تسجيل الدخول

الدرس الرابع لشرح متن الورقات

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد. أحمده تعالى وأشكره وأستعينه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه، وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فهذا هو لقاؤنا الرابع بعون الله وتوفيقه في شرح ورقات إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمة الله عليه.

والذي تقدم في اللقاءات الثلاثة الماضية، والحديث عن صدر متن الورقات إلى أن وقفنا على حدود المخصصات المتصلة. وحتى نستأنف الليلة بعون الله شيئا يربطنا بما سبق، فانه يتعين أن نذكر أنه بعد أن عرف إمام الحرمين رحمه الله تعالى العام وعرف التخصيص، وهي من المهمات التي تتحتم معرفتها عند طالب العلم الراغب في دراسة علم الأصول، وفهمه والوصول إلى تطبيق مثل ذلك على النصوص الشرعية التي هي مجال علم الأصول ومادته التي من أجله اعتنى الأصوليون بوضع هذه القواعد وضبطها وتقديمها لطلبة العلم.

لست بحاجة إلى أن أعيد التأكيد على أهمية باب العموم والخصوص، وهي لا تقل أهمية عن ضبط واتقان أبواب الأمر والنهي، لأنه ما من نص إلا ويتوجه التكليف فيه بأمر أو نهي. وهذا الأمر والنهي يتعلق في النص ذاته أما بعموم أو بخصوص، فمن ضبطه أتقن جملة النصوص الشرعية التي جاء فيها التكليف، فلا أمر ولا نهي في نص من الكتاب أو من السنة، إلا وفيه صيغة عموم أو خصوص أو تخصيص يربط بين النصين، ومن هنا تتحتم عناية طلبة العلم والفقهاء والناظرين في الأدلة والمجتهدين في النوازل، أقول تتأكد عنايتهم بهذا الباب.

ابتدأنا في منتهى الدرس الماضي بالحديث عن التخصيص والمخصصات، والتخصيص هو كما مر قصر العام على بعض أفراده، أو هو إخراج بعض أفراده. إنه يأتي النص العام بشموله يستغرق جميع الأفراد الذين يتناولهم اللفظ، لولا ورود التخصيص لبقي العموم منتشرا على عمومه، ولبقي النص متناولا لجميع أفراده، فيرد التخصيص، وإذا جاء التخصيص حدد أفراده العام وقلل من انتشاره وجعله متناولا لبعض أفراده. مثلت بقوله تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، فلو وقف النص عند هذا الدلالة وعند هذا اللفظ لصدق تناول الفلاح لكل من دخل في دائرة الإيمان، فلما جاء عقبه قوله تعالى الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، والخاشعون في الصلاة هم أقل من المؤمنين، من عموم المؤمنين، فكان هذا مخصصا، فأصبح حكم الفلاح الذي أقسم الله تعالى بوقوعه لا يتناول المؤمنين جميعا بل المؤمنين المحافظين على الخشوع في صلاته، فكان هذا تخصيصا للفظ المؤمنون.

ولما جاء هذا التخصيص قصره على بعض أفراده وهو تعريف التخصيص، أو أخرج بعض أفراده منه، أخرج غير الخاشعين فلا يتناولهم الفلاح. وهكذا لما جاءت الآية التي تليها وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، هو مزيد تخصيص فأضيف صفة أخرى وقيد آخر، ودائرة أخرى خصصت الخاشعين في الصلاة لأن الخاشعين في الصلاة منهم المعرضون عن اللغو ومنهم الواقعون فيه، تخصصت الآية المؤمنين الخاشعين في الصلاة المعرضين عن اللغو، وهكذا تستمر في باقي النصوص.

أهمية التخصيص تأتي من حيث أن ينظر الفقيه أو طالب العلم أو المجتهد في النص العام فينظر هل مسألته التي هو ينظر فيها، مما هي داخلة في العموم أو تناولها نص خاص، لأنها إن كانت دخلت في العموم فيعطيها حكم العموم، وإن رآها تخرج بنص خاص عليه أن يبحث عن المخصص. المخصصات نوعان متصلة ومنفصلة، الاتصال والانفصال باعتبار ماذا؟ اتصاله بوروده في النص، فإذا جاء النص العام وجاء معه النص الخاص فقلنا هذا مخصص متصل، مثاله آيات سورة المؤمنون قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وهكذا، مثاله وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ، لأن الناس ولله على الناس هذا عموم، فلما قال من استطاع خصص هذا العموم وخصصه بالمستطيعين منهم إِلَيْهِ سَبِيلًا، هذا مخصص متصل.

وقد تقدم أن المخصص المتصل أما أن يكون شرطا، وأما أن يكون صفة، وأما أن يكون استثناء، المخصصات المتصلة ثلاثة أنواع، شرط وصفة واستثناء، وكلها يحصل بها التخصيص. والمخصصات المتصلة لا عناء فيها، لا فيها ليس فيها تعب، لأنها تأتيك في الدليل ذاته مع النص نفسه، وأنت تنظر إلى العموم تجد المخصصة مصاحبا له، فهذه لا عناء فيها، إنما العناء أعني الحاجة إلى النظر والاجتهاد والبحث في الأدلة يأتي في النوع الثاني من المخصصات وهي المنفصلة.

ما معنى منفصلة؟ تأتي في نص آخر، تأتي في آية أخرى، تأتي في حديث آخر. ولما تقول أن النصوص كتاب وسنة، والمخصصات المنفصلة تأتي في دليل آخر فالصور المحتملة أربعة، كتاب وسنة هذان دليلان، وكل منهما قد يخصص بالكتاب أو بالسنة، يعني تكون عندك آية فيها عموم، يأتي التخصيص في آية أخرى أو في حديث، أو يكون العموم في نص من السنة، ويأتي المخصص أما في آية أو في حديث، الصور كم؟ تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة هذه أربعة، بعضهم أضاف إليها تخصيص الكتاب والسنة بالإجماع، وتخصيص الكتاب والسنة بالقياس واعتبر هذه صورا أخرى للمخصصات المنفصلة. المصنف رحمه الله سيذكر الآن هذه المخصصات ونأتي عليها مع ضرب المثال. نعم.

ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب، وتخصيص الكتاب بالسنة، وتخصيص السنة بالكتاب، وتخصيص السنة بالسنة، هذه كم صورة؟ أربعة نعم. وتخصيص النطق بالقياس، هذه الصورة الخامسة، ونعني بالنطق قول الله سبحانه وتعالى وقول الرسول صلى الله عليه وسلم.

طيب نأتي على أمثلة يعني بايجاز وعجلة حتى لا يتأخر بنا عند ضرب المثال. تخصيص الكتاب بالكتاب، قوله تعالى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ. أين العموم؟ المشركات، ما صيغة العموم؟ هذا ليس مفرد مشركات، جمع معرف بأل فيدل على الاستغراق على العموم والشمول، وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ، أي مشركات جاء النهي عن نكاحهم؟ المشركة، يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، ملحدة منكرة لوجود الله، كل أولئك يشتركن في وصف المشركات، حتى أهل الكتاب حتى الكتابيات؟ الجواب نعم، لأن الله قال لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، فجعل المشركين والكفار من أهل الكتاب سواء في وصف الكفر، قال وَلَا تَنْكِحُوا، إذا كانت نصرانية وتقول بعقيدة التثليث هذا عين الشرك.

على كل هذا نص عام، جاء قوله تعالى في سورة المائدة في جواز نكاح أهل الكتاب من اليهود والنصارى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، فالاية أباحتي نكاح المحصنات يعني الحرائر العفيفات من أهل الكتاب، هذا يخالف حكم وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ، فليس لك إلا أن تقول إن هذا مخصص لذلك العموم، فيبقى قوله تعالى وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ يعني مما سواه الكتابيات، فتخرج اليهود والنصارى من الآية ويبقى العموم فيما وراء ذلك، هذا هو التخصيص، قصر العام على بعض أفراده أو إخراج بعض ما تناوله اللفظ، فأنت بهذا أخرجت الكتابيات، هذا مثال لتخصيص الكتاب بالكتاب، تخصيص آية باية.

طيب نأخذ مثالا آخر، وعليكم أن تستخرجوا العموم والخصوص، فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمۡ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ. أين العموم؟ فانكحوا ما يعني كل ما طاب لكم من النساء، هذا العموم لاحظ وغير محدد بعدد، غير محدد بنوع من النساء، غير محدد بوصف هذا عام، لو لم يرد في كتاب الله في النكاح إلا هذه الآية لجعلت شاملة لأي شيء يشتهيه الإنسان في نكاح النساء فيبقى بلا قيد ولا تخصيص ولا ولا.

طيب لما جاء قوله تعالى مثلا حَرُمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ إلى آخر الآية، الآية هذه حرمت وتلك أباحت فانكحوا ما طاب، فهذا التحريم ماذا صنع في ذلك العموم؟ خصص أخرج صنفا من النساء، هذا تخصيص من القرآن بالقرآن.

مثال أخير حتى لا نطيل، قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ. أين العموم؟ الميتة، أي ميتة جاءت تحريم عليها؟ كل ميتة. طيب قوله عليه الصلاة والسلام أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان، فأما الميتتان

السماء السمك والجراد. هذا تخصيص، لكنه تخصيص بماذا؟ كتاب بالسنة. وليس للكتاب بالكتاب. طيب، قوله تعالى والدم أيضا هو عام. صيغة العموم، الاسم المفرد المعرف بال: أي دم هو حرام، كل دم. الآية هنا عامة، كل دم. فلما جاءت آية الأنعام: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا. فالمحرم من الدماء هو الدم، وبقي الدم المتبقي في عروق الحيوان، وفي أثناء لحمه، وما بين شحمه وعظمه، كل ذلك مما هو غير داخل في التحريم، إنما المسفوح أي الخارج بعد الذبح والمراق هو المحرم؛ لأن الله قال أو دماً مسفوحاً.

وهكذا كما تلاحظ أن التخصيص يأتي في نص آخر، فهذا سميناه مخصصاً منفصلاً. تخصيص الكتاب بالسنة، ضربنا له مثالاً قبل قليل: حرمت عليكم الميتة، مع قوله عليه الصلاة والسلام: أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ. مثال آخر: قال الله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكَمْ في النساء، لما ذكر المحرمات الأمهات والبنات والأخوات، قال في نهاية الآية: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكَمْ. اين العموم؟ ما. طيب، هل الآية في سورة النساء من قوله: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلى آخر آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ هل شمل كل أصناف النساء المحرمات؟ شمل الأكثر، لكنك تجد في مثل قوله تعالى: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَذَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ، ذكر من المحرمات بالرضاع: الأمهات والأخوات. طيب، أين البنت بالرضاع؟ أين الخالة بالرضاع؟ أين بنت الاخت بالرضاع؟ ما ذكرت في الآية، قال: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَذَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ. استفدنا تحريم الباقيات بالرضاع من قوله عليه الصلاة والسلام: الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الوِلَادَةُ، أو يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

إذاً نحن خصصنا وأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكَمْ بشيء في آية في القرآن، وبشيء منه في السنة. بل أين في القرآن التحريم عن نكاح جمع المرأة مع عمتها والمرأة مع خالتها؟ هذا ليس في القرآن، لكن نهيه عليه الصلاة والسلام أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها هو تخصيص لقوله تعالى: وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكَمْ، فهو نوع من تخصيص الكتاب بالسنة.

تخصيص السنة بالسنة، وهذا كثير، يعني قوله عليه الصلاة والسلام: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. فيما سقت السماء العشر في الزكاة، يعني الزرع الذي يسقى بماء المطر كم زكاته؟ العشر. أين العموم؟ فيما، في كل شيء يزرع تسقيه السماء يجب إخراج العشر زكاة له. هذا العموم خصص بنصوص أخرى في السنة أيضا، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. فما لم يبلغ النصاب لا زكاة فيه، من أين جئنا بتحديد النصاب؟ من نص آخر، يعني لو قال: فيما سقت السماء ووقف، حتى لو زرعت شجيرة صغيرة وأخرجت ثمرا قليلا تخرج زكاته في قليله وكثيره، فلما جاء قوله: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، خصص ذلك العموم. مثله استثناء الخضروات من الزكاة هو أيضا نوع من التخصيص لذلك العموم.

تخصيص السنة بالكتاب، يُمثل له بقوله تعالى: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ. هذا نص في السنة، وفيه عموم: لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، أنه لا يمكن أن يصلي مصل بغير طهارة حتى يتوضأ، يخصص بمثل قوله تعالى: وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ آية التيمم فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا. فإباحة التيمم وجعله عوضا عن الطهارة في الصلاة هو نوع من التخصيص له. قوله صلى الله عليه وسلم: أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إلى آخر الحديث، مخصص بمثل قوله تعالى في شأن أهل الكتاب: حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ. ورود حكم الجزية في الكتاب هو مثال لذلك.

تخصيص الكتاب والسنة بالقياس، وهو آخر نوع ذكره إمام الحرمين رحمه الله في المخصصات المنفصلة، أن تأتي إلى عموم ورد في القرآن وفي السنة فتخصصه بالقياس، ومثله تخصيصه بالإجماع. خذ مثالا لذلك، قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. أين العموم؟ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي، أيضا فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ، هذا عموم. هذا العموم يتناول الزناة والزواني، أحرارا كانوا أو عبيدا، فانه يتناولهم حكم الجلد مئة. فلما جاء قوله تعالى في سورة النساء: فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ. الكلام على الإماء، وأن حكمهن في حال وقوع الفاحشة ما هو؟ نصف الحد، كم يعني؟ خمسون جلدة. هذا من أي نوع من التخصيص؟ تخصيص الكتاب بالكتاب، تخصيص آية باية. آية النور عامة، واية النساء خصصت الإماء فجعلت لهن نصف ما على المحصنات من العذاب. طيب، أين العبيد؟ ما ذكروا في الآية، ذكر الإماء، ذكر الإناث من الرقيق، ولم يذكر الذكور. فقاس الفقهاء حكم العبيد على الإماء، قالوا: كما خصصت الآية الإماء، فيقاس عليهن العبيد، والوصف المشترك هو الرق الواقع في كل منهما. فصار الحكم أن العبد إذا زنى فإن حده أيضا سيكون على النصف من حد الحر، يعني كم؟ خمسون جلدة. ما الدليل الذي خصص به حد الزاني العبد؟ القياس. إذا هذا تخصيص للعموم بأي دليل؟ بدليل القياس، فهو قاس الذكر على الأنثى في الإماء، وكان المخصص هاهنا هو القياس.

هكذا انتهى رحمه الله مما أراد إيجازه فيما يتعلق بالعموم والتخصيص وأنواع المخصصات. عليك أن تقلب نظرك رحمك الله إذا ما اردت أن تظفر بدربة ومكنة في المخصصات، أن تقلب نظرك كثيرا في النصوص، ثم إذا جئت إلى مسائل الفقه الخلافية وأنت تستعرض أدلة الفقهاء ستجد وفي ثنايا أدلتهم استدلالات متعددة يأتي من بينها عموم وخصوص، وهنا يتفاوت الفقهاء في الوقوف على المخصصات، في النظر في الأدلة والجمع بينها، وهذا ميدان رحب يتفاوت فيه المجتهدون، ويحكمه ضبط الفقيه أو الأصولي أو المجتهد لهذا الباب الدقيق من العلم، باب العموم والخصوص.

الآن ينتقل رحمه الله إلى نوع آخر من دلالات الألفاظ. إلى الآن الذي مر بنا في الورقات: الأمر والنهي والعموم والخصوص. وقد سبق أن قلت لكم: هذان بابان كبيران من أبواب دلالات الألفاظ. كل من يدخل علم الأصول ويتعلم دلالات الألفاظ، يعني كيف يتعامل مع النص في القرآن، مع النص في السنة؟ كيف يقرأ الآية؟ كيف يقرأ الحديث؟ كيف يفهم؟ أكبر القواعد التي تهمه: قواعد الأمر والنهي والعام والخاص، لكن هذا ليس هو كل شيء.

هناك أنواع أخرى من الدلالات تهمك، هي مصطلح على تسميته بالمجمل والمبين والظاهر والمؤول. ما هذا؟ هو الذي سيعرض له الآن رحمه الله، يذكر تعريفه ويضرب مثاله. نعم. والمجمل: ما افتقر إلى البيان. والبيان: إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي. طيب، هذان مصطلحان متقابلان قسيمان. هذا تقسيم آخر للنصوص الشرعية أو للألفاظ، باعتبار وضوح دلالته على الحكم وعدم وضوحه. أنت لما تقف أمام النص، لما تقف أمام أي نص في الشريعة، الآن لا تخلط تقسيم إلى عام وخاص من حيث التناول، التقسيم إلى أمر ونهي من حيث التكليف، الآن دع الأمر والنهي ودع العام والخاص، خذ أي نص وضعه أمامك، آية أو حديث، كل نص يشتمل على حكم، على معنى، دلالة اللفظ على المعنى تنقسم في الوضوح والخفاء إلى درجات. وتقسيمها كالتالي: إما أن يدل اللفظ على معنى واضح محدد لا يختلط بغيره، هذا في أقوى درجات الوضوح. ننتقل الآن من الأعلى إلى أدنى، الدرجة الأولى: أن يدل اللفظ على معنى واضح لا إشكال فيه، ولا تفاوت في الأفهام فيه، النصوص التي فيها أعداد: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا. هل يختلف اثنان في فهم النص هذا؟ من ذي اثني عشر شهرا، هذه ممكن تكون إحدى عشرة ونصف؟ ممكن تكون عشرة؟ ما في، هذا تحديد العدد.

قوله تعالى مثلا في هذه التمتع: فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ. ممكن كان يفهم إنسان أن الثلاثة داخلة في السبعة، يعني ثلاثة زائد أربعة، لكن لما قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ خلاص، هذا واضح تماما، لا يختلف فيه اثنان أن كم يوما يجب على من لم يجد هدي التمتع؟ عشرة، هذا لا خلاف فيه.

هذا النوع من الدلالات هو أوضح الدلالات وأقواها، ويأتي في الدرجة الأولى النص الواضح الذي لا إشكال فيه، ولا تفاوت في فهمه، ولا يدل إلا على معنى واحد، يسمى النص.

دلالة النص، وهذا أقوى الدلالات وأوضحها. وسيأتي الآن: ما فائدة هذا التقسيم؟ الدرجة الثانية أقل منها في وضوح في المعنى وفي فهم متبادر، لكن النص أو اللفظ يحتمل معنى آخر بوجه من الوجوه، إذا هنا تطرق احتمال، لكن نسبة الاحتمال هذه ضعيفة، قليلة.

لكن وجود الاحتمال ولو بنسبة ضئيلة جعله أضعف من الدرجة الأولى. لم؟ لأن الدرجة الأولى لا احتمال فيها والاحتمال فيها واحد، هذه لما ورد فيها الاحتمال ولو بنسبة ضئيلة جزئية أصبحت الدلالة فيها أضعف، ويسمى هذا دلالة الظاهر، لأنه ظهر من اللفظ هذا المعنى وتبادر منه.

لكن لما لم يكن مقطوعاً به كالدرجة الأولى سمي بالظاهر. إذا الأول ما هو؟ دلالة النص، واضحة الدلالة. الثاني ما هو؟ الظاهر. طيب هذا الظاهر، هو عندما يتطرق احتمال كما قلت، فلما تأخذ المعنى الظاهر والمتبادر سميناه الظاهر.

إذا تركت هذا المعنى الظاهر وأخذت بالمعنى البعيد فانت عندئذ تركت ما هو ظاهر في اللفظ وانتقلت إلى المعنى البعيد، واحتجت إلى أن تأول النص أو اللفظ لتحمله على ذلك المعنى، فيسمى هذا المؤول. إذا نص فظاهر فمؤول.

الدرجة الأخيرة من الألفاظ هي التي لا يتضح معناها وتحتاج إلى بيان من دليل آخر، وتحتاج إلى لفظ آخر، إلى نص آخر يبينها يوضحها يكشف إجمالها، ويسمى المجمل. فالمراتب إذاً أربعة.

نعيدها: الأول النص، الثاني الظاهر، الثالث المؤول، الرابع المجمل. هذا الترتيب بحسب ماذا؟ بحسب الوضوح والخفاء. فأوضح الدلالات ما هو؟ وأخفاها ما هو؟ ممتاز.

ويقع بينهما الظاهر والمؤول؛ الظاهر أقرب إلى الوضوح والمؤول أقرب إلى الخفاء، ممتاز. هذه أربع مراتب، كل النصوص الشرعية بلا استثناء التي فيها أحكام يمكن أن توزعها على هذه الأربعة المراتب.

إاما أن تكون واضحة غاية الوضوح لا لبس ولا إشكال ولا تفاوت في الأفهام، فهذه مرتبة النص. وإاما أن تكون أقل منها درجة، يتطرق إليها احتمال وإن كان احتمالا بعيداً، فإذا أخذت بالمعنى المتبادل المعنى الظاهر فهذا الظاهر.

إذا تركت هذا المعنى الظاهر إلى المعنى المرجوح، إلى المعنى البعيد، واحتجت أن تستند فيه إلى دليل، فأنت أولت وانتقلت إلى المعنى الآخر فهو المؤول. إذا وصلت إلى درجة من الدلالات لا يتضح لك فيها المعنى إلا باستعانتك بدليل آخر، فأنت عندئذ أمام مجمل.

هذه المراتب الأربعة سيأتي التمثيل عليها، إذاً: نص، ظاهر، مؤول، مجمل. تعال نقسمها بطريقة أخرى، هي هي لن تختلف، لكن رتبتها لك الآن بحسب القوة إلى الضعف. أنت تقول: اللفظ إما أن يدل على معنى واحد أو على أكثر من معنى.

فإن دل على معنى واحد فهو نص. طيب، إن دل على أكثر من معنى له احتمالان، إن دل على أكثر من معنى فله احتمالان؛ الاحتمال الأول: أن يدل على معنيين أو أكثر بالتساوي ولا وضوح لأحدهما على الآخر، هذا المجمل الذي لا يتضح فيه المعنى المراد. وأما أن يترجح فيه أحد المعاني على الآخر، فالراجح ظاهر، المرجوح مؤول، ممتاز.

هنا ابتدأ رحمه الله فعرف المجمل: المجمل ما يفتقر إلى البيان، لا تستطيع أن تعمل به حتى يأتيك نص يبين لك المعنى المراد. قوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ. كم عدة المطلقة؟ ثلاثة قروء.

القروء: حيض أو أطهار؟ اللفظ محتمل، يعني هو لغة يفيد هذا المعنى ويفيد ذلك المعنى. القرء في لغة العرب هو الحيض، والقرء في لغة العرب أيضاً هو الطهر، وحملك للفظ على معنى ليس بأولى من حمله على المعنى الآخر. ما هذا إذاً؟

لاحظ: اللفظ احتمل معنيين، هل هو أرجح في أحدهما من الآخر؟ متساويان، إذاً هو مجمل. وعندئذ لما يكون مذهبك حنفي وحنبلي وقلت: ثلاثة قروء معناها ثلاثة حيض، وكان الآخر شافعي ومالكي قال: لا، هي ثلاثة أطهار، أيُّهما أولى بالدليل أنت أم هم؟ لا أنت ولا هم.

إذاً لا يصلح، لما اختلف أنا وإياك في مسألة العدة في المرأة المطلقة وأقول لك إنه الحيض وتقول لا بل هو الطهر، فأستدل عليك بقوله تعالى: وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ، وماذا؟ لا ينفعك الدليل، لأنه كما تستدل به أنت أستدل به أنا، إذاً ماذا سنفعل؟ سنحتاج إلى دليل آخر، هذا هو الإجمال، الإجمال الذي يفتقر إلى البيان احتاج إلى دليل آخر.

مفهوم هذا؟ طيب، مثال آخر: وأقيموا الصلاة، أين الإجمال فيه؟ الصلاة مجمل، كيفية الصلاة وصفتها هل هذا النص تناولها؟ لا، إذاً تحتاج أن تبحث عن دليل آخر: ما الصلاة التي أمر الله بها؟ فتجدها مبينة في نصوص أخرى.

آتوا الزكاة، كم المقدار الواجب؟ ما المطلوب؟ ما الشروط؟ النص هذا ما تناولها، واضح؟ فهذه أمثلة للإجمال. لاحظ مع الإجمال أحياناً يكون في المعنى مثل ثلاثة قروء، وأحياناً يكون في الصفة أقيموا الصلاة ولا تدري كيف هي، وأحياناً يكون في المقدار آتوا الزكاة ولا تدري كم هو.

إذاً الإجمال أيّاً كان موضعه بما لا يجعلك تستطيع تعمل باللفظ وتطبقه، إذاً أنت أمام نص مجمل وتحتاج إلى دليل آخر، ولهذا قال: المجمل ما يفتقر إلى البيان.

قال: والبيان إخراج الشيء من حيز الاشكال إلى حيز التجلي. عندما تنجح في أن تستعين بلفظ بنص آخر يوضح لك الاشكال يرفع منك الإجمال، إذاً أنت وجدت ماذا؟ البيان.

قال: أقيموا الصلاة ثم وجدت صلاته عليه الصلاة والسلام يرويها أصحابه وهو يقول: صلوا كما رأيتموني أصلي، هذا النص الذي وضح صفة الصلاة نعتبره بياناً. بيانه عليه الصلاة والسلام الذي قال الله عنه: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ. فكانت سنته صلى الله عليه وسلم بياناً.

بيانه كان يحصل بالقول ويحصل بالفعل، بالقول إنه مثلاً يقول: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً. وشرح للرجل صفة الصلاة، ماذا صنع عليه الصلاة والسلام؟ ماذا فعل؟ بين له بماذا؟ بقوله.

وفي مرة أخرى صعد المنبر فكبر وصلى وركع ورفع، لما جاء للسجود نزل القهقرى حتى نزل فسجد في أصل المنبر ثم عاد، ولما أكمل صلاته قال: إنما صنعت هذا لتعتموا صلاتي، أو لتعلموا صلاتي. ماذا صنع عليه الصلاة والسلام؟ بين بالفعل وهي الصلاة.

فتارة بينها بالقول وتارة بينها بالفعل، وهكذا في كل مجمل جاء في القرآن والسنة وقع بيانه صلى الله عليه وسلم أما قوالاً وأما فعلاً وأما إشارة. قول وفعل وإشارة، قال عليه الصلاة والسلام: الشهر هكذا وهكذا وهكذا، يعني كم؟ ما تكلم، أنتم فهمتم أنها ثلاثين.

وفي لفظة وفي مرة أخرى قال: والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وقبض أصبعه في الثالثة يعني تسعة وعشرين. قال: نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر هكذا وهكذا وهكذا، فبين بالإشارة عليه الصلاة والسلام.

فحصل بيانه بكل نوع؛ بالإشارة وبالقول وبالفعل، كل ذلك منه بيان عليه الصلاة والسلام. طيب والنص؟ والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، مثل: تلك عشرة كاملة، إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً، في كفارة اليمين: فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم، نعم.

وقيل: ما تأويله تنزيله؟ وهو مشتق... ما تأويله تنزيله؟ يعني قيل في تعريف النص: ما تأويله؟ يعني ما فهمه بمجرد النزول، يعني منذ أن تفهم تسمع النص يحصل لك الفهم، لكن هذا التعريف ليس دقيقاً لأنه يشمل الظاهر أيضاً، فإن الظاهر له معنى متبادر، والتعريف الأول أنسب، نعم.

وهو مشتق من منصة العروس وهو الكرسي، والظاهر ما احتمل أمرَيْن أحدهما... منصة العروس وهو الكرسي الذي ترتفع عليه العروس فيراها الناس، لأنها يعني يتضح بروزها بين الحاضرات بجلوسها على ذلك الكرسي، فسمي النص أيضاً لوضوح المعنى المتبادر فيه والذي لا يحتمل معنى آخر، نعم.

الظاهر: والظاهر ما احتمل أمرَيْن أحدهما أظهر من الآخر، الظاهر ما احتمل أمرَيْن ما احتمل معنيين أحدهما أظهر من الآخر. إذاً هنا معنى ظاهر، هناك معنى آخر، المعنى الظاهر هو الذي سمي به هذا النوع من الدلالة: دلالة الظاهر.

لكن ليس بالضرورة ان يحتمل معنيين يا اخوة يمكن يحتمل اكثر من معنى، ولهذا قال بعضهم ما احتمل معنيين فاكثر هو في احدها اظهر. واحتمل معنيين فاكثر هو في احدها اظهر نعم.

ويؤول الظاهر بالدليل ويسمى الظاهر بالدليل، وهذا هو التأويل. الظاهر يؤول بالدليل. ما معنى يؤول؟ يحمل على معنى اخر غير المعنى ها غير المعنى الظاهر، غير المعنى المتبادر ويسمى هذا ظاهرا بالدليل. يعني لم يظهر الا باستعانتك بدليل اخر، هذا النوع يسمى التأويل.

اه امثلته كثيرة جدا وتطبيقاته في النصوص الشرعية ايضا متعددة، لكن ها هنا قواعد كثيرة ليس مكان هذا المختصر شرحها. ما ضابط التأويل؟ ما شروطه؟ لان التأويل منه تأويل صحيح ومنه تأويل فاسد.

الصحيح هو ما استند الى دليل صحيح، وله تطبيقات فقهية واخرى عقدية، وبابها كبير جدا حسبي ان اشير الان الى. لما خلاف الفقهاء مثلا في الوضوء من اكل لحم الابل؟ يقول الحنابلة هو وضوء ويجب، لانه عليه الصلاة والسلام لما سئل يتوضأ من لحوم الابل قال نعم.

قال الجمهور المخالفون للحنابلة متى صح عندهم الحديث؟ اجابوا عنه بتأويل. ليش؟ لانه عندهم نص اخر كان اخر الامرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. قالوا فيشمل لحم الابل وغيره، يحتاجون الى جواب عن حديث الوضوء من لحم الابل. قال لا هذا الوضوء لا يراد به الوضوء الشرعي الكامل، يراد به غسل الفم والمضمضة بعد اكل لحم الابل، فانه ايضا يسمى وضوءا.

لكنه معنى بعيد ليس هو المتبادر، فلما كان معنا بعيدا صار حمل اللفظ عليه يسمى تأويلا. اذا اول الجمهور وحديث الوضوء من لحم الابل وحملوه على معنى المضمضة وغسل الفم، لغة له وجه لكنه بعيد وغير متبادر غير ظاهر. والحنابلة حملوه على الظاهر والاخرون اولوه.

ولك ان تقيس على هذا امثلة كثيرة يعني قال الجمهور لا نكاح الا بولي. وهذا النهي كما تقدم في درس سابق يقتضي الفساد، فاي نكاح وقع بلا ولي حاضر في العقد فهو نكاح باطل. يصحح الحنفية النكاح بلا ولي ولهم تأويل في هذا الحديث، فقالوا لا نكاح يراد به النكاح الكامل، لكنه لو وقع بغيره صح النكاح وان كان ناقصا هذا نوع من التأويل في الدلالة.

تأتي للفظ اخر ايما امرأة نكحت نفسها بغير اذن وليها فنكاحها باطل. اول الحنفية لفظ امرأة في النص قالوا المقصود به الامة فقط هي التي لا تنكح نفسها الا باذن سيدها اما الحرة فلها ذلك، ماذا صنعوا؟ جاءوا للفظة امرأة فحملوه على معنى الامة. هذا هل معنى ظاهر او بعيد؟ اذا حمل اللفظ عليه ماذا يسمى تأويلا؟ اذا هم اول لفظ ايما امرأة نكحت نفسها وحملوه على المعنى البعيد فصار هذا تأويلا. هذا الباب كبير جدا بين الفقهاء.

ولن تجد مسألة فيها خلاف فقهي واستند احد الفريقين الى دليل وقابله دليل اخر الا ويحتاج جوابا عن هذا الدليل. هذا الجواب تارة يكون بجمعه مع الدليل الذي عنده، وتارة يكون بتأويله بوجه من الوجوه. المهم لا يسعك وانت فقيه وانت طالب علم ان تعرض النظر عن دليل لا يساعدك على قولك، لا يدل على مذهبك.

عليك ان تجيب عنه هذا دليل وانت يجب ان تنصاع له وان تأتمر له وان تقف عند حده، فيأتي هذا الباب وله شروط كثيرة وله ممارسات متعددة. باب التأويل كبير كما قلت ويذكر الاصوليون فيه شروط، ويذكرون فيه امثلة العقيدة كذلك ما وقع التأويل في نصوص الكتاب والسنة بالذات في صفات الباري جل وعلا الا من هذا الباب.

يعني قالت المؤولة سواء كانوا معتزلة او اشاعرة او جهمية او غيرهم ممن انكر باب الصفات ما رد النصوص ولا رفضوها لان من رد نصا فقد كفر. طيب ماذا يقول المعتزل وهم ينفون الصفات جملة؟ ماذا يقولون شاعرهم ينفون الصفات عدا السبع او العشرة الصفات الذاتية؟ يأولون فيأتي الى كل نص فيها اثبات صفة لله فيحملها على معنى اخر هذا تأويل ينزل ربنا الى السماء دنيا قال اي تنزل رحمة ربنا، ولا ينسب النزول الى الله حقيقة.

بل يداه مبسوطتان اي فضله ونعمته وليست اليد الحقيقية، لما خلقت بيدي اي بقدرتي، وجاء ربك والملك صفا صفا. جاء امر ربك وهكذا، في كل نص فيها اثبات صفة لله جل وعلا يحملها على معنى اخر. المعنى الاخر الذي حملوه عليه معنى محتمل، ليس مرفوضا، لكن هذا الاحتمال هو ليس كل شيء. شروط التأويل اولا ان يتعذر الحمل على المعنى الحقيقي الا يكون له وجه. ثانيا ان يكون المعنى الاخر الذي يحمل عليه اللفظ تأويلا معنى سائغ. ووارد وثابت في اللغة. ثالثا وجود الدليل الذي يساعدك على التأويل لان اي تأويل بلا دليل يعتبر هوى وتشهيا وعبثا في النصوص الشرعية يجب ان تنزه عنه الادلة.

طيب اقرأ. فعل صاحب الشريعة لا يخلو اما ان يكون على وجه القربة والطاعة او غير ذلك، فان دل دليل على على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وان لم يدل لا يختص به لان الله تعالى يقول لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة. طيب هذا باب جديد افعال الرسول صلى الله عليه واله وسلم وهو نوع ايضا من فهم النصوص والدلالات في الالفاظ.

اذا كل الذي تقدم كان فهما للاقوال، امر نهي عام خاص مطلق مقيد مجمل مبين ظاهر مؤول كل تلك التقسيمات لماذا؟ تقسيمات لاي شيء؟ تقسيمات للألفاظ للأقوال. ماشي لكن عندنا نوع اخر في السنة ليس اقوالا بل هو افعال، الأفعال هذه من نقلها ومن رواها الصحابة رضي الله عنهم؟ هل تحفظ مثالا لذلك؟ حديث ليس فيه قول فيه فعل، هل تحفظ مثالا لذلك؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي تكفؤا، سها فسجد عليه الصلاة والسلام، كان اذا دخل الخلاء قال اللهم اني اعوذ بك من الخبث والخبائث. صفة وضوءه ما قال شيء لكن الصحابة قال فاخذ الاناء فاكفأ بيديه على اناءه فغسلهما ثلاثا الى اخر الحديث. هذا كثير جدا، كان الصحابة يرصدون افعاله عليه الصلاة والسلام فينقلونها للامة.

سؤال هل هذا النوع من النصوص في السنة كثير او قليل حكاية الافعال؟ كثير جدا، ليست باقل من الاقوال كثيرة جدا، ولهذا صرنا بحاجة الى العناية بهذا النوع من الادلة ايضا. واحتاج الاصوليون الى ضبط هذه المسائل ايضا بقواعد. قال لك فعل صاحب الشريعة يعني النبي عليه الصلاة والسلام لا يخلو الان هذا تقسيم، اما ان يكون على وجه القربة والطاعة والقسم الاخر ماذا سيكون؟

او لا يكون على وجه القربة والطاعة، واخر هذا القسم لانه فرع الاول، فتابع معي التقسيم. اما ان يكون على وجه القربة والطاعة او لا يكون، فان كان على وجه القربة والطاعة ينقسم الى قسمين اما ان يدل دليل على الاختصاص به او لا يدل دليل على الاختصاص به. من يعيد لي هذا التقسيم؟ تقسيم فعل النبي عليه الصلاة والسلام ها، اما ان يكون على وجه القربى والطاعة واما ان لا يكون على وجه القربى العادة. طيب.

الذي على وجه القربة والطاعة اما ان يكون خاصا به صلى الله عليه وسلم ويدل على ذلك دليل او او لا يكون خاصا به صلى الله عليه وسلم. فكم نوعا حصل؟ سلامات. والثاني كم نوع؟ ما تقسم كم نوع صرنا فيه؟ ثلاثة.

اما ان يكون فعلا يدل على فعل طاعة وقربى وهو خاص به عليه الصلاة والسلام هذا واحد، او يكون فعلا يدل على القربة والطاعة وهو ليس خاصا به صلى الله عليه وسلم او يكون فعلا غير دال على الوجه القربى والطاعة فعل من افعال العادة هذه ثلاثة اقسام. سيعطي لكل واحدة من الصور الثلاث حكما خاصا بها. قال فعل صاحب الشريعة لا يخلو اما ان يكون على وجه القربة والطاعة. هذا النوع الاول الذي سينقسم الى صورتين، فان دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص.

مثل ماذا؟ مثل وصاله صلى الله عليه وسلم في الصيام. ما معنى الوصال؟ مواصلة الليل بالنهار في الصيام، ونهى عن الوصال قالوا انك تواصل يا رسول الله قال اني لست كهيئتكم. اني ابيت يطعمني ربي ويسقيني.

ماذا وجدنا الآن؟ وجدنا دليلاً يدل على الاختصاص. فلو قال راوي: واصل النبي عليه الصلاة والسلام، وجدنا دليلاً يحكي أنه كان يواصل الصيام، لن نقتدي به في هذا؛ لما؟ وجدنا دليلاً خاصاً به. نكاحه عليه الصلاة والسلام أكثر من أربع لا يُقتدى به؛ لأن هذا خاص به عليه الصلاة والسلام. لكن حتى تحمل الدليل على الخصوصية به ماذا تحتاج؟ نحتاج دليلاً على تخصيصه. ليش؟

لانه خلاف الأصل. ما الأصل؟ أن أي فعل يصدر عنه صلى الله عليه وسلم فهو تشريع للأُمَّة؛ لقوله تعالى: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. الأصل في أفعاله الخصوصية أو التشريع؟ التشريع. فماذا متى وجدنا دليلاً قلنا هو خاص به صلى الله عليه وسلم؟ يحتاج إلى ماذا؟ نحتاج إلى دليل. ولهذا لما يختلف الفقهاء في بعض المسائل فيزعمون في بعض الأدلة ما يجدون جواباً، فيقول: لا، هذا خاص به صلى الله عليه وسلم. إذا جئت إلى هذا الجواب عليك أن تأتي بدليل.

مثال: نهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول، مع حكاية ابن عمر أنه رآه يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة. أحد الإجابات عن هذا الدليل عند بعض الفقهاء: الخصوصية، هذا خاص به صلى الله عليه وسلم؛ يعني يجوز له ولا يجوز لغيره. هذا الجواب يعتبر جواباً ضعيفاً؛ لما؟ ما في دليل على الخصوصية.

إذاً، هذا المسلك لما يأتي فقيه إلى أي حكم في أي نص، ويحاول أن يحمل الدليل على الخصوصية، يحتاج دليلاً، وإلا كان مسلكاً ضعيفاً. ثم ها هنا لما أقرأ مثل هذا الجواب سأستبعده وأعتبر غيره من الإجابات أقوى؛ لأنه ما في دليل يدل على الخصوصية. كذلك بعض أفعال الحج لما ينقل فعله عليه الصلاة والسلام في بعض الأشياء، في بعض الأعمال في الحج أنه فعل، فإن هذا لا يدل على الخصوصية إلا بدليل.

قال: فإن دل دليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص، وإن لم يدل لا يختص به؛ لأن الله قال: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. قبل أن ننتقل الآن إلى القسم الثاني الذي لا يحمل على القربى، سنتكلم قليلاً عند هذا النوع من الأفعال الذي لا يختص به عليه الصلاة والسلام، وهو على وجه القربى والعادة. قلنا ما حكمه؟ تشريع للأُمَّة، ممتاز. كلمة تشريع هذي عامة. سؤال: فعله صلى الله عليه وسلم في هذا النوع من الأفعال، هل يدل على الوجوب أم استحباب أم إباحة؟ هذا مهم وفيه تطبيقات كثيرة.

يعني بمجرد أن تسمع الصحابي يقول: فعل صلى الله عليه وسلم كذا، والباب باب عبادات، سؤال: هل تحمل هذا على الوجوب؟ ما في قول في فعل حكاية فعل. ها هنا مذاهب سيحكيها إمام الحرمين رحمه الله. نعم، وإن لم يدل لا يختص به؛ لأن الله تعالى يقول: لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا. ومن بعض أصحابنا من قال: يحمل على الندب، ومنهم من قال: يتوقف عنه.

كم قولا ذكر في المسألة؟ ثلاثة وثمة رابع، هو القول بالإباحة. أربعة مذاهب: هل يحمل قوله فعفواً هل يحمل فعله على الوجوب، على الاستحباب والندب، أم على الإباحة؟ وهناك من توقف فيه. من توقف؛ يعني لم يختر قولا من هذه الأقوال، واحتاج أن ينظر في دليل آخر. والمسألة محل خلاف كبير بين الفقهاء.

وهناك قول يخرج به من هذا الإشكال، وهو أن فعله صلى الله عليه وسلم إن كان بياناً لشيء من أقواله فإن ذلك يحمل على حكم ذلك القول. طبعا ومن أشهر تطبيقات مثل هذه المسألة أفعاله عليه الصلاة والسلام في الحج، هذه مسألة مهمة. كل شيء فعله في الحج، هل هو واجب؟ إذا قلت لا، ما الضابط؟ لماذا تقول إن رمي الجمرات واجب والمبيت في منى يوم ثمانية سنة؟

لماذا قلت إن المبيت في منى ثمانية سنة وأيام التشريق واجب، والحنفية يعكسون؟ لماذا تقول المبيت في مزدلفة ليلة العيد واجب، والظاهرية يقولون ركن؟ ما ضابط هذا؟ هذا محل خلاف كبير الحقيقة بين الفقهاء وبابه كبير وواسع وتفصيلات المسألة أيضاً فيها، لا يسعفك فيها أن تضطرد فيها على قاعدة واحدة.

أفعال صلى الله عليه وسلم لها دلالة، لكن تارة تكون الدلالة هي الوجوب، وتارة تكون الدلالة هي الاستحباب، فعندئذ تحتاج إلى مؤازرة هذه الدلالة بغيرها من النصوص الشرعية. الإمام الجويني رحمه الله أورد رؤوس الأقوال في المسألة، وعلى طريقتنا في شرح المختصرات أن نفيض ولن نستطرد في ذكر أدلتها والترجيح بيننا؛ لأن هذا سيخرجنا عن القصد فيه.

نعم، وإن كان فإن كان على وجه غير القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا. هذا القسم الثاني اللي من بداية التقسيم قلنا: إما على وجه القربى وإما إيش؟ يعني على غير وجه القربى والطاعة، أفعال العادات؛ مثل ماذا؟ أكله وشربه صلى الله عليه وسلم؛ يعني أكله باليمين مثلاً وتنفسه ثلاثاً في الشراب. لا، نوع الأكل ماذا كان يأكل؟ ماذا كان يحب؟ كان يحب الحلو البارد، كان عليه الصلاة والسلام يعجبه كذا، كان يحب الدباء، هذا الذي نقصده.

نومه، على ماذا كان ينام؟ على حصير، على فراش، على وسادة، هذه التي نقصدها في أفعال العادات. لباسه: نلبس إزار ورداء، يلبس حلة حمراء، يلبس العمامة، يلبس الخاتم، هذه التي نقصدها بأفعال العادات، ليست على وجه القربة والطاعة. فيحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا؛ في حقه لأنها أفعال عاداته عليه الصلاة والسلام ويفعل ما أبيح له، وفي حقنا سيكون استفادتنا في الحكم من ذلك الفعل حكم؛ يعني لما ثبت عندنا أنه كان يلبس كذا، ويأكل كذا، ويشرب كذا، ما حكم هذا الأكل وهذا الشرب وذلك اللباس وذلك الركوب وذلك؟ ما حكمه؟ مباح.

كل فعل ينسب إليه صلى الله عليه وسلم على غير وجه القربة والطاعة، الحكم المستفاد منه في حقنا ما هو؟ الإباحة. ما حكم ركوب البغلة؟ ما حكم اتخاذ الفرس؟ ما حكم استعمال كذا؟ ما حكم أكل كذا؟ ما حكم شرب كذا؟ ما حكم لبس الخاتم؟ ما حكم لبس العمامة؟ هذه العادات هي التي تقال فيها، يستفاد منها حكم الإباحة.

تبقى هنا يعني من المهمات التنبيه على مسألتين. المسألة الأولى: الأفعال التي يفعلها صلى الله عليه وسلم وقلنا يستفاد منها الإباحة، وقلنا يستفاد منها الإباحة هي الأفعال كما قلت التي تأتي على غير وجه التعبد. خلاف الفقهاء ليس هنا. خلاف الفقهاء في بعض الأفعال هو: هل تندرج في قسم العادات أو تندرج في قسم القربات والطاعات؟ مفهوم. ومن قال أنها عبادة سيعطيها الاستحباب أو الوجوب، ومن قال هي عادات سيعطيها حكم الإباحة.

خذ مثالاً: كان عليه الصلاة والسلام إذا انتهى من قيام الليل وصلى سنة الفجر اضطجع اضطجاعة خفيفة قبل صلاة الفجر. ما حكم هذا الاضطجاع؟ هل هو تدخله في حكم العبادات؟ يعني هو متصل بصلاته القيام والوتر وسنة الفجر والفجر بعدها، فتقول هو متصل بالعبادة، فتقول من صلى سنة الفجر يضطجع بعدها هذا من السنن؟ هل هذا سنة، أو تقول هو مباح؟ مباح.

لكن شيخ الإسلام رحمه الله له يعني لفتة لطيفة يقول: من استن به في طريقته في قيام الليل سن له أن يضطجع هذه الاضطجاعة؛ يعني من كان مثله يقوم آخر الليل ويصلي إحدى عشرة ركعة ويوتِر، ثم يدركه الفجر ويصلي السنة، من السنة في حق هذا أن يضطجع اضطجاعة خفيفة قبل قيامه للفجر. لكن واحد نايم لين الفجر ويا الله أَقَهْر وصلى السنة، بيضطجع يطبق سنة قبل لا يقوم لصلاة الفجر؟ هذا لا يقال إنه سنة أبداً.

هذا خلاف. لبس العمامة: هل هو من قبيل العادات؟ فتقول هو مباح. أو تقول هو من السنن الآداب التي هي لباس المسلم وهيئته، فتدخل في السنن. لبس الخاتم: هذا وقع فيه خلاف بين الفقهاء؛ هل هذه سنن يستحب فعلها، أو هي مباحات؟ الخلاف هنا ليس في القاعدة، الخلاف في ماذا؟

في تصنيف الأفعال هل هي عبادات أو عادات؟ فإذا قلت أنها عبادات نزلناها على النوع الأول، وإذا قلت أنها عادات نزلناها على النوع الثاني. التنبيه الآخر وهو مهم، إذا اتفقنا أن فعلاً من الأفعال ليس من العبادات بل هو من العادات فما حكمه؟ الإباحة، ما حكمها الشرعي؟ ثواب عقاب؟ يستوي الطرفان، لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا في تركه. فلو جاء مسلم وقال: أقتدي في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبس العمامة واتخذ الخاتم ولبس شيئاً وأكل شيئاً وبدأ يقتدي به عليه الصلاة والسلام في أفعال العادات، فقهياً ستجول هذه مباحات لا ثواب فيها، لأنه ما فعل سنة، فعل أمراً مباحاً، فقهياً هكذا يقال.

لكن إذا كنت تسأل: هل لصاحبه ثواب؟ وهل يجزئه ذلك؟ يعني أنس يقول: حضرت طعماً قدم بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام، فرأيتُه يتتبع الدباء من حول الصحفة، فما زلت أحب الدباء من يومئذ. تقرأ في شمائلي وفي سيرته فتقف على أشياء: كان يعجبه الحلو البارد، كان يعجبه من الشراب كذا، كان يأكل كذا، فأصبحت تحاول أن تفعل هذا في حياتك حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ورغبة في التشبه به في سائر شؤونك وفي حياتك عامة. هل يسعك أن تقول هذا إنسان خارج الأجر والثواب ولا يفعل إلا مباحات ولا أبدا؟

إذا كان الدافع هو المحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والرغبة الكاملة، يعني لما جاء للعبادات الرجل استوفاها، طبق السنن، مجتهد في السنن العبادات الصلاة في الصيام في الطهارة، حريص على أن يطبق كل سنة يتعلمها، لما جاء إلى هذا الباب انطلق فيه يحاول أن كل شيء ثبت عنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يطبقه. مثل هذا ستجول له: هنيئاً لك، ليس أجر هذه الأفعال بل ما هو أعظم من ذلك، شيء يتعلق بالإيمان، هو الإيمان الصادق، هو الحب التام، هو الطاعة التي لا حدود لها. على هذا يتنزل فعل السلف، ابن عمر رضي الله عنهما يقول مولاه نافع كما ذكره الذهبي في السير، يقول: لو رأيت إلى ابن عمر في تتبعه لسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه لقلت هذا مجنون. هكذا يقول مولاه نافع، تقول: تقول هذا مجنون، بشدة تحريه واتباعه. إذاً هو كان يتجاوز سنن العبادات إلى أفعال إلى هيئات إلى أوصاف.

على هذا يتنزل فعل أحمد رحمه الله لما اشترى جارية وسماها ريحانة، يقول وليس له حاجة إلى التسري، إنما أراد أن يتشبه أن تكون عنده جارية واسمها على اسم جارية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا ناداها قال: يا ريحانة، يحب أن يكون في حياته ولو يوماً يشبه فيه النبي عليه الصلاة والسلام أن نادى جارية يملُكها تسمى ريحانة. هذا مبلغ آخر بعيد يا أخوة، كبير، أكبر من مسألتنا التي نتكلم عنها مباح أو سنة أو واجب، هذا مسلك بعيد ارتقى إليه سادات السلف.

روى الإمام أحمد أيضاً رحمه الله لما احتجم ذات يوم فأعطى الحجام ديناراً، فقيل له: هذا كثير يا أبا عبد الله. قالوا: روينا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه احتجم وأعطى أبا طيبة الحجام ديناراً. يحب أن يقتدي ولو مرة في حياته في موقف من المواقف ثبت عنده أن يتشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم. القصة الأعجب لما اختبأ في دار تلميذه أبي بكر بن هاني في قصة القول بمحنة الخلق بخلْق القرآن، مختبأ عنده ثلاثة أيام، قال: أبغني مكاناً آخر أنتقل إليه. قال: أين تذهب الآن؟ الطلب الشديد والرصد متتابع، يعني لا يسعك الخروج. قال: إن فعلت أفدتك. فبحث له عن موضع آخر، فلما انتقل إليه قال: الفائدة يا أبا عبد الله؟ قال: تذكرت أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما اختبأ في غار الثور في الهجرة كمل ثلاثة أيام ثم انتقل، أحببت أن أفعَل مثله.

هذا الموضع الذي تفكر فيه تلك العقول حتى في ساعات الحرج والشدة والكرب، أن يشبه في فعله فعل النبي عليه الصلاة والسلام. هذه ليست سنة على المصطلح الفقهي بالعبادات، ليست سنة لكنها مسلك آخر أشرف من هذا وأكبر. ثم قال عبارة رائعة رحمه الله نقلها الذهبي وغيره، قال: وليس ينبغي أن تتبع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرخاء وتترك في الشدة. وأصلاً لهذا باب كبير للسلف في العناية بالسنة وتطبيقها، رحمة الله عليه.

بسم الله الرحمن الرحيم. الإقرار. واقرار صاحب الشريعة للقول هو قول صاحب الشريعة، واقراره على الفعل كفعله. وأقرار صاحب الشريعة عن القول هو قول صاحب الشريعة، واقراره على الفعل كفعله. هذه مسألة جديدة هي مسألة الإقرار. اقراره صلى الله عليه وسلم على القول ينزل منزلة قوله، واقراره على الفعل ينزل منزلة فعله. والادق من هذا أن تقول: اقراره صلى الله عليه وسلم على قول يقع بين يديه أو على فعل يقع بين يديه يدل على المشروعية، وأمثلة هذا كثيرة.

أقر عليه الصلاة والسلام أبا بكر بقوله باعطاء سلب القاتل لقتيله، لقاتله. سلب القتيل لقاتله. أقر عليه الصلاة والسلام أكل لحم الضب وأكل بين يديه. أقر عليه الصلاة والسلام الرجل الذي كان يقرأ ويؤم في الصلاة فيختم بقل هو الله أحد. اقراراته عليه الصلاة والسلام هي بمثابة الفعل الصادر عنه الذي يدل على الجواز. نعم.

وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. هذه مسألة أخرى. ما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره. إذا علمه بوقوع شيء واقراره عليه كأنه فعل بحضرته. ما فعل في وقته صلى الله عليه وسلم في غير مجلسه وعلم به بهذا القيد ولم ينكره فحكمه حكم ما فعل في مجلسه. ولها قصة في حلف أبي بكر رضي الله عنه مع أضيافه، لما خرج فترك ابنه عبدالرحمن وأمره أن يضيفهم، فقال الضيوف: لا نأكل حتى يأتي صاحب البيت وأقسموا على ذلك، فجاء أبو بكر فغضب لما رآهم لم يأكلوا وسألهم: ما منعكم؟ قالوا: ننتظر. قالوا: والله لا أكلنا طعاماً الليلة. فقال: والله لا أكلنا حتى تأكل. فأقسم وأقسموا، ثم قال: والله ما رأيت شراً كاليليلة. فمد يده فأكل وأكلوا. فأتى يستفتي النبي عليه الصلاة والسلام فيما حصل وخاف أن يكون بذلك حنف، فقال: يا رسول الله بروا وحدثت، يعني حلفوا ومشت يمينهم وأنا حلفت وخالفت، فقال: بل أنت أبرهم وخيرهم، عليه الصلاة والسلام. فدل هذا الفعل على جوازه لما أقرّه عليه الصلاة والسلام. السلام على ما كان منه.

هذا القيد الذي قال فيه مصنف رحمه الله: ما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم به ولم ينكره. مسألة في غاية الأهمية لنوع آخر وقع فيه خلاف الفقهاء، ما ذكره المصنف. ما حكم الأفعال التي تفعل في عهده صلى الله عليه وسلم في غير مجلسه ولم يثبت عندنا أنه علم بها؟ هل مجرد وقوع الفعل في زمن النبوة كافي، أو لابد من ثبوت أنه علم به؟ المسألة واضحة. هل مجرد الفعل وقوع الفعل في زمن النبوة؟ مجرد الوقوع كافي؟ اختلف الفقهاء في مسائل، فقال: هل هذا دليل؟ عليه دليل؟ ثم يستدل؟ كنا نفعَل كذا في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. إن لم يرد في الدليل: غزونا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام سبع سنوات نأكل فيها الجراد، يحكي أنهم كانوا يفعلوا. نحرنا فرساً على عهد رسول الله فأكلناه، صلى الله عليه وسلم. لما يحكي الصحابة أنهم فعلوا شيئاً، إن لم يكن هناك دليل على أنه علم بهذا الفعل، فإن هاهنا يتوقف الفقهاء واختلفوا على قولين.

فمنهم من قال: مجرد وقوع الفعل في زمن النبوة كافي، والإقرار سيكون إقرار الله، لأنه لو كان هناك شيء غير جائز لنزل الوحي. وهذا القول ليس قوياً، بدليل تطبيق الصحابة في خلافة عمر لما سأل عن الإكسال، مجامعة الرجل أهله من غير إنزال، ضحك بعض الأنصار أنهم كانوا يفعلون ذلك، فكان سؤال عمر: شيء علمه النبي صلى الله عليه وسلم؟ فوقف عند المسألة: هل عندكم دليل حتى يكون إقراراً أحتج به؟

ولعل هذا هو الأقرب أنه يستدل لذلك، ولهذا ثمرة فقهية لطيفة: هل يجوز إمامة الصبي في الفرض دون البلوغ؟ يستدل فيها بحديث عمرو بن سلمة لما كان يؤم قومه وهو صبي صغير، استدلوا الحنابلة على الرواية الظاهرة في المذهب بالجواز على الجواز بهذا الحديث.

الجمهور الذين لا يرون الجواز يقولون هذا ليس دليلاً صريحاً، إن غاية ما فيه أنهم فعلوا، ولكن هل هناك دليل على علم النبي عليه الصلاة والسلام بهذه المسألة؟ فهنا يبقى محل نقاش، وهي تضعف دلالة الإقرار في مثل هذا النوع من الأدلة، ويدل على قول الجمهور أو يؤكد قولهم رواية الراوي في الحديث أنه ربما صلى فانكشف جزء من عورته، فتقول المرأة وقد مرت بهم: غطوا است إمامكم. هذا يدلك على أنه شيء لم يعلمه عليه الصلاة والسلام إلى الحد الذي يفتقد فيه الإمام بعض شروط صحة الصلاة وهو ستر العورة.

على كل؛ فالمسألة هذه يعني تجاوزها المصنف رحمه الله بالقيد الذي ذكره: ما علم ما فعل في وقته في غير مجلْسه وعلم به. فهذا القيد هو محل اتفاق بين العلماء.

نعم، النسخ؛ وأما النسخ فمعناه الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وقيل معناه النقل، من قولهم: إني نسخت ما في هذا الكتاب، أي نقلتُ. هذا التعريف اللغوي، أما أن يعرف النسخ بالإزالة أو يعرف بالنقل، وكلاهما معنى لغوي صحيح.

وحَدُّه -أي اصطلاحاً-: هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه. هذه من أطول تعريفات النسخ، واشتغل بها المتقدمون من أصوليين؛ الإام الجويني وأبو الحسين البصري ثم الرازي والآمدي من بعد، وهو طويل وفيه إشكالات وجمل أحياناً قد لا تكون واضحة، لكن أشرح لك ما قاله.

الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً مع تراخيه عنه. نضرب مثالاً: قوله تعالى وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ. كانت عدة المرأة سنة، ثم نسخ هذا بقوله تعالى وَيَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. هيا ركز؛ الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت، إذاً قوله تعالى وَيَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا دل على ماذا؟ على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، اللي هو مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، على وجه لولاه لكان ثابتاً، لو لم يرد ذلك الدليل الثاني لكان الأول.

قال: مع تراخيه عنه، يشترط في النسخ أن يكون الناسخ متراخياً. ليش؟ طيب، لو كان معه في نفس النص، ماذا يكون؟ يكون تخصيصاً أحسنت. لو كان معه في نفس النص لكان تخصيصاً، لكن لما تأخر وجاء بعده فإنه يكون نسخاً.

والأسهل من هذا أن تقول: رفع الحكم الثابت بخطابه الشرعي أو بالخطاب الشرعي بخطاب شرعي متراخ عنه. رفع الحكم الثابت بالخطاب الشرعي بخطاب شرعي متراخ عنه.

قول المصنف في تعريف النسخ: الخطاب الدال؛ إيش يقصد بالخطاب؟ النص، الدليل من الكتاب والسنة. سؤال: هل الدليل نسخ أو ناسخ؟ نركز، الخطاب الدال، هل هو الناسخ أم هو تعريف النسخ؟ والناسخ يا اخي إذاً المصنف رحمه الله حد النسخ بالناسخ، فلو أردت أن أذكر تعريف النسخ ماذا سأقول؟ رفع الحكم الثابت، تحذف الخطاب الدال، لأن الخطاب ليس هو النسخ هو الناسخ الذي حصل به النسخ.

ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم، ونسخ الحكم وبقاء الرسم، والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل، وإلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف. جميل، هذه صور للنسخ. نسخ الرسم وبقاء الحكم؛ إيش المقصود بالرسم؟ كتابة النص، الآية يعني. نسخ الرسم وبقاء الحكم مثل رجم المحصن في الزنا، الشيخ والشيخة إذا زنيَا فارجموهما البتة نكالاً من الله. الحكم باقي وهو الرجم، لكنه نسخ من التلاوة.

ومنه النوع الثاني: نسخ الحكم وبقاء الرسم، بقاء الآية ونسخ حكمها، مثل الآيات اللي ذكرناها قبل قليل: مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ، عدة المرأة سنة. هذا نسخ، يَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ. قوله تعالى لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ، بقوله تعالى يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ.

وقد ينسخان معا، لا تلاوة ولا حكمها، لا رسماً ولا حكماً مثل قول عائشة في صحيح مسلم: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات. إذاً كان هذا في القرآن بنص قول عائشة أن عشر رضعات معلومات نحرمهن، فلا الحكم باقي ولا التلاوة باقية.

قال: وينقسم النسخ إلى بدل وإلى غير بدل وإلى ما هو أغلظ وإلى ما هو أخف. النسخ؛ كانت القبلة إلى بيت المقدس فأصبحت إلى الكعبة، ما هذا؟ بدل. كان الامر بتقديم صدقة بين يدي مناجاة رسول الله عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً، كان لا يجوز للصحابي أن يأتي ويتكلم يسأل يستفتي يتعلم إلا ويتصدق أولاً. ثم نسخ هذا: أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم، فنسخ ما البدل؟ أبداً، لا أبداً، إذاً النسخ قد يكون إلى بدل وقد يكون غير بدل.

النوع التقسيم الآخر: إلى ما هو أغلظ وما هو أخف؟ كان صيام رمضان فيه التخيير بين الفدية والصيام، ثم أصبح صياما محتماً على القادر، هذا أيضا من النسخ إلى ما هو أغلظ، وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ، ثم قال فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ. هذا تغيير الحكم.

وقد يكون إلى أخف، كان الأمر في الجهاد مطلوب فيه أن يجاهد الرجل في الجيش ولو كان العدو يبلغ الضعفين، فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ إلى ضعف. ثم نسخ ذلك بأقل: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ. كان عشرة أضعاف، ثم خفف فصار ضعفا واحدا، هذا من التخفيف. يريد فقط أن يبين لك أن أوجه النسخ متعددة في الصور.

سيأتي إلى مثال آخر في صور النسخ التي هي نسخ الكتاب بالكتاب أو بالسنة والصور الواقعة بينهما، نعم. ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب، ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة. كم سورة ذكر؟ نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالكتاب والسنة. أخرج سورة رابعة ما هي؟ نسخ السنة بالكتاب، وفيها خلاف.

نسخ الكتاب بالكتاب؛ كان استقبال بيت المقدس، آية العدة متاعا إلى الحول مع قوله أربعة أشهر وعشر، هذا نسخ آية باية.

النوع الثاني؛ نسخ الكتاب بالسنة. هذا نسخ كتاب السنة الذي وقع فيه الخلاف. نسخ السنة بالسنة؛ استقبال بيت المقدس مع حديث استقباله عليه الصلاة والسلام بالكعبة مع قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ، فكان حكماً ثابتاً في السنة فنسخ القرآن، نسخ السنة بالسنة؛ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ أَلَا فَزُورُوهَا، كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ادِّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا. نسخ سنة بسنة.

الذي وقع فيه الخلاف ما هو؟ نسخ الكتاب بالسنة، وفيه خلاف بين الأصوليين، واعتبروا أن الآية لا ينسخها إلا آية مثلها وأن نسخها بالسنة لا يصح. وعلى كل فالخلاف يكاد يكون لفظياً، فانه لا يكاد يصح له مثال حتى عند القائلين بالجواز لا تكاد تجد مثالاً صحيحاً، وأقوى من ينسب إليه عدم القول بالجواز هو الإام الشافعي رحمه الله، وله نصوص في كتاب الرسالة يفهم منها ذلك. نعم.

ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر، ونسخ الآحاد بالآحاد وبالمتواتر، ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ولا المتواتر بالآحاد. طيب، هذه جملة أخير ذكر فيها أوجه النسخ من حيث التواتر والآحاد. متواتر بمتواتر يعني قرآن بقرآن مثله أو سنة متواترة، وأن الآحاد لكونه أضعف ينسخ بالمتواتر وبالآحاد مثله. والصحيح عند المحققين أن الآحاد متى صح سنده في السنة جاز النسخ به ولو لسنة متواترة، وأن هذا هو الأصح. ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة وهو المسألة التي وقع فيها الخلاف.

هكذا نقف على باب التعارض الذي سنبدأ منه الليلة الغد إن شاء الله. عامة ما وردني من أسئلة يعني ليست في صميم الدرس، بعضهم مناقشة لقضايا فقهية وبعضها يحتاج إلى...

الخروج عن مقتضى الكتاب، فإن رأيتم أو أصحاب الأسئلة يعني نتكلم معهم فردياً بعد الدرس. لكن سيكون الاقتصار على الأسئلة المباشرة في عبارات الكتاب أو شرح مسألة المشكلة. أسأل الله لي ولكم التوفيق والسداد، والله أعلم.

صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.