تسجيل الدخول

الدرس الخامس لشرح متن الورقات

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العلي الأكرم، الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله وصفيه وخليله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد.

فنكمل بعون الله وتوفيقه في لقائنا الليلة -وهو اللقاء قبل الأخير- ما توقفنا عنده البارحة من الحديث عن صور النسخ، لنبدأ بابا جديدا. أحد الابواب المهمة في علم الأصول هو باب التعارض والترجيح، وربما قالوا التعادل والترجيح، وربما قالوا أيضا ترتيب الأدلة؛ كل ذلك بمعنى واحد عند أهل الأصول.

والمراد بهذا الباب -كما سيتبin معنا من قراءة ما ساق فيه إمام الحرمين رحمه الله تعالى من مسائل- المراد بهذا الباب بعد أن بلغ الدارس أو طالب العلم هذه الدرجة، وقد مر بالأدلة ومر بالدلالات وعرف أنواعها ومسائلها، يأتي إلى هذا الباب الذي لا يستغني عنه فقيه، والذي لا تكاد تخلو منه مسألة خلافية بين الفقهاء إلا وهم يتعاملون معها من خلال هذا الباب؛ أعني التعامل بين الأدلة التي يبدو في ظاهرها الاختلاف أو التعارض.

فإن جزءا كبيرا من أسباب الخلاف بين الفقهاء هو في النظر بين الأدلة المتفاوتة أو المتجاذبة في النظر، فربما اختلف الفقهاء في مسألة ما على قولين أو ثلاثة، وقد تجد لكل قول طرفا من دليل، وعندئذ يتعين على من أراد الترجيح في المسألة أن يجمع بين كل تلك الأدلة التي يستدل بها المختلفون في المسألة. فمن قال بالجواز ومن قال بالتحريم ومن قال بالكراهة في مسألة واحدة لكل منهم دليل، ومن أراد الخروج برأي راجح لا يجد طريقا إلا أن ينظر في هذه الأدلة مجتمعة ويحاول أن يخرج منها بما يراه راجحا.

وعندئذ لا بد له من النظر في الجمع بين هذه الأدلة والمواءمة بينها وعدم ترك شيء منها دون نظر أو جواب، وإلا لا يستقيم النظر ولا يستقل الترجيح فيما بعد. إذا هذا باب مهم يخوض فيه الفقهاء، ولذلك رسموا فيه منهجا علميا كيف يصير فيه طالب العلم. الناظر في الأدلة والفقيه والمجتهد لما يكون بصدد الحكم على مسألة ويرى الأدلة تتفاوت في الدلالة على حكمها، فإنه يتعين عليه أن يتقن هذا باب.

هذا الباب أحد الأبواب العريقة في العلم الجليلة التي لا يحسن صنعتها ولا يحكم زمامها إلا الأئمة الكبار؛ الحذاق الذين جمعوا بين الفقه والحديث، بين علوم الرواية والدراية، بين من استطاع أن يمحص ما يتعلق بثبوت الأدلة من حيث السند في صنعة المحدثين، وبين ما يتعلق بدلالة الألفاظ والخروج بالمعنى الذي يدل عليه كل لفظ وهي صنعة الأصوليين. ولهذا فإن مختلف الحديث أحد انواعه وهو قريب من هذا أو هو جزء منه، الجمع بين الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التخالف أو التعارض أو عدم الاتفاق هو باب كبير لا يقوى عليه إلا الأئمة الغواصون في علمي الحديث والفقه كما صرح بذلك غير إمام.

هذا باب كبير، قبل أن نتكلم عنه لابد من تقرير قاعدة كبرى يقررها العلماء دوما عند الشروع في هذا الباب، وهي أن أي تعارض يبدو بين الأدلة الشرعية إنما هو في الظاهر بحسب رأي المجتهد لا في الحقيقة ونفس الأمر. إذا، لا تعارض في الحقيقة بين الأدلة الشرعية، ولا يمكن أن تجد آيتين أو حديثين أو آية وحديثا يتعارضان في حكم مسألة واحدة، هذا محال.

طيب، وماذا نفعل فيما نجده أمامنا من الأدلة وهي واضحة في التعارض؟ الجواب أن هذا تعارض في الظاهر بحسب ما بدا لك، وإلا فهو في الحقيقة ليس كذلك. وإذا كان هو في الحقيقة ليس كذلك، هنا نحتاج أن نبحث عن الطريق الصحيح والباب الذي يخرجك إلى ما هو عليه الأمر في الحقيقة؛ فربما اكتشفت أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، ربما اكتشفت أن أحدهما لا يثبت دليلا ولا يصح وبالتالي فلا عبرة به ولا داعي إلى النظر فيه، ربما تبين لك تغير الحكم وتوزيع كل دليل بحسب حالة من الأحوال فيجمع بين النصين ولا تعارض بينهما.

وها هنا باب كبير يسوقه العلماء للحديث عن المخرج من هذا التعارض الظاهر، لكن الخطوة الأولى هي تقرير أن هذا التعارض ليس حقيقيا إنما هو في الظاهر. ولذلك قال الله عز وجل: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا. وقال سبحانه وتعالى: كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ. فما كان وحيا وشرعا منزلا من الرب الحكيم الخبير فمحال أن يكون فيه شيء من اللغط أو التعارض أو الاختلاف أو التفاوت، لأن هذا مناقض للأحكام الذي وصف الله تعالى به كتابه.

وقال سبحانه ممتنا للأمة: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. فما امتن الله تعالى به محال أن يكون ناقصا أو معيبا أو مختلفا، إنما تكون المنة وتمامها بكمال النعمة وأحكامها واتيانها على أكمل الوجوه، وكذلك هي نعم الباري سبحانه وتعالى.

هذا مدخل مهم، وعندئذ ستنطلق في هذا الباب وملؤك شعور صادق ويقين جازم أن أي اختلاف يبدو لك بين دليلين فالسبب فيه قصور فهمك يا ابن آدم وعجزك وضعفك أمام النصوص الشرعية المحكمة المعجزة التي أكمل الله تعالى بها الدين. فعندئذ تستنفر الهمة للبحث عن مسلك صحيح وباب سديد يخرجك من هذا الإشكال لتتبوأ المنهج العلمي الصحيح، نعم.

إذا تعارض نطقان فلا يخلو إما أن يكونا عامين أو خاصين، أو أحدهما عاما والآخر خاصا، أو كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه. ابتدأ إمام الحرمين رحمه الله تصدير هذا الفصل المهم بهذا التقسيم: فصل في التعارض، ثم قال: إذا تعارض نطقان.

ها هنا نقطتان مهمتان في هذه الجملة قرأتها منذ الآن من سطرين. الأولى قوله: إذا تعارض النطقان، نطقان مثنى؛ نطق، ماذا يقصد بالنطق؟ قول الراوي، النص يريد به الدليل الشرعي من النصوص القرآن والسنة. إذا تعارض نطقان يعني إذا تعارضت آيتان أو حديثان أو آية وحديث، لأن الأدلة من حيث هي دليل يستعمله الفقيه إما أن يكون دليلا نقليا أو دليلا عقليا، فالعقلي مثل القياس مثل الاستصحاب في بعض صوره، هذه أدلة عقلية، والأدلة النقلية هي الكتاب والسنة.

والإجماع يدخل أيضا في النقل لأنه يروى وينقل، فالنقلية في الكتاب والسنة سماها إمام الحرمين هو نطقيا. قال: إذا تعارض نطقان، أي دليلان منطوقان، أي دليلان نقليان كتاب وسنة، أما آيتان أو حديثان أو آية وحديث. هذه الجملة مدخل جيد جدا من إمام الحرمين رحمه الله، يبين لك أن ما سيتكلم عنه هو جواب أو هو منهج علمي يسلكه العلماء عند تعارض الدليلين الشرعيين من الكتاب والسنة.

عند تعارض الدليلين النقلي، عند تعارض النصين هذا أسهل وأخصر. ليش هذا؟ لأن هناك من الأدلة الشرعية ما ليس بنص، وهو رحمه الله لا يتكلم عن هذا الآن. إن تعارض الأدلة إذا جئتها بمفهومها الواسع تنقسم معك إلى ثلاثة صور: تعارض النصوص الشرعية فيما بينها وهو الذي يقصده المصنفون رحمه الله. الصورة الثانية: تعارض النصوص الشرعية مع أدلة أخرى؛ يعني تتعارض آية مع قياس أو حديث مع قياس، هذا نوع آخر من التعارض. التعارض النوع الثالث: هو تعارض الأدلة الشرعية مع العقلية، الأدلة النصية النقلية مع العقلية، وكلها تكلم فيها العلماء بما يحدد لطالب العلم المنهج السوي للخروج من هذا الإشكال.

يعني مثلا تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة رحمه الله وبالدرجة الأولى ينصب على النوع الثالث الذي هو تعارض الأدلة الشرعية في النصوص مع الأدلة العقلية. فيورد رحمه الله اعتراضات العقلانيين وعلى رأسهم المعتزلة واعتنى بهذا كثيرا، فحيث ما وجد لهم اعتراضا عقليا على نص من النصوص يأتي به ويورد عنه الجواب ويزيل الاشكال الذي أوردوه وهكذا، فغالب ما أورده ومن هذا القبيل في تأويل مختلف الحديث أو في مختلف الحديث. النوع الثاني: تعارض الأدلة فيما بينها، تعارض النصوص الشرعية فيما بينها أو تعارضها.

فيما بينها وبين القياس، هذا هو المبثوث في الكتب التي تكلمت عن الجمع بين الأدلة المختلفة؛ مثل مختلف الحديث للإمام الشافعي رحمه الله.

ومنها أم هذه الكتب وأكبرها شرح مشكل الآثار للإمام الطحاوي رحمه الله صاحب العقيدة الطحاوية، فانه ألف كتابه الجامع الكبير الفذ الذي سمي مختصرا شرح مشكل الآثار. وأراد به رحمه الله أن يجمع أكثر ما يقف عليه من هذا الإشكال، فاشتمل كتابه على تعارض النصوص الشرعية فيما بينها، وتعارض النصوص الشرعية مع العقل، وتعارض النصوص الشرعية مع القياس؛ أي تعارض أي إشكال أي خلاف يبدو بين الأدلة أتى به رحمه الله. فكان كتابه كبيرا جامعا رحمه الله، اشتمل على أكثر من ألف باب، في كل باب يوجد إشكالا ينقله عن بعض من آثاره أو استشكله هو أو ذكر خلافا بين اهل العلم فيورده رحمه الله ويسوق معه الجواب.

فكان الكتاب ولم يزل من أفضل وأجمع ما كتب في هذا الباب، لم يأتي بعده رحمه الله ما يفوقه ولا ما يمكن أن يجاريه، فوقف العلماء عند صنيع الطحاوي رحمه الله يبتغون المشاركة معه في الإجابات التي قد يوردها على بعض الإشكالات المتضمنة فيها تلك الأبواب.

قوله: إذا تعارض نطقان، فهمنا منه أنه يريد به تعارض النصوص الشرعية فيما بينها فقط؛ تعارض الآية مع الآية، الآية مع الحديث، الحديث مع الحديث. ثم قال: هذا النوع من التعارض له صور أربعة: أما أن يكون عامين؛ أي الدليلان المتعارضان أن يكونا عامين. الصورة الثانية: أن يكونا خاصين. الصورة الثالثة: أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا. الصورة الرابعة: أن يكون في كل واحد منهما عموم وخصوص، ويسمى العموم والخصوص الوجهي. وسيأتي تفصيل كل صورة والمسلك العلمي الذي تنتهجه مع تلك الصورة، نعم.

فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذا إذا كانا خاصين.

كم خطوة ذكر رحمه الله؟ لك ثلاث خطوات: قال: إن كان عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع، والا هذه الخطوة الأولى. وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، الثالثة: فإن علم التاريخ فينسخ. فينسخ المتقدم بالمتأخر. هذه خطوات ثلاثة قبل أن نقرأ ونشرح ونضرب الأمثلة.

سنقول إجماعا صنيع الأصوليين والفقهاء في باب التعارض والترجيح يدور على أمور ثلاثة: الجمع والترجيح والنسخ. هذه مسالك كبرى ثلاثة هي المخارج من أي إشكال تجده بين نصين متعارضين في الظاهر أو مختلفين في الظاهر. وأي جواب لأي عالم من العلماء حول هذا الاشكال والتعارض بين النصوص الشرعية هو يتخرج على أحد هذه المسالك؛ إما جمع وإما ترجيح وإما نسخ.

النسخ معروف سأبدأ به لوضوح معناه، وقد تقدم البارحة: النسخ أن يثبت عندك أن أحدا ناسخ للآخر، فهذا خروج من الاشكال وانتهى التعارض. يعني مثلا: أن يثبت عندك قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الوضوء من مس الذكر قال: إنما هو بضعة منك. ولما يقول أيضا في الحديث الآخر يفتي عليه الصلاة والسلام بالوضوء من مس الذكر، هذان متعارضان وهذا إشكال يحتاج إلى جواب.

فهب أنني وجدت دليلا على النسخ، فثبت عندي أن هذا ناسخ والآخر منسوخ، هذا جواب تخرج به من الاشكال وبالتالي يزول التعارض. تعارض الوضوء من أكل لحم الإبل مع عدم الوضوء منه، سئل أيتوضأ؟ قال: نعم. ثم تثبت عندنا رواية صحيحة من جابر من حديث جابر رضي الله عنه: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار. فهذا يتعارض ويشكل عليه الحديث الأول، الجواب بالنسخ هو أحد أجوبة أهل العلم، فهو خروج من الاشكال. أنا الآن لست بصدد تقرير الحكم الصحيح في المسألة بعينها، أنا أضرب مثالا. فهذا جواب أحد المخارج من الإشكالات هو مخرج النسخ.

المخرج الثاني هو الجمع، والجمع معناه أن تأتي بجواب يتسنى لك فيه إبقاء الدليلين المتعارضين على الدلالة، لكن تحمل أحدهما على معنى والآخر على معنى آخر يزول به الإشكال وينتفي به التعارض. من أوضح الأمثلة على هذا التي يضربونها عادة في الكتب حديث: لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا صفر. ينفي العدوى عليه الصلاة والسلام: لا عدوى. فانت يتبادر إلى ذهنك نفي العدوى النفي الحسي، أنه ينفي وجود عدوى، وهذا يعني غير مستقيم حتى فطرة وطبيعة وعقلا وما يتعارف به الناس أن العدوى موجودة، وأن الصحيح قد يعدى بالمريض وهكذا.

لكن تجد نصا آخر يؤكد إثبات العدوى، لما سئل عليه الصلاة والسلام عن الإبل وقد يصيبها الجرب فقال: من أعدى الأول؟ أثبت العدوى، قال: نهى عليه الصلاة والسلام عن إيراد المريض على الصحيح، أو الصحيح على المريض حتى لا تصيبه العدوى. إذا كيف تفعل؟ يثبت العدوى في نص وينفيها في نص، فأنت تحمل النفي على معنى: نفى العدوى التي كانت تعتقدها العرب أنها تؤثر بذاتها، وهذا فيه نوع من التعلق بغير الله. فرق بين أن تفسرها بأنها سبب ثم هي بأمر الله قد تقع وقد لا تقع، وبين أن تعتقدها مؤثرة بذاتها، فالذي نفاه عليه الصلاة والسلام كونها ذاتية التأثير: لا عدوى ولا طيرة. فنفى تأثير العدوى بذاتها، لكنه أثبت حقيقة الوجود.

فانظر كيف حاولت أن تثبت النص الأول على معنى والثاني على معنى، فهذا يسمى الجمع بين النصين، بما يحمل فيه كل على معنى يزول به الإشكال ولا يتعارض مع النص الآخر. مثله تماما نهيه صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وثبوت فعله عليه الصلاة والسلام في استقبال الشام واستدبار الكعبة عند حاجته، فجمع بين النصين فقيل: هذا في حال البنيان وهذا في حال الفضاء والخلاء والصحراء. هذا نوع من الجمع بين الأدلة تحمل كل نص فيه على معنى.

إذا هذا هو المسلك الثاني، الأول النسخ والثاني هو الجمع. الثالث هو الترجيح، ومعناه أن لا يظهر لك وجه جمع ولا يثبت عندك دليل على النسخ، فأنت تعمد إلى إثبات أن أحدهما أولى من الآخر، كيف؟ قال: بأحد وجوه الترجيح، ووجوه الترجيح كثيرة جدا؛ أما أن ترجح من حيث السند أو من حيث المتن أو من حيث الحكم والدلالة أو فيما يتعلق بأمر خارجي، الوجوه كثيرة جدا. من ناحية السند: أحد الحديثين أصح من الآخر، إحدى الروايتين أكثر رواية وانتشارا من الأخرى، أحد الدليلين يثبت فيه نقل مباشر عنه صلى الله عليه وسلم والآخر بواسطة، كثيرة جدا هي وجوه الترجيح.

فهي مسالك ثلاثة ترتيبها كالتالي: يبدأ عند التعارض بين النصين، تبدأ مسلك الجمع قبل غيره؛ الجمع بين الدليلين المتعارضين، وهذه طريقة الجمهور وخالفه فيه الحنفية. الجمع بين الدليلين هو الخطوة المقدمة، السبب فيها أنها إعمال لكلا الدليلين وإبقاء للنصوص الشرعية في دائرة العمل، وهذا أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. فمهما وجد المجتهد والفقيه طريقا إلى أن يعمل الدليلين كليهما فهو المقدم، لكن بشرط ألا يكون هذا الجمع متكلفا وفيه شيء من الصعوبة لي أعناق النصوص وتخرج بمعنى بعيد، لا المعنى الممكن والذي تشهد به الأدلة.

المسلك الثاني النسخ إذا ثبت بدليل معتبر، فإن لم يثبت النسخ فالترجيح هو الأخير، والحنفية يخالفون الجمهور فيجعلون الترجيح هو الخطوة الأولى قبل الجمع، وهذا ليس محل الخلاف إنما فقط لتتبين لك المسالك.

قال رحمه الله هنا: فإن كان عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع. ماذا قدم رحمه الله؟ وهذه طريقة الجمهور بعد الحنفية، الجمع هو الخطوة المقدمة. ما المقصود بالجمع؟ كيف يعمل الدليلان؟ يحمل كل واحد منهما على معنى لا يتعارض مع المعنى الذي يحمل عليه الدليل الآخر، ومهما أمكن الجمع بوجه صحيح معتبر فهو المقدم أفضل من أن ترجح، أفضل من أن.. لاحظ معي أنا أقول بشرط الإمكان أن يكون ممكنا.

كيف ممكن؟ ضربنا مثالا بحديث لا عدوى مع إثباته العدوى عليه الصلاة والسلام. مثال آخر قال: شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد. شر الشهود الذي يدلي بشهادته دون أن يطلب. وفي الحديث الآخر: خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد. كيف أثبت في أحد الحديثين وصفه بالشر والثاني وصفه بالخير والحديثان صحيحان؟

أجاب العلماء عن أن إبداء الشهادة والمبادرة بها محمودة عندما يتوقف عليها حق لصاحب حق قد يضيع حقه لو لم تتقدم بشهادتك، وما طلبها منك أحد، لكن نصرة لصاحب، بادرت بها، هذا هو المحمود. فما المذموم؟ المذموم هو ما وصفه عليه الصلاة والسلام في وصفه لآخر الزمان: ويكون أقوام يستشهدون يشهدون ولا يستشهدون؛ يتساهلون في أمر الشهادة، فيقدمونها ويبذلونها عن غير علم ولا دراية ولا إبراء ذمم. فزع لصديق ونصرة لصاحب، ولا يدري ما القضية، وقفت عند باب المحكمة دخل معه وشهد، ولا يدري فيما الحق ولمن الحق، هذا هو المذموم.

فانظر كيف حملوا كل نص من النصين على معنى لا يتعارض مع الآخر، وبهذا أبقيت الدليل هذا على دلالته وهذا على دلالته. وهذا مسلك متسع؛ ضربت مثالاً قبل قليل بنهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وعن فعله هو عليه الصلاة والسلام في استدباره القبلة. أنا قلت قبل قليل، مهما كان الجمع، فإذا تعذر، فلا وجه له.

مثال التعذر أن يقول لك يعني مثلاً اختلف الصحابة في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة يوم الفتح: هل صلى أو ما صلى؟ واختلف في ذلك بلال وأسامة؛ واحد يقول صلى والثاني يقول ما صلى. لا يمكن أن تجمع ها هنا، هم يتحدثون عن حادثة واحدة بعينها في ذلك الدخول للكعبة، فلا يمكن أن تقول صلى ركعتين وما صلى أربعة، هذا لا يمكن فيه الجمع.

عندئذ يتعذر الجمع، ولا يمكن أن تقول صلى في يوم ولم يصلي في يوم آخر فتحمل هذا على يوم آخر غير ذلك اليوم فهي مرة واحدة. مثال أوضح من ذلك: صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر لما حج عام حجة الوداع يوم العيد، لما رمى جمرة العقبة وحلق رأسه ونحر هديه وتحلل وطواف الإفاضة أدركته صلاة الظهر. وكلا الروايتين في الصحيح؛ رواية تقول صلى الظهر بمكة ثم نزل بمنى، ورواية أخرى تقول رجع إلى منى فصلى الظهر بها. كيف تجمع؟ هي صلاة ظهر واحدة ولا يمكن أن تقول صلاها مرة بمكة ومرة بمنى، هذا محل إشكال.

نكاحه صلى الله عليه وسلم من ميمونة؛ هل نكحها وهو محرم أو نكحها وهو حلال؟ ابن عباس يقول نكحها وهو محرم، ميمونة نفسها وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن النكاح كان حال الحل وليس حال الإحرام. كيف تجمع بين هذا وهو حاجة واحدة حادثة واحدة لم تتكرر؟ فحينئذ لا يمكن الجمع ها هنا، وإذا جئت تجمع وتتكلف سيكون الجواب ضعيفاً أو مرفوضاً وباطلاً.

فهذا قيد مهم؛ الجمع عند إمكان الجمع مقدم على غيره. قال رحمه الله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ. ذكر رحمه الله التوقف، والصحيح الذي عليه الترتيب -ولعل إمام الحرمين اختصر الكلام هنا- هو المصير إلى الترجيح، يعني بعد الجمع تأتي مرتبة الترجيح.

وفي مثل حديث ميمونة الذي ذكرناه أخيراً، أن النبي عليه الصلاة والسلام نكحها وهو حلال، ويؤيده رواية أبي رافع، بينما ابن عباس يقول نكحها وهو محرم، وكلا الروايتين صحيحة وفي الصحيحين كليهما. فالذي صار إليه العلماء هو الترجيح، فلما نظروا ورجحوا قالوا ميمونة هي صاحبة القصة وهي أوثق وادرى، وبذلك روايتها تقدم على رواية ابن عباس؛ ليس طعناً في رواية ابن عباس، لكن لابد لنا من جواب، فقدمنا رواية ميمونة لأنها صاحبة القصة وهي أدرى، أيضاً أيدها حديث أبي رافع، وبذلك وجدنا وجهاً آخر من وجوه الترجيح وهو تعدد الرواية؛ عندنا روايتان ميمونة وأبو رافع ويقابلها رواية واحدة لابن عباس.

ترجيح ثالث: أن أباع رافع الراوي الذي أيد رواية ميمونة كان هو السفير في عقد النكاح بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين ميمونة، إذن كان أدرى وأعلم ويبعد تماماً أن يروي شيئاً يهم فيه أو يخطئ فيه أو لا يدري ما الواقع فيه، فهذا كله من وجوه الترجيح. وجمعت لك في مثال واحد لتعرف أن وجوه الترجيح متعددة لا حصر لها فهي كثيرة الانحاء.

قال رحمه الله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف إن لم يعلم التاريخ. طيب، وإذا علم التاريخ؟ خلاص، هو فتح لك الخطوة الثالثة وهي ثبوت النسخ، أن تقول هذا ناسخ وهذا منسوخ، وهذا متوقف على ماذا؟ على معرفة التاريخ. ألم نتقدم معك بالأمس أن النسخ لا يكون نسخاً إلا إذا كان الخطاب الذي دل على رفع الحكم الأول متأخراً متراخياً؟ فالتراخي هو التأخر في الورود الزمني، فاذا ثبت عندك تأخره زماناً فهو ناسخ.

لكن طالما لم يثبت التاريخ، إذاً ما ثبت عندنا معرفة المتقدم من المتأخر، إذا لم يثبت، فلا وجه لدعوى النسخ. سيكون دعوى النسخ دعوة فيها تساهل لا دليل عليها، لأنه يمكن لخصمك ومخالفك في المسألة أن يعكس فيقول: لا، دليلك هو المنسوخ، دليلي هو الناسخ. فلمن الحجة منكما ما لم يقم عندك دليل؟ فإذن ثبوت الدليل هو الذي يرجح لك.

كيف أعرف المتقدم من المتأخر؟ كيف أعرف أن هذا متقدم وهذا متأخر؟ ها، أقوى الأدلة التصريح: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، واضح أن هذا كان ثم حصل هذا. كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادخروا، هذا هذا أفضل الطرق وأقواها.

أيضاً من الطرق: ترتيب الوقائع في تاريخها الزمني، في حديث بشر بن صفوان في الوضوء من مس الذكر، مع حديث إثبات الوضوء، واحد كان في قصة قباء في قدومه صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، إذن هذا في أول الهجرة، ويغلب على الظن أن الثاني متأخر، ثمة قرائن بتحديد الوقائع: هذا في بدر وهذا بعد الخندق.

أوضح من ذلك صلاته عليه الصلاة والسلام بأصحابه في بيته لما سقط فاشتكى جنبه صلى جالساً، فأتم الصحابة به خلفه قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما قضى الصلاة قال: إنما جعل الإمام ليؤتم به، إلى أن قال: وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون. هذا خالف روايته رواية حديثه في آخر صلاة صلاها مع الصحابة لما مرض مرض الوفاة عليه الصلاة والسلام، وخرج وأبو بكر إمام الناس، فتقدم فصلى بجوار أبي بكر جالساً، وأبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فانتقلت الإامامة إليه صلى الله عليه وسلم وصلى جالساً ولم يجلسوا خلفه ولم يشر إليهم ولا تكلم معهم. هذا الحكم مخالف للحكم الأول؛ ورود هذا الحديث في آخر حياته قبل وفاته بيوم أو يومين في نفس اليوم دليل على التأخر، فهنا يسعك أن تقول هذا التاريخ دلالة على أنه ناسخ لما سبق، وهكذا كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.

أن يروي الصحابي، انتبه، ليس من ثبوت التاريخ ترتيب النزول في القرآن ترتيب السور، أن السورة التي تكون مثلاً الآية في سورة العنكبوت لا لا تنظر إلى ترتيبها، وأن سورة البقرة قبلها، وبالتالي الذي في الترتيب أسفل يكون ناسخاً لما سبق، كلا، بل السورة الواحدة وجود الآية متأخرة في السورة لا يدل على كونها متأخرة في النزول.

ومن أمثلة ذلك دليل البارحة: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا، دلت الآية، لأن العدة كم سنة، وهي في الترتيب في المصحف بعد آية يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً. فلو قلت: المتأخر في ترتيب المصحف هو الناسخ، لصار النصف عندك في هذا المثال بالعكس.

قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ في سورة الأحزاب، نسخ بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ إلى آخر الآية، وهي متقدمة في سورة الأحزاب على آية لا يحل لك.

إذاً، ترتيب النزول ليس، عفواً، ترتيب السور وترتيب الآيات داخل السور ليس دليلاً على ترتيب النزول، كما أن تأخر إسلام الصحابي الراوي للحديث ليس دليلاً على النسخ دائماً. يعني أبو هريرة أسلم سنة سبع، فهل كل ما روي عن طريق أبي هريرة نعتبره متأخراً وننسخ به ما رواه مثلاً المتقدمون من الصحابة كعمر وأبي بكر وابن مسعود؟ الجواب لا.

لان أبا هريرة قد يروي حديثا لم يسمعه مباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام سمعه من غيره من الصحابة فيرويه. فلا عبرة بهذا كله، والمسألة دائرة على معرفة التاريخ. قال رحمه الله: فان علم التاريخ فينسخ التقدم بالمتأخرين. قال فيما بعد: وكذا ان كان خاصين، يعني اذا كان الدليلان كلاهما خاص وفي ما ضربت من أمثلة تكرر في هذا كثيرا، يعني صلاته صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة وعدم صلاته في روايتي أسامة وبلال هذه أحاديث خاصة وليست عامة، تتعامل معها بالمنهج ذاته، ما هو؟ البدء في الجمع إن أمكن.

فإن لم يمكن الجمع وتعذر فالترجيح إلا إذا ثبت التاريخ وعرفنا حقيقة المتقدم والمتأخر فنقول بالنسخ. سؤال مهم: ثبت عندي تاريخ بين النصين بين الدليلين ويمكن الجمع، فهل أقول بالنسخ أم أقول بالجمع؟ الجمع أولى، ممتاز. طيب، انتهينا، لم يمكن الجمع ويمكن القول بالنسخ ويمكن القول بالترجيح، والقول بالنسخ فقط هو لمعرفة، عرفت أن هذا كان في سنة اثنين من الهجرة وهذا كان بعد صلح الحديبية سنة ست. سؤالي هو: هل مجرد معرفة التاريخ هو طريق إلى القول بالنسخ؟ يعني هنا تقدم الترجيح أم تقدم النسخ؟

هذا محل تفاوت يا إخوة. والترجيح أقل خطرا من النسخ، يعني أن ترجح وتقول لا هذا أرجح من هذا وتقول به هو أسهل من النسخ. طيب، في النهاية في الترجيح ستعمل بأحد الدليلين وفي النسخ ستعمل بأحد الدليلين، ما الفرق؟ في فرق جوهري، النسخ النسخ أنت تحكم على النص الآخر بانتهاء الصلاحية، أنه لا عودة إلى أن الشريعة تركت هذا القول. هذا هذا خطير، مجرد التقدم والتأخر هو هو دليل لك لكن لا يصح أن أن تتجرأ وتقول هذا منسوخ ما لم يكن عندك حجة قوية على النسخ. فالترجيح أخف خطرا لأنك ترجح شيئا فيرجح غيرك الطرف الآخر، وتبقى المسألة في اجتهاد وتقابل نظر. ولهذا قال: وكذا إن كانا خاصين وله أمثلة تقدم ذكرها، فإن لم يمكن الجمع يتوقف حتى يعلم التاريخ ثم يتقدم الناسخ فيكون المتقدم منسوخا، المتأخر ناسخا. إذا، هاتان الصورتان متساويتان في الحكم: تعارض العامين وتعرض الخاصين. الصورة الثالثة ما هي؟

تعارض العام مع الخاص. وهذا في مثل قوله تعالى: وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ. فهذا عموم، وأن أي إنسان يعمل قليلا من الخير أو قليلا من الشر فهو ملاقيه لا محالة ومحال عليه. هذه العمومات إذا قابلها نص خاص، فأجيبوني أنتم ما العمل؟ يحمل العام على الخاص. ما معنى يحمل عليه؟ أجري بينهما عملية التخصيص التي مر شرحها البارحة، ما التخصيص؟ إخراج أفراد العام أو بعض أفراد العام بهذا الدليل المخصص، وابقاء العام على عمومه. أليس هذا جمعا بين الدليلين؟

بلى، هو جمع، هو في الحقيقة جمع بين الدليلين، لأنك قصرت العام على بعض أفراده وأجريت الخاص في الأفراد الذين تناولهم الخصوص، وعندئذ أنت خرجت من الإشكال. قوله صلى الله عليه وسلم: فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ. أين العموم؟ في كل ما سقت السماء، فتتناول هذا أولا كل أنواع الزروع بلا استثناء، وتتناول هذا أيضا كل المقادير المحصولة بلا استثناء قليل وكثير. ثم جاء النصوص الأخرى، جاءت وخصصت: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ. فماذا حصل؟ الزرع الحصاد إذا كان أقل من خمسة أوسق، إذا كان أقل من ثلاث مئة صاع فلا زكاة فيه، فأخرجت هذا.

لما أخرجته أبقيت العام، وبالتالي فيما سقت السماء العشر عن إذا كان كثيرا أكثر من خمسة أوسق، إذا كان قليلا فلا زكاة فيه. ألم تعمل بالنصين كليهما؟ بلى هذا جمع بين الدليلين. ليس في الخضروات صدقة، أنت أخرجت جنس الخضروات من المزروعات وأبقيته في الحبوب والثمار مثلا وهكذا. هذا تخصيص، وهذا سهل وقد مر معكم في باب العموم والخصوص. إذا تعارض عام مع خاص يحمل العام على الخاص وهو الذي اصطلحنا على تسميته التخصيص.

التخصيص أن تسلط النص الخاص على العام، يعني تعطيه أولوية. بقي فقط أن تفهم أن طريقة الجمهور التي يخالفون فيها الحنفية ها هنا أن أن الجمهور يقولون حيثما تعارض عام وخاص فالاولوية لمن؟ للخاص، لكن الحنفية يقولون لا، لا نقول بالتخصيص إلا إذا كان النص الخاص ورد مستقلا مقارنا للعام، معنى مقارنا يعني أتى معه في الدليل ذاته، فإذا انفصل عنه وتأخر رأوت قدم فلا نقول دوما بالتخصيص لكن العبرة بالمتأخر دائما. فإن كان العام متأخرا كان ناسخا للخاص، وإن كان الخاص متأخرا نسخ من العام بقدره.

مسألة لا يهمني أن تقف عندها كثيرا الآن، لكن اضبط معي طريقة الجمهور: متى تعارض عام وخاص فما الحكم؟ يحمل العام على الخاص والقول بالتخصيص. هذه الصورة الثالثة، اقرأ: وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا فيخصص العام بالخاص. وإن كان كل واحد منهما عاما من وجه خاصا من وجه، ويخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر. طيب، هذه الصورة الرابعة وهي الحقيقة محل اجتهاد ونظر مختلف كثير بين الفقهاء. الصورة هي أن يكون كل واحد من النصين المتعارضين فيه عموم وخصوص والآخر أيضا فيه عموم وخصوص، فيسمى عاما خاصا من وجه، يعني هو من وجه عام ومن وجه آخر خاص، والآخر مثله هو من وجه عام ومن وجه آخر خاص.

أضرب لكم مثالا عمليا نتعرض له جميعا: صلاة ركعتين تحية المسجد بعد صلاة العصر الذي هو وقت نهي، وبعد صلاة الفجر الذي هو وقت نهي. شخص صلى العصر في مسجد وقصد مسجدا آخر يحضر حلقة تحفيظ أو درسا، أيركع تحية المسجد أو ما يركع؟ بعد الفجر صلى الفجر في مسجده إماما وقصد مسجدا آخر له فيه درس أو لقاء بأحد، ودخله يصلي ركعتين تحية المسجد أو ما يصلي؟ أمامه دليلان، واحد يقول: لا صلاة بعد العصر حتى تطلع، اه، لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب. والحديث الثاني يقول: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. ما العمل؟

من قال يصلي أخذ بحديث إذا دخل أحدكم المسجد، ومن قال لا يصلي أخذ بحديث لا صلاة. طبق معي القواعد التي تعلمناها، هل هما عامان أو خاصان أو أحدهما عام آخر خاص؟ الجواب أنه من الصورة الرابعة. لما تنظر في كل من الدليلين تجد فيه عموما وخصوصا، وركز معي: لا صلاة بعد الصبح، أين عمومه؟ أي صيغة من صيغ العموم؟ نكرة في سياق النفل، لا صلاة، أي صلاة نهينا عنها؟ كل الصلوات بعد طلوع الشمس، بعد الصبح حتى تطلع الشمس، هذا محل نهي. فعمومه في الصلوات، إذا يتناول تحية المسجد أو لا يتناولها؟ يتناولها، إذا حتى تحية المسجد لا صلاة لأن النص عام. لكنه خاص في الوقت، بعد الصبح حتى تطلع الشمس وبعد العصر حتى تغرب الشمس.

الحديث الآخر عكسه تماما: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين. أين عمومه؟ إذا، إذا دخل، أي صيغة؟ أحسنت، صيغة شرط، يعني أي وقت يدخل أحدكم المسجد، إذا هذي أداة شرط، متى دخلت المسجد؟ هذا عموم في ماذا؟ في الوقت والزمن الذي كان خاصا هناك في النص. فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، خصوص الصلاة أي ركعتين هذي؟ تحية مسجد.

طيب، الحديث الأول عام في الصلوات خاص في الوقت، الثاني عام في الوقت خاص في الصلاة. فما العمل؟ لو طبقت الصورة الثالثة تخصص العام بالخاص، سآتي أنا الذي أجوز صلاة ركعتين تحية المسجد تقول يا اخي لا صلاة بعد العصر، أقول لك: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، أتيتك بدليل. والذي لا يصلي جلس فقلنا له يا اخي صلي يقول لا صلاة، فقل له إذا دخل أحدكم المسجد، فكيف تعمل؟ ففي كل منهما حجة، فالصواب هاهنا يقولون يخص عموم كل منهما بخصوص الآخر، فعندئذ يتعارض عندك أيضا التخصيص، فأيهما سيكون أولى؟ تخصيص لا صلاة فتقول إلا تحية المسجد، أو تقول إذا دخل أحدكم المسجد إلا بعد العصر وبعد الفجر. فهمت معي؟ مرة أخرى.

إذا كنت سأخصص أحدا نصفين بالأخر، سأقول كالتالي: لا صلاة بعد الصبح، لا صلاة بعد العصر إلا تحية المسجد. فماذا صنعت الآن؟

خصصت عموم لا صلاة بعد الصبح بماذا؟ بتحية المسجد، فسامنع المتنفل أن يصلي ركعتين إلا إذا كانت تحية مسجد. العكس؟

العكس سأقول: كل داخل للمسجد عليه أن يصلي ركعتين إلا إذا كان بعد العصر أو بعد الفجر، فهذان وقتان يجلس من غير صلاة. ليش؟

خصصته. كلاهما تخصيص الآن، كلاهما فيه عموم يسمح بتخصيصه بالنص الآخر.

ها هنا ينظر العلماء في أي التخصيصين سيكون أولى من الآخر، وهنا مسالك متفاوتة للفقهاء. فمنهم مثلا من يقول: أرى النهي قويا، لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الصبح.

يقول: إذا تعارض حاضر ومبيح فالحاظر مقدم، فيكف عن الصلاة ويمتنع حتى تحية المسجد، يقول: النهي عندي أقوى، وهي طريقة لبعض الفقهاء.

الطريقة الثانية بالعكس، سيقول: هذا عموم وهذا عموم، دعني أنظر أي العمومين أقوى فساأخذ به. فينظر ويوازن بين العمومين، فيقول: وجدت أن حديث لا صلاة بعد الصبح في عمومه قد استثني منه أكثر من استثناء.

لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الصبح. طيب، ماذا لو نام عن الصلاة؟ يصلي ولا ما يصلي؟ يصلي.

طيب، فاتته صلاة تذكرها قبل يومين نسيها وتذكرها الآن؟ فليصلها إذا ذكرها مستثنى. لما تقول: طاف سبعة أشواط بالكعبة وأراد أن يصلي ركعتي الطواف، يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصلى فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار، تستثني. انظر كيف استثنيت ركعتي الطواف؟ استثنيت الصلاة الفائتة، استثنيت المنسية، استثنيت أيضا بعض الصور الأخرى مثل أن تقول: لا صلاة بعد الصبح، لا صلاة بعد العصر، لكنك جئت استثنيت سنة الفجر بعد الفجر مع أن وقت نهي ما صلاها قبل الصلاة، ولك فيها دليل حديث قيس بن قهد: ما هاتان الركعتان؟ قال: هما سنة الفجر ما كنت صليتهما قبل الصلاة، فأقره عليه الصلاة والسلام.

قضى أيضا هو عليه الصلاة والسلام سنة الظهر بعد العصر لما جاءه الوفد فانشغل بهم. إذا، حتى السنن الرواتب كان يقضيها في وقت النهي. فثبت عندنا أن عموم لا صلاة بعد الصبح ولا صلاة بعد العصر عموما ما به؟

سبق استثناءات منه وخصص أكثر من مرة. يقولون: هذا عموم مخرق، يعني سبق الاستثناء منه كثيرا حتى ضعف. بينما عموم: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس، عموم قوي ما استثني منه شيء، بل تأكدت قوته حتى في خطبة جمعة وهو يخطب ويدخل الرجل سليك الغطفاني ويجلس في قطع الخطبة ليكلمه: أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما.

هذا أقوى. العموم ما استثني منه شيء، بل جاء ما يؤكده ويقطع الخطبة الواجبة الإنصات لها، ويقطع حديثه للناس ليخاطب رجلا بعينه ترك سنة ما أداها فيخاطبه، ويقول له: قم فصلي ركعتين.

هذا اتجاه يقول: أنا سأميل إلى هذا العموم لأنه أقوى وارجحه، وسأحكم بتعين صلاة ركعتين تحية المسجد لكل من دخل ولو كان في وقت نهي، ويقول: هذا أقوى. هذه مسألة اجتهادية يا إخوة، والعلماء فيه يتفاوتون في النظر، فما ترجح لأحدهم قال به وأفتى به، وما لم يترجح عند الآخر قال به.

بمناسبة صلاة تحية المسجد القصة اللطيفة التي تروى عن ابن حزم رحمه الله في سبب طلبه للعلم وحرصه عليه، فإنه كان مترفا وتربى في بيت وزارة ونعيم وجاه. تربية نعيم ودلال ولم يطلب العلم في شبابه.

فحدث أن حضر جنازة دعي إليها فأتى المسجد قبل صلاة العصر، وصلاة الجنازة كانت بعد العصر. فلما دخل المسجد ينتظر الصلاة، دخل فجلس، وكان بجواره رجل كبير السن فنهره ووكز وقال: قم فصلي ركعتين.

فاستحى وخجل، أنه شاب في مقتبل العمر ويجهل مسألة يسيرة جدا من مسائل المساجد والصلاة والسنن. فقام وصلى ركعتين.

حضرت صلاة العصر، صلى صلاة العصر وصلى على الجنازة، وخرج مع الجنازة يتبعها، فشيعوها ودفنوها. ما بقي على المغرب كثير، فقال: يرجع للمسجد ينتظر المغرب. دخل والرجل جالس، لما وقف بجواري بيصلي ركعتين الآن الموقف يصلي، جذبه من ثوبه قال: أجلس هذا ليس وقت صلاة.

فأثرت في نفس ابن حزم لما ما كان يصلي قال: صلي، لما جاء يصلي قال له: لا تصلي. تأثرت في نفسه أنه ما يفقه مثل هذه المسائل، فعزم من يومه على طلب العلم حتى نال الإمامة رحمه الله.

نعم، وإن كان كل واحد منهما وإن كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر.

وأما الإجماع، خذ مثالا آخر: من بدل دينه فاقتلوه. أين العموم؟ من، ما صيغته؟ اسم مبهم. يعني كل من بدل دينه فاقتلوه. يشمل ماذا؟ الرجال والنساء.

من بدل، المرتدين رجلا كان أو امرأة. طب، ماذا تفعل مع حديث الصحيحين: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء؟ نهى عن قتل النساء. أين العموم؟ النساء، فيشمل ماذا؟ يشمل المرتدة وغير المرتدة.

السؤال الآن: المرأة المرتدة إن نظرت إليها على أنها امرأة، نهى عن قتل النساء، وإن نظرت إلي على أنها مرتدة، من بدل دينه فاقتلوه، فلتدخلها في هذا النص أو في هذا النص.

هذا من جنس الأدلة التي فيها عموم وخصوص من وجه. كيف؟ من بدل دينه فاقتلوه عام في المرتدين رجالا ونساء، خاص في ماذا؟ خاص في الردة، يعني في سبب الردة، وإن هو السبب المخصص للقتل. حديث نهى عن قتل النساء عام في النساء، عام في النهي عن قتل أي امرأة. هذا خاص بأهل الردة من بدل دينه، وهذا خاص بالنساء. فالمرأة المرتدة ماذا ماذا تفعل بها؟

هل تقتل أم لا؟ فيها خلاف بين الفقهاء والسبب هو النظر في هذين العمومين، وأيهما أقرب وألصق؟ ومثل ما قلت لك في حديث لا صلاة مع لا يجلس حتى يصلي ركعتين، يجتهد الفقهاء في النظر أي العمومين أقوى وينبغي المصير إليه.

الذي عليه الجمهور أن المرتدة تقتل، وهو الذي رجحه أيضا إمام الحرمين رحمه الله.

نعم، الإجماع. وأما الإجماع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة. ونعني بالعلماء الفقهاء ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية. هذا باب آخر وهو دليل من أدلة الشريعة وهو الإجماع. عرفه رحمه الله فقال: علماء أهل العصر على حكم الحادثة. قال: ونعني بالعلماء الفقهاء ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية.

يعني الاتفاقات اللغوية والاتفاقات السياسية إن لم تكن لها علاقة بأحكام شرعية فليست محل حديثنا. محل حديثنا أن يسمى إجماعا لما تكون القضية شرعية والحكم شرعيا.

فإذا اتفق علماء العصر على مسألة ما أخذت حكم الإجماع فيها، فنقل فيها رواية الإجماع. الإجماع منعقد في كثير من مسائل الشريعة، الإجماع على وجوب الصلوات الخمس، الإجماع على تحريم نكاح الأم. ستقول: هذا ثابت بالدليل بالنصوص.

أقول: نعم ثابت بالنصوص وأيده الإجماع، والإجماع أيضا دليل. أنت لما تجد دليلا على وجوب الصلوات في القرآن تكتفي أو يمكن تضيف إليها دليل السنة إن وجدت؟ تضيف.

فكذلك إذا وجدت دليلا في الإجماع فأضف. إذا دليل الإجماع ليس تحصيل حاصل، هو تعضيد ومؤازرة بالأدلة واستكثار منها. بمعنى أن الدليل القرآن والسنة قد يكون مع وروده في القرآن لكنه محتمل الدلالة، فما فائدة الإجماع؟ أن يحسم الخلاف؛ إذا أجمعوا العلماء على مسألة ما أنتفت الدلالات وصار القول قولا واحدا في حكم المسألة التي نحن بالنظر فيها.

وإجماع وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها لقوله صلى الله عليه وسلم: لا تجتمع أمتي على ضلالة، أخرجه الترمذي. والشرع ورد بعصمة هذه الأمة.

يقول: للشرع ورد بعصمة هذه الأمة لحديث: لا تجتمع أمتي على ضلال، والحديث له روايات متعددة فيها كثير من المعاني المشتركة، وهو ثبوت الفضيلة لهذه الأمة في مثل قوله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا.

الوسطية كما قال عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري: الخيار العدل. الوسط الخيار العدل. إذا هو تعديل من الله وشهادة من الله ومنقبة وثناء على هذه الأمة المحمدية المباركة أن ها شهادة عدل وخير وفضل ووسط، فهذا اقتضى تعديله والثناء عليهم. فإذا اتفقوا على أمر كان ذلك أيضا تزكية لاتفاقهم وثناء عليه، فقال: الشرع ورد بعصمة هذه.

مسائل الإجماع كثيرة، نحتاج إليها كثيرا يا أخوة في مسائل لا نجد فيها دليلا. يعني أثار المستشرقون عددا من الإشكالات، يقول: أنتم الآن تقرؤون في مصحف فيه سور مرتبة من البقرة إلى سورة الناس، من الفاتحة إلى سورة الناس، وهناك جمل من القراءات ألغيت.

واجتهد الخليفة أبو بكر في جمع المصحف، ثم اجتهد الخليفة عثمان بعده في إلغاء بعض القراءات الصحيحة الثابتة؛ قراءة ابن مسعود في آية كفارة صيام اليمين: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات. ابن مسعود أيضا، وقد رواه ابن جرير: والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما. أين هذا الآن في المصاحف؟ تقول: غير موجود.

لماذا تركتموه؟ تقول: لأن الصحابة اجتهدوا في زمن الخليفة عثمان وكتبوا هذه المصاحف وقرؤوا بما فيها وتركوا غيرها. هل تتجرأون على أن تتركوا شيئا من القرآن من كلام ربكم نزل به الوحي وقرأت به الأمة صدرا من خلافة الخلفاء الراشدين، تتنازلون عن شيء من دينكم والوحي؟ وشيء كثير من الشبه والأباطيل.

الجواب: أننا وجدنا إجماعا، انعقد الإجماع زمن الصحابة على هذا الصنيع فصرنا إليه. ما عندك دليل لا من القرآن ولا من السنة، لكن عندك دليل إجماعي. قبل هذا، كتابة المصاحف نفسها كانت ممنوعة، وما كتبت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، كانت كتابات متفرقة، ولم تجمع على شكل مرتب هكذا.

فكيف اجتهد الصحابة في جمعه وترتيبه؟ بل ترتيب السور على هذا النحو: البقرة، آل عمران، النساء، المائدة، الأنعام. هذا صنيع الصحابة، ما دليله؟ وما مشروعيته؟ ثم رتب عليه الفقهاء كراهة أن يقدم الإمام قراءة سورة متأخر على سورة متقدمة في الركعات. ما هذا؟ من أين جاءوا به؟ وما الترتيب الذي صاروا إليه؟ تقول: هذا صنيع الصحابة.

هل صنيع الصحابة عندكم حجة؟ نقول: بل إجماع الأمة هو الحجة، وكانوا هم الأمة آنذاك. فلما اتفقوا على شيء وساروا إليه انعقد الإجماع، فلما انعقد الإجماع ارتفع الخلاف. فلو جاء يشغب مسلم فيما بعد وقال: لا، أنا عندي وجهة نظر، أنا لا أوافق على ما فعله الصحابة، وأنا متحفظ على هذا الرأي الذي صاروا إليه ولي وجهة نظر مختلفة، سنقول: هذا لا عبرة به، انعقد الإجماع انغلق الباب. فأي أمر انعقد عليه الإجماع في زمن من أزمنة الأمة صار حجة، ولهذا قال في الجملة الأخيرة: والاجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان.

انعقد إجماع الصحابة لا يسعنا أن نبحث عن خلاف يأتي بعد، سنغلق هذا الباب وينتهي. تضرب هنا أمثلة لعدد من المسائل كان فيها خلاف فانحسم هذا بإجماع الصحابة أو التابعين، وهذا يحمي سور الشريعة من التهدم والتهتك والعبث. ولا يمكن أن يأتي كل أحد العقلانيين ولا أحد المتمردين على الشريعة المتجرئين على أحكامها فيفضي بسفسطة وبحجج واهية وبكلام يخدع به عامة الناس ليقدح في حكم شرعي أغلق بابه بالإاجماع. ففائدة الإجماع حجة شرعية ودليل معتبر، ويصير إليه الناس لعدم فتح باب خلاف في قضايا انعقد عليها الاتفاق. نعم، والاجماع حجة على العصر الثاني وفي أي عصر كان. ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح.

فإن قلنا إنقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد فلهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. هذه مسألة يسمونها مسألة انقراض العصر أو اشتراط انقراض العصر، ومعناها: لو انعقد الإجماع في الأمة على حكم مسألة ما؛ كإجماعهم على تحريم المخدرات والهيروين والحشيش، وانعقد الإجماع ولم نجد عالما شرعيا يقول بجوازها، فهل يشترط انقراض العصر؟ يعني هب أنها مسألة حدثت اليوم في عصرنا هذا، تنادى الفقهاء واجتمعوا في المجامع الفقهية وأصدروا بيانات باتفاق وإجماع الجميع أن هذا حرام، وصدروا فيه البيانات. السؤال: متى يصبح هذا الاجماع حجة ونختم عليه ونعتبره دليلا؟ إذا انقرض العصر ومات هؤلاء المجتهدون فيكون حجة، يعني متى يسري حجية إجماعهم؟

هل يشترط انقراض العصر في المسألة خلاف؟ قال هنا: لا يشترط في حجيتهم قيراط العصر. إذا، منذ متى يسري مفعول الإجماع؟ منذ انعقاده، منذ حصول الاتفاق. قال: على الصحيح. إذا، هو يشير إلى خلاف في المسألة. ثم قال رحمه الله: فإن قلنا إنقراض العصر شرط. إذا قلنا بالقول الثاني المرجوح أنه لا يصبح الاجماع حجة حتى يموت آخر عالم من الموجودين اليوم الذين قالوا بهذا الإجماع، فستجد مسألة: ماذا لو نبت عالم جديد في الأمة؟ يعني مات ثلاثة أرباع الذين انعقد بهم الإجماع، وبعدين نبت عالم جديد، شاب مثلكم تفقه طلب العلم فتح الله عليه، صار من الراسخين، أصبح في عداد المجتهدين في الأمة، ستقول: إذا هو من العلماء سيدخل في الإجماع. طب لو دخل؟ ستنتظر ويموت وهو شاب الآن وسيطول العمر، وبالتالي يدخل ثان وثالث، وبالتالي سيقولون: هذا لا انتهاء له.

لكن يقولون: ماذا لو دخل مجتهد جديد فخالف حكم الاجماع؟ هل ينقض الإجماع؟ قال رحمه الله: فإن قلنا إنقراض العصر شرط فيعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم. لم؟ لأن الاجماع لم ينعقد، لأنهم يشترطون انقراض العصر، وهذا قول مرجوح. نعم.

والاجماع يصح بقولهم وبفعلهم، يعني سواء كان الإجماع قوليا أو فعليا، إذا فعل مجموع العلماء أمرا وتعاطوه وتعاملوا به دل ذلك على إجماع منهم. يعني ما الدليل على جواز بيع الحمير في أسواق المسلمين والبغال؟ استمرار بيعه وشرائه في أسواق المسلمين ولو لم نجد إجماعا قوليا محكيا عن الفقهاء بجوازه ويحل بيع الحمير والبغال، لكن استمرار هذا عمليا فهو إجماع عملي لا يحتاج إلى نص ينقل عنهم فيه الإجماع. نعم.

وبقول البعض وبفعل البعض وانتشار ذلك وسقوط الباقين عنهم. هذه صورة أخيرة تصطلح على تسميتها بالإجماع السكوتي. وصورتها: أن ينقل حكم المسألة عن بعض الفقهاء ويسكت الباقون، سكوت الباقين بماذا يفسر؟ هل هو موافقة أو مخالفة؟

بسم الله الرحمن الرحيم. الإجماع السكوتي هو آخر صور الإجماع، ومعناه: أن ينقل حكم المسألة عن بعض علماء العصر وفقهائه ويسكت الباقون. فهل هذا حجة؟ وهل يحمل سكوتهم على الموافقة فيكون بذلك موافقة ضمنية وإجماعا ضمنيا كذلك؟ هذا يسمى بالإجماع السكوتي، فيه خلاف بين الأصوليين، إمام الحرمين رحمه الله أشار إلى الاحتجاج به، قال: وانتشار ذلك القول أو الفعل وسكوت الباقين عنه. حتى على القول بحجية الإجماع السكوتي فإنه في درجة أقل من الإجماع الصريح، ويعتبرونه درجة ثانية.

تجد هذا الصنيع -وفقك الله- في كلام بعض الفقهاء، لما يذكر ابن قدامة في المغني مثلا مسألة فيقول: وجدنا هذا القول عن فلان وفلان فيسمي عددا من الصحابة والتابعين ثم يقول: ولم نعلم له مخالفا. ماذا يقصد بقوله: ولا نعلم له مخالفا؟ هو يعرض بالإجماع، هو لا يجرؤ أن يقول: إجماعا، الإجماع لابد أن يقف فيه على قول الجميع وموافقتهم. لكنه كأنه يقول لك: هذا من إجماع السكوت، أو يقول: أفتى بذلك عمر أو حكم به عمر رضي الله عنه بمحضر الصحابة. تقصد بهذا؟

ماذا يقصد؟ يقصد أن الصحابة وهم حاضرون لم ينكروا ولم يعترضوا على ذلك ولم يرفضوه، فكأنه يحتج به، فهو يضمن فعل الصحابي مع موافقة الجميع وإقرارهم. سننتقل إلى مسألة أخرى وهي الاحتجاج بقول الصحابي. نعم، وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد، وفي القول القديم حجة.

طيب، في سطر واحد أوجز إمام الحرمين رحمه الله مسألة تصنف عند الأصوليين من مسائل الأدلة المختلف فيها. الأدلة المتفق عليها: كتاب، وسنة، وإجماع، وقياس، القياس سيأتي في درس الغد إن شاء الله. هو الآن يتكلم عن قول الصحابي، قول الصحابي من الأدلة التي اختلف فيها الأصوليون.

قول الصحابي وشرع من قبلنا والمصالح المرسلة والاستحسان، هذه قائمة الأدلة المختلف فيها، ومعناها: أن من أهل العلم من رآها دليلا ومنهم من لم يره كذلك. قول الصحابي ما المقصود به؟ المقصود به قوله أو فتواه أو مذهبه في مسألة -وركز معي في القيود- في مسألة اجتهادية لا نص فيها، لو كان في نص ما احتجنا إلى البحث عن قول الصحابي، لا، هي مسائل اجتهادية لا نص فيها، فوجدنا فيها فتوى لصحابي، قولا لصحابي مع عدم وجود مخالف له من الصحابة.

قول رأيناه رواية عن ابن مسعود، قول ثبت عندنا عن جابر، فتوى رأيناها عن معاذ رضي الله عن الجميع. وبعد طول البحث والنظر في كتب المصنفات والآثار ونقل الأئمة، ما وجدنا نقلاً آخر عن غيره من الصحابة، لا موافقة ولا ولا مخالفة؛ فعلى ماذا تحمل رواية هذا الصحابي؟ ركز معي، الجميع سيقول هذا ليس نصاً شرعياً. هل هو بمنزلة الآية والحديث؟ لا، لأنه قول إنسان ليس معصوماً.

هذا محل اتفاق، لكن إلى أي درجة تحمل قول الصحابي هذا؟ ما هو إجماع، هو قول واحد من الصحابة. هل هو حجة؟ هذا الكلام هنا ينعقد الخلاف. هل القول الصحابي المنفرد هذا حجة؟ لاحظ معي، منفرد ولم يعلم له مخالف، أصلاً لو كان في مخالف انتهينا، هذا خلاف صحابة وترجح بينهم. لا، أنا أتكلم عن قضية ليس فيها إلا قول هذا الصحابي، فما الذي تصنعه؟

هنا يذهب عدد من الأئمة إلى الاحتجاج بقول الصحابي من المنطلقات الآتية: أولاً، هو اجتهاد من إنسان عاش الوحي وتنزيل الدين وإدراك النبي عليه الصلاة والسلام، فعنده من الفقه والدراية والعلم بأصول الشريعة ومقاصدها أكثر من أي إنسان آخر. اثنين، إذا كانت المسألة اجتهاداً، والاجتهاد ينال فيه الصواب بتوفيق الله، فما يناله الصحابة من توفيق ربنا أعظم مما يناله غيرهم؛ لما؟ لأن التوفيق بابه التقوى والصلاح وانكشاف الحقائق وانفتاح البصائر، وحظ الصحابة في هذا الباب أعظم من حظ غيرهم على الإطلاق، فيقدمون لهذا المعنى.

ثلاثة، يا أخي، نحن أمام أمام جيل من البشر ليس كالبشر، ليس غلواً في الصحابة ولا تقديساً ولا دعوة بالعصمة لهم حاشا، لكنه باتفاق هم كما قال ابن مسعود: هم أععمق هذه الأمة إيماناً وأبرها قلوباً وأكثرها صدقاً. يعني هذه النفوس وهذه القلوب وصلت إلى درجة من التقوى ورزقت السداد غير ما تناله الأمة من بعدهم. ثم بالله عليك ماذا تصنع بوقائع ثبت في هذا الصنيع؟

ليس ببعيد عنكم قصة سعد بن معاذ رضي الله عنه لما حكمه النبي عليه الصلاة والسلام في بني قريظة فقال: أرى أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم. هذا الرأي الذي قاله سعد قاله اجتهاداً، لم يلبث أن قال له النبي عليه الصلاة والسلام: والله لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع طباق. تقف هنا مندهشاً! اجتهاد بشري يوافق في اجتهاده حكماً لو نزل بوحي من السماء! ما هذا إلا غاية التوفيق والسداد؟

قصة ابن مسعود أخرى في المرأة المفوضة المبتوتة التي مات عنها زوجها ولم يدخل بها ولم يفرض لها صداقاً، ومكثوا يترددون عليه ثلاثة أيام، وجد الآيات في القرآن ما تشملها، لا آيات البقرة ولا آية الأحزاب. فقال بعد ثلاث وقد جثى على ركبتيه هولاً وفزَعاً وخوفاً من الجرأة على الفتيا: أرى أن لها مهر نساء لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة. توسط في المسألة فرض لها الميراث وفرض عليها العدة، وسمى لها الصداق المعلوم فيما يتعارف عليه من فهم نسائها.

فقام حَمْل بن مالك فقال: أشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في مَرْوَع بنت واشق بمثل ما قضيت، وما بلغه الحديث ولا رآه ولا سمع به. هل هذا إلا سداد وتوفيق إلهي؟ هذا الذي جعل أئمة كأحمد يحترم جداً قول الصحابة في المسائل التي يجد فيها لهم فيها رواية فيكف ولا يجتهد. كذلك الرواية عن أبي حنيفة أن بلغه اجتهاد عن الصحابة وقف، وكأنهم يقولون: عقولهم أولى من عقولنا بالاجتهاد، ورأيهم مقدم على رأينا.

هل هو حجة بمعنى إذا وجدت قولاً للصحابي في مسألة لا نص فيها أقف معها وأعطها حكم الدليل ولا أتجاوَزه؟ هذا هو. يقول: قول الواحد من الصحابة ليس حجة على غيره على القول الجديد، وفي القديم حجة. يقصد مذهب الشافعي القديم والجديد، وهذا تقرير الشافعية أن الإمام الشافعي في المذهب القديم يقول بالاحتجاج وفي المذهب الجديد ليس كذلك.

والصحيح كما حرره ابن القيم رحمه الله في أعلام الموقعين أن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد على الاحتجاج بقول الصحابي، وأورد على ذلك أكثر من أربعين وجهاً ودليلاً يحتج فيه بقول الصحابة، وما هم عليه من الفضل والتزكية والرضوان والسداد والتوفيق واحترام آرائهم واجتهاداتهم رضي الله عنهم. وبما أن نحن نتدارس مختصراً فلا نبلغ في عرض المسألة أكثر مما هذا.

نعم الأخبار. واما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب. سينتقل للدليل الثالث وهو دليل السنة، تكلم عن الكتاب والإجماع، وهذا الآن السنة وسيعقبه غدا القياس إن شاء الله. نعم. والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر. آحاد متواتر باعتبار ماذا؟ باعتبار السند وعدد الرواة الناقلين.

نعم، فالمتواتر فالمتواتر ما يوجب العلم، وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة أو إسماع لا عن اجتهاد. شروط التواتر الأساسية: كثرة العدد، اثنين: إحالة تواطؤهم على الكذب، ثلاثة: أن يكون مستند الخبر المروي الحس وليس الاجتهاد، يعني ينقل عن شيء مسموع أو مرئي أو محسوس ونحو ذلك.

هذا تعريف التواتر، فما مدى انطباقه على الرواية في السنة النبوية؟ هذه الشروط في تطبيقها على السنة النبوية ستبقى معدودة محصورة في عدد من الأمثلة، مثل حديث: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار، أحاديث المسح على الخفين، أحاديث رفع اليدين في الدعاء، وهي متنوعة وأمثلتها متعددة أيضاً.

والآحاد، والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم. العبارة ليست على إطلاقها، يقول رحمه الله: الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم. يقصد بالآحاد كل حديث لم يبلغ درجة التواتر. سؤال: أحاديث الآحاد هل نحكم عليها بالصحة أم بالضعف؟ على حسب، صحيح. ليس صحيحاً دائماً وليس ضعيفاً دائماً، تطبق عليه شروط الصحة هذا الآحاد.

طيب، والمتواتر؟ صحيح دائماً أو ضعيف دائماً؟ مقبول دائماً المتواتر. إذاً شروط المحدثين في الصحة والضعف تنطبق على أي نوع من الحديث؟ الآحاد. طيب، طبق عليه الشروط، الضعيف لم تنطبق عليه الشروط، فما حكمه؟ ضعيف. طيب الصحيح انطبقت عليه الشروط، ما حكمه؟ مقبول. ايش معنى مقبول؟ يقول: يوجب العمل، يعني تعمل بما جاء فيه ويكون حجة.

قال رحمه الله: ولا يوجب العلم. يعني لا يبلغ في درجته إفادة العلم، ويقصد العلم الضروري. لكن هذا الكلام ليس على إطلاقه، والصحيح الذي قرره المحدثون وهم أصحاب الصنعة أن حديث الآحاد وهو آحاد قد يوجب العلم إذا احتفت به القرائن. يعني ما بالك إذا كان من رواية الصحيحين البخاري ومسلم، هو آحاد لكن انعقدت القلوب على قبول ما يأتي في هذين الكتابين فحصل العلم عند صاحبه.

نعم، وينقسم وينقسم إلى مرسل ومسند. فالمسند تقسيم الأصوليين وهو ليس دقيقاً، أنت لو قلت لك: أسانيد الرواية في الحديث منها ما هو متصل السند، ومنها ما هو... ما ضِد المتصل؟ منقطع. ثم المنقطع أنواع، من أنواعه المرسل، هم هكذا يعممون عبارة مصطلح المرسل. يقول: مسند ومرسل. مسند ما كان فيه إسناد متصل، ومرسل ما انقطع فيه الإسناد، فهذا اصطلاحهم وهو عام. فمثل هذه القضايا الأولى أن نحكم فيها اصطلاح المحدثين لأنهم أهل الفن.

فالمسند فالمسند ما اتصل إسناده، والمرسل ما لم يتصل إسناده. فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس ذلك حجة، إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإنها فتشت فوجدت مسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: المسند ما اتصل إسناده والمرسل ما لم يتصل وهو ليس بحجة لأنه ضعيف. أعطاك الحكم قال: إن كان من مراسيل غير صحابي فليس بحجة، لأن مراسيل الصحابة حجة حتى عند المحدثين، يقول: إلا مراسيل سعيد بن المسيب، وهو مذهب الشافعي رحمه الله يحتج بمراسيل سعيد قال: لأنه وجدها مسندة فإنه يحتج بها رحمة الله عليه.

والعنعنة، والعنعنة تدخل على الأسانيد. طبعاً هذه جمل الآن يأتي بها إمام الحرمين هي من علوم الحديث ولم يأتي فيها بمسائل مهمة، لكنها مجرد تعريفات أن من صفات الإسناد العنعنة. لكن ما حكمها اتصالاً وانقطاعاً قبولاً ورفضاً؟ هذي صنعة حديثية بحتة ينبغي أن تؤخذ من علوم الحديث وليس مما يقرره الأصوليون. وإذا قرأ الشيخ، وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول: حدثني أو أخبرني.

إذا قرأه على الشيخ فيقول: أخبرني، ولا يقول: حدثني. وإن أجازه الشيخ من غير قراءة فيقول: أجزاني أو أخبرني إجازة. وهي مذاهب حتى عند المحدثين. متى تقول حدثنا؟ ومتى تقول؟

فإن كان سماعاً أو قراءةً، فالراوي قد يقرأ الحديث على الشيخ ويصحح له. فإن كان الراوي هو يقرأ وشيخه يصوب يقول: أخبرني. وإن كان الشيخ هو الذي يروي الحديث والتلميذ يسمع ويكتب يقول: حدثنا.

ما مدى قبول المحدثين لهذا التفريق هو أيضاً محل اجتهاد؟ لغةً لغةً لا خلاف، فإن حدثنا وأخبرنا، لكن صنعة المحدثين لهم فيها تفصيل دقيق ولهم فيها مراتب، وبعضهم يتشدد فيها كالنسائي في أسانيده رحمه الله.

يسوق الإسناد عن فلان قال: حدثنا، ثم يحول الإسناد إلى آخر فقط لأنه يفرق بين صيغة وصيغة من دقته رحمه الله في ألفاظ الرواية. أما الإجازة فبابها أوسع، أن يجيزه بحمل الحديث وروايته فيقول: أجزاني أو أخبرني إجازة.

لأنه لا يجوزون في الأحاديث المجازة بالإجازة، لا يجوز أن تقول حدثني؛ لأنك لا سمعته يقرأ عليك الحديث ولا أنت قرأته. لكن تنص على الإجازة فيها ليكون أحوط وأبرأ إلى الذمة.

غداً سندلف إن شاء الله في آخر الأبواب بدءاً من القياس، والتعادل والتراجيح، والاجتهاد والتقليد نختم به متن الورقات إن شاء الله تعالى. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.