تسجيل الدخول

الدرس الأول لشرح متن الورقات

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. أحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد،

فهذا هو أول لقاءاتنا معشر طلاب العلم في دراسة متن مختصر الورقات للإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمة الله عليه. وهذه اللقاءات الستة أو السبعة القادمة إن شاء الله تعالى نستفتحها الليلة بذكر مقدمات بين يدي دراستنا لهذا الكتاب، وهي في حدود نقاط ثلاثة أرى أنه من المهم أن نتعرض لها قبل دراستنا لمثل هذا الكتاب. لست أريد في هذه المقدمات الحديث عن تعريف العلم ومبادئه التي جرت العادة بتناولها؛ لأن المصنف رحمه الله سيأتي عليها، لكني أردت الحديث عن موقع هذا العلم جملة بين العلوم الشرعية وعن إمام الحرمين رحمة الله عليه وعن كتابه الورقات.

ولأبدأ بموضع هذا العلم، أعني علم أصول الفقه وحاجة طلاب العلم إليه، وهو كما تعلمون أحد فروع علوم الآلة. ويقصد بعلوم الآلة تلك العلوم التي يجد فيها طالب العلم وسيلة للوصول إلى العلوم المقصودة لذاتها، أعني أن العلوم الشرعية منها ما هو مقصود لذاته كتفسير كتاب الله تعالى ورواية حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلم الأحكام الشرعية الذي هو الفقه، فهذه علوم مقصودة لذاتها، يعني أن طالب العلم يحصل العلم لما فيه من ثمرة علمية يحصلها.

والقسم الآخر من العلوم الشرعية هو علوم الآلة. وعلوم الآلة هي العلوم التي تكسب طالب العلم آلة يتمكن بها من فهم العلوم، وهي ما اصطلح على تسميتها في العلوم الشرعية أصول العلم، كأن تقول أصول الحديث وأصول التفسير وأصول الفقه، والنحو كذلك هو الآخر من علوم الآلة لأنه يمكنك من فهم اللغة والتعامل مع كتاب وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لا أريد أن أطيل، لكن حسبنا أن نفهم أن علم أصول الفقه هو واحد من علوم الآلة. نؤكد على هذا المعنى ونبينه من أجل أن تكون دراستنا لعلوم الآلة على المنهج السوي الذي يتعامل به طالب العلم مع علوم الآلة.

إذا لا يصح إطلاقا أن يكون تعاطي أحدنا لعلم من علوم الآلة كأصول الفقه تعاملا مع العلوم المقصودة لذاتها؛ فليس علم الآلة بالذي يحفظ فيه التعريف والتقسيم والأنواع والاصطلاحات، ثم لا يفقه كيفية توظيف هذا العلم فيما وضع لأجله. علم أصول الفقه كما فيكم تعريفه بعد قليل في كلام المصنف رحمه الله، علم يراد منه أن يكون أصل للفقه، أي يبنى عليه. فما لم يكن هذا العلم معينا لك يا طالب العلم لأن يمكنك من فهم الفقه ودراسته وتحصيله، بأن يكون هو في طريق وأنت في طريق، وتدرس أصول الفقه ولا تشعر أنه ينمي عندك ملكة الفقه ولا يغذي الفقه لديك ولا يعينك على ملكة الاستنباط، متى شعرت أن دراستك لعلم الأصول لا تساعدك على ذلك فاعلم أن خللا ما في تعاملك مع هذا العلم.

لانه يجب يجب أن يكون هذا العلم في محصلته وفي طريق دراسته أن يكون في نهايته أو في أثنائه ممكنا لمن يدرسه للعلم الذي يريد الوصول إليه. أصول الفقه ينبغي أن يقودك إلى الفقه، أصول التفسير ينبغي أن يقودك إلى التفسير، لكن أن تدرس أصول تفسير ثم لا تجد عندك ملكة التفسير ولا فهم كتاب الله ولا تطبيق القواعد للوصول إلى معاني الآيات فثمة خلل في دراستك للمنهج. ساكشف الغطاء بمزيد وضوح لأقول إن كثيرا من طلبة العلم يتعاملون مع علوم الآلة وأصول الفقه واحد منها، يتعاملون معها بطريقة الحفظ والتقسيم والتعريفات، ثم لا يبالون كثيرا بتوظيف قواعد هذا العلم ومسائله تطبيقا عمليا ينمي عندهم ملكة الفهم ملكة الاستنباط يصنع منهم فقهاء مع الممارسة والدربة والنظر المستمر، هذا ينبغي تجاوزه.

فإلى متى يظل أحدنا في دراسة علم أصول الفقه مقتصرا على تعريف العام وصيغه ودلالاته وعلى صيغ الأمر وأنواعه وأحوال مسائله وأحكام كل مسألة وصيغة حسب كما قرره الأصوليون؟ ثم إذا وضعت أمامه قول النبي عليه الصلاة والسلام: من باع نخلا بعد أن تؤبر فله ثمرتها إلا أن يشترط المبتاع مثلا. فقلت له: أين صيغ العموم؟ ما الحكم المستنبط؟ وأين التخصيص؟ وفي الحديث علة أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام أين هي؟ وأي نوع هو من أنواع الإشارة إلى العلة؟ يفتح فمه وكأنه ما درس شيئا.

هذا الخلل ينبغي تجاوزه بأن تكون دراستنا لمسائل هذا العلم متجاوزة قضية حفظ التقسيم والأنواع والتعريفات وما إلى ذلك. ينبغي أن يكون متوجها إلى أن تدرس العلم وفي الوصول إلى القاعدة وطريقة استعمالها وممارسة هذا على الدوام؛ لأنه مع الأيام تنمو الملكة وتتنمى بالممارسة. علم أصول الفقه بهذا القالب وبهذا المعنى الذي أشرت إليه علم شريف.

شريف لأنه يؤصل عند طالب العلم ملكة تجعله يتعامل مع النصوص الشرعية، وبهذا فهو ليس خاصا بالفقه. يعني المتخصص في العقيدة والمتخصص في التفسير والمتخصص في الحديث والمتخصص في الفقه، أنظر كل العلوم الشرعية أليست تدور على النصوص الشرعية والأدلة؟ فاذا كان علم من العلوم وهو اصول الفقه يعطيك المكنة والقدرة على التعامل مع النصوص الشرعية، سواء اردت منها احكام العقائد، أو تفسير معاني كتاب الله أو شرح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استنباط الأحكام الفقهية، يبقى هو هذا العلم الذي يمكنك لأن تتعامل مع الدليل بطريقة صحيحة. هذا ما يتعلق بهذا العلم ولست بحاجة لأن أقول أن أهل العلم كانوا وما يزالون يذكرون شرفه ومكانته ومنزلته وعظيم أثره في حياة طلاب العلم.

النقطة الأخرى في هذه المقدمات والحديث عن إمام الحرمين رحمة الله عليه الإمام الجويني أبو المعالي عبدالملك بن عبد الله بن يوسف الجويني رحمة الله عليه. الإمام الجويني إمام الحرمين، اه شيخ الشافعية بني سابور. قدم الحجاز فحج وجاور بمكة والمدينة أربع سنين، يقال إنه أم المسلمين في الحرمين ولذلك سمي بإمام الحرمين. مدة بقائه الأربع سنوات بمكة والمدينة، وقيل إنه جاور يعني مكث بين مكة والمدينة أربع سنين واستفاد منه الناس وطلبوا عنده العلم فنال الإامة في هاتين البقعتين المباركتين فسمي بإمام الحرمين.

وأيا كان فالمتفق عليه أنه قضى أربع سنوات مجاورا بين مكة والمدينة عليه رحمة الله. إمام الحرمين أحد أئمة الإسلام فقها وعلما ودراية واستنباطا وثراء أيضا مكتبة الإسلامية الشرعية بعلم وفير غزير. الذي يميز إمام الحرمين رحمه الله في مسار علم الأصول على وجه الخصوص أن له تركة ضخمة ثرية تمثلت في جملة من التراث العلمي الذي خدم أصول الفقه، أشهره كتب: كتاب الورقات وهو المتن الصغير المختصر الذي بين أيدينا، وكتاب التلخيص، لخص فيه أعظم كتاب صنف في أصول الفقه في الإسلام كما يقول السبكي وغيره، وهو كتاب التقريب والإرشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله.

والكتاب الثالث هو كتاب البرهان الذي اشتهر به إمام الحرمين وطار في الدنيا شرقا وغربا، وسماها السبكي رحمه الله لغز الأمة. وهو يفاخر كثيرا ببرهان إمام الحرمين وحق له ذلك، فإن برهان إمام الحرمين في اصول الفقه درة نفيسة فريدة لست تجد في تاريخ الأمة خلال ألف وأربعمائة سنة، لا تجد فيها كتابا صنف في الأصول على غرار البرهان. عجز أهل العلم ممن جاء بعد إمام الحرمين أن يصنفوا البرهان، سواء في قوته ومتانته أو في دقته وتحرير مسائله، أو في لغته وأسلوبه الذي فعلا عجز أهل العلم أن يصوغوا كتابا بلغة علمية في علم متخصص كأصول الفقه بلغة أدبية سامية راقية كأنك تقرأ شرحا إحدى المعلقات الشعرية لغة أدبية راقية ونفس لغوي راق ومتمكن، من يقرأ كتاب البرهان يتيه هل يتابع الفكرة ليفهمها أم اللفظ ليستمتع بعذوبته ويفتح المعاجم حتى يشرح بعض معاني الكلمات من فصيح اللغة وعربيها الراقي الذي تحتاج معه فعلا إلى فتح المعاجم. ولولا أن المحقق الدكتور عبد العظيم الديب رحمه الله خدم

كثيراً متن الكتاب ببيان بعض الألفاظ لبقي طلاب العلم يفتحون البرهان وبجواره بعض المعاجم ليفسروا بعض ألفاظه، رحمة الله عليه.

الكتاب الثالث هو الورقات كما قلت، أما التلخيص والورقات فكتابان لا يمثلان رأي الإمام الحرمين بصورته التي تمثل مذهبه. الورقات كتاب مختصر، وسنأتي على مسائله إن شاء الله خلال هذه الدورة. لما يريد طالب العلم أن يعزو رأياً لإمام الحرمين أو مذهباً في الأصول فإنه يعود إلى البرهان، أما الورقات فهو متن مختصر وعليه يعني شيء من الملحوظات والنظر سنأتي إلى ذكره الآن.

أما التلخيص فغاية ما فيه أنه حفظ لنا كتاب التقريب والارشاد للقاضي أبي بكر الباقلاني. والقاضي أبو بكر الباقلاني أول من صنف في علم أصول الفقه على نحو متسع متكامل شامل لأبواب مسائل الأصول ومسائل على النحو الذي استقر عليه التأليف. القاضي أبو بكر الباقلاني ألف التقريب والارشاد بمراتب ثلاثة: التقريب والارشاد الصغير، التقريب والارشاد الأوسط، التقريب والارشاد الكبير. جاء إمام الحرمين رحمه الله فلخص كتابه وسماه التلخيص، فالتلخيص ليس رأي إمام الحرمين بل هو رأي القاضي أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين لم يتتلمذ عليه لم يلقه، بل هو في طبقة طلاب طلابه.

وعندئذ لما تجد أن إمام الحرمين قد تشرب فكر الباقلاني وقوته وطريقته في الأصول حتى لخصه واستوعبه، لك أن تقول إنه جمع بين أكثر من مزية، منها تحصيله لعلم القاضي أبي بكر الباقلاني ومذهبه في الأصول وهو مذهب جليل معتمد. وهو أيضاً في الوقت ذاته -أعني إمام الحرمين- يمثل مدرسة أصولية، لأن آه من أكبر من من نتج من تحت يديه ومن علماء الأمة الإمام الغزالي رحمه الله هو تلميذه المباشر صاحب المستصفى حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي أبو حامد هو من من كبار تلاميذ إمام الحرمين.

فلما ننظر في علم الأصول ونرى أن كتاب البرهان أحد الكتب المعتمدة والمستصفى كذلك وهي مدرسة واحدة، يشعرك فعلاً بجلالة مكانة إمام الحرمين رحمه الله. نسوق هذا الكلام بين يدي دراستنا من أجل أن تكون عندنا النظرة الكافية الوافية للكتاب الذي تقرأه والمصنف الذي تقرأ له ومكانته بين العلماء ومنزلته بين المصنفين في هذا الفن على وجه الخصوص، كل هذه معطيات تساعدك على أن تفهم وأن تتعامل مع اللفظ، مع الكتاب، مع المسائل بطريقة سليمة ومنهج سديد.

يبقى الحديث عن الورقات على وجه الخصوص. ورقات إمام الحرمين، ورقات كما قال رحمه الله وكما سماها، وهو الذي قال في مقدمته: فهذه ورقات. هذه الورقات أراد بها تقريب مسائل هذا العلم على المختصرة، إذاً هي ليست كل مسائل علم الأصول، هذا أولاً. وثانياً: ليست مستوعبة للآراء الأصولية في المسألة الواحدة. وثالثاً: ليس فيها الحديث عن الاستدلال للقواعد ولا التمثيل لها بفروع فقهية. رابعاً: ليست مستوعبة بمعنى أنها تعطي طالب العلم كل ما يحتاجه عن مسائل علم الأصول.

أرادها رحمه الله أن تكون بين يدي طالب العلم تذكرة ومدخلاً ميسراً، لهذا درجت العادة عند طلبة العلم في مناهج تحصيل العلوم وسلالم الدراسة المنهجية أن يكون كتاب الورقات في أول المراتب التي يدرسها طالب العلم عندما يدرس أصول الفقه، باعتباره عتبة يصلح أن تبنى عليه الخطوات التالية. ورقات إمام الحرمين رحمه الله لم تشتهر بين أيدي طلبة العلم إلا متأخراً في القرن الخامس والسادس الهجري وما بعد، وانتشرت شروحها وكثرت، لكنها في القرون المتأخرة، أعني القرن السابع فما بعد، كثرت شروح الورقات وأما قبل فلم تكن كذلك.

ظل كتاب الورقات ونظمه للعمريطي وغيره من الكتب التي أرادت أن تجعل مثل هذا الكتاب بين يدي المبتدئ في دراسة العلم وتحصيله مقدمة ومدخلاً جيداً يحسن والابتداء به وبناء ما بعده عليه، إذاً لا ينبغي. إذا فهمت هذا الكلام فيما يتعلق بالورقات فانه يجب أن ندرس هذا الكتاب على هذه الطريقة بالنحو المختصر الموجز، وهذا هو منهجنا في الدورة إن شاء الله. أيضاً لن نستطرد في ذكر مسائل لم يتعرض لها المصنف رحمه الله، وأرى أن هذا هو الصواب في دراسة المتون المختصرة، ومن أراد التوسع فليقصد كتاباً متوسعاً يدرسه، وليأتي إلى متن أتى على مثل هذه المسائل فيتناولها، لكن يأتي إلى كتاب مختصر ألفه مصنفه مختصراً ووضعه على هذا النحو فينبغي أن تدرسه على هذا النحو.

أما الاستطراد في ذكر مسائل لم يذكرها أو التعمق في تذليل مسائل أتى عليها على نحو الإيجاز والاختصار فكل ذلك خروج عن منهج المصنف رحمه الله أو منهج صاحب الكتاب. أخيراً، هذا الكتاب هو أيضاً كما قلت خطوة أولى لا ينبغي أن يقتصر عليها طالب العلم ويظن أنه قد حصل قدراً كبيراً في مسائل هذا العلم، ثمة مسائل أوردها إمام الحرمين رحمه الله هاهنا في الورقات تخالف أو تغاير ما قرره في موضع آخر، مثل ما ينقله في التلخيص مثلاً أو فيما قرره في البرهان، فلا ينبغي أن تفترض تعارضاً بين الطريقتين، لأنه كما فهمت الورقات شيء لا يمثل مذهب إمام الحرمين الذي احتج له.

إمام الحرمين رحمه الله أحد الأئمة الذين جمعوا بين الفقه والأصول، لأن من المصنفين في الأصول من استغرق في التصنيف الأصولي بمعنى التنظير المجرد وممارسته في الفقه غير معروفة أو مشهورة، بينما تجد إماماً كإمام الحرمين رحمه الله له تركة فقهية ضخمة لو لم يكن فيها إلا نهاية المطلب الذي صنف فيه فقه الشافعي رحمه الله، فانه يدلك على فقه عميق وإمامة حقيقية. إذاً من يكتب في الأصول بهذا العمق الفقهي تثق تماماً أنه كان يملك من الآلة ومن أدوات هذا العلم ومسائله ثم آتاه ذلك التمكن والعمق العلمي المتين الذي ساعده على أن يقرر مسائل بالعمق والدقة والتمكن والأحكام الذي تجده في مثل نهاية المطلب.

هذا أوان الشروع في كتاب لإمام الحرمين الجويني رحمة الله عليه. نعم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أصحابك أجمعين.

تعريف أصول الفقه: هذه ورقات قليلة تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وذلك مؤلف من جزئين مفردين. طيب، هذه بداية عبارة المصنف رحمه الله: هذه ورقات قليلة تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه، وصرح رحمه الله بمنهجه في الرسالة وطريقته فيه وما الذي أراده؟ قال: هذه ورقات قليلة. لما قال: ورقات، أراد بها التقليل، فإن جمع المؤنث السالم من جموع القلة عند سيبويه، وأراد رحمه الله أنه أراد أن تكون هذه المسائل نبذة يسيرة موجزة بين يدي طالب العلم.

يؤكد تقليله للمسألة قوله: فصول من أصول الفقه، فأراد به التبعيض رحمه الله وأراد التقليل، إذاً هو لم يرد استيعاب المسائل في هذا الكتاب ولم يرد أن يكون كتابه مطولاً. قال: هي ورقات وتشتمل على فصول من أصول الفقه. ثم شرع مباشرة رحمه الله يعرف الأصول، وهذه طريقة سلسة في التدرج ستأتيك من الآن ربما إلى نهاية مجلس الليلة، ولنصنف رحمه الله يمشي بتسلسل سلس مرن، كلما أتى إلى جملة وأراد أن ينتقل إلى غيرها أو إلى فصل وانتقل إلى غيره كان هناك طريقة واضحة يسيرة في الانتقال من قضية إلى قضية ومن مسألة إلى مسألة ومن تعريف إلى تعريف.

قال: وذلك مؤلف من جزئين. ذلك أي قوله: أصول الفقه. وهذا مدخل مهم، وأول ما يبتدى به التعريف: أصول الفقه. قال رحمه الله: وذلك مؤلف من جزئين مفردين، وذلك أي قولك: أصول الفقه مؤلف من جزئين مفردين، ما هما؟ اصول، والفقه. قال: جزئين يعني كلمتين، وقال: مفردين، لأن هناك أجزاء مركبة، أنا لما أقول لك في أسلوب الشرط: أن تجتهد تنجح، هذه الجملة مكونة من جزئين لكنهما ليسا مفردين، هما جزءان مركبان: فعل الشرط واداته وجواب الشرط وقد يكون له متعلقات. فقوله: جزئين مفردين، يقصد غير مركبين، يعني كلمتان لفظتان فقط: اصول، والفقه. وبالتالي فإذا أراد أن يعرف أصول الفقه ماذا سيصنع؟ ماذا سيصنع؟ سيعرف لفظة اصول ولفظة الفقه، وهذا الذي فعله رحمه الله. نعم.

وذلك مؤلف من جزئين مفردين: أحدهما الاصول، والثاني الفقه. الأصل: ما بني عليه غيره، والفرع: ما يبنى على غيره. بدأ بالكلمة الأولى وهي الأصل. قال رحمه الله: فالاصل ما يبنى عليه غيره أو ما بني عليه غيره، هكذا عرفه.

ولعل أول من أورد مثل هذا التعريف للفظة الأصل هو القاضي أبو الحسين البصري رحمه الله في كتابه المعتمد، وهو سابق على إمام الحرمين، أو هو يعني معاصر له وقريب منه، وفاته أربع مئة وستة وستون، وإمام الحرمين أربع مئة وثمانية وسبعون. فهو من أوائل من أورد هذا التعريف. قال: ما يبنى عليه غيره. أصل الشجرة ما يبنى عليه فرعها، وأصل البناء ما يبنى عليه الجدار والسقف وباقي الطباق.

أصل البناء وأصل الشجرة وأصل المسألة كلها عبارة عن القاعدة التي يبنى عليها غيرها. هذا التعريف هو المنتشر والسائد، لكن عند السبكي وغيره وغيره قولهم: الأصل ما يتفرع عنه غيره. هل تلحق فرقاً بين التعريفين؟ أبو الحسين وإام الحرمين يقولون: ما يبنى عليه غيره، والسبكي يقول: ما يتفرع عنه غيره. في فرق ولا واحد جا من هنا والثاني جا من هناك؟ في فرق. ما الفرق؟

لا، ما أبغى التفريق اللفظي هذا السطحي أنه هناك قال ما يبنى وهنا قال ما يتفرع. نقصد في النهاية في فرق؟ ها؟ لا. لو ما في فرق ما حرصوا على على إيجاد تعريف مغاير إلا لهدف. يقولون: لأنه لا يلزم من الأصل أن يبنى عليه غيره. بدليل أن الوالد أصل للولد، وهل يبنى عليه الولد؟ لكن ألا يصلح أن تقول: الولد فرع عن الأب؟

فأيهما أدق وأسلم؟ أن تقول: الأصل ما يبنى عليه غيره، أو ما يتفرع عنه غيره؟ ولذلك عدلوا لإدراج شيء أسلم وأبعد عن الإشكال. قال رحمه الله: الأصل ما يتفرع عنه غيره. قال وهو أحسن؛ لأن الوالد أصل الولد ولا يبنى عليه الولد. فهي ليست قضية لفظية شكلية فقط. قال: الأصل ما يبنى عليه غيره.

لما عرف الأصل عرف الفرع. سؤال: نحن نعرف أصول فقه، من أين جاءت كلمة فرع؟ يعني ليش جاء وعرف الفرع؟ نحن نعرف أصول الفقه، عرفنا الأصل. لأي سبب جاء يعرف الفرع ومن أين؟ لا هو استطراد، لا تحاول أن تتكلف الجواب هو استطراد لا داعي له. لما عرفوا الأصل يستطردون في تعريف الفرع، ولا علاقة له بما نحن فيه من مصطلح. قال: الفرع ما يبنى عليه أو ما يبنى على غيره. نعم.

والفقه معرفة الأحكام الشرعية، والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. هذا هو الجزء الآخر من لفظتي أصول الفقه. عرفنا الأصل بما على تعريف إام الحرمين: ما يبنى عليه غيره، وعلى تعريف السبكي وغيره: ما يتفرع عنه غيره. والفقه ما هو؟ قال: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد.

اختصر تعريفا لذيذا موجزا محققا للغرض، بعيدا عن كثير من القيود التي يريدها بعض المعرفين. معرفة الأحكام الشرعية لو سكت هنا، هل كان هذا تعريفا للفقه؟ لا، لأن الأحكام الشرعية منها أحكام عقائد وهي شرعية، ومنها أحكام فقه وهي أحكام شرعية، ومنها أحكام مسائل يحتاج إليها المكلف في عباداته معاملاته سواء كانت فقها أو غيرها.

لما أراد رحمه الله أن يحترز قال: التي طريقها الاجتهاد. خرج به شيئان؛ الشيء الأول: المسائل العقدية، لأنه ليس طريقها الاجتهاد، بل طريقها بل طريقها طريقه القطع، الأحكام العقدية طريقه اليقين والجزم، فليست اجتهادية. وخرج به أيضا الأحكام المعلومة بالضرورة، مثل وجوب الصلوات الخمس، مثل تحريم نكاح الأم. هذه أحكام معلومة، هل إدراك هذه المسائل يعتبر فقها؟ ما يعلمه المسلم من دينه بالضرورة لا يسمى فقها.

فاستدرك رحمه الله واحترز بقوله: التي طريقها الاجتهاد. فالمعلوم من الدين بالضرورة ليس مما يحصل بالاجتهاد فخرج، وأحكام العقائد طريقها اليقين والقطع وليست مما يحصل بالاجتهاد فخرجت. فقوله التي طريقها الاجتهاد أراد به أن يخصص بهذا التعريف مسائل الفقه، وحصل له ذلك رحمه الله.

المتأخرون لما يعرفون الفقه في التعريفات التي تحفظون ماذا يقولون؟ معرفة الأحكام الشرعية العملية، أو بعضهم يقول المكتسبة. لما يقولون العملية يريدون إخراج العقائد. هو استبدلها بقول التي طريقها الاجتهاد ليخرج العقائد ويخرج المعلومة بالضرورة مما لا يسمى تحصيلها فقها، والامر في هذا يسير. نعم.

الأحكام وتعريفاتها، والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل. طيب، عرف الفقه ثم انتقل إلى تعريف الأحكام. الآن ما المناسبة؟ في الفرع هناك قلنا استطراد، هنا لماذا يعرف الحكم؟ لأنه جاء في الفقه جاء في تعريف الفقه. عرف الفقه قبل قليل، ماذا قال؟ معرفة الأحكام الشرعية، وهذا يستدعي أن نعرف ما هي الأحكام. لاحظ التسلسل السلس كيف الانتقال؟ جاء يعرف الأحكام، وإذا عرف الأحكام سيذكر اقسامها وتعريف كل قسم وما يتعلق به. هذه.

والأخرى أن أهل الأصول يرون من المداخل المهمة لدارس الأصول قبل أن يغوص في مسائل الدلالات والأدلة أن يعرف الأحكام، ويعتبرونها بوابة مهمة. أنت ماذا ستدرس في أصول الفقه؟ ماذا ستدرس؟ ستدرس الأدلة الشرعية وطرق الاستنباط أو دلالات الألفاظ. هذه كلها من أجل أن تقول هذا حرام وهذا واجب وهذا مستحب وهذا مكروه. يريد منك الاصوليون قبل أن تخوض في هذه الدقائق أن يكون عندك تصور ولو مجمل بهذه المصطلحات، ما معنى واجب وما معنى حرام ومعنى مستحب؟ فهذه كلها تساعدك على أن تمتلك التصور الكافي الذي يعينك على إدراك هذه المسائل، فعرفوا هذه الأحكام الشرعية لتكون مدخلا مهما.

الأمر الثالث في هذا ما أورده إمام الحرمين رحمه الله. تجاوز رحمه الله، وعلى طريقته الاختصارية الرائعة، تجاوز أن يعرف أصول الفقه باعتباره علما وبهذا المصطلح باعتباره لقبا، كما درت العادة بقولهم هو معرفة الأدلة الشرعية إجمالا وطرق الاستفادة إلى آخره. ما أورد هذا واكتفى بهذا التصوير وهو كاف جدا. تعرف الفقه ما هو؟ هو ما تدرسه في الطهارة وفي الصلاة وفي الصيام وفي الحج والزكاة والجهاد والنكاح والطلاق. هذا هو الفقه، هذه المسائل التي هي في الفقه هذا العلم هو أصل لها. خلاص هذا كافي.

إذا لن تحصل الفقه وتكون فقيها ما لم يكن عندك أصله الذي يبنى عليه هذا الفقه. وهذا كاف جدا، أما مسائله ماذا يحتوي عليه فسيأتيك تباعا في فصول هذه الورقات اليسيرة.

قال رحمه الله: الأحكام سبعة. ربما كان هذا من مفردات الورقات ومن أهم الأشياء التي تفرد بها عن غيره من كتب الأصول. عادة يقولون: الأحكام خمسة، التي هي الوجوب والاستحباب والاباحة والكراهة والتحريم. لكنه قال سبعة، فماذا أضاف إلى الخمسة؟ أضاف رحمه الله الصحيح والباطل.

وها هنا يعني جملة من الأمور التي تعينك على فهم مثل هذا التصرف من إمام الحرمين رحمه الله. أولا: هذا تصرف سابق على ما استقر عليه التقسيم المتأخر عند الأصوليين إلى خمسة أقسام، وبالتالي فأنت لا تحاكم إمام الحرمين إلى مصطلح استقر بعده، هذي واحدة. الأمر الثاني: عليك أن تفهم توجيه هذا التقسيم السباعي الذي ذهب إليه إمام الحرمين وهل هو أدق أم تقسيم الأصوليين فيما بعد الخماسي؟ الجواب: أنت لو نظرت إلى الحكم الشرعي الذي أراد أن يقسمه انحل عندك الاشكال. وأراد أن يقسم الحكم الشرعي، والاصوليون فيما بعد قالوا: الحكم الشرعي إما تكليفي وإما وضعي. فإن كان تكليفيا فهو خمسة، وإن كان وضعيا فيدخل فيه السبب والشرط والمانع والصحيح والفاسد أو الباطل، وربما أدرجوا معه أيضا الرخصة والعزيمة. إذا هو تقسيم من البداية مختلف، مختلف الوجهة ومختلف البناء.

إمام الحرمين رحمه الله قال: الحكم الشرعي وهو يشمل القسمين التكليفية والوضعية سيأتيك بيان الفرق بينهما بعد قليل. فقال: الأحكام سبعة، فأخذ الخمسة التكليفية وأضاف إليه الصحيح والباطل.

مما يعينك أيضا على فهم هذا التفسير الذي صنعه إمام الحرمين في التقسيم السباعي أنه نظر إلى الأحكام الشرعية التي تتعلق بالمكلف، فقال: هي واحد من قسمين، إما عبادات وإما معاملات. الأحكام الشرعية إما عبادات وإما معاملات. العبادات: أركان الإسلام، الطهارة والصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد ونحوها. المعاملات: النكاح والطلاق والبيع ومسائله وفروعه، ويدخل في ذلك تبعا له أحكام الجنايات والحدود والقصاص والتعزير وما إلى ذلك.

لما يكون الفقه عبادات ومعاملات، فالذي يتعلق بالعبادات هو الأحكام الخمسة، والذي يتعلق بالمعاملات والعقود هو وصفها بالصحة والبطلان. فاذا هو جمع لك ما يتعلق بالحكم. يعني لما يأتي المكلف ويقول للفقيه والمفتي: ما حكم كذا؟ المستفتي إما أن يسأل عن عبادة أو يسأل عن معاملة، فإذا سئل عن عبادة فالجواب سيكون واحد من خمسة أشياء، صح.

أما أن تقول له: واجب، أو مستحب، أو مباح، أو مكروه، أو حرام. وإذا سأل عن معاملة، لن تقل له واجب مستحب، يسأل عن بيع وشراء، يسأل عن عقد من العقود يجريه، ستقول له: صحيح أو باطل. فإذاً الأحكام سبعة على تقسيم المصنف رحمه الله، وسيأتي ما يؤكد لك ذلك أنه أراد هذه النظرة في أن الأحكام عبادات ومعاملات، فالعبادة تدخلها الخمسة، والمعاملات تدخلها الصحة والبطلان.

آه، مما يعينك على فهم الأحكام الشرعية: إن كانت تتعلق بعمل مكلف فهي الحكم الشرعي التكليفي، ويدخلها الخمسة: الوجوب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم. وإن كانت لا تتعلق بعمل المكلف وهي حكم شرعي، ومثال ذلك أن الصلاة واجبة، الوجوب هذا هل يتعلق بالمكلف؟ وجوب الصلاة هل يتعلق بالمكلف؟ الجواب: نعم، إذاً هو حكم تكليفي.

حتى تكون الصلاة واجبة صلاة الظهر مثلاً لابد أن تزول الشمس عن كبد السماء، زوال الشمس عن كبد السماء يترتب عليه وجوب صلاة الظهر؟ من الذي قرر؟ من الذي ربط وجوب الصلاة بزوال الشمس؟ الشرع، هو حكم شرعي، لكن هل فيه عمل يتعلق بالمكلف؟ الجواب: لا، هذا حكم شرعي وضعي، والأسباب والشروط والموانع هي من هذا القبيل.

لما جعل الشرع من أسباب وجوب الزكاة حولان الحول ومن شروطه ملك النصاب، فملك النصاب وأن يحول الحول والمال في يدك هذه أحكام شرعية، لكن لست مخاطباً فيها بشيء، أنت مخاطب إذا ملكت النصاب وحال الحول الواجب عليك إخراج الزكاة، فالحكم التكليفي هنا ما هو؟ إخراج الزكاة أنت مكلف به. لكن هل أنت مكلف أن تمتلك نصاباً وتحصله؟ هذا ليس تكليفياً، هل أنت مكلف أن تحافظ على المال حتى يحول عليه الحول؟ أنت لست مكلفاً بهذا، هذه تسمى أحكاماً شرعية وضعية.

أحكام شرعية لأن الشارع هو الذي قررها، وضعية لأن الشارع وضعها علامات للمكلف تعينه على التكليف، فقال لك: إذا زالت الشمس وجبت صلاة الظهر، وإذا غاب الشفق الأحمر وجبت صلاة العشاء، وإذا طلع الفجر معترضاً بياضاً في الأفق وهو الفجر الصادق أو الثاني وجبت صلاة الفجر، هذه أحكام الشارع هو الذي وضعها فسميت أحكاماً وضعية. فإذاً كل شيء موصوف في الفقه بأنه سبب أو شرط أو مانع، هذه أحكام شرعية لأن الشارع هو الذي حددها، ثم تسمى أحكاماً شرعية وتوصف بأنها وضعية حتى لا تفهم أنها تكليفية، فانه لا تكليف فيها على المكلف.

قال رحمه الله: والأحكام سبعة: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحظور، والمكروه، والصحيح، والباطل. وسيعرفها الآن واحداً تلو واحد، نعم. الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.

والمندوب، سنبدأ تعريفاً واحداً واحداً وبإيجاز دون استطراد فيما يتعلق بالتعريف. قال: الواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا التعريف الذي يحفظه عامة طلبة العلم حتى الصغار والمبتدئين منهم يحفظون هذا. تعرف إذا قلت وما الواجب؟ قال ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، أليس كذلك؟ هذا التعريف للواجب دارج كثيراً، وأنت تلحظ إمام الحرمين رحمه الله على تقدمه في القرن الخامس الهجري، هو من أوائل من أوردوا مثل هذا التعريف للأحكام الشرعية.

وعليك أن تستخرج باقي التعريفات للأحكام الباقية، فستقول في المستحب ما هو؟ ما يثاب فاعله، ممتاز. في الحرم؟ ما يعاقب، ما يعاقب فاعله ويثاب تاركه. في المكروه؟ ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله. في المباح؟ ما لا يترتب على فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب.

كل الذي ذكرتموه الآن لا يصلح أن يسمى تعريفاً، لأنها أحكام، لاحظ أنا أقول لك ما الواجب فتقول ما يثاب فاعله، أنا ما قلت لك ما حكمه، حكم الواجب أن يثاب فاعله صح؟ ويعاقب تاركه. هذه أحكام، أنت الآن أعطيتني أحكام، قلت لك ما حكم الواجب، ما حكم المستحب؟ فاذا سألتك ما الواجب، ما المستحب؟ أعطني تعريفا لذاته.

هذه الطريقة التي سار عليها المصنف والتي أوردتم من خلالها تعريف باقي الأحكام، هو ما يسمونه بتعريف أو بالتعريف بالحكم، ويسمونه عند المناطقة بالرسم، الرسم أن تعرف الشيء بحكمه لا بذاته. فإذا عرفت الشيء بذاته يسمى حداً، فتعريفك للمصطلحات إما حد وإما رسم، فالحد تعريف الشيء بذاته، والرسم تعريف الشيء بحكمه. أيهما أقوى في التعريفات؟ الحد، ولهذا يعتبر المناطقة التعريف بالرسم ضعيفاً، لأنه لا يعرف الماهية بل يعرف حكمها، وعلى كل فهي طريقتان، أن تعرف الشيء بذاته أو برسمه، أقصد بحكمه.

قال رحمه الله: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه. في وقفات سريعة ها هنا، قال: ما يثاب على فعله، أراد أن يخرج ماذا؟ لما قال ما يثاب على فعله ماذا خرج؟ خرج المحرم والمكروه والمباح، ماذا بقي؟ المندوب الواجب. إذا لو سكت وقال ما يثاب على فعله لدخل فيه المندوب، فلما أراد أن يخرج المندوب ماذا فعل؟ ها، زاد لفظة أخرى قال، قال ويعاقب على تركه ليخرج المندوب.

إذاً كون لك التعريف من جملتين، سؤالي هو: لو اقتصرنا على نصف التعريف يكفي ولا ما يكفي؟ ليش تستعجل؟ طالع في التعريف وتأمل فيه؟ أنا ما قلت النصف الأول، ممكن يكون النصف الثاني نغطي على النصف الأول وأقرأ النصف الثاني. ايش يبقى في النصف الثاني؟ ما يعاقب على تركه يكفي في تعريف الواجب؟ وحدة وحدة، لو قلت المندوب يعاقب على تركه؟ المندوب يعاقب على تركه؟ لا. المباح يعاقب على تركه؟ لا. المكروه يعاقب على تركه؟ لا. الحرام يعاقب على تركه؟ صار يكفي ولا ما يكفي؟

إذاً لو قال في تعريف الواجب بالحكم ما يعاقب تاركه، يكفي ولا ما يكفي؟ في ناس ما فهمت لسا. طيب، اترك الآن الجزء الأول من التعريف ما يثاب على فعله، وتعال إلى ما يعاقب على تركه وحاول أن تطبق التعريف على الأحكام الباقية. ركز معي، المستحب المندوب هل يعاقب على تركه؟ أبغى الجميع يقول لا بفهم. المندوب هل يعاقب على تركه؟ خرج ولا ما خرج؟ المباح يعاقب على تركه؟ خرج. طيب الحرام يعاقب على تركه؟ الحرام يعاقب على تركه، لا، يعاقب على فعله، إذاً خرج الحرام. المكروه يعاقب على تركه؟ لا، إذاً خرجت الأربعة كلها. وصح لك أن تقول إن جملة ما يعاقب تاركه يصدق على الواجب فقط.

إذاً بهذا أنا أستغني عن نصف التعريف، إذا قيل لك عرف الواجب بالحكم ستقول: ما يعاقب تاركه، ويكفي. ودوماً إذا جئت للتعريفات إذا استطعت أن تختصر في الألفاظ وتستغني عما لا حاجة لك به في التعريف فهو أولى، إلى هنا مفهوم؟

طيب النقطة الثانية في هذا التعريف، لما تجزم بحصول العقاب حتى لو أخذت التعريف الأول ما يثاب فاعله ويعاقب تاركه، ناقش الأصوليون كثيراً قضية الجزم بحصول العقاب، لأنها تتعارض مع أصول شرعية عند أهل السنة. أنا لما أقول في الواجب: ما يعاقب تاركه، أليس من عقائد أهل السنة أن الله عز وجل قد يعفو عن صاحب الذنب ويتجاوز عنه؟ طيب شخص ترك واجباً من الواجبات لكنه ما عوقب في الآخرة لأن الله غفر له، هل أصبح الحكم ليس واجباً لأن الله ما عاقبه؟

لا، فقالوا: لا تجزم في التعريف بوقوع العقاب، ولذلك عدل بعضهم عن قولك ما يعاقب إلى قولهم ما استحق أو ما يستحق العقاب على تركه. وبعضهم حتى الاستحقاق هذا قال ما في داعي تقول استحقاق العقاب، قالوا ما يذم تاركه، لأن الذم حاصل سواء نال العقاب في الآخرة أو لم ينل، هو مذموم بتركه للواجب. فإذاً بعضهم قال ما يذم تاركه، وبعضهم قال ما استحق العقاب، وبعضهم قال ما توعد بالعقاب، كل ذلك عدول عن قضية الجزم بحصول العقاب، لأنه قد يعفو الله وهو أكرم الأكرمين، وقد يكون في عمل المكلف شيء من الحسنات يغفر الله تعالى لها به ما كان منه من تفريط في الواجبات.

أخيراً، آآ في قوله آآ ما يذم تاركه أو ما استحق تاركه العقاب أما توعد بالعقاب، بعضهم يزيد كلمة شرعاً، لأنك تفرض أن العقاب على الترك هو من جهة الشرع حتى لا يدخل فيه أشياء أخرى. على كل هذا الكلام الذي قلته الآن.

في تعريف الواجب لن أكرره في المستحب ولا في المباح ولا في المكروه؛ لأنه ستقيس عليه بطريقة، وسنمشي على عبارة المصنف رحمه الله كسبا للوقت. من أمثلة الواجب: الصلوات المفروضة، وصيام رمضان للقادر على صومه. بر الوالدين والعدل والأمانة والصدق من تلك الأخلاق التي لا يستثنى منها أحد دون أحد. نعم، والمندوب: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه.

ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. نحن قلنا قبل قليل هذه كلها تعريفات بالحكم، فإذا أردت أن تعرف الواجب بالحد في ذاته لن تقول ما يثاب ولا ما يعاقب، ستقول: ما طلبه الشرع طلبا جازما؛ لأن الواجب هو الذي طلب الشرع فعله بجزم. فإن كان مندوبا: ما طلبه الشرع طلبا غير جازم، وهكذا ستقيس عليها باقي التعريفات. هذا التعريف: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، هو مثال للمندوب.

لكنهم يزيد بعضهم في آخر التعريف كلمة مطلقا، ليخرج بذلك الواجب المخير. الواجب المخير: كما لو كفر أحدنا عن يمينه وجاء للكفارة، فإذا هي إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة، هو مخير. هو لما ترك الإطعام وجاء للكسوة، لما ترك الكسوة وجاء إلى العتق، ألم يترك بعض الخصال في الكفارة واجبة لكنه لم يذم بتركها لأنه انتقل إلى بديل؟ فلما تقول: ما تركه مطلقا، يعني لم يفعله لا الأصل ولا البدل، فذاك الذي يصدق عليه أنه واجب. فحتى يخرج عن تعريف المندوب يقول: ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه مطلقا.

من المصطلحات المرادفة للمستحب أو المندوب عند الأصوليين: مندوب ومستحب وسنة ونفل كلها مترادفة عند أكثر الأصوليين، وبعضهم يفرق بتفريقات دقيقة. نعم، والمباح: ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه. شرب الماء البارد، والاستظلال بالظل الوارف، أكل الطيبات والمباحات، لبس ما أباح الله عز وجل، كل ذلك من أمثلة المباح. المستحبات كالسواك والطيب وغسلها على قول الجمهور، وأمثلة ذلك كثير. المباح يسمى جائزا أيضا، ويسمى حلالا، ويعبر عنه في الشريعة ببعض الألفاظ مثل: لا جناح، ولا حرج، ولا إثم، ولا بأس، كل ذلك مصطلحات شرعية تدل على حكم المباح. الأصل في المباح أنه لا يترتب على فعله ولا تركه ثواب ولا عقاب، ولا يستثني الفقهاء من هذا قاعدة: إلا إذا كان المباح وسيلة إلى غيره أخذ حكم المقصد.

إذا كان المباح وسيلة إلى واجب وتوقف عليه حصول الواجب أصبح واجبا، ولهذا يقولون ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وسيأتيك بعد قليل إن شاء الله في كلام المصنف رحمه الله. نعم، والمحظور: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. ولو أردت الاختصار كما صنعت في تعريف الواجب ستقول: ما يعاقب فاعله؛ لأنك قلت هناك في الواجب ما يعاقب تاركه، فتقول ها هنا ما يعاقب فاعله يكون كافيا أيضا. وإذا أردت الاحتراز على قضية يعاقب والجزم ستقول: ما يذم فاعله أو ما يستحق العقاب فاعله.

نعم، والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. تتكرر أمثلة مكروهة أيضا متعددة، منها كراهة أكل الثوم والبصل والاتيان بهما إلى المسجد لنهيه صلى الله عليه وسلم عن فعل ذلك، كراهة رفع البصر إلى السماء في الصلاة بنهيه صلى الله عليه وسلم أيضا عن ذلك. وكمكروهات الصلاة كلها مثال يصلح لهذا الباب في تعريف المكروه.

لكن انتبه أيضا فقط إلى مسألة مهمة، وهو أن مصطلح المكروه بهذا المعنى هو مصطلح أيضا متأخر حادث علمي تقرر تعريفه بهذا النحو، ولا ينبغي أن تخطئ فتأتي إلى نصوص شرعية فيها لفظ مكروه فتفسره بهذا المعنى. في سورة الإسراء ذكر الله القتل والسرقة والزنا وأكل أموال اليتامى باطلا والكبر تلك المحرمات، وقال في آخرها: كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا. ما أحد يفسر مكروها أن تلك الكبائر كلها مكروهات بهذا المعنى أنها في دون درجة الحرام، كيف وفيها الكبائر؟ لكن مكروها هناك محمولة على المعنى الذي يدل على أن الشريعة لا ترضاه ولا توافق عليه وتأباه، ويدخل في ذلك التحريم.

لكن اردت فقط التنبيه على أنه ليس من الطريقة السليمة أن المصطلح الذي اتفق عليه العلماء بعد نزول القرآن بقرون ثم تقول تفسر القرآن بهذا المصطلح الحادث المتأخر. أيضا حتى مصطلحات السلف المتقدمين الإمام أحمد رحمه الله ما هو عبارات كان يقول: أكره كذا، ويعبر عن بعض الكبائر والمحرمات فيقول: أكره كذا، فما تفهم أن أحمد رحمه الله يقصد المكروه بهذا الاصطلاح، فثمة مصطلحات استقرت بعد استعمال سابق فمن الخطأ أن تسحب تلك العبارات المتقدمة وتفسرها بالمصطلحات الحادثة. جرى التنبيه على هذا من باب أن لا يقع طالب العلم في شيء من ذلك. الحديث: إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعتي المال. هل هو مكروه بهذا المعنى؟ لا، هو المنع الشرعي، وقد يقصر إلى التحريم إذا احتفت به القرائن.

نعم، والصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به. طيب، انتقل انتهى من الخمة، وجاء القسمين الآخرين. اتفقنا على أن الخمسة تلك تتناول العبادات، جاء هنا يتكلم عن المعاملات. الذي يؤكد لك أن إمام الحرمين رحمه الله فعلا أراد بالخمس العبادات وبالاثنين الآخرين المعاملات تعريفه، ماذا قال؟ ما يتعلق به النفوذ ويعتد به. هذا التعريف لا يتناول العبادات؛ معنى العبادات توصف بالصحّة والبطلان. لكنه كأنه قصد رحمه الله أن هذا خاص عنده بالمعاملات؛ لأن المعاملات هي التي يقال فيها معاملة يعتد بها، أو معاملة نافذة أو غير نافذة، ما يقال عبادة يعتد بها.

لما تريد أن تعرف الصحيح من العبادات ايش تقول؟ تقول: ما أجزأ وأسقط القضاء. الصلاة صحيحة، ايش يعني صحيحة؟ أنها مجزئة للعبد ولا يطالب بقضائها. لكن تقول: بيع صحيح، ايش معناه؟ بيع عقده نفذ ويترتب عليه أثر، انتقال ملك المبيع إلى المشتري وملك الثمن إلى البائع، ولهذا يقول: ما يعتد به. ما يتعلق به النفوذ، نفذ يعني سرى وترتب أثره. نكاح صحيح، ايش معناه؟ معناه أن الزوجة استحقت المهر، والزوج استحق منفعة البضع، هذا هو نفذ وأصبحت ثمرته مترتبة عليه، ولا يقال هذا في العبادات. العبادات إذا قيل: ما معنى عبادة صحيحة، صوم صحيح وصلاة صحيحة ونحو طواف صحيح؟ معناه ما أجزأ وأسقط القضاء. الإمام الجويني رحمه الله لما قال في تعريف الصحيح: ما يتعلق به النفوذ ويعتد به، يقصد العقود والمعاملات على وجه الخصوص، وكأنه رأى أن الخمسة الأولى تكفي في العبادات ووصفها والحكم عليها، ويتكلم الآن على المعاملات.

نعم، والباطل: ما لا يتعلق به النفوذ ولا يعتد به، على العكس من تعريف الصحيح، وأمثلة هذا كثيرة جدا، تقول: بيع صحيح إذا استكمل الشروط، وبيع باطل إذا اختل فيه شيء. والجمهور لا يفرقون بين الباطل والفاسد، والحنفية يفرقون. فالباطل عندهم، أي عند الحنفية في العقود: ما لا يشرع بأصله ولا بوصفه، والفاسد عندهم: ما كان مشروعا بأصله لا بوصفه. بالمثال يتضح: من باع ما لا يملك فبيعه باطل عند الجمهور، الحنفية عفوا، عند الجمهور المالكية والشافعية والحنابلة تقول: بيع باطل أو فاسد عندهم مترادف بمعنى واحد.

لكن عند الحنفية: من باع ما لا يملك فقد باع بيعا باطلا، ومن باع درهما بدرهمين وهو الربا فقد باع عندهم بيعا فاسدا. ليش قالوا في هذا باطل وقالوا في هذا فاسد؟ الفرق عندهم أن العقود في البيوع والنكاح وغيرها ما يمكن تصحيحه واستدراكه يسمى فاسدا، وما لا يمكن تصحيحه ولا استدراكه يسمى باطلا. إذا فأيهما أقوى في البطلان والفساد؟ الباطل أقوى. لما يقولون: بيع باطل، يعني لا سبيل إلى تصحيحه، كمن باع ما لا يملك، فقد فقد شرطا من شروط صحة البيع. من باع درهما بدرهمين هو ربا وبيع فاسد، لكن في سبيل رد الدرهم الزائد صح العقد، يمكن تصحيحه فيسمى بيعا فاسدا أو عقدا فاسدا. في النكاح كذلك: ما لا يمكن تصحيحه فانه أيضا لا يصح ويسمى نكاحا باطلا، وما يمكن تصحيحه كنكاح الشغار يسمى نكاحا فاسدا، وهكذا. الجمهور ما يفرقون ربما إلا في مسألتين، واحدة في الحج والثانية في النكاح.

في الحج عند الجمهور، ومع أنه كلمة باطل وفاسد عندهما مترادفة، إلا أن الجمهور في الحج يفرقون بين الحج الباطل والفاسد. فالباطل ما ارتد فيه عن الإسلام والعياذ بالله، أصبح حجه باطلاً. لكن الحج الفاسد عندهم هو الذي يجامع فيه المحرم زوجته قبل التحلل الأول، فما يقولون حج باطل، يقولون حج فاسد. والذي يوجبون فيه وجوب الإتمام بحج الفاسد والمضي فيه، ووجوب الحج قضاءً من العام القابل، والتوبة والكفارة وهي البدنة.

النكاح وهي المسألة الثانية: يفرقون بين النكاح الباطل والفاسد. فالنكاح المختلف في صحته يعني من يرى تصحيح ومن لا يرى يسمى نكاحاً فاسداً. والمجمع على عدم صحته يسمى نكاحاً باطلاً. هو اصطلاح تفهمه لتعرف كيف تتعامل مع عبارات الفقهاء رحمهم الله. نعم.

الفقه والعلم والجهل، والفقه أخص من العلم. طيب، الآن انتهى إمام الحرمين رحمه الله من ذكر تعريفات الأحكام الشرعية. قوله: والفقه أخص من العلم. ويفرق بين تعريف الفقه والعلم، ما علاقة هذا فيما نحن فيه؟ هو ابتدأ من فين؟ أول نقطة من أين بدأ؟ أصول الفقه، عرف أصول، عرف الفقه، في تعريف الفقه وجدنا كلمة أحكام، عرف الأحكام، لماذا جاء لفقه وعلمه الآن ويقارن بينهما؟ لأن الفقه علم. لكن نريد أن يبين لك أن الفقه هو أحد أنواع العلم. فأيهما أعم؟ العلم.

إذاً، هل كل علم فقه؟ وهل كل فقه علم؟ نعم، بينهما عموم وخصوص مطلق. قال: والفقه أخص من العلم؛ لأن العلم منه فقه ومنه غير فقه، منه نحو مثلاً ونحو حساب، ومنه طب ومنه هندسة، وكل ذلك علم. لكن الفقه هو أحد أنواع العلم. وجاء يعرف ما يريد فقط المقارنة بين فقه وعلم؟ لا، هو يريد الدخول إلى مصطلح العلم وتقسيماته ودرجاته في حصول العلم بالمعلوم عند العقلاء. نعم.

والفقه أخص من العلم. والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع. العلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع. هكذا عرف إمام الحرمين رحمه الله العلم. وذكر فيه شيئان، شيئين. الشيء الأول أن العلم معرفة وحصول إدراك، فإن لم يحصل فهو جهل. والشيء الثاني في تعريف العلم أن يكون مطابقاً على ما هو به في الواقع. والشيء الثالث وما ذكره رحمه الله أن يكون هذا الإدراك والمعرفة على سبيل الجزم. ثلاثة قيود في تعريف العلم عند أهل الاصطلاح: أن يكون معرفة بالشيء، وأن يكون هذا العلم أو المعرفة مطابقاً للواقع، والامر الثالث أن يكون على سبيل الجزم. ولهذا بعضهم يقولون: معرفة المعلوم أو إدراك الشيء على ما هو به في الواقع إدراكاً جازماً.

الذي يعيننا الآن أن إمام الحرمين رحمه الله عرف العلم بهذه الطريقة، بينما هو نفسه في البرهان رأى أن العلم لا يحد. يقولون أحياناً بعض العبارات بسبب وضوحها وعدم خفائها ما تحتاج إلى حد. ابن القيم رحمه الله مثلاً لما جاء يعرف المحبة ويتكلم عن حب الله وحب النبي عليه الصلاة والسلام، جاء يعرف مصطلح المحبة، قال رحمه الله: والمحبة مما لا تحتاج إلى تعريف؛ لأنك لو عرفتها زدتها غموضاً. الشيء الواضح المعلوم عند الناس تعرفه لمن؟ هو ما المقصود من التعريفات؟ وما المقصود والتوضيح وإزالة الإشكال وتقريب المعنى إلى الناس؟ فإذا كان المعنى حاصل في رؤوس الناس جميعاً تعرف لماذا؟

ذهب إمام الحرمين في البرهان، وهو قلت الذي يعبر عن رأيه، أن العلم لا يحد ولا ينبغي أن يكون كذلك. لكنه سار في الورقات على هذه الطريقة. قال ابن الحاجب رحمه الله في تعريف العلم: ولعل حد أصح حد فيه أن يقال ابن الحاجب يقول: ولعل أصح حد فيه أن يقال صفة يحصل بها التمييز لا تحتمل النقيض. صفة يحصل بها التمييز لا يحصل بها النقيض، أو لا تحتمل النقيض. يقول: صفة تقع عند الإنسان، يحصل عنده تميز الشيء، بدرجة لا تحمل لا تحتمل خلافه. وهذا الجزم الذي كنت أقوله قبل قليل. فثلاثة قيود.

ملحظ أخیر على تعريف إمام الحرمين، قال العلم ما هو؟ معرفة المعلوم. معرفة المعلوم هو كرر لفظة علم في التعريف، وهذا عند المناطقة أحد عيوب التعريف: ألا تورد في الحد شيئاً من لفظ محدود أو أحد مشتقاته. ولذلك عدل الشارح وهو جلال الدين المحلي معرفة المعلوم قال: إدراك ما من شأنه أن يعلم. على كل هو أراد فقط تقريب الشيء، والمصنف رحمه الله في هذا المختصر أراد فقط أن يعطيك المفاتيح دون الخوض على الدقائق والمسائل الخلافية.

نعبوا الجهل. والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع. ما مثال الجهل؟ أن تجهل شيئاً الآن حصل في بيتك وأنت جالس هنا، أنت لا تدري ما الذي حصل، تجهل ما الذي حصل الآن في الخارج في الشارع الآن، هذا جهل. ما قال الجهل معرفة الشيء على خلاف ما هو به. الجهل جهلان: ألا تعرف الشيء أصلاً، ويسمى هذا جهلاً بسيطا. إذا سألتك ماذا حصل؟ تقول: ما أدري، هذا جهل. الجهل الآخر أشد منه وأسوء، أن تقول حصل كذا وهو لم يحصل، لكنه في ذهنك أنه حصل، أن تتصور الشيء على خلاف ها على خلاف ما هو واقع.

لما قال مصنف تصور الشيء ما قال معرفة الشيء؟ ليش؟ قال في العلم معرفة المعلوم، قال هنا تصور الشيء، ليش ما قال معرفة الشيء على خلاف ما هو به؟ أحسنت، لأن الجهل ليس معرفة وليس علماً. فكيف تعرف الجهل وتقول معرفة؟ أنت لو عرفت الجهل بأنه معرفة، أنت هكذا رفعت منزلة الجاهل واعتبرت عنده شيئاً يستحق أن يسمى معرفة، وهو ليس كذلك. قال: تصور، بمجرد أن تدرك المسألة بطريقة غير صحيحة هذا لا يسمى معرفة ولا علماً.

نعم. والعلم الضروري ما لا ما لم يقع عن نظر واستدلال. كالعلم الواقع باحدى الحواس الخمس وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق، أو بالتواتر. واما العلم المكتسب فهو ما يقع عن نظر واستدلال.

طيب، عرف العلم وقابله الجهل فأورده، انتقل إلى تقسيم العلم وقال: هي درجتان، والعلم مرتبتان. العلم هو ما يقع عندك وعندي وعند زيد وعمرو وبكر وخالد في أي مسألة في الحياة، مسألة شرعية، مسألة دنيوية، مسألة تجارية، أي شيء يقع لك العلم به يسمى علماً. فان كان بالقيود التي في تعريف العلم فهو علم: أن يكون إدراكاً صحيحاً مطابقاً لما هو في الواقع على طريقة الجزم. أن كان كذلك فهو علم حصل لك، أنت تعلم أن زوجتك ولدت اليوم، هذا علم، طبق عليه قيود التعريف ينطبق. فان كنت لا تعرف أو أدركت المسألة على خلاف ما هي عليه إذاً هو جهل.

هنا يقول العلم الذي يحصل عند أي انسان في أي مسألة مرتبتان: علم ضروري وعلم مكتسب. لأنك لما تنظر إلى أي مسألة يحصل لك العلم بها. نحن سنقف إن شاء الله على تعريف العلم والجهل والشك واليقين، وهي آخر فقرة بقيت لنا في هذه المقدمات حتى نستأنف الغد إن شاء الله في مسألة جديدة.

قال رحمه الله: العلم الضروري ما لم يقع عن نظر واستدلال، والعلم النظري أو المكتسب الموقوف على نظر واستدلال. خلاصة الكلام: علمك بأي مسألة في الحياة شرعية أو غير شرعية تحصل لك بأحد طريقين: أما أن يحصل لك العلم بها بطريقة تجد نفسك مضطراً إلى قبوله والتصديق به بلا خيار، شيء تراه بعينيك إما حصل لك العلم به، راعية المطر ينزل هل تحتاج إلى إثبات أن المطر نازل؟ سمعت صوت إنسان كلمك هل تحتاج إلى إثبات أنه كان موجوداً معك؟ رأيت، سمعت، شممت، تذوقت، أمسكت، ما أدركته بحواسك يحصل لك العلم به، هذا العلم يسمى علماً ضرورياً.

لماذا؟ لأنه ما يحتاج إلى إثبات وبرهان ودليل وتفكر وتتأمل، يحصل حتى عند العقول البسيطة اليسيرة كعقول الأطفال إذا رأى شيئاً عالمه. فالعلم الحاصل بأحد الحواس يسمى علماً ضرورياً، ويلحق به العلم الذي يبلغك بالتواتر. أنت الآن صليت المغرب هنا، ما صليت في المسجد الحرام، لكن تواتر عندك خبر أكثر من واحد شيء ما حصل في الحرم عند أحد الأبواب.

أو تسمية الإمام الذي صلى بالناس المغرب اليوم في المسجد الحرام، مع أنك ما صليت، لكن قابلت الأول وقال لك والثاني والثالث والخامس والعاشر، واتفق الناس كلهم، ستجد نفسك أيضا مضطرا إلى التصديق بحيث تستطيع أنت أن تنقل الخبر وتقول: حصل كذا. إذا بلغ التواتر هذا، يسمى علما ضروريا؛ لانه لا يتوقف على نظر واستدلال، يعني لا يحتاج أن تقيم دليلا، ولا أن تنظر وتتأمل في المسألة.

هذا العلم يسمى ضروريا؛ لأن النفس تجد ذاتها مضطرة إلى قبوله والتصديق به. يقابله العلم المكتسب، لماذا سمي مكتسبا؟ لأنك تسعى في اكتسابه وتحصيله بأي شيء؟ بالنظر والاستدلال، فيسمى علما نظريا. إذا سمي ذاك علما ضروريا، يسمى هذا علما نظريا، قال: ما يتوقف على نظر واستدلال.

طيب، أنا سأضرب لك مثالا عقليا ومثالا آخر شرعيا: قولي لك الواحد نصف الاثنين. هذا ضروري ولا نظري؟ ليش ضروري؟ المسائل تدركها بديهة دون نظر ولا تفكير ولا استدلال.

إذا كان عقلك يسمح لإدراك مثل هذه المسألة الحسابية بهذه الدرجة، لكن لو تجاوزنا مسألة فقلت لك مثلا: الأربعة تسع الستة والثلاثين، أربعة تسع ستة وثلاثين، لو أقول لك الاثنين؟ سدس. النصح، كم؟ لا.

لو قلت لك: نصف الاثنعش ستة، هي ثلث نصف الاثناعش. الاثنين هي ثلث نصف الاثني عشر. هذه تحتاج منك إلى خطوة خطوتين، الذكي منا والنبيه واللماح بيجيبها في ثانيتين وجزء من الثانية.

واللي عقله على قده زي حكايتي يأخذ كمان خمسة ثواني زيادة حتى يدركها. في النهاية هل هي تحصل لك بداهة من غير تأمل؟ لا. هذه في الأمثلة العقلية، حتى الشرعيات كذلك.

من الشرعيات مسائل مسلمة بها، مسلحة بالمعلوم من الدين بالضرورة، لو قلت لك أن الإسلام حرم نكاح الأم، أن صلاة الصلوات الخمس واجبة في الإسلام، هذي ما تحتاج إلى أن تبحث عن دليل ولا تقيم لها استدلالا. لكن ثمة مسائل هي محل خلاف: هل أكل لحم الإبل ينقض الوضوء أو لا؟ المسألة فيها خلاف.

وحتى تقول: نعم أو لا، ويترجح لك شيء، أنت تنظر في الدليل والدليل المخالف، ويترجح لك أحد الأمرين، فهذا إذن يسمى العلم بها، يسمى علما نظريا. طيب، مسائل الفقه هل أغلبها ضروري أم نظري؟ يعني أكثر مسائل الفقه اجتهادية، ولا أكثرها مقطوع بها؟ أكثرها اجتهادية، وهذا من رحمة الشريعة بالمسلم أن تكون المسائل غير خاضعة لقطع وجزم يلزم الناس به.

والنظر هو الفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال: طلب الدليل. ما مناسبة إيراد تعريف النظر والاستدلال؟ جاء في تعريف العلم الضروري والنظري: ما لا يتوقف على نظر واستدلال، ما يتوقف على نظر واستدلال. ما هو النظر؟ قال: النظر الفكر في حال المنظور فيه، والاستدلال هو طلب الدليل.

والدليل هو المرشد إلى المطلوب، المرشد إلى المطلوب، إن كان الدليل نصا في المسائل الشرعية فهو دليل، وإن كان الدليل هو إثباتا في القضايا العقلية، يعني لما قلت لك: الاثنين هي ثلث نصف الاثني عشر، نحتاج إلى استدلال، في أحد يخبط ورقة وقلم ويشرح لك واحدة واحدة، الاثنعش نصفها كم؟ تقول: ستة. طيب، الستة ثلثها كم؟ تقول: اثنين، إذا قال لك: إذا هي ثلث نصف الاثني عشر، يحط لك ورقة، يكتب لك الأرقام، يشرح لك خطواتها، هذا هو، إذا الدليل هو المرشد إلى المطلوب.

والظن: تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر. بأي مناسبة بدأ يعرف الظن والشك الآن؟ لأنه عرف العلم، وفي الأمور الشرعية يجب أن يكون عندك درجتان: العلم والظن، العلم بالحكم الشرعي وظنه، ظنه يعني ألا تجزم بالحكم الشرعي. أنا قلت لك المسائل الاجتهادية حتى لو ترجح عندك فيها قول، هل ترجح عندك أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء؟ تقول: نعم. لما تقول: نعم، إذن وصلت إلى درجة أنك تعتبر القول الآخر ملغيا باطلا، لا اعتبار له ولا نظر فيه، وهمشته وخرجته تماما من الحساب الشرعي؟ الجواب: لا.

هو يبقى له احتمال من الصواب ولو بنسبة ضئيلة، إذن هي مسألة اجتهادية، الحصول حصلت لك به العلم نظريا. إذن ها هنا علم يقابله ظن، إذن يغلب على ظنك أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، لماذا يغلب على ظنك؟ لأنه قد يختلف اجتهادك يوما ما فتميل إلى الرأي الآخر، إذن هو ظن غالب، هنا مناسبة لأن يعرف الظن، قال: الظن تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر، يعني أمران جائزان.

ما معنى جائزان؟ يعني مستويان في الاحتمال، هذا جائز أن يقع وهذا جائز أن يقع. إذا تساوى طرفا المسألة، إذا تساوى من غير ترجيح لأحدهما عن الآخر، فيسمى هذا شكا، الشك كما قال: تجويز أمرين لا مزية لأحدهما. يا إخوة، أي أمر تردد بين طرفين له ثلاثة احتمالات: أن يتساوى الطرفان في الاحتمال خمسين في المئة خمسين في المئة، وهذا يسمى شكا.

فإن ترجح أحد الطرفين على الآخر ولو بنصف في المئة، فأحدهما راجح والثاني مرجوح، إدراكك للراجح من الاحتمالين وحصول العلم لك به يسمى ظنا، والآخر يسمى وهما، فالراجح ظن والمرجوح وهم، وإذا تساوى الطرفان يسمى شكا.

مثال: أنت تطوف بالكعبة، حصل لك شك في عدد الأشواط، تصلي الظهر العصر العشاء، حصل لك شك في عدد الركعات، ما معنى أن أقول: حصل عندي شك؟ تساوي الاحتمالان، ما أدري. طيب، جلست أتأمل أو أحاول أن أذكر، ما وصلت إلى جزم، لكن غلب على ظني أنها خمسة أشواط وليست ستة، أنها الركعة الثالثة وليست الثانية، هذا ماذا يسمى؟ هذا ظن.

إذن، إذا غلب على ظنك شيء يسمى ظنا، والاحتمال الآخر يسمى، إذا كنت تشكه خمسة أشواط أو ستة، غلب على ظنك أنها خمسة، فالخمسة ظن والستة وهم. ما الواجب شرعا؟ العمل بما غلب على الظن، والوهم لا عبرة به، ومن مال إلى القول المرجوح مع وجود راجح عنده، فقد عمل بما لا يجوز شرعا؛ لانه عمل أو جرى خلف وهم لا يجوز له الاعتبار به.

والشك أمران لا مزية لأحدهما على الآخر. نحن نقف ها هنا؛ لأن المصنف رحمه الله، اعتبارا من الجملة التالية، سيشرح تعريف علم أصول الفقه، ويذكر أبوابه، ويشرع مباشرة في ذكر مسائله المتعلقة به. أسأل الله لي ولكم علما نافعا وعملا صالحا يقربنا إليه، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.