السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، واشهد ان محمدا عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى ال محمد كما صليت وعلى ال ابراهيم انك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى ال محمد كما باركت على ال ابراهيم انك حميد مجيد.
مساء الخير يا شباب، نبدأ باذن الله تبارك وتعالى في الدرس السابع من دراستنا لمقدمة الامام مسلم في صحيحه، والتي شرح فيها شريطته في كتابه، وبين سبب تأليفه لهذا الكتاب، وبين طريقته، وبين شيئا من علوم الحديث التي يحتاجها من ينظر في كتابه، ويحتاجها بشكل عام من يريد ان يتعرف على منهج الائمة المحدثين.
وقد وصلنا بحمد الله الى باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين. بعدما بين رحمه الله بين سبب تأليف الكتاب، وبين شريطته، وبين كيف يرتبه وكيف يؤلفه، وبين اصناف الرواة واقسامهم، وبين من هم الرواة الذين سيشتغل بتخريج حديثهم، ثم بين علامة المنكر، ثم بين ان بعض الناس انتصبوا الى نصبوا انفسهم من اهل الحديث ونشروا بين الناس احاديث منها ما هو صحيح ومنها ما هو، وان ذلك مما دفعه لتأليف هذا الكتاب وجعله يعني خفيفا عليه، وقد صعب عليه ذلك الامر لولا حاجة المسلمين لهذا الكتاب.
قال رحمه الله: باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين. واعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين؛ ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع.
سنحاول أن نشرح هذه الفقرة، ثم بعد ذلك ندخل في الأدلة التي ذكرها مسلم رحمه الله. هذا الباب يا شباب هو كتعليل لصنيع الإامام مسلم في أنه لماذا اقتصر في كتابه على الروايات الصحيحة أو المقبولة، لماذا لم يخرج أحاديث الضعفاء، ولم يخرج أحاديث المتروكين أو الأحاديث المنكرة؛ فبين رحمه الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها.
والتمييز هو الفصل أو العزل، والتمييز للروايات؛ فهو يميز بين الصحيح المقبول وبين السقيم الضعيف المردود. وكذلك التمييز بين الرواة؛ يميز الثقة من الضعيف من المتهم إلى غير ذلك، فالتمييز بشكل عام يا شباب يكون في الأشياء المختلطة أو المتشابهة، كما قال الله سبحانه وتعالى مثلا: ليميز الله الخبيث من الطيب، أو: وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ، فالتمييز هو الفصل.
فهو يقول: الواجب -وللاحظ أن هو دائما يبدأ بالدعاء يعني: اعلم وفقك الله أو يرحمك الله، وهذا من جميل أدبه رحمه الله-. باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين فيه معنيان حتى نقف مع المعاني يعني؛ المعنى الأول هو وجوب نشر السنة الصحيحة، فهذا أول شيء وجوب الرواية عن الثقات يعني وجوب نشر العلم الصحيح بشكل عام ومنه الروايات الثابتة عن الثقة.
والأمر الثاني هو ترك روايات الكذابين، واضح أو أو ترك الروايات التي تحقق من كونها باطلة أو منكرة. لكن هذا الأمر لن يتم إلا بوجود الآلة، وهي الأهلية للتمييز بين الصحيح والضعيف والثقة والمتهم، فكأن هذا الباب هو نتيجة لعلوم الحديث، فالذي ليس ليس عنده علم بقواعد النقد أو نحو ذلك كيف يميز؟ البشمهندس عاصم بيقول: التبويب هذا من مسلم. نعم، الذي يبدو أن التبويب هذا من مسلم، وهو يشبه تبويبه في كتاب التمييز. أما التبويب اللي هو داخل الكتاب اللي هو الأبواب اللي هي مثلا باب باب صلاة المسافرين أو نحو ذلك يعني داخل كتاب هذا من من النووي رحمه الله وغيره من النساخ.
قال رحمه الله: يبقى هذا شباب الوباء بوجوب الرواية باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين فيه أن تتعلم الأدوات التي تميز بها بين الروايات الصحيحة والضعيفة، والروايات الثقات من الكذابين أو المتهمين أو الضعفاء. قال رحمه الله: اعلم وفقك الله أن الواجب على كل أحد عرف التمييز، يعني هذا الواجب على كل أحد عرف التمييز، أساسا ليس كل أحد يجوز له أن يصنف في علوم الحديث أو أن يكلم الناس في العلم، لكن الذي له أهلية قطيع التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقة الناقلين من المتهمين، هذا يجب عليه أن يشتغل باحاديث الثقة والأحاديث الصحيحة وينشرها بين الناس، وألا يروي منها إلا الأحاديث الثابتة الصحيحة.
يبقى بالتالي الإمام مسلم هنا وإن كان كلامه موجها إلى من عرف أو كان عنده أهلية التمييز، إلا أنه كذلك مانع لمن ليس له أهلا لهذا العلم، وأمرا له بالسكوت أن اسكت حتى لا لا تقفو ما ليس له به علم. يبقى قال: الواجب على كل أحد، أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، يبقى هنا يتكلم هنا عن الرواية.
وثيقة الناقلين لها من المتهمين هذا شيء وهذا شيء، بعض الناس يظن أنهما بنفس المعنى وليس كذلك، لأنه لما قال: صحيح الروايات وسقيمها، يعني قد تكون الرواية عن راو ثقة ولكنها خطأ، يكون الراوي أخطأ فيها، فالكلام أولا عن الروايات ثم عن الرواة وثقات الناقلين لها من المتهمين. المتهم تكلمنا عنه قبل ذلك. ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقله.
طبعا الرواية يا شباب الرواية يعني العالم أو الناقد مثل مثلا أحمد بن حنبل، يحيى بن معين، علي بن المديني، البخاري، مسلم، أبو داود، الترمذي، النسائي، هؤلاء النقاد العلماء حينما كانوا يستمعون إلى روايات كانوا أحيانا يستمعون روايات بعض الضعفاء أو الكذابين أو المتروكين، وأحيانا يكتبون هذه الروايات ليميزوها وليحذروا الناس منها، وليعرفوا ضعف صاحبها.
فالإمام مسلم هنا لا يتكلم عن كتابة الحديث، وإنما يتكلم عن رواية الحديث أو الاستدلال بالحديث أو الاحتجاج في الحديث، فهو يقول: لا يحل لشخص يميز بين الصحيح من الروايات والسقيم وثقات الناقلين والمتهمين، لا يحل له أن يروي (يعني أن يحدث الناس أو أن يستدل أو أن يعلم الناس أو أن يحتج) إلا ما عرف صحة أو إلا ما عرف صحة مخارجه.
المخرج يا شباب في لسان المحدثين هو الراوي الذي تلتقي عنده الأسانيد، هو مخرج الحديث. يعني إيه يا شباب؟ يعني لو أن عندنا مثلا ممكن يكون عندنا حديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثلا خمسة من الصحابة، روته عائشة وأبو هريرة وابن عمر وابن عباس وابن مسعود مثلا، وكان وأبو سعيد الخدري. بعد ذلك تفرع ذلك مثلا روى عن أبي هريرة روى أبو صالح، وروى عن عائشة مثلا مسروق، وروى عن ابن عمر نافع، وعن ابن مسعود علقمة، وعن أبي سعيد أي واحد من الرواة.
بعد ذلك التقت هذه الأسانيد جميعا عند راو واحد، وهذا الراوي روى عنه جماعة من الرواة، فيعد هذا الراوي الذي التقت عنده الأسانيد هو مخرج الحديث أو مدار الحديث. فهذا الراوي إذا لم يكن ثقة، كل الروايات قبله وبعده لا معنى لها. يعني إذا كان مخرج الرواية (يعني الراوي الذي نتجت عنه كل هذه الروايات) ضعيفا، فلا معنى لكثرة هذه الأسانيد.
وبعض المحققين من المعاصرين تغره كثرة الروايات فيقول لك: وهذا الحديث رواه الطبراني والبيهقي وابن أبي الدنيا وابن بطة وكذا، ويعدد لك الروايات يوهمك بأن هذه الكثرة تساوي شيئا. ليست العبرة بكثرة الرمي، وإنما العبرة بالإصابة. ممكن يكون واحد عنده دليل الواحد، وشخص آخر يقول: أنا عندي مائة دليل وكل هذه المئة دليل متهافتة لا قيمة لها. فليست الاعتبار ليس الاعتبار هنا بكثرة الروايات ولا بكثرة الرواة، وإنما الاعتبار هو بقوة الراوي.
فالإمام مسلم حينما يتكلم عما ما عرف مخارجه المخرج هو الراوي الذي تدور عليه الأسانيد أو هو مخرج الحديث أو مدار الحديث، فإذا كان ثقة.
كان الحديث مقبولاً، وإذا لم يكن ثقة فلا تنفعه كثرة الرواة عنه. ممكن يكون راوي واحد روى عنه مثلاً خمسمائة شخص، المهم أن الخبر جاء عنه، هو واضح؟ وممكن يكون راوي ثقة لم يروي عنه إلا واحد، ويقبل العلماء روايتهم.
فقال الإامام مسلم، وهو بدايةً يعني بين أنه يخاطب في الأصل من كان من أهل الحديث. فيقول له: إذا كنت من أهل الحديث وأهل التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين، لا يحل لك أن تروي إلا ما عرفت صحة مخارجه والستارة في ناقليه. وكلمة الستارة يعني الصيانة والأمانة، كما قال قبل ذلك، يشملهم اسم الصدق والستر. فهو بين أن ينبغي لمن يريد أن يحدث الناس، أو أن يخرج كتاباً، أو يروي أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يختار الأحاديث الصحيحة من أحاديث الثقات.
قال: وأن يتقي منها، يعني من الأحاديث، ما كان منها عن أهل التهم. أهل التهم تقدموا قبل ذلك أن أهل التهم هذا اسم عام، قد يتهم الإنسان لكذبه، وقد يتهم لكثرة غفلته أو لأحاديثه المنكرة، هو بشكل عام. يعني أو المتهم هو بشكل عام راوٍ جاء من طريقه روايات كثيرة ضعيفة، فالعلماء يشكون، هل هو يعني تعمد وضع هذه الروايات وكذبها؟ أم أنه أوتي من باب الغفلة؟ المهم أن المحصلة واحدة، أنهم لن يشتغلوا بأحاديث هذا الصنف من الرواة، الذين يروون الأحاديث المنكرة وكثيراً ما يخالفون الثقات والغالب عليهم النكارة، فإنهم تترك الرواية عنهم، إما لاتهامهم بالكذب أو لنكارة حديثهم، تمام؟
يبقى الإمام مسلم يطلب من هؤلاء الذين عندهم تمييز أن يعتنوا بتخريج أحاديث الثقات التي عرفوا وكان رواتها ثقات حفاظاً، وأن يتقوا منها ما كان عن أهل التهم. أهل التهم معروفة، خلاص.
وعندنا من أهل البدع. وهذا قيد مهم جداً يا شباب، العناد كأنه بمعنى التعمد أو التمسك. فبعض الناس فسر هذا اللفظ بأنه الدعاة للبدعة، أو أئمة البدعة، يعني الذين هم كبراء في البدع. وأنا في رأي أن هذا التفسير خطأ ولم يقصده الإمام مسلم رحمه الله، والذي يدل على ذلك أمران.
الأمر الأول: أن الأئمة النقاد وإن كانوا تكلموا عن رواية المبتدع، إلا أنهم قصدوا منها الأحاديث المنكرة التي يرويها المبتدعة أو المبتدعة غير الثقات. أما أن يكون الراوي عنده بدعة لكنه ثقة حافظ يوافق الثقات، فإنهم يردون بدعته ويقبلون روايته التي وافق فيها الثقات. فبالتالي الإمام مسلم رحمه الله لما قيد هنا قال: والمعاندين من أهل البدع، هذا القيد مهم لا ينبغي أبداً أن يغفل. فالإمام مسلم لم يجعل مناط رد رواية المبتدع مجرد أنه على بدعة. البدعة يا شباب بشكل عام هي ما خالف السنة، ويقصد بها أصالة البدع في مسائل الإيمان أو أسماء الله وأفعاله أو القدر، أو مثلاً يعني ما يخص الصحابة.
فعندنا مثلاً بدعة الخوارج والمعتزلة وبدع المتكلمين وبدع المرجئة ونحو ذلك. فهذه البدع يا شباب تخالف السنة، تخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فالكلام عن المبتدع هنا في أمور: الأمر الأول: ما هي البدعة؟ والأمر الثاني: بما تثبت البدعة؟ يعني هل مجرد أن يصف شخص شخصاً أو راوياً بأنه مبتدع تلصق به هذه التهمة؟ الأمر الثالث: أن البدع درجات، فليست مثلاً بدعة الجهمية كبدعة مرجئة الفقهاء، أو ليست مثلاً بدعة الخوارج كبدعة مثلاً، كل بدعة لها قدرها.
الأمر الرابع أو الخامس في الكلام عن البدعة: أن البدعة منها ما هو مكفر، يعني منها ما يخرج عن الدين، ومنها ما لا يكفر. وحديثنا هنا عن البدع التي لا يكفر صاحبها، فهذا الشخص مسلم لكنه صدر منه بدعة، يعني أنه قال مقالةً في الدين، هذه المقالة مبتدعة مخترعة، هو مسلم لكنه أخطأ في هذا الأمر.
إذاً، نحن عرفنا يا شباب أن مناط الرواية هو الصدق والضبط، فبالتالي ستفهم لماذا قبل أكابر العلماء رواية من كان على بدعة، لأنهم رأوا أن هذا الشخص كالذين مثلاً أخطأوا من الفقهاء. هذا خطأ يرد عليه وينكر عليه ولا يقبل منه، ولكنه مع ذلك لا ترد به روايته، لأننا حققنا أنه أدى الرواية كما تحملها، فلماذا لا نخرج حديثه؟ وعلى ذلك اعتمد الأئمة الكرام وخرجوا لبعض من كان على بدعة. وكتاب البخاري ومسلم يعني به كثير من أحاديث هذا الصنف من الناس من كانوا على بدعة. ونحن شرحنا ذلك شرحاً موسعاً يا شباب في كتاب لغة المحدث، وقبله في كتاب النهج المبتكر، وكذلك في الكتاب الذي ختمنا به المرحلة الأولى وهو تحرير علوم الحديث.
بشكل عام يا شباب، البدع فيها أصول، منها مثلاً بدعة الخوارج أو الوعيدية، وبدعة القدرية والرافضة والناصبة والمرجئة والجهمية والواقفة. الواقفة هم يعني توقفوا في الكلام عن القرآن، هل هو مخلوق أو ليس مخلوق؟ أو لفظي بالقرآن مخلوق أو ليس مخلوق؟ وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله في دروس الإيمان وأسماء الله وأفعاله تبارك وتعالى.
فهذه المقالات يا شباب، الذين قالوا بها أخطأوا، ويسمون بمبتدعة أو أصحاب البدع، لكن الشأن هنا يا شباب هو في هل مجرد هذا الوصف يسقط عدالتهم، فبالتالي يسقط روايتهم؟ هنا عندنا مذاهب. يعني بعض الناس مثلاً يرون أن البدع جرح للعدالة، ويحتجون على ذلك بروايات مثلاً لمحمد بن سيرين وغيره، أنه قال: كان في الزمان الأول لا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت فتنة سألوا عن الإسناد لكي يأخذوا حديث أهل السنة ويدعوا حديث أهل البدع، يظنون أن ذلك يدل على أنهم ردوا أحاديث المبتدعة بشكل عام، يعني كل من وصف ببدعة، وأنه يقبل حديث أهل السنة.
وأنا في رأيي أن هذا الفهم خطأ، أن هذا الفهم خطأ من كلام ابن سيرين، وإنما قصد ابن سيرين نوعاً من المبتدعة، وهم الرافضة الذين كانوا يستحلون الكذب، أو قصد المعاندين، كما قال الإمام مسلم: قصد المعاندين من أهل البدع. والدليل أن الرجل ليس بمجرد كونه سنياً تقبل روايته، فيمكن أن يكون سنياً وأن يكون من أهل العدل والأمانة، لكنه ليس حافظاً، يكون مغفلاً، أو يروي ما يخالف الثقات، فبالتالي لابد أن نعرف مناط الشيء يا شباب.
هو يذم من جهة ويحمد من جهة. هذا الراوي الذي هو على بدعة يذم على بدعته، تنكر عليه وترد عليه ولا تقبل منه، لكنه مع ذلك إذا كان ثقةً أميناً صادقاً ضابطاً، اختبرت رواياته وعرضت على أحاديث الثقات فدلت على أنه ثقة، فبالتالي تقبل روايته تلك، إلا أن يأتي بشيء منكر فيعامل معاملة غيره من الثقات الذين أخطأوا أو دل الدليل على خطأهم.
وبعض العلماء يفرقون بين بعض البدع، بين شدة البدع وخفتها، مثلاً يروون عن الإمام أحمد أنه قال: احتملوا المرجئة في الحديث. وبعضهم مثلاً يفرق بين الداعي إلى بدعته وغير الداعي، فيرد الداعي ويقبل غير الداعي، كما قال الحاكم: الداعي إلى البدعة لا يكتب عنه ولا كرامة، لإجماع جماعة من أئمة المسلمين على تركه. وهذا منقول عن بعض أهل العلم أيضاً، لكني هنا يا شباب أحب أن آتي إلى المذهب الذي رأيته واقعياً عملياً تطبيقياً في كلام أهل العلم. وهو أن مجرد كون الرجل على بدعة فإن هذا لا يسقط حديث الراوي، ولكنه قد ينقص عدالته، لكن القدر المحتاج إليه في رواية الراوي إذا كان متحققاً فترد بدعته ويقبل حديثه.
ويحب يا شباب أن أوقف مع أثر جميل جداً، هذا الأثر مثلاً أو هذه المقولة أولاً لابن دقيق العيد رحمه الله. قال: والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية. المذاهب اللي هي المقالات، يعني إذا كان الرجل مسلما. المذاهب يعني يقصد بها الأقوال، مثلاً الارجاء أو القدر أو نحو ذلك. قال: إنه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر في الشريعة.
فإذا اعتقدنا ذلك، يعني اعتقدنا أنه مسلم وأنه ليس بكافر ولكن عنده بدعة، قال: وانضم إليه التقوى والورع والضبط والخوف من الله تعالى، فقد حصل معتمد الرواية. في رأيي أن هذا القول عن ابن دقيق العيد قول رائع جدا. طبعا ابن دقيق العيد كتابه الذي ذكر فيه هذه المعاني هو كتاب اسمه الاقتراح في بيان الاصطلاح، والذي صنف الذهبي كتاب الموقظة على غراره.
فشوف قوله: فقد حصل معتمد الرواية، لأنني أريد منه الرواية، أنا لا أريد أن أخذ منه رأيه، لا أريد أن أخذ مذهبه، إنما أريد أن أخذ روايته. فإذا كان هذا الراوي قد أدى الرواية كما تحملها، وقد تأكدنا منه التقوى والورع والخوف من الله، فقد حصل معتمد الرواية.
وكذلك شباب، يعني عندنا من المقالات الجميلة جدا ما نقله محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: قلت لعلي بن المديني يا أبا الحسن -كنية علي بن المديني- إن يحيى بن معين ذكر لنا أن مشايخ من البصريين كانوا يرمون بالقدر، إلا أنهم لا يدعون إليه، ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر؛ منهم قتادة، هشام صاحب الدستوائي، وسعيد بن أبي عروبة، وأبو هلال، وعبدالوارث، وسلام، كانوا ثقات يكتب حديثهم، فماتوا وهم يرون القدر ولم يرجعوا عنه.
فقال لي عليه رحمة الله أبو زكريا: كذا كان يقول عندنا، إلا أن أصحابنا ذكروا أن هشاما الدستوائي رجع قبل موته، ولم يصح ذلك عندنا. فهذا يبين يا شباب أن هؤلاء كان عندهم دعوة، يعني كانوا يدعون إلى هذه المقالات، يعني كانوا يظنون أن القول بالقدر... والقول بالقدر يا شباب معناه عند هؤلاء الرواة، طبعا الذين قالوا بالقدر طائفتان منهم بعض رواة الحديث وبعض أهل العلم، وكذلك المعتزلة.
هم لا يقصدون هنا المعتزلة، وإنما يقصدون رواة حديث الثقات الحفّاظ مثل مثلا قتادة وهشام وسعيد بن أبي عروبة، فهؤلاء كانوا يقولون بالقدر، يعني كانوا يرون خلق الله لأفعال العباد، وهذا القول باطل، ولكن هذا خطأ، يعني هذا يعتبر خطأ، ولكن مع ذلك لا تسقط روايتهم بذلك لا سيما مع ما شهد لهم به من العلم والحفظ. لكني أريد منك أن تقف هنا على كلمة: ولا يأتون في حديثهم بشيء منكر. وهذا ضابط مهم جدا يا شباب.
فإن الراوي إذا كان ثقة ضابطا عدلا يوافق الثقات وكان على بدعة معينة، فانه تقبل روايته ولا ترد روايته إلا أن يأتي بشيء منكر، شأنه شأن كل الرواة الثقات الذين تحققوا من خطأهم في الرواية. واضح؟
أيضا يا شباب من المعاني الجميلة هنا أيضا، قال مثلا أبو بكر بن أبي الأسود: كان خالي عبدالرحمن بن مهدي يترك الحديث عن الحسن بن أبي جعفر الجفري وعثمان بن صهيب وغيرهما من أهل القدر -اللي هم قالوا بالقدر يعني- للمذهب، بسبب هذا. ماذا مع أنهما ثقات؟ للمذهب والضعف، فلما كان بأخرة حدث عنهم -يعني في آخر عمره- وخرجهم في تصانيفه. فقلت يا خال: أليس قد كنت أمسكت عن الرواية عن هؤلاء؟ فقال: نعم، لكن خفت أن يخاصموني بين يدي ربي فيقولون: يا رب سل عبدالرحمن لم اسقط عدالتنا؟
هذا أيضا يؤكد هذا المعنى، إنه رأى أنهم وإن كانوا أخطأوا في هذا لكن لا تسقط عدالتهم بهذا الخطأ. الأثر الاخير الذي أريد أن أذكره هنا في هذا السياق هو في رأيي أثر مهم جدا، سئل الحافظ محمد بن عبدالله بن عمار الموصلي عن علي بن غراب، أحد الرواة فقال: كان صاحب حديث بصيرا به. يعني الموصلي هذا اللي هو محمد بن عبدالله الموصلي سئل عن علي بن غراب فقال: كان صاحب حديث بصيرا به.
فقيل له: أليس هو ضعيفا؟ هو مش ضعيف؟ قال: إنه كان يتشيع -يعني كان عنده ميل لأيه؟ للتشيع- ولست أنا بتارك الرواية عن رجل صاحب حديث يبصر الحديث، بعد ألا يكون كذوبا للتشيع أو القدر. يعني لا أترك حديثه بمجرد هذه البدعة.
وفي المقابل قال: ولست براوٍ عن رجل لا يبصر الحديث ولا يعقله، ولو كان أفضل من فتح. يقصد الموصلي، كان فتح الموصلي يضرب به المثل في الأمانة والورع. أنا في رأيي هذا الأثر الاخير هو يعني واضح جدا في موضع الدلالة.
فهو يقول هنا: هذا الرجل وإن كان على بدعة إلا أنه ثقة حافظ يوافق الثقات، فلماذا اتركه وأنا لا أروي قوله إنما أروي روايته؟ وفي المقابل هل كون الرجل سنيا يجعلني أقبل كل ما يقول؟ لا، ينبغي أن يكون ضابطا.
فبالتالي الشباب خلاصة هذه المسألة هي أن الحد أو المناط الذي يراد في الراوي هو أن يكون مسلما، وأن يكون صادقا، وأن يكون ضابطا، وأن يكون موافقا للثقات، فهذا تقبل روايته وإن كان مع ذلك صاحب بدعة، ترد بدعته عليه ولا تقبل منه، لكن لا يرد حديثه بمجرد كونه صاحب بدعة.
فلذلك تعبير الإمام مسلم رحمه الله أو تقييد الإمام مسلم المعاندين من أهل البدع، هذا كأنه يريد الذين ظهر عنادهم أنهم ليسوا متأولين. أولى الشباب هو الاجتهاد، أنه أخطأ، أنه أراد الحق فأخطأه. فالذين فسروا المعاند بالمجاهر هذا غلط، والذين فسروا المعاند بالداعي أيضا غلط. والامام مسلم خرج لرواة كانوا يدعون إلى البدع في التشيع أو غيره ومع ذلك كان ينكر بدعهم. هذا شيء وهذا شيء آخر يا شباب.
أرجو منك أن تهتم بهذه المعلومات، لأن الذين قالوا إن بعض المحدثين أنكر رواية المبتدعة أو ضعفوهم بسبب ذلك، هؤلاء لم يعرفوا واقع المحدثين، هؤلاء يتكلمون بقواعد نظرية، أما واقع المحدثين فالمحدثون الثقات والنقاد خرجوا أحاديث هؤلاء في كتبهم واحتجوا بها، بل بالعكس دافعوا عنهم أمام من ضعفهم، ومع ذلك أنكروا بدعهم. هذا شيء وهذا شيء آخر يا شباب.
وسبق أن اخذنا في كتاب قاعدة عظيمة لابن تيمية، وكذلك في كتاب الإيمان، وذكرت لكم موضعا مهما في كتاب منهاج السنة أنه لا يساوِي بين المخطئ والمعاند. المعاند يا شباب يعني هم الزنادقة من المبتدعة، المعاند هو الزنديق الذي يبطن الكفر ويظهر الإيمان. وهؤلاء الشباب تكلمنا عنهم في مقدمة كتاب الإيمان الأوسط.
يعني خليني أذكر لكم هذه الجملة مرة أخرى لأنها مهمة، وقلت لكم ستنفعنا كثيرا في التمييز بين المخطئين. فسروا بها معنى كلام الإمام مسلم هنا المعاندين، حتى لا يفهم بعض الناس أن المعاند هو المجاهر أو الداعي، لأ، ممكن أن يكون يدعو إلى المذهبي لأنه يراه هو الدين، وأن ذلك لا يمنع أن نرد بدعته.
قال ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان الأوسط صفحة ثلاثمائة وأربعة: فهذا أصل ينبغي معرفته، فانه مهم في هذا الباب، فإن كثيرا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام.
قال: ومن تدبر هذا علم أن كثيرا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنا مخطئا جاهلا ضالا عن بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يكون منافقا زنديقا يظهر خلاف ما يبطن.
ونفس الكلام يا شباب ذكره في قاعدة عظيمة صفحة تسعة وعشرين -قريب منه وأوسع منه- وكذلك في منهاج السنة المجلد الأول صفحة ثامنة عشر. في رأيي يا شباب أن هذه المواضع مهمة جدا، وعليها يحمل كلام أهل العلم في وصفهم لرد رواية المعاند.
المعاند يا شباب كأنهم ينفون عذره، يعني يقولون هو ليس مجتهدا، ليس مقلدا، هو شخص أراد الباطل. فأنا في رأيي الشباب أن يحمل هذا الكلام على معنى واحد، ويؤيد ذلك نفس العلماء الذين خرجوا أحاديث هؤلاء الثقات وإن كانوا ردوا بدعتهم كما سبق وأن ذكرناه.
وستجد ذلك الشباب تكلمنا عنه بشكل، وأنا أذكر لكم الصفحة التي توسعنا فيها في الكلام عن رواية المبتدع: صفحة ثلاثمائة وستة وتسعين من كتاب تحرير علوم الحديث إلخ.
آخر هذا الفصل الذي هو يتحدث عن رواية صاحب البدعة.
طيب، قال رحمه الله: نركز هنا يا شباب. قال رحمه الله: اقرأ الجملة مرة أخرى: اعلم وفقك الله تعالى أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الرواية وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين ألا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع. سبق شرح هذا يا شباب.
هنا بقى يا شباب احتاج أن أقف وقفة مع فكرة الرواية عن الضعفاء أو أو المتروكين أو الكذابين. بداية يا شباب أول فكرة عندنا هنا مهمة أن الضعفاء أقسام، يعني أن اسم الضعف هذا اسم عام كما أن الثقات اسم عام. الثقات يدخل فيهم أعلى الرواة ثقة ويدخل فيهم آخر الرواة ثقة، تمام كده؟ يبقى الضعفاء أقسام، منهم من هو ثقة، يعني أنت ممكن أن تقسم معي هذا التقسيم، الصنف الأول من الضعفاء راوٍ ثقة لكنه ضعف في حال من الأحوال.
يعني هو في الأصل ثقة، مثل مثلا حماد بن زيد أو معمر بن راشد، فهؤلاء ثقات لكنهم ضعفوا في بعض الأحوال. فهذه الأحوال منها مثلا أنه اختلط في بعض مراحل عمره، مثلا كان حافظاً فلما سن كبر خرف، أو اختلطت عليه الأحاديث. يبقى هذا ضعف في بعض الأوقات، أو ضعف في الرواية عن أهل بلد معينين، كأن يكون ثقة ثم يضاعف مثلا في روايته عن أهل البصرة مثلا، ويمكن أن يضاعف في بعض مشايخه.
يعني هو ثقة لكن ضعف في بعض مشايخه، مثلا كمثال معمر بن راشد يخطئ في روايته عن أيوب السختياني، ويخطئ في رواية عن وروايته عن ثابت. فهو ثقة في الجملة لكنه يخطئ، فهذا ضعف من وجه ما، تمام؟
طيب، الحالة الثانية يا شباب أن يكون هذا الراوي فيه ضعف لكن ضعفه محتمل لأنه مغفل، يعني ضعفه من باب أنه يخطئ كثيراً في الروايات، واضح؟ فهذا قد يحتاج إليه، يعني قد يحتاجه العلماء يستشهدون بروايته أو يقوون روايته، فهذه الرواية قابلة أن تتقوى. لكن عندنا بقى صنف من الرواية يا شباب هو منكر الحديث أو متروك الحديث أو متهم أو وضاع أو كذاب.
هذه الأصناف يا شباب لا يشتغل بروايتها أصلاً فلا تنفع. يعني الأصناف السابقة اللي هم الثقات أو الثقات الذين يخطئون أو الضعفاء الذين ضعفهم محتمل هؤلاء يحتاج إلى حديثهم بقدر ما. أما صنف المنكر الحديث الذي دائما يخالف الثقات أو متروك الحديث أو المتهم بالكذب أو كذاب أو الوضاع، فهؤلاء لا يشتغل بروايتهم. يبقى هذا أول فكرة عندنا.
الفكرة الثانية يا شباب: الكتابة، كتابة الحديث مجرد تدوين الحديث لنفسك أنت، هذا يدخل فيه كل أصناف الرواة. يعني الكتاب دائرة الكتابة واسعة جداً يا شباب. الإنسان يكتب، أنا مثلا أستمع دروس لناس مبتدعة أو لناس ضالين أو لفلاسفة، فدائرة الاستماع وتقييد المعلومات هذه عامة، لأني أريد أن أعرفهم أريد أن أميزهم.
واضح كده؟ يبقى كتابة الحديث هذه عامة، ممكن إنسان يكتب أحاديث عن الضعفاء، يكتب أحاديث عن المتروكين، كما سبق وذكرنا قصة يحيى بن معين مع أحمد بن حنبل لما كان أحمد بن حنبل يكتب صحيفة معمر عن أبان عن أنس، وأبان هذا متروك، فقال له ابن معين: يعني لماذا تكتب هذه الصحيفة وتعرف أنها يعني مكذوبة موضوعة؟ فقال: حتى لا يأتي آت فيجعل مكان أبان ثابتاً، يثابت البناني وهو أوثق الرواة عن أنس. فكان يكتب هذه الأحاديث ليميزها وحتى لا يستطيع إنسان أن يدلس فيها وأن يغير الراوي يبدل راوياً براوٍ آخر.
كذلك ابن معين لما قال: كتبنا عن الكذابين وسجرنا بها تنوراً وأخرجنا بها خبزاً نضيجا. يعني بيقول إحنا كتبنا عن الكذابين والوضاعين عشان نعرفهم ونميزهم، وبعد ما كتبنا حرقنا هذه الكتب. كذلك لما مثلا قال سفيان الثوري: إني لأحمل الحديث على ثلاثة أوجه؛ أحمل الحديث عن رجل أتخذه ديناً، وأحمل الحديث عن رجل لا أستطيع جرحه ولا أستطيع أتخذه ديناً، وأحمل الحديث عن رجل لا أعبأ بحديثه أحب معرفته.
فهو يكتب الحديث أو يحمله ليحتج به وليعمل به وليتعبد به إلى الله ولينشره بين الناس، وحديث آخر يسمعه لك ليس عنده حجة أنه ضعيف وليس عنده حجة أنه صحيح، يعني قد يحتاج إليه في وقت، حديث متوسط قد يرى مع مرور الزمن ما يرده وقد يرى ما يصححه. وهناك صنف آخر يكتبه ويحمله لك لا يعبأ به. طيب، لماذا يكتبه؟ حتى يميز، يميز بين هذا وذاك حتى يدل الناس عليه.
فإحنا عندنا يا شباب روايات كثيرة جداً، لما قال مثلا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي: جاءني علي بن المديني فكتب عني عن عبدالسلام بن حرب أحاديث إسحاق بن أبي فروة. إسحاق بن أبي فروة يعني متروك، فقلت: أي شيء تصنع بها؟ يعني أنت إيه اللي يخليك تكتب أحاديث واحد متروك؟ قال: أعرفها لا تقلب، يعني ما يجيش واحد يضحك علي بها. فكما كان حذيفة يقول: عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الشر يقع فيه. وكان يقول: كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أنا أسأله عن الشر مخافة أن يدركني.
وقال عمر يا شباب، عمر بن الخطاب قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية. لو لم يكن هؤلاء النقاد أخبرونا بالرواة الضعفاء والأحاديث الضعيفة، من أين كنا سنعرفها؟ يبقى هذا مهم جداً يا شباب. إذاً، ليس مجرد وجود الحديث في كتب السنة يقتضي أن يكون صحيحاً، أو يقتضي أن يكون صحيحاً عند من خرجه بهذا الإسناد، بل قد يكون خرجه ليشهد على ضعفه ونكارته وليحذر الناس منه.
واضح كده يا شباب؟ يبقى هذه هي الفائدة الثانية؛ الفائدة الأولى في أقسام الضعفاء، الفائدة الثانية في كتابة الحديث.
الفائدة الثالثة يا شباب وهذه مهمة جداً، وهي الرواية، الرواية، يعني في فرق بين الكتابة والرواية. الكتابة أن كل عالم بيكتب هذه الأحاديث عنده، لكن الرواية أن ينشرها وأن يخرجها للناس. الرواية يا شباب، بعض أهل العلم اعتنى برواية الأحاديث عن الكذابين والمتروكين والضعفاء، لماذا؟ هل هذا على الوجه الذي أنكره مسلم؟
لا، الإامم مسلم إنما كان ينكر الرواية عن الكذابين والضعفاء إذا كنت تحتج بها أو أن تنشرها بين يدي الناس دون تميز. أما الذين اعتنوا بتخريج أحاديث الضعفاء ليميزوها ولينقضوها وليستدلوا بها على ضعفهم، فهؤلاء يشكر عملهم هذا بل يحمدون عليه ويؤجرون عليه إن شاء الله، كما في كتب الضعفاء.
مثلاً أشهر هذه الكتب يا شباب أربعة، يعني الكتب التي ذكر فيها الضعفاء وأحاديثهم التي تشهد بضعفهم، الكامل لابن عدي، والمجروحين لابن حبان، والضعفاء للعقيلي، وكذلك ميزان الاعتدال للذهبي. وكذلك عندنا كتب الأحاديث الموضوعة لابن الجوزي، والأحاديث الواهية اللي هي العلل المتناهية في الأحاديث الواهية والاباطيل للجوزقاني وغير ذلك من الكتب.
هي كذلك من الدواوين المهمة لطالب علم الحديث وليس لكل أحد. المسلم العادي يشتغل بالروايات الصحيحة بالصحيحين وبكتب السنة، أما الذي يريد أن يدرس هذا العلم لا شك أنه سيحتاج كتب الضعفاء وكتب الأحاديث الموضوعة والضعيفة والمنكرة، هذا يحتاجه جداً. تمام يا شباب؟
لكن في رأي أن الإمام مسلم رحمه الله يقع انكاره على من يصنف في أبواب العلم ومع ذلك يخرج الأحاديث الضعيفة والموضوعة دون أن ينبه عليها، في رأيي أن هؤلاء الشباب فعلاً ينكر عليهم. يعني بعض الناس يقول: لا، من أسند فقد أحالك. يعني ما دام هو أسند الحديث يبقى ما لوش ذنب. لا، إذا كان من أهل العلم بالحديث وكان من أهل التمييز بين الصحيح والضعيف وخرج رواية منكرة أو موضوعة أو يميل إلى قلبه أنها ضعيفة، فليس صواباً ما فعل، يقول: لا، أصل أنا أخرج ما جاء في الباب. لا، إذا خرجت ما جاء في الباب وأنت
اعلم يقينا أنه ضعيف أو يغلب على ظنك، فكان الأولى أن تنبه على ضعفه. يبقى إذن يا شباب ذم الإام مسلم رحمه الله لا يقع على العلماء الذين صنفوا في كتب الضعفاء ليحذروا منها، وإنما يقع هذا الذنب على من ذكروا أحاديث تحت أبواب الدين المختلفة وهي ضعيفة وهم يعرفون ضعفها ولم يبينوا ذلك.
طيب يا شباب باقي هنا أمر مهم جدا، وهو معنى الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت. يعني بعض الناس يقول: طيب نحن لماذا نشتغل بأحاديث الراوي الذي وصف بأنه ضعيف؟ قلنا يا شباب إن الراوي الذي وصف بأنه ضعيف ليس معنى ذلك أنه ضعيف في كل ما روى، لا، هذا الضعف يا شباب هو حكم عام، لكنه قد يكون في بعض الروايات قد أحسن فيها وقد وافق الثقات. فلماذا نهدر صحيح ما عنده بسبب ضعيف ما عنده؟ ما عنده هذا ليس من العدل.
وإنما الصواب قول الإام أحمد كما قال: الحديث عن الضعفاء قد يحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدا منكر. يعني الأحاديث التي تأكدنا من أنها منكرة، حتى لو كان الذي أخطأ فيها هو أوثق الرواة، ينبغي أن ترد. والأحاديث التي جاءت عن بعض الرواة الضعفاء نبقيها، قد نجد ما يشهد لها فنتحقق من صحتها ونقبلها ونعمل بها، وقد نجد ما يؤكد نكارتها.
طيب، هنا دخل الإام مسلم يا شباب في أدلته على هذه النتيجة التي وصل إليها، التي هي وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين. ونلاحظ يا شباب هنا أمرا مهما: كأن قائلا يقول: وهل يحتاج الإام مسلم أدلة وحججا على هذه النتيجة التي ذكرها؟ أليست هذه النتيجة معلومة يقر بها كل إنسان؟ طب ما كلنا عارفين أن الرواية عن الثقات هي التي ينبغي أن تنشر وأن نترك أحاديث الكذابين.
لأ يا شباب، لابد أن تراعي الظرف التاريخي الذي يتكلم فيه الإام. فالإام مسلم كما في كتابيه في المقدمة وفي التمييز يبين لك لماذا يعتني ببيان أدلته، لأن قوما من العباد أو من جهلة العباد كانوا ينكرون على أهل الحديث أنهم يحكمون على الرواة وكانوا يحكمون على روايات ويقولون هذا من باب الظن وهو من الغيبة وهو قول بغير علم، فأراد الإام مسلم أن يبين ذلك.
وهذا يا شباب عام في العلماء الذين تكلموا، العلماء المتقدمين الذين تكلموا في الجرح والتعديل أو العلل، لابد أنهم يقدمون حجة على هذا العمل. الترمذي مثلا في كتاب العلل قدم حجته، وكذلك الشافعي في كتاب الرسالة، وكذلك مسلم هنا في المقدمة وأبو داود، كل من تكلم في هذا الباب بقواعد لابد أن يبين أن هذا من الدين، وأن الكلام في الرواة والروايات هو في الدين وهو ليس مجردا وليس غيبة ولا يدخل في الغيبة، بل هو أمر واجب.
طيب، قال الإام مسلم رحمه الله: والدليل على أن الذي قلنا هو اللازم دون ما خالفه، قول الله جل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ. وقال جل ثناؤه: مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ. وقال عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ. قال: فدل بما ذكرنا من هذه الآية أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة. والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم، كما أن شهادته مردودة عند جميعهم.
ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق، وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين.
نلاحظ هنا يا شباب أن الإام مسلما اعتنى بذكر حجته في هذا الأمر، وحجته على ماذا؟ ما هي النتائج التي خرج إليها؟ هو كان في الأساس ينكر على الشخص الذي لا يميز بين الصحيح والسقيم، والشخص الذي يروي الروايات الضعيفة، والشخص الذي ينكر أحكام العلماء. يعني يقول: كيف تحكمون على الروايات وعلى الرواة؟ هذا من باب الغيبة أو قول بغير علم أو نحو ذلك.
فالإام مسلم كما فعل في كتاب التمييز ذكر فصلا بديعا جدا استدل فيه على وجوب نقد الرواة وكذلك نقد الروايات وسبيل الأئمة في ذلك. نلاحظ هنا يا شباب أن الإام مسلما استدل باستدلال عن الشهادة أو عن قبول الأخبار بشكل عام، اللي هي الآية المشهورة: إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. وجه الاستدلال واضح جدا، أنه إذا جاءنا شخص بخبر ونحن أمرنا بالتبين أو التثبت كما في قراءة أخرى، هذا يقتضي أننا لابد أن نكون عالمين بالصفات التي يقبل بها هذا الناقل أو هذا المخبر أو هذا الخبر.
فهذا يقتضي أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فهذا ضمنا يقتضي أن نعلم ما هي شروط قبول الرواية وشروط قبول الراوي أو المخبر. الأمر الثاني، أنه استدل باية: مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ، فهذا يؤكد أن الرضا يعني أن هذا الشاهد لابد أن يكون مرضيا، فهذا يقتضي أيضا أمرين: أن نعرف ما هي صفات الرضا في الشاهد من الصدق والأمانة والضبط ونحو ذلك، وأن نطبق هذه الشروط على من يشهد، وكذلك: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ.
ثم استنبط رحمه الله المعاني التي توافق قوله، وبين أن الشهادة وإن كانت تخالف معنى الخبر، اللي هو الحديث أو الرواية، إلا أنهما يتفقان في أهم أمر. طب إيه هو أهم أمر يا شباب؟ هو أنه نقل، أن هذا خبر وأن الحديث خبر. فالراوي كذلك يشهد. يعني حينما يروي مثلا قتيبة بن سعيد عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، قتيبة هذا شاهد يشهد أنه سمع تلك الرواية من سفيان بن عيينة، وسفيان كان يشهد الناس أنه سمعها من عمرو. فالراوي بوجه ما هو شاهد.
واعتناء العلماء يا شباب بالكلام عن الخبر والشهادة والمعاني التي اتفق فيها الخبر والشهادة والمعاني التي افترقوا فيها هذا معنى موجود كثيرا عند العلماء. وأجمل ما كتب فيه في رأيي هو ما قاله الشافعي رحمه الله في صفحة ثلاثمائة واثنين وسبعين من كتاب الرسالة، اللي هي الفقرة ألف وثلاثة. هذا الفصل يا شباب مهم جدا، والحمد لله مر معنا قبل ذلك، يعني لن نعيده، ولكنه فصل جميل يبين المعاني التي تشترك فيها الشهادة مع الخبر والمعاني التي تختلف فيها، ثم تكلم عن شروط القبول، شروط قبول الأخبار بكلام رائع جدا، وهو يتمم ما ذكره الإام مسلم رحمه الله هنا.
ثم ذكر الإام مسلم رحمه الله قال في وهو الأثر المشهور، ولا خلينا نفك دلالات الألفاظ، لأن بعض الشباب يقول: يعني أنا أفك كل لفظة. قال رحمه الله: فدل بما ذكرنا من هذه الآية، الآيات الماضية، أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول. يعني الشخص الذي تأكدنا فسقه يرد خبره، والفسق هنا يعني من جهة العدالة، واضح كده؟ وأن شهادة غير العدل مردودة. يبقى خبر الفاسق مردود، وشهادة غير العدل مردودة، تمام كده؟
فكأن قائلا يقول: طيب، هذه في الشهادة أو الخبر، لكن الحديث بقى، اللي هو الحديث النبوي. قال: والخبر وإن فارق معناه معنى الشهادة، كلمة المعنى يعني الباب، وإن كان باب الأخبار يخالف باب الشهادات من وجه معين، مثلا الشهادة يقبل فيها مثلا، يعني لا يقبل فيها العبد أو المرأة، المرأة الواحدة، واضح كده؟ هذه من الوجوه، وإن كان الحديث يقبل عن المولى والعبد ويقبل عن المرأة، فهناك وجوه تختلف فيها الشهادة مع الخبر، لكن أهم معنى موجود في الاتنين، قال: وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما، اللي هي إيه بقى يا شباب؟ أنها نقل، أنها خبر. إذ كان خبر
غير مقبول عند أهل العلم. كما أن شهادته مردودة عند جميعهم. خلاص كده؟ يعني هذا بالإجماع. ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفسق. يعني هو يرى أن هذه نظائر بالمعنى، وهذا يشهد لهذا. قال: وهو الأثر المشهور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الشهرة هنا يا شباب لها دلالات، يقصد بالشهرة هنا الانتشار، أنه خبر معروف، مروي من طرق كثيرة، وأنه مع ذلك صحيح. قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. وفي رواية: أحد الكاذبين، وهما بنفس المعنى.
كلمة يرى يا شباب يرى هنا بمعنى يظن أو يغلب على ظنه أو يرى أنه كذب، يعني ينفع يرى ويرى، وإن كان الأقرب هو يرى؛ لأنه إذا كان مذموما وهو يظن أنه ضعيف ومع ذلك رواه، فلأن يكون مذموما وهو متأكد من ضعفه هذا من باب أولى.
طبعا يا شباب قول مسلم هنا رحمه الله إنه احتج بهذه الأخبار في باب الشهادة، وأنه بين أن مناط القبول واحد، هذا أثنى عليه القاضي عياض رحمه الله به كثيرا، وقال: ما أحسن قول مسلم هذا وبيانه في الدلالة على كثرة علمه وقوة فهمه.
ثم ذكر بعد ذلك القاضي عياض الوجوه التي تجتمع فيها شهادة مع الخبر، وهذا يا شباب يؤكد على الفكرة التي ذكرناها قبل ذلك، وهي عناية الأئمة الكبار المحدثين بفقه الشريعة، وأنهم ليسوا مجرد ناقلين؛ فالإمام مسلم هنا يشير إلى أنه يعرف الفرق بين الشهادة وبين الخبر وبين الرواية رواية الحديث، ولكنها تجتمع في فصل المعتبر هنا، وهو أن يكون الناقل أو الشاهد أو المخبر أو الراوي ثقة عدلا ضبطا. واضح كده؟
آه طيب، هذا الخبر يا شباب، اللي هو: من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين، أو في رواية الكاذبين، ينفع هذا وينفع هذا، يعني وإن كان الأشهر الكاذبين. كلمة يرى يعني يظن، يعني أنه يشك أو يغلب على ظنه؛ فهذا يعني الذي يروي وهو يغلب على ظنه أو يشك فيه ومع ذلك رواه، فهذا لا شك أنه يشمله هذا القدح، أنه يدخل في الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم. كان ينبغي إما أن يتحقق منه إن كان من أهل العلم، وإما أن يرجع إلى أهل الحديث إذا لم يكن من أهل العلم.
ثم ذكر مسلم رحمه الله طريقه، قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن سمرة بن جندب.
ح, كلمة ح يا شباب يعني تحويل السند؛ الإمام مسلم رحمه الله يستعمل كلمة ح يعني أنه سيتبدأ بسند جديد إلى نفس الخبر أو نفس الحديث، قال: ح, يعني إيه علامة تحويل السند؟ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أيضا، حدثنا وكيع عن شعبة وسفيان عن حبيب عن ميمون بن شبيب عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك.
ذكر, تلاحظون أنه ذكر المتن أولا ثم ذكر الإسناد.
الباب الثاني: باب في التحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، طبعا الشباب أنا لن أعلق على هذه الأسانيد بالكلام عن الرواة لأن هذا سيأتي معنا إن شاء الله في الكلام عن الجرح والتعديل، ولكني فقط أقف هنا مع القواعد التي أراد بيانها الإمام مسلم رحمه الله.
قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر عن شعبة.
ح, وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، أنا في رأيي الشباب يمكن أن نراجع هل هذه الابواب من صنع مسلم أم من صنع النووي رحمه الله؟ يمكن هذا يحتاج مراجعة، وهذا يحتاج نصا، أن احتمال أن يكون هذه الأبواب أيضا من كلام النووي، وإن كان الإمام مسلم في كتاب التمييز أيضا وضع أبوابا فربما يكون هذا من تبويبه وربما يكون من تبويب غيره؛ فهذا أمر يحتاج مراجعة إن شاء الله، لكنه بشكل عام هذه العناوين قريبة من مراد الإمام مسلم رحمه الله.
فالباب الأول فيه: أن تحدث بحديث وأنت تظن أو يغلب على ظنك أنه كذب. أما الباب الثاني فهو: التحذير من تعمد الكذب.
قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا غندر عن شعبة.
ح, وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن منصور عن ربعي بن حراش أنه سمع عليا رضي الله عنه يخطب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تكذبوا علي، فانه من يكذب يلج النار.
وطبعا يا شباب هذا الحديث محمول على الكذب اللي هو تعمد الكذب وليس محمولا على الخطأ، وإنما يعاقب الإنسان على خطئه إذا كان يعرف أنه خطأ، وإذا كان مقصرا في العلم بالخطأ، يعني مثلا لا يعرف شيئا عن الروايات فيرى أي حديث في كتاب ثم يحدث الناس به دون أن يسأل أهل العلم؛ كان الأولى به أن راجع أهل العلم إذا لم يكن من أهل الحديث.
قال: وحدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل -يعني ابن علية-. نلاحظ هنا أن الإمام مسلم رحمه الله لأن ابن علية -هذا اسم أمه- إسماعيل بن إبراهيم هذا من أوثق الرواة على الإطلاق، من أعلى الرواة، يعني هو إذا ذكر الرواة الثقات في هذه الطبقة فقط هو مقدم فيهم، ولكن هو كان مشهورا باسم أمه، فهو كان لا يحب ذلك؛ فالإمام مسلم قال: حدثنا إسماعيل -طبعا الناس مش هيعرفوا مين إسماعيل لأنه مشهور بابن علية- فاضطر هو أن يقول يعني ابن علية، يعني هو ذكره هنا من باب التعريف، فإن كان يعلم أن إسماعيل يكره هذا الاسم لكنه ذكره من باب التعريف، مثلا كلقب الأعمش أو الأعرج، فهذه الأسماء لا يحل أن يذكر بها أصحابها إلا من باب التعريف.
فالإمام مسلم هنا كأنه متحرج من أن يقول ابن علية، المهم أنه وضعه بين قوسين أو أنه قال يعني حتى يعرفه الناس.
وحدثني زهير بن حرب، حدثنا إسماعيل -يعني ابن علية- عن عبدالعزيز بن صهيب عن أنس بن مالك أنه قال: إنه لا يمنعني أن أحدثك حديثا كثيرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار.
أنا في رأيي أن هذا الحديث يا شباب وجه الاستدلال به على المعنى الأول أقوى بكثير من المعنى الثاني؛ لأن المعنى الثاني هو تعمد الكذب، المعنى الأول يا شباب هو الظن أو الوهم، أن تحدث برواية وأنت لست متأكدا من صحتها تمام كده، أو لم يغلب على ظنك صحتها، يبقى أنت شاكك ومع ذلك رويت هذا الحديث.
لماذا يا شباب هذا الحديث يصلح في هذا ولا يصلح في باب التعمد؟ لأن أنس بن مالك لا شك أنه لن يتعمد الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما يخشى هو من الخطأ، يعني أن يجري الكذب على لسانه دون قصد، ومع ذلك امتنع عن رواية كثير من الأحاديث.
طيب، نرجع تاني للحديث، بيقول: إنه لا يمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا. يعني أصلا هذه الرواية يا شباب أن عبدالعزيز بن صهيب كان مسافرا مع أنس بن مالك وبيحكي أنه سافر معه سفرا طويلا أو عاش معه فترة كبيرة ولم يحدثه إلا بحديث قليل، مع أن أنس من صغار الصحابة سنا، سمع من النبي صلى الله عليه وسلم روايات كثيرة؛ فهو مستغرب، طب ليه بقى أنت لا تحدثنا بأحاديث كثيرة؟ فقال: إنه لا يمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار.
يبقى كأنه يرى أن الذي روى رواية وهو يشك فيها، ومع ذلك رواها، أنه قد يدخل في إثم من تعمد الكذب، وأن التعمد ليس فقط هو في الذي اخترع الكذب أو اخترع الحديث الموضوع، وإنما يدخل فيه كذلك من حدث بحديث وهو يشك في صحته. فهمنا يا شباب؟
فوجه الاستدلال هنا رائع جدا، قال: وحدثنا محمد بن عبيد الغباري، حدثنا أبو عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ. وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير، حدثنا أبي اللي هو عبدالله بن نمير، حدثنا سعيد بن عبيد، دفن علي بن ربيعة قال: أتينا المسجد والمغيرة أمير الكوفة، فقال: آآ قال فقال المغيرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
طبعا كلمة إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم وجه الاستدلال منها واضح، يعني الذي يكذب على الناس ليس كالذي يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الذي يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يعني هذا سيتخذه الناس دينا. فهذا يؤكد يا شباب أن الكذب درجات، يعني الكذب على الناس درجات، فأعظم الكذب هو الكذب على الله، والكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر، أخبرنا محمد بن قيس الأسدي، عن علي بن ربيعة الأسدي، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يذكر: إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم. يعني هذه إيه؟ هذا من من تبيين الإمام مسلم لاختلاف الروايات؛ لأنه ذكر، شوف الأول قدم بالرواية الكاملة، آآ قدم بالرواية الكاملة، آآ قال أتيت المسجد، في حد معلق قال أتيت المسجد، فيها فيها مشكلة؟ هل أنا قلتها بشكل خطأ؟ أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة فقال: قال فقال المغيرة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار.
هذا أيضا الشباب يلحق معنا في بيان الإمام مسلم لاختلاف الروايات، فهو بين الاختلاف بين الرواية الأولى والرواية الثانية، الرواية الثانية ليس فيها، وهذا من دقة الإمام مسلم. شف بيقول إيه يا شباب؟ بيقول: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر، آآ أخبرنا محمد بن قيس، أخبرنا محمد بن قيس آآ الأسدي، آآ عايزين نشوف الأسانيد التقت من أول فين، آآ عن علي بن ربيعة. نعم الأسانيد بتلتقي عند علي بن ربيعة، يبقى في يبقى دلوقتي الخلاف بين آآ سعيد بن عبيد ومحمد بن قيس الأسدي، أن سعيد بن عبيد ذكر هذه الياء: إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، بينما لم يذكرها محمد بن قيس، آه نعم. آه محمد بيقول إن أنا قلت أتينا المسجد، أحسنت بارك الله فيك، لأ هي أتيت.
طيب، آآ باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، هذا آخر باب يا شباب، وإن شاء الله سنقف عنده. قال: وحدثنا عبيد الله بن آآ بن معاذ العنبري، حدثنا أبي اللي هو معاذ العنبري. إيحاء، يعني سيبدأ الإسناد تاني يا شباب، نلاحظ كده يا شباب، يعني بص خلينا ناخد هذا للتدريب، وحدثنا كلمة حدثنا مين اللي بيقولها؟ الإمام مسلم. وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عبدالرحمن بن مهدي، قال: حدثنا شعبة.
فإذن هو بيقول: وحدثنا محمد بن المثنى، حدثنا آآ عبدالرحمن بن مهدي، قال قال مين دول؟ هذا ضمير اثنين صح، قال آآ الذي حدثه هنا هو معاذ العنبري وعبدالرحمن بن مهدي تمام كده، آآ قال: حدثنا شعبة. يبقى شعبة يا شباب في هذا الحديث عنده تلميذان، اللي هو معاذ العنبري اللي هو أبو عبيد الله بن معاذ، تمام كده؟ وحدثه وسمع منه كذلك عبدالرحمن بن مهدي. إذا الإمام مسلم وصل إلى شعبة من طريقين: في الطريق الأول عبيد الله آآ عن أبيه اللي هو معاذ، تمام؟ والطريق الثاني محمد بن المثنى عن ابن مهدي.
قال: حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ. آه وحدثنا أبو بكر -طبعا سنعلق على هذا الحديث يا شباب ان شاء الله- وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. آآ طيب خلينا نقف هنا؛ لان هذا هو الذي نشرح، لأن هذا الحديث من الاحاديث التي بها علة، وآآ وقع فيها مخالفة آآ من بعض الرواة.
بصوا يا شباب، هذا الحديث رواه شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم، يعني هذا هو مدار الرواية. الرواة اختلفوا على شعبة، حدث عن شعبة بهذا الحديث عدد كبير من الرواة، آآ منهم غندر عبدالرحمن بن مهدي ومعاذ العنبري وسليمان بن حرب وحفص بن عمر ووهب بن جرير والنضر بن جميل وأبو أسامة. كل هؤلاء يا شباب رووا هذا الحديث عن شعبة عن خبيب عن حفص بن عاصم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرسلا؛ لأن حفص هذا تابعي وليس صحابيا، فهذا الحديث شباب آه من من من آه الصواب فيه الارسال.
ولكن أخطأ فيه علي بن حفص، علي بن حفص المدائني اللي هو الطريق الثاني، الذي رواه مسلم هذا -طبعا مسلم روى الطريق الاول وروى الطريق الثاني- وواضح جدا أن الطريق أنه يعل الطريق الثاني بالطريق الأول؛ لأن الطريق الاول هو الطريق الصحيح، أقصد أيوا الطريق الأول اللي هو المرسل، واضح يا شباب؟ فعلي بن حفص اللي هو في في الحديث الثاني هذا أخطأ، وعلى ذلك آآ يعني اتفق النقاد الكبار آآ قطني وآآ كذلك في كتاب تقييد المهمل، غير هؤلاء الأئمة أشاروا إلى خطأ آآ تلك الرواية اللي هي رواية علي بن حفص آآ عن شعبة آآ عن خبيب عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، الصواب أنه حديث مرسل.
لماذا أنا ذكرت هذا يا شباب؟ لبيان علة هذا الخبر ولامر آخر، وهو أن هذا بعض النسخ في صحيح مسلم، بعض في صحيح مسلم للاسف ذكرت آآ هذه الروايات، يعني بعض النسخ ظنت أن هناك سقط في الرواية الأولى. الرواية الأولى يا شباب هاتوها معي كده بعد إذنكم، اللي هي وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، اللي هو عندكم رقم خمسة. طب في في النسخة التي معنا، حديث رقم خمسة، المفروض عندي في هنا أن عبدالرحمن بن مهدي ومعاذ العنبري لما روى لما روي عن شعبة جعل الحديث آآ عن حفص بن عاصم أن رسول الله، فهذا حديث مرسل.
فكثير من الذين خرجوا يعني تكلموا عن هذه ظنوا أن هناك سقطا في الرواية، والمفروض أن هي عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة. وهذا غلط؛ لان صواب هذه الرواية يا شباب أنها ليس فيها آآ أبو هريرة، ومحقق الكتاب عندنا أحسن هنا؛ لانه آآ حذف كلمة أبي هريرة؛ لأن الصواب والذي دل عليه آآ كلام العلماء، مثلا في كتاب التتبع للدارقطني وعلل الدارقطني وكتاب تقييد المهمل للجياني، آآ كل هذه الكتب أكدت أن ذكر أبي هريرة في هذه الرواية خطأ، وأن الصواب في رواية معاذ العنبري وآآ عبدالرحمن بن مهدي أنها ليس فيها ذكر آآ أبي هريرة رضي الله عنه، وأن ذكر أبي هريرة كان فقط في رواية في رواية علي بن حفص وهو خطأ.
وهي زيادة منكرة وخطأ واضح يا شباب. آه أحببت أن أنبه أيضا أن الذين حققوا كتاب ابن أبي شيبة أساءوا، الذين حققوا مصنف ابن أبي شيبة أساءوا لأنهم زادوا في هذه الرواية بين قوسين كلمة أبي هريرة.
واضح يا شباب؟ وهذا تصرف ليس حسنا، يعني هذا التصرف ليس حسنا يفعله بعض المحققين أنهم يأتون يتصرفون في نفس كلام المؤلف في الكتاب، ويضعون أشياء يتوهمون أنها هي الصواب. حتى على فرض أنها هي الصواب كان يجب أن يتركوا النسخة كما هي، ثم يذكرون ذلك في الحاشية.
إذن يا شباب أنا ذكرت هذا لهذه الفائدة؛ لا يصح أن نتصرف في صلب الكتاب، حتى لو ظننت أن مؤلف الكتاب أخطأ في آية أو أخطأ في حديث، أنت يعني أشر إلى هذا الخطأ في الحاشية، ولكن اذكر كلامه كما هو. هذا ليس عيبا بالعكس، هذا ينتفع به المتلقي، المتلقي يعرف أن هذا خطأ.
بل ربما أنت تفسد، لماذا يا شباب؟ أنت أفسدت لأن الذين جعلوا كلمة أبي هريرة موجودة في رواية عبد الرحمن بن مهدي ومعاذ العنبري، أوهموا بذلك أن علي بن حفص المدائني لم يتفرد بذكر أبي هريرة، والصواب أنه تفرد بذكر أبي هريرة وخالف كل أصحاب شعبة. يبقى أنت هنا أسأت من حيث أردت الإحسان.
فهمنا يا شباب؟ وللأسف بعض المحققين يفعلون ذلك في كثير من الكتب، يضعون في صلب الكتاب ما يرونه صحيحا، وهذا تصرف ليس أمانة، ليس هذا من باب الأمانة. إذا فالصواب في هذه الرواية أنها مرسلة، ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا، وإنما الصواب فيه الإرسال.
طيب، قال: وحدثنا يحيى بن آآ طيب خلينا نقف هنا يا شباب، خلينا نقف هنا وإن شاء الله غدا نكمل. لأن أظن إحنا كده أخذنا يمكن ساعة أو ساعة ونصف، فنكتفي على هذا القدر. بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق