السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. أحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو مجلسنا الثالث بفضل الله تعالى في شرح ورقات إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله عليه. وكان مجلس البارحة قد وقف عند بعض مسائل الأمر، وبقي لنا منها نزر يسير ليشرع المصنف رحمه الله في الحديث عن النهي تعريفا وحكما وبعض المسائل المتعلقة به. ثم سندخل الليلة أيضا إن شاء الله تعالى بابا آخر من أبواب دلالات الألفاظ، وهو العموم والخصوص أو العام والخاص.
توقفنا فيما عرض من مسائل في الورقات عند الحديث عن دلالة الأمر بعد أن ذكر المصنف رحمه الله تعريفه، وذكرنا ما فيه وما يؤخذ منه وما الذي يحترز من تعريفه أيضا. أورد رحمه الله تعالى ما يتعلق بأحكام الأمر، وهو الحديث عن دلالته حكما، وعن دلالته أيضا زمنا، وممر مرورا على الدلالة من حيث العدد وهل يقتضي التكرار أو لا يقتضيه. وانتهينا أيضا إلى مسألة ما لا يتم الواجب إلا به، أخيرا تكلم عن من يدخل في الأمر والنهي، وختم ذلك بمسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة، لنشرع الليلة بإذن الله تعالى في مسألة دلالة الأمر على النهي عن ضده.
نعم، والأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده، هذه آخر مسألة أوردها المصنف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بمسائل الأمر. ولأن القاعدة التي سمعتموها الآن هي بالمشاهرة بين الأمر والنهي في إفادة أحدهما دلالة الآخر، ناسب أن تكون هذه المساله في المنتصف في أواخر ما يتعلق بمسائل الأمر وفي أوائل ما أورده من مسائل النهي.
القاعدة تقول: الأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده. نحن نتحدث الآن عن دلالة، يعني على ماذا يدل اللفظ؟ وما الذي يمكن أن يستفيده المتأمل أو المستنبط للحكم من الآية أو من الحديث؟ وقلت في درسنا السابق إن العناية بدلالة الأمر والنهي هو من أهم ما يهتم به الفقهاء، لأن الشريعة كلها أمر ونهي، والتكليف دائر بين الأمر والنهي.
ولهذا يحتاج الفقيه وطالب العلم أن الناظر في الأدلة يحتاج أن يضبط تماما مسائل دلالات الأمر والنهي، لأنه متى أتقنها وفرق بين صورها وعرف كيفية التعامل معها، أورثه ذلك حسنا في الاستنباط ودقة في استخراج الأحكام من الأدلة. هذه واحدة من مسائل دلالة الأمر والنهي، تقول القاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده وبالعكس النهي عن الشيء أمر بضد.
والمقصود أنك إذا وجدت أمرا في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فانت تستفيد منه الحكم بطريقين. الطريق الأول: أن الأمر يدل على وجوب، وهي قاعدة الأمس إلا إذا دلت القرينة على غير الوجوب تبعت القرينة، فإن ذهبت بك القرينة إلى الندب استفدت الندب، وإن ذهبت بك القرينة إلى الإباحة استفدت الإباحة، ومضى أمثله ذلك البارحة.
هذه أول الطريقين التي تستفيد منها الحكم من صيغة الأمر في النص الشرعي. الطريق الثانية: أن تعكس فتقول: إذا كانت الآية أمرت بكذا إذا أنا أفهم منها النهي عن ضد ما أمرت به الآية. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِیتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا، هذا الأمر بالثبات عند لقاء العدو في ميادين الجهاد. هذا الأمر للوجوب الثبات والمضي في مقاتلة الأعداء في الجهاد، وتفهم منه من ضده أنه نهي عن ماذا؟ عن الفرار يوم الزحف ولهذا عد من الكبائر.
فاذا انا استطيع أن أقول إن الفرار من الزحف من الكبائر حرام، ومن الأدلة التي سيدها على هذا النهي حديث الكبائر وفيه الفرار يوم الزحف، واستطيع أن استدل أيضا بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِیتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا.
فاذا قال لك القائل: يا اخي، أنا لا أرى في الآية النهي عن فرار المسلم في الجهاد يوم الزحف، ومن أين قلت إنه حرام والاية ليس فيها الأمر بالثبات؟ فتقول له: الأمر بالشيء نهي عن ضده، فإذا أمرت الآية بالثبات إذا هو نهي عن ضد الثبات وهو الفرار، فصارت الآية دليلا على النهي عن الفرار يوم الزحف.
هذا قد يفهم العربي بديهه، أنا لما أقول لك أمرك فأقول لك: قف، فانت تفهم منه أنه نهي عن الجلوس ونهي أيضا عن الارتجاع والنوم. قلت لك: قف، أريد منك القيام والوقوف، فهذا بديهه، لكن نحتاج أن ننص عليه قاعدة شرعيه في أبواب الدلالات لأننا نتعامل مع أحكام، ويسع بذلك أيضا أن تنطلق في النصوص الشرعية، فكلما وجدت أمرا بشيء تستطيع أن تفهم منه النهي عن ضده.
سؤال: هل هذا افتئات على الشريعة وجرأة وأن تستنطق من النص ما لم ينطق به النص؟ الجواب: لا، بل هذا أولا مسلك عربي في الفهم، وثانيا هو أيضا مسلك متبع ودل عليه تطبيق الصحابه رضي الله عنهم. يحفظ كثير منكم حديث زيد بن أرقم لما يقول رضي الله عنه: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا الرجل إلى جنبه، حتى نزل قوله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ.
هذا الآن أمر أو نهي؟ أمر، وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ. ماذا قال زيد رضي الله عنه؟ فامر بالسكوت ونهينا عن الكلام. فهم من الآية أمرا ونهيا، بينما ما في الآية إلا أمر، فمن أين فهم النهي؟ من أين فهم النهي؟ من استخدام القاعدة: الأمر بالشيء نهي عن ضده. قال: فامنا بالسكوت ونهينا عن الكلام. الآية ما تطرقت إلى الكلام ولا قالت لا تتكلموا، ففهموا منها أنها نهي عن الكلام، هذا تطبيق مباشر ثبتت به السنة من تطبيق الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.
العكس في القاعدة أيضا صحيح: النهي عن الشيء أمر بضده، فمن قال لك: لا تقف، فمعناه: اجلس، ولك أن تطبق هذا أيضا على كثير من المعاني. قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. النهي عن الشرك أمر بما؟ أمر بتوحيد الله، النهي عن الزنا أمر بما هو بالزواج، امر بالعفة سواء تحصل الزواج، الشباب يبحثون عن أي دليل يدل على مشروعية الزواج ليقوم بها الحجج على آبائهم وأمهاتهم.
طيب بالمناسبه، فتحتم حديثا لاستدراك حول القاعدة النهي عن الشيء أمر بضده. قبل هذا، لما يقولون الأمر بالشيء نهي عن ضده، الأدق في صياغة العبارة أن يقولوا: الأمر بالشيء نهي عن أضداده، عن جميع الأضداد. أنا لما قلت في المثال قبل قليل: قف، إذا هو نهي عن الجلوس ونهي عن الارتجاع، نهي عن كل صورة سوى القيام، كل ما يصلح أن يكون ضدا للقيام فهو داخل في النهي.
طيب والعكس؟ النهي يقولون: النهي عن الشيء أمر باحد أضداده وليس عن جميع الأضداد. كيف؟ أنا لما قلت قبل قليل في المثال، قلت: لا تقف، فانت ستمتثل بأن تجلس أو تضطجع، إذا هو أمر ليس بالجميع، بواحد من الأضداد، أي صورة تتلبس بها سوى الصورة التي نهيت عنها تكون ممتثلا. لما قال الله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى، هو نهى عن الزنا وامر بالعفة. العفة تحصل بالنكاح، تحصل بالتسريح، بالصيام، بإمساسك النفس عن خطوات الشيطان، كل ذلك يحصل به الامتثال بعدم قربان الزنا.
ولهذا يقولون في الصيغة: الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر بأحد أضداده. وسبيل ذلك في الفهم ما قلت لك: إن الأمر بالشيء لا يتحقق امتثاله إلا إذا أتيت بالصورة التي أمرت بها، وعندئذ يلزمك مفارقة كل ما عداها من الأضداد، لكن نهيك عن الشيء يتحقق بأن تتلبس بإحدى صور المخالفة والضد، فأي صورة تلبست بها صح ذلك. قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ، إذا هو أمر بما؟ هذا نهي تفهم منه الأمر بماذا؟ لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ، عن أكل المال بالحلال التجارة والمشاركة، فإذا شاركت إخوانك وصارت بينكما.
الشركة مشاركة، أو بحسب ما اتفق تم صار من أكل أموال أخيك بالحلال بالمشاركة. فهم منه أيضاً طلب الرزق بالحلال بأي صورة من الصور المشروعة، وليس أمراً بشيء محدد. هذا ما يتعلق بالقاعدة، ولها تطبيقات لطيفة، وفيها عدد أيضاً من الأمثله التي يستخدمها الفقيه في الاستدلال على حكم شرعي قد لا يجد فيه النص صراحة.
يعني مثلاً من الأمثلة المنتشرة لما يقول الفقهاء في الحكم بتحريم حلق اللحى، أنت ما تقول تحريم تحتاج صيغة نهي، وليس في النصوص النبوية صيغة نهي عن حلق اللحى، فيها أمر بالإعفاء: أعفوا، أرخوا، وفوروا. الأمر بالإعفاء نهي عن ضده أو عن جميع أضداده، وهكذا. فهذه قاعدة يستخدمها الفقهاء وتفيد كثيراً في استنباط الأحكام من خلال الاتجاه إلى قاعدة الأوامر، فأنت تفهم منها النهي عن جميع أضدادها، وكذلك النهي تفهم منه الأمر بأحد أضداده. لما جاءت القاعدة هذه متوسطة بين الأمر والنهي، صارت مناسبة لأن تكون مدخلاً للحديث عن النهي وتعريفه ومسائله.
نعم، والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجود. تماماً كما ذكر في تعريف الأمر هناك، ماذا قال البارحه؟ استدعاء الفعل بالقول. قال هنا: استدعاء الترك. وقلنا هنا إن قوله في تعريف الأمر البارحة استدعاء الفعل، قوله الفعل قيد يخرج القول والترك. فلما يريد النهي يقول: استدعاء الترك، إذاً سيخرج استدعاء الطلب لأنه أمر.
فإذا أردت أن تعرف النهي ستقول: استدعاء النهي، يعني عفواً استدعاء الترك، أي طلب الترك. قال: بالقول، أيضاً هو استدراك أو احتراز لما مر ذكره البارحة في تعريف الأمر، لأن الأمر قد يحصل بالإشارة، لما تشير إلى أحد بأمر أو تشير إليه بنهى فتقول له هكذا لا تفعل، فأنت لما تشير يفهم منها المشار إليه أمراً أو نهياً، لكنه اصطلاحاً لا يسمى أمراً ولا نهياً لأنها إشارات.
فلو قابلت بعض من يتكلم بلغة الإشارة من الصم أو البكم، فجعلت تشير إليه بإشارات، نعم هو يعني في الفهم ستقول: أنت أمرته بكذا أو نهيته عن كذا، لكنه في الاصطلاح لا يسمى أمراً ولا نهياً لأنه وقع بالإشارة. قال: استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه. تذكرون الاحتراز هذا أمس في الأمر لما جاء به ليخرج ماذا؟ ليخرج الالتماس والدعاء.
نفس الكلام هنا، أنت لما تقول لقرين لك لا تفعل، فانت تلتمس منه. في الدعاء لما يقول العبد لربه: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا، هل تقول العبد ينهى ربه؟ لا، ما يمكن أن يكون نهياً، ولا يدخل في التعريف، مع أنه استدعاء والترك لا تؤاخذنا هو استدعاء للترك، أنت تطلب من ربك أن يترك مؤاخذتك، لكن حتى لا يدخل معنى في تعريف النهي سنذكر هذا الاحتراز ممن هو دونه.
إذاً، إذا توجه هذا النهي أو الاستدعاء والترك، إذا توجه من الأعلى إلى الأدنى، من الخالق سبحانه وتعالى إلى المخلوق، من الرب إلى العبد، من الأب إلى الولد، من الأستاذ إلى طالبه، كل ذلك يسمى نهياً. فإذا كان العكس فلا يسمى نهياً، والدعاء على وجه الخصوص بين العبد وربه، كل ما ورد فيه بصيغة النهي لا يسمى اصطلاحاً نهياً، لأن العبد لا ينهى ربه، إنما يطلبه ويدعوه ويسأله جل في علاه.
أيضاً آخر لفظة في التعريف لما قال على سبيل الوجوب، هي أيضاً لا ينبغي أن تواردها هنا في التعريف، لأنه بذلك سيصر التعريف على التحريم، ونحن نتفق على أن النهي قد يراد به التحريم وقد يراد به الكراهة، فلو قلت على سبيل الوجوب أنت قصرت التعريف على التحريم، وبالتالي كأنك تقول إن النهي لا يفيد الكراهة، كما قال أمس في الوجوب في الأمر هناك على سبيل الوجوب، وقلنا هذه الزيادة ستخرج الندبة من التعريف، لكنه هكذا أورده رحمه الله.
لم يأت رحمه الله إلى صيغ النهي، وهي معروفة: لا الناهية التي تسبق الفعل المضارع هي أشهر صيغ النهي، وكذلك لما تأتي لا النافية للجنس وتدخل على الجمل الاسمية: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، لا زكاة في المعلوفة، لا نكاح إلا بولي. فلا الناهية أو لا النافية للجنس، الناهية إذا دخلت على المضارع: لَا تَقْرَبُوا الزِّنَا، لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً، لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ.
كذلك كل صيغة تدل على التحريم صراحة: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ، هذا نهي لما يأتي بصيغة التحريم الصريح. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ، هذه صيغة نهي صريحة. فإذاً تستفيد بلا الناهية، بلا النافية، بصيغة التحريم الصريح، بصيغة النهي الصريح مثل ينهى، بصيغة نفي الحل: لا يحل لكم أن ترثوا النساء، كرهها، هذه كلها تدل على النهي، وصيغ متعددة تجاوزها المصنف رحمه الله تعالى.
نعم، ويدل على فساد المنهي عنه، وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة. طيب، قال: ويدل على فساد المنهي عنه. انتقل مباشرة إلى دلالة النهي، هي تماماً تقابل هناك في الأمر، ما قال فيه بالأمس رحمه الله إن الأمر يدل على الوجوب، أو قال ويدل عليه يعني على الوجوب عند الإطلاق يدل عليه أي على الوجوب. قال هنا: يدل أي النهي على فساد المنهي عنه. دلالة النهي يا أخوه عند الاصوليين والفقهاء دلالتان: إحداهما في الحكم، والثانية في الصحة والبطلان.
يعني في حكم الفعل بماذا يوصف، والثانية باثر الفعل وما الذي يترتب عليه. أما من ناحية الحكم، فالنهي عند الجمهور للتحريم، إلا إذا دلت القرينة على ما سوى ذلك فيحمل على ما دلت عليه القرينة، فإن دلت على النهي ذهبت بها إلى النهي. وهذا من ناحية الحكم، أما من ناحية أثر الفعل وترتب الصحة والفساد عليه، فهو الذي قاله المصنفون رحمه الله: ويدل على فساد المنهي عنه.
يدل النهي على أن الفعل المنهي عنه إذا واقعه المكلف فحكمه فاسد. أي شيء نهتك عنه الشريعه، وهذا عام سيتناول العبادات، فإذا نهت الشريعة عن عبادة من العبادات في صورة من الصور ففعلها المكلف، فما حكم عبادته؟ مثال: نهت الشريعة عن صيام يوم العيد، فماذا لو صام يوم العيد؟ عندك الآن حكمان: ما حكم صيام يوم العيد؟ حرام. من أين أتيت بالتحريم؟ من نهيه صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم العيد، والقاعدة تقول: النهي يفيد، ممتاز. فقلت: حرام صيام يوم العيد، لأنك وجدت فيه نهياً.
ماذا لو صام عنده قضاء من رمضان فصام يوم العيد بنية القضاء، صامه بنية يعني أول يوم من ستة شوال، ما حكم صيامي هذا؟ واضح، إذن هو فاسد لأن النهي يقتضي الفساد، إذن هو دل على تحريم الفعل وإذا وقع من المكلف فهو أيضاً فاسد. نهت الشريعة عن صلاة الحائض: فإذا كانت الحيضة فدعي الصلاه أيام إقرائي. فنهى عليه الصلاة والسلام عن صيام الحائض حال حيضها، ما حكم عفواً عن صلاة الحائض؟ ما حكم صلاة الحائض وهي حائض؟ ما حكم؟ حرام. وماذا لو صلت؟ لا تصح صلاتها. هكذا ستقول: كل شيء نهت عنه الشريعة هكذا.
هكذا في المعاملات، نهت الشريعة عن جملة من صور البيع، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الملامسة، نهى عن بيع الغرر، نهى عن النجش، نهى عن تلقي الركبان. هذه جملة من العقود جاءت الشريعة بالنهي الصريح، هذا النهي يدل أولاً على تحريم الفعل ويدل ثانياً على فساد العقد. قال: ويدل على فساد المنهي عنه.
يبقى هنا فقط للإيضاح والتنبيه: إطلاق المصنف رحمه الله أن النهي يقتضي أو يدل على فساد المنهي عنه هو مفصل، مفصل أكثر يعني بتوضيح عند غيره من المصنفين، لئلا تدخل الصور في بعضها. وليس كل شيء نهت عنه الشريعة بهذا الفهم تدل على الفساد، يعني مثلاً نهت الشريعة عن لبس الحرير، لا يجوز لبس الحرير للرجال لما قال عليه الصلاة والسلام وقد اخذ حريرا وذهبا فقال: هذان حل لأناث أمتي حرام على ذكورهم. فماذا لو لبس الرجل ثوب حرير؟ حرام وهو آثم، ماذا لو صلى به؟ ستقول: حرام فعله وصلاته. هذا الإشكال: هل ستقول صلاته باطلة؟ طيب، هنا للفهم الأولي ستقول: لا، النهي ما جاء للصلاة حتى أقول إن الصلاة باطلة، نقول: النهي يدل على فساد المنهي عنه.
هو ما نهي عن الصلاة؟ نهي عن ماذا؟ عن لبس الحرير. فماذا لو تكونت الصورة وتركبت من شَيئين؛ من جزء فيه شيء صحيح وهو العبادة الصلاة، ومن شيء تلبس به وهو لبس الحرير، وهو لا يصح، هل ستقول صلاة باطل؟ الصحيح لا، أن صلاته صحيحة مع الإثم، فهذا تماماً تقول كمن صلى مسبلاً إزاره، صلاة صحيحة مع الإثم، فهذا الشيء وهذا الشيء، الصلاة تأخذ حكمها ولبسه للحرير يأخذ حكمه.
حتى لا يقع هذا الإشكال، قالوا انتبه، فيما يتعلق بالنهي والفساد الصور ثلاث: إذا جاء النهي، إذا توجه النهي إلى ذات المنهي عنه دل على الفساد، مثل ما دل الحديث عن تحريم صوم يوم العيد، مثل ما دل الحديث عن تحريم نكاح الأم أو الآية. فإذا وقع النهي إلى ذات المنهي عنه افاد الفساد وعدم الصحة.
الصورة الثانية: أن يتعلق النهي لا بذات المنهي، بل بشرطه أو وصفه الملازم له، وهو أيضاً يدل على الفساد وله صور متعددة، كنهي عليه الصلاة والسلام عن الصلاة في وقت النهي. النهي ليس لذات الصلاة، لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، هل النهي عن الصلاة أو عن الصلاة في هذا الوقت؟ طيب هل الوقت بالنسبة إلى الصلاة شيء منفك عنه؟ يعني هل الوقت هو الصلاة؟ لا. طيب هل هو شيء مفارق عنه؟ لا، الصلاة ملازمة للوقت، بمعنى أنه لا يمكن إيقاع الصلاة إلا في وقت، فهو شيء لا ينفك. هذا أيضاً يدل على الفساد، فمن صلى في وقت نهي فصلاته فاسدة.
الصورة الثالثة: أن يتوجه النهي إلى أمر منفك خارج عنه، مثل الصلاة وثوب الحرير، يمكن أن تفصل ثوب الحرير عن الصلاة وليس شيئاً واحداً. فإذا اتضحت لك الصورة فهمت وكلام المصنف ليس خطأ. قال ويدل على فساد المنهي عنه هو قصد الصورة الأولى إذا توجه النهي إلى ذات المنهي عنه، وهذا محل اتفاق أنه يدل على الفساد، لكن قلته لإباب الإيضاح ولأن بعضهم يستشكل هذا المعنى.
نعم، وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين. ترد صيغة الأمر والمراد بها الإباحة، تقدم في هذا في مجلس البارحه لما يقول الله عز وجل: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً، كلوا هذا فعل أمر، ما المراد به؟ ليس الوجوب وليس الاستحباب، المراد به الإباحة، مع أنه عطف عليه أمراً آخر تختلف دلالته: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، ما حكم عمل الصالحات فيه؟ واجب وفيه مستحب، لكن اختلفت الدلالة، والفعل الذي قبله الذي عطف هذا عليه لم يدل لا على الوجوب ولا على الاستحباب، فإذا أنت تقف أمام كل صيغة من صيغ الأمر لتفهم دلالته ومعناه، وقد تختلف وهي متعاطفة.
قال أيضاً ويدل على التهديد، وهذا انتقال إلى إلى جهة أخرى تماماً في الدلالات، أمر ويدل على التهديد، قوله تعالى: اعملوا ما شئتم للكفار، إنه بما تعملون بصير، قوله تعالى: فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ، هل تفهم أن هذا تخيير إباحة؟ من يريد الإيمان ومن يريد الكفر؟ الصيغة هذه بالسياق أصلاً العربي ماذا يفهم منها؟ يفهم منها تهديداً، ويفهم منها وعيداً، أبداً لا يفهم منها التخيير والإباحة وأن ترك الأمر له يختار ما يشاء، فهذه السياقات تدل على المعنى الذي جاء فيه الأمر.
قال التسوية: فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا أَي النار أجارنا الله وإياكم، اصبروا أو لا تصبروا ليس تخييراً وليس أمراً، لكنه يدل على أن الأمر سواء صبرت أو ما صبرت. قوله تعالى: كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ يقولون الأمر يدل على التكوين وليس المطلوب منك أن تفعل شيئاً لأن تتحول إلى قرد، لكن الله يأمر أمر تكوين أن يحولك أجارك الله أو يحول المخاطب بهذه الآية، كونوا قردة خاسئين.
المقصود من هذا أنك بعد أن تعلمت أن الأمر يدل على الوجوب وله أحكام تتعلق بحكمه وبزمن وبعد كل ذلك يقول لك فيه، ليس كل أمر تجده في الشريعة تطبق عليه هذه القاعدة تعاملاً آلياً، فيقول افتح ذهنك، ثمة أوامر في الشريعة لا تحمل على ما سبق إيراده من الدلالات.
فالسؤال فماذا أعل إذا أنا أريح أن أفهم كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ سيقول لك الأصل هو تلك القواعد التي مرت بك وهذه استثناءات، إذاً هي أولاً ليست كثيرة، ثانياً سياقها يوضح معناها، لكن لئلا تقع في إشكال فتقول قرر الأصوليون كذا ثم وجدت شيئاً خلاف ما قرروه، نبهوا لك على أنه قد يقع شيء من ذلك فلا تكن في حيرة من أمرك، فانه يحمل على غير ما سبق تقريره في القواعد.
لما انتهى من معاني صيغ الأمر وقد أتى على جملة يسيرة من مسائل النهي ينتقل الآن رحمه الله إلى باب آخر من دلالات الألفاظ، هو العموم والخصوص. كما قلنا يا إخوة أن العناية بدلالة الأمر والنهي مهم لطالب العلم، مهم للمتفقهين للأصول، مهم لأنه لن تجد آية أو حديثاً فيها تكليف عبادات معاملات آداب وأخلاق كلها إما أمر وإما نهي، فإذا أنت لست مستغنياً أبداً عن أن تتقن دلالات الأمر والنهي وما في قات، ليس كل شيء كما قلنا في أول لقاء هو مدخل ونبذة يسيرة وشيء يعرفك ليس إلا.
فالمتخصص ومن أراد أن يمتلك زمام الفقه ويكون ملكته يحتاج أن يغوص في دلالات الأمر والنهي ويجد ما قرره الفقهاء والأصوليون في هذا الباب بحراً كبيراً متلاطمة أمواجه، لكن عليه أن يحسن السباحة حتى يتفقه ويكون الملكة الكافيه. في النهاية خلاف الفقهاء في كثير من أنحائها هو أمام نص واحد أحياناً، فهذا يفهم منه شيء وهذا يفهم منه شيئاً آخر، وليس لأنهم متفاوتون، لكن القاعدة تحتاج إلى نظر وتحتاج إلى وعي وتحتاج إلى أن تعيش مقصد الشارع، وهو ماذا أراد بهذا؟
في أكثر من درس أيضاً كنت أمثل بحديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن العود في الهبة، قال عليه الصلاة والسلام: العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. فهم منها الجمهور تحريم الرجوع في الهبة، وأن من أهدى هدية حرم عليه الرجوع فيها التحريم. ملاحظ في الحديث لا صيغة أمر ولا صيغة نهي، العائد في هبته كالعائد في قيئه أو كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه. الآن لا أمر ولا نهي، ماذا في الحديث؟ تشبيه، التشبيه أسلوب عربي تفهم منه إما ترغيباً ومدحاً، وإما تنفيراً وذماً، فإن كان تنفيراً وذماً فهو الحرام والمكروه، وإن كان ترغيباً ومدحاً فهو الواجب والمستحب.
إذاً هكذا يعني مع أنه هذه ما مرت معك في السياق، لكنك تحتاج أن تفهم هذا أسلوب شرعي يأتي أحياناً بمثل هذا النوع، فلما كان ذماً وتنفيراً شبهه بصورة قبيحة مقززة، أن الكلب إذا قاء أكرمكم الله يعود فيأكل قيئه، وأن العائد في هبته هو كذلك. ففهم الجمهور أن هذا محمول على النهي فكأنه قال لا تعودوا في هباتكم، كأنه قال هذا.
فلو وجدت النهي الصريح لا تعودوا في هباتكم ستحمله إما على التحريم وهو الأصل، أو على الكراهة، فلهذا قال الجمهور بتحريم أن يعود الرجل في هديته، بينما مذهب الشافعي رحمه الله على عدم التحريم وأنه يجوز الرجوع في الهبة بعد أن يدفعها المهدي أو الواهب. الجواز من أين فهمه والحديث واحد والنص الذي أمامك واحد؟ أتى إلى التشبيه فقال ماذا في التشبيه؟ تشبيه العائد في هبته بالكلب أن يعود في قيئه، والمشبه يأخذ حكماً مشبه به، فهل يحرم على الكلب أن يعود في قيئه؟ أجب. هل يحرم على الكلب أن يعود في قيئه؟ لا.
إذاً شبه النبي عليه الصلاة والسلام العائد في هبته بالكلب، إذاً يأخذ حكمه، فإذا كان لا يحرم على الكلب أن يعود في قيئه فكذلك العائد في هبته لا يحرم عليه، لأن التشبيه يقتضي التسوية بين المشبه والمشبه به، وغاية ما فيه التنفير ويعني تقبيح الفعل وانه خارج عن المروءات وأنه ليس من الشيم المحمودة عند الناس، أما تحريم يقول لا لا أفهم منه تحريماً فهمت ممكن يحمله على.
الكراهة فإانا أقول ها هنا تتفاوت أفهام الفقهاء رحمهم الله والنص الذي أمامهم، أحياناً واحد بل في كثير من الأحيان، فأنا أقول من أراد أن يفتح الله عليه في الفقه وأن يتسلم زمامه وأن ينمي تلك الملكة أن يغوص في دلالات الأمر والنهي، وهي الحقيقة من أكبر دلالات الألفاظ التي يحتاج إليها الفقيه، لا يقل عنها شأناً الباب الذي نحن أمامه الآن باب العموم والخصوص، هو أيضاً أحد أكبر أبواب دلالات الألفاظ، أكبره من ناحية تأثيرها في استنباط الأحكام، ومن ناحية انتشارها في نصوص الشريعة بلا مبالغة.
سأقول مهما وقفت أمام آية أو حديث لن يخلو النص الذي أمامك من صيغة عموم أو صيغة خصوص، وبالتالي فإذا كنت ضعيفاً في هذا الباب وما تفقهه جيداً فعظم الله أجرك، جزء كبير من النصوص لن تستطيع التعامل معه ولن تفهم دلالته بطريقة جيدة، لأهمية هذا الباب أفرد الفقهاء والأئمة والأصوليون رحمهم الله كتباً مصنفات مستقلة في العموم والخصوص، بعضها مطبوع في جزئين، لماذا؟ هل هو إغراق وتوسع ونوع من الاسترسال؟ لا، لا، هو عناية بباب شعروا أنه مهم جداً لطالب العلم المتفقه.
لانه كما قلت لك كل النصوص الشرعية هات كل ما مر بنا من أمثلة من أمس إلى اليوم، أي أمر وأي نهي، إذا ابتدأت الجملة بأمر أو بنه، أنظر مباشرة لما يقع بعد الأمر بعد النهي، إما عام وإما خاص، فهذا هو متعلق الأمر والنهي، الأمر والنهي تكليف، التكليف يتوجه إلى ماذا؟ يتوجه إلى فعل أو قول، هذا الفعل والقول هو الذي يوصف بالعموم والخصوص، فإذا نهت الشريعة عن أمر قد يكون عاماً وقد يكون خاصاً وهما يتداخلان، فربما وجدت النهي عن شيء عاماً في نص ووجدته خاصاً في نص آخر، كيف تفعل؟ كيف تجمع بين تلك النصوص؟ هذا الباب الكبير هو ميدان العموم والخصوص وهو من الأهمية بمكان.
لأهميته أفردها أهل العلم بمصنفات مستقلة كما فعل القرافي رحمه الله في كتابه العقد المنظوم في الخصوص والعموم، وكما فعل الحافظ العلائي في كتابه تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم، فكانوا يحرصون على حصر صيغ العموم أو وعلى حصر صيغ التخصيص ووجوهه وأساليبه، ثم الكلام عن مسائله وما يتعلق بكل واحد على تفصيل ومحاولة جمع الشواهد في النصوص الشرعية، فهو باب كبير لكن بصراحه يحتاج إليه الفقيه ويحتاج إليه طالب العلم، وبقدر ما يغوص في مسائله ويتعمق فيها فإن لها فوائد كثيرة جداً تعود إلى موقفه فيما بعد من فهم الآية أو الحديث.
نعم، وأما العام، وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعداً، من قوله عممت زيداً وعمراً بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء، ابتدا رحمه الله كالعاده بالتعريف، قال واما العام فهو ما عم شيئين فصاعداً، أيضاً يرون أن مثل هذا التعريف مدخول وينتقدون عليه ما يسمونه بالدور، أن تقول في العموم أو في العام ما عم شيئين، أنا أريد أن أفهّم مصطلح عام فلا تقل لي في التعريف ما عم، وبالتالي تحتاج إلى لفظ آخر أن تقول ما تناول ما تناول شيئين فصاعداً.
ما تناول يعني اللفظ الآن كلام في تعريف اللفظ العام، ما هو اللفظ العام الذي نصفه بأنه عام؟ تقول هو اللفظ الذي يتناول شيئين فصاعداً، شيئين من أي الأشياء؟ من المسميات التي ينطبق عليها اللفظ، من معاني اللفظ لأن كل لفظ له معنى، المعنى هذا له أفراد، مثال المؤمنون هذا لفظ وله أفراد، من أفراده ما أفراده؟ كل مؤمن، كل مؤمن زيد وعمر وبكر وخالد يدخلون في كلمة المؤمنون، إذا المؤمنون لفظ وتحته أفراد، كل فرد منه يسمى شيئاً، فما عم أو ما تناول من الألفاظ فردين فأكثر يسمى عاماً.
تفهم من هذا التعريف أن اللفظ الذي يتناول شيئاً واحداً ليس بعام، قال كاسمائ الأشخاص عمر وعبد الرحمن وأبو بكر وعثمان وعلي، هذه أسماء أشخاص فلا تتناول أكثر من واحد إذا ليست من العموم في شيء، تفهم منها أيضاً أن ما تناول عدداً محصوراً شخصين ثلاثة وإن كان أكثر من شيئين لكنه محدود في النهاية هو أيضاً ليس بعام، قال ما تناول ما عم شيئين فصاعداً، زاد بعضهم في التعريف من غير حصر، لأن أسماء الاعداد كالعشرة المليون هي مع تناولها شيئين فصاعداً لكنها في النهاية محصورة، فهذا عندهم ليس بعام طالما بقي اللفظ له سقف محدد يقف عنده ليس بعام.
ولا يوصف اللفظ بأنه عام إلا إذا كان تنا منتشراً لا حدود له، وأمثلة هذا كثيرة: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، الإنسان هذا اسم جنس وسياتيك من صيغ العموم أن اسم الجنس إذا دخلت عليه ال الاستغراق أفادت الانتشار، يعني الله عز وجل في هذه السورة أقسم على أن كل من يسمى انساناً فهو محكوم عليه بالخساره، إِنَّ الْإِنسَانَ هذا تناولني ويتناول ويتناول كل ذرية كل ذرية بني آدم إلى قيام الساعة، إِنَّ الْإِنسَانَ لان كله يسمى إنسان، هذا اللفظ مثال للعام الذي ينتشر ولا حدود له، هذا عام.
مثله تعالى قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، المؤمنون هذا عام، فإذا هو حكم بالفلاح لكل من اتصف بالايمان وسمي بالمؤمن، هذا عام، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، العالمين هذا عام، فالله عز وجل رب العوالم كلها أنسها وجنها طائرها وسابح وكل كل العوالم ربك عز وجل ربها، فهذا كثير جداً ومنتشر في النصوص الشرعية، اللفظ العام الذي يتناول شيئين فصاعداً من غير حصر، قال من قوله عممت زيداً وعمراً بالعطاء وعممت جميع الناس بالعطاء، المقصود أنه فيه معنى الشمول.
قوله تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، هذا من صيغ العموم وصيغته هنا لفظة كل كما سياتي بعد قليل، كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، فحكم الله بالفناء على كل من على وجه الأرض، سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ، الثقلان الإنس والجن سيشمل كل من يدخل في هذا الاسم، أنا وأنت وكل إنس وكل جن يدخل في قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ، الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ، الرجال والنساء هذا عموم يشمل كل رجل وهذا عموم يشمل كل امرأة تدخل في وصف النساء.
قوله عليه الصلاة والسلام: يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، الشباب هذا لفظ عام يتناول الشباب في عصره صلى الله عليه وسلم ومن بعد عصره في الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإلى اليوم وشباب الأمة الغد وبعد الغد إلى قيام الساعة، فهذه الألفاظ العامة التي تنتشر بلا حدود هي الموصوفه بالعموم وهي كثيرة جداً، كيف أعرفها وكيف أستدل عليها وما الأثر المترتب؟ كل هذا سياتي في الأبواب التالية، سيعلمك أولاً صيغ العموم وأين تجدها ثم فيما بعد يأتي إلى دلالات العموم وما الذي تستفيده منه.
نعم، وألفاظه أربعة: الاسم الواحد المعرف بالالف واللام، واسم الجمع المعرف باللام، واسم الجمع المعرف باللام، والأسماء المبهمة كمن في من يعقل وما فيما لا يعقل، وأي في الجميع، وأين في المكان، ومتى في الزمان، وما في الاستفهام والجزاء وغيره، ولا في النكرات كقولك لا رجل في الدار.
طيب ذكر رحمه الله في هذا المقطع الذي سمعتم ألفاظ العموم أو صيغ العموم، وقلت هذا الباب الكبير الذي أفرُد بمصنفات مستقلة مثل تلقيح الفهوم في تنقيح صيغ العموم هذا الباب كبير، والمصنف رحمه الله قال ألفاظه أربعة وهي أكثر من هذا بكثير لكنه جاء لأكبر الصيغ وأشهرها، قال أولاً الاسم الواحد المعرف بالالف واللام يقصد بالاسم الواحد المفرد أو اسم الجنس، مثل: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، الإنسان مفرد لكنه اسم جنس وبالتالي فيشمل كل ما يسمى بإنسان لأنه عرف بالالف واللام الدالة على الاستغراق، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ.
لما يقول عليه الصلاة والسلام: المسلم أخ المسلم، كم مسلما يقصد عليه الصلاة والسلام؟ كل المسلمين، يا اخي هو قال مسلم أنت تقول كل المسلمين، هو جاء بمفرد وأنت تقول كل المسلمين هذا صيغة عموم، من أين اكتسب العموم؟ أن الاسم المفرد هذا دخلت عليه ال، فهو يريد عليه الصلاة والسلام أن كل مسلم أخ لكل مسلم، المسلم أخ المسلم، فاذاً سواء عرفه مفرداً دخلت عليه ال أو الصيغة الثانية اسم الجمع المعرف باللام وقال المؤمنون تتكافأ دماؤهم أو المؤمنون تتكافأ دماؤهم، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، فلما
يقول مؤمنون ومؤمن، إذا دخلت أل هنا أو هنا وأفادت الاستغراق فإنه لا فرق بينهما. فعليك أن تفهم أن أل التي تدل على الشمول والاستغراق لا فرق بين أن تدخل على مفرد أو تدخل على جمع، لأن كل منهما سيستغرق ويفيد العموم. فهذه من صيغ العموم أولاً: الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، ثانياً: اسم الجمع المعرف بالألف واللام، ثالثاً: الأسماء المبهمة. مثل لها بمجموعة ما الأسماء المبهمة التي يسميها النحاة التي تدل سواء كانت صيغ شرط أو صيغ أسماء موصولة أو أدوات، كل هذه تسمى أسماء مبهمة، مثل لها فقال رحمه الله: كمن في من يعقل، وما فيما لا يعقل، وأي في الجميع من وما.
أين من إذا استخدمت للعاقل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. أين العموم؟ من يعمل، بمعنى كل من يعمل. لاحظ لما تريد أن تفسر العموم تستخدم صيغة كل، وهذه طريقة جيدة إذا أردت أن تكتشف صيغة عموم دلها بكل. فإذا انطبق عليها استبدالها بكل فهي للعموم، يعني مثلاً المسلم أخ المسلم، تقول كل مسلم أخ لكل مسلم، إذا طبق المعنى إذا هي من صيغ العموم. وهذا طريقة جيدة كما قلت للتعلم والاستكشاف، لما يقول مَنْ يَعْمَالَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَالَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، ستقول المعنى كل من يعمل، إذا إذا صלח دخول كل عليها فهي دلالة على أنها للعموم.
قال وما فيما لا يعقل، لما قال الله عز وجل إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فكل شيء يعبد من دون الله فهو كذلك، فما إذا جاءت لغير العاقل، والسماء والارض وما بينهما فيدخل كل شيء ويشمله بالاستثناء. قال وأي في الجميع، أَيُّمَا الْأَجْلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ، أي فهو شمل الجميع. ولله الأسماء الحسنى، عفواً أَمَّا تَدْعُوا أَيُّمَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فتستخدم للعاقل ولغير العاقل وهي تفيد العموم فيهما.
قال رحمه الله: وأين في المكان ومتى في الزمان وما في الاستفهام والجزاء والخبر ونحوها. أين في المكان قوله تعالى: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ، هذه صيغة عموم يعني في كل مكان يدرككم الموت. قوله تعالى: فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ. أين صيغة استفهام للدلالة على المكان ورودها في النصوص الشرعية يفيد العموم. متى في الزمان مثل قوله تعالى: وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ، يعني في أي زمان والمقصود في كل زمان والمقصود في كل وقت. وإن فهذا دليل على العموم أيضاً.
ما في الاستفهام فيقول مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ، قال ما في الاستفهام لأن ما تأتي لغير الاستفهام، ما تأتي موصولة، ما تأتي أيضاً لغير العاقل كما جاء قبل قليل، ما تأتي للشرط أيضاً، ما تأتي كَافَّةً، ما تأتي نافية، كل ذلك يدلك على التفريق التي تدل على العموم. ما في الاستفهام ماذا أجَبتم المرسلين أي شيء أجبتُم؟ وأي من صيغ العموم كما مر قبل قليل. وأيضاً ما إذا جاءت في الجزاء، وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ، هذا من الشرط ما تفعل يعلمه الله فكل شيء تفعله يعلمه الله.
قال في الصيغة الأخيرة الرابعة: ولا في النكرات نحو لا رجل في الدار. لا في النكرات التي يقال لها في النحو لا النافيه للجنس التي تعمل عمل أنَّ إذا دخلت نصبَت اسمها، لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَلِيٍّ، لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطَهُورٍ ونحو هذا، هذا كله يدل على العموم. لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فهذا كله من صيغ العموم وهي كما رأيتم الآن أربعة على تقسيم المصنف رحمه الله: الاسم المفرد، الاسم المفرد المعرف بالألف واللام، الثاني اسم الجمع المعرف بالألف واللام، الثالث الأسماء المبهمة، الرابع لا في النكرات، يعني لا إذا دخلت على النكرة لا صلاة لا رجل لا نكاح، هذه كلها تدل على الاستغراق والعموم. لا صلاة أي صلاة نافلة أو فريضة، لا نكاح أي نكاح لا يحصل به ذلك.
قال هنا: هذه أربع صيغ الآن ليست هي كل صيغ العموم، الذي ذكره المصنف رحمه الله هو بعضها، والدليل على أنه ما أراد أن يستغرق كل صيغ العموم أنه ترك أم الصيغ. أم صيغ العموم ما هي؟ كل وجميع، فما ذكرها، ولا تفهم أبداً أنها فاتت عليه رحمه الله وهو إمام الحرمين، لكنه أراد فقط أن يضرب أمثلة كما جاء في الأمر وقال صيغته الدال عليه أفعل وما أراد أن أفعل وحدها التي تدل على الأمر، قلنا لأن هناك الفعل المضارع المقترن بلام الأمر، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر واسم فعل الأمر، فما أوردها هنا أيضاً وأراد فقط الإشارة على طريقته في الاختصار والإيجاز وأن يضرب المثل ببعضها، فما ذكر كل وجميع.
ولا ذكر الأسماء الموصولة: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبَّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا، الذين، فكل من قال ربنا الله ثم استقام تناولته الآية. ماذا ذكر أيضاً رحمه الله؟ النكرة المضافة، فإن الإضافة أيضاً تقتضي العموم، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، عباد الله، عباد نكرة وأُضيفَت إلى لفظ الجلالة فاستغرق وأفاد العموم. دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث التشهد في التحيات في حديث ابن مسعود قال: فإنكم إذا قلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض. من أين فهمت أنه سلم على كل عبد صالح؟ من قوله السلام علينا وعلى عباد الله قال فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض. فاستشعروا هذا في التحيات في التشهد إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أنت ترسل سلامك إلى جبريل عليه السلام وإلى ميكال وإلى إسرافيل وسائر ملائكة السماء الذين لا يعلم عددهم إلا الله، ترسل سلامك إليهم وترسل سلامك إلى إخوانك المصلين معك في المسجد والذين في المسجد الحرام والمسجد النبوي وفي الصين في أمريكا وفي البر وفي البحر، أنت ترسل سلامك إلى كل هؤلاء، بل ترسل سلامك أيضاً حتى إلى الجان من عباد الله الصالحين، فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض. فما أعظم الصلاة وما أعظم أذكارها! وهذه دعوة إلى أن يعيش العبد مثل هذه المعاني، وهي جاءت مفصلة ومشروحة في النصوص الشرعية.
هذه إذاً صيغ العموم وعلى طريقة المصنف رحمه الله أتى بها على طريقة الإيجاز وعلى طريقة التمثيل ولم يرد الاستغراق رحمه الله، والباب واسع لمن أراد أن يرجع إلى الصيغ وأمثلتها، لكنها تحتاج الحقيقة إلى ممارسة حتى تكون ملكة بحيث كلما مر بك النص استطعت أن تلتقط منه ألفاظ العموم مباشرة، وكلما مرت بك جملة نبويه في حديث في عبادات في عقائد في أحكام في آداب وأخلاق في أي باب من الأبواب تستطيع أن تلتقط أيضاً صيغ العموم فيها فتتابع ما المدلول الذي ترتب عليه. هذه ملكة تنمى بكثره النظر وبكثره التطبيق ومحاولة الغوص أيضاً في أنواع الصيغ والوجوه التي تأتي عليها.
سيدخل رحمه الله الآن في الدلالة على بعض مسائل العموم. نعم، والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه والخاص يقابل العام. هذه مسألة قال العموم من صفات النطق، لما تكلمنا عن تعريف العام وأوردنا صيغه قال انتبه نحن لما نتكلم عن العموم ومسائله الآتية وانه يدخله التخصيص كلامنا على العموم الذي يتناول الألفاظ النطق من صفات النطق، يعني من صفات اللفظ إيش معناه؟ قال ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه، هذا تنبيه مهم حتى لا تقع قدمك في خطأ فتقول ها هنا عموم وإذا بك اتجهت إلى مكان لا يصح دعوى العموم فيه. قال انتبه العموم لا يدخل الأفعال، لا يدخل الأفعال، لا تاتيني إلى آية وحديث فيها فعل وَقَضَى رَبُّكَ تقول قضى هنا يدل على العموم، ما في عموم هذا فعل. صيغ العموم مرت بك وعندك قاعدة كبيرة تقول أن العموم لا يتناول الأفعال، واضح يا ذا لا.
يصح أن تقول: سهى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجد، قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار، فتقول هذا يشمل كل جار فيستحق الشفعة بحكم قضائه لأنه قضى، والقضاء يدل على عموم فعله عليه الصلاة والسلام. ولهذا جعل الفقهاء الاستدلال بحديث فعل النبي صلى الله عليه وسلم للشيء لا يدل على التكرار ولا يدل على العموم ولا يدل على الشمول ما لم تأت قرينة أخرى. ولذلك قالوا: الفعل منه عليه الصلاة والسلام لا يدل على العموم إلا إذا اقترن بما يدل على التكرار، كان يفعل كان صلى الله عليه وسلم يقول كذا، كان يفعل كذا؛ فوجود كان مع الفعل المضارع هي التي أفادت التكرار، لكن تأتي للفعل قضى، دخل، خرج، الفعل وحده لا يدل على التكرار.
إذا كان لا يدل على التكرار، فإنه يفسر بأشياء أخرى يدل على حصوله مرة واحدة، ويسمونه واقعة عين أو حادثة عين، يعني فعله مرة. فإن نأتي لمسألة نختلف فيها فتستدل بقول ابن عمر: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. هذا حكاية فعل، لا أستطيع أن أفهم منه العموم، وبالتالي أحد الأشياء التي يمكن أن أفسر بها الحديث أن ربما حصل مرة واحدة وانتهى، فلا أقيس عليه عموماً لفظياً لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها؛ فدلالة القول من حيث الانتشار والشمول والاستمرار أقوى من دلالة الفعل.
هذا الفعل، قال: وما يجري مجراه. والذي يجري مجرى الفعل مفهوم اللفظ، لما تقول دلالة منطوق ودلالة مفهوم؛ يعني لما تحاول أن تفهم من اللفظ غير ما نطق به النص فهي دلالة مفهوم. مثل قوله عليه الصلاة والسلام: فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ. هذا نص دل على أن الزكاة تتناول السائمة من الغنم، ما السائمة؟ التي ترعى أكثر الحول، فإذا كانت معلوفة؛ يعني يعلفها صاحبها يشتري لها ويتكلف لها، لا زكاة فيها. قوله: لا زكاة في المعلوفة، هذا فهم منا نحن، إذا هو مفهوم، لا زكاة في المعلوفة. طيب، لا زكاة في المعلوفة، قلت لك اكتب هذا الفهم فكتبته في جملة لا زكاة في المعلوفة، الصيغة صيغة عموم لا زكاة من النكرات التي دخلت عليها لا، وهذا لا يعم لأنه مفهوم، فانتبه. العموم من صفات النطق، أما المفهوم لا عموم له.
طيب هذه معلوفة، ماذا لو اتخذها صاحبها للتجاره؟ اصبحت تجب فيها الزكاة لأنها عرض من عروض التجارة. فالمسألة يعني حادثة وقعت للصحابي لا تجري فيها العموم. وكذلك مفهوم اللفظ دلالة المفهوم أيضا لا يدخلها العموم. قال فيه: والعموم من صفات النطق، ولا يجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه. في حديث البخاري: جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين في السفر. هذا لا عموم له، هو يحكي فعلا، والفعل لا عموم له، تريد العموم ابحث عن دلالة أخرى ليس من الفعل. صلى رسول الله صلى عليه وسلم في الكعبة، أيضا في الحديث في الصحيحين، لا يشمل كل صلاة لقوله صلى، فتقول قد تكون فرضا وقد تكون نافلة، اختلفنا في مسألة هل يجوز صلاة الفرض داخل الكعبة؟ فيقول قائل: نعم يجوز، ما دليلك؟ يقول: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة. أقول له: لا، دلالتها هنا على أنها صلاة فرض، والغالب أنها نافلة، فيقول: صلى عام يشمل الفرض والنفل، أقول له: قف، هذا فعل، والفعل لا يوصف بالعموم، صلى مقصود صلاة، تحتاج أن تفسر لي، عندك دليل على أن فرض؟ أثبت لي وأتني برواية فيها التصريح بأنها فرض، ما في؟ إذا أنا لا أستطيع أن أعمم اللفظة؛ لأن اللفظ ها هنا فعل، والقاعدة تقول: العموم من صفات النطق، فالأفعال لا يدخلها العموم.
لما انتهى من العام دخل مباشره إلى الخاص، وهو ما يقابله وسيتم عن العلاقة بين العام والخاص وانه ينشأ عنهما ما يسمى عند الفقهاء بالتخصيص. نعم، والخاص يقابل العام، يقابله في ماذا؟ تعريفا وحكماً. العام هناك ما تناول شيئين فصاعدا من غير حصر، الخاص هنا ما تناول واحدا. طيب إذا تناول خمسة أيضا خاص، تناول ألفا أيضا خاص. فماذا نقول؟ ما تناول شيئا محصورا، سواء كان هذا الشيء المحصور واحد أو كان ألفا أو كان أكثر طالما هو محصور فهو خاص. قال: أو تقول ما لا يتناول شيئا. يعني أنفي تعريف العام قلت أنا كما تناول شيئين فصاعدا، تقول هنا ما لا يتناول شيئين فصاعدا من غير حصر. قال: والتخصيص تمييز بعض الجملة.
الان إذا عرفت الخاص، سيتكلم لك على العلاقة بينهما، وهو أيضا المحل الذي سنشرع فيه الان. قبل ذلك من المهم أن تفهم أن العموم والخصوص وصفان نسبيان، فكل عام نسبي وكل خاص نسبي، إيش معنى هذا؟ أنه حتى أقول هذا اللفظ عام هو بالنسبة إلى غيره عام، وبالنسبة إلى شيء آخر خاص. مثال ذلك الناس، كلمة الناس عام أو خاص؟ عام بالنسبة إلى ماذا؟ بالنسبة إلى الأفراد فيشمل المؤمن والكافر صح، الرجل والمرأة صح، الذكر والأنثى الصغير والكبير الحر والعبد، كله يسمى، كله يدخل في لفظ الناس. لكن لو قلت لك الناس بالنسبة للثقلين عام أو خاص؟ خاص؛ لأن الثقلين إنس وجن والإنس نصفه، فهو أخص من الثقلين. طب الثقلان عام أو خاص؟ عام؛ لأنه يشمل الإنس والجان. لو قلت لك الثقلان بالنسبة إلى خلق الله؟ خاص. هذا معنى قولنا العام والخاص نسبي؛ يعني كل لفظ عام بالنسبة إلى ما تحته، خاص بالنسبة إلى ما فوقه.
المؤمنون عام أو خاص؟ عام بالنسبة إلى أفراد المؤمنين، خاص بالنسبة إلى الناس؛ لأن الناس مؤمن. قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، عام أو خاص؟ عام، ثم خصص: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، فتضيق الدائرة، ليس كل مؤمن، إنما هو المؤمن الذي يخشع في صلاته. جاءت الآية الثالثة: وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، ضاقت الدائرة أكثر، ليس كل مؤمن خاشع في صلاته، المؤمن الخاشع في صلاته المعرض عن اللغو. جاءت الآية الرابعة: وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاهْ فَاعِلُونَ، تضيقه الدائرة، ليس كل مؤمن خاشع معرض عن اللغو.
بسم الله الرحمن الرحيم، بعدما عرف الخاص وفهمت أن العموم والخصوص وصفان نسبيان، فكل عام خاص بالنسبة إلى ما فوقه، عام بالنسبة إلى ما تحته، وهكذا ستفهم الآن العلاقة المتداخله بين العام والخاص؛ فكل عام قد يدخله إيش يعني يدخله الخاص؟ يعني ياتي ما يخصصه. دخول الخاص على العام يسمى في اصطلاح الاصوليين تخصيصا؛ يعني لما قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، لو لم يكن عندنا آية سواها سيكون الحكم بالفلاح شاملا لكل مؤمن، فلما جاء الخاص عقبه ماذا صنع في العموم؟ هذه العملية تسمى تخصيصا، دخول الخاص على العام يخصصه.
سؤال: ما معنى يخصصه؟ نحن قلنا قبل قليل ضيق الدائرة، بالاصطلاح العلمي نقول: أخرج بعض أفراده. لما قال: الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، أخرج ماذا؟ أخرج غير الخاشعين، إذا أخرج عددا من أفراد العام. إذن لو قلت لك: عرف التخصيص ماذا ستجيب؟ إخراج بعض أفراد العام، أو ربما قالوا قصر العام على بعض أفراده، لا باس. قال هنا: التخصيص تمييز بعض الجملة، لكن تعريف الاصوليين الاخر أدق وأوضح: قصر العام على بعض أفراده أو إخراج بعض أفراد العام. وهو كما رايتم أمثلة، وسيتم لها أنواع ولها أمثلة كثيرة: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، أين العموم؟ الإنسان، ثم جاء الاستثناء: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، فأخرج هذا المستثنى من العموم، فهذا غير داخل في الحكم بالخسارة: إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ.
كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قال كلكم، كل من صيغ العموم، لو سكت وقال كلكم يدخل الجنة انتهينا، لكن لما قال إلا من أبى استثنى، الاستثناء ماذا صنع في العموم؟ أخرج بعض أفراده، قصر العام على بعض أفراده، هكذا هو التخصيص، وهذا باب كبير حتى اضحت القاعدة عند الاصوليين قولهم: كل عام يدخله التخصيص، أو قوله: ما من عام إلا وقد خص، هذه مبالغة عندهم يقولون: ما من عام إلا وقد خص، حتى هذه القاعدة وهي عامة أيضا مخصوصة ما من عام إلا وقد خص.
القاعدة هذه خصصت، والصحيح أنه ليس كل العمومات تخصص، بل عمومات كثيرة في الشريعة لا استثناء فيها. لما يقول الله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ، الحمد هذه صيغة عموم من أي نوع؟ مفرد دخلت عليه أل، فأي حمد يستحقه ربنا؟ كل الحمد. هل هذا مخصص؟ هل شيء من الحمد لا يستحقه ربنا؟ إذاً، هذا عام باق على عمومه، ولا دخله تخصيص، ولا يدخله إلى يوم القيامة.
رب العالمين، الله رب العوالم، هل في شيء مستثنى من هذا العموم، أو جزء من العوالم أو فرد من أفراده لا يدخل تحت ربوبية الله؟ وهكذا، فالصحيح أن كثيراً من أفراد العموم لا يدخله التخصيص، لكنه جرى على أنهم الغلبة أن كثيراً من العمومات خصصت. إذا أنت بحاجة وأنت تدرس باب العموم أن تتعرف على الصيغ التي يقع بها التخصيص.
قال لك: وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل. اقرأ، وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل. ما هو؟ لا، ليس الخاص، ليس العام، التخصيص، يعني دخول الخاص على العام ليخصصه، له طريقان: متصل ومنفصل.
نعم، فمتصل استثناء والتقييد بالشرط والتقييد بالصفة. لا، المتصل: الاستثناء والشرط والتقييد بالصفة. طيب، هذه ثلاثة مستثنيات، انتبهوا معي حتى نوجز هذا إن شاء الله في أقل من عشر دقائق قبل إقامة الصلاة.
المخصصات تنقسم إلى قسمين: متصلة ومنفصلة. الاتصال والانفصال بحسب ماذا؟ باعتبار ماذا؟ يعني متى تقول متصل ومتى تقول منفصل؟ إذا جاء في نفس الدليل مع العام يسمى مخصصاً متصلاً، وإذا جاء في نص آخر، هذا واضح.
طيب، المتصل، قال لك هو ثلاثة أشياء: إما استثناء، وإما شرط، وإما صفة. الاستثناء: إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا، لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ، استثناء بغير أو استثناء بإلا، هذا الاستثناء.
الشرط أيضاً من أساليب الاستثناء، لما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من رأى منكم منكراً فليغيره بيده. أين العموم؟ من أي نوع من صيغ العموم؟ الأسماء المبهمة، من رأى، كل من رأى منكم منكراً فليغيره، ثم خصص هذا العموم: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ، إذاً ليس الجميع يجب عليه التغيير باليد، أن جزءاً من المكلفين لا يستطيع، فخصص.
ما اسلوب التخصيص هنا؟ ما أداته؟ الشرط: فان لم يستطع، إذاً هذا الشرط هو أحد صيغ التخصيص.
الثالث: التقييد بالصفة. الصفة هاهنا عند الأصوليين أعم من الصفة عند النحاة، فيشمل النعت ويشمل البدل ويشمل أيضاً الحال. يعني قال الله تعالى: كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ، لما قال المكنون صفة للؤلؤ فقيده، فليس كل لؤلؤ وصف به الحور العين بل المكنون منه، وهذا تقييد بالصفة وتخصيص.
البدل: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ، الناس هذا إيجاب للحج على كل الناس، فلما قال: مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، خصص ذلك العموم وأصبح الحج واجباً لا على كل الناس بل على المستطيع، أي نوع هذا؟ هذا بدل. عَلَى النَّاسِ مَنِ اسْتَطَاعَ، فهذا تخصيص.
قوله تعالى: وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً، قوله متعمداً تخصيص، ومن يقتل يشمل كل قاتل لكنه أراد المتعمد ليخرج غير المتعمد، هذا تخصيص بالحال.
إذاً ما يعرب حالاً عند النحاة أو ما يعرب بدلاً أو ما يعرب نعتاً، كل عند الأصوليين يسمونه صفة، فحتى لا تحكم هذا بمصطلح النحاة، التقييد بالصفة يشمل النعت والبدل والحال، وكل ذلك من المخصصات.
عند النحاة: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، مثالنا الذي قبل قليل، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، أي نوع هذا الآن؟ هل هذا استثناء ولا شرط ولا صفة؟ صفة، لأن جملة الذين هم في صلاتهم خاشعون واقعة موقع البدل من قوله المؤمنون بدل البعض من الكل.
ثم سيعرف كل واحد الاستثناء والشرط الصفة بسرعة. نعم والاستثناء، والاستثناء اخراج ما لولاه لدخل في الكلام. ثم تعريفات عند الأصوليين في الاستثناء لا حاجة لنا بالوقوف عندها، يقول لك: ما الاستثناء؟ إخراج ما لولاه لدخل في الكلام. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا لو لم يذكرها لدخلت في قوله إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ.
نعم، وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء، ومن شروطه أن يكون متصلاً بالكلام. ها هنا ذكر شرطين للاستثناء: الأول أن يبقى من المستثنى منه شيء، يعني بحيث لا يصح استثناء الكل، لو قال رجل: حضر أولادي إلا زيداً وخالداً وعمراً وبكراً وهم كل أولاده، فما معنى قوله حضر أولادي؟ فالاستثناء إذا استغرق المستثنى منه بطل كما يقولون، فلهذا يقولون من الشرط في الاستثناء، هذه شروط لغوية يعني عند أهل اللغة، لا يصح أن تستثنيه إلا إذا بقي من المستثنى منه شيء.
الشرط الثاني أن يكون الاستثناء متصلاً بالكلام، يعني لا تتكلم بجملة ثم يأتي الاستثناء بعده في وقت لاحق، فانه لا يتصل بالكلام، المقصود بالاتصال هنا الاتصال الزمني.
ها هنا كلام عندهم: هل يصح استثناء الأكثر، استثناء النصف وما زاد؟ فيه كلام، الصواب صحة استثناء الاستثناء الأقل واستثناء الأكثر استثناء النصف وما زاد عليه، الصحيح وروده، ودليل ذلك: فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ، إبليس واحد فاستثنيناه. يعني لما قال: لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ، سؤال هو استثنى الأقل ولا الأكثر؟ ها، يعني اهل النار اهل النار يوم القيامة هم أكثر الخليقة ولا أهل الجنة؟ أكثر من كذا وكذا طيب، إبليس لما قال إلا عبادك هو استثنى الأكثر ولا استثنى الأقل؟ قد نختلف.
عندك دليل آخر آخر؟ قال الله عز وجل: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ، فجاء الدليلان يفيد أحدهم استثناء الأقل ويفيد أحدهم استثناء الأكثر، سواء فسرت الآية بأن المهتدي أكثر، أن الضال أكثر، الآية الأخرى تفيدك أنه في كل المحامل التي تحمل عليها اللفظ يصح أن تفسرها بالاستثناء.
نعم، ويجوز تقديم الاستثناء، ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه. لا، ويجوز تقديم مستثنى على المستثنى منه، هذه هذه من فنون النحو ولا علاقة لها فلن نقف عندها.
قوله عليه الصلاة والسلام: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن يميني. أين الاستثناء؟ قوله إن شاء الله، فهو قبل أن يتم الجملة قال: إني والله إن شاء الله، فيقول: يجوز تقديم الاستثناء مع أنه لغة تقول والله لا أحلف على يمين وتقول في الاخير إن شاء الله، فيجوز ذلك، هذا من فنون النحو أيضاً.
قوله في الجملة التالية: ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره، فأيضاً لا علاقة لها بما نحن فيه في الدلالات الفقهية. سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، إبليس كان من الملائكة أو ليس من الملائكة؟ في النص: كان من الجن ففسق عن أمر ربه، فاستثنيناه.
والشر والشرط يجوز أن يتاخر عن المشروط، ويجوز أن يتقدم عن المشروط أيضاً لا أثر له في الدلالات. في آية الموارث جاء الجميع: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ، وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ، ولكم نصف ما ترك. أين العموم؟ ما ترك، كل ما ترك أزواجكم لكم نصفه، ثم خصص بالشرط: إِنْ لَمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ. الشرط هنا جاء قبل العموم أو بعده؟ الشرط جاء قبل المشروط أو بعده؟ جاء بعد: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ، جاء الشرط متأخراً.
أكمل، أكمل الآية: فَإِنْ لَمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ. الآن ماذا بدا؟ الشرط، إذاً قد يتقدم وقد يتاخر والدلالة في الحكم واحد عند الفقهاء.
نعم، ويجوز أن يتقدم عن المشروط، والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق كالرقبة، قيدت بالإيمان في بعض المواضع وأطلقت في بعض المواضع، فيحمل المطلق على المقيد. المقيد بالصفة يحمل عليه المطلق مثل بالرقبة في الإيمان.
انتقل إلى الإطلاق والتقييد والكلام فيه طويل، ضرب مثالاً بالكفارة في عتق الرقبة في بعض المواضع كما في كفارة القتل: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ، قيدت الرقبة بماذا؟ بكونها مؤمنة، فلا تجزئ الرقبة الكافرة. طيب في آية أخرى ذكرت الرقبة: فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا في كفارة الظهار، فهل يجوز أن تقول الرقبة في الظهار يجوز أن تكون كافرة لأن الآية ما قيدت؟ قال هنا الرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع وأطلقت في بعض المواضع، فماذا فعل الفقهاء؟ حملوا المطلق على المقيد، وفي هذا.
تفصيل؛ لأن المتن مختصر ولم يدخل في تفصيله، فنحن نتجاوزه، تفهم أن هذا منهم مبني على قاعدة: أن النص إذا جاء مطلقاً في موضع ومقيد في موضع فيعامل معاملة واحدة؛ لا، طالما اتحاد في السبب وإن اختلف الحكم، أو اتحاد في الحكم مع اختلاف السبب فهي صور متعددة. في مثال الكفارة الحكم واحد، هذه كفارة وهذه كفارة، صحيح؟ السبب هنا قتل والسبب هنا ظهار، لكن في النهاية المؤدى واحد، وهو أداء الكفارة، فجعل ذلك بمثابة الحكم الواحد المنصوص عليه في الدليل.
انتهينا من المخصصات المتصلة وهي ثلاثة، ما هي؟ الاستثناء والشرط والصفة، كلها تفيد تخصيص العموم وأمثلتها كثيرة جداً منتشرة. سنقف ها هنا ونبدأ درسنا القادم إن شاء الله في الأسبوع المقبل، وليس الغد، في الأسبوع المقبل إن شاء الله يوم الأحد، من الحديث عن التخصيص المنفصل وما يتبعه حتى نستكمل ما بقي لنا. أسأل الله لي ولكم علماً نافعاً وعملاً صالحاً يقربنا إليه.
هذا يقول السائل: لم يرد الجمهور على الشافعي في جواز العودة في الهبة برواية ليس لنا مثل السوء؟ أيضاً النص الكلام على التحريم ليس على المنع، المنع مستفاد لكنه من الصون، على التحريم، ويرون أن الصيغة لا تدل بذاتها على التحريم. العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب؟ بعموم اللفظ يقصد؟ والعموم من صفات الألفاظ، لا أبداً، القاعدة: العبرة بعموم اللفظ، فعدنا إلى القاعدة ذاتها، وفقك الله.
هذا يقول: ما عنوان الكتاب الذي بين يدي فضيلتكم؟ هو الذي بين يدي كل الناس الجالسين، شرح ورقات إمام الحرمين رحمه الله. وفقنا الله واياكم لكل خير، والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري