بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبد الله ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد، فقد وقف بنا الحديث في درس البارحة بفضل الله وتوفيقه عند بدايات حديث إمام الحرمين رحمة الله تعالى عليه في كتابه الموجز المختصر الموسوم بالورقات. ورقات إمام الحرمين رحمه الله كما تقدم معكم البارحة هي نبذة يسيرة من علم الأصول في أول مسائله ومجمل أبوابه التي يحتاج إليها المبتدئ في دراسة علم أصول الفقه. وقد أبان رحمه الله تعالى عما يريد بهذا المتن الصغير عما يريد بورقاته، أبانا فيه في السطرين القادمين الآتيين الآن.
مجلس البارحة اشتمل بعد تعريفه لأصول الفقه على تعريفه الحكم الشرعي انطلاقا من تعريفه للفقه، ثم عرف كلا من الحرام والمكروه والمباح والواجب والمندوب والصحيح والباطل، وفرق بين العلم والظن، وذكر مراتب العلم وأنها ضروري ونظري، وذلك استدعاه للحديث عن الشك والوهم ومراتب النظر والاستدلال. وقف بنا الحديث عند كلامه رحمه الله تعالى وهو يشرع في تعريف أصول الفقه باعتباره علماً، وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها وأبواب أصول الفقه أقسام الكلام. طيب، هذا تعريف لأصول الفقه وذكر لأبوابه المجملة التي صنفها رحمه الله تعالى في متن الورقات.
قال: وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها. تضمن تعريفه جملتين اثنتين: الأولى قوله طرق الفقه على سبيل الإجمال، والثانية قوله وكيفية الاستفادة أو الاستدلال بها. هذان الركنان الواردان في هذه الجملة في تعريف إمام الحرمين رحمه الله، هذان الركنان هما صلب علم أصول الفقه، لأن علم أصول الفقه قائم على هذين الجانبين. علم أصول الفقه علم يقودك إلى أن تتعلم أدلة الفقه الإجمالية، أو على سبيل الإجمال كما قال وسيأتي بيانه الآن. والركن الثاني هو كيفية الاستفادة.
بعيدا عن ألفاظ التعريف وكيف يمكن أن تفهمه؟ أريدك أن تتصور معي الآن أن الفقه الذي هو معرفة الحلال والحرام وما تدرسونه جميعا في أبواب الفقه بدءا من الطهارة والصلاة وانتهاء بالجنايات والحدود وما بينهما من أبواب متنوعة واقعة في العبادات المعاملات كل تلك المسائل الفقهية، ولو بلغت ألوفا أو عشرات الألوف أو مئات الملايين في المجلدات الضخمة الكبار أو في المتون الفقهية الصغيرة. كل تلك المسائل نحتاج من الفقيه إلى شيئين هما أصول الفقه. أليس فقهاً؟ بلى، إذا هذه أصوله. حتى يصل الفقيه إلى تلك الأحكام المبثوثة في كتب الفقه فإنه يحتاج إلى أمرين.
الأمر الأول يحتاج إلى الدليل الذي يجد فيه ها الذي يجد فيه الحكم الفقهي. الفقه أحكام شرعية، وبناء على ذلك فلا يمكن أن تستنبط الحكم إلا من دليل. فالخطوة الأولى التي يحتاجها الفقيه هي معرفة الدليل. أين يكون الدليل الذي يشتمل على الحكم الذي يقرره في الطهارة، في التيمم، في الحيض، في النفاس، في القصاص، في البيع، في الإجارة، في الرهن، في الكفالة، كل تلك الأبواب؟ هو بصدد تقرير حكم يحتاج أولا إلى دليل، ويحتاج ثانياً إلى بيان الوجه الذي فهم منه الحكم من ذلك الدليل، الطريقة التي استنبط بها الحكم من ذلك الدليل، وكيف أصبح ذلك الدليل دليلاً على المسألة؟ هذان الأمران هو وهما ما يتعلمه طالب العلم في علم أصول الفقه، بحيث إذا أتقن هذين الجانبين يصلح أن يكون فقيهاً.
إذا تعلم أدلة الفقه الإجمالية وإذا تعلم كيفية الاستفادة من هذه الأدلة والوصول منها إلى الحكم واستنباطه، إذا حصل له ذلك فهو إذا حصل له ذلك فهو كفيل له بإذن الله أن يغدو فقيهاً، طالب علم يستطيع أن يبني بنياناً فقهياً بطريقة صحيحة. هذان الركنان هما هما أبواب ومسائل علم الفقه في كل كتب الأصول صغيرة كانت أو كبيرة، لكن الكتب بين متوسع فيها وبين موجز مختصر. ورقات إمام الحرمين واحدة من هذه الكتب الموجزة المختصرة، فأتى على أدلة الفقه الإجمالية وعلى كيفية الاستفادة.
إذا فهمت هذا المدخل العام سانتقل بك إلى الخطوة التالية: ما أدلة الفقه الإجمالية وما المقصود بها؟ المقصود جنس الأدلة التي يستعملها الفقيه في بحثه عن الحكم. الآن لو جاء الفقيه يبحث عن حكم مسألة ما في التيمم مثلاً، أو حكم مسألة ما في الغسل، أو حكم مسألة ما في صلاة تتعلق بالمسافر مثلاً، أو بالصيام، أو مسألة تتعلق بالنسك الحج؛ هذه المسألة تحتاج إلى دليل. أين يبحث الفقيه عن دليل يجد فيه حكم المسألة؟ أصول الفقه تعلمك أولاً أدلة الفقه. ليس المقصود أنك في أصول الفقه ستجد دليلاً على حكم المبيت في مزدلفة، ودليلاً على جواز التيمم بالتراب الذي لا غبار له، ودليلاً على حكم مسألة تتعلق بالحيض وثالثة تتعلق بالغسل. لا، هو لا يريد لك الأدلة فتأتي على المسائل دليلاً دليلاً، تلك تسمى أدلة تفصيلية، وهو هنا يقول في تعريف الأصول أدلة الفقه ماذا يقصدون بقولهم الإجمالية؟ يقصدون بها أنه أو يدلك أو يعلمك الأدلة على سبيل الإجمال، بمعنى أنه يعلمك ما يصلح أن يكون دليلاً وما لا يصلح أن يكون.
يعني مثلهم يذكرون الحديث عن دليل القرآن ودليل السنة ودليل الإجماع ودليل القياس. لو فتحت أي كتاب في الأصول على دليل السنة أو على دليل الإجماع ماذا ستجد؟ هل تجد فيه حكاية على كل المسائل التي نقل فيها الإجماع؟ لا. ماذا تجد فيه؟ تجد تعريفا للإجماع وبيانا لأنواعه، إجماع صريح وإجماع سكوتي، هذا قطعي وهذا ظني، شروط تحقق الإجماع. هو ماذا يفعل؟ يعلم متى يصلح أن يكون الإجماع دليلاً؟ هذا معنى قولهم أدلة الفقه على سبيل الإجمال. ابحث في كتب الأصول عن دليل السنة، أتستصور أنك ستجد الأحاديث التي تدل على مسائل الطهارة والحيض والنفاس والغسل والصلاة وشروطها وأركانها وصلاة العيدين والجمعة والكسوف؟ لا لا، ولا يريد لك أدلة المسائل، هو يعلمك الأدلة إجمالاً لما تبحث في دليل السنة في كتب الأصول تجدهم يذكرون لك السنة وتعريفها وأقسامها باعتبار نقلها متواتر وآحاد وشروط قبول الحديث، وبعض المسائل متعلقة بالاحتجاج بالحديث، ما حكم الحديث إذا ضعفت أسانيده؟ ما حكم الحديث إذا كان مرسلا؟ هل هو حجة؟ هل هو دليل؟ إذا هو هكذا فقط يقرر لك في الجملة ما الذي يصلح أن يكون دليلاً؟ ثم يخرج لك قواعد.
واحد، القرآن حجة هذا دليل. اثنين، القراءة الشاذة أيضا حجة، هذه قاعدة وهي دليل دليل مجمل، يعني يعطيك القاعدة ثم أنت تطبقها على مسائل تحتاجها. ثلاثة، السنة حجة بنوعيها المتواتر والآحاد إذا صح السند. أربعة، حديث الآحاد حجة حتى في العقائد، مثلاً حديث الآحاد حجة فيما تعم به البلوى، حديث الآحاد بحجة ولو خالف القياس، وهكذا. فهو يعطيك أدلة على سبيل الإجمال، للمرة الأخيرة ساقول على سبيل الإجمال المقصود به ما يصلح أن يكون دليلاً في الجملة وما لا يصلح.
فإذا جئت السنة مثلاً قال لك الحديث إذا ضعف لا يصلح أن يكون دليلاً. السنة أو الحديث إذا ضعف سنده أو انقطع أو كان عند أهل الحديث لا يصح فهو لا يصلح أن يكون دليلاً. فهو هذا المقصود يعلمك أدلة الفقه على سبيل الإجمال. هذا الركن هو الأول، وتدرس فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وفي كل واحدة تعريف والشروط ومتى يطبق ومتى يصح أن يكون دليلاً وما عوامل الضعف فيه ذات تطرقت إليه، إلى حتى للأدلة المختلفة، يتكلم لك عن قول الصحابي ومدى حجيته، عن شرع من قبلنا ومدى حجيته، عن الاستحسان ومدى حجيته، عن المصالح المرسلة ومدى حجيتها، عن الاستصحاب ومدى حجيته وهكذا. يقرر لك الأدلة على سبيل الإجمال، على سبيل الإجمال يعني جملة ما يصلح أن يكون دليلاً وما لا يصلح.
المحور الثاني النقطة الثانية في علم الأصول، وكيفية الاستدلال بها. كيفية الاستدلال عرفت أن القرآن دليل وأن السنة دليل، الآن كيف تستدل بهذا الدليل للوصول إلى الحكم؟ ها هنا قواعد لغوية، دلالات لفظية، الحديث أو الآية فيها صيغ، فيها أمر، فيها نهي، فيها عام، فيها خاص، فيها مبين، فيها مجمل، فيها مطلق وفيها مقيد، ممتاز، إذا هذه ثروة.
في علم أصول الفقه، تكشف لك أنواع هذه الألفاظ في النصوص الشرعية، وكل لفظ كيف تتعامل معه؟ وعلى ماذا يدل؟ وما الحكم الذي يمكن أن يكون موجوداً في هذا اللفظ؟ هو يعطيك الممارسة التي تعلمك على شكل قواعد. الأمر إذا جاء مطلقاً يدل على الوجوب قاعدة، الأمر هذا الذي قلنا عنه قبل قليل إنه يدل على الوجوب قد لا يدل على الوجوب في بعض الحالات؛ إذا جاء بعد حظر، إذا جاء بعقب سؤال سأله سائل فأجابه بصيغة الأمر، إذا جاء بعد استئذان، هي قواعد من خلالها يعلمك أن هذا الأمر بأحد صيغه المعروفة إذا جاء في الدليل كيف تستدل به.
هذا هو الركن الثاني في العلم؛ كيفية الاستدلال بعد أن عرفت الأدلة. الخطوة الثانية كيف تستخدم هذا الدليل للوصول إلى الحكم؟ وهو المسمى بالاستدلال. إذاً، ركنان كبيران يدرسهما الطالب في علم الأصول؛ الركن الأول أدلة الفقه الإجمالية، والركن الثاني كيفية الاستدلال أو كيفية الاستفادة منها.
لم يذكر إمام الحرمين رحمه الله، وإن كان ذكر في بعض النسخ أنه ذكر جملة أخيرة وأحوال المجتهدين، وبعض الأصوليين يزيد في التعريف وحال المستفيد. المقصود بها الأبواب الأخيرة التي ترد عادة في كتب الأصول؛ أبواب الاجتهاد والتقليد، والمسائل للمفتي والمستفتي. هذه تأتي في ذيل كتب الأصول، وهي تتمة وتبع وليس من صلب علم أصول الفقه، فيؤتى بها تباعاً. والنسخة التي بين أيدينا لم يردها إمام الحرمين رحمه الله تعالى. فهذان ركنان بهما يتكون علم أصول الفقه.
لي وقفة فقط مع تعريفه؛ قال رحمه الله: وأصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال، ما قال الأدلة، قال الطرق. طرق أعم من أن يكون دليلاً أو يكون قاعدة، قولك الأمر للوجوب قاعدة وليس دليلاً، لكنها أيضاً طريق للفقه بمعنى أنها تنتج لك حكماً فقهياً تستعمله في بحثك عن الأحكام من خلال الأدلة. سؤال أخير، قال رحمه الله: أصول الفقه طرقه. وقد قال هناك في البرهان الأدلة، فقال هنا الطرق وقال هناك الأدلة. سؤالي هو: نحن نعرف ماذا الآن؟ أصول الفقه. أصول الفقه هي أدلة الفقه أم هو العلم بأدلة الفقه؟ اعطوا نفسكم فرصة كذا وتأملوا، أصول الفقه هو أدلة الفقه أو هو العلم بأدلة الفقه؟ العلم، فإذا ما علمته لم يصبح أصولاً هكذا.
طيب، هما مسلكان للأصوليين لما يعرفون الأصول؛ بعضهم يصر على أن يبتدأ التعريف بقولك: معرفة أو العلم بالأدلة. وبعضهم يقول لا، أصول الفقه هي المسائل الموجودة في هذا الكتاب، المسائل الموجودة هي أدلة وطرق استدلال، عرفتها أو ما عرفتها هو هذا العلم، هذا أصول الفقه. وعلى كل في الخلاف يعني قد يصبح أن يكون لفظياً، أو إن شئت فقل لا يتوارد على محل واحد، فالمسألة فقط أشرت إليها لبيان أن الأصوليين يعتنون كثيراً بدقة الألفاظ وأثرها في السياق إذا أوردوه.
نعم، أبواب أصول الفقه وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام، والامر نعم، وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام، والامر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والأفعال، والناسخ والمنسوخ، والإجماع، والأخبار، والقياس، والحظر والإباحة، وترتيب الأدلة، وصفة المفتي والمستفتي، وأحكام المجتهدين. هذا يصلح أن يكون فهرساً أتى به إمام الحرمين رحمه الله في هذا المكان، يدلك فيه على الابواب التي ضمنها ورقاته. قال: أبواب أصول الفقه أقسام. الكلام الآتي بعده بيان وتفصيل: الكلام والامر والنهي والعام والخاص والمجمل والمبين والظاهر والمؤول والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.
هذه كالفهرس، وكل واحدة من هذه الجمل أو المصطلحات خصها بشرح وتعريف وبيان على طريقته في الإيجاز. أول كلمة جاءتك في هذا التبويب والتقسيم: الكلام. ولذلك هي أول الابواب التي بدأ في شرحها رحمه الله. نعم، فاما، فاما أقسام الكلام؛ فأقل ما يترتب منه الكلام اثنان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف.
وجرت عادة كثير من الأصوليين في بدايات أبواب علم الأصول يأتون إلى هذا التقسيم؛ تقسيم الكلام. ما حاجتنا إليه؟ وما علاقته بعلم الأصول؟ هو مدخل ومدخل تمهيدي يقودك إلى الأبواب الكبيرة المهمة في علم الأصول. الأبواب المهمة في الدلالات هي الأمر والنهي والعام والخاص، هذه الأربعة المصطلحات هي أكبر أبواب دلالات الألفاظ، وما يتبعها فيما بعد: المطلق والمقيد، والمبين والظاهر، والمجمل والمؤول. هذه في البداية يعطونك مدخلاً يقسمون لك فيه الكلام، فقط فقط تسهيلا لك حتى تفهم المصطلحات الآتية. يريد أن يقول لك: هذه لغة عربية، لما نقول أمر ونهي وعام وخاص نحن نتحدث عن أساليب عربية، فمن البداية افهم معي؛ العرب لما تتكلم لهم طريقة في كلامهم.
هذا الكلام الذي يجري على ألسنة العرب له تقسيم، والجملة التي يعبر بها العربي ليفيد بها معنى للسامع تتكون من جمل قصيرة وجمل طويلة. أقل جملة مفيدة عند العرب هي ما تكون من اسمين، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، أو اسم وحرف. ضرب أمثلة أو قسم فقال: اسم وفعل، كأن تقول حضر محمد، قام زيد، هذا اسم وفعل، الذي نعربه فعل وفاعل. إذا قلت اسمان، فأن تقول الله الصمد، هذه جملة مفيدة، أن تقول فلان حاضر، هذه جملة مفيدة، هي متكونة من اسمين. يعني أقل من هذا لا يكون جملة مفيدة، فإذا قلت اسماً واحداً فقط فقلت زيد وسكت، لم يعد جملة مفيدة تفهم منه معنى. إذاً: اسمان، أو اسم وفعل.
قال رحمه الله: أو اسم وحرف، كما في النداء لما تقول يا زيد، لكن عند النحاة هو على تقدير تأويل، وبالتالي فالاسم والحرف لا يصلح أن يكون وحده جملة مستقلة مفيدة؛ لأنه على تقدير فعل محذوف لما تقول أنادي زيداً أو أدعو زيداً ونحو هذا. هذا التقسيم مدخل كما قلت للجمل الآتية بعدها لبيان دلالات الألفاظ. ما الذي يهمنا نحن في الأصول؟ الذي يهمنا هو الوصول إلى أين يقع الأمر والنهي في هذا التقسيم؟ ومن أجل ذلك فمن المفيد أن تقول: الكلام من حيث هو جمل تخرج من فم الإنسان العربي وما يسمعه العربي من الكلام العربي، الكلام ينقسم إلى قسمين: ما يفيد الطلب وما لا يفيد الطلب.
ماذا أقصدا بالطلب؟ ماذا أقصد بالطلب؟ أن يطلب من المخاطب شيئاً ما. إذاً الكلام، أي جملة تكلم بما شئت الآن، اخرج من فمك أي جملة عربية، في النهاية أنت تستطيع أن تقسمها إلى قسمين: إما أن تكون الجملة تفيد طلباً أو أو لا تفيد الطلب. فإن أفادت الطلب فهو واحد من ثلاثة أشياء؛ إما أن يطلب أمراً، أو يطلب نهياً، أو يطلب جواباً، استفهام يعني. لما أقول لما أقول: أعطني الذي في يدك، هذا كلام جملة وهي أفادت طلباً، طلب الإعطاء. لما أقول لك: لا تقم من مجلسك، هذه جملة وفيها طلب، النهي عن القيام. لما أقول: ما الذي في جيبك؟ هو طلب جواب، أنا أريد أن أعرّفه فأنـا استفهم. إذاً: طلب أمر، أو طلب نهي، أو طلب استفهام، أو طلب تحصيل جواب يعني.
هذا إن كان طلباً، ما عدا الثلاثة فالجملة لا تفيد طلباً. أقول لك: بدأنا درسنا بعد صلاة المغرب، أنا لا أطلب منك شيئاً، أنا أخبرك خبراً. الذي لا يفيد الطلب يسمى عندهم خبراً. الخبر إن كان لا يفيد الطلب فهو فهو نوعان: إن كان يحتمل تصديقاً وتكذيباً يسمى خبراً، وإن كان لا يحتمل التصديق والتكذيب فهي مجرد جمل فيها تمني، فيها رجاء، فيها دعاء، فيها قسم، هي جمل لا تفيد طلباً وليست خاضعة لتصديق وتكذيب، فإنها تسمى كذلك بنوع آخر من الأخبار يسمى تنبيهاً ونحوه. فكل هذا التقسيم اريد فقط أن أصل وإياك إلى أن كلامه الآتي رحمه الله، لما قال: والكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وينقسم أيضاً ودخل في تقسيمات، اريدك ألا تظن أن هذه تقسيمات متعادلة، لا، هي تقسيمات باعتبارات مختلفة. يعني في الأول لما قال: الكلام ينقسم إلى اسم وفعل واسم وحرف أو اسمين، ما هذا؟ هو تقسيم للكلام من حيث ما يفيد المعنى، أقل ما يفيده المعنى. الآن قال والكلام
ينقسم إلى أمر ونهي. ما به؟ لماذا انتقل وأتى بتقسيم آخر؟ هو باعتبار آخر من حيث الدلالة والمعنى. والكلام ينقسم. على كل، لا تشغل بالك كثيرا، هذه المداخل جروا عليها في إيران.
وسيأتيك الحقيقة والمجاز ليست ذات أثر كبير فيما يتعلق بفهم طالب العلم لمسائل يبنى عليها أثر فقهي. نعم، والكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ونهي معروف، وسيأتي تفصيل كل واحد تحديدا بمسائل نبدأ بها الأمر الليلة إن شاء الله. وخبر، الجملة الخبرية التي لا تفيد أمرا ولا نهيا: اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. هذه أخبار. وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فهي لا أمر ولا نهي، هي خبر. واستخبار، ما الاستخبار؟ الاستفهام، السؤال.
السؤال: هَلْ عَلِمْتُم لَّمْ إِلَٰهَ غَيْرِي؟ هذا استفهام. وينقسم أيضا، نعم. وينقسم أيضا إلى تمن وعرض وقسم. تمن: فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ. يَا لَيْتَنَا، هذا تمني. وعرض، وعرض أن تطلب من شخص أو تعرض عليه ضيافة إكراما: ألا تنزل عندنا؟ ألا تزورنا؟ هذا عرض. فأنت تعرض على المخاطب أمرا ما تريد منه تحصيله. والقسم معروف.
هذا التقسيم للكلام باعتبارات أخرى. نعم، ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز. فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه. وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة. والمجاز ما تجوز عن موضوعه. طيب، هذا تقسيم آخر للكلام إلى حقيقة ومجاز. هذا التقسيم الجديد هو باعتبار استعمال اللفظ في اللغة العربية في كلامك في الجملة لتدل به على معنى معين.
أي لفظة في اللغة تدل على معنى، طريقة استعمالك لهذا اللفظ في الدلالة على المعنى هو الذي ينقسم إلى حقيقة ومجاز. مثال هذا الآن قلم، وهذا كتاب. هذا قلم وهذا كتاب. فأنت لما تستخدم في كلامك جملة تأتي فيها بلفظة القلم، أنت تريد معنى معين. القلم المعنى المتبادر هو هذه الآلة التي يكتب بها. والكتاب المقصود به هو مجموع الأوراق الذي يقع بين غلافين ومدون فيه شيء ما من العلوم أو من الكلام يسمى كتابا.
فإذا استخدمت لفظة كتاب ولفظة قلم في جملة ما لتدل به على معنى معين، طريقتك في التعبير عن هذا المصطلح قلم وكتاب هو الذي ينقسم إلى حقيقة ومجاز. أقول مثلا: اشتريت الكتاب، أنا أقصده بمثل هذا الكتاب، خلاص. ولما أقول: تصفحت كتاب حياتي فوجدته كذا. إيش أقصد بكتاب حياتي هنا الآن؟ هو هذا الكتاب؟ لا، استخدمت الآن نفس الكلمة وهي كلمة كتاب بمعنى آخر، ما هو؟ معنى سجل الحياة وما عمله الإنسان في حياته السابقة، أنا لا أقصد مسمى الكتاب بهذا الكتاب.
طريقة استعمالك للفظة في الجملة التي تعبر بها هي التي تنقسم إلى حقيقة ومجاز. فإن استعملت الكلمة أو اللفظة في المعنى الأصلي الذي وضعت له الكلمة، هذا هو الحقيقة. الكتاب في الحقيقة في اللغة جاء لهذا المعنى. وإذا استخدمته في معنى آخر، في معنى آخر تريد به شيئا مشابها له في شيء ما لكنك تريد معنى آخر، فهذا يسمى مجازا. مثال: ما هو الموت؟ كلمة موت على ماذا تدل في اللغة؟ على مفارقة الحياة. صح؟ طيب.
سئل النبي عليه الصلاة والسلام لما قال: إياكم الدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: أرأيت الحمو يا رسول الله؟ فقال الحمو: الموت. يقصد أن الحمو إذا دخل على الزوجة، زوجة أخيه، يصيبها بسكتة قلبية وستموت. ماذا قصدت؟ هل قصد حقيقة الموت؟ ماذا قصد؟ قصد معنى مجازيا. ما المعنى الذي قصده بقوله: الحمو الموت؟ أنه ينبغي أن يكون مخيفا وشديد الحذر منه كما يخاف الإنسان من الموت. ولأنه أيضا يأتي بغتة وفجأة ويدهن الإنسان وهو لا يشعر به ولا يتوقعه، فكذلك قد يقع، قد يقع المنكر أو الفاحشة مما لا يتوقع حصوله. هذا قوله الحمو الموت، قالها ثلاثا عليه الصلاة والسلام.
هذا مثال الآن حتى تفهم ما معنى حقيقة ومجاز. إذا الحقيقة هي استعمال اللفظ فيما وضع له ابتداء في اللغة، وسنأتي للتعريف الآن. والمجاز ما هو؟ استعمال اللفظ بغير المعنى الأساسي أو الأصل الذي وضعت فيه اللغة، وهذا كثير جدا. بل حتى نحن في العامية نستعمل ألفاظا بهذه الطريقة، فهي دارجة في اللغة. لكنك حتى تعرف إن استعملت اللفظ في الموضوع الأساس الأصل فهو حقيقة، وإن استعملته في غير ذلك فهو مجاز.
سؤال قبل أن نقرأ من جديد: الآن هل كل واحد يسوغ له أن يأتي إلى أي كلمة إذا ما أراد استعمالها في الحقيقة وأراد مجازا، فيصرفها بأي طريقة ويعبر بها عن أي معنى يريد ويقول: أنا أريد المجاز. يعني هذا من دين، فأراد أن يعبر به بغير الحقيقة وأراد أن يقصد به الكتاب، أن يقصد به السيارة، يحصل هذا؟ فإلى أي درجة يمكن أن نغير الألفاظ ونأخذها من حقيقتها ونصرفها إلى معنى آخر؟
قال: هذا في حدود، لابد من ضوابط. لو قال رجل لامرأته: يا فرس، وأراد به أنت طالق، يحصل هذا؟ ما يحصل في القضية أنك لما تريد أن تستعمل اللفظ من حقيقته إلى المجاز، لابد من علاقة بين اللفظ الحقيقي في معناه وبين المعنى المجازي الذي تريد أن تنقله إليه. وهذا باب مر عليه المصنفون مرورا سريعا. قال رحمه الله: ومن وجه آخر ينقسم، أي الكلام، إلى حقيقة ومجاز.
فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه. إيش يعني في على موضوعه؟ فيما وضع له في اللغة، ممتاز. قال: وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة. ما استعمل، يعني اللفظ الذي يستعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة، فيما اصطلح أهل اللغة في تخاطبهم عليه. الفرق بين التعريف الأول والثاني اللذين أوردهما المصنف رحمه الله هو بناء على مذهبين كبيرين في مسألة إثبات الحقائق غير اللغوية.
ونحن نقول اللفظ إذا استعمل في معناه الأصلي فهو حقيقة، وإذا استعمل في غير معناه الأصلي فهو مجاز. ماذا لو استعمل في معنى آخر شرعي؟ لا نسميه مجازا، نسميه حقيقة شرعية، مثل الصلاة والحج، يأتي إليه المصنف الآن. هناك مذهبان عند أهل العلم، منهم من يقول: لا يسمى حقيقة إلا الحقيقة اللغوية وما عداها فهو مجاز. على هذا المذهب يأتي التعريف الأول: ما بقي في الاستعمال على موضوعه. هذا على مذهب من ينكر غير الحقائق اللغوية ويقول: لا حقيقة إلا اللغوية.
وأما من يقول: يمكن أن تكون الحقيقة لغوية، ويمكن أن تكون شرعية، ويمكن أن تكون عرفية، فيأتي بالتعريف الثاني: ما استعمل فيما اصطلح عليه. فإن كان الاصطلاح في اللغة فهي حقيقة لغوية، وإن كان الاصطلاح في الشريعة فهي حقيقة شرعية، وإن كان الاصطلاح عرفا بين أهل اللسان فهي حقيقة عرفية. ولا داعي لأن نقف عندها كثيرا، هما تعريفان ساقهما للحقيقة رحمه الله. نعم، والمجاز.
والمجاز ما تجوز عن موضوعه. والحقيقة أما لغوي. نحن عرفنا الحقيقة، عرف المجاز فقال: ما تجوز عن موضوعه. التعريف الأسهل هو ما يقابل ذلك التعريف؛ إذا قلت هناك ما استعمل، ما بقي في الاستعمال على موضوع تقول: هناك ما لم يبق في الاستعمال على موضوعه. إذا قلت ما استعمل فيما اصطلح عليه تقول: ما استعمل في غير ما اصطلح عليه. وهذا أيسر وأوضح في الدلالة. قال هنا: ما تجوز. أراد أن يأتي بكلمة مجاز من أي جهة؟ ولماذا سموها مجاز؟ مجاز اسم مكان أو مصدر، من الفعل جاز. ما معنى جاز؟ عبر، تقول: جزئت القنطرة أو جزت النهر أو جاوزته، بمعنى عبرته. فالمجاز، أنت ماذا تفعل؟ أنت تحمل اللفظ من المعنى هذا إلى معنى آخر، فنقلته من الحقيقة إلى معنى آخر. أنت ماذا صنعت باللفظة؟ عبرت بها من معناها الأصلي إلى معنى آخر.
لما صنعت هذا العبور، سمي هذا العبور مجازا. لما انتقل هذا اللفظ من معناه الحقيقي إلى معنى آخر، المعنى الآخر الجديد سميناه مجاز، اسم مكان؛ يعني المكان الذي جاز إليه اللفظ، المكان الذي عبر إليه اللفظ. كما تقول مطار: المكان الذي تطير فيه الطائرة منه وإليه. مجاز ومطار بمعنى بتركيبة أو بصياغة واحدة. فالمجاز هو اللفظ الذي أو المعنى الذي عبر إليه اللفظ فسمي مجازا بهذه الدلالة. نعم.
والحقيقة: إما لغوية، وإما شرعية، وإما عرفية. طيب، إن كانت الحقيقة في المعنى الأصلي جاءت في اللغة، فهي حقيقة لغوية، وهي غالب الألفاظ.
وإن كانت في الشريعة، ومثال ذلك لفظة الصلاة. قبل أن يأتي الإسلام، العرب في ماذا كانت تستعمل كلمة صلاة؟ الدعاء. فلما جاء الإسلام وفرضت الصلاة، فإذا قيل في الشريعة أو قيل عند أهل الإسلام: الصلاة، هل يعود إلى المعنى اللغوي الذي كان قبل الإسلام؟ ماذا حصل للكلمة؟ استقر المعنى في الكلمة على حقيقة أخرى غير اللغوية، هي حقيقة شرعية؛ لأن الشريعة هي التي جاءت بها.
الصوم في اللغة قبل الإسلام، العرب كانت تستعمل كلمة: صام يصوم صوما. لماذا يعبرون عن الصوم؟ عن مطلق الإمساك، فقوله تعالى على لسان مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا. فليس الصيام عن الطعام والشراب، لا، بل: فلن أكلم اليوم إنسيا. صيام عن الكلام، سمي صوما. الصيام والحج والصلاة في اللغة لها معاني قبل الإسلام. لما جاء الإسلام وأوجد لهذه الألفاظ معاني، أصبحت حقائق، وحتى نفرق بينها وبين الحقائق اللغوية، سميناها حقائق شرعية. إذاً، الحقيقة الشرعية هي التي جاءت فيها الشريعة بمعنًى يخصها واستقر عليها.
النوع الثالث من الحقائق: حقائق عرفية. يعني في اللغة كانت اللفظة لها معنى، لكن تعارف الناس على استعمال هذه اللفظة في معنى آخر. خذ لذلك مثالا: كلمة دابة. في اللغة، لكل ما يدب على الأرض: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَىٰ بَطْنِهِ. إذاً، الأفعى دابة، ومنهم من يمشي على رجليه، ومنهم من يمشي على أربع، كل ذلك يسمى دابة. لكن العرف اللغوي عند العرب أصبحوا لا يطلقون دابة إلا على ذوات الأربع: ركبت دابة، اشتريت دابة، رأيت دابة، أقبلت دابة. ولا ينصرف اللفظ في المعنى عند العرب في السماع؛ لأنه يمكن أن تشمل ما يمشي على بطنه أو حتى الإنسان. فلو دخل داخل وقلت: أقبلت دابة، استنكر الناس، بينما هو في اللغة صحيح، هو دابة من الدواب: وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ. شوف، فرق بين من يدب وبين الطير، المخلوقات على وجه الأرض صنفان: ما يمشي على الأرض وما يطير في الهواء. كل ما يمشي على الأرض دابة، إذاً نحن دواب، ولهذا قال الله: إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُ الْبُكْمُ، وفي الآية الأخرى: الذين كفروا. فالبشر دواب، لكن الحقيقة اللغوية كادت أن تبتعد، وفي حقيقة عرفية هي أقرب إلى الفهم: أن الدابة هي البهيمة، أكرمكم الله، ذوات الأربع، والدليل هو هذا: إذا دخل داخل فقلت: جاءت دابة، يستنكر عليك الناس ولا يقبلون منك هذا، ويعتبرونها شيئا من القدح والشتم. هذه حقيقة عرفية الآن. اللغوية موجودة، لكن العرف هو الذي طغى وغلب في الاستعمال.
مثال آخر: كلمة الغائط. في أصل اللغة يعبر بها عن الموضع المنخفض المطمئن من الأرض. لما تأتي إلى مكان منبسط وفيه قطعة منخفضة هابطة، الأرض المنخفضة تسمى غائطا. فأصبحت الناس في تلك الأزمان يقصدون تلك الأماكن المنخفضة لقضاء الحاجة فيها، أكرمكم الله، فيقول: ذهبت إلى الغائط، وجئت من الغائط، والمقصود المكان، كما تقول اليوم: حمام، أو دورة مياه، أكرمك الله. فهجرت هذه الحقيقة أو هذا المعنى هجر، وأصبحت كلمة غائط تستعمل في الفضلة النجسة الخارجة من الإنسان، صار الغائط يطلق على البراز، أكرمكم الله. وهذا نوع من الحقيقة أصبحت حقيقة عرفية.
الحقائق العرفية هي إما أن يتعارف عليها كل الناس فتسمى عرفية عامة، أو يتعارف عليها فئة من الناس كأهل بلد من البلدان أو أهل فن من الفنون فتسمى عرفية خاصة. خذ مثالا مصطلح الرفع. كلمة رفع، تعال عند أهل العلوم، العلماء، أهل العلم. الرفع عند المحدثين له معنى، وعند النحاة له معنى، وعند أهل الهندسة له معنى. الرفع عند المحدثين هو أن تبلغ بمتن الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويقابل الموقوف والمقطوع. ولما تقول الرفع عند النحاة، فما هو؟ هو ما يقabel المنصوب والمجزوم بأحد علاماته المعتبرة. فانظر كيف اختلف المصطلح؟ إذاً عند النحاة هو حقيقة عرفية خاصة بهم تختلف عن عرف المحدثين. فالحقائق العرفية إن كانت عامة تسمى عرفية عامة، وإن كانت تخص أهل بلد أو أهل فن أو أهل ناحية فهي عرفية خاصة.
فائدة هذا التقسيم يا إخوة -وسيأتي المصنف رحمه الله إلى ذكر بعض القواعد المتعلقة- فائدة هذا التقسيم في التعامل مع النصوص الشرعية، وأنا هذا الذي يهمني، أنا الآن أدرس أصول الفقه لأتعلم كيف نتعامل مع الأدلة. إذا وجدت الدليل الشرعي مشتملا على لفظة، فالقاعدة تقول: أي لفظ يأتي في النصوص الشرعية، فعلى أي معنى يجب أن تحمله؟ الحقائق الشرعية. فإن تعذر المعنى الشرعي، حمل على معنى العرف، ثم اللغوي إن لم يكن العرفي طاغيا عليه.
مثال ذلك في حديث سعيد أبي سعيد الخدري رضي الله عنه لما قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر صاعا من طعام. هل كلمة طعام الآن كل شيء يطعمه الإنسان؟ هل قصد أبو سعيد رضي الله عنه أي طعام؟ لا، هو قصد معنى خاصا، هو البير؛ لأنه كان طعامهم آنذاك. فإذا قيل الطعام انصرف إلى البر، فأنا أفسر اللفظ هنا بما أصل به إلى المعنى الحقيقي، وهو: ماذا أراد؟ لأن هذا يفيدني جدا في استنباط الأحكام. أنا الآن أمام نص شرعي، هناك تطبيقات هي أكثر عملية في هذا الباب، ونضرب دائما في الدروس بمثال: إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطرا فليطعم، وإن كان صائما فليصلي. هذا أمر منه عليه الصلاة والسلام أن أحدا إذا دعي إلى طعام وكان صائما فليصلي. الأصل أن تقول في القاعدة الشرعية هنا أن تحمله على المعنى الشرعي: يصلي يعني يقوم ويستقبل القبلة ويصلي. هل هذا هو المعنى المراد؟ أهل العلم حملوه على المعنى اللغوي. سؤال: نحن قلنا قبل قليل إن اللفظ الشرعي إذا جاء في الدليل الشرعي فالواجب حمله على أي حقيقة؟ الشرعية. لماذا تركنا الحقيقة الشرعية وهي الصلاة؟ قالوا: لأنه ما أراد هذا المعنى، وعاضدتهم في ذلك روايات أخر للحديث قال: وإن كان صائما فليدعُ. فحملنا الصلاة على المعنى اللغوي، وهو الدعاء، وشهدت لها بعض روايات الحديث. هذا تطبيق عملي يساعدنا كثيرا في بعض خلافات الفقهاء، هذه القاعدة تحكمها لترجح بها بين قولين في الخلاف.
من أشهر تلك الأمثلة مثلا: طلاق الحائض يقع أو لا يقع؟ والعمدة في ذلك عند القائلين بالوقوع وعدم الوقوع كله على حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لما طلق امرأته وهي حائض، فبلغ بذلك عمر الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مرْه فليراجعها، ثم ليمسْكها حتى تطهر، إلى آخر الحديث. قوله: مرْه فليراجعها، هذا أمر، أمره بإرجاعها. قوله: فليراجعها، أي الرجعة من الطلاق. قال الأولون: لما أمره بإرجاعها دل ذلك على وقوع الطلاق، ولو لم يقع لما قال: ارجعها. واضح؟ والرجعة ها هنا حقيقة شرعية هي الرجعة من الطلاق. إذاً قالوا: طلاق الحائض يقع. قال الآخرون: لا، ما يقع؛ ولأنه بدعة فكيف يقع؟ والطلاق المخالف للسنة والمخالف للحكم الشرعي لا أثر له ولا عبرة به ولا يترتب عليه حكم. طيب، أجيبوا عن الحديث: ماذا يقول؟ مرْه فليراجعها. قالوا: لا، المعنى اللغوي يراجعها يعني ليرجعها إلى بيته، ويفهم أنه لم يقع طلاق. فانظر كيف إذا أنت تتعامل مع نص شرعي تحكمك فيه القواعد، هنا يمكن أن تميل إلى أحد القولين وترجح لما ترى أحدهما أقرب إلى تطبيق القاعدة الشرعية.
نعم، والمجاز: والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة. هذه صور المجاز وأنواعه وهي كثيرة. قال: زيادة، نقصان، نقل، استعارة. ذكر رحمه الله أربع صور، أربع أنواع للمجاز. عند أهل البلاغة يبلغون به أكثر من خمسة وعشرين نوعا، كل ذلك لسنا مهتمين به الآن، لكن نسوق ما ذكره المصنف رحمه الله. نعم.
فالمجاز بالزيادة مثل قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ. المقصود بالزيادة هنا الكاف: ليس كمثله شيء، لأن المعنى ليس مثله شيء. فالكاف ها هنا عند البلاغيين هي من مجاز الزيادة. نعم.
والمجاز بالنقصان مثل قوله تعالى: وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ. لأن المعنى: واسأل أهل القرية.
هذا من المجاز الذي نقص فيه شيء من لفظ الحقيقة، نعم.
والمجاز بالنقل كالغائط فيما يخرج من الإنسان، لأن المعنى نقل من المكان المنخفض إلى ما يخرج من الإنسان، فصار فيه نقل في المعنى من لفظ إلى لفظ آخر، نعم.
والمجاز بالاستعارة كقوله تعالى جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ، أَنَّنا شبهنا أو نسبنا إلى الجدار إرادة، والجدار جماد ولا إرادة له، لكنه على سبيل الاستعارة. هذه كلها أنواع ولا داعي للوقوف، نعم.
الأمر، والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. طيب، هذه أولى مسائل الدلالات اللفظية، وهي من أهمها وأعظمها وأكبرها في أبواب الأصول، وأحوج ما يحتاج أن يتفقه فيه طالب العلم دلالات الأمر.
عادةً يتطرق الأصوليون إلى تعريف الأمر، وذكر صيغه، وحكمه، ثم مسائل متعلقة به، وهكذا صنع إمام الحرمين رحمه الله على طريقته في الإيجاز والاختصار وعدم الإسهام. بدأ بتعريف، فماذا قال؟ الأمر الاستدعاء الفعلي بالقول ممن هو دونه. خذها معي كلمة كلمة. ما معنى استدعاء؟ الطلب. استدعيتك يعني طلبتك دعوة أن تحضر، أو طلبتك أو دعوتك لأن تحضر. استدعاء الفعل، استدعاء الفعل أن أطلب منك أن تفعل فعلاً.
طيب، ماذا لو طلبت منك قولاً؟ أنا لما أقول لك، يستدعي منك قولاً، كأن أسألك سؤالاً أقول مثلاً: متى قدمت؟ هذا استدعاء مني لك، لكن لا أستدعي فعلاً بل أستدعي قولاً، أنا أنتظر جواباً. فاستدعاء القول ليس أمراً، هو يقول: استدعاء الفعل. فلما أقول لك: تغديت اليوم؟ أصمت اليوم؟ من جاءكم؟ متى وصلت؟ متى ستسافر؟ فهذه الأسئلة تستدعي ماذا؟ تستدعي قولاً ولا تسمى أمراً. الأسئلة لا تسمى أمراً، الاستفهام ليس أمراً.
أيضاً لما قال استدعاء الفعل خرج استدعاء الترك، لما أطلب منك أن تترك شيئاً لا تفعل هذا نهي، استدعاء الترك ليس أمراً. إذاً قوله استدعاء الفعل أخرج ماذا؟ أخرج شيئين: أخرج استدعاء القول، واستدعاء الترك.
قال بالقول، إذا كان هذا الطلب موجهًا إليك بالقول يعني بالكلام فهو أمر، لكن لو كان موجهًا إليك بالإشارة مثلاً فلا يسمى أمراً. ولما أشير لأحدكم بإشارة ما يفهم منها أمراً، أن أقول له هكذا بمعنى، إذا أنت فهمت منها أمراً مع أنني لم أتكلم فلا يسمى هذا أمراً، لأنه قيد في التعريف فقال: استدعاء الفعل بالقول. لو قلت لك هكذا يعني أجلس، قلت لك هكذا يعني انصرف، قلت لك هكذا إلى آخره، فالإشارات تفيد معانٍ تفيد معنى الأمر في بعض الأحيان ولا تسمى أمراً.
أخيراً قال: ممن هو دونه. هذا الطلب، هذا طلب الفعل أو الاستدعاء، إذا حصل إليك، إذا حصل من شخص إلى من هو دونه، فإنه يسمى أمراً. أراد أن يخرج رحمه الله ما لو توجه هذا الطلب إلى من هو مساوٍ له، أو إلى من هو أعلى منه. واضح؟ فان توجه الطلب إلى من هو دونك فهذا هو الأمر. ولهذا قال: ممن هو دونه.
الاستدعاء ممن هو دونه، فإذا كان ممن هو مساوٍ له فإنه يسمى التماساً. لما تلتمس من مساوٍ لك، المساواة والدونية والفوقية في ماذا؟ في الرتبة والمنزلة والمكانة، لما تتوجه إلى شخص مساوٍ لك، مماثل لك، قرين لك في رتبتك، فإن هذا يسمى التماساً.
لكن إذا كان الاستدعاء من الأدنى إلى الأعلى، من العبد إلى ربه، من المخلوق إلى خالقه، ما يسمى أمراً. وأنت تقول: ربي اغفر وارحم، هل تأمر ربك؟ حاشا! إذاً أنت تدعو. إذا توجه الأمر من العبد إلى ربه لا يسمى أمراً بل يسمى دعاءً رجاءً، أنت تطلب لكنك لا تجرؤ أن تقول إن العبد يأمر ربه. الصيغة صيغة أمر، فاحترزوا في التعريف فقالوا: ممن هو دونه.
وبعض الأصوليين يرى أن كلمة استدعاء لا تحوجك إلى أن تقول ممن هو دونه، لأن الاستدعاء فيه طلب وعادة ما يكون موجهًا بهذا المعنى. بعضهم يضيف في التعريف: على وجه الاستعلاء. على وجه الاستعلاء ممن هو دونه، كلها قيود يخرجون بها مسألة الدعاء من العبد إلى ربه، فإنها لا تسمى أمراً.
أخيراً قال: على سبيل الوجوب. هذه في آخر التعريف لم يكن لها داعٍ في تعريف المصنف رحمه الله. من يجيبني لماذا؟ من الأوقات: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه نقطة هذا كفاية. لماذا نقول على سبيل الوجوب لا داعي لها في التعريف؟ ها؟ طيب، ولذلك أورده في التعريف، نحن لماذا نقول لا داعي له؟ أحسنت، لما قال على سبيل الوجوب أخرج المندوب. المندوب أليس أمراً؟ فلما قال على سبيل الوجوب أخرج المندوب من التعريف.
نحن نقول له: لا، لا داعي، قل: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، ثم هو ينقسم: إما أن يكون وجوباً، أو يكون ندباً واستحباباً. ولهذا قالوا: لا داعي لهذه العبارة التي أوردها رحمه الله فأخرج المندوب، وهو خلاف راجح عند أهل العلم.
وصيغته الدالة عليه افعل، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه.
طيب، قال: وصيغته افعل. صيغة ماذا؟ الأمر. قال: وهي عند الإطلاق والتجرد من القرينة تحمل عليه. على ماذا؟ وهي عند الإطلاق والتجرد من القرينة تحمل عليه على الوجوب، لأنه قال في آخر التعريف هناك على سبيل الوجوب، لما أورده في التعريف أحال إليه.
طيب، هو هنا قال: صيغته افعل. لم يرد رحمه الله أن هذه الصيغة الوحيدة، لكنه أراد أن الصيغ متعددة، وأم الصيغ في الأمر هي قولك افعل، فعل الأمر. وإلا فإن فعل المضارع المقترن بلام الأمر أيضاً يدل على الأمر، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر أيضاً يدل على الأمر: فضرب الرقاب، فنظرة إلى ميسرة، فعدة من أيام أخر، فتحرير رقبة. هذه كلها أوامر وليست فعل أمر، هي مصادر.
إذاً المضارع المقترن، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر، وفعل الأمر الصريح، كل ذلك من صيغ الأمر. فلما قال: وصيغته افعل، أراد ماذا؟ أراد ماذا؟ أراد الصيغة الأم والأساس، ولم يتطرق رحمه الله إلى ما عداها من الصيغ.
وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، بمعنى أن النصوص الشرعية التي فيها أوامر ثلاثة أنواع: أحياناً تأتي الصيغة في الأمر ومعها قرينة تدل على الوجوب، وأحياناً تأتي صيغة الأمر ومعها قرينة تدل على الندب، وأحياناً تأتي قرينة تدل على الإباحة. هم يقولون: طالما وجدت قرينة في الدليل تدلك على المعنى، لا إشكال، استعمل القرينة وحاول أن تصل إلى المعنى.
بالأمثلة تتضح، لما يقول الله تعالى: فإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، اين فعل الأمر؟ ردوه. هذا أمر يحتمل الوجوب ويحتمل الاستحباب والندب ويحتمل الإباحة، لكن لما قال: إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، إيش تفهم؟ هذا الوجوب، لأن هذا القيد يتعلق بأصل الإيمان فإن نُفي زال الإيمان.
طيب، مثال آخر لما يقول الله تعالى: فَكَاتِبوهُم وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا. كاتبوهُم أمر، ولم يقل العلماء بوجوب مكاتبة السيد لعبده إذا ابتغى الكتاب، يعني أن يشتري العبد نفسه من سيده بعقد معلوم وثمن معلوم، ليس على الوجوب. كيف للوجوب والله قد أمر؟ قالوا: لأن القرينة تدل عليه، إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا، فلم يكن على الوجوب.
مثال ثالث: قال عليه الصلاة والسلام: صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب. أليس أمراً؟ لكن ما حملوه العلماء لا على الوجوب ولا الاستحباب، بعضهم قال حتى للإباحة، لأنه قال في الثالثة لمن شاء.
هنا قرائن، متى وجدت القرينة وهذا معنى قول المصنف رحمه الله إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه. طيب، ماذا لو لم يرد دليل وما في قرينة؟ نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ هذا معنى قوله وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه أي على الوجوب. وغالب الأوامر الشرعية هذه: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، ما في قرينة، تحملها على الأصل وهي القاعدة. اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ، شوف كم أمر، وكل ذلك لا قرينة فيه، فيحمل على الأصل. فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، هذه أوامر.
ولا توجد هناك قرينة تدل على شيء، فتحمل على الأصل. قال عليه الصلاة والسلام: صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً صلِّ. هذا أمر ولا قرينة فيه. قال للسائل لما أهداه أهله في رمضان: أعتق رقبة. هذا أمر، فعامة الأوامر الشرعية في النصوص غير مصحوبة بقرائن، وتسمى أمراً مطلقاً، أو يقولون: الامر المطلق يعني غير المصحوب بالقرينة. فقط أن تنتبه أن القرينة التي نتكلم عنها إما أن تكون داخلية أو خارجية. ايش معنى داخلية؟ تكون في نفس النص. وما معنى خارجية؟ تأتي في نص آخر، قال الله: وَأَشْهِدُوۡاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡ. حتى لو تشتري من بائع المساويك في الخارج، خذ معك شاهد على شرائك للسواك. وَأَشْهِدُوۡاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡ.
ما حمله العلماء على الوجوب مع الأمر فيه؟ القرينة فيه خارجية، وجدنا تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام في السنة كان يبيع وكان يشتري ولا يتخذ الشهادة، لو كان واجباً لما تركها عليه الصلاة والسلام. حمل على ماذا الأمر؟ الأمر حمل على ماذا؟ هم، حمل على الاستحباب لأنه لم يفعله عليه الصلاة والسلام، لو كان واجباً نعم.
ولا تقتضي التكرار على الصحيح إلا ما دل الدليل على قصد التكرار. لا يقتضي التكرار الأمر. اشغلتونا بهذه. الأمر المطلق لا يقتضي التكرار. التكرار الآن يتكلم على دلالة الأمر من حيث العدد. لو جاء الأمر في الشريعة، فكم مرة يوجب الامتثال؟ قال: لا يقتضي التكرار على الصحيح. ليش؟ قال: لأن الأمر في اللغة لما يقول لك: افعل أو لا تفعل، هو يريد مجرد الفعل والامتثال، بغض النظر عن ماذا؟ العدد. قال: إلا إذا دل الدليل.
نفس الكلام، الأمر إذا جاء مقيداً بمرة فالمقصود به مرة، إذا جاء مقيداً بالتكرار فيحمل على التكرار. فرض الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ ماذا قال؟ لو قلت: لوعجبت، فدل في صراحة هنا قرينة في الدليل على أن الأمر لا يراد به ماذا؟ تكرار. فقالوا العلماء: الحج كم مرة يجب؟ مرة واحدة. إذاً هنا قرينة أوضحت المراد. لما يقول في التكرار: وَإِن كُنتُمۡ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوۡاْ. هذا مثال للتكرار يعني كلما حصلت الجنابة يجب الاغتسال. من أين فهمنا التكرار؟ من تعليق الأمر على شرط أو تعليقه على صفة.
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوۡا أَيْدِيَهُمَا، الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوۡا. يعني كلما حصل منه فعل يصلح أن يوصف بذلك فإنه يطبق فيه الحكم. ولا تقتضي الفور، والأمر بايجاد الفعل أمر به. طيب. قال: ولا تقتضي الفور. وفي بعض النسخ في الورقات زيادة: لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني، وشرحها يغني عنها.
الآن تكلم في دلالة الأمر على ثلاثة أشياء: الأول على الحكم وقال إن الأمر يدل على ماذا؟ الوجوب. تكلم ثانيا على العدد وقال إن الأمر لا يقتضي التكرار. يتكلم الآن ثالثا على دلالة الأمر من حيث الزمن، متى يجب الامتثال في الأمر؟ على الفور أم يجوز فيه التراخي؟ قال: ولا تقتضي الفور. هذا الذي قرره أمام الحرمين رحمه الله هو أحد المذهبين في هذه المسألة وهي خلافية. والقول الذي قرره هو مذهب أكثر الشافعية والحنفية.
فيما ذهب عامة المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنفية وهو ظاهر مذهب الحنابلة إلى أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي رجحه عدد من الحنابلة. ما معنى يقتضي الفور؟ قالوا: أمر الله تعالى بالصيام، أمر الله بالزكاة، أمر الله بكذا يستلزم الفور. واستدلوا بعامة النصوص التي تدل على وجوب المسارعة والمسابقة والامتثال: وَسَارِعُوۡاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ، وَسَابِقُوۡاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ. وأن النبي عليه الصلاة والسلام انزعج لما تأخر الصحابة في الامتثال لأمره يوم الحديبية، ولو لم يكن واجباً لما انزعج إلى آخره. هذه كلها أدلة تدل على فضيلة المسارعة وأولويتها، كلامنا ليس هنا، كلامنا هل الأمر من حيث هو أمر في اللغة يستوجب الامتثال المباشر؟ يعني لو تراخى الإنسان قليلاً يعتبر مخالفاً، يعتبر مقصراً، يعتبر آثماً؟ هذا هو الخلاف.
والذي قرره إمام الحرمين، وقلت لكم هو مذهب أكثر الشافعية والحنفية: أنه لا يقتضي الفور. والمحققون الأصوليون يقولون: أصلاً دلالة الأمر في اللغة لا علاقة لها بالزمن. الفور، عدم الفور هذا يحتاج إلى سياق آخر وقرائن أخرى، الأمر في اللغة طلب الفعل ونقطة، ما في شيء آخر، مجرد طلب الفعل بغض النظر عن زمن الامتثال. نعم، في الشريعة يستحب المبادرة والامتثال والفورية وتذم فيها مراتب التأخر والكسل والتراخي، لكن الأمر من حيث هو أمر لا علاقة له، هذا معنى قوله: ولا تقتضي الفور.
يترتب على هذا مسائل: من وجد جمالاً ليحج في هذه السنة وكان قبل ذلك فقيراً ثم أدركه الحج ولم يحج على أنه يحج العام القادم إن شاء الله ومات، هل يعتبر بهذا تاركاً لأمر وجب عليه لأنه وجب أن يمتثل فوراً في نفس السنة فلم يفعل؟ من امتلك النصاب في الزكاة وحال عليه الحول وجاء وقت الإخراج فتأخر وقال إن شاء الله إذا عدت إلى البلد في الصيف ساخرج الزكاة، فتلف المال، فقده، سرق، هل اصبحت الزكاة في ذمته ديناً يجب أن يخرجه أو عفا الله عنه لأن المال فقد قبل أن يخرجه والزكاة واجبة على التراخي؟ هذا مبني على مسألة: هل الفورية واجبة في الأوامر أو لا؟ قال الله: ولا تقتضي الفور.
ينبغي أن تفهم أنه إذا جاءت القرينة تدل على الجواز في التراخي فالكل متفق عليه. يعني وجوب قضاء صيام رمضان لمن أفطر بعذر هل هو على الفور بعد يوم العيد؟ لا. وعندنا دليل عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤخر قضاء ما فات من رمضان إلى شعبان من العام الذي يليه، فدل ذلك على جواز التراخي فاعتبرناه دليلاً، نعم.
والأمر بايجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به، كالامر بالصلاة فانه أمر بالطهارة المؤدية إليها. هذه القاعدة التي يعنون لها الأصوليون بقولهم: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأيضاً سنقتصر على حدود ما أورده المصنف رحمه الله. الأمر بإيجاد الفعل أمر به، وبما لا يتم الفعل إلا به. من ضرب مثالاً بالصلاة؟ الأمر بالصلاة ولا تصح الصلاة إلا بطهارة، إذاً الطهارة واجبة. تقول لي: بس أنا عندي أدلة: وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاجْسِلُوا وُجُوهَكُمْ. أقول: حتى لو ما جاءني هذا الدليل، الأمر بالصلاة في ذاته مشتمل على الأمر بالطهارة، لم؟ لأن الأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به.
خذ مثالاً بعيداً عن الإشكال هذا. قال عليه الصلاة والسلام آآ كما في صحيح البخاري يوم الجمعة: وأصيبوا من الطيب. هذا أمر، ومن المستحبات وليس على الوجوب. وأصيبوا من الطيب. طيب واحد ما عنده طيب، اذهب اشتري، ما حكم شراء الطيب من أجل استعماله يوم الجمعة؟ أصبح مستحباً. الأمر بالسواك بالنصوص الكثيرة الواردة فيه مستحب، واحد ما عنده سواك، يذهب يشتري، ما حكم الذهاب للشراء بقصد التسوك؟ يعني هو ما ذهب واشترى إلا بقصد تطبيق السنة، أصبح هذا الفعل سنة أيضاً.
ولهذا قالوا: الوسائل لها حكم المقاصد. أنت لما تكون الشيء عندك في أصله مباح يأخذ حكم الوجوب لأن القصد الذي تسعى إليه واجب، أو أصبح مستحباً لأن القصد الذي تسعى إليه مستحب. وهكذا سائر المباحات، اتخاذ القلم لتذود به مسائل العلم، اشتري به الكتب إلى آخره، كل ذلك من الوسائل التي تأخذ أحكام مقاصدها، نعم.
وإذا فعل، خرج عن العهدة. وإذا فعل ما هو؟ ليس الأمر المأمور. إذا فعل، يعني ما توجه إليه الأمر، إذا فعله المكلف، ما النتيجة؟ ما النتيجة إذا فعل المكلف ما أمر به؟ ما الثمرة؟ قال: يخرج عن العهدة. ايش يعني يخرج عن العهدة؟ طيب ليش ما قال: يحصل على الثواب؟ هو امتثل. ممتاز، الثواب ليس من ثمرات الامتثال، يعني قد يمتثل ويثاب، وقد يمتثل ولا يثاب، المرائي مثلاً والمنافق فعل المأمور لكنه غير مثاب عليه، فإذاً هنا في حيث في في إظهار أثر الفعل قال: يخرج عن العهدة، يعني غاية ما فيه أنه يصبح شرعاً غير مطالب، برئت ذمته كما قال بعضكم. آآ دعني أضرب مثالاً في حديث: من لم يدع قول الزور والعمل به
فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه. طيب، صام لكنه قال زوراً، فسد صومه وبطل؟ لا، صومه صحيح. سؤال: هل لأنه أدى المأمور؟ أدى المأمور وامتنع عن الطعام والشراب والجماع من الفجر إلى المغرب. هل حصل ثوابه ويترتب عليه حصول الثواب وقد وقع شيئاً؟ لاحظ إذاً قد يفعل المكلف ما أمر به لكن ينخرم الثواب بوجه ما، وفي النهاية هو برئت ذمته وخرج من العهدة، لكن حصول الثواب ذاك شيء آخر.
طيب، والذي يدخل في الأمر والنهي، يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون، والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب. لماذا الساهي غير داخل؟ الساهي، الناسي لماذا هو غير داخل في الخطاب؟ نعم، هو مرفوع عنه القلم، والصبي كذلك والمجنون. إذاً لا الصبي لأنه غير بالغ، ولا المجنون لأنه غير عاقل، ولا الساهي لأنه غير ذاكر أو عامد. كل أولئك غير داخلين في الخطاب. هل معنى هذا أنه لا وجوب عليهم ولا حرام في الشريعة؟ لا، لا. المقصود أن الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق، والساهي حتى يتذكر ويعود إلى قصده فإنه يخاطب.
قوله في البداية رحمه الله: يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون. طيب، ما حال غير المؤمنين؟ الكفار يدخلون في خطاب الله أو لا يدخلون؟ أجب، يعني كل الأوامر: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة تتوجه إلى الكافر؟ ها؟ لا. الكافر مخاطب؟ طيب، اسمع ماذا يقول إمام الحرمين، اقرأ: والكفار مخاطبون بفروع الشريعة وبما لا يصح إلا به وهو الإسلام، لقوله تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ. قال: الكفار مخاطبون، كل أمر في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام متوجه إلى الكافر، فيكون هنا إشكال.
طيب، ماذا لو صلى وهو كافر وصام وهو كافر وقرأ القرآن وهو كافر؟ ستجيب: لا، لا ثواب له. طيب، لماذا هو مخاطب؟ قال: وبما لا يصح إلا به. مخاطب بالأحكام وبما لا تصح الأحكام إلا به وهو الإسلام. استدل على ذلك بقوله تعالى في سورة المدثر: قَالُوا مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وهذه كلها فروع لكنها دليل على أن من أسباب دخولهم هو عدم الامتثال.
طيب، نحن نقف على هذه المسألة، نكمل منها غدا. ها هنا سؤالان؛ أحدهما يقول: استدعاء الفعل بالقول، ما وجه خروج القول من استدعاء الفعل؟ لأن القول فعل. سلمك الله، صاحب السؤال فرق بين أن أقول لشخص: قل أعوذ برف الفلق، فأنا أمره أن يقول قولاً هذا استدعاء فعل، وبين أن أسأله فأقول له: من جاءكم؟ فيقول: جاءنا أبي، هذا ليس استدعاء فعل واستدعاؤه ليس أمراً.
الآخر يقول: ما الرأي في من ينفي المجاز من أهل العلم كابن تيمية وابن القيم وابن عثيمين؟ هذه أسماء بعض من أهل العلم ممن نفى المجاز، وليسوا وحدهم في هذا الباب، حتى من القدماء هو عدد من الحنابلة كأبي عبد الله بن حامد، ومن المالكية كابن خويز منداد وغيره ممن نفى المجاز. نفي المجاز عند جملة من أهل العلم له عدة اعتبارات، لكن من سميتم هنا الآن يرون أن المجاز مصطلح حادث لا عبرة به، وأنه أحد أكبر الأبواب التي نفذ منها متأولو نصوص الصفات في الكتاب والسنة واتكئوا فيها على إثبات المجاز، فرأوا أن من الأيسر في نفي هذا المذهب المخالف لأهل السنة هو نفي المجاز. والمسألة محتملة، لكنه لا تستطيع أن تنفي كل ما ثبت في نصوص الكتاب والسنة من أوجه المجاز. اختلف معي في التسمية والاصطلاح لا حرج، لكن أن تنفي تماماً وجود مجاز في القرآن والسنة هذا صعب، وقد كان لهم تكلف في الإجابة عن أمثلة تلك النصوص.
هل دراسة المنطق ضرورية لفهم الأصول؟ ضرورية بمصطلح الضرورة في الشريعة؟ لا. يحتاج إليها؟ قد تقول: نعم، بقدر. فإذا رزقت بمن يعينك على فهم بعض المصطلحات قد تتجاوزه.
طريقة وضبط المطولات في الأصول، المراتب هي يا أخي الكريم: أولاً يضبط المختصرات، يتصور أبواب العلم جملة، يتقن أمهات المسائل ثم ينتقل لها التدرج في الأبواب حتى يصل إلى المطولات وقد يكون قطع شوطاً كبيراً.
هذا نفس الكلام: اقرأ وسبح بحمد ربك واذكر ربك هذه كلها فيها استدعاء فعل التي هي قل، نحن ما قصدنا هذا، نقصد: أما أسألك سؤالاً من عندكم فتقول: أبي، هذا ليس أمراً هذا استفهام. لكن قل أطلب منك أن تقول: نعم، هذا أمر. سبح، ليس هذا المقصود. الإخوة يعني أشكل عليهم هذا المعنى.
الفورية في الأمر، القول الصحيح والراجح، القول الصحيح من حيث الخلاف بين الأصول ما رجحه بعض المحققين، والعلم عند الله، أن الأمر من حيث هو أمر، إخوتي الكرام، لا يدل على معنى الامتثال ووجوبه، لكن لا الزمن ولا العدد ليس من دلالات الأمر، نعم هي من مقتضياته ولوازمه، بمعنى أنه كلما بادر العبد الفعل كان أبرك له وأبرأ للذمة وأحوى. لكن أن يأثم وتقول إذا تراخى قليلاً في الامتثال يأثم، هذا يحتاج إلى دليل. وترى ثمة مسائل أخرى تترتب عليها ليس هذا محل الوقوف عندها، غدا نكمل إن شاء الله تعالى.
والأربعاء ليس عندنا درس، فنحن سنكتفي من كل أسبوع بثلاثة لقاءات: الأحد والاثنين والثلاثاء، نظراً لارتباط يوم الأربعاء بدرس آخر فنحن نأخذ ثلاثة أيام هذا الأسبوع وثلاثة أسبوع المقبل، فغدا هو آخر أيام هذا الأسبوع إن شاء الله. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري