تسجيل الدخول

شرح معلقة النابغة الذبياني (3) / مدح النعمان بن المنذر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة عيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في التعليق على معلقة النابغة الذبياني، وهي معلقة اعتذار يعتذر فيها ويتوب مما نُسب إليه على ألسنة الوشاة أمام النعمان بن المنذر، أحد الملوك الكبار.

هذه القصيدة الاعتذار قصيدة جميلة في مبناها وفي طريقة طرح أفكارها؛ يعني هو فتح باب الاعتذار، فتح باب هذا النوع من التفكير، الاعتذاريات، باب كيف يمكن ان تعتذر وتتوب بطريقة جميلة، بطريقة ملفتة، من خلال صناعة قصة، من خلال صناعة مشهد. فنحن رأينا في المجالس السابقة أولاً كيف بدأ بالمقطع الطللي: يا دار ميت بالعلياء فالسندِ، أقوت وطال عليها سالف الأمدِ. وقفت فيها أصيلًا ما أسائلها، عييّ جواباً وما بالربع من أحدِ، إلا الأواري لأياً ما أبينها، والنؤي كالحوض بالمظلوم الجلدِ. ردت عليه قاصية، ولْبَ ضرب الوليدة بالممسحة في الثادِ.

خلت سبيل أتي كان يحبسه، ورفعته إلى السجن في النضدِ. قلنا ما هما السجف؟ ستران يوضعان أمام الخدين، والنعام هو الستر الذي تُستر به البيت. طيب، ما معنى النضد؟ الأثاث، الأثاث. ولماذا سمي نضداً؟ لأنه يرتب دائماً، الأثاث توضع القطعة فوق القطعة. طيب، أمست خلاء وأمسى أهلها ارتحلوا، أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ. وقلنا ما هو لبد؟ لبد غيرك، شيخ محمد، يلا ولا أنت على الذكر. آه، شيخ، آه، شيخ، ما هو لبد؟ آه يا شيخ، آه يا شيخ محمد، طير سليمان. قلنا نسر سليمان، لا، مش سليمان، نسر لقمان. قلنا نسر لقمان الحكيم، قيل إن لقمان، طبعا هذا قيل، هل هذا ثابت؟ غير ثابت، ليس موطناً، وإنما هو بحث تاريخي. قيل إن لقمان، لقمان بن عاد، هكذا يقول له نسر، عاش 400 سنة، ثم مات، فأصبح يضرب به المثل أن كل شيء مهما عاش سيموت. فيقول: أخنى عليها الذي أخنى على لبدِ، الذي أهلك لبداً، مع أنه عاش وعمر.

سيفني هذه القرية فاعجَمْ عما ترى، إذ لا ارتجاعَ له، وإنما القود على عيرانهِ. ما هي القود؟ وما فيش غير الشيخ يعني؟ آه، وين من القود؟ إيش القود؟ نعم، قلنا أربعة أخشاب كانت توضع على الناقة ليوضع عليها الرحل. ومن قود على عيرانه أجدي، مقذوفة بدخيس النحض، بازلُهُ، له صريف، صريف القعو بالمسدِ. قلنا ما معنى القعو؟ بكرة، إوه، البكرة. إخواني، ترى إذا لا تعرفون المفردات ضاعت الفائدة من دراسة المعلقات؛ ندرس لنكتسب مفردات جديدة في الحياة، مفردات تستطيع توظفها في الخطب، في الكلام المنثور والمنظوم. فمهم جداً يعني أن تعرف معاني المفردات وأن لا تنسها.

كان رحلي وقد زال النهار بنا، يوم الجليل على مستانس وحدِ. قلنا تحولت الناقة العيران الأجدّ فجاه إلى ثور وحشي مستوحش في منطقة خلاء. وهذه القصة الآن هي قصة يعني خلينا نسميها الفصل الثاني، وهو فصل ماذا؟ الذي يتكلم فيه فصل الرحلة. ورحلته هنا لها فكرة رمزية، لا يمكن أن يكون هذا الفصل، لا يمكن، لا أتصور أن يكون النابغة الذبياني يتكلم عن قصة الثور الوحشي وماذا فعل هكذا اعتباطاً في قصيدة اعتذارية! هذا بعيد جداً جداً أن يكون هذا منتهى آمال العرب في مثل هذه القصائد. فيقول: يوم الجليل على مستانس وحدي، من وحش وجرة موشيّ أكارُ، طوي المصير كسيف الصيقل الفردِ. تمام، الآن بدأ يصف حال هذا الثور الوحشي: أسرت عليه من الجوزاء سارِية، تزجي الشمال عليه جامد البردِ.

بدأ يتكلم عن المصائب والأهوال التي أحاطت بهذا الثور الوحشي، وقلنا هذا الثور هو شخصية النابغة، هو نفسه النابغة، هو نفسه النابغة التي أحاطت به الكروبات والهموم، فارتاع من صوت كلاب، فبات له طوع الشوامت من خوف ومن صردِ. قلنا ما معنى طوع الشوامت؟ إوه، شيخ، قوائمه مستعدّة. الشوامت إذا هي القوائم، مش قلنا الشوامت هي ماذا؟ هي أسفل الأقدام. فما معنى أنه طائع لشوامته؟ هذا تركيب جميل تحفظه؛ طوع الشوامت، يعني إنسان متجهز، مستعد لاتخاذ قرار الفرار في أي لحظة، وينتظر ماذا سيفعل ماذا؟ الصياد.

فبث هن عليه، الصياد أرسل الكلاب على هذا الثور الوحشي المسكين، واستمر به سمع الكعوب بريئات من الحردِ. استمر به، أي نهض به، هذا الثور نهض وبدا يهرب وبدا رحلة الفرار. استمر به، أي نهض به. ما الذي نهض به؟ سمع الكعوب، أي نهضت به مفاصله؛ لأن الكعوب جمع كعب، وكل مفصل يسمى ماذا؟ كعباً. فيقول: نهضت به صمع الكعوب بريئة، صمع الكعوب، الصمع هي الضامرة الحادّة القوية التي يستطيع الاعتماد عليها في الركض. تمام. بريئات من الحردِ، أي بريئات، أي لا يوجد فيها ارتخاء وهزال وضعف؛ لأن مثل هذه لا يمكن أن تركض ولا يمكن أن تهرب. المهم وصلت إلى ملئها، إلى المحجر، اليس كذلك؟ فاصبحت هي وجه لوجه مع ضمران، وكان ضمران منه، أي من هذا الثور، حيث يوزعه طعن المعارك عند المحجر النجدي.

قلنا يعني ضمران وصل إلى هذا الثور وأصبح كل منهما بالنسبة إلى صاحبه في موطن يغريه فيه الطعن. حيث يوزعه، ذكرنا أكثر من معنى، وقلنا المعنى الأول حيث يغريه؛ فكان الثور المسافة بينه وبين ضمران مسافة تغري هذا الثور لأن يقوم بطعن ضمران بقرنه. أليس كذلك؟ طعن المعارك، أي طعن الذي يعارك وهو نجد، النجد وهو شجاع جريء. وأتى بكلمة عند المحجر، المحجر هو الملجأ، هو الكهف، هو المكان الذي يأوي إليه الثور، لكنه أتي به كأنه معترض بين الصفة والموصوف؛ يعني طعن المعارك النجد عند المحجر، فأتى بكلمة عند المحجر فصلت بين الصفة والموصوف. وهذه من الأمور التي ينبغي أن تدرس: لماذا فصل بين الصفة والموصوف هنا؟ فكان وجوده عند الملجأ كان أهم بالنسبة للشاعر من وصفه بأنه ماذا؟ نجد، فقدم الأهم، طعن المعارك عند المحجر، وهذا المعارك من صفته أنه قوي، فذكر أنه كان عند ملجاه كانت بالنسبة له أهمية كبرى. الآن تفضل، صل لأجل الققاف.

يعني شوف تفسير الفصل أو الاتيان بالاعتراض بسبب القافيه، هذا جعله دائما آخر التفاسير؛ لأنك أحلت الأمر على علة لفظية، والأصل أن يحال هذا الفصل والاعتراض على علة معنوية، هذا هو الأجمل. هذا دائماً خليه آخر التفاسير يا شيخ، أن العلة أن يكون في المحجر، هذا أدعى أن يكون أقوى، يدافع عن نفسه. ممكن، يعني هو تمام، ولكن لماذا ما آخرها؟ يعني هذا المعنى لا يظهر، ولو قد، ولو أخر؛ لأنها تستلزمه سياتي بعدها في الذكر على الترتيب، إلا أنك هو يقصد أنه لما كان عند ملجاه وبيته استأسد أكثر هذا الثور الوحشي ليدفع عن حريمه ويدفع عن بيته، فلذلك ظهرت الشجاعة بعد ذلك، ممكن. هنا باب التفكير مفتوح، أنا لا أستطيع أن أخطئ إلا إذا وجدت خطأ بيناً.

طيب، فالآن أعطاك تفاصيل هذه المعركة السريعة: شك فريصة بالمدى المدار قرنه. قلنا ما هي الفريصة؟ الفرصة هي هي اللحمة، قطعه اللحمه التي تكون من الإبط إلى الخاصرة، وهذه يعني أكثر، أسرع ما يهتز من إنسان عند خوفه. فيقول أن هذا الثور الوحشي شك، أي شق وفتح هذه القطعة من اللحم عند ضمران. كيف شكها؟ بقرنه. شك الفريسة بالمدى، فانفذوا إذ يشفي من العضدِ، والعضد هو داء يصيب البهائم فيحتاج الطبيب البيطري أن يشق اليد حتى يصل إلى العضد. فيقول: طريقة طعن هذا الثور كطريقة طعن المبيطر إذا أراد أن يفعل ماذا؟ إذا أراد أن يشق الجلد حتى يشفي ناقة أو حصاناً أصيب في عضده، كأنه خارجاً من جنب صفحته.

شوف صورة الانتصار الرهيب: كأنه، أي كان هذا القرن خارجاً من جنب صفحته، أي من جنب هذا الكلب. الآن القرن اخترق إلى الجهة الأخرى، كان وأصبح الكلب معلقاً كما قلنا على هذا القرن معلقاً عليه، يذهب يميناً وشمالاً، كأنه خارجاً في جنب صفحته سفود شرب، نسوة أو نسوة عند مفدي. سفود قلنا ما هو؟ السيخ، السيخ الذي يشوى عليه. سفود، سفود شرب، أي سفود أقوام مجتمعين على شراب وطعام، نسوا هذا، أصحاب هذا الشرب نسوا هذا السفود على الموقد على مكان الشواء. تمام. فكان هذا الثور من شدة الانتصار نسي هذا الكلب معلقاً على قرنه! انتصار رهيب، كأنه لم يعبأ به، كأن ذبانة هكذا على قرنه لا يعبأ بها، فظل يعجم أعلى، ظل ضمران يعجم أن يعض أعلى الروق، أعلى القرن، منقبض منكمش هكذا؛ لأنه قتل، فكان جسده كله منقبض بعضه على بعض وهو متعلق بماذا؟ باعلى القرن.

فضوهران حتى لم يصل إلى نصف القرن ولا إلى آخره، بل ما زال معلقاً على أعلى قرن الثور، منكمشاً على نفسه في حال منقبضاً، ليش؟ لأنه ذكر الروق في البيت الأول فلم يحسن أن يكرر في البيت الثاني، فذكر فقط الأوصاف. قال: في حالك اللون، أي في قرن حالك اللون، أسود، صدق، غير ذي أودي، يعني في قرن يصدق صاحبه إذا طعن به طعن، ولا يخونه إذا استعان به. لما رأى واشق أقعى صاحبه، لما رأى واشق، اسم الكلب الآخر اسمه واشق، الكلب الثاني كان ينتظر المشهد لينظر نهاية المعركة. لما رأى واشق أقعى صاحبه، الإقعاء هو الموت المباشر، الإقعاء أن تخر مباشرة ميتة، لما رأى واشق أقعى صاحبه ولا سبيل إلى عقل ولا قودي. قلنا ما معنى هذا؟ أنه لا في دية ولا في قصاص، العقل هو الدية، قال: لن آخذ دية ولن آخذ قصاصاً، واضح أن هذا الثور الوحشي لا أحد يمزح معه.

قالت له النفس الآن، واشق يتكلم مع نفسه: إني لا أرى طمعاً، يعني ما في إلي مكسب أن أهاجم هذا الثور الوحشي، واضح أنه متمكن، وأن مولاك، المولى هنا صديقه ضمران الذي ذهبت حياته على يد الثور الوحشي: وأن مولاك لم يسلم ولم يصل، صديقك هذا لا هو سلم وبقيت له حياته ولا هو صاد وكسب. مسكين ضمران ذهب ضحية تعجل هذا الصياد، الصياد أرسل ضمران، أرسله إلى حتفه، أرسله إلى حدفه.

طبعاً هنا خلاصة هذه القصة كما قلنا، هذا الذي يجب أن ننتبه له، أن النابغة يرسل رسالة إلى النعمان: أنني سافترس وسأقتل كل من يحاول أن يهاجمني بسوء عندك يا أيها النعمان. هذه الرسالة الختامية؛ لأنه هذا الثور هو رمزية من قلنا؟ هو النابغة الذي أصيب بمصائب ويوشى به عند النعمان، وأدلهمت عليه الخطوب، الليل والمطر، الذئاب، الكل يحاول أن يبعد النابغة عن الوجاهة عند النعمان بن المنذر. لكن النابغة سيبقى مستأسداً، لن أسمح لأي أحد أن ينال من مكانتي ومن مقامي، وأن يتهمني بشيء ليس فيَّ، سأدافع عن نفسي إلى آخر لحظة، كما دافع هذا الثور الوحشي عن نفسي.

فكرة جميلة أوصلها من خلال قصة، وهذه جمالية الشعر الجاهلي؛ أنه من خلال فكرة ورمزية وقصة وفيها قتل وموت وطعن وكذا وهو يريد أن يوصل فكرة معينة لمن يسمع هذه القصيده أو لمن هذه القصيدة متوجهة إليه: أنني سأدافع عن نفسي ولن أسمح لأي أحد أن ينزل من مقامي، حتى لو كانت الكلاب حولي كثيرة، وهم الوشاة. الكلاب هؤلاء الوشاة الذين يريدون أن يفترسوا النابغة وينزلوا من مكانه، حتى لو كانت الكلاب كثيرة، فإن النابغة قوي وسيستطيع الصمود أمام الجميع.

جميل، لذلك الآن بعد أن أنهى الثور، عاد الثور إلى ناقة، عاد الثور إلى صورته الطبيعية، إلى صورة الناقة. قال: فتلك، أو فتلك إشارة إلى ايش؟ إلى الناقة التي ذكرها في بداية الابيات التي تحولت فجأة إلى ثور وحشي، ثم هي الآن ستعود إلى طبيعتها؛ لأننا نتكلم في فصل رحلة، والرحلة لا تكون على ثور، وإنما تكون عند العرب على ناقة، شوف أساليبهم في الانتقال. قال: فتلك تبلغني النعمان، أي هذه الناقة التي سأركب بها وستقودني، ها فلاحظوا فاء السببية. فتلك، لماذا أتى بفاء التعقيب هنا؟ هذا يدلك على أن هذا البيت مبني على كل ما سبق: أنني بعد أن أنهي خصومي، بعد أن أنهي كل من يحاول أن ينتقص من قدري، سأصل إلى النعمان وسيعرف النعمان الحقيقة، وأن ما اتهمت به أنني شببت بزوجته ليس بصحيح وليس بدقيق تماماً.

فلذلك أتى بالفاء التي تفيد الترتيب، أنه بعد كل هذه الرحلة، هذه الناقة ستستطيع أن توصلني إلى النعمان ليعرف الحقيقة. الآن، من هو النعمان؟ شرح في الفصل الثالث من فصول هذه القصيدة في مدح النعمان بن المنذر وبيان مكانه الرفيع. قال: فتلك تبلغني النعمان، ماذا؟ ابتداءً، لم يقل معذرته، لم يبدأ بذكر اعتذاره، بل بدأ بذكر مدائح النعمان وصفاته. أن له فضلاً على الناس في الأدنى وفي البعدِ.

ستبلغ النعمان رسالة من النابغة: أيها النعمان، فضلك لا يجحده لا البعيد عنك ولا القريب منك، وهو كأنه يلمح أنني أنا كنت قريباً، إياك أن تنساني من فضلك وخيرك تماماً. يعني إذا كان فضلك يسع البعيد ويسع القريب، وأنا كنت قريباً في يوم من الأيام، وإنما أبعدني الوشاء، فحرّي بك أيها النعمان، يا صاحب الفضل الواسع والعطاء الكبير، ألا تحرمني من فضلك الذي استطاع أن يسع البعيد والقريب، ومن حلمك ومن تأنيك. إنه الآن سيبدا يقول له: احكم حكماً دقيقاً، لا تستعجل. فهو الآن لابد من تشوف، هكذا تشوف أنت وتمدح هذا الإنسان ثم بعد ذلك تطلب منه أن يهدأ ليفكر بهدوء. ليس من الأدب أن يبدأ النابغة يطلب من النعمان مباشرة أن لا يستعجل في الحكم وأن أهدا.

وفكر: هل معقول هذا الكلام خرج مني؟ لا، أول شيء فخمه في نفسه وعظم أمره، ثم بعد ذلك سيطلب منه التؤدة والهدوء. طيب، إذا فتلك تبلغني النعمان أن له آه، يعني ماذا ستبلغ النعمان؟ تبلغني النعمان طبيعة البلاغ، أن له فضلا على الناس في الأدنى في الأدنين وفي الأابعين. ثم قال: ما زال يمدح وسيمنح كثيراً كثيراً. قال: ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه، يعني لا أرى أحدا يفعل فعلك في العطاء وفي الفضل وفي الكرم وفي الجود. شوف، ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ولا أحاجي، لا استثني، ولا أحاجي ايش يعني؟ ولا استثني، ولا أحاي من الاقوام من أحد، لا أرى أحد بمثل عطائك وكرمك وفضلك يا نعمان، ولا استثني أحدا، إلا استثنائي سيأتي بهما الآن.

سيبدأ بالاستثناء الأول فماذا قال؟ قال: إلا سليمان. وهذا يدل ذكر سليمان عليه السلام النبي سليمان، ويدل أن النابغة على اطلاع بماذا؟ بقصص الأقوام السابقين والرسائل السابقة. حتى إن البعض يقول إن النعمان إن النابغة تنصر، بعض المؤرخين يقولون إن النابغة الذبياني تنصر وأصبح ينظر في أهل الكتاب، لأن النعمان بن المنذر ومملكته كانوا تابعين للروم، فبالتالي هو لقربه من النعمان تنصر. لكن هذا لا يظهر، أنه سياتي معنا ما يدل على أنه بقي على دين عامة العرب في عبادة الأصنام، لما سياتي التمسح بالبيت ووضع وتقديم الدماء للأصنام، سياتي، لا، أنه ما زال معظما للكعبه والبيت، وأن دينه ما زال على دين العرب. لكن هذه إشارات يعني قالها البعض، يعني كيف عرف النابغة قصة سليمان ومن أين أتى؟ ما في مشكلة أن يكون اطلع على كتب اليهود والنصارى، ما في مشكلة، لكن هل هذا بحد ذاته دليل أن الرجل تنصر؟ لا، لا ينهض دليلا قويا على القول بأنه تنصر. باختصار، لا ينهض دليلا قويا أنه طلع على مجرد الكتب أن ذلك تنصر.

المهم قال: إلا سليمان. هذا أول شخص يستثني فقال: إلا سليمان. ومن تشريف النعمان بن المنذر أنك تقول: لا أرى أحد يشبهك إلا سليمان. يعني هذا الاستثناء هل هو انتقاص أو تشريف؟ لما أنت تشبه النعمان بن المنذر بالعظماء الكبار، بالأنبياء، بأصحاب في القصص العظيمة في النفوس، فأنت هنا لا تحط من قدره إن شبهته به، بل أنت ترفع من قدره بذلك. فقال: لا أحد يشبهك في عطائك وفي فعلك وفي تمكنك إلا النبي سليمان. قال: إلا سليمان إذ قال الإله له: قم في البرية فأحددها عن الفند. أحددها، يعني امنعها عن الفند، عن الفن، عفوا، الفند هو الخطا والتصرفات غير الرشيدة قولا أو فعلا. فحدد عن الفند يعني عن التصرفات غير الرشيدة قولا أو فعلا. طبعا هنا أنت تلاحظ أنه بماذا، لاحظ ودقق، بماذا سيمدح سليمان حتى نفكر: لماذا هو يمدح سليمان بهذه الصفات دون غيرها؟ تمام؟

قال: إلا سليمان إذ قال الإله له ركز قال إلا س، يعني هو متى هو في ماذا يمدح سليمان عليه السلام؟ إذ، يعني في هذا الوقت، سليمان إذ، إذ وقتية، يعني سليمان وقت قول الإله له: قم في البرية فأحددها عن الفند. لماذا اختار هذا الوقت بالتحديد؟ ما علاقته بجو القصيدة العام؟ آه يا شيخ عمر، أحسنت. يعني هو كأنه يريد أن يقول إنه يا، الآن هو يقول له: شوف سليمان كيف كان يحدد الناس عن الخطا، عن الفند، عن الظلم؛ فهي إشارة للنعمان أنه مثلك يجب أن يكون مثل سليمان. ليس أي شيء يصل إليه وأي تهمة ترفع إليه عن أحد الحواشي يتسرع فيخطئ ويبعد أحبائه وأعزائه. في نفسه بده يقول: شوف سليمان كيف تصرف، إذ قال الإله له: قم في البرية فأحدد عن الفن، امنعها من الخطا، لا يا سليمان، اياك أن تجور، إياك أن تستعجل، بل وظيفتك الإصلاح، والإصلاح يحتاج إلى عدل، والعدل ومنع الناس من الخطا يحتاج أن تسمع من كل الأطراف ولا تستعجل في اتخاذ خطاك. وإلا الحاكم المتسرع هل يستطيع أن يحدد ويمنع الناس عن الفند؟ لا يستطيع أن يفعل ذلك. هي رسائل مبطنة ذكية يرسلها النابغة الذبياني، رسائل مبطنة ذ يرسلها النابغة الذبياني ضمن هذه الأبيات.

جميل، ثم ماذا قال؟ قال: وخيس الجن إني قد أذنت لهم. يعني الله قال لسليمان أولا: قم في البرية فمنعها عن الخطا والفساد في الأقوال والأفعال. وخيس الجن، أي ذلل الجن، التخيسيس أن سليمان الله سبحانه وتعالى هيا له الجن كما هيا له الإنس، وهذا معروف في القرآن كثيرا. قال: وخيس الجن، يعني وذلل الجن لخدمتك. إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفا والعمد. تمام، فهو أيضا يقول: والله أمر سليمان أن يذلل الجن لخدمته، أن يذلل الجن. فقال: إني قد أذنت لهم، إني، هذا كلام على لسان الإله: أذنت لهم. والمراد بالاذن هنا تمكين والاقدار: إني قد أذنت لهم، المراد أنني قد مكنتهم وأعطيتهم من القدرة ليبنوا تدمر. وتدمر تعرفونها، المدينة الواقعة في الشام، المدينة الشهيرة، يقال إن الجن هم الذين بنوها، يقال والله أعلم بصحة هذا الكلام أن الجن هم الذين بنوا مدينة تدمر. بنوها بماذا؟ بالصفا. والصفا ما هي؟ ليس الحجارة، صفائح الحجارة العريضة. أنت لو نظر إلى مدينة تدمر، حجارة ضخمة، أظن أنكم ترونها، يعني أو شاهدتموها صورا لها، حجارتها ضخمة جدا. فيال الصفاح هي الحجارة العريضة الصلبة القوية الضخمة، فليس كل حجر يسمى صفاح. الصفاح والعمد، العمد يعني الأعمدة الحجرية. وهكذا هي تدمر أعمدة حجرية وحجاره عريضة. يعني كأنهم، يعني هو لماذا قالوا إنها تدمر بناه الجن؟ لما رأوا هول بنائها قالوا هذا مثله لا يصدر عن إنس، لما رأوا هول بنى العرب، العرب لما رأت هول بنا تدمر وكيف حجارتها ضخمة جدا وأعمدتها عالية قالوا هذا ليس من صنيع العرب، وقالوا هذا من صنيع ماذا؟ الجن. عرفتم لماذا قيل إنها من بناء الجن؟ لضخامة بنائها. قالوا: هل يمكن أن يبني الإنس مثل هذا؟ الله أعلم.

تمام، طب قال: وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالسفاح والعمد. طبعا هنا لماذا ذكر قضية الجن وأنهم طوع سليمان؟ ماذا يمكن أن نربطها بجو القصيدة؟ يعني ايش موضوع تذليل الجن؟ أيوه، يعني أني أنا النابغة الذبياني أطيعك في كل شيء. أطيع، شوف فكرة جيدة عموما، يعني هي لم تخطر في ذهني، لكن لا أن، يعني هو قضية ماذا؟ أيوه، الجن يعني إشارة إلى ولاة عمم أو عماله. طيب، يعني هل هو يريد أن يمتدح النعمان بن المنذر بالسيطرة، وحجم السيطرة وصل لدرجة سيطرة سليمان؟ أنت سليمان لما تقول لم يسيطر على الإنس فقط بل سيطر على الجن، أنت تتكلم عن سيطرة رهيبة، أن نفوذ سيدنا سليمان لم يكن فقط في الإنس والرياح وبني جنسه بل حتى في الجن. وخيس الجن، حتى الجن، فانت لما تقول: إنني لا أحاجي أحدا، وأنه لا أحد يشبهك إلا سليمان، الرسالة الأولى رسالة العدل، والرسالة الثانية رسالة السيطرة. فإذا هو يريد أن يقول للنعمان إنه أنت تمتاز بهذين الأمرين، أنت تمتاز بأن الكل خاضع لك، ومن كان الكل خاضع له لا ينبغي أن يظلم. ولذلك مر معنا أن من أكبر الأمور عند الله سبحانه وتعالى حاكم جائر، هذه مرت معنا في كتاب الكبائر وفي غيره من الكتب لماذا من أعظم الأمور أو من أكبر الكبائر أن يجور الحاكم؟ بخلاف، يعني لو جار غير الحاكم خطأ، بس أن يجور الحاكم المسيطر هذا من اعظم الكبائر. لماذا؟ لأن الحاكم يملك كل شيء فلا يحتاج أن يجور. يعني أنت لماذا هس الإنسان الذي لا يملك ح من نف من يظلم من أجل أن يحصل لقمة غيره؟ أما أنت حاكم ومسيطر وكل شيء بيدك لماذا تجور؟ لذلك ظلم الحاكم اعظم عند الله من ظلم غيره أنه السيطرة في يده فلا معنى لجور السيطرة في يدك فلا معنى لورك.

فهو والله أعلم يريد أن يقول: لما هو قال: ولا أحشي من الاقوام من أحد إلا سليمان، هو يريد أن يقول: إيش رمزية سليمان في الذهن العربي؟ رمزية سليمان العدل لما قال الإله له: قم في البرية فأحدد عن الفند، والقوة والسيطرة وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون مدينة تدمر الضخمة بالسفاح والعمد. فكانه يقول: يا نعمان، أنت شبيه سليمان، يا نعمان، أنت شبيه سليمان، عليك بالعدل، فانت صاحب عدل، لا تستعجل، وكل شيء خاضع لك، فمثلك لا يظلم وخيس الجن. لذلك حتى سياتي الآن، سيطور الفكرة أكثر وأكثر. لذلك قلت هنا قضية السيطرة، قضية أن كما أن سليمان ملك الجن وذلهم، أنت ملكت ملكا عظيما، فعليك أن تعدل، لأنك مالك ومسيطر، فمثلك فقط مثل سليمان، يعني لا يوجد مثل آخر لك يشبهك إلا سليمان في السيطرة والعدل.

جميل، هو يعمق الفكرة أكثر وأكثر، لذلك أنظر ماذا قال: كيف سيترجم الفكرة بعد ذلك؟ قال: فمن اطاعك فانف بطاعته كما أطاعك وذلله على الرشد، ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم، ولا تقعد على ضمد. أها، بلش يطور الفكرة أكثر وأكثر. الآن شوف موضوع الطاعة كم تكرر في هذا البيت؟ ثلاث مرات. ثلاث مرات، قبل قليل كنا في درس البلاغة كنا قضية التكرار، لما تكرر لفظة ثلاث مرات أو أربع مرات في بيت، قبل قليل في عقود الجمان ايش اللفظة التي كررت في بيت؟ نجد، تذكروا يا نجد ويا حبذا نجد. تكرار لفظة واحدة ثلاث مرات في بيت هو يدل على هذا شكل من أشكال الإطناب، شكله من أشكال الإطناب اللي بدرسوا معنا بلاغه، هذا الإطناب شو فائدته هنا؟ إعلاء أهمية الطاعة والخضوع للنعمان بن المنذر. بس هو طبعا كان يتكلم عن سليمان، بس هو الكلام عن سلي سليمان واسمع يا جاره، يعني الكلام الرسالة لنعمان بن المنذر ويقول له: من أطاعك ومن كان يسمع لك فانف بطاعته كما أطاعك. تستغرب حتى ليش يركز على موضوع الطاعة لهذه الدرجة؟ لماذا يركز على موضوع الطاعة هنا؟

أقول والله أعلم في إشارة أن النابغة يريد أن يقول له: أنا كنت ممن يطيعك، أنا كن طوع إشارتك وطوع أمرك، فمع بسبب وشاية تاتيك تختلف علي، أليس الأصل لأنني كنت مطيعا لك الآن؟ أنت شوف هو الزلمه عم بعتذر، الزلمه عم بتقرب، فبالتالي بدك تفكر كيف هو يحاول أن يستجلب عطف النعمان مرة أخرى. فهو يقول: ها سليمان، ماذا قال؟ هو طبعا بيتكلم على لسان سليمان، لكن هو الرسالة لنعمان بن المنذر مرة أخرى. هو يقول: فمن أطاعك، الله عز وجل مش هيك قال لسليمان أنه من أطاعك من الجن ومن أطاعك من الانس فانف بطاعته كما أطاعك، أي لأنه أطاعك وأدلله على الرشد. في المقابل: ومن عصاك فعاقبه معاقبة.

فهو يرسل رسالة للنعمان بن المنذر أنني أنا من جملة من أطاعك، ومن جملة من كان مخلصا لك، فالاصل أن انتفع بهذه الطاعة، والأصل أن في الملك، في الملك العادل، الملك العاقل، إذا وجد حاشية صدق وبطانة صدق يعني ينتفعون بطاعتهم لهذا الحاكم ويرفع شأنهم، ولا يستعجل عليهم بالترك والهجر وأقصائهم بعد أن كانوا في كامل الطاعة. هي رسائل مبطنة: فمن أطاعك فانف بطاعته كما أطاعك. إعلاء لرمزية الطاعة بتكرارها ثلاث مرات، إطناب وتكرار فائدته إعلاء رمزية الطاعة، وأن الطاعة يجب أن تولد ماذا في المقابل؟ يعني ما دمت حصلت طاعة، فاذا يجب أن يحصل الطرف الآخر منك انتفاع ودلالة على الرشاد وهدوء واتزان، وليس أن تبادله هذه الطاعة بالهجران والنقض والاستعجال.

قال: وأما من عصاك، تمام ومن عصاك فعاقبه معاقبة. عاقبه يعني عقابا. الآن سيصف هذا العقاب: معاقبة تنهى الظل الظلوم. فعول بمعنى فاعل، فعول بمعنى فاعل يعني تنهى الظالم. تنهى الظالم عن ماذا يا شيخ عمر؟ تنهى الظالم عن تكرار ظلمه وعن الإيقاع به أو إيقاعه وفعله مرة أخرى. يعني: ومن عصاك يا سليمان عاقبه عقابا شديدا يجعله لا يكرر ظلمه، معاقبة تنهى الظالم وتمنع، تنهى يعني تمنع، تمنع الظالم من تكرار ظلمه مرة أخرى، ولا تقعد على ضمد. الضمد هو القهر النفسي، الضمد هو ماذا؟ هو الشعور بالقهر النفسي. فيقول: ومن عصاك إياك أنك تقعد على قهر نفسي منه بدون أن تعاقبه، بل ماذا عليك أن تفعل؟ عليك أن تنزل به أقصى العقوبات ولا تقعد مقهورا نسيا مغتاظا عليه بدون أن تنزل به سخطك وعقابك. هذا معنى ولا تقعد على ضمد. بتعرف أحيانا الواحد يا اخي بعصيه ابنه، بده يعني يعاقبه، بس إنه يعني هو مغلول من جوا مقهور، بس خلص يعني مش قادر ينزل العقاب، أما شفقة أو رحمة أو كذا. هس هذا بالابناء يمشي الحال ماشي، بس في الرعية، إذا في بعض أفراد الرعية بتنمرد، ما بينفع الحاكم، كصنظام حكم ما بينفع يتركهم يتنمرد وهو مغتاظ وقاعد على قاهر نفسي ولا ينزل بهم العقوبة، لأنه كلما ازدادت يعني خروجهم على الحاكم، كلما فسد العمران. الحاكم القوي يقطع أي نتوء، أي محاولة للخروج عليه، أي محاولة لبلبلة نظام الحكم. هذا هي طبيعة الحكم بشكل عام.

تمام، فهو يقول له: ومن عصاك فعاقبه معاقبة تنهى الظلوم، ولا تقعد على ضمدي. تنه الظالم، وكانه وأقول، وكأنني استشف أنه يلمح بغيره، إنه هو يشير إلى غيره، إنه في ناس بتعصي يا نعمان بن المنذر، وهذه العاصية الظالمة التي تفسد علاقتك بحاش، عليك أن تعاقبها معاقبة تنهى الظلوم، تجعل الظالم لا يكرر ما فعل. فكأنه بإشارة ذكية أن هو لا يريد أن يستفز الخصوم استفزازا واضحا، لكنه يشير إشارة.

خفيه، إن الذين يظلمون، الظلمة الذين يدسون إليك كلاما فيفسد علاقتك بحاشية الصدق، هؤلاء يجب أن يعاقبوا عقابا شديدا ينهاهم عن تكرار الظلم مرة أخرى. إذا، في ضمن هذين البيتين كما قلنا هو يرسل رسائل إلى النعمان بن المنذر. نعم هو يتكلم عن سليمان عليه السلام، لكن بالتأكيد هي ليس الكلام يعني هو ليس في سياق معقول أربعة أبيات عم يمدح سليمان عليه السلام، يعني هل معقول هو ترك النعمان وأصبح يمدح سليمان؟ لا، الذي يظهر أنه يرسل رسائل أنه عليك أن تكون مثل سليمان في تصرفه، أنت مسيطر كما أن سليمان كان مسيطرا على الجن وليس على الإنس، أنت عاقل فعليك أن تحدد وتمنع الناس عن الظلم والجور، وعليك أن تعلي من شأن من أطاعك وتنزل من شأن من عصاك.

والنابغة هو نموذج لمن أطاعه، فهو يقول له بإشارة بعيدة مثله يجب أن يرفع وينتفع بطاعته لك، وفي المقابل من عصى وظلم هذا الذي يجب أن تنزل به العقوبة والطرد والابعاد، هي رسائل. ثم قال: ألمثلك أو من أنت سابقه، سبق الجواد إذا استولى على الأمد. هذا البيت حقيقة من الأبيات المشكلة في هذه المعلقة، حتى قال الأعلم الشنتمري أن هذا البيت قال الشراح: لا يعرف ماذا قصد به. شوف الأعلم الشنتمري ماذا يقول، قال شراح المعلقات هذا البيت لا نعرف ما الذي قصده به النابغة الذبياني.

ما معنى الآن؟ هو استثنى سليمان أول شيء بعدين استثنى شخص آخر، وهذا استثناء يعود على الاستثناء السابق، وماذا قال؟ ولا أرى فاعلا في الناس يشبهه ولا أحاجي من الاقوام من أحد إلا سليمان. بعدين تكلم عن سليمان عليه السلام، بعدين أعطانا استثناء ثاني كأنه قال وإلا ها كأنه قال وإلا تمام، لكنه ما أتى بالواو إلا، فهذا شخص هذا شيء آخر استثناه، إذا قال إلا سليمان وإلا لمثلك، يعني لا يوجد شخص يضاهيك إلا واحد سليمان، اثنين شخص مثلك.

الان ما الذي أشكل على الشراح؟ قوله: إلا لمثلك أو من أنت سابقه، طب إذا أو من أنت سابقه إذا هذا ما عادش مثلك، فكيف تستثنيه لأنك تقول ولا أحاي من الاقوام يعني ما في أحد زيك إلا سليمان وإلا شخص مكانته كمكانت مثلك صح، يعني من الذين سيكون في مرتبة النعمان في وجهة نظر النابغة الذبياني؟ سليمان هذا واحد، اثنين شخص مكانته وقدرته وحكمه وملكه مثل النعمان حكما وملكا، لكن لماذا قال بعد ذلك إلا لمثلك أو من أنت سابقه؟ اه هنا إشكال البيت، أو ايش ماذا قصد النابغه بقوله أو من أنت سابقه سبق الجوادي إذا استولى على الأمد؟ طب إذا كنت أنت سابقه وأعلى من إذا هو لا يستثنى.

لذلك هذا البيت أشكل عموما، اجتهاد صغير مني قلت: لعل هذا البيت بني على قضية التردد والاضراب وانه أو بمعنى بل، لأن أو من معانيها بل، خير أببح قسم با أو وابهم وشكك واضراب بها أيضا نمي، فاو تاتي بمعنى بل. طيب إذا صارت بمعنى بل، ماذا يقول؟ قال: إلا لمثلك ثم عاد فاضرب بل من أنت سابقه، كأنه أراد أن يستثني فيقول: إلا لمثلك، يعني لا يوجد أحد إلا سليمان وإلا مثلك، بعدين كأنه فكر هو في أحد مثلك؟ بل من أنت السابق، لا لا خلاص هذا اللي مثلك انساه، في أحد مثلك؟ فهذا نوع من التفنن أنه أظهر نفسه في صورة المتردد، أنه كأنه قال ما في أحد مثلك إلا ما في أحد يساويك إلا سليمان وإلا من كان مثلك ممتاز، ثم كانه تردد هو في أحد مثلك فقال: أو من أنت سابقه؟ يقول: بل من أنت سابقه، لا يوجد مثلك.

فهمتم كأنه بناه على فكرة التردد، أنه كأنه استثنى ثم عاد فاستدرك ما في استثناء لا يوجد بل من أنت سابقه، وكيف سبقك له؟ قال: سبق الجواد، والجواد هو الخيل الفرس الأصيل، إذا استولى استولى أي سيطر وتمكن من الأمد، الأمد هي الغاية التي يصل إليها الخيل في السباق، هذا يسمى ماذا أمدا؟ تعرف الخيل تتسابق وتوضع راية عند نهاية السباق، فخيل الجواد هو الذي يستولي على الأمد يعني يستولي على الراية التي تكون في نهاية السباق أو في نهاية مضمار السباق، فهو كأنه يقول أنكم تتسابق لكنك أثبت أيها النعمان انك سابق للجميع.

فكانه أولا أراد أن يثبت له مثلا ثم عاد فاضرب فقال: لا مثل لك، فانت جواد استوليت على الأمد، أنت السابق الجميع والكل وراءك، ما أحد يستطيع أن ينافسك من ملوك الأرض. شوف هذه الفكرة كم هي عميقة لو بني البيت عليها؟ اه هذا قال لو أن قال: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ر شديد، هل هذا أو هنا اضراب بمعنى أنا يعني لم أقف أن هنا لم أقف أنا، لا أريد أن أقول في كتاب الله ما لا أعلم، لكن لم أقف على من قال أو بمعنى بل، هذا يحتاج إلى رجع، لكن أو بمعنى الاضراب مئة ألف مئة ألف أو يزيدون، فهنا نعم المفسرون قالوا الله لا يشك في الرقم، فاو هنا بل بمعنى بل وليس على وجه الشك، فهذا مثال بل الاضراب في القرآن، أما ما أنت في أنا لم أقف ولا أنك أنني لا أقول شيئا بدون علم في ذلك.

طيب إذا يعني هذا من جمال الأسلوب، إذا قلنا أنه أراد أن يستثني من كان في مثله فقال: من مثلك في مثلك، ثم أضرب قال: لا لا ما في أحد مثلك فأنت استوليت على الأمد. طيب الآن سيبدأ يذكر كرم وجود النعمان بن المنذر، فقال: أعطى ل فارهه الآن أعطى هذه وصف لايه بدك ترجع ست أبيات سابقه لقولك ولا أرى فاعلا يعني لا أرى فاعلا في الناس يشبهه، أعطى لفار هه حلو توابعها من المواهب لا تعطى على نكدي.

فاعطى إذا متعلقه بايش؟ بفاعل التي ذكرت في البيت رقم واحد وعشرين: لا أرى فاعلا أعطى لفارهه كذا وكذا، ثم كان قال إلا سليمان، لكن لأنه طب تقول لماذا أخر الوصف؟ لأنه أراد أن يطيل في الوصف ويستطرد في عطاء في عطاء النعمان كما سياتي معنا في أربعة أبيات وهو يصف عطاءه، فقال لك: خليني أخخر موضوع العطاء شوي حتى أعالج موضوع الاستثناء أنه في احد يشبهه يا جماعة خلص موضوع الاستثناءات، ثم آخر قضية العطاء لأنه يريد أن يفردها ويسهب فيها، والا لو تكلم في العطاء وأضاف الأربعة أبيات ثم بعد ذلك اخذ يستثني ذهبت رونق الاستثناء.

فرونق الاستثناء أن يقدم ويناقش قضية أنه في أحد يشبهه، ثم يفرض بعد ذلك العطاء، ولو أنك ذكر هذا البيت في العطاء ثم ذكر الاستثناء ثم عاد فذكر باقي مسائل العطاء يكون فصل الشبيه عن شبيهه، فالاصل الموضوع يعالج معالجة واحدة، فهذا الذي ظهر لي لماذا أخر الصفة صفة العطاء مع أنها هي نعت لفاعل لماذا أخرها؟ إذا هذا الموضع لأنه سيعالج قضية عطاه معالجة عميقة طويلة.

فقال إذا يا رب قال: أعطى لثار هه حلو توابعها من المواهب لا تعطى على نكده. الآن ما هي الفارهة؟ الفارهة هي النا الناقة الكريمة، الناقة الكريمة الكريمة طبعا المعنى الشريفة العظيمة التي لها قدر وليس أي ناقة، فيقول: لا أرى فاعلا أعطى لفار اي لنا عظيمة، وهل يكتفي النعمان باعطاء الناقة العظيمة؟ لا، حلو توابعها في توابع بتلحق هذه الهدية أيضا حلوة وجميلة حلو توابعها، فهو لا يعطي فقط الفارهة وينتهي الأمر لا لا هو يعطي فارهة ويعطي عليها توابع يمكن يحملها من الذهب والأساور والثياب، وهو بطبيعته لا يعطيك ناقة خالية الظهر، باختصار هو يعطيك ناقة محمله يعطيك ناقة محمله بالامتثال والحلي وما شابه ذلك، فذا قال حلو توابع فليست هي فقط الفارهة بل هناك توابع حلوة لها، أعطى لفارهه حلو توابعها من المواهب يعني هذه الفارقة الحلو توابعها هذه تعتبر من المواهب التي لا تعطى على نكدي يعني لا يعطيها وهو متضايق كما يفعل البخيل.

البخيل إذا أعطى عطاء يعطي وهو ايش متنك، يقول لك خلص بدي أعطي ما له نفس يعطي، لا هذا يعطي وهو في كامل سماحته، في كامل سروره يعطي وهو مسرور وليس هو متنكد، فيقول إذا: لا أرى فاعلا أعطى لفارهه حلو توابعها من المواهب التي لا تعطى على نكد وضيق وكره، بل تعطى من سماحة نفس وطيب قلب.

ممتاز، الآن سيبدأ في أربعة أبيات يصف حجم كرم وجود النعمان بن المنذر، وهذا كله استفزاز له أنه من وصل كرمه إلى هذه الدرجة أرجو ألا يتركني وأن لا يبعدني، مثلك صاحب كرم وجود قال: الواهب المئة المعكازين سعدان توضح في أوبارها اللبدي أو اللبدي هو يقول الواهب خبر ل المبتدا محذوف هو الواهب أو أنت الواهب خلينا نقول أنت الواهب أنت خلينا نقول أنت لأنه هو يخاطب النعمان الآن.

انت الواهب الواهب ماذا؟ المئة المعكازين قوية غليظة الجسد قوية البنية تسمى ماذا معكة؟ فيقول: أنت الواهب المئة، يعني أنت مش بتعطي واحدة أو اثنتين أو ثلاث، لا لا أنت بتعطي في العطاء الواحد مئة ومئتين وثلاثمئة، فانت تهب الكثير المميز، ها المئة دلالة الكثرة والمعكر التميز، لانه في واحد بعطي كثير بس بعطي رديء، وفي واحد بعطي ممتاز بس قليل، لا هو جمع بين أمرين: يعطي كثيرا ومميزا.

إذا الواهب المئة المعكازين ها سعدان توض سعدان هذا قالوا نبات يكون في الصحراء من أجود ما يمكن أن ترعاه الإبل، من أجود ما ترعاه الإبل، فاذا رعت الإبل هذا النبات ظهر عليها السمنة والقوة والغزار في اللبن وما شابه ذلك.

ممتاز، وخص توضح، توضح هي اسم منطقة السعدان الذي ينبت فيها أفضل أنواع السعادين، تمام هذا سعدان ونبات وليس سعادين وقرد. فيقول الواهب المئة المعكازين سعدان وتوضح، كيف زينها سعدان وتوضح؟ ما المراد بالتزيين هنا؟ اه الجسد، أحسنت، سمنها، أحسنت، فالزين المراد أنها أصبحت سمينة وقوية وملاة باللبن، فهذا هو الزينه المقصودة هنا.

طب ما الذي كان سببا في السمن والغزار في اللبن؟ سعدان هذا هذا النبات، لأنها رعت، فكانه لما كان سببا في سمنتها وفي جودتها قال: زينها السعدان، وهو حقيقة مش أنه السعدان صار زينه لها وانه وضع عليها ليس هذا هو المراد، أنها رعته فأكلت فازدادت جمالا وزينه وسمنه وقدره على الانتاج والعطاء، فهذا معنى أنه زينها، ولاحظوا دائما التركيز على المناطق بقولك سعدان توضح مثل وحش وجره، انه اكيد هذا السعدان مميز عشان هيك نص عليه دون غيره من مناطق التي يمت فيها السعدان.

قال: زينها سعدان توضح في أوبارها اللبدي، أو أوبارها المتلبد، زينها سعدان يعني كان أثر هذه الزينة ظهر في أوبارها المتلبد، ظهر في أوبارها المتلبد ها زينها سعدان توضح في أوبارها اللبد. قد يكون اقول قد يكون لهذا النبات اثر جيد يظهر على الوبر، تمام، قد يكون له اثر يظهر على وبر الناقه وعلى الغطاء الخارجي لها، اذا قال: زينها السعدان في أوبارها وثم وصف أوبارها بأنها متلبد.

الان رايكم لما توصف الأوبار بأنها متلبدا يدل على ماذا؟ متلبد يعني مرصوصة ت يعني شيء متلبد كيف تقول شيء ملبد يعني ملتصق بعضه ببعض، يقولون الوبر يكون متلبدا إذا كانت الناقة ليست للركوب وإنما للانتاج والنسل، لأنها لو كانت تركب لكانت وبرها مبعثرا من من الجلوس عليها لن يكون متلبد متراس لأنك تجلس عليها وتركبها فسيكون وبرها ماذا مبعثرا هكذا قالوا.

فقالوا في هذه اشاره انه يعطي النوق الكريمة العظيمة التي للدر والنسل واللبن وليست فقط لمجرد الركوب، لذلك أوبارها متلبدا أوبارها متلبد قالوا، وان كان يعني ما زال هذا المعنى يحتاج إلى انضاج أكثر في الذهن، أظن أنه ما زال يحتاج إلى انضاج أكثر أنه لماذا تلبد الوبر قد يدل على أنها ليست ناقة للركوب وإنما ناقة للدر والنسل؟ يمكن أن يقال إنه من ركب على الناقة سيبعث وبرها بخلاف إذا تركت دون أن تركب يبقى متلبدا على حاله، والمهم أن اثر هذا السعدان اثر هذا الرعي وأثر هذه الزينة ظهرت على ماذا؟ كانها ظهرت في الأوبار المتلبد على هذه الأوبار المتلبد.

فهذا نوع من الإغراق لبيان أن هذا الرجل وهو النعان ابن المنذر لا يعطي لما يعطي يعطي كثيرا وكريما يعطي المئة المعكازين سمنه ولبنا ودرا ونس بسبب رعيها في أجود المراعي في أوبار وتظهر هذه الزينة في أوبار متلبد تدل على كرم هذه النوق وعتا قها، فمثلها ليس يستعمل للركوب وإنما للدر والنس هذا أقرب يعني هات ممكن يقال في شرح هذا البيت.

ثم قال: والادم قد خيستوس فتلا مرافقها مشدوده برحال الحيرة الجدد. هذا البيت اه هو الذي يجعلني أتأكد أكثر وأطمئن أنه قصد بالمئة السابقة المئة المعكازين، قصد في هذا البيت الثاني النوق التي للركوب. فالادم قالوا هي الإبل البيضاء، ما هي الادم؟ الإبل البيضاء، تمام يا شيخ عمر الإبل البيضاء قد خيستوس أحسنت، لأن مثل خيس الجن قد ذللت فتلا مرافقها. هذا بذكرنا بناقة مين؟ فتلا مرافقها طرفة، اه ذكرنا بناقة طرفة، مش قلنا أن مرافق ناقته كانت مفتوله للخارج دلالة أنها قوية في سيرها.

فهو يقول: وفي نفس الوقت كما انك تهب النوق التي للدر والنسل فانك أيضا تهب النوق الادم التي ذللت للركوب والسفر عليها، فتلا مرافقها مرافقها مفتوله دلاله قوه السير، لأنه أنت أنت تبعت الدر والنسل، أنا بيهمني تكون فتله مرافقها، لأنه أنا مش راكب عليها أنا بدي لبنها وما في ضرعها، تمام وأريد نسلها.

وأما التي للسفر لا أنا بيهمني أن تكون فتلا مرافقها، لذلك قال: مشدودة رحال الحيرة الجدد. وعن هذه النوق البيضاء المفتونة المرافق، تراها مشدودة أي شد عليها رحال الحيرة، الحيرة قيل هي المدينة التي كان يقوم فيها النعمان بن المنذر، تمام.

ورحال، الرحال ما هي؟ هي الأخشاب والاشياء التي توضع فوق الناقة، التي تعد للسفر حتى تضع عليها الامتعة. فكان رحال الحيرة زي سعدان توضح هي رحال مميزة، فنسبت إلى الحيرة، كيف السيف الهندي، دائما أي شيء مميز ينسب إلى مكان صنعه. فكان الحيرة كانت مشهورة في زمانهم بصنع الرحال المميزة القوية، يعني أي شخص بده يحط سرج أو رحل على ناقته يأخذ، يقول لك: بدي رحال الحيرة، لا أريد بها بدلا لتميزها ونفاسها. فيقول: أنت تهدي أيضا ها أنت الواهب المئة المعكازين، وهي رحال جدد جديدة وليست رحال رديئة، أنت لا، يعني شوف هو يهب نوقا بيضاء فتلا مرافقها، مشدود عليها ماذا؟ رحال الحيرة. طبعا هي ما دام هو أصلاً ساكن في الحيرة النعمان بن المنذر، إذا هو يأخذ هذه الرحال من مكان الصنع، وهل يضع عليها لما يهديها لك؟ بعطيك إياها مستعملة؟ بعطيك أثاث مستعمل؟ لا لا، النعمان بن المنذر يعطي أثاثا جديدا، يعطي رحلا جديدا، وهذا يدل على شدة كرمه. رحال الحيرة الجدد ولا يعطيك رحلا مستعملاً، وهذا شدة الكرم التي عنده.

ثم قال والراك، هذه الهبة الثالثة شوف هو يغرق في كرمه أيضاً، وأنت الواهب، ها كلها معطوفة على البيت الأول، وأنت الواهب الراكد، الراكد هم الجواري، الجواري والاماء والسبايا اللواتي يركضن. والراكد، طبعا المقصود بالركض هنا: اركض برجلك، ما معنى اركض برجلك؟ اضرب. فالراكد بما بعدها، والراكد ذيول الريط، فنقها برد الهواجر، كالغزلان بالجرد. يقول: وأنت تهب أيضاً الفتيات الجواري اللواتي يلبسن الريط، الريط هو لباس وكساء أبيض تلبسه الفتاة الصغيرة والجارية المحبوبة للنفس، يعني لباس جميل أبيض. فهو يصور هؤلاء الجواري وهن يركضن ويضربن بأرجلهن ماذا؟ ذيول الريط.

ها هؤلاء جواري يلبسن ريط، وهن يمشين وفي أماكن وفي الصحاري كيف تكون هيئتهن؟ يركضن ذيول الريط من تململ، لما تكون أنت تلبس ثوب طويل دشداش فماذا؟ وأنت تسير هكذا بقوة تضرب ماذا؟ ذيله، دشداش ذيله ثوبك، فيقول: هؤلاء الفتيات الجميلات الصغيرات اللواتي لبسن ريط جميلاً أبيض، وهن في شدة شبابهن، مما يدل على أنهن في عنفوان الشباب، أنهن يركضن ذيول الريط لشدة مشيهن، فهذا عنصر من الجمال فيهن أنهن فتيات ناشئات، ولا يعطي امرأة مسنة ختيارة ذهب عليها الدار وعفا، لا يعطي فتاة في ريعان شبابها بدليل أنها تركض في تركض ذيل مرطها، تركض ذيل مرطها أي تضرب ذيل مرطها لشدة سيرها، مما يدل على أنها ما زالت فتاة قوية، هذا واحد.

ثم قال: فانق، فانق هذا وصف آخر لهؤلاء الفتيات، ايش أنهن ناعمات؟ أنهن ناعمات في رواية، أن نقها في رواية طبعا، أن نقها فيقول: فانق، الضمير في فانق سيعود على ماذا؟ يعني هو شوف البعض يرجعه على الراكات، طبعا أنه فانق معناها نعمها، ما معنى فانق؟ يعني نعمها، تمام. فانق يعني نعمها، لأن البعض يرجعه على الراكد، لكن لو لو كانت تعود على الراكد لكان فأنن، فالذي يظهر أن فانق يعود على الذيول، يعني والراكب ذيول الريط فانق نعمها، لكن هي المشكلة في قوله برد الهواجر، هو يريد أن يخبر أن هؤلاء الفتيات، الهواجر تعرفون وقت الهاجرة وقت ماذا؟ شدة الحر، فيقول: هؤلاء الفتيات في وقت شدة الحر يكن في براد، مما يدل على ماذا؟ أنهن منعمات، أنه ها الفتاة في هذا الوقت ما بتكون بتشتغل وتحرث والعرق يتصبب منها، بل هي مدللة أمورها طيب في وقت الهجير في وقت شدة الحر تكون هي منعمة ببرد الهواجر، والهواجر ليس لها برد، وإنما المراد أنها تذهب في خيمة ولا تكلف بالعمل وتكون مدللة. وهذا النوع يكون أسمح بدناً وألين جلداً وألطف، يعني من غيرهن، فهو يقول: هؤلاء الفتيات يركضن في ذيول الريط فانق نعمها برد الهواجر، وصورتهن وهن يركضن كصوره الغزلان بالجرد.

الجرد هي المنطقة الجرداء، بتشوف غزلان بيض من مشهد بعيد يركضن هكذا سرباً واحداً في أرض جرداء، هذا المشهد تحبه العرب أليس كذلك؟ مشهد الغزلان البيض في منطقة واسعة لا يخفى، منطقة جرد يعني ما بتخبيه الأشجار أو بتخبيه أشياء، لا، منطقة جرداء أي هم مكشوفين، فيقول لك: تخيل منطقة جرداء فيها غزلان بيض، وهذا الغزلان البيض يركض ولونه أبيض، هذه صورة هؤلاء الفتيات اللواتي يركضن بذيول الريط والمنعمات ببرد الهواجر، المنعمات ببرد الهواجر.

لكن تبقى قضية عندي تحتاج إلى إعادة نظر، هو لماذا قال فانق برد الهواجر؟ يعني هو ربط التنعم بماذا بذيول الريط؟ يعني أنت الواهب الراكد ذيول الريط فانقها برد الهواجر، الآن لو كان يعود على النسوه أو على الفتيات لكان الأولى أن يكون فأنن، يعني نعمها، يعني ما الذي جعلهن ناعمات برد الهواجر؟ أنهن في وقت الهواجر يكون في براد، لكن هذا يقتضي أن يكون فأنن، قال فانق، الضمير فيما يظهر لي يعود على الذيول، فكيف يقول نعم هذه الذيول، أو حتى لو أرجعت على الريط، نعم هذا الريط برد الهواجر. يعني هي المشكلة في هذه القصيدة أنها ليست من شُرح، يعني لم يشرحها ابن الأنباري ولم يشرحها الزوزني، لأن هذه ليست من السبع، فأنت تحتاج فقط أن تعود إلى التبريزي هو الوحيد وأحياناً بعض من شرح يعني أعلق من المعاصرين، أظن الطاهر بن عاشور له تعليق لكن لم أقف له تعليق على ديوان النابغة عموماً، فهنا مصادر شرح القصيدة باختصار محدودة، مصادر شرح القصيدة محدودة، فمثل هذا التفكيك يحتاج إلى تأمل، لماذا قال فانق برد الهواجر؟

الضمير في فانق يعود على ماذا؟ فهمتم وين الاشكال؟ لأنه إعادته على الجاريات الأصل يكون بضمير النسوة فأنن، فقوله فانق أي نعمها، إذا هل ذيول الريط نعمها برد الهواجر؟ هل ذيول الريط ناعمة بسبب برد الهواجر؟ هل هذا هو الذي يريد أن يقصده؟ أم الذين أم المنعمات المقصورات هنا هم نفس الجاريات، وهذا هو الأوضح لي يعني في الذهن، أن المنعم هن الجاريات بسبب برد الهواجر، وهذا وفق كلام الشراح، فهذا الضمير يعني أحتاج أن أنظر فيه أكثر وأكثر. نعم، لو قلنا جزء من الجارية، شو هو جلده؟ جلد الجارية؟ لا، ما هو أنت ترجع الضمير إلى شيء مذكور أو مفهوم من السياق على الأقل، فهو يقول: وانت الواهب الراكد ذيول الريط، يعني أنت من تهب الجواري اللواتي يضربن ذيول ريطه، فانق الضمير، فانقها كظاهرة، هذه الجماعة، أي نعم هذه الجماعة برد الهواجر، ممكن يعني نعيد الضمير على كلمة جماعة مقدرة، هذا التأويل واسع وإن كان يعني نحتاج إلى بحث أكثر حتى نصل إلى شيء يطمئن إليه الفؤاد.

ثم قال: واخيراً الهدية الأخيرة التي يهبها: والخيل تمزع غربا في أعنتها كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد. سأختم بهذا البيت، وهو شوف يعني كم عطاه كبير، هو الواهب المئة المعكازين، هو الواهب الأدم قد خيست، هو الواهب الراكد ذيول الريط فانقها برد الهواجر، هو الواهب أو أنت الواهب الخيل تمزع، أي تسير سيرا سريعا، الخيل تمزع أي تسير سيرا سريعا غربا في أعنتها. طبعا غربا يعني بقوة ونشاط، يقول: سارت غربا، الغرب هنا مش الجهة لا السير، الغرب إذا وصفت به الخيل فالمراد به القوة والنشاط، الخيل تسير سيراً سريعاً بقوة ونشاط.

فإذا هل يعطي خيلاً رديئاً؟ هل يعطي خيلاً كسولاً؟ لا، أم يعطي خيلاً أيضاً مميزاً؟ هو باختصار يريد أن يقول: كل عطائك مميز، أنت إنسان لا تعطي شيء هكذا من طرف اليد، أنت دائما مميز في عطائك في جودك وكرمك، فحتى الخيل أنت تعطي الخيل التي صفتها أنها تسير سيراً سريعاً بقوة ونشاط في أعنتها. العنان معروف هو الرباط الذي يوضع على الخيل ويمسك به الراكب عنان الفرس، ثم شبه سرعة هذه الخيل في جريانها وركض ونشاطها، قال: كالطير تنجو من الشؤبوب ذي البرد. الشؤبوب هو المطر الشديد جدا جدا، فما بالك إذا اختلط به البرد آه؟ لو أنت ربما رايت هذا المشهد: الطيور إذا جاء مطر شديد جدا وكانت في وسط السماء، يقولون تطير طيرانا سريعا حتى تصل إلى وكرها، طيران لا تكاد تدركه، فما بالك إذا يكون مطر شديد ومخلوط بالبرد، الشؤبوب ذي البردي يعني المخلوط بالبرد، البرد هذا قاسي جدا على أجنحة الطيور، بالتالي الطير سيضطر أن يسري سريعا عجيبا غريبا حتى يصل إلى وكره وينجو من هذا الشؤبوب. فيقول: خيلك التي تهبها سريعة جدا إذا سارت في أعنتها يعني سرعتها تقارن بسرعة الطيور التي تهرب من المطر الشديد المخلوط بالبرد، كيف تكون سرعة هذا الطيور؟ تكون سرعة ماذا؟ خيلك التي تهبها.

إذا هو في هذه الابيات لاحظوا كيف يعني عالج موضوع عطاء النعمان مع جود واسعة، وهذا من أكثر الوصف بالعطاء عند الجاهليين، هذا النوع من قليل أن تجده عند الجاهليين بهذا الإطناب والسعة، الواهب المئة، انت الواهب المئة المعكازين، تهب الراكض ذيول الريط، أنت الذي تهب الخيل تمزع غربا. فبالتالي من كان عطاؤه مثل عطائك؟ يعني أرجو أن لا ينقطع هذا العطاء عني، هو يمدح ويريد أن لا ينقطع هذا العطاء عنه. ثم سينتقل بعد هذا الفصل، بعد أن مدحه وسيعود يمدح بالعطاء مرة أخرى في آخر القصيدة. ترى سيبدا بفصل جديد، الفصل الذي يأمره فيه أن يهدأ وأن يحكم حكما عادلا، ثم يعتذر فيه ويختم بعد ذلك القصيدة، أن هذه المعذرة إذا لم تقبل فإن صاحبها مشارك نكدي، لعلنا إن شاء الله نختم هذه القصيدة في المجلس القادم بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.