طيب بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلب علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في التعليق على معلقة زهير بن أبي سلمى، هذه المعلقة التي ملئت بالحكمة والخبرة والتجارب والرأي الجزء القوي في تجارب الحياة. زهير بن أبي سلمى كما ظهر لنا في شخصيته في البداية وإلى انتهينا إليه انسان يححث عن حالة السلم ويبغض الحرب، انسان يريد حياة يأمن فيها الناس على أنفسهم، على أموالهم، على أرواحهم، حياة بعيدة عن الحقد والغل، وبالتالي هو انسان يدعو إلى الوفاء بالعهود، إلى أهمية أنك إذا عاهدت قوماً أن يكون عهدك صادقاً لا تضمر في نفسك دمنة ولا حقداً على الناس.
إذاً هو يريد هذه الحالة، حالة الأمن والطمأنينة التي يأمن فيها الناس على معاشهم، ثم بعد ذلك أتى بالفصل الثاني وهو فصل ماذا قلنا فاصبر رحلة، فأتى برحلة نسوة خرجن من هذه الديار التي ملئت بالحروب بحثاً عن ديار أخرى، ما حالها؟ حالها أنها مسالمة آمنة يأمن فيها الناس، فحتى في وصفه لرحلة الضعان يصف طبقة مترفة منعمَة، هجرنا ديار الحرب والدماء بحثاً عن ديار أخرى فيها ماذا؟ أمن مجتمعي وسلام وأمان.
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن تحملن بالعلياء من فوق جرثوم علونا بأنماط عتاق وكلّة وراد حواشيها مشاكهة الدم وفيهن ملهى للصديق ومنظر أنيق لعين الناظر المتوسم. وقرن ذكوراً واستحرنا بسحرهن فهن لواد الرسْكاليد للفمم. قلنا فهن لواد رساك اليد للفم، هذا التشبيه ما المراد به من باب أن مراجعة المعلومات السابقة، ما المرادا محمد؟ نعم، أحد الأوجه الشرع وهي سرعة الوصول إلى منطقة الأمان، وهذا يدل على أنهم خرجوا مسرعين يحثون الخطى من منطقة الحرب بحثاً عن منطقة الأمل، وهكذا الخائف الفزع الذي يهرب من شيء المخوف فإنه يسرع خلاصاً منه حتى يصل إلى مكان الأمن والسلم.
فكرنا بكوراً واستحرنا بسحرهن فهن لواد الرسْكاليد للفم، وتمي القناة عن يميناً وحزنه ومن بالقناة من محل ومحرم. يقول: ما معنى محل؟ لمن يستحل الدماء، والمحرم الذي يحرمها ويعظمها تمام. ظهرنا من الثوبان ثم جزعنة على كل قيني، قيني قلنا نسبة إلى ماذا؟ هو الصانع الحداد عند العرب يسمى قيناً، والنجار يسمى قيناً، وأي صاحب صنعة وحرفة يسمى ماذا قيناً، فهذا الهودج أو هذا الذي يركب عليه النساء هذا الذي وليس له تحت الهودج تركب عليه المرأة صنعة صانع محترف، فلذلك نسبه إلى الصنائعين قال على كل قيني دلالة على أنه متقن الصنع، دلالة على أنه متقن في صناعته على كل قيني قشيب، قلنا القشيب ما معناها؟ الجديد، مفعمي، ما معنى مفهم؟ الواسع، ممتاز.
إذن على ظهرنا من الثوبان ثم جزعنا وانقطعنا على كل قيني خشيب مفعمي. كان فتاة العين في كل منزل نزلنا به حب الفناء، قلنا ما هو حب الفناء؟ لونه أحمر فهو أنا عم، يشبه ماذا؟ حبة البندورة الصغيرة وشبه به ماذا؟ العهن الذي يتساقط من ماذا من الحواشي، العهن الذي كان يتساقط من هذه القطائف التي يركبن عليها حب الفناء لم يحطم.
ثم قال: فلما وردنا الماء زرقاً جمامه، وهذا هنا وصل إلى نهاية الرحلة منطقة الأمان، الماء الصافي الذي لم يتكدر، الماء الذي لم يشبه غدر ولا خيانة، فالماء الذي هو زرق جمامه هو كناية عن ماذا؟ عن المحل الصافي الذي لا يوجد فيه غدر ولا خيانة، ويامن فيه الانسان على نفسه وماله. فللما وردنا الماء زرقاً جمامه وضعنا عصي الحاضر المتخييم، هنا أو قفنا السفر ونزلنا ليبدءا حياة جديدة في هذا المكان.
قل هذه القصة هي قصة في الأغلب قصة رمزية لرحلة الانسان من البحث أو هرباً من حالة الدماء والحروب التي بين عبس وذبيان إلى حالة السلم والحالة المستقرة التي يريد الناس أن يصلوا إليها. وزهير بن أبي سلمى هو انسان يرفع لواء السلم، يرفع لواء الصلح، يرفع لواء العهود والمواثيق ويحارب ماذا؟ الغدر والخيانات وحالة الفوضى المجتمعية. هذه فكرة جميلة جداً يزرعها زهير بن أبي سلمى في المجتمعات وفي الأجيال من خلال هذه القصيدة المتقنة.
فالان في سنذهب إلى المقطع الثالث وهو زهير بن أبي سلمى وهو يمدح من سعى في إقاعات السلم بين قبيلة عبس وذبيان، قلنا عبس وذبيان حدثت بينهم حرب ماذا؟ داحس والغبراء، حرب استمرت إلى أكثر من أربعين سنة. من الذي أطفأ نار هذه الحرب؟ من الذي سعى في وادي الفتنة بعد أن أهلكت وأكادت تهلك عبس وذبيان والأحلاف الذين تحالفوا معهم؟ هما شخصان هما شخصان زهير بن أبي سلمى رفع من قيمتهما ورفع من منزلتهما في هذه القصيدة هرم بن سنان والحارث بن عوف.
هناك شخصان مميزان حقيقة كان لهما الفضل في إنهاء حرب داحس والغبراء ونامل جراح التي حدثت بسببها هرم بن سنان والحارث بن عوف. الآن هذان الشخصان ماذا فعل؟ ذكرنا هذا في المحاضرة الأولى، قام بماذا؟ بتحمل الديات عن كل القتلى من الطرفين، مع أن هرم بن سنان والحارث بن عوف الذي يشاركه في الصراع طبعاً هاي ابن سنان والحارث بن عوف بأي قبيلة ينتسبان؟ هما من ذبيان، لكنهما لم يشاركا في القتال مع قومهما كما سياتي معنا، وكان بعيدين عن سفك الدماء، ومع ذلك رغبة منهما في وادي نار الفتنة والحرب بين القبيلتين الاختين تحمل جميع الديات من أموالهم الشخصية، وكانت دياد فخمة عالية كما سياتي معنا اليوم، تحملاها مقابل القيام بماذا؟ بوعد دينار الفتنة والصراع الدامي في جزيرة العرب بين هاتين القبيلتين، وهذا مجد عظيم اكتسبه ومنقبة كبيرة تدل على شرف معدنيهما وعلى خصالهما الكريمة.
فانظر الآن كيف دخل زهير بن أبي سلمى لمدح هذين الشخصين؟ ماذا قال؟ نبدا بمجلس اليوم: سعى ساعي غيظ بن مرة بعدما تبذل ما بين العشيرة بالدم. سعى سعياً لم ينص على أسمائهما صحيح، وإنما أتم بقضية السعي؛ لأنه كما يقول الشيخ أبو موسى أن زهير بن أبي سلمى صحيح يريد أن يمدح هذين الشخصين، لكنه أيضاً يريد أن يركز على قيمة الفعل نفسه بغض النظر كان هارب بن سنان أو الحارث بن عوف أو غيرهما، أهمية أن تكون انسان ترغب بالصلح، أهمية أن تكون انسان عندك قدرة على لام الجراح، أهمية أن يكون انسان عنده هذه المناقب العالية في سعر الاصلاح بين الناس، هذه منقبة وهذا خلق رفيع، لذلك قال: سعى سعيه. هذا يعطيك تصور أن هناك شخصاني يسعيان من أجل ماذا؟ لام الجراح وتحقيق الصلح.
سعى ساعي غيظ بن مرة، من هو غيظ بن مرة؟ غيظ بن مرة أحبابي هو الجد الرابع لهرم بن سنان والحارث بن عوف الجد الرابع. طيب لما انت تقول لساعه ساعيه غيث بن مرة لما نسبتهما لجدهم الرابع؟ لماذا الجد الرابع بالتحديد؟ هذا قالوا يدل على أن غيظ بن مرة وإن كانت أخبار لم تنقل إلينا، لكن بالتاكيد أنه تاريخياً معروف عند العرب بانه صاحب مروءات وأخلاق رفيعة، فالنسبة إلى الجد الرابع دلالة أن هذا الجد الرابع مميز.
طب ايش مميزه؟ اقول لك الله أعلم، لم تصل لنا سيرته بالتفصيل، لكن مجرد أن تنسب هرم بنسنار ولا حارث بن عوف جديهم الرابع دلالة أن هذا الجد مميز وله أخبار في المروءات والمشارف يجعله أهل أن ينسب إليه. يعني لماذا لم ينسبهما إلى الجد الثاني أو الثالث المشترك أو الخامس؟ لماذا الرابع بالتحديد؟ هذا يدل في تميز بهذا الشخص، ما هو التميز؟ اقول الله أعلم، لم تنقل لنا تفاصيل حياة هذا الجد الرابع، لكن بالتأكيد النسبة إليه يدل على ماذا؟ على أنه أيضاً كان متميزاً عند العرب الصلح.
طيب أيضاً النسبة إليه تدل على ماذا؟ أن هذه الأخلاق الرفيعة التي اكتسبها هرم بن سنان والحارث بن عوف، هذه الأخلاق، هذه المروءات، هذا الجهد العظيم الذي بذلوه ورثوه كادراً عن كابر وليس شيئاً غريباً عنهما، فالنسبة إلى الجد تدل على أن هذه الأخلاق أخلاق موروثه وليس أخلاق هم اكتسباها ولم يسبق لهما جد في هذا الميدان. فلما نسبهما إذا نقول النسبة إلى الأجداد عموماً تدل على أن هذه الأخلاق موروثة توارثاً من أجدادهم فهم من معدن أصيل، هذا عموماً النسبة إلى الأجداد، ولماذا اختار غيض من مرة بالتحديد وهو الجد الرابع؟ نقول لتميز خاص به بالتأكيد، من يعرف هذه القصيدة من العرب الجاهلين يعرف لماذا ذكر غير بالمره، لكن نحن لا نعرف ليشح الأخبار التي نملكها عن هذا الرجل.
سعى ساعي غيظ ابن مرة، سعى ساعي اللي هارب بن زنان والحارث بن عوف سعيالي الصلح، متى قال؟ بعدما تبذل، التبذل ما هو؟ التشقق تمام، التبذل هو ماذا؟ التشقق، من هنا الناقل بازل، الناقل البازل هو التي كمرت في السن وخرج حتى خرج يعني تشقق من فمها حتى خرج منها السن، تشققت لثتها حتى خرجت منها الأسنان، فالتبذل أحبابي هو عملية التشقق.
وشوف كيف عبر عن الافتراق القبيلتين الاختين، لأنه عبس وذبيان كلاهما من من غطفان، فني لم نقل ذلك كلاهما من غطفان، فهم أولاد عمومة، فالأصل أن يكون كالجسد الواحد كالبنيان الواحد، لكن للاسف تشقق هذا البنيان، فحتى يعبر عن حالة التشقق استعمل مفردة ايش التبذل؟ لأنه كان بإمكانه يقول ساعة ساعهما تفرق، مش كان بإمكانه يقول تفرق؟ لماذا قلت تبذل؟
التبذل يدل على كان شيء متماسك ثم بدأ يتشقق هكذا عن بعضه البعض في العبارة أو اللفظة عميقة في دلالتها في هذا السياق، أن البنيان كان واحد ثم اخذ ماذا يتشقق، كيف تكون جلده ثم تبدا تفتح ويخرج منها سن، كذلك كانهما كان بنياناً واحداً ثم بدا هذا البنيان يتشقق بسبب الحروب الدامية التي نشأت بينهما.
قال: سعى سعى غيظ بن مرة بعدما تبذل أي تشقق ما بين العشيرة. طب لاحظوا هنا قال تبزل ما بين، ما اسم موصول بمعنى ايش؟ طيب تبزل الذي بين العشيرة، طب شو هذا الذي بين العشيرة؟ لاحظوا في إبهام، ما أصرح ما قال تبزل الحب الذي بين العشيرة، أعطاك ماء الموصولية التي فيها إبهام، تبزل ما بين العشيرة، كان بينهم اشياء كثيرة جداً لفخامتها وكثرتها لم يستطع أن يوضحها فاستغنى بالابهام، الإبهام هنا دلالة أيضاً على ماذا؟ على الكثرة والتفخيم، أن هناك اشياء كثيرة كثيرة للاسف تشققت بسبب هذه الحرب.
إذاً تبزل ما بين تقول لماذا استعمل اسم الموصول الذي فيه شيء من الابهام ليدل على أن كان هناك عواصر ومحبة وألفة كبيرة جداً يصعب أن يحصرها بألفاظ، فالإبهام هذا بحد ذاتك كقوله تعالى فغشيهم من اليم ما غشي معنا في البلاغة الإبهام يدل على التعظيم والكثرة وأن الشيء أعلى وفوق من أن يحصر، أعلى من أن يحصر، فالإبهام يدل على علوه وأنه أكثر من أن يحصل.
فقال تبذل ما بين العشيرة، طب ما الذي جعل هذا الشيء يتبزل ويتشقق؟ الدماء، الدماء هي التي كانت سبب في ماذا في تفرق العشيرتين الاختين عبس وذبيان. إذاً سعى سعى غيظ بن مرة بعدما تبزل ما بين العشيرة بالدم، فكانه يريد أن يقول سعى في ماذا هذان الساعيان؟ ساعيا في إعادة اللام هم مساعدة بعد التبذل، إذا صار تشقق بسبب الدماء والقتل هما سعيا لإزالة هذا التشقق وإعادة القبيلتان أو إعادة أو إعادة القبيلتين إلى وضعهما الذي كان عليه قبل هذه الحرب.
سعى سعى غيظ بن مرة بعدما تبذل ما بين العشيرة بالدمي، طب قال: فاقسمت، الآن هو يريد أن يمدح هذا الفعل العظيم الذي قام به هذان الساعيان، فكيف مدحه؟ انظروا العبارة قال فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله، فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم، يميناً لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم.
الآن يريد أن يمدح هذين الشخصين بالتحديد في البيت 15، يريد أن يمدح الفعل نفسه وهو السعي في البيت 16 و17، يريد أن يمدح الشخصين اللذان مشايا في هذا السعي، فقال فاقسمت، الآن أقسم بماذا؟ أقسم بأكثر شيء يعظمه زهير بن أبي سلمى، وزهير بن أبي سلمى واضح أن عنده ماذا؟ معرفة بالاديان وتعظيم لبيت الله الحرام، رجل يعني خلينا نقول متدين بالمفهوم الجاهلي، رجل متدين بالمفهوم الجهل نعم عاش قبل الاسلام، لكنه مت يعني يعرف بقايا الحنيفية حنيفية إبراهيم عليه السلام، فهو يقسم بالبيت لأن له مكانة عظيماً في نفوس العرب.
فاقسمت دائماً لما تقسم بأعلى شيء عندك إذا المقسم عليه سيكون شيئاً ماذا مهماً، إذا كان المقسم به مهم إذا المقسم عليه سيكون مهماً. قال: فاقسمت بالبيت الذي ما قال اقسمت بالبيت وذكر المقسم عليه، لا أراض أن يعظم القسم لأعلى درجات الإتقان، قال فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهمي، هنا سؤال: هل قريش وجرهم هي التي فعليا بنت البيت؟ لا، الذي بنى البيت بعد أن تصدى بعد الطوفان سيدنا ابراهيم وابنه إسماعيل، فالبناء هنا لا يحمل على البناء بمعنى التأسيس، وإنما الرعاية والسقاية وما شابه ذلك.
فلما نقول رجال بنوه يعني راعوه أشرفوا عليه، وليس بمعنى البناء الحقيقي، لأن قريش لم تبنه بناء حقيقياً، اللهم إلا ما حدث بعد قصة زهير بن أبي سنه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لما ندم، لكن زهير بن أبي سبق قد يكون لم يدرك هذه.
الواقعة، فقوله: رجال بنوه، يعني رجال رعوه واهتموا به واحتفوا به من قريش ومن وجههم. طبعا جرهم هذه قبيلة إسماعيل عليه السلام التي تزوج منها إسماعيل، وقريش هي قبيلة النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه يطوي بين اسم هاتين القبيلتين زمن كبير صحيح. يعني كم بين جرهم وقريش من المدة الزمنية؟ مدة كبيرة جدا صحيح، جرهم أيام إبراهيم عليه السلام وإسماعيل، وقريش متأخرة جدا عنها زمنيا، فكانه يريد أن يقول هذا البيت تم رعايته كابرا عن كابر بدءا من جرهم إلى من توارث رعايته حتى وصل إلى من، حتى وصل إلى قريش. فبين قريش وجرهم مسافة شاسعة من الزمان طوال على هذا البيت أفاضل وأصحاب، رووه، رعوه واهتموا به وقاموا بخدمته.
إذا وهذا يدلك على الاحتفاء بالبيت، أنه هذا البيت يطوف حوله رجال أشاوس، هؤلاء الرجال الأشاوس اهتموا برعاية هذا البيت وحمايته بدءا من جرهم وانتهاء بقريش، وهذا البيت يتوالى عليه الطائفون ويتوالى عليه الراعون. فهذا التعظيم للبيت المقصد به كل هذا التعظيم حتى يعظم المقسم عليه، فقال: فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم يمينا ما يعرف يمينا. مفعول مطلق لاقسمته، لكن مفعول مطلق معنوي، ما قال اقسمت قسما، قال اقسمت يمينا، فهذا مفعول مطلق.
إذا نلاحظ كيف عظم هذا القسم واحتفى به. اعطاك تمهيد أن الشيء المقسم عليه سيكون عاريا في الرفعة، فاسمعوا ما هو المقسم عليه. إذا فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهمي يمينا لنعم السيدان. وصيغة نعم في المدح هي أعلى صيغ المدح عند العرب، صيغة نعم في المدح يقولون هي أعلى صيغ المد عند العرب. نعم السيدة، واكتفى لم يمدحهما على شيء معين بل مدحهما على وجه العموم. نعم الرجلان، نعم الأسياد انتما، هذه قالوا أعلى صيغ المدح عند العرب لنعم السيدان.
وهذا يدل على أن رفعتهما في كل شيء، لم يخصها في شيء معين. واستعمل لفظ السيادة ليدل على السؤدد الذي ناله هذان الرجلان هرم بن سنان والحارث بن عوف: يمينا لنعم السيدان وجدتما. لماذا قالوا وجدتما؟ نعم يعني وجدت. ما معنى هذا؟ إيش أثبت ما بسما بجدارة؟ لنعم سيدان وجدتما. يعني ليس هذا زعما قيل عنكما أو شيء يروى لا دليل عليه، بل وجدتما كذلك لنعم سيدان وجدتما. وجدوكم الناس فعلا واقعا عمليا على هذه الأخلاق الكريمة والمناقب الشريفة العالية.
يمينا لنعم السيدان وجدتما، يعني أثبتتما أنفسكما فعلا في الواقع، مش بقول لك الميدان الميدان أثبت رفعتكما، وليس مجرد كلام تنظيري بل كنتما واقعا عمليا، ووجدكم الناس على هذه الخصال. لأنه بعض الناس ترى يمدح بالصفات لكن الحقيقة هي غير موجودة فيه وإنما أجداده يكون ورث صفات وهو لأنه من نسلهم يقولون فلان كريم، هو لا يؤثر ذلك في الميدان. لكن وصفوه كريما باعتبار من أجداد أن عندهم هذه الصفة، لكن لا هرم بن سنان ولا حارث بن عوف كسبهما لهذه الأخلاق ليس فقط من الأجداد من غير بالمرة، بل هما أيضا أثبتا أنفسهما في الميدان وفي الواقع أنهما نعم السيدان حنكة وتصرفا ومروءة وأخلاقا فهمتم.
إذا فكلمة وجدتما أراد أن يبين فيها أنهما أثبتا أنفسهما فعلا في الواقع بالصفات العالية، وليس مجرد شيء ورثوه ولكن لم يثبتوه واقعا. نعم. ما فهمت؟ هو نفسه ونفسه، أقصى ما يقسم تقول اقسمت قسما، فهو ما قال اقسمت قسما، قال اقسمت يمينا. قال اقسمت يمينا، فاليمين هنا مفعول مطلق لفعل يتعلق بماذا باليمين؟ بدك ترجع للفعل من يمنا، نعم ترجع للفعل، أصلها يمينا الفعل يامنى يمنى ويمينا. نعم.
ها هو يقول على طريقة البلاغيين، نزل الجاهل منزلة المنكر فأكده من قبيلة كما مر معنا في البلاغة تنزيل الجاهل أو المقر تنزيلها المنكر. لكن هنا نزلهم منزلة المنكرين، لأنه يريد أن يفخم من شانهما. يعني كأنه يخاطب أناسا منكرين لهذه العظماء، فيقول أقسم بالله أنهم السيدان، وليس كلامي مبالغة، أو قد يكون مثلا من يخاطبهم يعرفون أن لهم هذه المكانة، لكن يقولون أنت يعني زودتها، رفعتهما لمكان فوق مكانتهما. فهو يقول لا، أنا لم أرفعهما لمكان فوق مكانتهما بل هذا واقع عملي أثبتاه بجدارتهما أنهما في مكانة عالية جدا.
تمام، فهو إذن يخاطب أناسا قد يكون المقرين بأصل الأخلاق الكريمة لهما، لكنهما أنكروا بلوغهما لهذه الدرجة العالية، فهو يرد إنكارهم على البلوغ، أو كما قلنا نزل المقر منزلة المنكر، نزل الموقر منزلة المنكر ليزيد الموطن فخامة وملئا بالمشاهد. طيب إذن لنعم السيدان وجدتما، على كل حال من سحيل ومبرم. السحيل هو الحبل المفتول فتلة واحدة، الحبل إذا فتلت فتلة واحدة يسمى إيش سحيل. وأما الحبل إذا فتلت فتلتين يسمى ماذا؟ مبرم، يسمى ماذا مبرما.
فالسحيل هو الحبل الذي فتل فتلة واحدة، يعني جديلة واحدة، والمبرم هو الحبل الذي فتن على جزيلتين فهو أحكم. ولكن هنا بالتأكيد السحيل ومبرم كناية عن أشياء، ما هي؟ السحيل كناية عن زمن الرخاء، والمبرم قالوا كناية عن زمن الشدة والصعوبة. فهو ماذا يريد أن يقول: فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهم يمينا لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم. يعني أثبتتما أنفسكم بالكرم والجود والأخلاق الرفيعة في جميع الأحوال، في حال الرخاء كنتم أصحاب مروءات، وفي حال الشدة اللي هي حالة المبرم كنتم أصحاب مروءات.
وبعض الناس أحبابي الأخلاق الكريمة تظهر عنده فقط في وقت الرخاء صح، ولا تظهر في وقت الشدة، كثير من الناس تعامل بتقول والله ما شاء الله عليك أخلاق ممتازة لكنك ما جربتوش. إذا عصبت إذا عصب تقلب كل أخلاق وكل تصرفات وكل اللي عنده يظهر في حال الغضب. فيقول لك هذان السيدان أثبتا أنفسهما بالأخلاق الرفيعة في كلا الحالتين، في حال الرخاء الأخلاق الرفيعة والمروءات موجودة وهي حالة السحيل، وفي حالة الشدة والحرب أيضا الأخلاق الرفيعة موجودة. وهذا يدل على اكتمالهما في الشرف والأخلاق، أنهم لا يتغيران، لا تتغير طباعهما ولا أخلاقهما في حال الرخاء عن حال الشدة.
فإذا قال: لنعم السيدان وجدتما على هذه الأخلاق الرفيعة على كلا الحالين، في حال الرخاء أخلاقكم الرفيعة موجودة، وفي حال الشدة بقيت أخلاقكم الرفيعة موجودة، وهذا يدل على تأصل وتجذر في الأخلاق الرفيعة. لأنه الإنسان الذي أخلاقه الرفيعة لا تكون متجذرة تظهر في حال الرخاء لكنها تتغير في حال ماذا الشدة والصعوبات. فهذا يدل على تمكنهما من هذه الأخلاق الرفيعة: فاقسمت بالبيت الذي طاف حوله رجال بنوه من قريش وجرهمي يمينا لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم.
طيب الآن اللي بيدرسوا معانا الشباب بلاغة، هل هذا البيت فيه إلتفات؟ أين الالتفات الذي وقع في البيت 15؟ البيت 17. في البيت 15 كان يتكلم عن شخصين غائبين، صح ساعة ساعية غير ابن مرة بعد ما تبزل ما بين العشيرة بالدم، في بيت 17 إذا هو كان يتكلم عن هرم بن سنان ولا حارث بصيغة الغيبة. في بيت 17 أصبح يتكلم بصيغة الخطاب فقال: يمينا لنعم السيداني وجدتما، كأنه أخذ يخاطبهما. وهذا الالتفات درسناه المحاضرة السابقة في البلاغة، أهميته تنشيط السامع للأصغاء، هذه كنكتة عامة تنشيط السامع للأصغاء، أنه كان يتكلم عن غيظ بن مروان بن سنان كأنهما في الغائب. الآن في بيت 17 أصبح يتكلم كأنه يخاطب، لأنه السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم، تداركت مكانة يخاطبهما وكأنهما حاضرين أمامه، فهذا انتقال من الغيبة إلى الخطاب. وهذا أسلوب من أساليب الالتفات الذي المراد منه تنشيط السامع للأصغاء ولفت الانتباه، وقد أنت تركز فتخرج منه أيضا مقاصد خاصة بهذا الموضع.
نعم، ما هيكلمه ممكن، كما قالنا الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد. فهذه نقطة نكتة نبنيها على ما ذكرناه في سورة الفاتحه، أنه لما عظم شانهما وكبر أمرهما كأنك تشوفت لأن تخاطبهما خطابا مباشرا، قد نقول هذا من النكات الخاصة في هذا الموضع. جميل، طيب إذا هنا في هذا البيت بيت 17 تكلم عن أخلاقهما في الجملة: لنعم السيدان وجدتما على كل حال من سحيل ومبرم.
الآن هذان السيدان هاني بن سنان وغيظ من الحارث بن عوف لهما أخلاق كريمة تظهر في هذا الرخاوة وفي حال الشدة. ومن نماذج هذه الأخلاق سعيهما لرأس الصدع بين عبس وذبيان، فكأن البيت 17 عام، البيت 18 فيه شيء من الخصوصية، كأنه في البيت 17 يمدح مدحا عاما: يمينا نعمة السيدان وجدتما بالأخلاق الرفيعة في كل حال من سحيل ومبرمي. الآن في بيت 18 يعطيك نموذج من نماذج هاي الأخلاق الرفيعة، قال: تداركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا ودقوا بينهم عطرا منشمي. يجوز أن تقول منشمي ومنشمي على خلاف اسم المرأة.
الآن نبدأ بالكلمة وهي الكلمة الجوهرية في البيت: تداركتما. التدارك يدل على ماذا؟ أن هناك شيء سيفوتك وأنت تتداركه قبل أن يفوت. وهذا يدل على أن الأمور وصلت إلى أعلى مواصلها بين القبيلتين في الدماء، أن الأمور وصلت إلى أعلى المواصل وكانت كل قبيلة تفني القبيلة الأخرى. فهما هرب من سنان ولا حارث بن عوف تدارك الأمر في نهايته بعد أن كان يخرج الأمر عن السيطرة تماما. فكلمة التدارك تدل على أنك عم تلحق شيء الحوق في آخر أمره قبل أن يتفاقم.
تداركتما عبسا وذبيان القبيلتان المتنازعتان بعدما تفانوا. تفانوا على وزن تفاعل صحيح، ومعناه أن كل طرف يفني الطرف الآخر تفانوا. لكن هل هذا الفناء كامل؟ لا، لأنه قال تداركتما، فهذا يدل على أنهما ليس فناء كاملا، لأنه كان فناء كاملا خلاص ما فيش عادي يصلح، يعني ما فيش عادي يصلح بين قبيلتين كل واحدة منهما أفنت الأخرى فناء تاما. وإنما يدل قوله تفانوا على أن عدد كبير من كل قبيلة قد هلك، عدد كبير من كل قبيلة قد هلك، فانزله منزلة ماذا؟ أن الجميع فني. وإلا في الواقع ليس الجميع فني، بين من سيتم الصلح؟
فقوله إذا تفانوا، أي قرب فناء الجميع يمكن نقول هكذا، أنه اتفانوا صيغة التفاعل أولا تدل على أن كل طرف أفنى الطرف الآخر، هذه دلالة صيغة التفاعل. وهنا هذه المراد أنهما تفانى وتفانيا تاما؟ لا، المراد كثر فيهم القتل حتى كأنه أصبح فناء كاملا، وإن لم يكن وصل إلى هذه المرحلة. إذا تفانوا أي قرب فنائهم، فهم أدركوهم قبل أن يحصلوا الفناء التام. قال: ودقوا بينهم عطر منشمي. ما هو عطر منشم؟ يقولون هذه منشم امرأة كانت تبيع العطور أيام الجاهلية، ممتاز، امرأة من خزاعة من قبيلة خزاعة كانت تبيع إيش العطور.
فهناك قوم في التاريخ القديم قبل قصة عبس وذبيان، هناك قوم من الجاهليين تحالفوا على أن يدخلوا في حرب وألا يخرجوا منها، أما أن يموتوا واما أن ينتصروا. وحتى يؤكدوا هذا الحلف بينهم على الدخول في الحرب، وضعوا يديهم في ماذا؟ في عطر هذه المرأة، هذه المرأة وضعت لهم عطرا في وعاء وهم غمسوا أيديهم في هذا العطر جميعا تحالفا منهم على القتال حتى الموت. فاصبح طبعا ما الذي حدث؟ قالوا ذهبوا إلى المعركة ولم يعد منهم أحد، ذهبوا إلى المعركة ولم يعد منهم أحد. فأصبح عطر منشم عطر تتشائم به العرب لكل من دخل في شيء ولم يخرج منه إلا بالهلك، اصبحت العرب تتشائم بعطر هذه المرأة.
أصبح يضاف إليه يقولون عطر منشم لدلالة القصة التاريخية أن أقواما تحالفوا على الدخول في حرب وألا يخرج منها إلا بعد أن ينتصروا أو يموتوا، وحتى يؤكدوا هذا الصلح غمسوا يديهم في ماذا؟ في عطر هذه المرءة، كانت وضعت العطر في وعاء غمسوا أيديهم في هذا الوعاء كناية يعني خلاص للموت. وخرجوا إلى المعركة فلم يعد منهم أحد، فأصبح نذيرا كل من يعني كل فكرة شؤم وأن هناك هلاك وأنه لن يعود أحد أو لن يتخلص أحد من هذا الهلاك، يعبر عنه بأنه دق يديه في عطر منشب. هكذا يقولون أصبح كأنه مثل عند العرب، إذا قالوا فلان دق يده في عطر منشب كناية عن ماذا؟ أنه ذاهب إلى الفناء والهلاك ولن يخلص منه أبدا.
فقوله: تباركتما عبسا وذبيان بعدما تفانوا، إكاد كل فريق منهم يفنى الطرف الآخر. ودقوا بينهم كأنهم وزعوا بينهما، دقوا بينهم إيش يعني دقوا بينهم؟ قبيلة عبس أخذت شوي من هذا العطر، وقبيلة ذبيان أخذت شوي، وكل واحد غمس سيده فيها. وكان كل قبيلة تحالفت أما أن تموت أو تهلك القبيلة الأخرى. فهذا دلالة الشؤم الشديد أنهم دقوا بينهم وزعوا بينهم هذا العطر، وكل قبيلة أخذت جزءا منه ووضعت يدها فيه كناية عن أنها ستقاتل حتى آخر نفس من أنفاسها. وهذا كله دلالة على التشاؤم وعلى تفانيهم في هذه الحرب وحرص كل طرف على أن يفني الطرف الآخر.
إذا تداركتما، يعني هو يعطيك المرحلة التي وصلت إليها الحرب. متخيلين مرحلة وسطها إلى الحرب مرحلة عالية جدا، كل قبيلة تحالفت على الموت لدرجة أنهم غمسكات، طبعا هذا ليس واقعا أنهم غمسوا يدهم، ولكن هو تشبيه بهذه الحالة كان كل واحد منهم وضع يده وغمس يده في ماذا؟ في عطر منشمي، غمسوا أيديهم في عطر منشمي كناية أن كل قبيلة استعدت للقتال حتى الموت وبدأت كل قبيلة تفني القبيلة الأخرى. في خضم هذه الأزمات كان الله أخرج لهذين القبيلتين هرم بن سنان والحارث بن عوف ليتدارك الأمر قبل فوات الأوان. شوفوا كيف يتم رسمه من خلال هذه الألفاظ. نعم.
الان هذا العطر أحباب الكرام قد يكون أصلاً، خليني أذهب يعني أقف قليلاً، هذا العطر قد يكون ومثل القطع المسك التي تدق يعني ليس شرطاً أن يكون سائلاً، أنا الذي فهمته من كلمة دق أنه هذا العطر لم يكن سائلاً وإنما عطر يطحن ثم يوضع، فهم اخذوا قطعة من هذا العطر من هذه المرأة ودقوها ووزعوها بينهم، فهمت قديماً عند العرب العطر قد يكون تعرف حجر المسك هذا كيف كانوا يتعطر به؟ كان يدق ثم بعد ذلك تبدأ تمسح به ممتاز، فالذي يظهر لي أنهم دقوا بينهم عطر منشمي أنه هذا العطر هو عبارة عن شيء كتلة تمام تم دقها وأخذ قسم من هذا الفتات لقبيلة عبس وقسم من هذا الفتات رحلة قبيلة من ذبيان ووضعوه في وعاء وهؤلاء وضعوا أيديهم في هذا الوعاء وهؤلاء في هذا الوعاء، هذا كله رسم لمشهد ماذا؟ أنت أريدك تتخيل المشهد الذي يرسمه مشهد التفاني في الحرب وحرص كل طرف على أن يخرج منها منتصراً وكل طرف يحاول أن يفني الطرف الآخر، مشهد مليء بالدماء مليء بمشهد الحرب التي تصعدت وخرجت عن السيطرة.
من الذي جاء منقذاً في اللحظات الأخيرة؟ تداركت ما جاء هرم بن سنان والحارث بن عوف في اللحظات الأخيرة ليتدارك الموقف. تدركتما عبس وذبيان بعدما تفانوا أي قارب كل فريق منهم أن يفني الطرف الآخر ودقوا بينهم عطر منشمي وكأنه هذا العطر تم دقه وكل قبيلة أخذت قسم منه ووضعت يدها فيه كناية عن أنها ستدخل في الحرب إلى نهايتها، فهذا دلالة أن الموقف الذي خرج به هارب بن سنان والحارث بن عوف كان موقف شريف جداً لأنهم أدركوا هذين القبيلتين قبل أن تنتهي قصتهما في التاريخ، طيب نذهب إلى البيت الذي يليه قال: وقد قلتما، وهذا حديث جرى بينهما في أنفسهما في داخل أنفس وإن عبر عنهم بالقول: وقد قلتما أن ندرك السلم واسعاً بمال ومعروف من الأمر، نسمي هذا شيء جرى في أنفسهما من حديث النفس، ماذا كانوا يقولون في أنفسهم هارب بن سنان والحارث بن عوف؟ كانوا يقولون: أن ندرك السلم واسعاً، طيب هنا كلمة أن لابد نبحث في دلالتها وكلمة واسعاً لابد نبحث فيه دلالته أيضاً، ما معنى قوله: أن ندرك السلم واسعاً؟ نزل شيخ الكاميرا.
ما معنى خلونا نركز على كلمة واسعة؟ أظن الكلمة الأساسية في هذا البيت: وقد قلتما في داخلكما إن استطعنا أن ندرك السلم والصلح واسعاً، ما معنى واسعاً؟ البعض قال واسعاً يعني صلحاً يشمل كل القبائل المتناحرة عبس وذبيان وأحلاف عبس وأحلاف ذبيان، أي إن استطعنا الوصول إلى حلف عفواً إلى سلم واسع، واسع يعني يسع الجميع عبس وذبيان ومن والى الأحلاف لعبس والأخلاق لذبيان، والبعض قال واسعاً يعني الحلف ممكناً، البعض قال كلمة واسعة معناها ماذا هنا؟ حلف ممكن وهو الحلف أو السلم الوثيق الغير مهزوز، في حالة سلم بتكون هشة قابلة للانقباض في أي لحظة وفي حالة سلم واسع، ما معنى السلم واسع على القول الثاني؟ السلم الممكن الموثق الذي يصعب أن يخدش ليس هشا، فإذا هناك تفسيران لكلمه واسعاً: وقد قلتما أن ندرك السلم واسعاً، إما واسعاً بمعنى يشمل الجميع أو واسعاً بمعنى ايش ممكناً متيناً وليس سلماً هشاً قابلاً للزوال، وقد قلتما إذا في أنفسكما أن ندرك، لماذا استعمل إن وليس إذا؟ ما الفرق في اللغة بين استعمال إن الشرطية وإذا الشرطية؟
نعم إن الشرطية تدل على تشكيك وهذا مر معنا في البلاغة سابقاً وإذا تدل على جزم، فهذه يدل على أنهما شعرا أن المهمة صعبة بعد هذه الحرب الشرسة أربعين عام داحس والغبراء كان في نوع من اليأس صحيح، نوع من التشكك هل نستطيع فعلاً أن نصل إلى حالة سلم كامل بعد حرب أربعين سنة؟ حقهم أن يشكوا هل فعلاً نستطيع أن نصل إلى حالة سلم دائم متمكن أو لا نستطيع؟ فلأنهما كانا شاكين استعمل اللفظة التي تدل على الشك وهي ماذا؟ إن الشرطية، وقد قلتما أن ندرك، لعلنا لعلنا المنكر خلينا نجرب، ولكن هو هل كانا واثقين من نجاح الخطأنا بعد أربعين سنة؟ أجيال مليئة بالحقد والدماء والقتل فليس بالأامر السهل إقناع قبيلتين بعد أربعين سنة معركة بينهما أن تعود القلوب صافية وتلتئم الجراح، لكنهما سعيا وبجهدهما وقال في أنفسهما أن ندرك السلم واسعاً، بماذا سيدركان السلم؟ حالة الأمن بشيئين بمال ومعروف من الأمر، وفي رواية ومعروف من القول، وهذا يدل أنهما لا يريدون السلم فقط بالمال بل يريدون سلماً أيضاً بالقلوب والأقوال صحيح، لذلك قال أن ندرك السلم بأموالنا وماذا وأقوالنا بأموالنا وأقوالنا وأفعالنا، لذلك قال ومعروف من الأمر لأن الجراح لا يمكن أن تذهب بها فقط الأموال، الجرح الذي يكون بين القبيلتين لا يذهب فقط بالمال لابد من صنائع المعروف لابد منا يعني وسائل ولابد من جلسات ولابد من حوار ولابد من كلام ولابد من هدايا وصنائع معروف تتبادلها القبيلتان حتى تعود القلوب متصافيه، وإلا مجرد المال لا يهدئ نار الثار لا يهدئ نهر الثار وهذا من حكمتهما، فقال أن استطعنا أن ندرك سلماً مكاناً، هذا السلم الممكن لن يوصل إليه فقط بالأموال بل لابد من ماذا من صنائع المعروف بين القبيلتين، لذلك ركز على هاتين القضيتين تمام.
يا رب اخواني على البث المباشر سيغلق الهاتف خلاص شحنه يا رب في شاحنة مع عبد الرؤوف آه شاحن بس بدي إياه يكون قريب من هنا، طيب إذاً وقد قلتما أن تدرك السلم واسعاً، فهمنا ما معنى واسعاً هنا؟ خلوها على معنى ممكناً أي ندرك سلماً متيناً، وهذا السلم المتين يحتاج إلى أمرين أحبابي إلى مال تدفع به الديات وإلى صنائع معروف تتبادلها القبيلتان، وقد قلتما أن ندرك السلم واسعاً بماذا؟ ومعروف من الأمر نسل، فنسلم جواب الشرط أن ندرك السلم واسعاً بماذا معروف ان اسلمي، فالوصول إلى حالة السلم يحتاج إلى قرار، الوصول إلى حالة السلم يحتاج إلى قرار قرار بدفع الديات وقرار بماذا بإصلاح الوشائج من خلال المعروف المتبادل بين القبيلتين، طيب ممتاز.
قال فاصبحتما نذهب إلى بيت عشرين، قال فاصبحتما الآن هذا الكلام هو كأنه يريد أن يقول ماذا؟ هو يعطيك الخطوات الأولى التي اندلعت فيها شرارة الإصلاح في قلب هارب من سنان ومن الحارث بن عوف، وهو يقول لك ما الذي حدث في قلوبهما؟ هذان الشخصان كان جالسين ويتأملان هذه الحرب المتعبة التي أعبت عبس وذبيان، فقالا في أنفسهما لو أننا استطعنا أن ندرك السلم بين هاتين القبيلتين من خلال المال وصنائع المعروف، فكان في البداية مجرد ايش حديث نفس جرى في داخل هارب من سنان ولا حارث بن عوف، هل ترجم حديث النفس على أرض الواقع؟ نعم فهمتم؟ هو عم بيعطيك الخطوة الأولى التي انقضحت فيها فكرة الإصلاح، كان هارب من سنان جالس مع نفسه والحارث بن عوف كان جالس مع نفسه، فكانوا يخاطبني أنفسهما فقال في أنفسنا لو أننا استطعنا أن ندرك السلم بين هاتين قبل أن يتفانوا تماماً، فكانت هذه القداح لهذه النار، هل ترجمها فعلياً؟ نعم.
فايش قال في البيت عشرين؟ قال فاصبحتما، وكلمة أصبحتما الإصباح يدل على ماذا؟ على الإنارة والاشراق بعض ظلمات الحرب، فاختار الإصباح وسيكرر كلمة الإصلاح في الأبيات التي ستأتي معنا ليدل على أنه صبح بعد ظلام صبح بعد ظلام الحروب، بعد الدماء التي غطت كل شيء سياتي الصباح سياتي الضياع على يد هذين الرجلين، قال فاصبحتما منها على خير موطن بعيدين فيها من عقوق وماثمي، الضمير في منها وفيها يعود على ماذا؟ نعم لا بعيد الحرب بالعكس، الضمير في منها وفيها يعود على الحرب المفهومة من ضمن السياق السابق فاصبحتما منها أي من هذه الحرب على خير موطن بعيدين فيها أي بعيدين في هذه الحرب من عقوق وماثمي، ويعطيك الخطوات التي فعلها هذان الرجلان لأنهما أصحاب سلم ويكرهان الحروب والدماء، ماذا فعل خلال مدة الحرب أين وضع أقدامهما هرم بن سنان والحارث بن عوف؟ هل وضع أقدامهما داخل الحرب وشارك في القتال؟ لا.
قال فاصبحتما منها على خير موطن عرفتم أين تضعون أقدامكم خلال مدة الحرب، اليوم أي قبيلتين أو حيين أو دخلت بينهم الشياطين يشارك الإنسان ظالماً أو مظلوماً لا يهتم، الإنسان العاقل يفعل كما فعل هرب بن سنان لا يقحم نفسه في قتال إلا قتال محسوب العواقب وله غاية شريفة، أما القتال الذي ليس له غايات شريفة فانه ينأى بنفسه عنه، إذاً فاصبحتما منها على خير موطن أي وقفتما على أفضل موقف يمكن أن يقف الإنسان، كيف قال بعيدين فيها؟ كأنه هذا تفسير لخير موطن قوله بعيدين فيها تفسير لهذا الموطن الخير فاصبحتما منها على خير موطن بعيدين فيها في هذه الحرب من عقوق وماثمي، العقوق يكون بين الأرحام صحيح، العقوق يكون بين الأرحام وعبس وذبيان أرحام ولاد عمومة فقال أنتما ابتعدتم عن العقوق فلم تقطعوا أرحامكم كما فعل إخوانكم ولم تكسبوا إثماً بسفك الدماء البريئة، فاختار العقوق لأنه دلالة على أنهم لم يقطعوا أرحامهم واختار الماثم دلالة على أنهم لم يسفكوا دماء بريئة.
وفي الحروب الطاحنة للأسف تذهب كثير من الدماء البريئة التي ليس لها علاقة، فهنا حقيقة التعبير جميل أن الموقف الموفق الذي أخذه هرب بن سنان والحارث بن عوف موقف العزلة والابتعاد عن ماذا عن الحرب، فابتعد فاصبحتما منها على خير ابتعد ووقف على أفضل مكان، ما هو هذا المكان؟ بعيدين فيها ابتعد عن العقوق وقطع الأرحام وابتعد عن الماثم بزفك الدماء البريئة، هذا الموقف هو ابتعادهما عن المشاركة في الحرب هو الذي في الحقيقة سهل الاستعانة بهما لحالة السلم، لأنهم لو كانوا مشاركين في الحرب ويدهم تلطخت بالدماء القبيلة الثانية لن تقبل الصلح على أيديهما ليه؟ سيقولون لهم أنتم أيضاً أيديكم ملطخة بدماء إخواننا، لكن وقوف هرب بن سنان ولا حارث بعيداً عن أجواء الحرب جعل لهما صلاحية وقدرة على الدخول في ماذا في الصلح وأن يمونو خلنا نقول بين القبيلتين، وإلا لو كانا مشاركين في الحرب لما قبل تدخلهما لأن يدهما متلطخة بالدماء البريئة اليس كذلك؟ فهذا الموقف موقف جيد أنهما رفض الدخول في الحرب ابتداء سهل عليهما القيام بالصلح بعد ذلك.
إذاً وقد قلتما أن ندرك السلم واسعاً، فاصبحتما منها على خير موطن بيتان مترابطان أنهما ابتداء يعني كانا يحدثان أنفسهما بإيقاع السلم من خلال المعروف وصنائع الخير والمال، وفعلاً حتى يستطيعان تحقيق هذا السلم الذي أحباه ورغبا به من البداية وقفوا على غير موطن بعيدين عن العقوق والماثم فلم يشاركوا في الحرب، ثم مدحهما فقال كأنه تفاعل أكثر وأكثر أني اخذته الحمية زهير لمدح هذين الشخصين فاصبحتما منها على خير موطن بعيدين فيها من عقوق وماثمي عظيمين عظيمين ما إعرابها؟ خبر لايش خبر ثالث لأصبحتما لأن هنا أصبحتما اصبح من أخوات كان خبرها الأول ما هو أصبحتما على خير موطن، هذا الخبر الأول بعيدين فيها من حقوق ومآثم هذا الخبر الثاني عظيمين في عليا معد هذا الخبر الثالث.
فاصبحتما عظيمين في عليا معد ومعد أحباب الكرام هذا من آباء العرب الأقدمين من آباء العرب الأقدمين هذا قبل قيس عيلان والياس بن مضر وقبل مضر هذا بدك ترجع إلى الشجرة الأولى التي بعد عدنان تمام هذا من أجداد العرب الأوائل، فلما يقول أصبحتما عظيمين في عليا أي على راس هرم معد هو كأنه يتجاوز بشرفهما مضر تمام وتجاوز بشرفهما كل العرب ليصل إلى أوائل العرب، فكانه ماذا يريد أن يقول؟ الآن نحن قلنا غطفان من قبيلة ايش قيس عيلان صحيح، وقيس إلى مر معنا من جماعة مين مضر ومضار بدك ترجع فيها لعدنان اللي هو أصل العرب معد، هذا من أحفاد عدنان ممتاز يعني من اصول العرب، فلما هو يقول لهرب بن سنان والحارث بن عوف أصبحتما عظيمين في عليا معد هو لا يقارنهما فقط برجالات قيس عيلان لا يقارنهم بمفاخر رجالات مضر لا لا هو أعاد بهما قبل ذلك، أنتما سجلتما أسمائكما في التاريخ العظيم ليس فقط في تاريخ قيس عيلان وليس فقط في تاريخ مضر بل في تاريخ العرب جمعاء بل في تاريخ العرب جمعاء بدءاً من من معد وهو من أجداد العرب الأقدمين جداً، فكانه جعلهما من عظماء العرب في الجملة ليس عظماء قيس فقط ولا عظماء مضر بالعظماء العرب تاريخياً بهذا الموقف العظيم الذي بذلتما، لاحظوا إلى أين رفعهما إلى المكان العالية جداً فقال عظيمين في عليا معد كأنهما تربعتما على العلياء في تاريخ العرب عظيمين في عليا معد أي تربعتما على العلياء في تاريخ العرب وأعادهم إلى جد العرب القديم اللي اسمه معد، هذا معاد اسم شخص هذا اسمه شخص هو من أجداد العرب الأقدمين قبل نعم نفتح الجوال قبل مضار وققبل القبائل هذه التي انتشرت في جزيرة العرب.
فكانه يقول لهما إنكما تربعتما على عرش الشرف في تاريخ العروبة جمعاء وليس في تاريخ فقط قبيلة معين نعم، فقط دعونا نفتح التليجرام ومفتوح كأنه الصوت، طيب أظن أن الصوت الآن عاد بإذن الله لإخواننا على البث، طيب الآن لما رفعهما هذه الرفعة لما قال أنتما عظيمين في تاريخ العرب عموماً، كان شخص اعترض عليه يقول هل فعلاً وصل هارب بنزينان والحارث إلى هذه المرتبة؟ نريد برهاناً أقنعنا أقنعنا أنهما يستحقان هذه المرتبة العظيمة التي أوصلتهما إليها جعلتهما عظيمين في عليا معد، طبعا هنا ايش قال في الرواية التي عندنا خلونا نعود فقط قليلاً قال عظيمين في عليا معد وغيرها وفي رواية أخرى عظيمين في عليا معد هديتما على.
الرواية التي بين أيديكم لما قال عظيمين في عليا معد، وغيرها هذا يدل على أنهما على أنه جعلهما عظيمين ليس فقط عند العرب، بل عند العرب وغير العرب؛ لأنه قال معد وغير معد، وهذا تفخيم أكثر وأكثر لهما. أصبحتما عظيمين على المستوى العالمي، كيف تقول لك أصبحتما عظيمين على مستوى عالمي يتجاوز معد وغير معد؟
طيب، على الرواية الثانية عظيمين في عليا معد، هديت، ما تكون هديت ما؟ جملة معترطة فيها تودد وتحبب وتلطف من زهير لهذين الشخصين، عظيمين في عليا معد هديت، يعني ما شاء الله عليكم، يعني ربنا معطيكم هداية منور طريقكم، فيكون جملة معترضة فقط. لكن هذه الرواية أفخم، عظيمين في عليا معد وغيرها، يعني انتما بلغتم السؤدد ليس فقط حتى على مستوى العرب، بل على مستوى العرب والعجم، على مستوى عالمي جداً، أصبحتما مشهورين في هذه الأخلاق. طبعا هذا تفخيم عالي، وإغراق في التفخيم، فكان هناك من طالبه بالدليل، يعني كيف رفعتما إلى هذه الرفعة؟ قال: وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزًا مِنَ الْمَجْدِ يَعْظُمِ.
يعني لست أنا من ادعيت لهما هذه المرتبة العظيمة، بل الإنسان الذي يستبيح كنوز المجد يستحق فعلا أن يصل إلى هذه العظمة. لاحظوا التعبير ومن يستبح كنزا من المجد يعظم، الاستباحة تدل على ماذا؟ أنك تأخذ الشيء كما تشاء، وتنهل منه كما تشاء. مش تقول دخلت على هذه القرية فاستبحتها؟ استباح أعراضها، هكذا يقولون. الاستباحة تدل على أنك تأخذ بدون قيود، بدون شيء يفرض عليك أن تأخذ كمية محددة. هذا معنى الاستباحة، استباح الشيء يعني أخذه ونهل منه بدون وجود أي قيود عليه في أخذه وغرفه، فهذا يدل على أنه ما استباح كنزا من المجد. كيف استباح كنوز المجد؟ التعظيم، ويجعل عظيما في عليا معد وغيرها.
فقوله ومن يستبح كنزا من المجد يعظمه، قالوا هذا اقناع وبرهان، لماذا رفعتهما عظيمين في عليا معد؟ لماذا جعلتهما عظيمين في عليا معد وغيرها؟ لأنهما يستحقان ذلك. لماذا؟ لأنهما استباحا كنوز المجد، ومن استباح كنوز المجد استحق أن يعظم ويرفع إلى هذه المرتبة. فهذه يسمى أسلوب اقناعي، الإقناع بعد وجود اعتراض لما قال عظيمين في عليا معد وغيرها، كان هناك من يعترض: أنت كيف رفعتتهما فجعلتهما على مستوى عالمي؟ فقال: ومن يستبح كنزا من المجد يعظمه. هم اللي فرضوا أنفسهم، هم اللي فرضوا أنفسهم في الميدان من خلال تصرفاتهم وأفعالهم، مش أنا اللي رفعتهم فوق منزلتهم التي يستحقونها، هم استباحوا كنوز المجد فعظُموا، هم دخلوا في المجد وانغمسوا فيه انغماسا فعظموا، وهذا يدل على الرفعة العليا والمكانة السامية التي نالها هذان الشخصان، على الأقل في عين زهير بن أبي سلمى. جميل هذا الوصف لهذين الشخصين.
فأصبحتما منها على خير موطن، بعيدين فيها من عقوق ومأثمي، عظيمين في عليا معد وغيرها، ومن يستبح كنزا من المجد يعظمي. اللي بيثبت نفسه في الميدان يفرض نفسه على الناس. هذه قاعدة في الحياة أحبابي، هي حكمة هنا شعر، لكنها حكمة: إذا فرضت نفسك بالعلم والمعرفة والعقل ستجبر الناس أن يعظموك جبرا عنهم. الذي يتسم دائما بالتصرفات الحكيمة والأخلاق الرفيعة يفرض نفسه على الآخرين. ولكن من يكون دائما متسرعا، متهورا، فظا، غليظا، متقلب المزاج يستهين الناس به ويتركونه، ولا يكون له مجد.
فاذا أردت أن يكون لك مجد، إذا أردت أن يكون لك بصمة في حياة أمتك، لابد أن تفعل كما فعل هذان الرجلان استباحة كنوز المجد. هذا التعبير جميل، استباحة كنوز المجد: أن تغرف من هذه الأخلاق، ومن هذه الصفات، ومن هذه الأفعال، ولا تتوقف عند حد معين. وكلما استبحت أكثر من كنوز المجد كلما فرضت نفسك على الواقع، وكلما ارتفعت. طبعا أنت لا يهمك كمسلم أن تكون عظيما في أعين الناس، يهمك أن تكون عظيما عند الله سبحانه وتعالى، وأن تكون منزلتك عند الله في أعلى العليين، وإن حصل مع ذلك عظمة في الدنيا فهذا تبع لا أصل، هذا تبع لا أصل جميل.
طيب، فأصبح، لاحظوا مرة ثانية استعمل الفعل ايش؟ أو الاصلاح الفعل الذي يدل على الإشراق. قال الآن بدأ بالإجراء العملي اللي اتخذوه هرم بن سنان والحارث بن عوف. احنا قلنا أول شيء صار في أنفسهم حديث أن ندرك السلم واسعا، فاتخذوا الموقف الأول وهو ماذا؟ النور، لم يشاركا في الحرب، ولم يلطخوا أيديهم بدماء أولاد عمومتهم. هذا ساعدهم على اتخاذ الموقف الثاني وهو ايش؟ أن ينهوا حالة الحرب، ويصلوا بالعشيرتين إلى حالة السلم من خلال تحملهما للديات.
فهنا جاء إلى قضية تحمل الديات. قال: فاصبح يجري فيهم، فيهم أي في القبيلتين في عبس ودبيان. فاصبح يجري فيه مؤمن، طبعا لماذا ما قال فيهما؟ قال فيهما؛ لأنه ياتي؛ لأن الذي ورث المال الأفراد، والأفراد جماعات، تمام؟ يعني صح عبس ودبيان قبيلتان، لكن الذي ورث المال هم أفراد القبيلة، فبالتالي الأصل أن يستعمل الجمع وليس التثنيه. فاصبح يجري فيه، أي في أفراد القبيلتين، كأنه يقول: فاصبح يجري فيهم تلادكم مغانم شتى من أقال المزنم.
فاصبح، الإصباح قلنا دلالتها الإشراق، مهم، يجري، والجري يدل على التتابع، فإنها يدل هذا على أن هذه الديات تتابعت، تجري جريانا وليست فقط شيء أخذ وانتهى، اصبح يجري لنا عبارة عن ايش؟ نوق، فهذه النوق تلد وتلد وتلد، فاصبح نسل هذه النوق يجري في ماذا في هاتين القبيلتين. قال: فاصبح يجري فيهم من تلادكم، التلاد هو المال القديم العتيق الذي ورثته من أجدادك، التلاد عكس الطريف، الطريف هو المال اللي أنت استحدثته، وأما التلاد هو المال القديم الذي أنت ورثته.
يدل هذا على أن هرم بن سنان والحارث بن عوف لما دفع النوق دفع نوقا شريفة عظيمة ورثوها من أجدادهم كابرا عن كابر. يعني هل هرم بن سنان والحارث بن عوف دفع أي نوع من أجل إنهاء المعركة؟ لا، هذه معركة شرسة أربعين سنة، بالتاكيد ليست أي نوق يمكن أن تاتي بحالة السلم، بل اضطر هرم بن سنان والحارث بن عوف إلى أن يدفعوا من أموالهم العتيقة، من نوقهم العتيقة التليدة التي ورثوها من أجدادهم.
فاصبح يجري في القبيلتين من أموالكم العتيقة مغانم، مغانم جمع ايش؟ فكان هاتين القبيلتين غنمت، غنمت أموال هرم بن سنان والحارث بن عوف. هاتان القبيلتان غنيتا أموال هرم بن سنان والحارث بن عوف مغانم شتى من أقال المزنم. الأقال جمع مفردها ما هو؟ الأثير والافيل ما هو أحباب الكرام؟ الافيل هو فصيل الناقة. فالأقال هي الفصائل. الأقال ما هي؟ هي فصلان الناقة الحوار يعني، أو أقرب وأصغر من الحوار يقولون. المهم أنه يريد أنهما دفع خيار أموالهما، وهذه الأموال التي يملكانها هي عبارة عن نوق لنوع معين من الفحول يسمى المزنم.
في هناك نوع معين من الفحول العربية يقولون هذا الفحل نتاجه جيد، إنتاجه في النسل ماذا؟ مميز، فخم، ايش اسمه؟ المزنم. فهو يقول أن هذين الشخصين هرم بن سنان والحارث بن عوف دفعا نوقا من أجل إنهاء حالة الحرب، هذه النوق ورثاها كابرا عن كابر. وما نوع هذه النوق وهذه الفصلان؟ هذه النوق وهذه الفصلان من أقال المزنم مغانم شتى من أقال المزنم. دفع أكرم النوق وأعلى النوق مواصفات، عبارة عن فصلان. هذه الفصلان تنحدر من من المزنم، وهو فحل عربي يقولون إن كل ما إنتاجه كان عظيما عتيقا كريما. وهذا يدل على أنهما هل دفعا أي مال عندهما؟ دفعا شريف مالهما، دفعا شريف مريم.
شوف كيف هذا التصوير! فاصبح يجري فيهم، ويجري في القبيلتين من أموالكم العتيقة اللي هي تلادكم مغانم شتى من أقال المزنم. هذه التلاد اللي أصبحت مغانم هي، لاحظ، هي كانت تلاد أصبحت مغانم؛ لأنه وزعت على القبيلتين، هذه التلاد، هذه المغانم ما هي؟ قال: من أقال المزنم، هي فصلان من أفخم الفصلان العربية تنحدر من هذا الفحل العربي المشهور بجوده الإنتاج اللي اسمه ايش؟ المزنم، اللي اسمه المزنم.
وهذا كما قلنا يدل على كريم الخصال عند هذين الرجلين، أنهما دفعا خير أموالهما من أجل إنهاء حالة الحرب الدائرة، وهذا لا يفعله إلا إنسان شريف. قال: تعفى الكلوم بالمئين. لما دفعت هذه التلاد وأصبحت مغانم للقبيلتين بدأت نار الحرب تسكن، وبدأت هذه الاموال كأنها هي التي تعفى، ما معنى تعفى؟ تغطى، تغطى الكلوم. الكلوم هي الجراحات والدماء، الكلوم هي الجراحات والدماء.
فقال: تعفى الكلوم بالمئين. يعني بالنوق المئين، وهذا يدل أنهم دفعوا ناقة ولا ناقتين؟ لا، دفعوا مئات النوق اللي من أقال المزنم. أنت متخيل؟ يعني إذا حكينا هذا أقال المزنم سعر الفصيل ألفين دينار، ثلاثة آلاف، اضرب لك في سبعمائة كم بيكون المبلغ اللي دفع؟ نتكلم نحن عن مئات الآلاف من الدنانير، مئات الآلاف من الدنانير بل يمكن تكون مليون دينار، يعني دفعهما هذان الشخصان. تخيل مبلغ مليون دينار يدفع لشخصين من أجل إنهاء حالة حرب بين قبيلتين، هذا يدل على أخلاق كريمة وإنسان عالي جدا جدا في صفاته.
حتى يغطي، قال تعفى الكلوم بالمئين، كأنه هذه كلما دفعت ووزعت هذه النوق تعفي الجراح وتطحى أن تغلق الجراح التي فتحت بين القبيلتين خلال سنوات الحرب. شوف تعبير تعفى تغطى تمسح، والكلوم هي ماذا؟ الدماء والجراحات. قال: فاصبح، شوف المرة الثالثة الذي يستعمل فيها الفعل ايش؟ اصبح، ليدل على حالة الإشراق، هذان الرجلان أتياب الإشراق، أتياب الصبح بعد ظلمة الحرب.
قال: فاصبح ينجمها. ما معنى ينجمها؟ يفرقها. مش نقول نزل القرآن منجما، أي جعل القرآن منجما أي مفرقا، فكانهم كانوا يدفعان هذه النوق على دفعات، دفعة بعد دفعة بعد دفعة. قال: ينجمها من ليس فيها بمجرم. ينجمها هذا البيت الرابع والعشرين، تفصيل البيت الثالث والعشرين، قال ينجمها قوم لقوم غرامه، ولم يهريقوا بينهم ملء محجم.
شوفوا ايش بده يحكي لك؟ هذان الشخصان من خلال هذه النوق اللي دفعوها بالمئات كانوا يقومون بعملية تغطية للجراح تعفى الكلوم بالمئين. فاصبح ينجمها يفرقها ويوزعها شخص وليس أصلا مجرما في الحرب. وهذا الشيء المؤلم الأكثر أن الأصل مين اللي يدفع الدية؟ المجرم. الأصل اللي يدفع الدية والنوق من هو؟ المجرم، الجاني هو الأصل هو الذي يتحمل الغرامة، لكن الأمر لم يكن هكذا.
ينجمها من ليس فيها بمجرم، اللي عم بدفع النوق هرم بن سنان والحارث بن عوف اللي مر معنا قبل قليل، فأصبحتما منها على خير موطن، بعيدين فيها من عقوق ومأثمي، مع أنهم لم يشاركوا في الحرب، وكانوا بعيدين فيها من حقوق ومأثمي ولم يهريقوا دماء. لكن في النهاية من الذي تحملت الدية؟ هم الاثنين. وهذا يشعرك بأنه في خصال كريمة، أن أنا ما لي علاقة بالموضوع ومع ذلك أنا الذي تحملته بالكامل. أن تكون أنت ليس لك علاقة ولم تجني ولم ترتكب خطأ، ومع ذلك تتحمل أخطاء فريقين، وتحملها مش بدينار ولا بدينارين ولا بعشره ولا بعشرين، بمئات الآلاف، بالملايين! هذا يدل على صفات كبيرة جدا عند هذين الشخصين.
كان منها على خير موطن، ومع ذلك هما اللذان نجماها، يعني فرق هذه النوق على القبيلتين من أجل وادي نار الحرب. هذه النوق على القبيلتين، قال: ينجمها قوم لقوم غرامة، هم خلص غرموها، قالوا في ذمتنا، جعلوها غرامة في ذممهم. قال: مع أنهم لم يهريقوا، لم يهريقوا يعني لم يريقوا، ولا زائدة هنا تزيدها العرب في الفعل أهراق، ولم يهريقوا يعني لم يريقوا بينهم ملء محجم.
بتعرفوا هذه تبعت المحجم؟ طبعة الحجام، هذه الطاسة التي يوضع فيها الدم. يقول هذان الشخصان لم يعبئس الدم كناية أنهما لم يشاركا في العرض، يعني كمية صغيرة من الدم ما أراقه، ومع ذلك المساكين يتحملوها وحدهم، مش يجي واحد يتحملها معهم، لا، هم تحملوها وحدهم، مع أنهم لم يريقوا مقدار فنجان من الدم، كأنها إلا محجم يعني مقدار فنجان من الدم لم يريقه، ومع ذلك رضوا بأن يدفعوا هذه الاموال كرامة إنهاء لهذه الحرب.
لاحظوا إذا هنا طبعا في هذا البيت الأخير انتهى المقطع الثالث، مقطع وصف كرم هرم بن سنان والحارث بن عوف، ولاحظ كيف يرسم لك المشهد بكل تفاصيله، بدءا من مدحهما ثم إخبارهما كيف فكر في إنهاء حالة الحرب، حالة الحرب مالا ومعروف. بعدين لم يشاركوا في الحرب ابتداء حتى يستطيع إيقاع السلم، ثم لما جاء وقت دفع الديات دفع من تلادهم من أقال المزنم، وأصبحت الكلوم تعفى بالمئين، ومن الذي يدفع هذه المئين؟ يدفعها أناس لم يشاركوا في الحرب ولم ينزلوا فيها قطرة دم، لم يملأوا منها بمقدار المحجم، ومع ذلك هم اللذان تكفلاها.
فهذا تعظيم وتفخيم لحال هذين الرجلين، لهذا المعروف الكبير الذي بذلاه، وهذه الأموال الجزيلة التي قام ببذلها في هذه الحرب من أجل إنائها مع أنهما في الحقيقة ليس آثمين ولم يشاركا فيها. فهمتم كيف هو يرسم المشهد؟ طيب، يا رب. كم الساعة؟
قال فما المبلغ... الإحلال في عني رسالة، خلاص هذا إذا نتركه إن شاء الله للمحاضرة القادمة بإذن الله، أنه يدخلون في فصل جديد، موضوع جديد، موضوع الرسالة التي سيرسلها زهير بن أبي سلمى للأحلاف أنه اتقوا الله في هذا الصلح الذي دفعت فيه المئات. يعني وبعد أن أخبر عن حالة الصلح وكيف تمت على يد هذين الرجلين يقول للأحلاف: اتقوا الله في هذا الصلح، لا تضيعوا صلحا دفعت فيه المئات من قوم لم يجنو جناية، كونوا على قدره واتقوا الله فيه. ثم سيتكلم عن قضية حصين بن ضمضم، هذا نتركه إن شاء الله للمجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل