولأنهم كانوا بغاة، إلى غير هذه المعاني.
القرطبي يقول: ولا يشك في أن من كفرهم لم يقبل حديثهم، ومن لم يكفرهم اختلفوا في قبول حديثهم كما بيناه فيما تقدم. فيعني بذلك والله أعلم أن قتلة عثمان والخوارج لما كانوا فساقاً قطعا، واختلطت أخبارهم بأخبار من لم يكن منهم، وجب أن يبحث عن أخبارهم فترد، وعن أخبار غيرهم ممن ليس منهم فتقبل، ثم يجري الحكم من غيرهم من أهل البدع كذلك.
ولا يظن أحد له فهم أنه يعني بالفتنة فتنة علي وعائشة ومعاوية رضي الله عنها؛ إذ لا يصح أن يقال في أحد منهم مبتدع ولا فاسق، بل كل منهم مجتهد عمل على حسب ظنه، وهم في ذلك على ما أجمع عليه المسلمين في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي أن كل مجتهد مأجور غير مأثوم على ما مهدناه في الأصول. يا سلام! هذا الكلام من أحسن ما قيل يا شباب.
طيب، خلينا نقف مع هذا الكلام. أولاً قال: فلما وقعت الفتنة. الألف واللام هنا للعهد. طيب، هناك فتن وقعت، واضح، هناك فتن، مثلاً يا شباب في فتن المرتدين الذين ارتدوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم هذه فتنة وأبو بكر قاتلهم وأمر بقتالهم تمام، وعندنا فتنة أخرى وهي فتنة علي رضي الله عنه اللي هي موقعة الجمل بشكل عام يا شباب. وعندنا كذلك صفين بين علي ومعاوية.
طبعاً الجمل كانت يعني فيها عائشة رضي الله عنها في مقابل طائفة علي بن أبي طالب وكانوا يطالبون بدم عثمان رضي الله عنه في تفاصيل كثيرة ليس هذا موضعها. المهم أن الفتن هنا لها، في مثلاً قتال المرتدين هذا فتنة تمام كده وإن كان العلماء لم يسموه فتنة؛ لأنه كان الحق فيه متميزاً وواضحاً وظاهراً، ولكنه قتال بشكل عام، لكن هذا باتفاق الصحابة، هذا كان الصحابة متفقين على قتال هؤلاء المرتدين أو مانعي الزكاة وغير ذلك.
طيب، عندنا نوع آخر يعني من القتال هو قتال علي مع الطائفة في يوم الجمل، يعني ضد الطائفة في يوم الجمل، وعندنا علي ومعاوية في صفين. كل هذا شباب ليس مقصوداً، وإنما المقصود بالتحديد هو خروج الخوارج على علي ومعاوية. لماذا؟ لأن هؤلاء لما خرجوا كفروا هؤلاء الصحابة واستحلوا دماءهم، وهذا فسق في أقل الأحوال، وبعضهم حكم بالكفر ولكن سنة الصحابة أنهم لم يسنوا فيهم سنة الكفار ولم يجهزوا على جريحهم ولم يأسروهم إلى غير ذلك، واضح، ولم يسبوا نساءهم إلى غير هذه المعاني.
طيب، بالتالي أقل الأحوال أن هؤلاء فساق، وهؤلاء الفساق ساقطوا العدالة، وكذلك يلحق بهم في رأي الشيعة الزنادقة، وأنا تكلمت عن هذا المعنى كثيراً يا شباب أن الشيعة والخوارج هم أول من ظهر في هذه الأمة وإن كان الخوارج أسبق في هذا المعنى وينسب إليهم أول بدعة في هذا الباب اللي هو كلامهم في مرتكب الكبيرة أو تكفير الناس بما لم يكفرهم الله به، واضح يا شباب؟
المهم أن القرطبي رحمه الله يبين خطأ من زعم أن المراد بالفتنة هنا فتنة علي وعائشة ومعاوية في صفين أو الجمل؛ لأنه أبداً لا يمكن أن ينسب هؤلاء إلى البدعة. هؤلاء أئمة، وكل منهم مجتهد، وإن كان بعضهم يعني أقرب إلى الحق من بعض وبعضهم أخطأ، لكن عموماً هو يلفت نظرك إلى هذه الفكرة أن كل من تحرى الحق واجتهد في طلبه فهو بين أجر وأجرين، وهذا في رأيي مهم جداً يا شباب، وهذا يخطئ بعض الناس، وهو مثلاً الشيخ محمد ضياء الأعظمي في كتاب دراسات في الجرح والتعديل لما جاء عند أثر ابن سيرين قال: الفتنة التي أشار إليها ابن سيرين هي ما وقع بين علي ومعاوية رضي الله عنهما إلى آخر كلامه.
في رأيي أنه قد يقصد فتنة مقتل عثمان بن عفان، إذا قصد ذلك فهو صحيح، لكن إذا قصد الكلام بدقة عامة أراده ابن سيرين فهذا ليس صحيحاً، والصواب أن ابن سيرين كان يقصد بالتحديد خروج الخوارج ويقصد الكلام عن هؤلاء ووصف هؤلاء بأنهم مبتدعة. ولذلك حتى نفس النص اللي هو: فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ.
آآ حتى الذين شاركوا في هذه الحرب، سواء حرب علي أو معاوية، آآ لم لم يفسقوا بهذا، بخلاف خوارج، واضح؟ فهذا يؤكد للشباب أن كلام هذا الشيخ، اللي هو ظن أن هذه هي فتنة علي ومعاوية، أن هذا ليس دقيقاً.
الصواب هو الكلام عن الخوارج. طيب آآ هنا الشباب يأتي بقى الكلام، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدعة فلا يؤخذ حديثهم. ينظر، يعني هذا فيه نقد، يعني هو يتكلم عن النقد هنا؛ لأني إذا نظرت من يحدثني فهذا معناه أني أعلم بحاله، فهذا يرد رواية المجهول، هذا بداية. طيب، أنا كذلك ينبغي أن أكون عالماً بهذا الذي يحدثني، وعالماً بأقوال الناس فيه، وعالماً بمذهبه، وهل هو ثقة أو ضعيف، كذاب أو فاسق، أو ثقة أو مأمون؟ فهذا مهم جداً، وهو شاهد لقول مسلم في وجوب التحري ونقد الروايات ونقد الرواة وعدم الأخذ عن المجاهيل أو المتهمين، تمام من كده؟ سواء كان متهم في دينه أو متهم في حفظه.
ينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم. لابد يا شباب أن ننظر إلى تاريخ هذه المعلومة؛ لأن بعض الناس يا شباب يقول: ينظر إلى أهل البدعة فيؤخذ حديثهم، هذا يرد به كل أحاديث المبتدعة، وهذا خطأ يا شباب. لابد أن ننظر إلى السياق الزمني لهذه الكلمة التي قالها ابن سيرين، فهذا السياق هو الذي يكشف آه، وعموما يا شباب يعني هذه الفترة الزمنية كما قلت لكم كان ظهر فيها الخوارج والشيعة، فلابد أن يحمل الكلام على هؤلاء أصالة، ثم ينظر: هل يدخل غيرهم فيهم أم لا؟ أنا في رأيي أن هذا النص فائدته هي في التحري، وجوب التحري، لكنه لما قال: ينظر إلى أهل السنة، ليس معنى ذلك أن كل من نسب إلى السنة يقبل أحاديثه، لا، يمكن أن يكون ضعيفاً، يمكن أن يكون مختلطاً، يمكن أن يكون واهماً، وكثير من أهل العلم يحكم أن فلاناً هذا كان مأموناً وكان ثقة، ولو يعني يعني آآ وكل له حفظ بيت المال لحفظه، ولكنه لا يؤخذ عنه الحديث لأنه ليس من أهله. كما آآ قال آآ أبو الزناد: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
فإذاً، لما قال هنا: ينظر إلى أهل السنة، هذه مقدمة، لكن يبحث بعد ذلك عن حفظه؛ لأنه يمكن أن يكون سُنِّياً لكنه ضعيف الحفظ، واضح؟ أما قوله: ينظر إلى أهل البدعة، ففي رأيي أن هؤلاء مخصوصون، ويلاحظ فيه آآ الزمن الذي قال فيه هذه الكلمة، ويدخل فيهم الخوارج والشيعة، الخوارج آآ أما باعتبار أنهم فسقوا بهذه البدعة، والشيعة باعتبار أنهم يستحلون الكذب، ففي رأيي هذا هو الأليق. ثم بعد ذلك حدث خلاف: هل يراد آآ يعني نرجع فيه إلى نوع البدعة وقدر البدعة ونوع المقالة؟ مثلاً: عندنا مقالة الوعيدية، ومقالة مثلاً المرجئة، مقالة القدرية، ومقالة مثلاً المشبهة والمعطلة، هذه مقالات؛ وعندنا فرق الجهمية، وعندنا المعتزلة، وعندنا الرافضة وغير ذلك، وننظر كذلك إلى: هل هو داعٍ إليها أم لا؟ أم مجرد يعني صاحب بدعة؟ وكذلك وهذا عندي في رأيي هو الاعتبار الأقوى، ننظر إلى المعاند منهم من غير المعاند، وفي رأيي يحمل كلام الأئمة في رد رواية المبتدع على هؤلاء الزنادقة الذين كانوا معاندين، كما قال الإام مسلم: المعاندين من أهل البدع، يقصد صنفا منهم، وهم لم يكونوا عندهم إسلام صحيح، وإنما كان عندهم نوع من الفسق وتستروا بهذه البدعة، وفي رأيي يا شباب أن آآ هذا هو الوجه الصواب هنا في رواية المبتدع.
يدل على ذلك ما جاء عن الأئمة في قبول رواية من كان على بدعة، واه كذلك تصرفات الأئمة الذين قبلوا روايات هؤلاء وحدثوا عنهم وإن كانوا يردوا بدعتهم، يردون بدعتهم وأنهم بينوا أن هؤلاء ثقات حفاظ يوافقون الثقات، فلماذا نرد حديثهم وهم من جملة المسلمين؟ والبدعة غايتها أنها ذنب لم يصل به إلى الفسق، طبعا هم يتكلمون عن المتأولين.
يبقى باختصار يا شباب، عندنا الكلام عن البدعة من جهات: أولاً، قدر البدعة ونوع البدعة. ثانياً، هل هذا داعٍ إلى البدعة، يدعو إلى بدعته أم مجرد صاحب بدعة؟ ثالثاً، في رأيي هو المناط الدقيق: هل هو من جملة المسلمين من أهل العدالة والدين والصدق، أم من الزنادقة المعاندين؟ وعلى هذا يا شباب يحمل رد رواية المبتدع، وإلا فالعلماء قبلوا رواية من كان على بدعة حتى لو كان يدعو لبدعته، ما دام من أهل إيمان وأهل الصدق وكان متأولاً، يعني كان عنده شبهة.
وأنا أحب هنا أن أقف مع بعض المقالات آآ للإمام ابن تيمية، قد ذكرته قبل ذلك ولكنها مناسبة أيضاً هنا، ابن تيمية في في كتاب منهاج السنة الذي رد فيه عن على الشيعة القدرية بين معنى دقيقاً جداً يا شباب يحسن أن نعرفه في التعامل مع من كان على بدعة، وهو بيان أنه لا ينبغي أن تسوي بين من أراد الحق فأخطأه، ومن أراد الباطل فأصابه؛ يعني شخص زنديق تستر بالإسلام لينشر البدعة، وشخص مسلم اشتبه عليه الحق فوقع في بدعة، كلاهما يرد عليه بلا شك، لكن نفرق بين هذا وذاك في الحكم.
قال ابن تيمية: وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله، ولهذا كان كانوا يظهرون يعني كان هؤلاء يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة، يعني هؤلاء الرافضة كانوا بحسب لما يرون ضعف المسلمين يظهرون هذه البدعة ويظهرون ما كانوا يخفونه، يعني فيه عندهم نفاق يا شباب، اللي هو مسألة التقية وغيرها، ولهذا كانوا يظهرون ذلك بحسب ضعف الملة، فظهر في واحدة حقيقة هذه البدع المضللة، خلاص كده هؤلاء الزنادقة.
لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين، يعني بعض الناس من أهل الإسلام ليس ملحداً ولا منافقاً ولا زنديقاً، ولكن اشتبه عليه هذا الأمر ودخلت عليه خطأً وليس تعمداً، قال: لنوع من الشبهة والجهالة المخلوطة بهوى فقبل معه الضلالة، هذا يا شباب في منهاج السنة في المجلد الأول صفحة ثمانية عشر.
هذا النص يا شباب دقيق جداً في بيان خطأ من يتسرع فيجعل كل من انتسب إلى بدعة أنه زنديق وأنه آآ يعني فاسق وفاجر، لا يا شباب، كثير من هؤلاء كان يريد الحق فيخطئه، كثير ممن نفوا أسماء الله ومحامده وأفعاله كانوا يريدون من ذلك تنزيه الله، نعم، بلا شك نرد على كل هؤلاء، نرد على لا وهؤلاء، كما أننا نرد على آآ المحدث الأمين الذي أخطأ، وعلى الكذاب الذي أخطأ، كلاهما الكذب والشباب يرد، كما قال الإمام أحمد: المنكر أبداً منكر.
وسبق يا شباب أن احنا تكلمنا عن هذا المعنى الجميل اللي هو آآ في كتاب قاعدة عظيمة في الفرق بين عبادات أهل الإسلام وعبادات أهل الشرك والأوثان، سبق وساذكر هذا المعنى مرة أخرى لأهميته بحاجة طالب العلم إليه.
قال ابن تيمية شباب في صفحة تسعة وعشرين من آآ قاعدة عظيمة: قال: والذين يروون الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: ثقات وغير ثقات. وهؤلاء اللي هم غير الثقات، منهم من يتعمد الكذب، وأكثرهم لا يتعمدون الكذب، لكن يؤتى أحدهم من سوء حفظه، والعلماء تكلموا في هؤلاء وفي هؤلاء؛ في هؤلاء عن الذين لم يتعمدوا ولكن أخطأوا، وفي الذين تعمدوا.
طب لماذا تكلموا؟ حفظاً للدين من الزيادة والنقصان. يبقى يبقى هذا الشاب يؤكد لك ماذا؟ يؤكد لك أموراً، أولاً: أن الذين يخطئون عموماً الذين رووا الأحاديث منهم ثقات وضعفاء، طب الضعفاء هؤلاء الذين ضعفهم العلماء واستباحوا الكلام في عرضهم ببيان خطأهم، منهم من يتعمد ومنهم من لا يتعمد، يعني يجري الخطأ على لسانه، لكن مع ذلك سنرد على هؤلاء ونرد على هؤلاء، لكننا لن نعامل هؤلاء كما نعامل هؤلاء، ولن نحكم على هؤلاء كما نحكم على هؤلاء.
طب لماذا تكلمنا في هؤلاء وهؤلاء مع أن منهم من هو عدل أمين؟ حفظاً للدين من الزيادة والنقص.
عصام، ثم طبق ذلك ابن تيمية في المقالات بعدما طبق الحديث: قال: وكذلك الذين تكلموا برأيهم ونظرهم وفهمهم وذوقهم مجدهم وكلامهم، يقصد هنا الصوفية والمتكلمين والفقهاء والعلماء وكل من تكلم في دين الإسلام. قال: نوعان؛ كما وافق فيه الرسول فهو حق، فما وافق فيه الرسول فهو حق، يعني إذا كان كلامهم أو وجدهم أو نظرهم وافق ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق، وما خالفه فهو خطأ.
وأكثرهم لم يتعمد الخطأ بل غلط، ومنهم من يتعمد قول غير الحق مع علمه بأنه غير الحق. هذه هي الطائفة التي نتكلم عنها يا شباب، هؤلاء هم المعاندون الزنادقة الفساق الذين يتعمدون نشر الباطل. لكن الذي يخطئ قد يكون معه شعبة من الهوى، نعم، قد يكون عنده خطأ وغفلة، ولكنه مع ذلك لا يمكن أن يلحق بهؤلاء. واضح يا شباب؟
هذه النصوص نفيسة جداً يا شباب في قاعدة عظيمة صفحة تسعة وعشرين. هذه قاعدة عامة يحتاجها طالب العلم في تحرير المقالات وفي الحكم على أصحابها. عندنا كذلك شباب في كتاب الإيمان الأوسط، لا ننسى أننا قرأنا قبل ذلك في صفحة ثلاثمائة وأربعة، قال ابن تيمية ومن تدبر هذا -بعدما تكلم عن أن الكفر درجات والبدعة درجات وغير ذلك، وأن المخطئين درجات- قال: من تدبر هذا علم أن كثيراً من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمناً مخطئاً جاهلا ضالاً عن بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكون منافقاً زنديقاً يظهر خلاف ما يبطن.
كل هذه الأقوال يا شباب من معين واحد تلتقي وتتكامل، وأنا أحب أن أجمع النظائر لكل أبواب الدين يا شباب؛ لأن هذه الأقوال يفسر بعضها بعضاً ويتمم بعضها بعضاً. فبالتالي يا شباب هذا المعنى جليل جداً، وهو أن قول ابن سنين أو غيره من الأئمة: أنا في رأي يا شباب أن من يحكي خلافا عن أهل العلم في قبول رواية المبتدع يخطئ، أو أنه لم يحرر محل النزاع.
لأن محل النزاع يا شباب هو باختصار في راو ثقة مأمون يوافق الثقات لم يأتي برواية منكرة، فهذا لا خلاف في قبول روايته. خلاص، هذا ما فيش خلاف فيه، لا خلاف بين المحدثين، قد ينقل خلاف، لكن هذا الخلاف إما أنه في لم يحرر، بمعنى أنه خارج عن محل البحث، أو يقصد به من كفر من المبتدعة، واضح؟ أو يقصد بأحاديث منكرة بعينها ردت على المبتدعة.
لكن هذا النسق الذي ذكرته أنا: راو مأمون عدل صادق روى شيئا ليس منكرا، هل يرد بمجرد أنه على بدعة؟ هذا لا أعلم خلافا عن الأئمة في قبول حديثه، هؤلاء يقبل حديثهم. إنما بقى محل البحث آخر: أنه يكون مثلا مبتدع وضعيف، ما لناش دعوة، يبقى هذا خارج المسألة، أو يكون كفر ببدعته واضح، أو يكون معاندا زنديقا، هذا أيضا خارج محل البحث.
حتى ما سموه بالداعي، داعي يعني إيه؟ يعني واحد بينشر يعني بيحدث الناس ببدعته! ما هو لو أنت اعتبرت الداعي هو الذي يحدث الناس ببدعته فكل هؤلاء كانوا على هذا، واضح؟ فأن في رأيي أن الضابط اللي هو بأنه داعي أو غير داعي يقصد به أنه من المعاندين أو الزنادقة، أما مجرد قد أن يكون يحدث الناس بهذه البدعة فهذا لا ترد به عدالته ولا ترد به روايته.
وإن كان ينقض عليه قول هذا بلا خلاف. يا شباب نحن لا نتكلم في نقض هذه المقالات أبدا، وإنما نتكلم فقط في مناط قبول الرواية. يا شباب الراوي ناقل، هو وظيفته أن ينقل وأن يخبر، فاذا كان مأمونا من هذا الجانب قبل منه هذا الجانب. كما كان يقول ابن خزيمة رحمه الله وهو من النقاد كان يقول: حدثنا عباد بن يعقوب الثقة في حديثه المتهم في رأيه. يريد أن يقول للناس: أنا أعرف أنه متهم في رأيي ولكني أنتقي حديثه الذي ضبطه وترجح عندي أنه ثقة حافظ.
طيب، يا شباب، فطبعا مقصد الإمام مسلم مهم جدا في كلام في هذا الأثر الذي ذكره، وهو شاهد أيضا في وجود الروايات الضعيفة والرواة الضعفاء ووجوب التحري والنقد، وأنه من الدين وليس من الغيبة، والتحري في أخذ حديث من كانوا من أهل العدالة ورد حديث من ليسوا كذلك إلى آخر هذا المعنى الذي سبق بيانه.
طيب، قال الإمام مسلم رحمه الله: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، أخبرنا عيسى وابن وهو ابن يونس، حدثنا الأوزعي عن سليمان بن موسى قال: لقيت طاووسا، قلت حدثني حدثني فلان كيت وكيت، قال: إن كان صاحبك مليا فخذ عنه.
أنا أحب هنا يا شباب أن نقف مع أولا إسحاق بن راهويه الشباب اللي هو إسحاق بن إبراهيم الحنظلي اللي هو ابن راهويه. أحد طبعا أكابر الأئمة، هو مروزي ولكن نزل في نيسابور، والامام مسلم أكثر عنه، روى عنه أكثر من ستمائة رواية. وهو طبعا من كبار أئمة العلم في النقد والعلم بطرق الحديث، وكان يتدارس الحديث مع ابن معين وأحمد، يعني كانت صراحة صحبة -حينما أقرأ هذه المدارسة- يعني صراحة أطير فرحا. يحكي أن هو كان يجلس هو ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وبعض الفقهاء والمحدثين يتدارسون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، يجمعون الروايات وينقدون الروايات، ثم إذا صحت عندهم يتكلمون في معانيها وفيما وما فيها من الفقه.
هذا الإمام الشباب أحب أن أقف مع ترجمته في أمر واحد. طبعا ترجمته مليئة بالجمال والفوائد، ولكن أحب أن أقف مع مشهد مهم يحتاجه طالب العلم. هذا المشهد يا شباب ذكره بعض العلماء الذين كانوا يحكون عن تكامل الشافعي مع علماء عصره فقال: إسحاق بن راهويه ذاكرت الشافعي فقال: لو كنت أحفظ كما تحفظ لغلبت أهل الدنيا.
يعني البيهقي بيعلق على هذا قال: هذا لأن إسحاق بن راهويه اللي هو الحنظلي يعني كان يحفظ على رسم أهل الحديث يعني يسرد الأبواب سردا، وكان لا يهتدي إلى ما كان يهتدي إليه الشافعي من الاستنباط والفقه. وكان الشافعي يحفظ من الحديث ما كان يحتاج إليه، وكان لا يستنكف من الرجوع إلى أهله فيما اشتبه عليه؛ وذلك لشدة اتقائه لله عز وجل وخشيته منه واحتياطه لدينه. هذا شباب هذا أجمل ما يكون، هذا أجمل ما يكون. التكامل بين الأئمة، التخصص والتكامل، كل واحد يكمل نفسه مع إخوانه حتى الذين يشاركونه في نفس الباب.
أنت في علم الحديث لا يلزم فقط أن تتشارك وتتكامل مع طلاب الفقه أو غيره، لا، حتى مع أصحاب الحديث. بالعكس، هؤلاء أولى أن تنتفع منهم وأن يفيدوك في تخصصك. وفي رواية أخرى يا شباب أن إسحاق بن راهويه يقول: صاحبت الشافعية في من مكة إلى مصر -لأه آسف يا شباب الحميدي الحميدي وهو كان تلميذ للشافعي- كان يقول: صحبت الشافعية من مكة إلى مصر فكنت استفيد منه المسائل وكان يستفيد مني الحديث. والحميدي طبعا يا شباب هو صاحب سفيان بن عيينة هو أحد الذين تتلمذوا على الشافعي، ولكنه كذلك كان يفيد الشافعي. هذا المعنى يا شباب أردت التنبيه عليه، وهو التكامل، وشوف كلمة لا يستنكف أن يسأل أهل الحديث عما اشتبه عليه، هذا والله يا شباب من أجمل ما يكون.
فأنا أحب منك أن تعتني بهذه المعاني يا شباب في تراجم الأئمة وننتفع منها. طيب قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم اللي هو ابن راهويه أخبرنا عيسى. طبعا عيسى شباب هذا هو عيسى بن يونس. وعيسى بن يونس أيضا من الأئمة، ومما يؤخذ منه أو مما ينتفع -طبعا هو وأبوه وجده من العلماء من المحدثين- أبوه اللي هو يونس بن أبي إسحاق السبيعي وجده اللي هو أبو إسحاق السبيعي أحد من دارت عليهم السنة، يعني أنتم عارفين يا شباب السنة في هناك علماء في
صار دارت عليهم السنة، منهم مثلاً الزهري ويحيى بن أبي كثير وأبو إسحاق السبيعي والأعمش وغير هؤلاء. منهم أبو إسحاق السبيعي، طبعا عيسى بن يونس هذا شباب كان ثقة وكان مرابطاً مجاهداً في سبيل الله وكان عابداً. نزل الشام رابطاً يقف على الثغور.
والعائلة عموماً عائلة أبي إسحاق السبيعي عائلة مباركة يعني هو الجد إمام من الأئمة الذين دارت عليهم الأسانيد وكان عابداً لدرجة شباب أن هو والله العظيم هذه القصة لما قرأتها كنت اتحسر على أنفسنا، أن هو لما كان يعني عرفوا أن هو اختلط، كيف عرفوا أن هو اختلط؟ أن هو كان بيقوم الليل بقرآن كثير جداً. فلما قال يعني كبرت سني ولم أعد أقرأ في صلاة الليل إلا بسورة البقرة، يعني زعلان أن هو ما عدش بيقيم الليل إلا بسورة البقرة بس، ده في آخر عمره يعني لما خلاص قرب من الموت.
طب أمال هو في شبابه كان يعمل إيه؟ فهذه العائلة مباركة، حتى إن ابن عيينة لما جاءه يونس، لما جاءه عيسى بن يونس هذا صاحبنا في هذه الرواية، قال: مرحبا بالفقيه ابن الفقيه ابن الفقيه، اللي هو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وعموماً أولاد يونس، هم عيسى وإسرائيل ويوسف، كانوا من الثقات. وعيسى هذا كان من أعالي الثقات رحمه الله وغفر الله له.
ويعجبني جداً في ترجمة أن جعفر بن يحيى البرمكي قال: ما رأينا في القراء مثله، عرضنا عليه مئة ألف دينار. فقال: لا والله، لا يتحدث أهل العلم أني أكلت للسنة ثمناً. يا سلام، يعني نسأل الله أن يرحم هؤلاء، وأن ننتفع بعلم هؤلاء.
هؤلاء شباب هم الذين ينبغي، والله أقول إن كثيراً من طلاب العلم سبب أساسي في قلة نبوغهم، أو في قلة زكاة أنفسهم هذا الباب، أنهم غفلوا أنهم اخذوا من الأئمة النتائج، لم يعرفوا أحوالهم ولم يقرؤوا تراجمهم، ولم يعرفوا كيف كانوا يعيشون، وكيف وصلوا إلى الإمامة. يا شباب، أقل ما كان عليه هؤلاء العلماء هو العلم، كان عندهم تقوى وورع وإيمان ومسؤولية ونصر للدين، وكان مع ذلك العلم، هذا هو الذي نحتاجه يا شباب.
فأرى أن هناك بابين من الأبواب يحتاجها الطالب عن الأئمة، الأول: باب الإيمان والتقوى وزكاة النفس ونحو ذلك والاصلاح وكذا، والباب الثاني: هو التحرير العلمي. إنما احنا بناخذ فقط أن مالك أفتى بكذا أو يحيى بن معين ضاعف الراوي أو الدارقطني ضاعف في الحديث، لا، لابد أن نعيش مع هؤلاء.
وأرى شباب أن عبدالله بن المبارك سبب أساسي في زكاة نفسه وورعه وعبادته وإصلاحه أنه كان يعيش مع الصحابة، كما جاء في ترجمته أن هو كان يترك الناس ويدخل يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام، فهذا يؤثر يا شباب.
أنا اريد منك أن تتخيل طالب علم هذا الطالب يعيش مع تراجم هؤلاء الأئمة، فيرى كيف كانوا يعبدون الله، لا شك أنه سيقيس نفسه بهم، هذا شباب سيحركه، لأن المشكلة أن احنا أصبحنا نقيس أنفسنا على أقراننا. طب أنت مثلاً شايف أنك انت بتواظب على صلاة الجماعة وبتواظب على قيام الليل وكذا وكذا، فبالتالي أنت تعجب بنفسك، لكن إذا قست نفسك على رسل الله الصحابة وعلى الأئمة التابعين وهؤلاء، لا شك أن هذا سيجعلك لا تعجب بنفسك من جهة، وسيحثك ويحركك على العمل الصالح من جهة أخرى.
هذه الفوائد لابد ألا تغفل عنها، هذه الفوائد اجعلها بين عينيك، أن تعتني كيف كان هؤلاء، وأشرف هؤلاء على الإطلاق رسل الله، ثم بعد ذلك الصحابة، ثم بعد ذلك التابعون الذين اتبعوهم بإحسان، وبعد ذلك أئمة الإسلام. وهؤلاء ولله الحمد شباب كثيرون جداً، والقراءة فيهم مثمرة، يعني يكفي أنك تعرف كيف كان يعيش هؤلاء، وكيف وصلوا إلى ما وصلوا، رحمهم الله.
قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا عيسى وهو ابن يونس، حدثنا الأوزاعي. أيضا الأوزاعي طبعا هذا ممن أحثكم على قراءة ترجمته، أنا طبعا لن أتوسع في ذكر ترجمته، هو طبعا عبدالرحمن بن عمرو بن أبي عمرو، واسمه في الأصل يحمد، يعني اسمه غريب جداً، يحمد، وهو شامي طبعا إمام فقيه، يعني كان من أئمة أهل زمانه، وكان له مذهب وله اجتهاد، وكان متبعا في بعض البلدان.
أنا يعني لن أذكر من ترجمته إلا موقفين يا شباب، طبعا ترجمته عظيمة ولكن ساذكر ما دمنا فتحنا في هذا الباب، خلينا النهاردة نخرج شوية عن... نحن طبعا قلنا إننا لن نتوسع في التراجم ولكن فقط ساذكر موقفين للأوزاعي أحبهما كثيراً.
الموقف الأول دار بينه وبين ابن المبارك، قال ابن المبارك: قدمت الشام على الأوزاعي. طبعا ابن المبارك كان يجل الأوزاعي كثيراً ويبجله، ابن المبارك هذا لو تكلمت عنه سآخذ أياماً، ولكن ابن المبارك هنا يحكي عن الأوزاعي قال: فرأيت ببيروت، يعني ابن المبارك قابل الأوزاعي في بيروت، وطبعا بيروت من الشام قبل ما يقسم الشام، فقال لي: يا خرساني، من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ يعني الأوزاعي كان يظن أن أبا حنيفة مبتدع وضال، وابن المبارك كان قد كتب عن أبي حنيفة كثيراً من جياد مسائله، ابن المبارك زعل، يعني غضب أن الأوزاعي يقع في أبي حنيفة وهو يعلم إمامة أبي حنيفة رحمه الله.
ماذا فعل ابن المبارك؟ هذا الموقف يا شباب أنا سجلته كثيراً وكتبته، وهذا ينفعك أنت كطالب. قال ابن المبارك: فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة أخرجت منها مسائل من جياد المسائل، يعني أخرجت يعني هو كان كاتب عن -شوف الكتابة يا شباب والعناية- كتب عن أبي حنيفة مسائل أفتى فيها أبو حنيفة أو تكلم فيها، فجعلها معه أخرج هذه المسائل، قال: وبقيت في ذلك ثلاثة أيام، يعني فضل ثلاثة أيام ينتقي مما كتبه عن أبي حنيفة ليجمع هذه المسائل ويذهب بها إلى من؟ إلى الأوزاعي.
قال: فجئت اليوم الثالث بعد ثلاثة أيام، والأوزاعي مؤذن مسجدهم، يعني الأوزاعي كان هو اللي بيأذن وهو اللي بيؤم الصلاة رحمه الله هو مؤذن مسجدهم وأمامهم رحمه الله، والكتاب في يدي، يعني ابن المبارك معه الكتاب اللي مكتوب فيه مسائل أبي حنيفة رحمه الله.
فقال طبعا هو عارف أن أول ما الأوزاعي سيرى هذا الكتاب سيقول له: ما هذا الكتاب؟ وريني كده بعد إذنك. فقال: أي شيء هذا الكتاب؟ الكتاب ده فيه إيه؟ قال: فناولته، فنظر في مسألة منها، وقعت عليها، يعني هو كان كتب عليها، ابن المبارك طبعا، الأوزاعي بينظر في هذه المسائل في هذا الكتاب مش مكتوبة هي مش منسوبة لحد، لكن في مسألة منهم كان ابن المبارك وقع عليها، قال له: النعمان. طبعا النعمان هو أبو حنيفة أبو حنيفة النعمان بن ثابت رحمه الله.
فما زال قائماً -اللي هو مين؟ الأوزاعي- بعد ما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، تمام؟ يعني هو أذن المفروض أن هو هيصلي السنة أو هيقيم الصلاة، لا، انشغل بالكتاب، خلاص بقى اندمج مع الكتاب، فما زال قائماً بعدما أذن حتى قرأ صدراً من الكتاب، قرأ مجموع يعني بداية الكتاب، ثم وضع الكتاب في كمه، ما رضاش يرجع الكتاب لعبدالله بن المبارك، ثم أقام وصلى، حط الكتاب جوة كمه وكمل الصلاة عشان يضمن أن ابن المبارك ما يمشيش بالكتاب، هو أعجب بالكتاب.
ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها، يعني بعد الصلاة قرأ كل المسائل، يا سلام، ثم أخرج الكتاب حتى أتى عليها، فقال لي: يا خرساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ مين الراجل ده؟ قلت له: شيخ لقيته بالعراق، ده ده واحد شيخ. شفت حكمة وذكاء ابن المبارك؟ لم يصرح له بمن هذا حتى يستخرج منه حكمه عليه، حتى لا يحمله حكمه السابق على أن ينكر فضله، وإن كان الأوزاعي فيما نحسبه لا يفعل ذلك، المهم.
شيخ لقيت بالعراق فقال هذا نبيل من المشايخ، اذهب فاستكثر منه. قلت يعني المبارك من مبارك هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه؟ ثم لما اجتمع الأوزاعي بأبي حنيفة الأوزاعي بعد مدة التقى بأبي حنيفة بمكة، جاراه في تلك المسائل، يعني بدأ يأخذ ويدي معه، فكشفها له بأكثر مما كتبها ابن المبارك عنه.
فلما افترقا، قال الأوزاعي لابن المبارك: غبطت الرجل بكثرة علمه ووفور عقله، وأستغفر الله تعالى، لقد كنت في غلظ ظاهر، الزم الرجل، فإنه بخلاف ما بلغني عنه. يا سلام على هذه القصة يا شباب. قل في هذه القصة ما تشاء، يعني فيها إلا نحكم على الناس بمجرد ما يقال عنهم، وإلى حد وإلى أي حد كيف يمكن أن يحصل الخطأ؟ كان يقول عنه مبتدع ويحذر منه، فصار يقول عنه من أئمة العلم خذ عنه.
شوفوا يا شباب الفرق الكبير جدا بينما يمكن أن يخطئ فيه الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا خير من ملء الأرض من هذا، وبين خطأ من قال إن هذا حري أن قال لا يسمع أو خطب لا ينكح إلى آخر ذلك. شف كيف يمكن أن يخطئ الإنسان يا شباب.
كذلك فيه فقه الدعوة وفقه إصلاح المنكر، أن ابن المبارك انتقى المسائل ثم لم يكتب عليها اسمه، وكثير من الناس إذا نزعت له جلدة الكتاب سيقرأها، لكن لأن هذا الكتاب لفلان فإنه يصد عنه. فيه كذلك شباب أن كثيرا ممن يمتنع عن الانتفاع من أشخاص يكون ذلك بسبب تصور غلط عنهم، واضح يا شباب؟ وأن هذا لا حجة. بعض الناس يقول مثلا فلان تكلم لما فيه. أيوه يعني تكلم فيه بايه؟ أيوه يعني عارفين أنتم كل ما فيه. إذا كان الناس تكلموا في النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كذب باطل، فليس كل من تكلم لما فيه يصدق الكلام عليه، وليس كل من صدق عليه الكلام يكون ذلك سببا ألا نأخذ عنه. واضح كده يا شباب؟
ولذلك صنف العلماء الأئمة كتبا لمن تكلم فيه، وردوا عنه ذلك، كما جاء في الكامل لابن عدي، وفي كتابه كذلك ميزان الاعتدال للذهبي وغيرها من الكتب، يذكرون الراوي المتكلم فيه ثم يدفعون عنه ويدافعون، وكما صنع ابن حجر في هدي الساري لما دافع عن الرواة الذين تكلم في البخاري، وبين لماذا أخرج عنهم، أنه أخذ عنهم أحسن ما عندهم أو أن النقد لم يثبت عليهم، أو أن القدح لم يثبت فيهم. واضح يا شباب؟ فهذا مهم جدا.
فيه أيضا يا شباب معنى عظيم جدا أحب أن نتذكره: ترك الإصرار على ما تبين غلطه، والجرأة والشجاعة في الرجوع عن الخطأ. غلطت أقول غلطت، وخلاص. النبي صلى الله عليه وسلم قال عظيما: قال إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني واتيت الذي هو خير. على طول بعض الناس يعني تحمله الأنفة أو الكبر، ويظن أنه سيصغر إذا اعترف بالحق، وبالعكس الانسان يعظم، يكفي أنه اعترف بالحق. فشوف ازاي رجع الأوزاعي رحمه الله ولم يصر على ما تبين غلطه واعترف.
عندنا موقف آخر، ولكن أظن أن هو يعني سيطول، ولكن أنا أحب منكم أن، أنا سيقرأه فقط ولن أشرحه لأنه موقف جليل أيضا، ننتفع من هؤلاء الأئمة موقف في الصدع بالحق. لما فتح عبد الله بن علي، عبد الله بن علي اللي هو يلقب بالسفاح، يعني لما فتح دمشق، قتل في ساعة واحدة تقريبا ستة وثلاثين ألفا من المسلمين، وأدخل بغاله وخيوله في المسجد النبوي الكبير، ثم جلس للناس، وقال للوزراء: من ينكر علي فيما أفعل؟ يعني أدخل، يعني خلاص بعدما عمل كل هذه المنكرات. طبعا هؤلاء اللي هو بداية الدولة العباسية اللي هو بيسموهم المسودة، اللي هم خرجوا على دولة بني أمية، وكان أولهم هذا اللي هو إيه؟ السفاح. وكلمة السفاح قيل لأنه كان يعني يذبح في سبيل الله، يعني يصفح مش مش السفاح اللي هو القاتل يعني، وقد يكون المراد به لأنه سفح الدماء، فالله أعلم بهذا.
المهم أن هو قال لهم: من ينكر علي؟ مين يقدر ينكر علي؟ فقالوا: لا نعلم أحدا ينكر عليك غير الأوزاعي، هو الأوزاعي هو اللي ينكر عليك. فأرسل إليه، كيف استدعاه؟ فذهب الجنود للأوزاعي فما تحرك من مكانه ولا تحرك. قالوا: يريدك عبد الله بن علي. قال: حسبنا الله ونعم الوكيل، انتظروني قليلا، سيبوني شوية تمام. طيب بعد ذلك، فذهب واغتسل ولبس أكفانه وتجهز للموت. وهذه القصة يا شباب قصة عظيمة جدا، يعني اغتسل خلاص، هو ظن أن هو سيموت، قابل ذلك ولبس أكفانه وتجهز للموت ثم قال في نفسه: قد آن لك يا أوزاعي أن تقول كلمة الحق لا تخشى في الله لومة لائم. يا سلام على كيف يكلم نفسه وكيف يخاطب نفسه؟
ولبس ثيابه من على كفنه -لأن هذه القصة موجودة في كتاب سير أعلام النبلاء وأنا أقرأها منه- قال: ولبس ثيابه من على كفنه ثم أخذ عصاه في يده ثم اتجه إلى من حفظه في وقت الرخاء، فقال: يا ذا العزة التي لا تضام، والركن الذي لا يرام، يا من لا يهزم جنده ولا يغلب أولياؤه، أنت حسبي، ومن كنت حسبه فقد كفيته، حسبنا الله ونعم الوكيل. يا سلام تمام؟
قال الأوزاعي وهو يصف القصة -الأوزاعي يشبهها يصف القصة-: دخلت عليه وهو على سرير وفي يده خيزرانة، وقد صف وزراءه، وصف سماطين من الجلود يريد أن يرهبه بها، والمسودة عن يمينه وشماله، المسودة اللي هم الجنود اللي هم كانوا بيلبسون السوداد في دولة العباسيين في بداية الدولة لما خرجوا على بني أمية. يعني حط اللي هو الجلد يا شباب عشان بيقول له أنت هتدبح، يعني هو بيدبح، جاهز أنه يدبح يعني. والمسودة عن يمينه وشماله ومعهم السيوف مسلطة والعمد الحديد، يعني معهم أعمدة حديد. فدخلت وإذا السيوف وإذا السماط معد، وإذا الأمور غير ما كنت أوقع، فسلمت عليه، فلم يرد، ما ردش السلام. قال: فوالله ما رأيت امامي إلا كالذباب، يعني ولا حاجة، لأنه استعضر عظمة الله يا شباب فهان ذلك في عينه.
وهذا يا شباب هو معنى قول هود عليه السلام: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا. فمن علم أن هذا الشخص الذي أمامه مهما كان معظما ناصيته بيد الله، فيصغر في عينيه، يعني يصغر العظيم في عينك بقدر عظمة الله تبارك وتعالى في قلبك. قال: فوالله ما رأيت أمامي إلا كالذباب. قال: فما تذكرت أحدا لا أهلا ولا مالا ولا ولدا، إنما تذكرت عرش الرحمن إذا برز للناس يوم الحساب. يا سلام! شف تذكر مقامك وبين يدي الله.
قال: فانعقد جبين هذا والمسودة، يعني انعقد جبينه يعني كشر كده، والمسودة أقصد انعقد جبين هذا والمسودة عن يمينه وشماله ومعهم السيوف مسلطة والعمد الحديد، فسلمت عليه إلى آخر ذلك. خلاص كده يا شباب.
قال: فانعقد جبين هذا الرجل من الغضب، ثم قال له: أنت الأوزاعي؟ قال: يقول الناس إني الأوزاعي. قال: فرفع بصره وقد ظهر عليه الغضب، ثم قال: يا أوزاعي، ما تقول في دماء بني أمية التي أرقناها؟ يعني هل هي حلال أو مباحة؟ قال: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن جدك ابن عباس -طبعا لأنهم كانوا ينسبون إلى ابن عباس- وعن ابن مسعود وعن أنس وعن أبي هريرة وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة. فإن كان من قتلتهم من هؤلاء فقد أصبت. يعني اللي هو مثلاً زاني، أو نفس بنفس بنفس، أو تارك لديني. وإن لم يكونوا منهم فدماؤهم في عنقك. يا سلام! قال: فتلمظ كما كان يتلمظ، كما تتلمظ الحية، فنكث بالخيزران، ويعني زي اللي هي الخشبة يعني، ورفعت عمامتي انتظر السيف. يعني إيه هو العمامة بتكون محطوطة على الرقبة؟ فهو ظن أن إيه؟ أن السيف سينزل على رقبته. واضح يا شباب؟ يا رب تكونوا متصورين معي المشهد الرهيب ده.
قال: حتى لا يصيبها الدم. قال: وما ترى آآ لم يقتله؟ قال: وما ترى في هذه الدور التي اغتصبناها؟ وما رأيك وما رأيك في الأموال التي أخذناها؟ قال آآ قال: سوف يجردك الله عرياناً كما خلقك، ثم يسألك عن الصغير والكبير والنقير والقطمير. فإن كانت حلالاً فحساب ربنا يحاسبك عليها لو كانت حلال، وإن كانت حراماً فعقاباً فعقاباً إن كانت في أيديهم حراماً فهي حرام عليك أيضاً، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.
فنكت أشد ما كان ينكت. يعني أكتر فنكة أشد ما كان ينكت قبل ذلك، ثم قال: ألا نوليك القضاء؟ إيه رأيك نخليك قاضي؟ فقلت: إن أسلافك لم يكونوا يشقون علي في ذلك، وأني أحب أن يتم ما ابتدأوني آآ به من الإحسان. وقال: كأنك تحب الانصراف. أنت شكلك عايز تمشي. فقال: إن إن ورائي حرماً أو حرماً وهم محتاجون إلى القيام عليهن وسترهن حرماً. نعم. وقلوبهن مشغولة بسبب. يعني خايفين علي.
قال الأوزاعي: فانعقد جبينه مرة أخرى من الغضب. قال: وانتظرت رأسي أن يسقط بين يدي. شف التعبير الجميل! كل كل شوية هو شايف أن دماغه هتتقطع. فنكث بالخيزران، فأمرني بالانصراف. قال: خذ هذه البذرة، كيس مملوء من الذهب يعني. قال الأوزاعي: لا أُريد المال. قال: فغمزني أحد الوزراء يعني: خذها. يا عم خدها بقى وخلص بدل ما يموتك. فأخذ فأخذ الأوزاعي الكيس ووزعه على الجنود حتى لم يبقي فيه حتى لم يبق فيه شيء، ثم رمى به وخرج.
فلما خرج قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. قلناها يوم دخلنا وقلناها يوم خرجنا. فَانقَلَبُوا، يا سلام على الكلمة، فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ. يا سلام!
الذهبي بقى يا شباب علق على هذه القصة. شوفوا التعليق سأختم به الدرس. ليس هناك أجمل من من هذه الكلمة حتى أختم به الدرس. ماذا قال يا شباب؟ يا سلام! قال الأوزاعي بعدما علق على هذه الرواية، بعدما ذكر هذه الرواية، شباب ثواني أنا كتبت لكم هذا النق نعم. قال الأوزع الذهبي أسف. قال الذهبي بعد ما روى هذه القصة في القصة قال: قلت قد كان عبد الله بن علي ملكاً جباراً سفاكاً للدماء صعب الميراس. ومع هذا فالإمام الأوزاعي يصدعه بمر الحق كما ترى، لا كخلق من علماء السوء الذين يحسنون للأمراء ما يقتحمون به من الظلم والعسف، يعني الظلم والباطل يعني، ويقلبون لهم الباطل حقاً، قاتلهم الله! أو يسكتون مع القدرة على بيان الحق. هذا في سير أعلام النبلاء ترجمة الأوزاعي.
يا سلام! لا أستطيع أن أتعلق على هذه الكلمة شباب، في استحضار العالم مقام الله استحضار العالم لمقام الله لمقام الله هذا فيه أبواب وفوائد. الفائدة الأولى أنه يصغر أمامه كل أحد، لا يفر من خصومة الناس فيقع في خصومة الله. وثانياً أنه حينما يستحضر عظمة الله لابد أنه سيقول الحق ولا يكتمه، وأنه سيحتسب قتله إن قتل أو أوذي في سبيل الله. وكيف أن الله سبحانه وتعالى أكرمه بأنه صدع بالحق ومع ذلك ذلك لم يمسسه سوء، بل خرج عزيزاً كريماً. وهذا شباب يؤكد المعنى الجليل وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. يعني إنما يعلو الإنسان بالحق، وأنه إن إذا ظن أنه عند أهل الباطل يبلغ بمداراتهم بالكذب لهم وبتحسين الظلم الذي يتقحمون، يظن أنه بذلك سيكون عزيزاً فهذه العزة هواء، وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِم ضِدًّا. هذا يا شباب من أحسن ما يمكن آآ نختم به هذا الدرس.
وطبعا آآ باختصار طبعا هذا الأثر يا شباب سنقف معه في المرة القادمة ولكني أطلت عليكم. سبحان الله المرة دي توسعنا في الكلام عن آآ تراجم العلماء أو أخذ مواقف من الكلام عن هؤلاء العلماء، وإن شاء الله غداً سنتكلم عن هذه الآثار. ولكن أو بشكل عام يا شباب خلينا نقف مع هذه الآثار سريعا؛ لأن بعض الناس بيقول خلينا ننهي هذا الأثر ما دمنا بدأناه. قال: عن سليمان بن موسى. سليمان بن موسى هذا أيضاً دمشقي ثقة فقيه وآآ متكلم فيه يعني بسبب اختلاطه عند آآ قبل موته. والإمام مسلم أخرج له في المقدمة فقط، وأخرج له الأربعة اللي هو الترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري.
قال: عن طاوس، اه قال: لقيت طاوس اللي هو طاوس بن كيسان اليماني، هو أحد الأئمة الكبار. اه فقلت: حدثني فلان كيت وكيت. يعني سليمان بن موسى بيكلم طاوس يقول له: إن فلان هذا حدثني. قال له يعني طاوس: إن كان صاحبك ملياً إن كان هذا الذي حدثك ملياً، كلمة كيت وكيت يعني آآ كذا وكذا يعني يا شباب يعني هي تطلق على القصة أو على الحديث أو الأحدوثة يعني، فقال له آآ طاوس: إن كان صاحبك يعني هذا الذي حدثك ملياً، وكلمة ملياً يعني كان ثقة مأموناً يعتمد عليه كما يعتمد على صاحب المال، اللي هو المليء بالمال يعني، فخذ عنه. فهذا شاهد للإمام مسلم أيضاً في وجوب الأخذ عن الثقات وطرح رواية غير الثقات. وكذلك آآ فيه بيان آآ وجود النقد عند الأئمة مبكراً، وفي كذلك التحري في الأخذ.
خلينا نقف عند هذا، أو ممكن خلينا نروي الأثر الذي بعده أيضاً. الأثر الذي بعده أيضاً لأنه مكمل له. آآ قال: وكلمة ملياً الشباب أيضاً هذا من ألفاظ التعديل، يعني أنه مليء مليء بالثقة والأمانة. قال: وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. مروان يعني ابن محمد اللي هو مروان هذا الطاطاي ابن محمد وهو آآ طبعا الدارمي يا شباب اللي هو عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي اللي هو صاحب السنن اللي هو كتاب سنن الدارمي، وهو غير عثمان بن سعيد الدارمي، عثمان بن سعيد الدارمي هذا شخص آخر الذي يروي عن ابن معين السؤالات، وهو الذي رد على المريسي هذا شخص آخر، إنما عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن، وهو إمام حافظ ثقة المفسر، وهو من شيوخ الأئمة الكبار. والامام البخاري لما بلغه موت الدارمي بكى وقال: آآ إن تبقى تفجع في الأحبة كلهم، وفناء نفسك لا أبا لك أفجع. يعني بين أن موت هذا العالم يعني آآ يعد حدثاً كبيراً.
اه قال: أخبرنا اه مروان اللي هو الطاطاي يعني، مروان بن محمد هذا الدمشق الدمشقي، حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن سليمان بن موسى قال: قلت لطاوس إن فلان حدثني بكذا وكذا. قال: كان صاحبك ملياً فخذ عنه. هذا شاهد لما قبله.
خلينا نقف هنا يا شباب. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيراً، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الانتفاع من آآ هذا العلم الذي نأخذه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق