بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى صلاة تترا وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اقتفى.
حياكم الله أيها الأكارم في مجلس يتجدد بنا في التعليق على المعلقات العشر، وها نحن نضع رحالنا في المعلقة الأخيرة معلقة عبيد بن الأبرص الأسدي، بعد مشوار طويل مع معلقات سبقت وهي بالتأكيد أشهر من هذه المعلقة.
إننا نحن وصلنا إلى آخر محطات هذه الرحلة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نكون استفدنا مما جنينا من المفردات والتراكيب والأساليب والحفظ والضبط ومعرفة أساليب العرب وطرائقهم، فهذه الفائدة التي من أجلها تدرس المعلقات لدى طالب العلم؛ الهدف هو أن نقف على لغة القوم التي عليها نزل القرآن، وبها حصل الإعجاز، وبها حصل التحدي.
ومن لا يعرف، كما يقول الشيخ أبو موسى متع الله بالصحة والعافية، من لا يعرف الفرق بين شعر امرئ القيس وزهير لن يعرف الفرق بين كلام العرب والقرآن. يعني أنت لن تستطيع أن تدرك الفرق أو سر الإعجاز أو سر القوة في لغة القرآن على حساب لغة أهل الزمان، إلا إذا استطعت أن تدرك الفرق والقوة والاختلاف في الأسلوب بين امرئ القيس وبين زهير بن أبي سلمى.
هكذا هي اللغة، هكذا هي العربية. لذلك حقيقة أيها الكرام مشوار تعلم اللغة العربية لا يقف عند تعلم المعلقات العشر، بل ينبغي لطالب العلم أن يكثر قراءة الشعر أيضا فيما بعد ذلك. يعني هذه المعلقات العشر مثل الآجرومية في النحو، كيف أنت تدرس الآجرومية ثم تنتقل إلى قطر الندى؟ هكذا الطالب الذي يريد خاصة أن يتعمق في معرفة إعجاز القرآن وسر القرآن وفهم لغة القرآن ورقي كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا يحتاج أن يتطبع أكثر وأكثر بدراسه أساليب العرب في أشعارهم الجاهلية، وكذلك في الشعر الإسلامي، ثم كيف حصل الاختلاف بعد ذلك.
وكل ما تذوقت أكثر ستدرك الفرق بين شعر الأوائل وشعر المتأخرين، ويصبح لديك أذن جيدة في الإدراك تعرف تباين الأساليب واختلاف القدرات في البيان والإفصاح عن المعاني الدائرة في النفس. حتى لا أطيل في هذه المقدمة، نستغل اليوم إن شاء الله في إنهاء معلقة عبيد بن الأبرص.
عبيد بن الأبرص، نبدأ به كشاعر. عبيد بن الأبرص وهذا انتبهوا أن اسمه عبيد بفتح العين، فهو ليس مصغراً؛ عبيد لا، هو عبيد بن الأبرص الأسدي من قبيلة بني أسد، وهؤلاء من مضر. هذا الشاعر يقولون كان معاصرا لامرئ القيس، يعني كان في زمنه، فليس متأخراً كحال بعض الشعراء مثل الأعشى أو من دار في فلكه، لا، بل هو شاعر قديم مسن. وتروى، طبعا لا أدري ما مدى دقة هذه المعلومة، أنه عاش كثيراً، قالوا عاش أكثر من مئتي سنة، هكذا قالوا والله أعلم.
عبيد بن الأبرص أيها الكرام رجل صاحب حكمه، ويذكرني شعره في كثير من جوانبه بمن؟ بزهير بن أبي سلمى، وهذه المعلقة يعني ستشهد له أنه أوتي شيئا من ذلك ونظرة في الحياة وعقل. هو كشاعر، ابن سلام الجمحي في طبقات فحول الشعراء جعله في الطبقة الرابعة، طبقة طرفة بن العبد وعلقمة؛ ليس في الطبقة الأولى، ولا في الطبقة الثانية، ولا في الطبقة الثالثة، جعله في الطبقة الرابعة.
مع أن ابن سلام يقول: ولم أقف على شيء من شعره إلا على هذه المعلقة. طيب يعني كيف وضع المعايير؟ لكن يقول ابن سلام أو يستنتج البعض، ليش يقول له ابن سلام؟ يستنتج البعض أن كوننا لم نقف إلا على هذه المعلقة لا يدل على أن هذه فقط هي شعره، لا، لا يمكن شاعر مشهور في جزيرة العرب لا يكون تكلم في طول حياته الشعرية إلا بقصيدة واحدة. فقالوا: هذا يدل على أن كثيراً من شعر عبيد بن الأبرص لم يصل إلينا، وليس أنه لا يمتلك إلا معلقة واحدة مثل طرفة بن العبد. قال: وكثير من شعره لم يصل، مع أنه اثر، وهذا أثبت سبحان الله بعض المخطوطات الحديثة؛ وجدت في إنجلترا، وجدوا ديوانا لعبيد بن الأبرص فيه أكثر من ثلاثين مقطوعة له، تمام، فيه يعني مقطوعات كثيرة من شعره، مما يدل أن هذا ما وقف عليه ابن سلام وليس فعلاً لا يوجد له إلا المعلقة، يعني هذا منتهى علم ابن سلام. لكن وجدت مخطوطة مثبتة تاريخيا في إنجلترا أن لا، هناك كثير من مقطوعات شعره موجودة مبثوثة.
الذي يؤكد هذا، قبل هذه تبع إنجلترا، هناك بتعرفوا كثير من المجموعات أو من العلماء الاقدمين الذين اهتموا بجمع أشعار الجاهليين، مثل مثلا المفضل الضبي في المفضليات، والأصمعي في الأصمعيات، وكذلك جمهرة أشعار العرب، هناك أمالي ابن الشجري أو مختارات ابن الشجري. ابن الشجري في مختاراته الشعرية ذكر أيضا جزءاً من قصائد أو مقطوعات لعبيد بن الأبرص. ابن الشجري في مختاراته الشعرية ذكر مقاطع ليست في المعلقة من شعر عبيد بن الأبرص، وهذا أيضا يشهد أن ما قاله ابن سلام: (أنني لم أقف إلا على هذه المعلقه من شعره)، إنما هذا منتهى علم الرجل، أما هل يعقل شاعر كبير مثل عبيد بن الأبرص يكون منتهى شعره معلقة؟ أنا استبعد حقيقة مثل هذا الكلام. نعم، ربما لم يكن مكثرا، لم يصل إلينا، نحاول أن نعطي تحليلاً أكثر منطقية، هذا والله تعالى أعلم.
طيب، طبعا يقولون عبيد بن الأبرص لم يكن شاعرا في بداية أمره، وفي يوم من الأيام كان مع أخته ماوية ومعهما قطيع من الغنم يريدون السقي، فمنعهم رجل من بني مالك أن يسقوا الغنم، يعني رجل فرض نفسه فمنع عبيد بن الأبرص ومنع شقيقته من سقي الغنم، فلم يستطع عبيد بن الأبرص المواجهة، غادر مع شقيقته ونام تحت ظل شجرة.
فجاء هذا الرجل المالكي، وقال عندما رآه عبيد نائماً بجانب أخته تحت ظل شجرة، قال شعراً قبيحاً. قال شعراً قبيحاً، يعني بدايته يقول: ذاك عبيد قد أصاب ميا، يا ليته ألحقها صبيا، كلام فاحش، أنه يدعي أن عبيد جاء مع أخته ويقول يا ليته أتى منها بولد. فعبيد استيقظ ووجد هذا الرجل يقول هذا الكلام، تمام، فغضب فدعا ربه في تلك الساعة: اللهم إن كان كاذباً فأعطني قدرة على قول الشعر لأذب عن نفسي، وهكذا تروي كتب التاريخ لذلك أنا هنا أروي قصة ولست جازماً بما يروى في أيام الجاهلية.
فقيل من بعدها أطلق لسانه في الشعر، وأعطاه الله عز وجل لساناً قوياً فدفع به عن نفسه، هكذا قالوا إنه من هنا بدا قول الشعر. قالوا: لم يكن شاعرا، وبدعائه في ذاك اليوم لأنه كان مظلوماً استجيب دعاؤه فأصبح شاعرا، الله أعلم.
طيب، الآن قصة مقتله محزنة أكثر وأكثر. يقولون أن عبيد بن الأبرص قبل عبيد المنذر بن ماء السماء، تعرفونه صاحبنا زعيم المناذرة ووالد عمرو بن هند. يقولون المنذر بن ماء السماء كان له أمر عجيب، كان هناك يوم في السنة أي شخص ياتيه في هذا اليوم يقتله؛ المنذر كان له يوم في السنة أي شخص ياتيه يكون نصيبه القتل. ففي إحدى السنوات جاء هذا اليوم الذي يقتل فيه المنذر كل من ياتيه، فمن كان نصيبه أنه جاء عبيد بن الأبرص.
عبيد ذهب إلى المنذر فدخل عليه في اليوم الذي يقتل فيه زواره. فقالوا المنذر لما رآه هاب أمره وقال: لو كان غيرك يا عبيد، يعني ليش أنت اللي دخلت في هذا اليوم؟ كانوا يعرفون أن عبيد صاحب حكمة ورأي، فقال: لو كان غيرك يا عبيد. فماذا رد عبيد لما أدرك الورطة؟ أطلق مثلاً قال: أتتك بخائن رجلاه. يعني شكل هذه أما أنا غلطان غلطة في حقك من زمان أو معصية عاملها فكان الله ساق رجلي اليك في هذا اليوم عقوبة على... يعني ربما عبيد كان نبز المنذر في مجلس أو قال فيه شيئا فقال: أصبحت مثل الخائن الذي يسوق نفسه بنفسه إلى حدفه. فقال عبيد بن الأبرص: أتتك بخائن رجلاه.
فهنا المنذر حاول لعله يغير الموضوع، فقال المنذر: يا عبيد أنشدني شيئاً من شعرك. فقال: حال الحري دون القريض، يعني حالة الموت التي أنا فيها حالت دون قول الشعر، يعني لِساني الآن مغلق في موت. طبعا قالوا إن المنذر حاول أنه يدفع الموت بس خلص، المنذر واضع ناموس لنفسه هذا اليوم يوم القتل. فحاول ترى أنا، يعني عندما تقرا أدق القصة حاول المنذر أن يصرف الموت عن عبيد، لكن عبيد في هذه القصة كان له استسلام للقدر شيء عجيب. هو المنذر يقول: أنشدني شعراً لعلك تمدحني فأغض الطرف عنك. فعبيد قال: لا أستطيع يا أخي، أحكي أي شعر لعلك تنفذ من الموت! مستسلم تماماً.
طيب، فزعموا أن المنذر قال له: طيب يا عبيد أي قتلة تختار؟ كيف تريد أن أقتلك؟ فقال له: اسقني خمرا حتى أسكر ثم بعد ذلك أفسدني في الكاحل، تمام، أو في عرق الأكحل، أفسدني في الأكحل. يريد من قال: اسقني خمرا حتى يذهب عقلي، ثم بعد ذلك هذا العرق قالوا، إذا، زي ما حدث مع سيدنا سعد بن معاذ، هذا العرق إذا فتح وشج يسير الدم ويصعب أن يرقع فيموت صاحبه. وقالوا هذا فعلاً ما حصل، سقاه خمراً وفصد في أكحله حتى مات. فقيل يعني هذه قصة موت عبيد بن الأبرص.
لا أريد أكثر من ذلك، لكن بالنسبة لشعر عبيد، عبيد حتى، سواء هذه المعلقة أو أشعاره عموماً، في هناك مشكلة في هذه المعلقة. المشكلة قالوا إن بحرها ليس مستوياً على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي. مش الخليل وضع بحور الشعر؟ كل المعلقات السابقة مستوية على بحور الشعر إلا هذه المعلقة؛ قالوا جاءت على مخلع البسيط، ليس على البسيط على مخلعه، وهي بعض التفعيلات الواردة فيه وفيه شيء من الزحافات.
لكنه باختصار في علم العروض الشعري المعلقة فيها كثير من الانكسارات. تخيل! البعض حاول يفسر ذلك بماذا، لماذا معلقة عبيد أو شعر عبيد فيه كثير من الاختلالات؟ بعض فسر ذلك قالوا: لم يكن الشعر في زمن عبيد قد استوى على بحوره. يعني عبيد متقدم، متقدم زمن امرئ القيس، بل هو قالوا أكبر من امرئ القيس وعاصره. فقال بعضهم: السبب أن شعر عبيد لم يستقم على بحور الخليل أنه لم يكن الشعر في زمن عبيد قد استوت موازينه عند العرب، وإنما بدأت الأمور تتطور رويداً رويداً.
فلذلك تخيلوا أن عبيد كان في زمن عدم الثبات أو عدم الاستقرار، وإن كنت حقيقة لست مقتنعا كثيرا بهذا التحليل، لست مقتنعاً كثيراً بهذا التحليل.
ثانياً، كثره الخلافات بين رواية معلقة عبيد، وإن كان حقيقة يعني أنت إذا قرات لأكثر النقاد ابن رشيق ابن سلام الجمحي وغيرهم، الكل يقر يقول وشعره مضطرب، هيك يقولون، شعره مضطرب. أو وثم مثلا ابن رشيق وغيره إذا أرادوا أن يضربوا مثلا على قصيدة لم تنضبط بالميزان يضربون كمعلقة عبيد. يعني ليس ناقداً ولا ناقدين، جمهور النقاد الاقدمين يقرون أن معلقة عبيد فيها إشكال في كثير من أبياتها، ولم يلتزم عبيد... طبعا الخليل متأخر، الخليل إسلامي، لكن الخليل استقرأ أشعار الجاهليين فوجد هذه البحور، فمعلقته خرجت عن هذه البحور.
طبعا هذا ممكن يستدل به أصحاب الشعر الحر اليوم ويقولون لك: يعني ها إذا مش لازم نلتزم بحور الخليل، ما دام حتى عبيد بن الأبرص معلقته لم يلتزم فيها بالبحر الشعري تماماً تماماً، إذا الشعر في مجال أنك تخرج عن بعض قواعده، ليست يعني ما قاله الخليل ليس عفا مصحفاً لا يجوز الخروج عنه أو لا يجوز تجاوز بعض نقاطه.
هكذا رأي آخر: أن موضوع هل بحور الخليل هي بحور حاكمه على شعر من سبقه بحيث نخطئ عبيد لأن الخليل لم يجد؟ البعض يقول أصلا هذه المشكلة، أنه نعم ما وصل إليه الخليل رحمه الله عليه هو ما عليه 80، 90%، 95% من الشعر، ما عندنا مشكلة، لكن لا يلزم هذا أن يكون كلام الخليل حاكماً على كل من سبقه كان في الجاهلية. نعم استقراء ناقص بشكل من الأشكال، والاستقراء التام التام صعب.
فهذا تحليل آخر، خاصة أنك لما تقرا معلقة عبيد لن تجد في، يعني 98% منها نفوراً، لن تجد في أذنك انكساراً واضحاً، لكن في بعض، نعم بعض الأبيات رح تشعر أنه لا في شويه خلل، الكلام هيك كأن الإيقاع شوي انتقص. لكن عموماً ستجد القصيدة جميلة لطيفة، وبالتالي لا يعكرها ما نقول إنه والله لم يسير على طريقة العرب في الشعر، يصعب أن نجزم بذلك.
طبعا بعض المعاصرين تمحل وحاول أن يقول: لا المعلقة موزونه تماماً، وهي ليست على مخلع البسيط، بل هي على مجزوء البسيط، الخطأ كان من الأقدمين أنهم ظنوها على مخلع البسيط وهي على المجزوء، وبالتالي ما فيها أي مشكلة.
طب هذا كلام عصري جداً ولا يتفق مع كلام الأقدمين وهذا يعني أظن عليه شيء من النظر، يعني أنت لما تقول أئمة الفن والصنعة من الأقدمين الجهابذة الكبار قالوا يا على مخلع البسيط، وأنت تاتي اليوم كمعاصر... كل العلماء الأقدمين المحققين في هذا الباب أظن الموضوع يحتاج إلى دراسة أكثر، خاصة ما الرواية التي بين أيديهم وما الرواية التي بين يديك؟ هذا برضه جزء من المشكلة: ما الرواية التي هم اعتمدوا عليها في القول أن هناك اضطراب؟ وما الرواية التي بين يديك وأنت اعتمدت عليها؟ وبالتأكيد هؤلاء أئمة الصنعة، يعني كيف واحد ياتيك اليوم يخطئ المذاهب الأربعة وهو لسه...
بقوتهم ولا قدرتهم. أقول لك: بده يخطي المذاهب الأربعة في الفقه مثلاً، بده يكون منافس قوي جداً مستوى الأئمة المحققين، أما ليس بحث جامعي هكذا تخطئ فيه الأئمة الأقدمين في اللغة. يعني اتفاق شبه عام، شبه اتفاق عام على أنه في مشكلة في هذا الشعر وفي هذه المعلقة وفي البحر اللي اعتمده. ففي يعني حتى أقول هذا، حتى إذا قرأت شيئاً من ذلك، تعرف أن الأمر ليس برضه بهذا السهولة، أن تدعي كل من حكم عليها بالاضطراب أخطأ بين الاقدمين وهم الجمهور.
طيب، دعونا ننتقل الآن إلى قضية هذه المعلقة أصلاً، هي من المعلقات؟ حقيقةً، جمهور أدباء الأقدمين أيضاً لم يجعلوها من المعلقات تماماً. نحن قلنا الخلاف بين حماد الراوية والمفضل الضبي، وكل منهم جعلها سبعة مع خلاف بينهم في رقم ستة وسبعة، صح؟ هم اتفقوا على خمسة واختلفوا في السادس والسابع؛ حماد الراوي وضع شاعرين والمفضل الضبي وضع شاعرين، نجمعهم بيصيروا تسعة.
طيب، عبيد بن الأبرص رقم عشرة، من الذي اضافه الآن كهرَة يقولون؟ التبريزي صاحب شرح المعلقات العشر هو اضافه فجعلها العاشر. لكن حقيقةً، حقيقةً، إذا تريد تتتبع أول من أشار إلى جعلها من المعلقات: ابن قتيبه في الشعر والشعراء. أول من أشار إلى وضع معلقة عبيد بن الأبرص ضمن المعلقات ابن قتيبه في كتابه الشعر والشعراء، وأشار إلى ذلك.
والبعض يقول: لعل ابن قتيبة اعتمد على ما ورد في جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي. فإن أبا زيد القرشي في الجمهرة، تعرفون جمهرة أشعار العرب مقسم إلى أسباع، وضع كل سبع قصائد لها عنوان؛ أول سبع قصائد المعلقات، ثم المجمهرات، وهكذا. قسم كتابه إلى أسباع، كل سبع قصائد وضع لها عنوان. لما أبو زيد وضع، لما وضعت السبع الأول، دعنا نقول السبع الأول، سميت ماذا؟ المعلقات في جمهرة أشعار العرب. السبعة الثانية المجمهرات؛ وضعت معلقة عبيد بن الأبرص ضمن المجمهرات وليس من ضمن المعلقات.
طيب، المفضل، اللي هو تلميذ أبي زيد، مش المفضل الضبي، هذا واحد ثاني اسمه المفضل، هو تلميذ راوية الكتاب؛ المفضل قال: وليست السبعة الثانية بأقل من السبعة الأولى. الآن في جمهرة أشعار العرب: السبعة الأولى المعلقات، السبعة الثانية المجمهرات. السبعة الثانية وهي التي وضع فيها معلقة عبيد بن الأبرص، ماذا يقول المفضل؟ يقول: وليست السبعة الثانية بدون أو باقل من السبعة الأولى. هنا البعض ماذا قال؟ قال: لعل، لعل ابن قتيبة اعتمد على هذا في ماذا؟ في إضافة معلقة عبيد إلى المعلقات العشر، لكن المشكلة، إلى المعلقات التسع خلينا نقول.
لكن المشكلة أين تكمن؟ أن ابن قتيبة ليس مشهوراً في التاريخ العربي الأدبي أنه من جامعي المعلقات؛ يعني حماد الراوية معروف أنه من رواة الشعر، المفضل الضبي معروف. أما ابن قتيبة، نعم عالم وأديب وأديب أهل السنة كما قالوا، لكن هو ليس من جامعي الشعر، فأن يعطي لنفسه الحكم بأن معلقة عبيد تجعل معلقة، قالوا: هذا قرار يعني أكبر من حجم أن يتخذه ابن قتيبة رحمه الله عليه. لكن كما مر نحن ذكرنا أن التبريزي في ماذا؟ في شرحه على المعلقات أضاف، يعني كأنه وافق ابن قتيبة على رأيه، فراى إضافة معلقة عبيد بن الأبرص.
طبعاً، تبريزي نسبة إلى تبريز، أليس كذلك؟ مش هذه اللي سقط فيها الرئيس الإيراني؟ هذا خطأ رباني الآن. سقط في تبريز في رق إضراب يا جانا. طيب، فهذه إذاً قصة إضافة المعلقة. إذاً أول من أشار إلى ذلك ابن قتيبه، وأما أبو زيد القرشي فهو وضعها ضمن السبعة الثانية، لكن ابن قتيبة رأى إلحاقها بالمعلقات. الإشكال على ذلك: أن ابن قتيبة ليس معروفا بجمعه للمعلقات عند العرب، عند الأدباء.
التبريزي صاحبنا أصر يعني على أن يتابع ابن قتيبة في رأيه، وبالتالي أصبحت المعلقات عشراً بإضافة معلقة عبيد بن الأبرص. هذه كلها كلام سريع في أجواء هذه المعلقة وفي أجواء هذه القصيدة. لكن عموماً، هذه المعلقة طبعاً صغيرة على رواية الأصمعي، يعني ما تصل خمسة وأربعين بيت، لذلك إن شاء الله نهيها سريعا، ولا يوجد فيها حتى التعقيد أو العمق اللي موجود عند امرئ القيس أو كذا. وهذا مباشرة سيظهر لك لماذا لم يجعل في الطبقة الأولى؛ يعني عمقه في العبارة وفي الأداء كعمق امرئ القيس أو عمق زهير وعمق الكبار.
لكن عموماً المعلقة إخواني فكرتها لطيفه بغض النظر عن كل هذه الأمور. لا أريد كل ما ذكرته عن المعلقة يعطيك انطباعاً غير لطيف، لأنني حقيقةً استعذب في أفكارها، فكرة هي. المعلقة تقوم على مصارعة الحياة، وأن الإنسان ما دام يعرف أن نهاية الحياة هي الموت، فعليه أن يقاتل من أجل أن يحيا حياة شريفة. ما دام الإنسان يدرك أن الموت حقيقة كبرى وعظمى في هذه الحياة والكل صائر إلى ذلك، ففرق بين الانسان الذي يموت وقد ترك بصمة وترك أثراً في حياته يذكر فيه بعد مماته، وبين إنسان عاش تافهاً ولم يترك أي أثر أو ممدح أو أي شيء بعد الحياة يذكر به.
فالفكرة اللي قامت عليها القصيدة جداً ممتازة ومفيده، وتعطي يعني إشارة للإنسان أنه الهدف من الحياة... طما ستجول لي: هو عبيد كان مسلماً؟ لا، ما أنا بقول لك كان أيام امرئ القيس اكيد ما كان مسلما، لكن واضح أن عنده بقايا من دين إبراهيم؛ يعني قضية ذكر الله، قضية الإشارة للقدر، قضية كذا واضحة، ولذلك العرب في الجاهلية كانوا يعرفون بعض بقايا دين إبراهيم عليه السلام. ومشاكلهم في العقيدة في عباده الأوثان وكذا، مشاكل لا تعني أنه كان ملاحده أو لا يعرفون الدين، لا، يعرفون أمور كثيرة من الدين وهذا سيظهر في كلام عبيد بن الأبرص.
فهذا رجل اعتقد أن كلامه حكيم وفي مكانه، والفكره التي أراد أن يوصلها لكل من يسمع هذه المعلقة فكرة صواب وصحيحة: الكل سيموت ويغادر، اترك أثراً في حياتك، هذه هي الخلاصة. دعونا نقرا سريعا هذه المعلقة نتمثل ثم بعد ذلك نبدأ دراستها ضمن هذه المجالس الخفيفه بإذن الله.
طيب، يقول عبيد بن الأبرص الأسدي: أقفر من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب فراكس فثع اللبات فذات فرقين فالقلب فعرض فقفا حبر ليس بها منهم عريب إن بدلت أهلها وحوشاً وغيرت حالها الخطوب أرض توارثها شعوب وكل من حلها محروب أما... شوف البيت قديش قصير لأن هو ليس كاملا، مخلع: إما قتيلاً وإما هالكا والشيب شين لمن يشيب
هذا هو المقطع الأول من بيت واحد لبيت ستة، وأنا بدي إياك بناء على دراستنا السابقة للشعر تعرف الاختلاف بين شعر عبيد هنا وبين أشعار سبقت معنا ومعلقات.
الان المقطع الثاني: عيناك دمعهما سروب كأن شانيهما شعيب وأهيه أو معين ممعن أو هضبة دونها لهوب أو فلج ما ببطن واد للماء من بينه سكوب أو جدول في ظلال نخل للماء من تحته قسيب
الآن مقطع جديد: تصب فأنّى لك التصابي وقد راعك المشيب إن تكو حالت وحول أهلها فلا بدئ ولا عجيب أو يكو أقفر منها جوها وعادها المحل والجدوب وكل ذي أمل مكذوب وكل ذي إبل موروث وكل ذي سلب مسلوب وكل ذي غيبة يؤوب وغائب الموت لا يؤوب
انتهى المقطع الثالث.
المقطع الرابع الآن بدأ يتكلم: طيب، خلص، عرفنا الحياة كلها موت والمصير إليها، وكل إنسان لن يأخذ شيئاً من الدنيا، ما العمل؟ قال: أعقر مثل ذات رحم أم غانم مثل من يخيب أفلح بما شئت فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب لا يعظ الناس من لم يعظ الدهر ولا ينفع التلبيب إلا سجيات ما القلوب وكم يصيرن شانئ حبيب
ساعد بأرض إذا كنت بها ولا تقل أنني غريب. جميل هذا البيت، من أفضل كلامه: ساعد بأرض إذا كنت بها ولا تقل أنني غريب قد يوصل النازح النائي وقد يقطع ذو سههمه القريب من يسأل الناس يحرموه وسائل الله لا يخيب
شوف، أنتما تقرا بتشعر عم تقرا للبحتري أو لأبي تمام للإسلاميين؛ يعني أنت لن تعرف أن هذه معلقة رجل جاهلي إلا بعد أن تعرف أن عبيد بن الأبرص... لا، الكلمات التي فيها فيها معاني الإيمان والتوحيد في بعض معانيها.
طيب: والمرء ما عاش في تكذيب طول الحياة له تعذيب بل رب ماء وردت أجن سبيله خائف جديب ريش الحمام على أرجائه للقلب من خوفه وجيب قطعته غدوة مشيحا وصاحبي باخبوب عيرانه مؤجر كأن حارك كثيب أخلف ما بازيلا ديسها لاحقة هي ولا نيوب كأنها من حمير غاب جون بصفحته ندوب أو شبب يحفر الرخام تلفه شمل هبوب فذاك عصر وقد أراني تحملني نهدة رحوب مضبر خلقها تدبيرا ينشق عن وجهها السبيب زيتينية ناعم عروقها ولين أسرها رطيب كأنها لقوة طلوب تخزن في... تخزن في وكرها القلوب باتت على أيرم عذوب كأنها شيخة رقوب فأصبحت في غداة قرة يسقط عن ريشها الضريب فأبصرت ثعلباً من ساعة ودونه سبسب جديب فنفضت ريشها وانتفضت وهي من نهضة قريب يدب من حسها دبيباً والعين حلاق مقلوب فنهضت نحوه حثيثة وحرضت حردة تسيب فاشتار وارتاع من حشيشها وفعله يفعل المذؤوب فأدركت فطرحت... فطرحت والصيد من تحتها مكروب فجدلته فطرحت... فكدت وجه الجبوب يصغوا ومخلبها في دفة لابد حيزوم منقوب
لاحظوا حتى تشعر أن الأسلوب، الطريقة اللي تبنى عليها هذه القصيدة ليست بقوة القصائد السابقة؛ واضح يعني ليست بقوتها في الصنعة. ولذلك أنت اصبحت تتذوق أحياناً... مش مشكلة، قد تقول لي: أنا مش شاعر، أنها بقوتها، مع أني مش عارف السبب بالضبط، بس أذني لما تعودت على امرئ القيس، على لبيد، على النابغة، على أسلوبهم في الطرح، على موسيقى الشعر عنده، إيقاع الشعر عندهم، أجد مشكلة في تذوق أو تحمل أذني لهذا البحر الذي بنى عليه معلقته. تمام، أجد مشكلة في تحمل الأذن لهذا البحر الذي بنيت عليه المعلقة.
لكن كما قلت يعني لست أنت من وجد المشكلة، هي مشكلة قديمة؛ لكل من قرأ معلقة عبيد من علماء الأثر كلهم وجدوا أن المعلقة قد يكون من حيث الناحية العروضية أو الشعرية فيها بعض الإشكالات. لكن دعونا ننظر في الأفكار وكيف صاغ أفكاره عبيد بن الأبرص، خاصةً بعد أن عرفنا الفكرة العامة التي تدور عليها المعلقة سريعا، لا أريد حتى أن أطيل عليكم.
نعم، إيش رأيك نمشي ونحن في أثناء سيرنا إن شاء الله يظهر لنا؟ سنلاحظ أول قضية في معلقة عبيد أنه لم يبدأ بماذا؟ بالأطلال، لم يذكر محبوبة، ما عنده محبوبة هنا. مع أنه احنا امرئ القيس، لبيد، النابغة، زهير، الكل تكلم عن الأطلال في البداية وهذا هو التقليد المعتاد، صح؟ التقليد المعتاد في الشعر الجاهلي بل حتى في كثير من الشعر الإسلامي العادة أن يبدأ بذكر النسيب والأطلال والوقوف مع محبوبة هي ترمز لشيء معين في المعلقة. ثم ينتقل إلى فصل الرحلة، وهكذا.
فصل الرحلة موجود بس في القسم الثاني من القصيدة هذا الغريب، موجود وبقوة وحاضر. لكن الفصل الطللي اختفى، برايكم لماذا يمكن أن يختفي الفصل الطللي هنا؟ نعم، ما هو ليه السؤال لماذا لم يبدأ بالطلل؟ حقيقةً يعني ما وجدت أحد قدم دراسة في ذلك، لكن ما يظهر لي: موضوع القصيدة هو الذي حكمه الموت. لما يأتي الموت يضيع كل شيء؛ يصعب أنك تأتي غزل وذكر نساء ثم بعد ذلك تأتي إلى ذكر الموت في مقام الرثاء، مقام الحزن، مقام سكرة الموت وعظمتها وهيبتها. ليس هذا مقاما يصلح لذكر موضوع نسيب وعندي محبوبة وكذا وقفت على أطلالها وبكيت، ليس هذا هو المكان المناسب لذكر هذا المكان، أليس كذلك؟ يعني شخص في عزاء إذا ذكر النسيب ماذا يقال له؟ أخرج، يعني هذا ليس مكان ذكر هذه الأمور. النسيب يذكر في الاعتذاريات، يذكر في الافتخار، يذكر في المدح، في أي شيء يصلح، لكن في مقام ذكر الموت الموت له هيبته وله سطوته على النفوس، فلذلك لم يختر أن يبدأ معلقته كما هو في العادة معتاد لديهم، هذا أحد الاحتمالات.
الاحتمال الآخر أننا نعود فنقول: إن البعض يقول عبيد بن الأبرص شاعر قديم، قديم، بالتالي قد يكون طقوس ذكر الأطلال والمحبوبة لم تستقر بعد، لم تستقر بعد، وإنما استقرت بعد امرئ القيس ومن سار على منواله ثم أصبحت سنة لمن بعدهم. فقدم عبيد بن الأبرص قدمه في الجاهلية يجعل أنه قد نقول أن عادة ذكر النسيب لم تكن قد اشتهرت أو اعتادت، اعتيد عليها كعرف عام في القصائد. هذا أيضاً تخريج آخر يمكن أن يقال في هذا الميدان.
طيب، الان سنبدأ القراءه، قال: أقفر من أهله ملحوب. ما معنى أقفر؟ مثل معنى أقوت، يعني خلى تماماً من ساكنيه؛ أقفر أي خلى من ساكنيه، ما عاد يوجد هناك من يسكن منطقة ملحوب. الآن سيذكر عدة أماكن؛ هذه الأماكن الذي يظهر أن عبيد يعلم أنها خلت من سكانها وهاها الموت وهجرت ولم يبق فيها أحد. نحن لا نعرف هذه الأماكن في جزيرة العرب، نحن لا نعرفها، لكن ما يريد أن يوصله عبيد من ذكر هذه الأامكن أن هذه الأماكن أيها الكرام جاء الموت على أهلها، فلو دخلت إلى هذه المناطق لن تجد ساكناً، لن تجد إلا الصمت وهيبه الموت تحكم هذه الأماكن.
ما هي هذه الأماكن سريعا لن تاخذ منا وقت: أقفر من أهله أولاً ملحوب، فالقطبيات، فالذنوب، فراكس، فثع اللبات، فذات فرقين، فالقلب، فعرض، فقفا حبر.
فقفا حبر ليس بها منهم عريب. إذا ذكر مناطق عديدة، هذه كلها أسماء مناطق يعرفها عبيد وربما بعض الناس في جزيرة العرب، ولكن أغلبها بالتأكيد اليوم تغيرت أسماؤها. الهدف من ذكر هذه الأماكن وبحرف الفاء هو يريد أن تنتقل عينك على التتابع، انظر إلى ملحوب، انظر إلى القطبيات، فالذنوب، فراكس، فثعلبات، فذات فرقين، فالقليب، بقول لك انظر انظر إلى هذه الأماكن، هل بقي فيها أحد؟ الموت خيم على المشهد تماما، كل هذه الأماكن خالية، لذلك بماذا ختم البيت الثالث؟ قال ليس بها منهم عريب.
العريب بمعنى أحد، ولذلك هي كلمة لا تقال إلا في سياق النفي، كيف أقول لا يوجد في الدار أحد، يقول لا يوجد في الدار عريب. ومما يميز ما بعرف هي ميزة ولا تعتبر سلبية عبيد بن الأبرص، حتى في الاختيارات التي ذكرها ابن الشجري له، قالوا كلماته وحشية أو صعبة. وحشية بالنسبة لنا نحن، ليست مثلا امرئ القيس أو النابغة أو كلماته سهلة مألوفة لدى المتأخر. لا، هو بشكل عام يستعمل كلمات ربما تتلاءم مع العصر الذي كان فيه والقدم الذي كان فيه. طيب المهم، فما معنى عريب؟ أحد، فلما يقول ليس بها منهم عريب، ليس بهذه الأماكن من الناس أحد، هذا معنى هذا البيت الأخير، ليس بهذه الأماكن منهم أي من الأهل، الضمير رجع على الأهل، ليس بها منهم عريب، لا يوجد في هذه الأماكن أحد.
لاحظوا كيف سيرسم مشهد الموت العظيم، كيف يخيم على كل شيء وينهي إذا أقفرف من أهله ملحوب فالقطبيات فالذنوب فراكس فثعلبات فذات فرقين فالقليب فعرض فقفا حبر ليس بها منهم عريب. طيب، إن بدلت أهلها وحوشا وغيرت حالها الخطوب. ما الذي حصل في هذه الديار؟ لماذا لا يوجد أحد؟ لماذا لا يوجد بشر؟ قال إن بدلت هنا أنا أعتقد أنه أن قبلها حرف جر مقدر بان. يعني كيف أقفرت؟ لو سالتك كيف أقفرت؟ فكان هذا تفسير بأن بدلت أهلها وحوشا. الآن كثير من روايات جاءت فيها الأهل مجرورة بمن، إن بدلت من أهلها وحوشا، والبعض زاد من حقيقة حتى يصلح هذا في إشكال نحوي، في إشكال قالوا إن بدلت أهلها، فالبعض يبدله إن بدلت من أهلها وحوشا بزيادة من حتى يصح عروض الشعر والبعض بقول لك لا خلص هي هكذا على ما هي من مخالفة قواعد الخليل إن بدلت أهلها.
الآن أهلها ممكن تقول أنها منصوبة على نزع الخافض، يعني إن بدلت وحوشا من أهلها، يعني راح أهلها وأتى مكانهم ماذا؟ الوحوش والحيوانات التي لا تعيش مع الناس. لما منطقة يصبح فيها حيوانات وحشية هذا يدل أن المنطقة منذ مدة طويلة خلت من سكانها حتى اصبحت الحيوانات الوحشية تألفها وتسكن فيها، فإذن أن نقدر حرف الجر قبلها الباء التقدير بأن بدلت. كيف أقفرت من أهلها وقلت بأن بدلت من أهلها وحوشا؟ ها كأنه أهلها تم استبدالهم بوحوش، كان أهلها تم استبدالهم بماذا بالحمار الوحشي والظبي الوحشي والثور الوحشي، هذه الحيوانات مكان أهلها، ونقول أهلها منصوب على نزع الخافض يمكن أن يقال هذا لأنه أكثر كثير من الروايات.
انظروا عندكم في الحاشية ايش عندكم مثلا حاشي رقم واحد، ويروى بدلت من أهلها وحوشا. لكن البعض يقول من أضاف من صار نصف البيت رجزا ولم يعد في يعني إشكال عروضي. لكن الرواية ليست هكذا المشهورة، خاصة رواية الأصمعي التي سنمشي عليها هي رواية ماذا بدون من. فيمكن نقول أنها منصوبة على نزع الخافض إن بدلت أهلها وحوشا يعني بدلت وحوشا من أهلها. طيب يمكن البعض يتوسع فيقول إنه مفعول به. يمكن البعض يتوسع على أنها مفعول به، نعم هي مبني للمجهول، نعم بدلت هي بدلت هذه الأماكن، الضمير يعود على الأماكن، هي نائب الفاعل أهلها وحوشا فيكون كأنه ثلاثة مفاعيل، لكن أنا الذي يظهر لي يعني يمكن أقول أن يقول هذا بعضهم، لكن الذي يظهر لي أن هذه يعني لم يشهر أن هذا الفعل من الأافعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل. الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل أفعال أعلم وأرى كما ذكرها ابن مالك في ألفيته.
فلذلك أنا أقول لذلك يعني أقرب أن يقال أن أهلها منصوبة بنزع الخافض من، لأنه هذا أصلا هذا الخافض حرف الجر الخافض ذكر في روايات أخرى فبالتالي هذا قد يريحك وتستانس به باختصار يريد أن يقول كيف أقفرت بأن بدلت وحوشا مكان أهلها وغيرت حالها الخطوب. الخطوب هي مصائب الدهر وحوادثه، ما الذي أتى على هذه الديار على سكانها؟ أين ذهب أهلها؟ الخطوب مصائب الدهر وحوادث الدهر أذهبت وأهلكت هكذا هي الدنيا جيل بعده جيل بعده جيل لتلك سنة الله عز وجل هي الحاكمة. أرض توارثها شعوب، وكل من حلها محروب. جميل هذا الكلام، جميل من حيث إشارة للواقع يقول هذه الأراضي التي يعني أرض خبر لمبتدا محذوف، هذه أرض والمبتدا يعود على المناطق السابقة التي ذكرها في الأبيات الأولى.
يقول هذه المناطق التي ذكرت ايش هي هذه؟ قال هذه أرض توارثها شعوب، شعوب اسم من اسماء الموت في اللغة العربية. شعوب اسم من اسماء الموت، العرب يسمون الموت شعوب. فلما يقول هذه أرض توارثها شعوب، ماذا يريد أن يقول؟ لا لا هو يريد أن يقول أنه لا يوجد وارث حقيقي من البشر، لأنه أنا مت بيجي أولادي بيرثون صح، لكن هل أولاده هم ورثه حقيقيون؟ لا، لأن أولادي سيموتون وياتي جيل ثالث. طيب الجيل الثالث هو الذي سيرث حقيقه؟ كلا سيموت الجيل الثالث وياتي الرابع. فيقول فعليا فعليا الذي يرث هذه الأراضي ليست الاجيال وإنما الموت. الموت الذي يتخطفهم جيلا بعد جيل، فهو هو يشير إلى أنه لا استقرار للبشر على هذه الأرض، لا يوجد حياة مستمرة لأي جيل من الأجيال، الحياة تقوم على التقلب والوارث الحقيقي هو الموت.
طبعا احنا نقول الوارث الحقيقي الله يرث الأرض ومن عليها، لكن أنا بتكلم على ما يقول هو أن الوارث الحقيقي لهذه الأراضي الموت الذي يفنيهم جميعا، فهو الذي يرث وليس أبنائهم هم الذين يرثونه. طيب نعم ضابط ايش لا أنا أرض توارثها ليست بالضمة، أرض توارثها شعوب، يعني ورثها شعوب. وقالوا أتى بصيغة المبالغة توارث ليدل على المبالغة توارثها توارث أرض لا الموت مذكر هذا موت، أنا أعتقد في مشكلة في النسخة هنا، أرض توارثها بفتح الثاء، أرض توارثها شعوب، يعني يرثها الموت، يرثها الموت ولا يوجد وارث حقيقي لها سوى الموت. أرض توارثها شعوب وكل من حلها محروب. ايش يعني محروب؟ مسلوب، يعني وكل من نزل فيها مسلوب الحياة في يوم من الأيام.
المحروم هو المسلوب، فهذا كأنه إعادة تأكيد لما في البيت الأول، لماذا الموت هو الذي يرث هذه الأراضي؟ لأن كل من يحل عليها هو مسلوب في يوم من الأيام وستنتهي حياته. طيب كيف ستنتهي الحياة؟ قال في البيت السادس وهو ختام المقطع الأول، أما قتيلا واما هالكا. لما قال وكل من حلها محروب، كيف كيف كل من ينزل في هذه الأراضي سيسلب الحياة في يوم من الأيام؟ على أي صفة؟ ولك مش مشكلة، أما قتيلا، أما سيقتل قتلا، حادث سيارة، تطلع عليه كذا، زلزال، تقع عليه، أما قتيلا واما هالكا، هالكا يعني موت طبيعي، موت فجأة، مرض وانتهى، عجلة الموت تتعدد أسبابها ولكن الموت واحد، مش هكذا يقولون؟ أما قتيلا واما هالكا.
والشيب شين لمن يشيب، يعني الذي أصلا يكبر عمره ويظهر عليه الشيب، هذه يعني هذا الشيء ليست أمارة خير له. تمام يعني كأنه يقول أغلب الناس لا يصرون إلى الشيب ومن يصل إلى الشيب أصلا الوصول إلى الشيب ليس شيئا يمدح، لأن الإنسان إذا وصل إلى الشيب سيحتاج إلى مساعدة الآخرين وإلى قيامهم بشأنه، فيقولون العرب كان الرجل إذا بلغ سنا كبيرا وأصبح أصبح يحتاج إلى الآخرين يمقتون لا يفضلون هذه الحالة، يقول لك أما أن أستقل بنفسي أو أموت مبكرا أفضل لي. فيقول لك والشيب شين، يعني اللي بيشيب هل هي ممدحة؟ والله ما هي ممدحة، لأنه من يشيب سيق يعاب، يعاب أنه سيفتقده لقضاء حاجته للذهاب إلى الأماكن والدخول والعودة وما شابه ذلك، فليست هذه ممدحة.
ثم بعد الشيب سياتي الموت وله محالة أفضل لا هو هو ليس يعني هو يحرص على الموت بحد ذاته، عفوا على الشرف بحد ذاته، هو يريد أن يخبرك سنة الحياة، هو الآن في مقام بيان سنة الحياة، إنه سيبني عليها الفكرة، فسنة الحياة أن الناس سيموتون، أما بالقتل واما بالهلاك الطبيعي، واللي بده يكبر قديش بده يعيش أصلا؟ بالعكس، وصولك إلى الشيب لأن بعض الناس يعيش أنه يظنه سيعيش كثيرا، بقول لك بالعكس، إذا أنت تظن أن الشيب ممدح، الشيب شيء، وثم بعد الشيب ماذا؟ موت وهلاك. فانا لا أظن أنه يبحث إلى المفاخر في هذا السياق، لأنه سياق بيان سنة حياة وليس في سياق تمجيد الذين يموتون مبكرا والله أعلم.
قتيلا ماذا يمكن أن نعربها بعيد الآن؟ يمكن أن نقول حال بناء وكل من حلها محروب، حاله كونه أما قتيلا واما هالكا، ويمكن البعض يعني وجدته يقول قتيلا خبر لكان المحذوفه، أما أن يكون قتيلا واما أن يكون هالكا جعل خبر لكان المحذوف مع اسمها، هذا فيه حذف كثير، لكن اختاره بعض المعربين، تمام لكن لا يضلل أن هناك مشكلة لو قلنا أنها حال وحال فصل فيها لاختلاف طرائق الموت عند البشر.
بعد أن ذكر هذه الحقيقة التي تحكمنا جميعا في هذه الدنيا، ينتقل إلى نفسه ليجرد منها شخصا يخاطبه، فالآن سيجر من نفسه شخصا يخاطبه. فيخاطب ماذا؟ يقول عيناك دمعهما سروب، كان شانيه شعيب. الآن هو يخاطب نفسه، هو كأنه لما راى كثرة الموت في الحياة وفقد الأحبه وفقد الأعزاء نزلت دمعته وهطلت عندما فقد أحبته وأهله وراى الموت يحيط بالبشر، فيقول عيناك، هو يخاطب نفسه الآن، عيناك دمعهما سروب، سروب يعني جاري، كان شانيه، الشان هنا ما معنى اكتبه؟ الشان هو مجرى الدمع في العين، فهنا شان في هذا الجفن.
مش هون بقول لك مش انت لما تطلع الدمعة بتيجي من هون، بتكون انت بتشوفها تترقرق في هذه المنطقة، اليس كذلك في الجفن السفلي؟ يقول هناك شان هنا داخل العين طبعا وشان هنا داخل العين منه تتحرك الدموع وتسيل، فهمتم أي ما هو الشان؟ فلذلك ثناه لأن هناك شان هنا وشان هنا، منه تنطلق الدموع وتبدأ تهطل على الخدود. فيقول عيناك دمعهما لا يتوقف، سروب، جاري، جاري، الذي ينظر إليك يخال أن شانيه منبع الدموع شعيب، الشعيب هي القربة البالية، القربة.
فيقول كان شما شعيب، من كثرة الدموع اللي بتنزل، بنقول والله كان شانيه تمام، شعيب واهية واهية، لازم تقراها مع البيت السابق أن هي بها يتم المعنى، كان شانيه ما شعيب واهية، يعني كان مجرى الدموع عندك قربة مهترئة مثقوبة، فلان مهترئة مثقوبة، ماذا يحصل في القربة إخواني إذا كانت مهترئة مثقوبة؟ دائما الماء سائل منها، وبده يقول لك عينيك ما شاء الله مثل القربة المثقوبة، دائما الماء سائل، سائل، دائما بتبكي بتبكي بتبكي. شوف هذا التشبيه، شبه مجاري الدموع بالقربة، ها شعيب واهية، قربة مهترئة واهية، وسبب وهذا يسبب استمرار تدفق الماء منها، مش قادر توقف.
طيب أعطى تشبيه ثاني لهذا الشان قال أو معين ممعن، أو كان شانيه ما معين. المعين هو الماء الجاري على سطح الأرض، والممعن هو البعيد في الذهاب نقول أمْعن فلان في سيره، يعني ذهب بعيدا. فيقول أو كان ع شانيه ماء معين، الله عز وجل ماذا يقول في سورة تبارك، فمن ياتيكم بماء معين. المعين هو الماء على سطح الأرض، وسمي معينا لأنه يرى بالعين، معين شيء يرى بالعين، مش مياه جوفية. فيقول أو كان شانيه ما معين، يعني ماء على سطح الأرض يرى بالعين، وهذا الماء المعين ممعن، ما معنى ممعن؟ يعني ذاهب بعيدا، وهذا دلاله أنه ماء كثير غزير. فشبه أيضا الشان بماذا باو معين ممعن، أو هضبة دونها لهوب. اللهوب جمع لهب واللهب هو الشق الذي يكون في الصخور. الآن إذا عمرك شفت هضبة أو ونظرت في أسفلها تجد هناك ماذا؟ شقوق في الصخور، فإذا وضعت ماء على الهضبة، افرض شخص وضع ماء كثيرا أعلاه، ما سيحصل بهذا الماء؟ سيسيل من خلال الشقوق، فهو يقول أو كان شما هضبة دونها، يعني أسفل منها، في أسفلها لهوب، شقوق، وهكذا يقول.
إذن هذا ثلاث تشبيهات أعطى للشان. ما هو التشبيه الأول؟ شبه مجاري الدموع بالقربة البالية أو شبهه بماء معين ممعن في الأرض، أو شبهه بهضبة تحتها مجاري لثقوب الصخور. فكان هذه الدموع تبدأ من الشان، من هذه الهضبة، وتنزل في مجاري وشقوق لها، فهو يخبر إذا بهذا التشبيهات الثلاث، أن هناك دمع لا يتوقف، دمع غزير. أراد أن يعبر عن غزارته بهذه الطريقة. شبه كان شانيه ما شعيب واهية، أو كان شانيه ما معين ممعن، أو كان شانيه عبارة عن هضبة دونها، يعني أسفلها، في هناك شقوق، فلما ينزل الماء من أعلى الهضبة ينزل من هذه الشقوق وتمتلئ الهضبة بالمياه.
طيب، هل توقف التشبيه؟ قال أو فلج ما ببطن واد للماء من بينه سكوب. قال أو كان شانيه كل واحد منهما عبارة عن ماذا؟ عن فلج، والفلج هو النهر الصغير. تمام، كان كل واحد منهما نهر صغير بطن واد، يقطع واديا للماء، من بينه، من الضمير في من بينه يعود على الوادي أو على بطن الوادي للماء من.
بينه أي من ثنايا هذا البطن سكوب، سكوب يعني جريان، فيقول أو كان، أو كان كان هذين الشأنين، كل واحد منهما عبارة عن ماذا؟ فلج، ما يعني على سبيل العموم والتنكير العام، فلج ما، رجل ما جاءني، تقول: رجل ما جاءني، فهذا تنكير؛ لأنه يريد أن يقول: أي فلج؟ فلج ما في بطن وادٍ، هذا الوادي للماء من بينه من بين ثنايا بطن الوادي سكو أي جريان، فهذا يدل على كأن الدموع غزيرة كأنها أصبحت نهر يشق بطن وادي، والماء ينسكب بقوة في هذا البطن تمام، أو جدول ممكن أيضاً أشببه بأنه جدول صغير، والجدول كأنه أصغر من الفلج، أو جدول في ظلال نخل، أو كان هذان الشأنان كل واحد منهما يمثل ماذا؟ جدول من المياه يسري تحت ظلال نخل، للماء من تحته قسيب، القصيب هو الصوت المرتفع، إذا أنت مرة كنت جالس هيك جنب شجر كبير وجنبه سيل، كيف تسمع صوت هدير المياه وحركة المياه بجانب الأشجار؟ هذا يسمى صوت القصيب، حركة المياه التي عن تمشي وتكون تحت تكون يعني تمشي من تحت الأشجار أو في داخل البساتين وما شابه ذلك.
فيقول: ولعل دموعك، أو ولعل شأن قلنا هنا شأن وهنا شأن كأن كل واحد منهما جدول يسري في ظلال نخل، هذا النخل للماء من تحته صوت مرتفع يسمعه من يمشي، طبعا أنت بتحكي إيش هذه الدموع التي نزلت من هذا الشأن؟ هذه دموع صارت تصدر أصوات، يعني هذا صوت جدول، صوت نهر، صوت هذا يدل على أن البكاء شديد جداً جداً جداً حتى أعطاه كل هذه الصور، يمكن نخلي هذا لحاله فصل مستقل وهو فصل الدموع، لكن أنا ما بفضل أخليه مستقل؛ لأنه يمكن لا يعني أنه يترابط مع الذي بعده وأنتم قرروا، فهو بعد أن وصف الشأن بهذه التشبيهات الخمس، خلينا نقول: شعيب واهية، أو معين ممعن، أو هضبة دونها أسفل منها شقوق، أو فلج ما ببطن واد للماء من بينه سكو، أو شبهه بجدول في ظلال نخل هذا النخل للماء الذي يجري من تحته قسيب صوت.
يقول: كأنه عاد إلى نفسه لما رأى نفسه تبكي بغزاره وهذه الدموع لا تقف لا تقف لفراق الناس والأهل، عاد إلى نفسه مستنكرا هذا البكاء الشديد فقال: تصبوا فأنَّى لك التصابي، يعني هذه ليست رجولة الدموع بهذه والبكاء الشديد والعويل على الحياة وفقد الأحبة، هذا ليس من شأن الاقوياء هذا من شأن الصغار، تصب الآن، ها لاحظ كيف يستنكر على نفسه فأنَّى لك التصابي، من أين لك التصابي؟ أنت رجل كبير يا عبيد لماذا تبكي هذا البكاء ولماذا هذا الحزن ولماذا هذا العويل؟ هذه دموع ما شاء الله صارت فيضانات، من أين هذا؟ هذا التصابي ليس من شأن الرجال، قال: تصبوا فإنَّى، بمعنى من أين تفسر في اللغة العربية بمعنى من أين أو كيف أيضاً يصح أن تفسرها بمعنى كيف.
فهو يقول لنفسه: لماذا هذا التصابي بهذا الحزن والعويل والبكاء؟ من أين لك التصابي؟ أنا مرة أخرى أعاد استعانا وقد راعك المشيب، راعك يعني افزعك وأخافك يعني وفاجأك، دعك من هذا التصابي، دعك وقد كب وقد بدأ المشيب يهجم عليك ويخيفك منذراً لك بانتهاء الحياة، دعك من البكاء على ما مضى، دعك من البكاء على الفراق ودعنا نفكر بطريقة أخرى.
طيب فالان بدا بدا خطاب الحكمة يقول: أن تكو حالت حالت تلك المناطق وتغيرت حالت بمعنى تغيرت وحول أهلها فلا بديء ولا عجيب، يقول: أن تلك المناطق التي بكيت عليها انتك حالت ذهبت وتغيرت وحول أهلها حول أهلها بأن دفنوا المراد بدل أهلها مش ق بدل أهلها وحوشاً، أن تكوا حالة أي تغيرت معالم تلك الديار وحول أهلها عنها وأصبحوا تحت التراب، فهذا الامر لا بديء يعني ليس هذه أول مرة في التاريخ وليس هذا بشيء عجب، بل هي سنة الحياة، اليس كذلك؟ هذا معنى لا بديء، البدء يعني ليس أول ناس يبدا بهم هذا الامر، هي سنة قديمة أزلية في البشرية، اليس كذلك ولا عجيب وليس شيئاً عجباً أن يموت انسان أو تهلك قرية، هذا شيء متكرر، على ذلك جبرت الحياة.
قال: أو يكو اقفر اقفر ايش يعني؟ قلنا اقفر هذه الكلمه هي التي بدأت بها المعلقة أصلاً، اقفر يعني خلت من سكانها، أو يكو اقفر منها جوها، والجو هي الأرض الواسعة وهي العادة تكون قالوا في وسط القرية أو وسط الميادين، فالجو أرض واسعة تكون عادة في وسط المدن والقرى، فيقول أو يكو اقفر منها جوها وعادها المحل والجدوب، وعادها يعني زارها، مش نقول عيادة المريض إيش يعني عيادة المريض زيارته؟ فهذا معنى وعادها يعني زارها المحل والجذوع والجذوع، ما هو المحل والجذوع؟
طبعا هكذا هو التفسير العام يقولون يعني عندما تنظر في أي الشروح يقولون المحل والجدوى واحد والمراد بهما القحط، لكن حقيقة أنا أهيب بك أنك ترجع للمعاجماً أكثر وأكثر لعلك تقف إلى فرق بين المحل وبين الجدوب، إلا ما هشما بمعنى واحد بالمعنى العام كلاهما يدل على القحط تقول: أرض ممحل أرض مجدبة، لكن قد يكون المحل يتعلق بجزئية معينة تختلف عن الجزئية التي يتعلق بها الجد، فالقول بأن المحل والجدود بمعنى واحد هذا لا يدل والله أعلم على الترادف من كل الجهات، يدل على الترادف بالفكرة العامة أن المحل والجدود بمعنى حالة قحط وقله مياه سببت هلاكاً، لكن ما الفرق بين المحل وما بالفرق بين الجدوب؟ حاول أن تبحث عن ذلك في معاجم اللغة.
طيب فيقول الآن أو يكو اقفى الآن لس هنا الجملة الأولى انتهت جواباً وشرطاً لما قال أن تكو حالت وحول أهلها فلا بديء ولا عجيب، خلص اخذنا الشرط وجواب الشرط، اما البيت 13 أين جواب شرطه لما قال أو يك اقفر منها جوها وعادها المحل والجدوي؟ جواب الشرط فكل نعمة مخلوس وكل ذي أمل مكذوب، يعني إذا رايت منطقة اقفر منها أهلها ما عاد فيها سكان ومر عليها زارها يعني زارها الجدب والقحط فأفنى ما فيها، فهكذا هي الحياة، كل ذي نعمة مخلوسة أي ستختلط منه النعمة، هل النعم تدوم إخواني؟ هي الحياة هكذا، أنت اليوم في نعمة وخير عافية، غدا تمرض وكذا ثم بعد ذلك يمكن تأتيك نعمة ثم تمر ثم تموت وينتهي أمرك، وهكذا سنة الحياة.
فكل ذي نعمة مخلوس، كل من أنعم الله عليه بنعمة في نهاية الأمر في نهاية الأمر أصعب ما الموت وهكذا ذهبت النعم، فكل ذي نعمة مخلوس، وكل ذي أمل مكذوب، كل إنسان عنده آمال كبيرة في الحياة ستكذب كثير من أمانيه، ما معنى مكذوب؟ أي لن تتحقق أمانيك، وكل ذي با أمل يعيش الإنسان ويأمل يأمل أنه يصير عندي فيلا ويصير عندي سيارات كذا ويصير عنده كذا وأنه يكبر وأعمل وكذا، فجأة بلاقي حاله مرض مرض وانتهى كل شيء، فيجد أن كل أمانيه أو كثير مديش اقول كل الله عز وجل كريم سبحانه لكن كثير من الأماني لا تتحقق فهذا معنى أنها مكذوبة، المكذوب أنها لا تتحقق، فهمتم؟ وكل ذي أمل مكذوب أي لا تتحقق أمانيه التي يريد، هي هكذا سنة الحياة، يمكن يتحقق لك شيء مما تامله ويغيب عنك أشياء ولا تتحقق.
طيب وكل ذي إبل موروثه، وكل ذي سلب مسلوبه، ما زال يؤكد نفس الفكرة، كل إنسان ذي إبل طبعا كلمة ذي إبل هي رمز المال، كل إنسان عنده مال المال لك ولا لأولادك؟ مش هيك في المثل بنحكي المال ليس لك المال للورثة ليس لك إلا ما أنفقت، وأما كل جمعك للمال في البنوك في النهاية تموت في لحظة وينتقل للأبناء، فيقول: وكل ذي إبل أي كل ذي مال إبل غنم بقر أموال دنانير ذهب موروث سيأتي أولادك يرثون، وكل ذي سلب مسلوب يعني وكل من سلب من غيره سلاحاً عتاداً في يوم من الأيام سيكون هو المسلوب ويسلب منه سلاحه وعداته، السلب تعرفونه في المعركة الذي يكون على جسد المقاتل ويتم سلبه منه.
النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل صحيح ولا لا؟ إيش يعني السلب؟ إذا أنا قتلت رجل في المعركة كافر فسلب ما عليه من شنطة وحقيبة ومطرة وكذا أنا أخذها منه وتكون لي فأنا سلبته إياها، فيقول هكذا سنة الحياة عموما، طبعا هذا لا يتعلق بالمعركة هنا فكرة عامة، كل شيء أنت سلبته من غيرك في يوم من الأيام سيسلب منك وتغادر هذه الحياة.
طيب وكل ذي غيبه يؤوب الآن، كل إنسان غائب ولم يقدر له أن يموت سيعود، لكن وغائب الموت لا يعود، كل إنسان غائب في سفره في مشوار في شيء يؤمل أن يعود، لكن الانسان الذي يغادرنا إلى الدار الآخرة هل سيعود؟ لا، في الدنيا لن يعود، فيقول وكل ذي غيبة يؤوب يعني يعود إلى أهله إلا من قدر الله أن تكون غيبته إلى الموت فهذا في الدنيا لن يعود، إن شاء الله إذا كنت من أهل الصلاح تجتمع به في جنات النعيم أما في الدنيا لا تنتظر عوده أحد، طيب وغائب الموت لا يؤوب من غيبة الموت لا يرجع إلى الدنيا مرة أخرى.
هكذا انتهى بيت 16 وهنا نستطيع نقول يعني أنا إيش وضعت لكم التقسيمات من بيت 7 إلى بيت 16 ممكن نعتبره مقطع واحد بدل ما نعتبره مققطعين، ممكن نعتبره مقطع واحد هي فكرة أنه هو شاف نفسه عم يبكي على الموت كذا بدموع غزيرة غزيرة فعاد خاطب نفسه: لماذا هذا التصابي؟ لماذا هذا البكاء على الدنيا؟ لماذا هذا الخوف؟ هذه سنة الحياة، فهمتم هو كيف يدرج هي هكذا سنة الحياة كل مال أنت عندك الآن سيذهب إلى ورثتك، كل نعمة مسلوبه، كل دار هذا ليس بديء ولا عجيب فهذه محاولة محاوره مع النفس يهدئها ويقنعها أنه لا تجزع من الموت لا تخشى من لقائه هذه سنة ليست بدئة ولا عجيبة ليست أنت أول من سيصاب بها أو اصبت بها وليست عجيبة هي سنة الله.
جميل أنه يحاول الإنسان دائماً، بعض الناس إخواني بعاني من فزع شديد من فكرة الموت وحياته بتتعكر ولا يستطيع ينجز شيء وكل شيء كل لحظة هو يترقب الموت وخايف، لا لا هي سنة الله يا إخواني تمشي عليك وعلى غيرك، فتقبل هذه الفكرة هو جزء كثير أو كبير من حل المشاكل النفسية بتعاني تجاهها أن تتقبل فكرة الموت، تتقبل فكرة انتهاء الحياة، تتقبل فكرة أن الله عز وجل لم يجعل هذه الدنيا دار مقر وإنما هي دار ممر وأن المستقر عند الله سبحانه وتعالى، التقبل هو الذي يريح أعصابك ويخفف توتراتك ويجعلك تعيش يومك، خلص يعني بتعيش يومك كما هو.
بعض الناس يا إخواني والله لا يعيشون لكثرة خوفه من فكرة الموت لا يعيش هو دائما في خوف ترقب على أم على أب على أبناء على زوجة على كذا فهذه ليست حياة، أنت بتعاني من اكتئابات أمراض نفسية بتوديك على الطبيب النفسي حبوب؛ لأنه مش قادر يتقبل فكرة الفراق والحياة جبلت على فكرة الفراق هكذا هي سنة الله، شوف هذا رجل جاهلي مشرك تمام، بس واضح عنده بعض الإيمان، العقائد واضحة أن الموت هو قضاء وقدر علي أن أتقبله وأتعايش معه، والان سيعطيك كيف يكون التعايش انظر ماذا قال الان بيت 17 سيبدأ.
طيب ما نصيحتك يا عبيد في هذا المبدأ ما دامت الحياة جبلت على الموت والفراق والكل سينتهي فماذا نفعل في هذه الدنيا؟ شوف الكلام الجميل يقول: أعقر مثل ذات رحم أم غانم مثل من يخيب؟ يعني ما دمت عرف اسمع هذا الكلام حتى تفهم الانطلاقة الآن يقول: ما دمت عرفت أن الحياة جبلت على الموت وانه هو نهايتنا جميعاً فكن، هو هذا هذا البيت الجوهري فكن إنساناً منتجاً في الحياة كيف؟ شوف كيف عبر عن فكرة الإنتاجية في الحياة قدم شيء قبل أن ترحل، يقول: هل المرأة العاقر التي لا تلد كالمراه التي عندها رحم وتلد؟ لا، لأن العاقر لا تترك أبناً بعدها يبقى ذكرها بذكره صح، أما المرأة التي ولدت والأسرة التي عندها أولاد هذه يبقى ذكرها عندما تموت لماذا ببقاء أولادها، ولماذا العرب وعادة النبي صلى الله عليه وسلم قال: انكح الودود الولود لماذا؟ لأن أولادك يقولون هو امتداد لك في الحياة، أولادك من بعدك هم امتداد لك في هذه الحياة.
فانظروا كيف يقول عن قضية ترك الأثر يقول بالمنطق امرأة عاقر هل تساوي امرأة ذات رحم؟ لا، عاقر مثل ذات رحم هل المرأة العاقر التي لم تترك أثراً بعدها تستوي مع امرأة ذات رحم أنجبت وخلفت أولاداً لها في الحياة؟ كلا.
طيب مثال آخر، هل الذي يع الذي يغنم غنيمة من معركة وجولة من الجولات كمثل من يخرج من جولة من الجولات خائب ولا شيء؟ الآن المعركة مخوفه صح هناك من يعود منها بالغنيمة والظفر وهناك هناك من يعود منها بلا شيء، وهكذا نحن مع الدنيا هناك من ستنتهي دنياه لكنه سيخرج ظافراً بغني غنيمة من الأعمال الصالحة التي تركها في المجتمع غنيمة من مشاريع وقفية غنيمة من صدقات تبرعات ثناء الناس عليه هذه كلها غنائم، وبعض الناس سيخرج من معركة الحياة صفر اليدين، هذا اللي منيح إذا بيطلع صفر اليدين إذا ما طلع بمعاصي وذنوب والناس تشتمه وش واثار سيئة تركها في المجتمع، فيقول: الحياة هي مثل المعركة، الحياة الدنيا هي معركة أنت رح تروح منها بس يا بتروح كسبان يا بتروح.
خسران. فهمتم؟ هناك من سيعود من الدنيا بالغنيمة، وعندما ينزل في قبره سيجد أثر ما بذله واجتهد من راحة في قبره، راحة في آخرته. وهناك من يخيب؛ يخرج من معركة الحياة صفر اليدين، لم يقدم شيئاً لآخرته، فهذا سيعد أصابع الندم وسيبكي كثيراً.
طبعا أنا هنا بتقديم معاني إيمانية شوي، سامحوني بدرسي مش خاطرة في ذهن عبيد بن الأبرص أنه ربما مشاعر الجاهلية تهتم بأنك تترك أثراً وراك من أولاد وحسب ونسب وتبني صرح القبيلة، هم بجوز اهتمامات عبيد بن الأبرص وجماعتهم الله أعلم، لكن أنا ما يهمني أني أعطي معاني إيمانية، أنه الفكرة صحيحة بس كل واحد بوجهها على الفخر اللي بده إياه.
أنت كمسلم شو الغنيمة اللي بدك اياها؟ الثواب والجنة، هؤلاء في غنيمة أخرى، غنيمة الفخر والحسب والنسب، وأن أولادك من بعدك ذكروك بالخير وكان مقاتلاً صنديداً في البيت، أنت وجهه كما تريد لكن الفكرة صحيحة.
أعقر مثل ذات رحم أم غانم، مثل من يخيب، شوف كيف هو، وهذا كلام منطقي؛ ما دامت الحياة، الموت حق يا أخي، اطلع من الدنيا كسبان. فهم إيش أقول لك؟ ما دام الموت حق، اخرج من الدنيا كسبان. الموت سيجري علي وعليّ غصباً عني وعنك، فإياك أنك تبقى فقط تفكر متى سيأتي الموت؟ كيف سيحصل؟ كيف ساموت؟ يا أخي هذا ما بيفيدك، سيأتي الموت في اللحظة التي يختارها الله. فكر أن تخرج من الدنيا وقد كسبت المعركة، قد كسبت الجولة. وأما الموت لما يأتي سيأتي جبراً عنك، وكل تفكيرك وقلقك وخوفك لن يقدم ولن يؤخر، فأسأل الله حسن الختام. نسال الله لنا ولكم حسن الختام دوماً يا رب.
طيب، فما زال يعطيك العبارات الإيجابية، فيقول: أفلح بما شئت، فقد يبلغ بالضعف، وقد يخدع الأريب. أفلح بما شئت، كأنه إيش يقول؟ اسعد بحياتك كما شئت ولا تقلق ولا تكن مهموماً. أفلح بما شئت، اسعد بحياتك ولا تحمل هم الموت وتفكر فيه كثيراً، ولا تحمل حتى هموماً كثيرة في الحياة أصلاً ليه؟ يقول: فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب.
يعني عيش تفاصيل الحياة بسهولة ولا تبقى متوتر وخايف وقلق من المستقبل وماذا يخبئ لك. ليه؟ شوف تجربة عبيد بن الأبرص، يقول: فقد يبلغ بالضعف، يعني قد تجد إنسان ضعيف مهزول، ما عنده إمكانيات لا مادية ولا ومع ذلك ربنا يكتب له السعادة ويصير في يوم من الأيام ملياردير، يصير في يوم من الأيام رجل كبير، يصبح رجل ناجح. وفي المقابل قد يخدع الأريب، الأريب هو الذكي النبيه، في المقابل تجد رجل أريب وذكي وشاطر وكذا، لكنه لم ينجح في إدارة ملف الحياة فتجده فاشل مش متقدم، أليس كذلك؟
فيقول: أفلح بما شئت، عش اللحظة، عش الحياة، واستغل ظروفه، وإياك تقول أنا ضعيف، أنا لا استطيع، أنا ما عندي إمكانيات غيري، هذا خطأ. يقول لك: من قال لك أن هذه الأمور، هناك إله يقدر، وإله يمنح السعادة. فكم من إنسان ضعيف أو إمكانياته محدوده منح السعادة في لحظه، وكم من إنسان بالعكس الذي يظهر أنه إمكانياته قوية مادياً و و و ولكنه خدع وفشل وسقط. فالحياة ليست موازينها القوة والضعف أو الفقر والغنى، هناك إله يقدر، والله سبحانه وتعالى يوزع الأقدار كيف ما شاء سبحانه وتعالى، وهذا بيعطي الإنسان أمل أنه إياك أن تستسلم في لحظة معينة، إياك أن تقف مع مشكلة معينة من مشاكل حياتك، إياك تضعف أمام أي بلاء أو أمام أي مصيبة أنت فيها، حاول دائماً أن تتقدم نحو الأفضل ولا تستسلم، فالله عز وجل يعطي ويمنح.
نعم، نعم ممكن بس أنه مش رح تفرق أنت في النهاية بيهمك الكتابة هي لا تحكمنا، بيهمك الصوت، الكتابة لا تهمك في النهاية، أنت الذي يهمك إقاع الصوت في أذنك: أفلح بما شئت، فقد يبلغ بالضعف وقد يخدع الأريب. خلص تمام، أما الكتابة هذه شغل الكتاب المعاصرين أصلاً كثير منها مش يعني نقلت هكذا بهذه الصورة.
ثم قال: لا يعض الناس من لم يعض الدهر ولا ينفع التلبيب. يقول: الناس لا يعظون شخصاً لم تعظه تجارب الحياة والدهر. إذا أنت شخص مريت في تجارب وما تعلمت منها، ما راح ينفعك بعض الناس لك لأنه أنت مريت في التجربة. بعض الناس يلدغ من نفس الجحر مرتين وثلاث وأربع، فيقول: موعظة الناس لا تنفعك إذا أنت لم تنتفع ماذا من حوادث الدهر وتجارب الحياة.
فهي دعوة أن يكون الإنسان متيقظ منتبه لما يمر به من تجارب. كلنا يخطئ، أليس كذلك مشايخنا؟ كلنا قابل للخطا، قابل لأشياء غير سوية، تصرفات خاطئة، لكن ما هو المهم؟ أنه ما تعيد الخطأ، وأن يكون الدهر موعظة لك وتنتبه من أين أتيت فتغلق الباب. أما أن تؤتى من الجحر مرتين فهذه دلالة ضعف إيمان، لذلك البخاري في صحيحه بوب باب: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. يعني من كمال إيمانك أنك إذا أخطأت في جزئية ألا تعيد تخطئ منها مرة أخرى لأن المؤمن فطن، يعني هو ما المؤمن لا يعصي، بالعاصي لكن إذا عرفت أن هذه البوابة هي اللي بتيجي المعصية منها خلص بسكرها، ممكن أعل نفس المعصية من بوابة أخرى جديدة بس عيب عيب نفس البوابة تجيني المعصية منها مرتين أو الخطأ يأتي منها مرتين، تجيك من منطقة أخرى أنت ما كنت منتبه لها متوقعة، أما من نفس الباب لا.
لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال من أخذ بخاري طبعا هذه الترجمة من الحديث: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. مادام النبي صلى الله عليه وسلم علق الأمر على الإيمان، فدل هذا على أن من كمال الإيمان ألا تخطئ من نفس الجهة مرتين، أما أن تخطئ من جهة أخرى فهذه حال الإنسان.
طيب، إذا قال: لا يعض الناس، الناس فاعل لا يعض الناس، يعني لا ينفع الناس شخصاً من من هذا الشخص؟ يعني لا ينفع الناس شخصاً لم يعظه الدهر. الهاء محذوفه هي الضمير الذي يعود على من لا يعظ الناس من لم يعظه، طبعا هذه الهاء مش مذكوره في البيت بس أنا بقدرها حتى تفهمها أنت: من لم يعظه الدهر، يعني ذاك الشخص الذي لم يعظه الدهر ولم تنفعه تجارب الحياة، ولا ينفع التلبيب. التلبيب قال هو تكلف الذكاء. التلبيب إيش يعني؟ ترف، بعض الناس يتصنع أنه فهلوي، فيقول: ولا ينفع التلبيب، لا ينفعك أن تتصنع أنك فهلوي وأنت لست كذلك، والذي من الذي ينفعه ذكاؤه؟ الذي يكون ذكاؤه سجية طبع، لذلك قال: إلا سجيات ما القلوب.
حتى هذا البيت لاحظوا غريب في تركيبه: إلا سجيات ما القلوب، ما هذه زائدة والقلوب مضاف إليه لسجيات، إلا سج القلوب، لكن ذكرت ما زائدة فصلت بين المضاف والمضاف إليه. فهو يريد أن يقول: ولا ينفع التصنع بالذكاء لكن هذا استثناء منقطع، لكن ما الذي ينفع؟ سجايا القلوب. سجايا القلوب يعني الإنسان اللي على سجيته، بفكر باتزان بدون تكلف وتصنع، لا بسج وطبع فيه وتعقل فيه.
طيب إلا سجيات القلوب، بس ذكروا ما هنا حتى يصلح البيت، وهذا بعطيك أنه فعلا في مشكله في عروض البيت شئت أو أبيت. إلا سجيات ما القلوب، وكم يصيرن شانئ حبيب. يقول: والحياة أيضا كفيله بأن الإنسان الحبيب يصبح ماذا شانئ ومبغض، وكم يصيرن حبيب.
الشانئ هو المبغض، أن شانئك هو الابتر مش سورة الكوثر؟ من هو الشانئ؟ اللي بغضك يقول لك والحياة بتعلمك أنه الإنسان اللي بحبك يوم للاسف ممكن يتخلى عنك في يوم ثاني، الإنسان الذي بنيت بينك وبينه علاقه في ايام وكان بينك وبينه موده قد يصبح شانئ مبغضاً لك في أيام أخرى. هي هكذا الحياة، الحياة لا تستديم لأحد قال: إلا سجيات ما القلوب، وكم يصيرن، كم هي ثير، كم هذه ليست استفهامية وإنما كم للتكثير، كثيراً ما يصير الحبيب شانئ لك ومبغض لك.
طيب برايكم يعني إيش علاقة هذه الجملة ضمن السياق السابق؟ شو رايك يا محمد؟
خاص يعني الحقيقه لم يضل لي شيء مميز في ذكر هذا المقاطع هنا، إحنا في مقطع ماذا؟ أنه ما دمت عرفت الحياة كن إنساناً منتجاً ثرياً، عش الحياة بتفاصيلها، لا تستسلم أمام ضعفك، الإنسان الضعيف قد يبلغ والإنسان الذكي قد يسقط، لا تستسلم أمام ضعفك أمام إمكانياتك، وبينما في المقابل الإنسان الذي ما بتربى وما بيتعلم من تجارب الحياة هو الإنسان الفاشل فلا ينفع التصانيف، كن إنسان ماشي على سجيتك الداخلية على ذكائك الطبيعي بدون فهلوة وبدون تصنع لا معنى لها.
طيب أيوه عمر؟ تمام، بس إيش علاقتها بالفصل الذي نحن فيه؟ علاقتها بفصل تذكير الإنسان أن يترك أثراً وأنه ليتحدى صعوبات الحياة وأنه أنا قصدي ضمن هذا السياق، سياق دعوتك أن تتحدى صعوبات الحياة ولا تستسلم أمام ظروفك واشكالات تمام.
لما نقول لا يعض الناس من يعض الدهر ولا ينفع التلبيب إلا سجيات ما القلوب وكم يصيرن شانئ حبيب، وكم يصيرن شانئ حبيب يعني كثيراً ما يتحول الناس عليك، بالتالي كأنه يقول يعني فكر وكأنها والله أعلم دعوة إلى العقلانية الزائدة أنه لا تكون إنسان حساس في الحياة، ابني حياتك على العقل والمنطق، ابني حياتك على العقل والمنطق وليس على العواطف، الحياة بدها منطق، بدها عقل، بدها اتزان وليست عاطفة، لا خايف أخسر فلان ولا ذا، هذا فلان ممكن تخسره في أي لحظة فلا تجعل تصرفاتك وعقلك وتخطيط مبني على مشاعر الناس لا، حتى هو كأنه شعار عبيد بن الأبرص: عش من أجل ذاتك ابتداء أفلح بما شئت، عش من أجل ذاتك انك تكون إنسان ناجح، مش طبعا معنى ذلك ألا تفكر بمشاعر الآخرين من حولك، طبعا لا، لكن المراد لا تعطي مشاعر الآخرين مساحة أكبر من المساحة الحقيقية فتؤثر على قراراتك واختياراتك، وهذا كلام صحيح. لا تعطي مشاعر الآخرين مساحة أكبر بحيث تؤثر على قراراتك ونجاحاتك أنت.
أنت في النهاية بدك توصل لرب العزه سبحانه بدك تموت على الخير والصواب، أليس كذلك؟ فيعمني أن أنجح ضمن رحلة نجاحي، أكيد سأهتم بمشاعر من حولي قدر المستطاع فأمل هذا وأساعد هذا، لكن بشرط أني لا أجعل تلك المشاعر تؤثر علي فجعلني أفشل من أجل محافظة على شعور شخص. لا خطأ! لا تفشل أنت من أجل المحافظة على شعور، لأنه ذاك الشخص الذي أنت أفشلته في أشياء كثير من أجل المحافظة على شعوره، في لحظة من اللحظات قد يغادرك ويذهب، وتبقى أنت فشلت ولم تحافظ على علاقة ودية معه. الحياة متقلبة، فبالتالي خلك منطقي في بناء علاقات.
غلبك هكذا والله أعلم ينسجم السياق أنه خلي حياتك منطقية، تخطيطات منطقية واقعية، امشي بشكل متزن مع محافظتك على مشاعر الآخرين لكن هذا لا يعني أنك ماذا تخسر أنت وتفشل أنت في تجربة الحياة من أجل محافظة على شعور شخص في يوم من الأيام يمكن يتركك ويغادر. فهمت؟ هذه مهمة جدا هالفترا في تأسيس حياة متزنة في العلاقة وبالحب بحيث لا تؤثر علاقاتي الاجتماعية وصداقاتي على اختياراتي ونجاحي، فهذا يعني يرسم خطاً جيداً للإنسان.
قال: ساعد بأرض إذا كنت بها. ها شوف ما الذي يكمل ذلك؟ يقول لك: ساعد بأرض إذا كنت بها ولا تقل أنني غريب. هو يعلمك النجاح عبيد أبرس، يقول: حا احنا قلنا حاول أن تكون إنسان مثمر منتج في أي مكان، حاول أن تترك أثراً في الحياة. فيقول: إذا كنت في أي أرض كنت في مجتمع مش مجتمعك، يعني أنت في الأردن غدا سافرت إلى أي بلد، لا تقول والله أنا غريب عن هذه البلد لا أقدم فيها أي خير، خطأ المؤمن شجرة نخل في أي مكان يكون يسقط ثمره.
فيقول: ساعد بأرض إذا كنت بها، في أي مجتمع أي مجتمع أي بيئة تنتقل إليها، والله حتى داخل البلد كنت ببيئة عمل، كنت بمدرسة معينة، انتقلت لمدرسة أخرى، كنت في مسجد معين، انتقلت لمسجد آخر، ما حدا بيعرفني، إحنا عندنا شعور للأسف سلبي أنه بقول لك أنا ما بشتغل إلا مع اللي بعرفه، هذا خطأ يا أخي، ابني علاقات جديدة في الحياة واشتغل حتى ولو بيئة ما بتعرفها اشتغل فيها وقدم وابذل.
فيقول: ساعد بأرض قدم إذا كنت بها ولا تقل أنني غريب والله أنا ما بعرف هذه البيئة أو هذا المجتمع أو هذا المركز أو أو لا أقدم لهم خيراً ولا أعطيهم. لا، ما دام عندك قدرة أن تقدم، أن تساعد حتى لو كنت غريقاً ابدأ شك علاقات وتعرف، ممكن الشخص طب يقول لك بس أنا خايف أن مثلاً هم يكونوا لأنهم أصحاب بحبوا يظلهم مع بعض، بس إذا أنا دخلت على بيئتهم ممكن ما يتعاملوا معي بشكل الجيد ل هم بيعرفوا بعض من زمان، مش هيك بصير مع كثير منا أنه يتخوف من الدخول إلى بيئات معينة لأنه غريب عنها، يقول لك هم بيعرفوا بعض أنا ساكون عنصر غريب مستجد عليهم، بالتالي صعب يتقبل.
هون عبيد بن أبرص كمل الفكرة شوفوا شو قال: قال قد يوصل النازح النائي وقد يقطع ذو السهم القريب. يقول: لا تظن أن الحياة تستمر هكذا لو دخلت على مجتمع وأنت غريب عنه، الإنسان النازح، أنت نزحت إلى هذا المجتمع مش أقول لك نازح؟ أنت نزحت إلى هذه البيئة الجديدة ونايت عن أهلك ووطنك وأحبابك الاوائل، لا تظن أنك لا يمكن أن تكسب ثقة جديدة في مجتمع آخر. مين اللي قال لك أنك لا يمكن أن تكتسب ودهم وصداقتهم لهذا المجتمع الجديد؟ فكم من إنسان هيك بده يقول لك عبيد: كم من إنسان كان نازحاً نائياً.
انضم إلى بيئة معينة جديدة، فهو الذي يوصل، وهو الذي يحترم، وبالعكس؛ إنسان من أهل هذه البيئة قريب يسهم له ويعطى، دائماً يهجره أهل هذه البيئة ويتركونه. باختصار الناس اخواني، صحيح يعني العشائرية أو لها علاقة، لكن انجازاتك وخيرك والبصمة اللي بتتركها في الناس تجعل الناس يحترمونك جبراً عنك أو عنهم، حتى جبراً عنهم، ولو كنت غريباً عن وطنهم، ولو كنت غريباً عن مجتمعهم.
الإنسان اللي بيكون خير وخير واسع ويعم الجميع، حتى لو دخل في بيئة غريب هو عنها أول مرة بدخل فيها، قد يوصل هو ويحترم ويجل، وإنسان من نفس البيئة ومن عشيرتهم يقلون ويتركونه ويهجرونه لأنه خير بعيد ولا يقوم بأي شيء نافع. وهذا ترى نراه في المجتمعات، وهناك تجارب كثيرة تثبت صحة كلام عبيد بن الأبرص.
الإنسان لو دخل على بيئة غريبة، يمكن خلال سنوات تصبح أنت أفضل شخص محبوب في هذه البيئة اللي كنت أنت غريب عنها في يوم ما، واللي في هذه البيئة ومن أهلها وعشيرتها يكون منبوذاً لا أحد ينظر إليه. ممكن الحياة بتلف يا جماعة، وخيرك وأثرك هو الذي يحكم، هذا الذي يريد يقوله عبيد بن الأبرص؛ خيرك، مساعدتك، الخير الذي تتركه في هذه البيئات يصنع لك علاقات واحترام ووجود، فلا تقول والله أنا غريب ما بقدم، قدم في أي مكان بتكون فيه.
جميل، حقيقة كلام جميل. قد يوصل النازح النائي البعيد وقد يقطع ذو السهم. السهم هو أصلها النصيب، تقول: أسهمت له يعني أعطيته نصيباً. قال: يقطع ذو السهم، ذو السهم يعني صاحب السهم الذي يسهم له والمراد اللي من أهل المنطقة. وأنت لما تكون من أهل منطقة معينة يسهم لك تعطى، إذا في توزيعات تعطى منها، إذا في غنائم تسهم لك منها، فهذا كلمة ذو سهمه دلالة على أنه من أهل البلدة، من أهل المنطقة الذي يعطى من سهامهم ويعطى من أنصبتهم.
فيقول: الشخص اللي من أهل البلد اللي يسهم له ويعطى وهو قريب منهم قد يترك لعدم وجود خير يقدمه لهم. طيب، عندك شيء طيب.
ثم قال شوف يعني معاني الإيمان في كلام عبيد بن الأبرص الجاهلي: من يسل الناس يحرموه، وسائل الله لا يخيب. لا تنتظر من الناس أنهم يكافئوك على معروفك تجاههم، لا تنتظر من الناس شيئاً، وإنما اسال حوائجك من الله سبحانه وتعالى، فإن الله لا يخيب من سأله ولا من دعاه ولا من رجاه. والمرء ما عاش في تكذيب، طول الحياة له تعذيب.
والمرء ما عاش في تكذيب، قلنا ما هو التكذيب هنا؟ آه يا عمر محمد؟ نعم، بس خلينا نكمل هذا البيت. والمرء ما عاش المرء في مدة حياته، كثير من الأمور ترى لا تتحقق لك، وتقبل هذا أيضاً جزء من نجاحك في الحياة. يعني جزء من نجاح شخصيتك أنك تتقبل أن كثير من الأمور التي تطمح إليها لا تحصلها، فإيش المطلوب مني؟ أقنع. يعني أنا أريد يصير راتبي عشرة آلاف، ما حصلت هذا يا أخي بقنع. محمد، طموحك عالي كثير شيخ طيب بسم الله.
واحد طموحه مثلاً يتزوج امرأة فلانية، تزوجت خلص راحت أقنع. أنت قد ترسم طموحات كثيرة، لكن ليس كل الطموحات تتحقق، كثير من أشياء تخطط لها لا تحصل. فما الذي يطيب الحياة؟ القناعة، هذا اللي بده يوصله عبيد بن الأبرص؛ القناعة كنز. نعم، كلنا يطمح لأشياء كثيرة، لكن طبيعة الحياة ليس كل ما يطمح إليه الإنسان يحصله، والنبي صلى الله عليه وسلم المعلم الأول والقائد الأعلى يعلمنا القناعة والرضا عن الدنيا بكل ما تأتي به من صروف الدهر.
إذاً والمرء ما عاش في تكذيب، يعني ما معنى في تكذيب؟ يعني لا تتحقق كثير من أمانيه ومراده. طول الحياة له تعذيب، أحياناً بقول لك أنك تموت بدري أحسن لك؛ لأنه أنت من كثر ما الهموم التي رح تشوفها في الحياة رح تتعذب. فمن قال إن الموت مبكراً سيء؟ هيك بده يقول لك عبيد بن الأبرص. من الذي يقول إن الموت مبكراً شيء سيء؟ أحياناً طول الحياة ممكن يكون عذاب لك، خاصة إذا كثرت همومك وغمومك وكثير من المشاكل مررت بها، تصبح أنت أصلاً بنفسك تفكر مغادرة الحياة، فلا يعني تهرب من حقيقة الموت، أحياناً قد تتمنى الموت الذي تهرب من حقيقته لما تطول بك الحياة وتكثر مشاكلها، أحياناً تتمنى الموت ولا تجده. سبحان الله.
طيب، هيك انتهينا من خمس وعشرين بيتاً، بعد الصلاة إن شاء الله ننهي القسم الآخر من المعلقة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل