بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمدُه سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
حياكم الله معشر طلبة العلم في المجلس الثاني من التعليق على هذه المعلقة؛ معلقة امرؤ القيس، والتي وضعنا لها عنوان حديث الذكريات. كما قلنا في المجلس السابق: كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي بسقط اللواء بين الدخول فحوملي فتوضح في المقراة لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال ترى بعر الأرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حب فلفل كأني غداة البين يوم تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظلي وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجملي وإن شفائي عبرة مهراقة وفي رواية: وإن سفحتها، فهل عند رسم دارس من معول كدأبك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بماسر إذا قامتا تطوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت بري القرنفل ففاضت دموع العين مني صبابَة على النحر حتى بل دمعي محملي
نقف عند هذا لنشرحه اليوم بإذن الله. بدأنا في المجلس السابق الحديث عن البيت الأول: كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي، وقلنا هناك مطلع تاريخي ابتداه امرؤ القيس. ما هو؟ ما هو الشيء الذي فعله امرؤ القيس ولم يفعل قبله هو؟ أحسنت، ربط الوقوف بالبكاء؛ فإنها قبل امرؤ القيس من الشعراء وقفوا على الأطلال، وبعضهم بكى على الأطلال، لكن الجمع بين الوقوف والبكاء، وأن يكون البكاء من أجل الذكريات، هذا شيء استحدثه امرؤ القيس وتوالى عليه الشعراء بعد ذلك.
كيف نبكي؟ ثم تكلمنا عن عناصر الذكريات عند امرؤ القيس. الذي يهيج الذكريات عند امرؤ القيس -عمران، ما هي عناصر الذكرى؟- أحسنت، الحبيب والمنازل. والحبيب قلنا كلمة عامة تشمل كل حبيب أحبه، من النساء والصيد والفرس وكل الحياة الجميلة الممتعة التي كان يعيشها في أفيَاء مملكة والده مملك كندة.
وهنا ساطرح سؤالاً لم نطرحه، يعني نعتبر حالنا بدأنا الشرح اليوم لم نطرحه في المجلس السابق، وهذا يدل على أهمية دراسة البلاغة: قوله قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي، التنكير في كلمة حبيب ومنزل ماذا أفاد هنا؟ التنكير في كلمة حبيب وفي كلمة منزل ماذا أفاد في هذا السياق؟ وقال كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي، أليست هذه نكرات؟ هذا سؤال بلاغي، لماذا اختارت تنكير على التعريف؟ ما دلالة التنكير هنا؟ نعم، التكثير. يعني استعمال النكرة سواء في المسند إليه أو في المسند في أي مكان في الجمله له مقاصد عديدة، منه أو من مقاصده الدلالة على ماذا؟ على التكثير. فعندما يقول قفَا نبكي من ذكرى حبيب، كأنه قصد محبوبات عديدة، ومنزل كأنه قصد منازل كثيرة.
وهذا يتلاءم مع جو القصيدة، أن امرؤ القيس لم يبكي محبوبة واحدة قلنا صحيح، وإنما بكى أم الهويرث وأم الرباب وعنيزة وفاطم وبيضة الخير، بكى محبوبات عديدة. إذاً هو لا يتكلم عن حبيب واحد، فاستعمل التنكير للدلالة على التكثير. حبيب بكل ما تشمله كلمة حبيب من محبوبات، من فرس، من منزل، بما تشمله كلمة منزل من عموم، فإن قصص امرؤ القيس لم تكن في بقعة واحدة ولا في منزل واحد، وإنما كانت في منازل متعددة، بدليل أنه لما عدد المنازل ذكر دارة جلجل، ذكر ماسل، ذكر أشياء كثيرة ستاتي معنا. فهو إذاً يبكي كل حبيب فقده وكل منزل كانت له فيه صولة وجولة، فالتنكير إذاً فائدته هنا التكثير، هذه فائدة ينبغي أن ينتبه لها.
طيب، كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي، لما أتى إلى المنزل أراد كما قلنا، الذي يعشق شيئاً ويريد أن يخبرك به، فانه يعطيك تفاصيله بدقة، فامرؤ القيس لأنه يعشق بلاده وأراضي قومه، اخذ يصف لك المساحة التي كانت تحويها هذه الأراضي، فقال ومنزي بسقط اللواء، قلنا ما معنى سقط اللواء بالاختصار؟ ما هو؟ منقطع الرمل، اللي هي منطقة التقاء. قلنا، آيوه، نعم، منطقة التقاء الرمل بالجبل بالحزم، كما قال الأصمعي.
هذه المنطقة لماذا العرب عادة تقيم فيها القرى والمباني؟ لأنها المنطقة الأكثر صلابة من الأرض، لذلك العرب تشيد مبانيها وقراها عند سقط اللواء في الأماكن الصلبة، أما في نص الرمل نتيجة تعامل ما بتعمل العرب وراها وما شابه ذلك وقصورها في الأراضي الرملية لابد تاتي إلى سقط اللواء. وهي منطقة التقاء الرمل بالجبل، هذه المنطقة التي تكلمنا عنها ورسمناها في المجلس السابق. طبعا سقط اللواء هذا اسم عام، لكن هو في هذه القصيدة يقصد سقط لواء معين، أليس كذلك؟ سقط اللواء الواقع بين ماذا؟ بين الدخول فحومل. هذه المنطقة ولقد شاهدناها بالصور أنها معروفة اليوم في بلاد الحرمين، ما زالت هذه المناطق معروفة ويعرفه أهل التاريخ، سقط اللواء بين الدخول وحومل.
هنا في مسألة بقيت علينا في هذا البيت وهو اختلاف الروايات فيها: الرواية المشهورة بين الدخول فحوملي رواية الأصمعي بين الدخول وحوملي. هناك روايتان وقع فيهما اختلاف، الأصمعي كيف روى البيت؟ قال بسقط اللواء بين الدخول وحومل بالواو، الأكثر يروي هذا البيت بسقط اللواء بين الدخول فحوملي. الآن ما سبب الاختلاف؟ امرؤ القيس يقول، لا يصح أن تقول بين الدخول؛ لأن العرب لا تقول فلان بين فلان ففلان، العرب بعد بين تستعمل الواو، تقول هذا بين هذا وهذا، وليس بين هذا فهذا. فبالتالي الأصمعي قال الرواية الصحيحة بالواو، بناء على أن بعد بين العرب تستعمل حرف العطف الواو وليس الفاء، تقول هذا بين هذه السارية وهذه السارية، ولا تقل علي بين السارية فالسارية صح. فهذه وجهة نظر الأصمعي، وبالتالي الأصمعي كيف يتخيل المعنى؟ أن امرؤ القيس يريد أن يقول سقط اللواء الواقع بين الدخول وحومل بين هذين الجبلين.
الفراء أراد أن يبين عذر الرواية المشهورة بين الدخول فحوملي، قال: إذا قلت بين الدخول فحوملي فأنت ماذا تقصد؟ تقصد معنى آخر، يقول الفراء تقصد بسقط اللواء الواقع بين مناطق الدخول فمناطق حومل، كأنه ماذا يقول؟ كأن الفراء يريد أن يقول -أحباب الكرام- أن الدخول هذه كانت فيها مجموعة مناطق، وحومل كانت فيها أيضاً مجموعة قرى ومناطق لمملكة كندة، فسقط اللواء قسم منه بين بين الدخول، أي بين مناطق الدخول، ثم سقط اللواء الآخر بين مناطق حومل، ثم سقط اللواء الذي في مناطق توضح، ثم سقط اللواء اللي في مناطق المقراة.
فالفراء يقول لك امرؤ القيس ذكر السقط اللواء ليس بين جبلين على رواية بين الدخول فحوملي، هو لا يقصد أن يقول إن سقط اللواء يقع بين الدخول وحومل، لا يقصد معنى آخر، ما المعنى الذي يقصده؟ يقصد الآن تعداد منازل متعدده لديار قومه، المنزل الأول سقط اللواء بين الدخول، نقطة. كيف يعني سقط اللواء بين الدخول؟ الدخول سلسلة جبال وسقط اللواء يتداخلها، فهو يقول منازل قومي أولاً في سقط اللواء بين الدخول، أي بين أماكن الدخول، بين هذه السلسلة الجبلية، ثم سقط اللواء الذي في ماذا؟ في حومل، بين مناطق حومل، ثم سقط اللواء الذي في توضح، ثم سقط اللواء الذي في المقراة.
وبالتالي على كلام الفراء يكون المعنى جيد وصحيح، يكون المعنى قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي بسقط اللواء بين الدخول يعني مناطق سقط اللواء الواقعة بين مرابع الدخول، ثم سقط اللواء الواقع بين مرابع حومل، ثم سقط اللواء فتكون الفاء؛ لأنه يغادر بك من منزل إلى منزل، أولاً سقط اللواء في الدخول، ثم انتقل بك إلى مشهد آخر سقط اللواء في حومل وما حولها، ثم سقط اللواء في توضح، ثم سقط اللواء في المقراة، فهو استعمل الفاء لأنه ينقلك.
بسم الله، ينقلك من منطقة إلى أخرى، أولاً بدا بالدخول وسقط اللواء الواقع فيها، ثم انتقل بك إلى حومل، ثم انتقل بك إلى توضح، ثم انتقل بك إلى المقراة، فإنه ينتقل من مكان إلى آخر، استعمل الفاء. وبالتالي هذا معنى صحيح، أما على رواية الأصمعي، فالأصمعي متخيل الأمر بصورة أخرى، الأصمعي متخيل أن امرئ القيس عم بيحصر وين سقط اللواء، فإذا أنت تحصر بين منطقتين شيء طبيعي أنك تستعمل الواو فتقول بين الدخول وحومل، الأصمعي هكذا فهم امرئ القيس أنه يحدد أن سقط اللواء الواقع بين هذا وهذا، فالواو عند الأصمعي أولى وصحيحة.
لكن إذا فهمت البيت بطريقة أخرى، وهو أن امرئ القيس عم يخبرنا عن سقط لواء بين الدخول، أي في أماكن الدخول، ثم سقط لواء في مكان ثاني، ثم في مكان ثاني، ثم في رابع، فتكون الفاء هي الأنسب، فتوضح فالمقراة، واضح هذا الكلام حتى نعرف نوجه الخلاف بين الأصمعي وبين الجمهور في رواية هذا البيت؟ طيب. إذاً كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللواء بين الدخول، عدِم أحفظ على الرواية التي تريدها تمام، ولكننا نحن اعتمدنا رواية الأصمعي بين الدخول وحوملي. تفضل. أحسنت، يتكلم عن سقط لواء في أكثر من منطقة، وليس عن سقط لواء يريد أن يحصره بين منطقتين، واضح؟ طيب.
فتوضح فالمقراة، انتقلنا إلى البيت الثاني، قال فتوضح فالمقراة، توضح معطوف على ماذا؟ على حومل، قالوا هكذا قال ابن الأنباري. توضح طب إذا كانت معطوفة، أليس المعطوف يأخذ حكم المعطوف عليه في الإعراب؟ إذاً لازم تكون مجرورة. الدخول وحوملي فتوضحي، مفتوحة ممنوعة من الصرف للعالمية والتأنيث، فهي منصوبة في الشكل لكن هي مجرورة، مجرورة بالفتحة بدل الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعالمية والتأنيث.
أحسنت، أحسنت، فتوضح. أحسنت، وأنا بدك ترجع تقول إنه أول سقط لواء تكلم عنه على طريقة الأصمعي سقط اللواء اللي بين الدخول وحومل اللي بين المنطقتين، بعدين سقط لواء في توضح، بعدين سقط لواء في المقراة، عشان هيك رواية الجمهور بجوز تكون يعني أكثر ثلاثية ومنطقية من رواية الأصمعي، أنه كلها بالفاء، الدخول فحومل فتوضح فالمقراة، عشان هيك الجمله نختار في الجميع وهذا أكثر ثلاثية عقلية ومنطقية، الأصمعي اللي اختار إنه بين الدخول وحومل بعدين رجع للفاء، الجمهور كله بالفاء، فلذلك رواية الجمهور قد تكون يعني فعلاً هي الأضبط في هذا المكان من حيث الطريقة الواضح أنه عم يسلك هذا قسي، لا هو لم رواها بالواو لم يروي بالفاء، فبالتالي هو منكر، نعم يعني هو يقول هكذا أصوب وارجح وفي النهاية الأصمع أمام اخي، فهمت علي؟ يعني له أن يرجح يقول لك لا الأصل في روايتها كذا بناء على المعنى الذي خطر في ذهنه، بناء على المعنى وليس لأن هذا ممنوع، بناء على المعنى الذي هو متصور، لكن لو تصور معنى الفراء لربما لم ينكر ذلك.
قال فتوضح فالمقراة، إذاً على رواية الجمهور بسقط اللواء بين الدخول فحوملي فتوضح فالمقراة، وكنا هنا ماذا يفعل امرئ القيس؟ عم يرسم لك مضارب قومه، وهكذا يصنع الإنسان المشتاق العاشق لبلده، دائماً يدخل في التفاصيل الدقيقة، والله كما قلنا في المجلس السابق أنه تذكر لما كنا ننزل نتذكر أجدادكم لما يحكوا عن فلسطين القديمة، نزلنا على البيارة وطلعنا ونزلنا من رام الله ودخلنا، وبصير يعطيك تفاصيل وأماكن هو يتلذذ بذكرها، فامرئ القيس هو عم يتلذذ بذكر مواق قومه، وهذا هو الجمال، عم يتلذذ بذكر هذا الأمور. هذا الإغراق في التوصيف ليس اعتباطياً، بل هو في سياق التلذذ، وكما قلنا في البلاغة الإنسان في سياق التلذذ ماذا يفعل؟ يطيل الكلام ويسهب في ذكر التفاصيل اللذيذة المحبوبة بالنسبة له.
إذاً فتوضح فالمقراة، قالوا هذا اسم موضع وهذا اسم موضع آخر. طيب، قال لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال. لم يعفو، خلينا أولاً ناخذ المفردات: يعفو يندرس، الرسم ما هو؟ هو الأثر الباقي من الديار، إذا لم يوجد فيه شخوص، بدنا نفرق بين الرسوم والأطلال عند الشعراء. ما الفرق بين الرسم والطلل؟ الرسم هي الآثار المتبقية إذا لم يكن لها شخوص قائمة. الأطلال لا، يكون هناك شخوص وأشياء بقيت قائمة في ديار المحبوبه.
يعني إذا أنت وصلت إلى ديار المحبوبة فلم تجد إلا آثار على الأرض، هذا يسمى رسم تمام معالم ديار اندرست هذه تسمى ماذا؟ رسوم. أما إذا وجدت والله نصف جدار بيتها موجود وهكذا، وأثاث وأحجار كانوا يستعملونها في الطبخ موجودة، هذه تسمى بعدها أطلال، فالأطلال في جرم موجود، في شيء محسوس بقي من الديار يسموه شخوص.
الرسوم لا، هي فقط الآثار بدون الشخوص. الآثار بدون الشخوص، آثار كما قلت آثار شيء كان محفورا وذهب، آثار مشي معينة كانت على الأرض هذه تسمى ماذا عندهم رسوما. فلذلك إذا ذهبت إلى كتب تفسير الشعر يقولون: الرسم هو الأثر بلا شخص. ايش يعني الأثر بلا شخص؟ أي لا يوجد جرم محسوس قائم، إذا أتيت إلى ديار المحبوبة ولسه موجودة هذه أطلال، إذا أتيت والسور لسه قائم أطلال، إذا لسه طنجرة موجودة هاي. لكن الرسوم يكون كل شيء ذهب وما بقي إلا الآثار بعد الشقوص، كما قلنا آثار مكان طبخ مثلاً والله هون كان يحط الحجار، شايف أي آثار متبقية بتكون الطنجرة والحجار راحت، وإنما بقي الآثار، هاي الآثار تسمى رسوماً. فهمنا ايش الفرق بين الرسوم والأطلال؟ لأن هذا كثيرا ما يتكرر عندهم.
طيب قال فتوضح فالمقراة لم يعفو رسمها لما نسجتها، النسج هنا بمعنى التعاقب، أي لما تعاقب عليها من جنوب، الجنوب هي رياح الجنوب، وشمال هي رياح الشمال. فإذاً هكذا نكون شرحنا المفردات: لم يعفوا أي لم يندرس رسمها وهي الآثار بلا شخوص، لما نسجتها لما تعاقب.
عليها من جنوب وشمري، رياح الجنوب تهب ثم تأتي بمعاكسة لها رياح الشمال. ممتاز، الآن دعونا ندخل في التحليل التركيبي للبيت، قال: لم يعفو رسمها. الضمير في رسمها يعود على ماذا؟
الان، كيف نبكي من ذكرى حبيب ومنزلي بسقط اللواء بين الدخول فحوملي فتوضح في المقرة؟ ثم قال: لم يعفو رسمها. الضمير في رسمها يعود على ماذا؟
هسه، في احتمال أن يعود على الذكرى، أي لم تندرس رسوم هذه الذكرى، بالتالي من قلبي سيتكلم عن اندراس معنوي هون صح؟ إذا قلت إن الضمير يعود على الذكرى: لم يعفو رسمها. لم يعفو رسم هذه الذكرى من وين؟ من القلب، لأن الذكريات محلاها القلب، هذا الاحتمال الأول.
احتمال الثاني: أن يكون الضمير يعود على ماذا؟ لا يعني صعب. تناسقت اللواء، هذه منطقة يعني مش ستتبقى قائمة، يعني هو ليس الأقرب، هم يقولون تعود إلى المنازل المفهومة من عمومي كلمة منزل، لم يعفو رسمها أي لم تذهب رسوم هذه المنازل. طيب، وين كلمة منازل؟ هي كلمة منزل التي جاءت نكرة، وقلنا التنكير يدل على التكثير، فكانه لما ذكر منزل ثم ذكر أسماء لمنازل متعددة، الدخول، عرفنا أنه يتكلم عن منازل متعددة، فناسب عودة ضمير على كلمة منازل المفهومة من السياق ضمناً.
أحبابنا الكرام، أحياناً الضمير قد لا يعود على شيء مذكور، قد يعود على شيء مفهوم من جملة السياق، فالمنازل التي يعود عليها الرسم أو الضمير في رسمها إنما فهمت من جملة السياق وفحواه. ممتاز، إذاً لم يعفو رسمها، إذاً هو ماذا يقول؟ يقول: هذه المنازل لم تندرس رسومها.
هذه المنازل لم يعفو لم تندرس رسومها. الآن جاء امرؤ القيس ينظر فيها، فإذا بالرسوم قائمة. لماذا لم تعفر رسومها؟ ماذا قال في البيت الثاني؟ قال: لما نسجتها من جنوب وشمئلي. الآن، خلينا نقول الأوضح والارجح أن الضمير يعود على المنازل وليس على الذكرى، وإن كان احتمال عودته على الذكرى يبقى احتمالاً قائماً حقيقة يعني صعب أن نجزم، لكن هنا وقع خلاف بين الشراح في قوله: لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشمال. في هناك وجهتي نظر في فهم هذا المقطع.
وجهة النظر الأولى أن امرأ القيس يريد أن يقول التالي: إن هذه الديار لم يعفو رسمها وآثارها، بل بقيت الرسوم قائمة بسببها، بسبب ماذا؟ تعاقب الرياح المتناقضة أو المتقابلة عليها. فإذا جاءت ريح الجنوب تريد أن محو الرسوم، جاءت ريح الشمال فأزالت الأثر، وإذا جاءت ريح الشمال تريد أن تزيل الرسوم وتعفوها، جاءت ريح الجنوب، فهناك تعاقب بين ريحين متقابلين، هذا التعاقب هو الذي منع مسح الأثر ومسح الرسوم. فهمتم؟ واضح إخواني؟
إذاً، القول الأول أن امرأ القيس يريد أن يقول إن الرسوم لم تزل، وأراد أن يعلل لماذا لم تزل الرسوم. قال: لسبب تعاقب، مش قلنا لما نسجتها أي لما تعاقب عليها؟ بسبب تعاقب رياح الشمال، هيك بدي أتخيل، رياح الشمال جابت معها رمل حتى تعفو أو حتى يعفو الرسم، فإذا بريح الجنوب المعاكسة تزيل هذا، ثم ريح الجنوب تأتيه برمال حتى تحفو الأثر، تيجي ريح الشمال تزيل هذا، هذا التعاقب هو الذي أدى إلى ماذا؟ إلى استمرار الرسوم في البقاء وعدم الاندراس. واضح هذا الكلام؟
هذه وجهة النظر الأولى، وهي التي اختارها الأعلم الشنتمري رحمه الله تعالى عليه. وبرايكم، هل بقاء الرسوم هو يزيد من حزن الشاعر ولوعته، أم أنه بالعكس يخفف عنه من وهجته وشوقه؟
نعم، يزيد بقاء الرسوم. أنت لما تأتي إلى ديار المحبوبة فتجد رسومها ما زالت باقية، هذا يشعل الفؤاد، إنه يجعلك تتذكر كل التفاصيل، بخلاف الإنسان الذي يريد أن ينسى. باختصار، الإنسان الذي يريد أن ينسى الذكريات، هل يحافظ عليها ولا يتلفها؟ يتلفها. فقالوا: بقاء الرسوم هو مما زاد لوعة امرؤ القيس، أن الإنسان إذا أراد أن ينسى ذكرى محبوبة إليه يحاول أن يتخلص من أي شيء يتعلق بها. بقاء الرسوم يزيد الحزن والأسى عند امرئ القيس. هذا معنى، لكن البعض ذهب دائماً الدراسة الشعرية حقيقة جميلة جداً لأنها تنمي العقل والفكر.
البعض يقول بالعكس، البعض يقول امرؤ القيس أراد أن يخبرنا لما أخبر أن هذه الديار لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل، قال: أراد معنى بعيداً، أراد أن يخبر عن شخصيته القوية التي لا تتزلزل مع مرور المصائب يميناً وشمالاً. شوف هذا المعنى من أين أخذه البعض؟ إنه هو لما قال لم يعفو رسمها هو صحيح يتكلم عن الديار، لكنه يقصد شخصه وأنه يقول: أنا سأبقى ثابتاً. طبعا تتخيل الرجل الذي أضاع ملك أبيه وما زال يلهث خلفه هذا تكلمنا عنه في المحاضرة السابقة، هو يريد أن يعيد هذا المجد لعشيرته، فهو يريد أن يخبر أن توالي المصائب عليه لن يزحزح من إرادته، وعبر عن توالي المصائب بماذا؟ برياح الشمال ورياح الجنوب.
فيكون هنا الديار هي رمزية لامرئ القيس، الديار هي نفسه هي شخصه، وهذه الديار لم تذهب مع تعاقب رياح الشمال والجنوب عليها، وهذا يخبر أن كأنه كما يقول الشيخ أحمد أبو موسى أن سنة التدافع القائمة في هذا الوجود هي التي سببت استمرارية بقاء امرئ القيس. هناك كلام جميل للشيخ محمد أبو موسى كأنه يريد أن يقول إن كأن امرأ القيس لما أتكلم عن تقابل رياح الشمال والجنوب، كانه يخبر عن سنة التدافع التي تحكم هذا الكون. أظن صفحة 30، معقول يا رب بسم الله، يا رب، لا لا خلينا واحد وثلاثين حبيبنا، خلينا واحد وثلاثين.
ماذا يقول؟ يقول الشيخ محمد أبو موسى رحمه الله عليه: يقول هذا البيت فيه معنى لطيف، وهو أن التدافع سنة من سنن البقاء. تدافع الأشياء المختلفة هو الذي يجعل هناك بقاء، لان الرسوم ما الذي أابلقاها؟ وقوع التدافع بين رياح الشمال والجنوب، ولو جاءت ريح واحدة فقط لذهبت، فالتدافع كان سبباً في البقاء. قال: وإن الرسم ما كان له أن يبقى أمام قوة الريح، وإنما الذي أبقى الرسوم التدافع الذي حصل بين ريح الشمال وريح الجنوب. قال: وليست الإشارة إلى هذه الحقيقة ببعيدة عن ذكاء امرئ القيس، يعني امرؤ القيس قد يكون عنده من الذكاء فعلاً أنه أشار إلى أهمية سنة التدافع، وأن توالي المصائب هو الذي قوي الإنسان ولا يضعفه.
توالي المصائب عليك في الحياة الأصل أنه يكون سبباً في القوة وليس سبباً في الضعف والامحاء، وعبر عن هذه الفكرة ببقاء الرسوم نتيجة تدافع رياح الشمال ورياح الجنوب.
إذاً يعني خلونا نقول، إذاً الاتجاه الأول، الاتجاه الأول في هذا البيت، هناك اتجاهان، الاتجاه الأول بسم الله هو الذي يقول بأن الرسوم لم تندرس. والذين قالوا الرسوم لم تندرس قالوا إن امرأ القيس علل لعدم الاندراس تعاقب رياح الشمال والجنوب بسبب تعاقب الريحين. ممتاز.
ثم بعد ذلك لما تكلمنا عن فكرة عدم الاندراس، ولدنا فكرتين تحتها، أنه هل عدم الاندراس يزيده ضعفاً ولوعة وشوقاً أم يزيده قوة؟ برضه هنا فهمان، في فهم بقول إن بقاء الرسوم هو الذي زاد لوعته وشوقه وحزنه، وهذا معنى تذكره هنا. وهناك من قال: لا، هو أراد أن يكني ببقاء الرسوم عن شخصيته القوية التي لا تضعف مع مرور المصائب يميناً وشمالاً عليها. ففكرة بقاء الرسوم وعدم دراستها -شوف كيف أنت ممكن يعني تستخلص منها فكرتين متناقضتين- أن بقاء الرسوم سبب في زيادة اللوعة والحزن، هي طريقة معينة في الفهم، أو بقاء الرسوم هو كناية كنا بها عن قوة نفسه، وأنه لم يندرس ولم ينمح مع مرور المصائب عليه يميناً وشمالاً.
وكأنك تجد هاتين الفكرتين متناقضتين صح ولا لا؟ مع أن منشأهما فكرة واحدة، وهو عدم اندراس الرسوم، هذا بحد ذاته يعطيك فهمين مختلفين، أنت في النهاية بدك تبحر في الفهم وتنظر ما هو الأقرب إلى مقاصد امرئ القيس.
طيب، الفهم الثاني أحبابنا الكرام ذكره الأنباري، ابن الأنباري، وهو لا، امرؤ القيس ماذا يقول؟ يقول: لم يعفو رسمها بسبب ما توالى عليها من رياح الشمال والجنوب، بل عفا رسمها بسبب العوامل الجوية الأخرى من المطر والرعد والثلج. فالطريقة الأخرى في الفهم ماذا تقول؟ تقول: هل الرسوم اندرست ولا لم تندرس؟ اندرست. الفهم الآخر يقول: الرسوم اندرست، لكن امرأ القيس ماذا نفى؟ نفى أن يكون اندراسها بسبب تعاقب الريح، ولماذا؟ إيش سبب دراسة الرسوم؟ قال: العوامل الجوية الأخرى المطر والبرد والنحت والتعرية وما شابه ذلك.
لكن هذا المعنى حقيقة يعني أجده بعيداً. هذا ذكره البعض، ذكره ابن الأنباري كأحد الاحتمالات للنص، لكنني أجده ماذا؟ بعيداً أن يكون مراداً. أن يكون الرجل يقول: فتوضح فالمقراة لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشمئلي، وإنما عفا رسمها بسبب أشياء أخرى من المطر والثلاج. هذا المعنى وين؟ ذكره البعض، لكنه ليس بالقوة، ليس معنى قوياً. وما المعنى الذي ذكره الأعلم الشنتمري هو المعنى الأظهر والأبرز، والله تعالى أجل وأعلم، أن الرسوم لم تندرس، وسبب عدم دراستها لما نسجتها هذا التعاقب الذي جعله كأنه نسيج من رياح شمال ثم رياح جنوب ثم رياح شمال ثم رياح جنوب، أبقى هذه الرسوم ظاهرة للعيان، فعندما جاء امرؤ القيس إلى ديار المحبوبة وجد الرسوم كما هي، ثم بعد ذلك انتحلق، هل هذا زاده لوعة وشوقاً وحنيناً وبكى بالتالي، أم هو يريد أن يتكلم عن قوة نفسه، فأخبر أنه أنا لم أندرس كما أن هذه الرسوم لم تندرس؟ هذا ممكن، وهذا ممكن.
أما المعنى الآخر أنا أجده بعيداً عن هذه السياقة. طيب، إيش عندك كان سوء استفسار سريع؟ يعني أنه تقول إنه يعني أنت مع الراي الثاني الذي يقول إنها اندرست واندراسها بسبب العوامل الأخرى، وهذا كناية عن قوة هذه الممالك أن الاندراس لم يحصل بسبب الرياح بل احتاج إلى عوامل جوية أكثر قوة حتى يحدث الاندراس، إيش رايكم؟
يعني هنا فش مجال التخطئة، يعني أقول لك خطأ مئة بالمئة صعب، عرفت؟ لكن هذا كله يحتاج إلى تقدير شيء محذوف، والأصل عدم التقدير، يعني هذا الذي يجعلني أرجع المعنى الأول، أنه هذا المعنى الذي تتكلم عن يحتاج إلى تقديري شيء محذوف، أن امرأ القيس يقول: لم يعفو رسمها بسبب هذا، وإنما عفا بسبب أشياء أخرى، هذا التقديم من أين أتيت به؟ بجهد ذهني، والأصل خلال والأصل عدم التقدير وأن يكون الكلام تاما بنفسه، وهذا يرجح المعنى الأول، عدم التقدير يرجحه المعنى الأول.
إذاً، تكلمنا عن سنة التدافع وتكلمنا ما معنى لما نسجتها، لما طبعا ما هنا اسم موصول صح؟ لما نسجتها، ما اسم موصول بمعنى التي، يعني للريح التي نسجتها من جنوب وشمالي، هذا تفسير ما، فتوضح في المقراة لم يعفو رسمها لما، ما بمعنى التي، ما اسم موصول بمعنى التي أي للريح التي نسجتها، نسجت هذه المنازل أي تعاقبت عليها من رياح جنوب أو رياح شمال، فتكون من بيانية، من بيانية لما نسجتها من رياح جنوب ورياح شمال. ممتاز.
يا رب، ثم ننتقل إلى البيت الثالث. ممتاز، إذا هو أخبرنا أو طلب منا الوقوف للبكاء وعدد منازل المحبوبة والمنازل التي قضى فيها حياته، ثم أخبر أن هذه المنازل عندما عاد إليها -الحمد لله- لم يعفو رسمها لما نسجتها من جنوب وشم اليها، هل يحمد الله ولا لا؟ الله أعلم. إذا كان تزيد لوعة لن يكون حامداً فيها، لكني إذا كانت تزيد قوة بقاء الرسوم، وأنك هذه الرسوم الباقية تدل على أنك ستفقى يا قيس ولن تهزم كالإنسان الذي يكافح من أجل لحظات النهائية، فهو حسب، هل هو كان يحب بقاء الرسوم أم لم يكن يحب بقاء هذا برجاله.
البيت الثالث قال: ترى بعر الأرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حب فلفل. البيت الثالث رواه أبو عبيدة، رواه أبو عبيدة ولكن لم يروي الاصمعي، وقال: أظنه لحن من الأعراب. ففي خلاف في البيت الثالث، هل هو وارد في المعلقة أو ليس وارداً؟ رواه بعض الشعراء الاقدمين وروايته مشهورة، والأصمعي يقال هو منحول، أي منسوب إلى امرؤ القيس، وليس يعرف في معلقته، ففي خلاف في ثبوت هذا البيت، لكنه بيت جميل ولا يبعد عن أسلوب امرئ القيس.
بيت جميل ولا يبعد من أسلوبه، ماذا يقول؟ يقول: ترى بعر، لما يقول ترى هنا، كأنه يريدك أن تحمل الكاميرا معه وتبدا تدخل وتغوص في ديار المحبوبة. ترى بعر الأرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حب فلفل. البيت مليء حقيقة بالمعاني. نبدأ بكلمة ترى، وهذا سيربطنا بدرس البلاغة السابق. ترى، من المخاطب هنا؟ هل يخاطب شخصاً معيناً هو امرؤ القيس؟ هل يخاطب شخصاً معيناً أم يخاطب كل قارئ للقصيدة؟
يخاطب كل قارئ للقصيدة، وهذا خلاف وضع المخاطب، كما ذكرنا في درس البلاغة. والأصل في الخطاب أن يعين مخاطب وفقد ذاك يعتنى، كقوله سبحانه: ولو ترى. إنه هنا لما يقول ترى، الأصل أن تخاطب بالضمير ضمير المخاطب، تخاطب شخص معين، لكن هنا هو لا يخاطب شخص معين، هو يخاطب كل من سيقرا القصيدة، أنا وأنت وانت، كل واحد لما يقرأ هذه القصيدة سيقرأ ترى ويعرف أنه مخاطب. هنا لا يخاطب شخصاً معيناً، هذه فائدة وتطبيق لعلم البلاغة، وإنما يخاطب كل من سيقرا القصيدة ويدخل معه في الاجواء.
ماذا ترى؟ هو الآن، كما قلنا، امرؤ القيس أين واقف الآن؟ على ديار المحبوبة، كيف نبكي شو وقفوا على الديار وقال: يلا تعال نوقف مشان نبكي، فهو عم بيوقف وعم يبكي وعم بيطلب منك البكاء، وعم بذكر لك أماكن إقامة قومه وتوضح المقراة وهذه المناطق اللي كنا فيها، وبقول لك: هي الرسوم ما زالت قائمة لم يعفو رسمها، لماذا هاجرتها من جنوب وشمالين؟ ثم اخذ يجول طرفه في هذه الديار.
في المقطع الثالث، والآن هو يجول عينيه، ويطلب منك أن تجول العينين أيضاً معه لك ترى بعر الآرام. البعر، ما هو أحبابنا الكرام؟ البعر هو كل ما يخرج من ذوات الظلف والخف، كل ما يخرج من السبيلين، أو من السبيل يعني الدبر خلينا نقول، من ذوات الخف أو من ذوات الظلف؛ يعني ما يخرج من الجمل، ما يخرج من الناقة، ما يخرج من البقر، هذا يسمى ماذا؟ بعر، ممتاز.
فهو الآن يتكلم عن ماذا؟ ركزوا هنا جيداً، هو ما قال: ترى آراماً، لا، قال: ترى بعر الآرام، وهذه هي دقة عجيبة، لأنه قصد معنى، وكنا بها عن معنى معين. المهم، البعرة أولاً دائماً في الشرح أبين المفردات ثم نعود للتراكيب، فالبعر كما قلنا هو كل ما يخرج من ذوات الظلف والخف من السبيل. طيب، الآرام جمع رئم، وهو نوع من الظبا، الريم بيسموه غزال الريم، تمام، هناك نوع من يكون في الجزيرة العربية، فالآرام جمع رئم، وهو الظبي الأبيض الذي كان في جزيرة العرب.
طيب، قال: في عرصاتها. العرصات هي ساحات المنازل، العرصات جمع عرصَة وهي الساحة، مش بنقول عرصات القيامة أي في ساحاتها. وقيعانها، القيعان هي المناطق اللي فيها انخفاض وتجمع المياه فيها، هذه المستنقعات، فالقيعان هي الأماكن التي ينحبس فيها الماء جوف الأرضية التي يجمع فيها الماء، فهذه تسمى قيعان. ثم قال: كأنه حب فلفل.
الفلفل هنا، حط لنا الصورة يا شيخ هذا على الشاشة، هو الفلفل الهندي. هذا الذي قصده، يكون مثل الكرات السوداء، الفلفل هنا هو الحب الهندي الذي يكون على شكل كرة سوداء، فعلا يشبه البعر من حيث اللون والشكل. يا رب، دعونا ننظر إليها، حط الشاشة هناك، شوف هذا هو الفلفل، هذا الفلفل الهندي. وهذا الفلفل الهندي أحبابي الكرام، لاحظوا لونه وشكله، لونه أسود وشكله دائري مثل البعر الناشفة. فبالتالي تشبيه امرئ القيس وربطه بين البعر والفلفل الأسود الهندي ربط في مكانه. يعني لو قلت لك: ما وجه الشبه بين البعر والفلفل الأسود الهندي؟ بتقول لي: الشكل واللون. فإذا التشبيه عميق جداً دلالة استحضار جيد. يعني لو سالتك: ما الذي يشبه البعر؟ لخمسة أيام وأنت تحاول تجد شيئاً تشبه به البعر لامرئ القيس، حاضرة الصورة في ذهنهم، البعر يشبه الفلفل الأسود. طبعا المشهور أنه يقولون فلفل، والصغار يقولون والعامة تقول فلفل، احنا في بلادنا عادة ايش نقول؟ فلفل. يقول هذا كلام العامة، والبعض جعله لغة ما عندي مشكلة، لكن المشهور ماذا؟ فلفل، بضم الفاء الأولى والفاء. فل فل.
هنا هذا البيت أحباب الكرام يعني فيه جمالية من حيث التصوير يقول: الآن انتهينا طبعا من تحليل المفردات يقول: ترى بعر الآرام. ترى بعر الآرام، بدي أعطيك بيت آخر لزهير بن أبي سلمى وبدي أياك تقارن بين بيت زهير بن أبي سلمى في وصفه لديار المحبوبة بعد أن غادرتها وبين بيت امرئ القيس. يا رب، وأنت نفسك صير فكر إيش الفرق بين المشهد اللي رسمه امرؤ القيس والمشهد اللي رسمه زهير بن أبي سلمى؟ امرؤ القيس قال: ترى بعر الآرام في عرصاتها إلى آخر البيت هذا. زهير بن أبي سلمى ماذا قال لما وصف ديار محبوبته في المعلقة التي ستأتي معنا؟ قال: بِهِ العَيْنُ وَالآرَامُ يَمْشِينَ خَلْفَهُ وَأَطْلاؤُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ.
يعني امرؤ القيس اجا لديار المحبوبة بعد أن غادرها أهلها، وزهير بن أبي سلمى اجا لديار المحبوبة بعد أن غادرها أهلها، ماذا قال امرؤ القيس وماذا قال زهير؟ امرؤ القيس قال: ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها كأنه حب فلفل. زهير بن أبي سلمى ماذا قال؟ قال: لما أتى إلى ديار المحبوبة بعد أن غادروا قال: به العين والآرام، يعني برسم لك مشهد العين، تمام، وهي نوع من الظباء، والآرام وهيك كيف مشهد جيوغرافيك؟ بتشوف قاعد غزلان وضباء، شي قاعد وشي واقف والصغير يمشي خلف الأب الكبير. وأطلاؤها، صبيانها الصغار، ينهضن من كل مجثم، هناك طل صغير ينهض، وهذا تلي صغير، يعني باختصار هذه الديار بعد أن كان يسكنها البشر عند زهير أصبح يسكنها ماذا؟ العين والآرام والأطلال. وأنا عم برسم مشهد جغرافي، مشهد من الحياة الطبيعية، مش مشهد مكان مسكون. إن الحياة توقفت بعد رحيل المحبوبة، ليش توقفت؟ وين توقف؟ من وين أخذته؟ يعني طيب، لا بدك غلط، لأنه هو أصلاً بدك تفهم، الظباء لا تسكن مع الناس، هذه وحشية هاي لا تسكن معهم في نفس المدة الزمنية، هذه حيوانات لا تألف البشر، فكيف بدها تكون غادروا معها؟ طيب، ايوه.
طب هل هذا يدل على أن الظباء موجودة حتى ما نستهلك الوقت؟ حقيقة امرئ القيس يريد أن يخبرك عن شدة التقادم الزمني، وكأنه يقول: إن هذه الديار كانت تسكنها المحبوبة هذا هو الجيل الأول، ذهبت المحبوبة وأهلها ثم جاءت الظباء والآرام سكنت فيها، ثم أيضاً ذهب الجيل الثاني من الظباء والآرام، وما بقي في هذه الديار إلا فقط بقايا من الجيل الثاني، بقايا من الظباء والآرام، هاي البقايا هي إيش؟ هي البعر فقط، تمام؟ فامرئ القيس يهمه أن يعطيك تقادم الزمان، ويريد أن يعطيك أن كل شيء رحل، حتى الظباء التي سكنت بعد المحبوبة، شو حديث الذكريات؟ وهو حديث مشحون بالعاطفة. فامرئ القيس لأنه مشحون بالعاطفة والبكاء واللوعات يريد أن يخبرك في حديث الذكريات أن كل شيء رحل، هذه قلت إنها جوهرية في معلقة امرئ القيس، قضية الرحيل وأن كل شيء في الحياة يرحل، هذه عمدة في معلقته وهو يبكي على هذا الرحيل. فحتى يخبرك عن شدة الرحيل التي وقعت، هو يخبرك أن المحبوبة وأهلها رحلوا، ثم جاءت الآرام والغزلان والظباء سكنوا، ثم غادر هذا الجيل، حتى إنك إذا أتيت إلى هذه الديار حتى الآرام لن تراها، لن تراها، وإنما سترى فقط ماذا؟ ما بقي من آثارنا، وهي ماذا؟ البعر، تمام؟ وهذا كما قلنا أحبابي الكرام فيه دلالة على أن الرجل يبكي الرحيل، يبكي أن كل شيء هو يحبه عم يرحل، وأن الزمان عم يتقادم به.
أما زهير بن أبي سلمى أحباب الكرام، زهير بن أبي سلمى ماذا قال؟ به العين ويمشينا خلفه وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم. لا، زهير بن أبي سلمى هو لما أتى إلى منازل المحبوبة كانت العين والظباء موجودة لسه، يعني الزمن ليس بعيداً كما هو بعيد عند امرئ القيس. فامرئ القيس، يعني هذا بيسموها أسلوب الكناية، أن تعطي عبارة وتقصد بها معنى بعيداً، يعني هو لما قال: ترى بعر الآرام، الطالب العادي لساته جديد بالديار، وبتقول له: ترى بعر الآرام، يعني الرجل اجا وشاف بعر الآرام وخلصنا؟ لا، بس هذه مش هكذا العرب مش شايفة خامة هذه القصيدة، أن بعر الآرام هو كناية عن معنى بعيد أراد أن يوصله إليك الرجل، ما هو؟ تقادم الزمان. فهو أعطاك فكرة تقادم الزمان، وأن هذه الديار أتت عليها المحبوبة ثم غادرت، ثم أتى جيل من الغزلان والظباء الوحشية سكنت ثم غادرت، ثم الآن نحن فقط نرى البعر هذا الذي تبقى بعد مرور الزمان، فإذاً إشارة لتقادم الزمان.
وأشارة إلى أن كل شيء يرحل، غادرت المحبوبة ورحلت، ثم غادرت الظباء ورحلوا، كل شيء يرحل من حياته، وهذا يزيد من لوعته ومن وجده، هذا كله فهمناه من كلمة البعر، قوة اللغة بس كلمة البعر هنا أعطتك هذه المعاني: شدة الرحيل، وأن كل شيء زال حتى الظباء والآرام ذهبت، والتقادم الطويل في الزمن. طيب، إذاً ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها. جميل، هو امرئ القيس الآن كأنه يطلب منك أن تأتي بالكاميرا معه وتشاهد وتراقب كل شيء، كان بإمكانه أن يكتفي بالعرصات، صح؟ لماذا عطف عليها القيعان؟ ترى بعر الآرام في عرصاتها وقيعانها. حتى ممكن أن المكان الماء نشف منه وجف، فما عاد حتى يصلح للسكنى وهي دلالة شدة التقادم واحد، فكرة لطيفة أراد أن ينبه عليها. ثانياً، أن الرجل الآن هو داخل على ديار المحبوبة يريد أن يخبرك أنه يتأمل كل شيء، يعني عينه عم تجول في كل أرجاء المكان، في الساحات وفي العرصات، عفواً، في العرصات وفي القيعان. فالإنسان الملهوف الذي يدخل إلى ديار المحبوبة، هذا ما بيعطي هيك نظرة عابرة من شوف يلا سلام عليكم، لا، هذا يجب أن يتفحص كل شيء، لأن فيه لوعة، يقول لك: تعال تعال أورجيك ترى بعر الآرام في عرصاتها، شوف ساحات شو فيها، بعدين تعالوا نشوف القيعان اللي أماكن تجمع المياه شو فيها، فهو عم يتامل كل شيء بدقة متناهية. هو كل ما أعطاك تفاصيل أكثر، كل ما أخبرك عن نفسيته أكثر، باختصار، هو كلما أعطاك تفاصيل أكثر هو يخبر عن شعوره ووجده وألمه أكثر وأكثر، لذلك هو يتأمل وجود هذا البعر في كل مكان.
ثم أعطاك بعد ذلك صورة تشبيهية، وامرؤ القيس ملك التشبيه كما يقولون من الجاهليين، أفضل من استشبه امرؤ القيس ملك التشبيهات والقدرة على أن يصنع من الأشياء المختلفة أو الشبه، وهذا من أصول الشعر زي ما مر معنا في مقدمة المرزوقي، فهو شبّه، قلت لك إيش عناصر التشبيه في هذا البيت؟ شبه بعر الآرام بالفلفل الأسود الهندي، ما وجه الشبه كما قلنا؟ الشكل واللون، تمام. الشكل واللون، فهذه عناصر التشبيه، وهذه مخيلة قوية أنك استطعت أن تأتي بتشبيه قوي. والعرب تعرف الفلفل، لأنه كان يستجلب نوع من الهند، العرب كان تجارته مع الهند، فكان يؤتى، فهو لما شبه بحب الفلفل، العرب تعرف ما هو الفلفل الذي يقصده امرئ القيس في هذا المكان. في حد عنده سؤال؟ طيب.
طيب، نذهب الآن إلى البيت الذي يليه، بسم الله، دقيقه. ايوه تفضل أحمد. كيف نبكي؟ ترى هو يخاطب، لكن يعني لأنه هي وجدانيات فحملها على العموم أبلغ، يعني هو ليس الآن سياق عقلك وجداني، فكانه يريد أن يقول: يا من ستقرا قصيدتي ترى بعر الآرام، كل من سيرى معي وسيشاركني في رحلة التفتيش سيشاهد ما أشاهد، فهذا يكون أبلغ، وهو مقصود لدى الشعراء، يعني الشعراء يقصدون معنى العموم في الخطاب لأنه ليس مسؤولا الآن عن مخاطبة شخص معين بحد ذاته حتى يستتبع الكلام معه، فهذا المعنى أبلغ من لما تقول إنه يتكلم مع شخص واحد معين، طيب.
يا رب، نذهب الآن إلى البيت الذي يليه، ماذا قال في البيت الرابع؟ كَأَنِّي غَدَاةَ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَّلُوا لَدَى سَمُرَاتِ الحَيِّ نَاقِفُ حَنْظَلِي. جميل، كأني، أراها أيضاً أداة من أدوات التشبيه، وكما قلنا امرؤ القيس هو ملك التشبيهات، لذلك سيعتمد على التشبيه كثيراً في قصيدته، والتشبيه أحياناً يكون أبلغ من الاستعارة من جهة ماذا؟ أنك في التشبيه أنت تستحضر المشبه والمشبه به، في الاستعارة أنت تحذف المشبه وتقتصر على المشبه به، ففي سياق الذكريات والوجد والحنين يقولون: الأبلغ التشبيه. لأنك تستحضر دائماً المشبه وتبقيه عنصراً حاضراً ولا تستغني عنه بالمشبه به، تمام؟ يعني لما في شخص معين بدك تضلك تتذكره شو بتحكي؟ رايته أسداً يخطب؟ رايت محمداً الذي هو كالأسد يخطب؟ فلما تجيب محمداً وتجيب أسلوب التشبيه تبقي ذكر هذا الحبيب حاضراً في الكلام، ففي التشبيه أنت تستحضر المشبه مع المشبه به، فيكون في سياق الوجدانيات والحب أبلغ من أن تستعمل الاستعارة فتستغني بالمشبه عن، أو تستغني بالمشبه به عن المشبه، يعني وأنت تتكلم عن حبيبة، عن معشوقة، ليس من الجيد الاستعارة، أجمل والاقوى والأفخم التشبيه، ليه؟ لأنه يبقي ذكر المحبوبة حاضراً، أما أن تستغني عن المحبوبة بالاستعارة عنها بالشمس والقمر، هذا ضعيف من جهة الأداء البلاغي، طيب.
المهم، كأني، هو الآن سياتي في سياق تشبيه آخر، وما الذي حدث لما امرئ القيس اخذ يجول في ديار محبوبه وأخذ ينظر في بعر الآرام في العرصات والقيعان؟ كأنه عادت به الذاكرة إلى زمن قديم، إلى زمن ارتحال المحبوبة وأهلها عن هذه الديار، والآن عم بشوف بعر الآرام، صح؟ الذاكرة إلى أين قادته؟ رجعته إلى ذاك الزمن الذي ودع فيه المحبوبة وأهلها وهم يغادرون ديار قبل ما يرحلان. احنا حكينا المحبوبة رحلت وأجت الآرام ورحلت الآرام، هو لما نظر إلى بعر الآرام كأن شريط الذكريات عاد، فتذكرت تلك اللحظة التي غادرت فيها المحبوبة هذه الديار، فماذا قال؟ قال: كأني غداة البين يوم تحملوا لدى سمرات الحي ناقف حنظلي.
لا، دعونا سريعا نأتي على المفردات: الغداة هو الصباح، وقت الصباح، والبين هو الفراق. كأني صبيحة يوم الفراق، شوف كلمة الفراق هنا وأثرها النفسي، هذا اليوم الذي هم يوم تحملوا، أعاد ذكر الزمان مرة أخرى، صبيحة الفراق، هذه الصبيحة وهي يوم التحمل. أيضاً التحمل، ايش يعني التحمل؟ وضع الأمتعة على الجمال من أجل الرحيل. فتحملوا أي وضعوا أمتعتهم على جمالهم ليرحلوا، كأني وانا واقف بتذكر نفسي الآن وانا كنت واقف في هذه الساعة عند سمرات الحي. سمراء جمع سمرة، والسمرة شجرة شوكية تنمو في الصحراء، وطلع لنا اياها يا شيخ، هذه الصورة موجودة أيضاً، دائماً ترى تصور الشكل مرسومة أمامك هذا أفضل في فهم معاني القصيدة، لذلك أنا حريص أي شيء يمكن أن نجد له صورة أن نشاهده. السامورات جمع سامورا وهي شجرة شوكية تنبت في الصحراء، هذه ممكن تكبرها، هذه اسمها شجرة السمرة عندهم، فالامرئ القيس صاحبنا والمحبوبات محبوبته وعشيرتها يغادرون، وإن كان جالس كامل حضرته، كان كامل عند سمرات الحي، عند هذه الأشجار، عند هذه الشجرات.
وحاله وهو يبكي كأنه ناقف حنظلي، الحنظل هي ثمره أيضاً مرة، وإذا مسكها الإنسان واراد أن يستخرج منها ثمرة تحط عليها، أظن موجودة ثمرة الحنظل هذه، هذه ثمرة الحنظل. هذه ثمرة أحبابي أولاً مرة الطعم، مرة شديدة المرارة، ثانيا فيها مثل حرارة البصل، البصل لما تقشره يبكي، يبكي العين جبراً عنك، كذلك هذه.
الثمرة قالوا هذه إذا فتحتها وأردت أن تخرج منها ستدمع عينيها لا محالة، لها أثر على العيون مثل مثل البصل، فهو يقول كأني يشبه نفسه في يوم رحيل المحبوبة وهو واقف عند ثمرات الحي، قال كأني ناقف الحنظل. ما الناقف الحنظل؟ ناقف الحنظل هو الشخص الذي يفتح لهذه الثمرة من أجل أن يستخلص منها ما يعني يطلب أو ما يقصد، يققشرها حتى يستخلص منها. ماذا سيحدث مع ناقف الحنظل؟ سيبكي وسيبكي غصباً عنه، والنبي إرادته غصباً عنه، فهو أراد أن يخبرنا أنه بكى غصباً عنه رغماً عنه. بس هو كيف وصل لك الفكرة أنني بكيت غصباً عني وليس بإرادتي؟ أنه شبه نفسه بناقف الحنظل.
أفضل ما وجه التشبيه تقول: إن ناقف الحنظل يبكي جبراً عنه، وامرؤ القيس دموعه نزلت جبراً عنه وليس بإرادته، وحق للعاشق أن يبكي. لا تلومه لأنه هو إنسان يحب، فلما وجد المحبوبة تغادر مع أهلها هذه الديار بكى بحرارة ومرارة. وكلمة المرارة أيضاً نأخذها من الحنظل، أن الحنظل هو طعم مر جداً. فهو أخبرك عن حرارة الدموع وعن مرارة الشعور بكلمة ناقف حنظل، أخبرك عن شغلتين: عن حرارة الدموع وغزارتها، ثانياً عن مرارة الشعور؛ لأنه الحنظل هو نبت مر تماماً.
والبيت فيه أيضاً معاني أخرى جميلة. من المعاني الجميلة التي في البيت، لو سالتك سؤالاً: لماذا كان يقف عند سامورات الحي؟ هذا سؤال طرح، لماذا امرؤ القيس يقول إنهم يوم التحمل والرحيل كنت أوقف عند ثمرات الحي؟ لاحظتوا شجرة السمرة قبل شوي، وقد تكون شجرات سامورات يعني، وما كان عند سمرة واحدة، كان عند سامورات، بالتالي كأنه كان يعني خلفها مختبئ. صحيح؛ لأن شجرة شوكية هكذا، كأنه كان مختبئ، كأنه يريد أن لماذا لماذا كان هناك؟ أيوه، هو لا يريد أن يظهر بكائه لذلك تخبى خلف سمرات الحي. لماذا لا يريد أن يظهر بكائه؟ لأنه هو شخصية ملوكيه، ومثله لا يجوز له أن يبكي أمام العامة مثل الأطفال، صح ولا لا؟ يقول أنا مثلي لا يليق بي أن يبكي أمام الناس، فلذلك اخترت الاختباء خلف ثمرات الحي، أبكي هناك على أريحيي تماماً، وأنا أتأمول المحبوبة وهي تغادر الديار. فوجوده عند ثمرات الحي مقصود؛ لإخفاء النفس؛ لأن مثله شخصية قوية، ابن ملك، إنسان يبت مثله لا يبكي أمامه الناس وإنما يبكي وحده، وهذا معنى جيد.
لكن نلاحظ أن امرأ القيس هنا لم يركز كثيراً ابتداءً على على البكاء، وإنما ركز على ماذا؟ في هذا البيت لم يركز على البكاء أساساً، على الفراق. ركز على الفراق. وهنا قاعدة كنا دائماً نقولها في التفسير، ما هي؟ الشيء الذي يقدمه الشاعر يكون أو المتكلم يكون هو الأهم بالنسبة له، صحيح؟ كنا دائماً نقول في التفسير، فهنا هل قال من رأى القيس كأني ناقف حنظل يوم تحملوا ناقف حنظري؟ حتى في آخر البيت بقول لك خليها آخر البيت هاي، أنا ما يهمني أن تعرف قضية البكاء، كأني غداة البين أنا، يوم الفراق صبيحه الفراق، لأن هي القصيدة كلها تدور كما قلنا حول معاني الرحيل والفراق والرجل يفارق كل شيء.
فهنا لأن الفراق هو الأهم بدا بغداة البين يعني ما يعني غداة البين صبيحه الفراق، ثم أكد هذا الزمان مرة أخرى لما كرره فقال يوم، يوم ما إعرابها؟ بدل من غداة، بدل من الغداء، يعني أنا صبيحه الفراق يوم التحمل؛ لأنه يكرر هذا المعنى كأني صبيحة الفراق يوم التحمل، يركز على الزمان لأن لوعته في الزمان، الزمان بالنسبة له فهو يبكي الزمان كثيراً، فلذلك غداة البين يوم التحمل وين كنت كمان لسه بتذكر الزمان؟ ثم تذكر المكان، وين كانت هذا الوقت؟ قاعد عند ثمرات الحي واقف حنظري.
فقضية أنه بكى وبمراره ليست هي القضية الكبرى عند امرئ القيس، بل لا تهمه بدرجة ما يهمه أن يصور لك حجم اللوعة وأيام الرحيل والفراق وكيف أثرت على نفسيته وعلى مشاعره. فغداة البين مهمة جداً هنا وكلمة البين، البين ما معنى الفراق؟ قال كأني غداة البين، الفراق الرحيل، كل كلمات جوهريه عند امرئ القيس بها ينتظم سلك هذه القصيده.
طيب، هناك سؤال: هل ذكر امرئ القيس من التي رحلت من محبوباته واين سلكت؟ نعم يا عيني عليك يا شيخ، لم يذكرها تعظيماً لها، فاطمة يعني.
هنا سؤال دائماً: أثر النص من خلال طرح الأسئله. في العادة الذي يتكلم عن رحيل المحبوبة يتكلم عن اسمه، أنه ميغادرات، عنيزة غادرت. هنا نلاحظ قال كأني غداة البيني يوم تحملوا، مين هم اللي تحملوا؟ سؤال، واحدة. لكن هو أنتم فهمتم السؤال، من هم الذين تحملوا؟ من التي في بدات بين الفراق حدث مع من؟ لم يهمه أن يذكر من المحبوبة، أنه هنا في القصيدة كما قلنا لا يهمه الكلام عن قصة عشق معينة، ويهمه أن يخبرك عن الفراق؛ لأنه فراق. لا يهمه الكلام عن قصه عشق معينة، هو يريد أن يتكلم أن محبوبة من المحبوبات غادرت، المهم أن هناك مغادرة، هناك فراق في الحياة، هناك ألم، هناك حزن، هذا الذي يحاول أن يدندن عليه الرجل.
لذلك لم يهتم هنا لا بذكر المحبوبة ولا من هم قومها ولا وين راحت ولا وين مشيت، بخلاف مثلاً طرفة بن العبد لما يأتي سيذكر تفاصيل الرحلة، وهذا لم يفعله امرؤ القيس؛ أنه ليس يهمه أين غادرت المحبوبة ولا أن يتكلم عن محبوبة معينة، يهمه أن الرحيل حصل وانتهى، وأن هذا الرحيل يستجلب لي البكاء والحزن والمرارة، فهذه قضية أيضاً مهم أن ننبه لها في شرح هذا البيت.
طيب، إذاً طبعا هذا البيت كما قلنا هو رجوع في الزمن إلى الوراء؛ لأنه هو عم بتامل كان القيعان والساحات وفيها البحر، هذا إعادة بالذاكرة إلى الخلف ليتذكر هذا المشهد؛ مشهد رحيل المحبوبة وقومها عن هذه الديار. طب هل سيبقى في ذاك المشهد أم سيعود بالزمن إلى هذا الوقت الآن إلى هذا؟ بده يرجع الكاميرا إلى هذا الزمان وهو يرى بعر الأرقام والعرصات والقيعان مع أصحابه، ماذا قال في البيت الذي يليه؟
قال وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسا وتجملي. هذا البيت حقيقة إعرابه مشكل وإشكال، وإعرابه سبب غموضاً شوي في المعنى، البيت الخامس. وقوفا بها صحبي. وقوفا ما إعرابها؟ وهي مرتبطة بأي بيت سابق؟ نفسهم المعربين أشكال عليهم، بالتالي أكيد الأمر يحتاج إلى تفكير عميق وعميق، وأنا أقول لك سيبقى لك إشكال أصلاً في طريقة الربط. وقوفا بها صحبي، وقوفا مربوطة مشبوكة بأي بيت؟
طيب، البيت الاول، يعني كيف نبكي وقوفاً؟ وقوفاً بها صحبي علي مطيهم. وقوفاً ما إعرابها؟ مفعول مطلق أو حال. طب خلينا نكمل البيت حتى نشوف طب كيف سيكون المعنى؟ لأنه دائماً بهمني أن تتخيل المعنى بالشكل الصحيح.
الان قال وقوفا بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسا وتجملي. من الذي وقف؟ صحبه. فصحبه فاعل للمصدر وقوفاً. وقوفاً صحبي، صحبي فاعل للمصدر، وأوقفوا ماذا؟ مطيهم. المطي جمع والمطية هي الظهر الذي يركب، وإنما سميت الناقة مطية لماذا؟ لأنه يركب مطاها وهو ظهرها. المطا هو الظهر، فلماذا سميت الناقة مطية؟ لأنك تركب مطاها أي تركب ظهرها، والمطية تجمع على مطايا. فهو يقول وقوفاً بها صحبي علي مطيهم، ماذا قالوا لي؟ يقولون يا ابن الحلال لا تهلك أسن وتجملي، يعني تصبر وأظهر الشدة حتى يعني لا تفتح مساحة لأعدائك وخصومك ليهزاوا منك، والواشون والذين يريدون امرئ القيس أن ينهزم سيفرحون عندما يرون بكاءك وأسفك وحزنك وعويلك.
طيب المشكلة كما قلنا في ربط البيت الخامس بالبيت الأول. هناك خمسة أقوال، طبعا في إعراب وقوفاً، أشهرها أن وقوفاً مفعول مطلق لقفا نبكي، وهناك من قال إنها حال للفاعل في قفا، للفاعل في نبكي، للفاعل في نبكي. لكن أنا حقيقة من الأمور المشكلة بالنسبة لهذا البيت حقيقة في طريقة فهم ربطه بالبيت الأول؛ أنه أنت ماذا تقول؟ تقول هكذا: كيف نبكي من ذكرى حبيب وقوفا بها صحبي علي مطيهم؟ هذا الانتقال، يعني أنت لما تقول وقفت وقوفاً، هسه هاي مفهومة سهلة، بس المشكلة فيما بعد وقوفاً، يعني كيف نبكي وقوفاً بها صحبي علي مطيهم؟ ما وجه ربط البيت الخامس بالبيت الأول؟ يعني إيش يعني كيف نبكي واقفه نبكي وقوفاً بها صحبي علي مطيهم؟ طب أنت كنت بتخاطب اثنين أنا هيك كنت متخيل كيف عم بحكي مع اثنين أو واحد على صيغة الاثنين، بغض النظر عن بخاطب شخص، كيف نبكي فجاه بتقول لي قفا نبكي وقوفاً بها صحبي علي مطيهم؟ لذلك في إشكالية في يعني وإن كان طبعا هم جل الشعراء يعني أو عفوا جل الشراح يقولون هذا البيت مرتبط بالبيت الأول، سواء قلنا وقوفاً مفعول مطلق لقفا نبكي من ذكرى حبيب وقوفاً بها صحبي علي.
وهنا أبو العباس المبرد يقول يعني كيف نبكي وقوفاً يشبه وقوف أصحابي؟ هنا أبو العباس يقول هي مفعول مطلق. طب شو معنى الكلام يا أبو العباس؟ قال قفا نبكي من ذكرى حبيب وقوفاً كوقوف أصحابي. طب إذا قلنا لأن المراد المفعول المطلق التشبيئي، كيف تقول شربت شرب الإبل ومشيت مشية النعامة؟ كانوا يريد أن يقول هذا مفعول مطلق تشبيئي، يعني كيف نبكي وقوفاً كوقوف أصحابي؟ كما تقول شربت شرب الإبل ونمت نوم كذا ومشيت مشية النعامة، وهذه كلها مفاعيل مطلقة تشبيئية.
كذلك يقول أبو العباس المبرد إنه هنا في تشبيه، كيف نبكي وقوفاً كوقوف أصحابي علي مطيهم؟ إذاً من هم هؤلاء الاصحاب الذين وقفوا مطاياهم على امرئ القيس ومتى كان هذا الوقوف أيضاً؟ هنا في عنصر أظنه يحتاج إلى إيضاح أكثر من الشراش، الشراح لم يوضحوا هذه القضية، قالوا خلاص مفعول مطلق، وأبو العباس المبرد قال قفا نبكي وقوفاً كوقوف أصحابي.
إذا هذا الوقوف من أصحابه عليه، أصحابه أوْقَفوا مطاياهم عليه ليخاطبوه وليقولوا له جملتهم التي قالوها لا تهلك أساً وتجملي، لكن سيبقى عندي سؤال: من هم هؤلاء الأصحاب ومتى وقفوا هذا الوقوف؟ لأنه ظاهر كلام الشراح أن هؤلاء الأصحاب هم نفسهم اللي بيخاطبهم امرؤ القيس ويقول لهم كيف نبكي؟ طب هل هذا معنى مستقيم أن يكون هؤلاء الأصحاب الذين أوْقَفوا مطاياهم هم نفسهم اللي خاطبهم في البداية وقال لهم قفا نبكي؟
هنا أنا حلقة مفقودة، وأن المعنى الذي أشعر به الآن هنا شعور داخلي أن المعنى الذي يشعر بأن هؤلاء الأصحاب هم ليسوا أنفسهم الذين خاطبهم في البداية وكان يقول لهم قفا نبكي، وإنما إذا أردت أن أفاهم السياق فأقول هو يقول قفا نبكي وأريد منكم وقوفاً كوقوف أصحابي الذين وقفوا مرة من المرات، يعني هي غير معينة، وقفوا علي لعل هؤلاء الأصحاب هم الذين وقفوا عليه وهو عند ثمرات الحي، ممكن؟ أليس كذلك؟ ممكن هم اللي وقفوا عليه وهو عند ثمرات الحي في البيت السابق. المهم، هناك أصحاب، هذا الخلاصة، وقفوا على امرئ القيس.
وكلمة ماذا قال وقوفاً بها صحبي علي؟ كلمة علي هنا يريد أن يخبرها أن أصحابه مهتمون بشأنه، فأوقفوا مطاياهم ليس من أجل أي شيء بل من أجله هو، كيف تقول وقفت هذا الشيء عليك؟ المراد بعلى هنا بالاستعلاء التخصيص، أن هناك اهتمام بك. فأصحابه لما أوقفوا مطاياهم أوْقفوها من أجل من؟ من أجله هو. طيب لماذا أوْقفوها؟ أوْقفوها قائلين، يقولون هذه جملة حالية، قائلين لي لا تهلك أساً وحزناً وتجملي. التجمل هو التصبر وعدم إظهار الجزع وعدم إظهار الجزع والهلع. فأسحابه راوه في حالة يعني يرثى لها من التشوق للمحبوبة وهي تغادر، هو مشهد عام تمام. أصحابه وقفوا عليه وهم كانوا على مطاياهم وقالوا له لا تهلك.
طبعا هذه انتبهوا لها أن كثير من يقرأها تهلك، لا، هي الفعل هلك يهلك، هذا هو الفصيح فيه، لا تهلك بكسر اللام مش لا تهلك، لا تهلك ليهلك مهلك عن بين في القرآن. طبعا أساً مفعول لأجله، يعني لا تهلك للاسى والحزن. والبعض يقول هو مفعول مطلق معنوي، كما درسنا في الآجرومية: قعدت جلوساً وقمت وقوفاً، هذا مفعول مطلق بس مش من نفس اللفظ، من معناه؛ لأن الهلاك والأسى في بينهم شيء من التقارب. البعض قال فيمكن تجعلها مفعول مطلق، ويمكن تجعلها مفعول لأجله. لكن كما قلنا تبقى المشكلة في ربط وقوفاً بالبيت الأول: كيف نبكي؟ وأن هناك حاجة إلى يعني تمعن أكبر، خليني أقول منك أيها الدارس، أيها الطالب، في ربط قفا نبكي.
الرجل يطلب من اثنين أن يقف ويبكوا معه على ذكرى الحبيب، ثم أتى بالمفعول المطلق في البيت الخامس: قفا نبكي وقوفاً بها صحبي علي مطيهم. هل هؤلاء الصحب هم نفسهم الذين كانوا يخاطبهم، ولا يعني أنا كلام عباس المبرد أشعرني أنه يتكلم عن شيء آخر، أشعرني أنه كما قال وقوفاً كوقوف، إذاً أنت بتكلم عن وقوفين، في وقوف أنت تطلبه من أناس ليبكوا، وهناك وقوف آخر حصل من أصحابك عليك وقالوا لك لا تهلك أساً، وأنت تريد من أصحابك الذين تخاطبهم الآن وقوفاً كوقوف أصحابك الذين وقفوا في الماضي. ففي هناك نقطة مفرغة في هذه الجزئية، أتركها لتأمل الطالب، في حدا عنده فيها شيء قبل ما نمضي؟
بس أنتم فهمتم موطن الإشكال، أنا بدك تفهم موطن الإشكال في طريقة الربط الواضح بين هذا البيت والبيت الأول.
طيب، طبعا أنا كنت أتمنى أني أقول إنه وقوفاً بها صحبي أني أقول من النهاية إن هذا لا، هذا مرتبط بالبيت السابق وإنه هو كان يتكلم إنه لما وقف عند سامورات الحي ناقف عن ظريف، فجاء أصحابه فوقفوا عليه وقالوا له لا تهلك أساً، كسيناريو خلينا نقول جميل، لكن المشكلة مش قادر أقوله؛ لأن الشراح كلهم يربطونه.
وقوفاً بها صحبي بالبيت الأول ما حداش فيما وقفت عليه ابن الأنباري التبريزي الزوزني ما حداش ربط هذا البيت بالبيت السابق. وهذا الذي جعلني أحجم وأقول وقوفاً؛ لو ربطها بالبيت السابق طب ما العامل في كلمة وقوفاً بالنصب؟ ما الذي عمل في وقوفاً؟ سيكون لو كان مرتبطاً بالبيت السابق ما في كلمة وقف في البيت السابق. فهذا أيضاً مما يسبب إشكال، وأحياناً طرح الإشكال مهم حتى تعمل الطاقة الذهنية لديك في محاولة الشبك والربط وفعل الأمر.
حتى يصح أو بصحبه حتى يصح البيت الثاني والثالث والرابع حتى يحدث الصحة. هو أكيد هو بيحاول يربط هذا البيت الخامس بالبيت الأول، أن الرجل وقف على ديار المحبوبة وطلب من زملائه أن يبكوا معه، قفا نبكي يا جماعة، كيف نبكي؟ من ذكرى حبيب ومنزلي. تمام، فلما حصل هذا الوقوف كانوا يريد أن يقول: لما حصل هذا الوقوف أصحابه قالوا له لا تهلك أسى وتجملِ.
لكن هل هذه المقولة لا تهلك هي قالها أصحابه له لما قال لهم كيف نبكي ولا هذا مشهد آخر لأصحاب آخرين في يوم من الأيام، يوم من أيام الرحيل قالوا له هذا الكلام؟ هي هاي النقطة التي أنا أحاول أن أدور حولها. هل هذه الإشكال أيضاً بمعلقة بالعكس؟ لا، أوضح، لا، معلقة في معلقة طرفة السب كان منسجماً هنا، هذا الفصل الكبير مع قوله وقوفاً بها صحبي. أنت تتكلم أنت قبل شيء كيف نبكي، كنت بتكلم بتخاطب فجأة كأنه نوع من الالتفات. مش أخذنا أسلوب الالتفات؟ كان نوع من الالتفات، فقال وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم.
إذا أنا بدي أمشي على كلام ابن الأنباري والزوزني والتبريزي، يظهر كلامهم أنه هكذا المشهد عندهم، أنه هو قال قفا نبكي من ذكرى حبيب، فهذول أصحابه ايش قالوا له؟ لا تهلك أسى وتجملِ. هذا ظاهر كلامهم، أنه هو قال في البداية قفا نبكي فهم قالوا له لا لا تبكي الله يرضى عليك، شد لنا حيلك ولا تهلك أسى وتجمل، حتى يعني لا تفتح مساحة للوشاة أو للذين يريدون أن يعيبوا امرأ القيس. فهذه مساحة إذاً للتفكير، فكروا فيها.
طيب، يقولون لا تهلك أسى وتجمل. فهو ماذا رد على هؤلاء الآخرين الآن في حوار دار بينه وبين أصحابه؟ هم ماذا قالوا له؟ قالوا له لا تهلك أسى، خلاص لا تقتل حالك من الأسى، لعلك باخر عن نفسك، يعني لا تولك نفسك وحزناً على فراق المحبوبة، وتجمل أي تصبر وأظهر القوة والجلد. طيب، فهو بماذا أجاب أصحابه؟ قال: وإن شفائي عبرةٌ أن سفحتها. وفي رواية عبرةٌ لو سفحتها. والرواية الثالثة عبرةٌ مهراقةٌ. في ثلاث روايات: أن سفحتها، لو سفحتها، وعبرة مهراقة.
وهل عند رسم دارس من معولِ؟ قال: وإن شفائي الآن في تناسق هنا بين هذا البيت والبيت السابق. أصحابه لما وقفوا مطاياهم عليه ماذا قالوا له؟ لا تهلك أسى وتجمل ولا تبكي. فهو ايش بقول لهم؟ وإن شفائي، هذه البداية السريعة وإن شفائي تجعلني أضع علامة استفهام على الواو، الواو هنا ما هي؟ هل هي واو استئناف، أنه يستانف جملة جديدة، أم هي واو عاطفة عطفت ما بعدها على شيء محذوف؟
إذا قلت أنها واو عاطفة كان هناك شيء محذوف يفهم ضمناً، كأنه يقول لهم لا أمتنع من البكاء. هم ايش قالوا له؟ لا تهلك أسى. فهو بماذا أجاب؟ كأن هناك شيء محذوف، يقول لا أستطيع الوقوف عن البكاء، وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ. ليش لا يستطيع الوقوف عن البكاء أو أن يمنع نفسه؟ لأن دواءه وشفاءه من سقمه سيكون من خلال ماذا؟ البكاء. فإذا جعلت الواو عاطفة كان هناك المعطوف عليه جملة محذوفة، والتقدير لا أستطيع الانقطاع عن البكاء، أو أن أمنع نفسي من البكاء ليه؟ وإن شفائي عبرةٌ فكان هناك عطف لا أستطيع الصبر عدم البكاء، وإن شفائي عبرة.
ويمكن أن يقال لا يوجد شيء محذوف، وأن الواو هذه واو استئنافية، لكنه في أسلوب المفاجأة في الرد، في سرعة أنهم قالوا لا تهلك أسى فجأة، وماذا قال؟ وإن شفائي عبرةٌ. تمام، في نوع من الاختصار والختزال إذا تلاحظون، يعني ما في ذكر لتفاصيل الحوار هو وإن لا تهلك أسى وإن شفائي.
إذا في هناك احتمالية أن تكون جملة محذوفة دلت عليها الواو العاطفة، أنني لا أستطيع أن أمتنع من البكاء وشفائي في هذه الدمعات. طيب، وإن شفائي الشفاء يدل على وجود مرض صح ولا لا سابق؟ فالرجل مريض، مريض بلوعة الذكريات والحزن على فراق كل شيء، على فراق كل شيء يحبه.
وإن شفائي عبرةٌ العبرة هي الدمعة قبل أن تنزل. العبرة هي الدمعة وهي تترقرق في عينيك قبل أن تنزل، أي تسمى ماذا؟ عبرة، فإذا نزلت أصبحت دمعة. ممتاز. فيقول لهم شفائي عبرةٌ إن سفحتها، سفحتها صببتها، وفي رواية أخرى قلنا لو سفحتها أي لو صببتها، وفي رواية وإن شفائي عبرةٌ مهراقةٌ أي مصبوبةٌ. ثم قال في الجملة التي تليها: وهل عند رسم دارس من معولِ؟
خلوني في البيت الشطر الأول قال: وإن شفائي عبرةً. قالوا له لا تهلك أسى. وأنا بقدرش، وإن شفائي أنا شفائي في العبرة إن سفحتها، لكن إن سفحتها عن هذه الرواية هذا أسلوب شرط صح؟ طب هو يعني وإن تفيد أيضاً شيء من الشك، هو يقول شفائي عبرةٌ إن نزلتُ. طب هو لماذا يشك؟ فهمتم سؤالي؟ هو يقول وإن شفائي عبرةً إن سفحتها يعني وعلى الرواية الثانية لو سفحتها.
طيب، هو سؤالي لك: ما الذي يمنعك من أن تسفحها وأنت الذي وقف عند ثمرات الحي وأنت وأنت، لماذا تقول إن سفحتها؟ ألا تشعر أن رواية إن سفحتها تجعلك تشعر بالشك أنه هل هو يريد البكاء أم لا؟ وإن شفائي عبرةٌ إن سفحتها. لسة لو أفضل رواية له، بالنسبة لي أفضل، لأنه لو تريد أن تفيد التمني أنه يتمنى لو أني يا ريتني نزلتها، طب هو ما الذي أن تنزلها؟ ممكن نقول إنه منعه أن ينزلها ما وقع في الشطر الذي يليه لما قال: وهل عند رسم دارس من معولِ؟
ما معنى وهل عند رسم دارس من معولِ؟ كان هناك كما يقال بموسى، كان لحظة الرجل فيها راجع نفسه، هو يقول كأني غداة البيني وتحملات الحي يقول يقول في بداية القصيده كيف نبكي؟ هو أوقف أصحابه للبكاء صح؟ كيف نبكي من ذكرى حبيب وأصحابه ماذا قالوا له على طريقة الجمهور؟ قالوا له لا تهلك أسى وتجمل، صبر حالك.
فهو قال لهم أنا شفائي في هذا البكاء. بعد ما صار هذا الحوار، كيف نبكي؟ لا تبكي، أنا شفائي عبرة مهراقة، كأنه شوية هكذا استيقظ وعاد إلى نفسه يفكر: وهل عند رسم دارس من معولِ؟ معول كلمة معول هنا هناك معنيان لها أو احتمالان في معناها. المعنى الأول: المعول المعتمد، الشيء الذي تقول تعول عليه، ايش يعني تعتمد؟ أعول عليك، أستند عليك، فهو على هذا المعنى يقول: وهل عند وهل يعول على رسم دارس؟ كأنه يريد أن يقول: وهل يعول على البكاء عند رسم دارس؟ هل هذا سيفيد؟ هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني ليعول، البعض قال معول المعول هو مكان العويل والعويل والصراخ وكانه يقول: هل تجد مكاناً للعويل عند رسم دارس؟ أنا حقيقة أرجح المعنى الأول، وأن المراد وهل يعول أن يعتمد ويستندوا على البكاء عند رسم دارس؟ كأنه بحكي مع نفسه. قلت طبعا ايش راح استفيد إذا بكيت عند هذا الرسم الدارس؟ هل سيعيد لي هذا البكاء شيئاً؟ كأنه عاد إلى نفسه يحاورها، بعد أن قال: وإن شفائي عبرة مهراقة، كأنه في نوع من الحوار الداخلي.
طب أنت بتقول شفائك عبرة مهراقة، طب ما الفائدة بالله عليك؟ هل هناك من معول من فائدة ترجى من منفعة ستحصل إذا بكيت عند رسم دارس؟ فهمتم السؤال الآن؟ بناء على هذا المعنى أنه هو في هذا استفهام استنكاري، كأنه يستنكر وجود فائدة من البكاء عند الرسم الدارس ممتاز. طب ماذا سيكون ربطها بالبيت بالشطر الأول؟ هو يقول: وإن شفائي عبرة إن سفحتها. طب لماذا أنت تشك في سفحها؟ كانك تشك في سفحها لما سياتي توطئتها، كان هذه التوطئة للشطر الثاني، أن الشك هنا ليس لأنه لا يريد البكاء، بل لأنه يرى أنه لا جدوى من البكاء، لذلك تردد هنيهة في سفحها.
يعني هو يقول: وإن شفائي عبرة، ثم قال إن سفحتها. طب ليش أنت شاكك في سفحها مش أنت بدك تبكي؟ قال: كان هذا توطئة للبيت أو للشطر الثاني، أن التردد ليس لأنه لا يريد البكاء، التردد لأنه قد لا يرى جدوى من البكاء وفائدة عند الرسم الدارس. لكن لو أننا ذهبنا إلى الرواية الثالثة المشهورة، وإن شفائي عبرة مهراقة، خلاص تزول كل هذه الإشكاليات، لذلك البعض كان يرجحها يقول لك لا الأفضل أن تقول: وإن شفائي عبرة مهراقة، تريها أن شفائي عبرة مصبوبة، وخلاص، فأول عند رسم دارس من معول.
ليش قلت إن سفحتها أو لو سفحتها؟ لكن حتى رواية سفحتها لها مبرر، وهو الشك والهنيئة التي أو التلكؤ الذي حدث عنده في جدوى هذا البكاء.
لكن أنا يورد هذا البيت عندكم إشكال آخر، وهو أنه في البيت الثاني أخبر أن الرسم لم يندرس بسبب مرور رياح الشمال والجنوب، وهنا ماذا يقول: وهل عند رسم دارس؟ طب كيف أنت وين بتقول رسم دارس، وفي البيت الثاني بتقول لي إن الرسم لم يندرس؟ أليس هذا نوعاً من التناقض عند امرئ القيس؟ ماذا تقول السادة العلماء رحمهم الله؟ تفضل.
تخريجات: إنه هنا لما أثبت أن بعض الرسم اندرس، قالوا هذا في بعض المواطن اندرس، ولما نفى الاندراس في مواطن أخرى، هذا تخريج أنه عندما نفى الاندراس في موطن وعندما أثبت الاندراس هنا هذا موطن آخر. طيب وقيل ناصر أحسنت، هذا أحد التخريجات أن البعض قالوا: وهل عند رسم دارس أيوه هل عند رسم ماله في النهاية أن يندرس؟ نعم هو الآن لم يندرس لما نسجتها من جنوب وشمال، لكن في النهاية في النهاية الرسم قديش بدو يقعد يعني كمان عشرين سنة ثلاثين سنة آخر فقالوا: إنه أرى عند رسم دارس أي في المستقبل وإن كان لم يندرس الآن لما نزلتها من جنوب وشمال. هذا معنى جميل.
البعض قال أيوه نعم أن لما قال لم يعف رسمها أن الضمير عائد على الذكرى اللي قالوا الأخ وإن، فالذي لم يندرس هو الذكرى، والذي اندرس هنا هو البقعة والأرض، فيكون الدارس غير المش دارس، الذي لم يندرس هو الذكرى بس هذا شوي راح يجعلنا ننقض مرجع الضمير، فانا لا خليني حتى أوحد مرجع الضمير استثني هذا الخيار. ممكن نقول إن الرجل الواطئ قال وقع في حيرة، لأن هذه وقعت عند أكثر من شاعر ووقعت عند زهير بن أبي سلمى أنه أخبر عن اندراس الرسوم ثم عدم الدراسة أو عدم اندراساً من دراسة.
وهذه الحيرة هي جميلة ومحببة لأنها تجعلك تشعر بالاضطراب الذي يمر به الشاعر أولاً قال لك لا ما اندرس شوية إيه اندرس هو نوع من التناقض المقصود، البعض قال هو نوع من التناقض الذي يقصده الشعراء ليخبرك عن مدى الحيرة أنه خيل له ابتداءً أن الرسم لم يندرس، ثم بعد أن مشى في القصيدة قال له لا إن الرسم وذهب فهو تناقض مقصود لديه ليخبرك عن مدى الاضطراب الذي يعاني منه، والإنسان لما يكون في لحظة شوق ولوعه وحزن يبطل يشوف الأشياء كما هي، اليس كذلك؟ لا يرى الأشياء على ما هي عليه.
فكانه تخيل ابتداء أنها لم تندرس، ركز أكثر فإذا هي إيش؟ أي والله طلعت مندرسة، عشان هيك حكى وهذا عند رسم دارس من معوله، شو راح استفيد من البكاء والعويل عند رسم دارس؟ هذا لا يعول عليه، وهل عند رسم دارس من معولي؟ هذا استفهام استنكاري في لحظة يقظة لدقائق محدودة أراد أن يقول: أنا ماذا ستفيد، وما الجدوى التي سأحصلها إذا بكيت عند هذا الرسم الدارس؟
طيب، فعاد أصحابه يحاورونه هذا كله حوار في هذه الابيات: وقوفاً بها صحبي عليَّ مطيهم، شو قالوا لي؟ لا تهلك أسى وتجملِ، فهو ايش قال لهم؟ إن شفائي عبرة مهراقة، سامحوني أنا ما بشفيني إلا أن أبعدين كأنه انتبه، طب أنا شو راح استفيد من البكاء؟ هل هناك من معول من بكاء عند رسم دارس؟ ما هي راحت يا شيخنا الذكريات بما فيها، فقالوا لأصحابه يعني كأنه بعد أن قال: وإن عند رسم دارس من معولي كأنه أصحابه ممكن نقول أرادوا أن يستغلوا لحظة اليقظة هذه والآن استيقظ شوي صح بدأ يراجع نفسه من دارس من معولي.
فأصحابه أرادوا أن يستغلوا لحظة اليقظة فقالوا له: كدابك، هذه الرواية المشهورة، وهناك رواية أخرى: كدينك، والدين هو أيضاً بمعنى العادة، الدين هو أيضاً بمعنى العادة والشيء المستمر، ومنه تقول الديدان نفس الشيء، كدينك أي كدينك وعادتك المستمرة، عادتك المستمرة.
ماذا يريدون أن يقول له الآن؟ هم يرونه متقطعاً على محبوبة معينة صحيح، هم يرونه متقطعاً على محبوبة، لذلك هم ذكروه بقصص محبوبات سابقة فماذا قالوا له؟ كدينك من أم الحويرث قبلها وجارتها أم الرباب بمأسلِ ثانية. كأنهم ماذا يريدون أن يقولوا باختصار؟ أنه أنت ليش مقطع حالك بكاءً على هذه المحبوبة؟ بس هنا طبعا راح أرجع شوي لأنه هو عن أي معول بتكلمو أنتم؟ يعني أنتم الآن هم باختصار يقولون له: هذه ليست أول مرة أنت تفارق، ليست أول مرة يحدث فيها رحيل، فقد رحل عنك محبوبات سوابق مثل أم الحويرث وأم الرباب.
هؤلاء محبوبات أيضاً رحلوا، فالرحيل ليس شيئاً طارئاً على حياتك يا امرئ القيس، فقد فلك به عادة سابقة. لكن هنا هم لما يقولوا، ركزوا معي، لما يقولوا: كدينك من أم الحويرث قبلها، الضمير في قبلها يعود على من؟ مين هي المحبوبة اللي وين، اللي مش، اللي احنا مش عارفينها يعني، مش المحبوب اللي جلس عند ثمرات الحي يبكي عليها ما يظهر أن هذه المحبوبة المقصودة هنا. طب عن أي محبوبة يتكلمون؟ يقولون: كدينك من أم الحويرث قبلها. قبل من؟ إذاً في هناك محبوبة وامرؤ القيس مش عم بيركز على تعيينها. في محبوبة امرئ القيس من بداية القصيدة مش عم بيركز عليها، كيف نبكي من ذكرى حبيب، وقلنا حتى أن هناك الحبيب على شيء من التعميم، في هناك محبوبة كان امرؤ القيس يتعمد إخفائها، يتعمد عدم ذكرها بالنص تمام، وإنما يكني عنها بالضمير، وكأنه ليس المهم أن تعرف من هي، المهم أن تعرف حالي أنا، أنني الآن في لوعة وفراق وحزن واكتئاب، أما مين هي، من هي، هذا لا يهمك أن تعرفه. وهذا من حسن سبكه، إنه هو يبعد العناصر غير المهمة ويجعلك تركز على العنصر المهم: حاله.
لذلك، كما قلنا، البعض يفهم لامرئ القيس فقط يريد أن يتغزل، امرؤ القيس بعيد جداً عن التغزل في هذه القصيدة، بعيد جداً وليس سياق تغزل، هو يبكي ولوعة وحزن وذكريات، فهو يخبر عن نفسه وعن حياته، لدرجة أنه هنا لم يذكر من هي الحبيبة التي قبلها: كدينك أو كدأبك من أم الحويرث قبلها. إذاً هو كأنه لما طلب من أصحابه الوقوف للبكاء: قفا نبكي، كان أصحابه عرفوا أنه يبكي شيئاً معيناً من محبوباته، ممتاز. فلما قالوا: لولا تهلك أسى وتجمل، يا عمي خلاص لا تبكي وتصبر، قال لهم: إن شفائي عبرة مهراقة فهل عند رسم دارس من معول؟ تمام. فقالوا له: أنت ليس أول مرة تفارق، فقد تحدثت لقصص فراق لغير هذه المحبوبة، الغير مذكورة في السياق، المحبوبة المجهولة التي نضع عليها علامة استفهام. المهم، هناك قصص فراق حدثت معك قبلها، لذلك قالوا: كدينك من أم الحويرث قبل هذه المحبوبة المجهولة، وجارتها وصديقتها، قد تكون جارة في الصداقة في المكان، أم الرباب بماسل. بماسل مكان، هاتان المحبوبتان كانتا تسكنان في ماسل، وامرؤ القيس قصة معهما، الله تعالى أعلم، واضح أنه كان على علاقة فيهما، وكعادته محبوبات امرئ القيس يفارقونه، فأم الحويرث وجارتها أم الرباب اللي كانوا في منطقة ماسل هؤلاء فارقوك أيضاً وانتهى الأمر.
فخلاص يعني لا تبكي على هذه المحبوبة المجهولة أيضاً، فالكل سيفارق، الكل سيغادر الحياة، مغادرة الحياة فراق، وهذه فكرة امرئ القيس: الحياة كلها مغادرة وفراق، ولا يوجد ثبات واستقرار. فأم الحويرث أيضاً غادرت، أم الرباب أيضاً غادرت. طيب، الآن هنا في بيت بعد يعني مرتبط بهذا البيت في بعض النسخ، وهذا البيت رواه كثيراً، إنه وصف أم الحويرث وأم الرباب فقال: إذا قامت تضوع المسك منهما نسيم الصبا جاءت بري القرنفل. هذا موجود عندكم في الحاشية ستة: إذا قامت تضوع المسك منهما. هاتان الفتاتان إذا قامت من مكانهما تهب رائحة جميلة، تضوع أي انتشر، فما التطوع؟ أي انتشرت رائحة المسك منهما في كل مكان، يعني قيامهما يسبب هذا الانتشار للرائحة الذكية. القيام يسبب تضوعاً لرائحة ذكية، إذا قامت انتشرت رائحة المسك منهما في كل أرجاء المكان، كأنهما يعني قامتتا، كأن القيام هنا المغادرة، القيام هنا كانه بمعنى إيش؟ مش بقول لك خلاص قام الشيخ، شو يعني قام؟ مش المراد أنه قائم، يعني قام مغادر، فالمراد أن هاتان المحبوبتان بقيامهما ومغادرتهما تبقى رائحة المسك تعم المكان.
ثم قال: نسيم الصبا، نسيمه مفعول مطلق، مفعول مطلق أيضاً معنوي: فقمت وقوفاً وجلست قعوداً، فهنا تضوع المسك نسيمه، نسيمه مفعول مطلق لأيش؟ لتضوع، وهو متناسبان، تضوع المسك منهما كأنه قد تضوع أي تكلم، كما أن نسيم الصبا إذا مر بالقرنفل جاء برياه ورائحته ونشرها، النسيم الذي يأتي مع الصبا مع هذه الرياح، نسيم الصبا جاءت بريئته الرائحة الجميلة والقرنفل النبات المعروف القرنفل من الروائح الجميلة، فهو يقبل أن رائحة المسك التي تنتشر من هاتين الفتاتين تشبهان لماذا؟ نسيم الصبا لما يهب وهو معبأ برائحة القرنفل، بري القرنفل هب على هذا المكان، وهذا يدل على كمية الرائحة الطيبة العالية التي تتركانها، متخيل أنك تشبهها بنسيم الصبا عندما يهب؟ إيش حجم هذه الرائحة الزكية التي هبت؟
طيب، ثم قال في البيت الذي يليه: ففاضت دموع العين. الآن هو الزلمة ساعتين دمعته تمام، وبقول لك عم يحاول يقنع نفسه إنه فيش داعي للبكاء، وهل عند رسم دارس زي ما حكيت إيش صحت هذه العبارة الدقيقة؟ إنه هو ماسك حاله، ماسك حاله إنه هذا كله حوار مع أصحابه: قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللواء بين الدخول فحومل، وعم بحدد لهم أماكن المحبوبة ترى بعض الأرقام، وهو كل هذا حابس دمعة الرجل لسه ما بكى، هو بس طلب منهم البكاء، بدك تمشي الآن على هذا التسلسل، وفقد طلب منهم البكاء. هو الآن عم بيذكرهم هاي العرصات وهاي الساحات، فهم وقفوا علي على طريقة الجمهور، وقف أصحابه عليه وقالوا له: يا ابن الحلال، اتحمل شد حيلك وأوعك تبق- امرؤ القيس أوعك تبكي، لا تهلك وتجمل، أظهر القوة والشجاعة. فهو بقول: عمي والله ما أنا قادر، وإن شفائي عبرة مهراقة، أنا محتاج البكاء هو اللي راح يشفيني، البكاء ما في حل آخر غير البكاء، وإن شفائي عبرة مهراقة، أو أن سفحتها، ليش ترددها في سفحها؟
كأنه كما قلنا راجع نفسه، والله كلام الجماعة صحيح، والله ما هو، فهل عند رسم دارس من معول؟ هل يعول على البكاء عند الرسم الدارس؟ شو راح استفيد لو بكيت؟ فهم غلطوا هم يخففوا عن الزلمة، فتحوا له أوجاعه فذكروه مين؟ فام الحويرث وأم الرباب، ذكروه باوجاعه وآلامه، قال: ابن الحلال، ترى ما هي أول مرة أنت تفارق، الفراق وقع معك في حياتك سابقاً، فهذه أم الحويرث وأم الرباب، تذكر المجال نسيم الظاهر، دمروه نفسياً، عشان هيك البعض من القصيدة ههه، لما ذكروا له نسيم الصبا الذي يهب منهما كان الأمور هنا انشحنت في قمة الانشحان، الرجل وصل إلى قمة الانشحان، ما عاد يستطيع أن يملك دموعه. قال: فط، والفاء هنا تدل على التعقيب، يعني بعد أن قالوا لي وجابوا سيرة أم الحويرث وأم الرباب خلاص، ففاضت وهنا نتكلم عن ماذا؟ ما قال فبكيت، ما قال فسالت، قال إيش؟ فاضت، وهذه مقصودة كلمة فاضت هنا، فاضت كلمة طبعا مقصودة، لا يمكن يكون امرؤ القيس تابع اعتباطاً، لأن الفيضان يدل على الغزارة والكثافة في هطول الدموع.
ففاضت دموع العين مني، وهذه كلمة مني هنا أيضاً مقصودة، يعني لأنه هو كله حديث عن شخصه وعن حزنه وعن نفسه، كلمة مني، وأيضاً قبل قليل في البيت: وقوفاً بها صحبي علي، هو حاضر، هو حاضر في كل مشاهد القصيدة، لأن القصيدة محورها يدور عليه، فلابد أن يحضر لك نفسه في كل شيء، لذلك: وإن شفائي، ضمير المتكلم ستجدونه حاضراً بقوة في القصيدة أن هو يريد أن يحضر لك نفسه، مشاعره وأحاسيسه في هذه اللحظات، ففاضت دموع العين مني، وأيضاً وكان كلمة ففاضت مني كأن فيها إشارة لمعنى ما هو؟ لو أنا اللي ماسك حالي كأنه فلت، صح؟ فاضت مني يعني خلاص طلعت مني وأنا مش قادر أمسكها، وهذا الفيضان الله أعلم متى يتوقف. قال: ففاضت دموع العين مني، إذاً كلمة مني أيضاً تدل على أنه فقد زمام الأمور، فاضت مني، طلعت مني وخلص، فقدت السيطرة وهذه الدموع تنساب وتنسكب بكثافه.
طيب، صبابة، مفعول لأجله، أي هذه دموع إيش؟ دموع الشوق والحنين، أليس كذلك؟ فالصبابة هي الشوق والحنين والرقة، فهذه دموع حزن وشوق ورقة، حتى أن هذه الدموع لغزارتها أين وصلت؟ إلى النحر، وهذا هو النحر مش المراة، هذا هو النحر، الدموع وصلت إلى النحر، حتى بل دمعي محملي، فهم لما شافوه بهذه الحالة، طبعا هنا في خلاف: هل هو الآن بدأ سيخاطب نفسه؟ وهذا ما يسمى تجريداً، إنه سيخاطب الآن نفسه. أم ما زال أصحابه يتحدثون معه لما راوه في هذه الحالة التي يرثى لها وهذا الفيضان من الدموع، قالوا له: ألا رب يوم لك منهن صالح، يعني أنه خفف شوي على حالك وتذكر الأيام الجميلة، لعل تذكرك للأيام الجميلة يخفف من حدة البكاء. فاستعملوا ألا، طبعا أداة استفتاح، من هنا حقيقة سيستفتح مشهد جديد، مشهد ذكرياته مع محبوباته، سنبدا بيوم دار الجلجل والمصيبة اللي عملها امرؤ القيس في هذا اليوم مع عنيزه وغيرها، وبعد ذلك فاطمة، وبعد ذلك بيضة الخدر.
فهنا ألا أداة استفتاح وتنبيه، كأنه الآن ينبهك على بدايه فصل جديد من فصول القصيدة، وهو فصل إيش يا جماعة؟ مش احنا قسمنا القصيدة لفصول؟ فصل المغامرات العاطفية قلنا لامرئ القيس، فهنا قال: ألا ألا أداة استفتاح وتنبيه لفصل جديد، ورب حرف جر في سياقات معينة يفيد التقليل، وفي سياقات معينة يفيد التكثير، وهنا أفاد به التكثير: ألا رب أي كثيرة هي الأيام الصالحة. ألا رب يوم لك منهن صالح، شوف فصل بين الصفة والموصوف إنه صالحا صفة لأيش؟ اليوم، أكيد، لما فصل بين الصفة والموصوف إذاً في أكيد شيء مهم بدو يركز عليهم، لك منهن. هذه الأيام، ما قال لهن منك، احتمالين: أن يقول ألا رب يوم لهن، لهؤلاء المحبوبات ملنه منك، ويمكن العكس: ألا رب يوم لك أنت نلته منهن، ومن المهم امرؤ القيس ولا محبوباته هو؟ ركز على ما حصله هو وليس ما حصلناهن من الجمال.
هذه مهم، إنه قال ألا رب يوم لك، كأن زملائه يخاطبونه يقولون له: طب أنت الآن فاضي فيضان الذي صار، كأنه أرادوا أن يرطبوا الأجواء، يغيروا الموضوع حتى يخففوا تذكر امرئ القيس كم من يوم صالح لك أنت حصلته منهن؟ فهم النساء المعشوقات هن البازلات وامرؤ القيس المبذول له، هو الذي حصل وليس امرئ القيس هو الباذل وهن اللواتي حصن، وهذا مقصود، صح ولا لا؟ ولذلك قالوا له: أنت حصلت لك لك لك من هن، أنت حصلت من هون هن بذلن وأنت نلت، لأن امرئ القيس كما قلنا القصيدة تتمحور حول شخصه وليس حول أي شيء آخر. ولذلك لأن هذا مقصود إظهار أن امرئ القيس هو الذي نال، هو الذي حصل، وأن النساء هن الباذلات وليس المبذول لهن، فصل بين الصفة والموصوف.
وللاحظوا قال: ألا يوم لك منهن صالح، وصف اليوم بأنه صالح، لكن طبعا هنا الصلاحية مفهوم بالمفهوم الله، مفهوم الجماعة الطيبين، لأنه ليس صالحاً بالمفهوم الشرعي هذا، ليس صالحاً، الله يكرمك هو صلاح، يعني جمال عاشه في حياته، نسأل الله العافية منه، لكن خلاص خلينا على مفهومهم إلى الصلاح. ووصف اليوم بالصلاح، هل الصلاح هو اليوم أو الأحداث التي وقعت في اليوم؟ يعني الجمال هو في اليوم أو في الساعات أو عفواً في الوقائع؟ في الوقائع، لكن كأنه لما أراد أن يخبر أن الجمال استغرق كاملاً اليوم، كأن اليوم هو الذي وصف بالصلاح، مع أن الصالح حقيقة ليس اليوم وإنما ما وقع فيه من أحداث ومشاهد ممتاز.
فلما أراد أن يخبر أن هذه المشاهد استغرقت اليوم أو أنها أثرت على كامل اليوم، قال: ولا سيما، أي وخصوصاً يوم دار الجلجل، طبعا دار الجلجل هذه منطقة من مناطق مملكة كنده، حدث فيها مشهد من مشاهد العشق ومن مشاهد يعني الحياة الفجور العربية خلينا نسميها، لكن حقيقة ما حدث في هذا اليوم سواء يعني ما ذكره صاحب جمهرة أشعار العرب أبو زيد القرشي أو ما ذكره من الأنباري هو شيء يروى، هو شيء يروى وليس يعني بالضرورة أن يكون صدقاً، يعني لم يروى بالسند المتصل، شيء يروى في كتب العرب عن فجور امرئ القيس في هذا اليوم وما حدث فيه، وهذا لن اروي ما حدث في هذا اليوم، وإنما أنتم تقراونه عند ابن الأنباري أو عند ابن أبي زيد القرشي في جمهرة أشعار العرب وماذا فعل بالنساء عندما نزلنا الغدير.
لكن أنا فقط أراد أن أنبهك، الناس تتفكر على هذا الشيء، لكن هل هو فعلاً حدث؟ يعني هو يبقى في النهاية شيء يروى، يمكن أن يكون حدث، يمكن ليس بهذا العمق من الفجور، يعني أحياناً بعض الأمور أنت أيضاً تحتاج أن تتوقف معها، يعني هل شخصية امرئ القيس اتصل به لهذه المرحلة؟ والله ممكن أقول لك، بيضة الخدر لا يستبعد على هذا الرجل أن يفعل هذا الشيء، لكنه يعني شيء لا حاجة إلى ذكره في هذا المقام ولن يضيف شيئاً على شرحنا للقصيدة، لكنه يوم عاقر فيه الرجل فيه النساء، وذكر لنا منه أطرافاً: ويوم عقرت للعذارى مطية، فيا عجباً لرحلها المتحملي، فظل العذارى يرتمين بلحمها وشحمه كهداب الدمقس المفيرد. هذا كله، ويوم دخلت الخدر، خدر عنيزة، هذا كله، هذه الأحداث اللي وقعت بعد انتهاء دارها، يعني هي نعم هي في نفس اليوم، لكن بعد انتهاء مشهد الفجور الذي فعله، ويروى، ذكر امرئ القيس في قصيدته هذه الابيات بعد أن انتهى مما حدث ومما وقع إن صح، قال: عقرت للعذارى للفتيات اللي كانوا في الغدير مطييتي. هذا يتركه إن شاء الله للمجلس.
القادم بإذن الله نشرح هذا البيت وقصته مع عنيزة، ثم قصته مع فاطمة، ثم قصته مع بيضة الخضر. ولكن مهم جداً بقاء ارتباط الأبيات في ذهنك حاضراً، تبقى دائماً تكرر الأبيات وتستحضر ارتباطها، وكيف الآن هو سينتقل إلى فصل جديد من فصول الذكريات الجميلة لديه في وجهة نظره، ذكريات جميلة يحب أن يستذكرها.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل