بسم الله الرحمن الرحيم، نحمد الله تعالى حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله المصطفى ونبيه المجتبى، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آل بيته وصحابته أئمة الهدى ومن تبعهم بإحسان واقتفى أثرهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذا هو لقاؤنا الأخير بعون الله وتوفيقه في تدارسنا لكتاب الورقات لورقات إمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمة الله عليه، واللقاءات الخمس المتقدمة ابتدأنا فيها من أول الكتاب ومررنا بمجمل أبوابه على نحو متوسط بين الإيجاز وبين ضرب المثال والشرح والوضيح بما أرجو أن يكون قد حقق المقصود.
نبتدأ الليلة بعون الله وتوفيقه من باب القياس، والقياس أحد الأدلة التي يعمد إليها فقهاء الشريعة لاستنباط الأحكام. الأبواب السابقة كانت حديثا عن الأدلة والدلالات، كان حديثا عن دلالة القرآن والسنة وكيفية استنباط الأحكام منهما من خلال قواعد الدلالات في الأمر والنهي، في العام والخاص، في المبين والمجمل، في المطلق والمقيد، في الظاهر والمؤول، في النسخ وصوره وأحكامه.
ثم كان الحديث البارحة عن دليلي الإجماع والسنة، وكان هناك باب مهم أيضا هو باب التعارض بين الأدلة فيما يبدو في الظاهر للمجتهد والفقيه والناظر في الأدلة والمسالك التي نص عليها أهل العلم للخرج من هذا الإشكال والجمع بين الأدلة والخروج بجواب تلتئم معه الأدلة وتتفق.
الحديث الليلة عن دليل القياس، هو أحد الأدلة الكبرى التي يعمد إليها الفقهاء لاستنباط الأحكام، ومحل القياس إذا لم يجد الفقيه في النازلة نصا يسعفه بالدلالة على حكم المسألة التي يريد، فهو عندئذ ينظر في دليل لحكم منصوص عليه ثم يقيس عليه، أي يلحق المسألة التي يبحث عن حكمها يلحقها بمسألة أخرى شبيهة بها ولها تعلق بها، وقد وجد لها حكما في الشريعة فيعطيها الحكم ذاته، وهو ما اصطلح عليه بالقياس.
القياس كما قلت أحد الأدلة التي يعمد إليها الفقهاء، والتي يجتهدون فيها في تحرير صوره وأنواعه وضبط طرق القياس حتى يكون صحيحا معتمدا، وإخراج ما لا يعتمد من أدلة القياس ونحو ذلك. دليل القياس أحد الأدلة الكبرى من جهة، والصعبة من جهة أخرى، التي يتفاوت فيها الفقهاء المجتهدون وتمايزون فيها تمايزا كبيرا.
إذا، دليل القياس واستعماله مسلك وعر ليس باليسير الذي يتعاطاه كل من تناول الفقه واستعمله، لكنه يحتاج إلى دربة طويلة ودراية، لأنه يتكئ على جملة من المعالم والخطوات عسيرة، صعبة، رفيعة المنال، يحتاج الفقيه في الوصول إليها أن يكون قد سلك خطوات جيدة حتى يتمكن من استعمال القياس.
ولهذا يقول إمام الحرمين الجويني رحمه الله في البرهان وهو يتحدث عن القياس، يقول: هو مناط الاجتهاد ومنه يتشعب الفقه، لأن نصوص الكتاب والسنة محصورة، ومواقع الاجتهاد معدودة، والوقائع لا نهاية لها. فهو يبين أن استعمال القياس مهم للفقيه، لأن النصوص معدودة، وأما الوقائع فهي متجددة كثيرة لا نهاية لها، فإذا أردت أن تبحث لكل مسألة نازلة دليلا في الكتاب والسنة عجزت، لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، ولا يمكن أن تستعملها حتى تغطي كل مسألة مما تريد البحث عنها، لا تستطيع أن تبحث لها عن نص يتناولها بالحكم.
هو يبتدأ بتعريف القياس، ثم ذكر بعض أنواعه، وينتقل للحديث عن أركانه، نعم.
القياس، وأما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل في الحكم بعلة تجمعهما، وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. ابتدأ رحمه الله بتعريف القياس اصطلاحا تعريفا مباشرا، قال: هو رد الفرع إلى الأصل بعلة تجمعهما في الحكم، أو في الحكم بعلة تجمعهما لا فرق.
هذا التعريف وغيره من تعريفات الأصوليين يحرصون فيها على أن يتناول التعريف الأركان الأربعة للقياس، وهي الأصل والفرع والحكم والعلة الجامعة بينهما. وققبل أن أشرح التعريف أتكلم عنه، نتناول مثالا يتضح به مثل هذا التعريف وسواه.
جاء في حديث النبي عليه الصلاة والسلام النص على أصناف ربوية، أي يدخلها الربا، ويشترط فيها في بيعها التقابض والتماثل لبيعة بجنسها أو التقابض فقط إذا بيعت بغير جنسها، في حديث عبادة: الذهب بالذهب مثلا بمثل يدا بيد، والفضة بالفضة مثلا بمثل يدا بيد، والبر بالبر مثلا بمثل يدا بيد، والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد، والتمر بالتمر مثلا بمثل يدا بيد، والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد.
هذه الأصناف الستة التي اصطلح الفقهاء على تسميتها بأصناف ربوية، الذهب والفضة وأربعة مطعومات: البر والشعير والتمر والملح، هذه يدخلها الربا لأن الحديث نص عليها، فدخول الربا أو جريان الربا في هذه الأنواع الستة المذكورة منصوص عليها.
فإذا جاء الفقيه وقال: الأرز مثل البر، ويدخله الربا كما يدخل في البر، ونزل عليه حكم البر المنصوص، إذا هو قاسه عليه هكذا باختصار شديد. الأرز غير مذكور في النص، بل كان غير موجود أصلا عندهم في صدر الإسلام، ولا كان طعاما معروفا، لكن لما حدث وانتشر وعرفه الناس وأكلوه، أصبح طعاما وقوتا لكثير من الآدميين، نظر الفقهاء فإذا هو لا يختلف عن البر في حكمه، فجعلوا له حكم البر في جريان الربا فيه.
ومن باع أرزا بأرز من نوعين مختلفين، اشترط في حقه التماثل والتقابض، وجعلوه في مثل قوله صلى الله عليه وسلم: البر بالبر مثلا بمثل يدا بيد. الحديث ما ذكر الأرز.
انظروا إلى أن الأرز في المثال ها هنا فرع، والبر أصل، الأصل ما هو؟ هو الذي تناوله الدليل بالنص عليه، هذا هو الأصل. الفرع هو المثال الذي يريد الفقيه بحث حكم عنه وإعطائه حكم مناسب له، فالأرز هو الفرع، والبر هو الأصل، والحكم الذي نص عليه الدليل في البر ما هو؟ هو جريان الربا فيه، فهذا الحكم هو الذي نريد تعديته أو إيصاله أو إدخاله إلى الأرز.
فأنت تريد تعدية الحكم من محل النص إلى محل لا نص فيه، فأنت قست الأرز على البر. ما معنى قسته عليه؟ ألحقته به وساويته به، ولهذا يقولون في تعريف القياس: إلحاق فرع بأصل، أو يقولون: تسوية فرع بأصل، إلحاقه أو تسويته به في ماذا؟ في الحكم.
إذا، عندك فرع، وعندك أصل، وعندك حكم. حتى يتم لك ويتسنى لك إلحاق هذا الفرع بذلك الأصل، عليك أن توجد علة مشتركة بينهما، عليك أن تكتشف العلة التي من أجلها جاء الحكم في الأصل، وتتأكد من وجودها في الفرع، فكأنك تبني جسرا بينهما يتسنى لك به تمرير الحكم من الأصل إلى الفرع.
في هذا المثال، نظرت إلى البر، ستحاول أن تجد علة إن لم تكن منصوصة في الدليل، وها هنا لم تكن منصوصة، فنظر الفقهاء في الحديث واجتهدوا في البحث عن العلة التي من أجلها جاء تحريم الربا في هذه الأنواع.
فمن الفقهاء من قال: العلة هي الطعم، كونه طعاما، ومنهم من قال: بل هو الكيل والوزن، ومنهم من جمع فقال: لابد أن يكون طعاما مكيلا، ومنهم من واف إليه شرط الاقتيات والادخار، أن يكون طعاما من شأنه أن يكون قوت البلد ويمكن أن يدخر، على خلاف بينهم في تحديد العلة في هذا المثال تحديدا.
فإذا أنا كنت ممن يرى أن العلة هي الطعم كونه طعاما، فأنظر إلى الأرز فإذا هو طعام مثل البر لا فرق بينهما، وإذا هو يستعمله الناس قوتا لهم ويدخرونه وهو قوت الناس، فأرى أن الحكم الذي جاء في البر هو مناسب تماما لأن يوجد مثله في الأرز، وهذا هو القياس.
والعلة الموجودة في البر التي من أجلها حرم الربا هي موجودة في الأرز، وهي كونه طعاما، أو قوتا، أو مدخرا، أو طعاما يكال، أيا كانت العلة التي يبحث عنها الفقيه، فاذا أوجد العلة في الأصل ووجدها موجودة في الفرع، عد الحكم إليه فتم له القياس.
فهذه أركان أربعة لأي قياس يستعمله الفقهاء: أصل، وفرع، وحكم، وعلة جامعة بينهما، وهو الذي تناوله تعريف إمام الحرمين رحمه الله، قال: واما القياس فهو رد الفرع إلى الأصل. ما معنى رده؟ إلحاقه به في حكم أو في الحكم بعلة تجمعهما.
انظر، ذكر الفرع، وذكر الأصل، وذكر العلة، وذكر الحكم، هذه الأركان الأربعة هي التي يتناولها تعريف الأصوليين عادة للقياس في تعريف أيسر من هذا.
ذكره ابن الحاجب رحمه الله، وهو استقاه من تعريف الآمدي. قال: مساواة فرع لأصل في علة حكمه. مساواة فرع لأصل في علة حكمه، بأنه تساوى معه في العلة فساواه معه في الحكم، فذكر أيضاً الفرع والأصل والعلة والحكم في كلمات معدودة. يتفاوت في التعريف، ولا يهمنا الآن كثيراً هنا. إذا تم تصور هذا المصطلح وعرفت ما معنى القياس، فإننا لن نقف كثيراً عند اختلافهم في التعريفات، وما الذي يميز كل تعريف عن الآخر.
قال رحمه الله: وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام: إلى قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه. قبل أن أذكر التقسيمات التي ذكرها، يمكن الإشارة إلى أن كثيراً من الأمثلة التي تضرب عادة في الأصول في باب القياس، يضرب المثال عادة بالنبيذ والخمر، وأن النبيذ حرم قياساً على الخمر، والخمر هو الأصل والنبيذ هو الفرع، والحكم هو والعلة هي الإسكار.
يقول: الأصل هو الخمر، حرم من أجل كونه مسكراً، العلة ذاتها وجدت في النبيذ، ولانها موجودة في النبيذ فيعطى النبيذ حكم الخمر فيصبح حراماً مثله. هذا المثال على كثرة ضربه في أمثلة الأصول كتب الأصول، عليك أن تعلم أنه مثال افتراضي تقريبي للشرح والتوظيح وليس مثالاً حقيقياً. والسبب أن النص النص تناول النبيذ بعمومه تارة وبالتنصيص على النبيذ تارة، لكنهم يضربونه مثالاً لطالب العلم حتى لا يتشعب به الامر ومثال واضح وفي متناول الجميع ويسهل فهمه فيريدونه، وإلا ليس مثالاً صحيحاً للقياس.
ولا يمكن أن تقول إن الدليل في تحريم النبيذ هو القياس، لا بل هو النص، لقوله: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، هذا عموم، فإن كان المسكر خمراً أو كان نبيذاً تناوله النص، فإذا هو محرم بالنص لا بالقياس. ومثله أيضاً لما بعث النبي عليه الصلاة والسلام أبا موسى الأشعري إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمِزْرُ؟ فقال: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. والبتع والمزر هذه أنبذة، نبيذ التمر نبيذ الشعير، فإذا تناولها النص فهو مثال افتراضي، ويشكل على بعض طلبة العلم فيقول: كيف يضرب مثالاً وأنا أجد له نصاً؟ هو مثال للتوضيح ليس إلا. ومثال الأرز أولى بضرب المثال مع وضوحه أيضاً وفهمه للناس وهو أقرب للتناول.
انقسام القياس إلى ثلاثة أقسام كما ذكره إمام الحرمين رحمه الله هو أحد تقسيمات القياس. قيل لك: القياس كم نوع؟ وإلى كم قسم ينقسم؟ سيكون سؤالك تقول: آآ أقسام باعتبار ماذا؟ وهذا سؤال جيد. القياس ممكن أقول لك: القياس ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد. قولي القياس ينقسم إلى صحيح وفاسد، هذا التقسيم باعتبار ماذا؟ باعتبار صحته وفساده. طيب، هذا التقسيم الذي أورده إمام الحرمين هو باعتبار ماذا؟ قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، باعتبار ماذا؟ وكل أنواع حتى صحيح فاسد أنواع، لكن ما ضابط التقسيم باعتبار ماذا؟ باعتبار درجة تحقق العلة في القياس.
وكل القياسات لابد فيها من علة، لكن هذا التقسيم على كل ينبغي أن تعلم أيضاً أن تقسيمات الأصوليين للقياس كثيرة، وهذا واحد منها. إذاً هذا التقسيم للقياس باعتبار درجة تحقق العلة في القياس يعني نحن متفقون على أن العلة ركن، لكن العلة هذه تارة تكون قوية التي تستخدم في القياس فيسمى قياس علة، وتارة يضعف أثرها أو دورها في القياس فيسمى قياس دلالة، وأحياناً ينعدم فيسمى قياس شبه، وسيأتيك المصنف رحمه الله بتعريف لكل واحد ونضرب له المثال، نعم.
وقياس العلة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. يقول: ما كانت العلة فيه موجبة للحكم. ما معنى موجبة؟ أنه من قوة ظهور العلة يتعين وجود الحكم. مثال: قال الله تعالى في حق الوالدين: فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا، هذا نهي ودلالته تحريم، فيحرم التأفف في الوالدين ويحرم انتهارهما بأي صورة. إذا كان هذا الحكم المنصوص وفي التأفف والانتهار والغلظة في التعامل، فما حكم ما هو أشد من ذلك؟ كالضرب -أجاركم الله- أو اللعن والشتم في حق الوالدين والعياذ بالله. ستجول أنه حرام ومن باب أولى.
في صورة يسيرة جداً لفهم القياس ستقول: هذا قسناه على التأفف، لأن التأفف الذي دل عليه الدليل بالتحريم صراحة وبالنص عليه كان لأي علة؟ لإيذاء الوالدين. فكل ما اشتمل من التصرفات على إيذاء للوالدين فهو حرام مثله. لاحظ ها هنا العلة موجبة، لم؟ لأنها موجودة وبصورة أوضح وأكد في الفرع الذي نتكلم عنه وهو اللعن أو الشتم أو الضرب، تحقق الإيذاء فيه أشد من التأفف، فهذا مثال لقياس علة أن العلة ها هنا الموجودة في الأصل هي موجودة بصورة واضحة وأقوى منها في الفرع، هذا يسمونه قياس قياس.
إن قياس علة ما كانت العلة فيه موجبة للحكم، نعم. مقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخرين. نأخذ مثالاً آخر لقياس العلة: قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِم نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا. هذا الوعيد في أكل أموال اليتامى جاء في أكل أموالهم، فما حكم من أتلف أموال اليتيم ولم يأكلها؟ طبعا المقصود بالأكل ها هنا الاستفادة، وعبر بالأكل لأنه غالب أوجه الانتفاع. لو أخذ مال اليتيم واشترى به عقاراً يقول: ما أكلته، يشتري به متاعاً وأثاثاً ومركوبات ومزارع وقال: ما أكلته، لعبر بالأكل ها هنا لأنه غالب وجوه الانتفاع، لكن السؤال ها هنا ماذا لو أتلفه عمداً؟ ما أكله، ما انتفع به أصلاً، أخذه فأتلَفَه، أفسد ماله، سلط عليه لصاً أو أحرقه أو تركه يضيع ينتهب تعمداً، هل أكله؟ ما أكله، فما حكم تعمد فعله في إتلاف مال اليتيم؟ من أين قلت حرام؟ قسته على الأكل، ما العلة الجامعة؟ ها، هو إضاعة حق اليتيم، إضاعة حقه، وهذا متحقق سواء بالأكل أو بالاتلاف، فمثل هذا يعني لا يختلف فيه فقيهان، ولن يقف أحد ويتردد يقول: لا الدليل نص على كذا والصورة الثانية لا بأس بها ولم يدل الدليل على تحريمها. فهذا هو مثاله يسمونه قياس علة.
نعم، وقياس الدلالة وقياس الدلالة هو الاستدلال بأحد النظيرين على الآخر، وهو أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة للحكم. هذه الدرجة ثانية، قال: أن تكون العلة دالة على الحكم ولا تكون موجبة، يعني هي أضعف من العلة في النوع الأول، العلة تكون دالة يعني غاية ما فيها أن تكون دليلاً. ما معنى دليلاً؟ يقول: فيها إشارة يمكن يمكن أن تعلق الحكم عليها، ويمكن أن تناقش أيضاً، هي ليست مسلمة، فهي ليست موجبة للحكم بل هي دليل عليه، إذاً فيها إشارة إلى الحكم بصورة أضعف من المثال الأول.
يقول: اختلف الفقهاء في وجوب الزكاة في مال الصغير، مال الصغير كان يموت أبوه ويترك له مالاً وهو يتيم، هل تجب الزكاة في ماله؟ إن قلت: هو غير بالغ، ومن يرى تعلق وجوب الزكاة في الذمة يرى أن ذمة الصبي ليست محل تكليف فلا يوجب الزكاة فيه، ومن يقول: الزكاة واجبة في عين المال وهي حق لله تعالى بغض النظر عن مالكه يوجب الزكاة في مال الصبيان، والمسألة بالجملة محل خلاف بين الفقهاء. لكن تعال معي في هذه الطريقة في الاستدلال من يقول إن الزكاة واجبة في مال الصبي وأتى بجملة من الأدلة، واحد منها القياس، فقال لك كالتالي: الزكاة واجبة في مال الصبي، ما الدليل؟ قال: القياس، قسته على ماذا؟ يقول: قسته على مال البالغ، مال الصبي على مال البالغ، ما العلة؟ كلاهما مال يتحقق فيه النماء والكثرة، ونظر إلى أن مال الكبير البالغ وجبت الزكاة فيه لهذه العلة، أي علة؟ نماء المال، يقول: نماء المال الذي وجبت من أجله الزكاة في مال الكبير البالغ موجودة في مال الصبي فقاسه عليه.
هل هذه الدرجة في تحقق العلية واقتضائها للحكم هي في درجة لعن الوالدين والشتم مع لَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ؟ وأنتم أدركتم الآن بداهة من البداية أنها ليست في درجتها، إذاً هي درجة أنزل، بمعنى أنه يمكن أن يخالف فيه المخالف، ويمكن أن يبدي وجهاً آخر لا يسلم هذا القياس أو يعترض عليه بوجوه من الاعتراض، هذا يسمونه قياس دلالة هي أنزل درجة من قياس العلة. النوع الثالث نعم مقياس الشبه هو الفرع المتردد بين أصلين، ولا يسار إليه مع إمكان ما قبله.
طيب قياس الشبه والفرع المتردد بين أصلين. قياس الشبه لا وجود للعلة فيه، شوف كيف ترقينا، علة مقتضية للحكم، نزلنا درجة ثانية علة تدل على الحكم ولا تقتضيه، الدرجة الثالثة لا علة، لا يوجد علة.
طيب كيف لا يوجد علة؟ ثم قسنا ونحن نكون من أركان القياس وجود العلة، يقول هذا يسمونه قياس شبه. قياس الشبه أن يتردد الفرع بين أصلين، يكون عندك مسألة فلما تبحث عن أصل لتلحقه به يتردد بين فرعيه له شبه بكل واحد منهما، له شبه وليست علة مشتركة. ما نقصد بالشبه؟ الشبه الظاهري في الصورة والشكل نعم إلى حد كبير، ولا توجد علة يبنى عليها الحكم، ولهذا قياس الشبه أضعف أنواع الأقيسة عند الأصوليين.
ولهذا قال إمام الحرمين كما في بعض الطبعات عندكم ولا يسار إليه. يعني مهما وجدت علة ما يصلح أن تعود على قياس الشبه، بل إذا استعمل الفقيه قياس الشبه في مسألة وله فيها مخالف أول جواب يقال عنه أن هذا قياس شبه وهو ضعيف. يعني لا يكاد يتماسك دليلاً يقوى في محل الخلاف بين الفقهاء. أشهر الأمثلة التي يضربونها في قياس الشبه مسألة العبد إذا جنى أو اتلف. العبد إذا جنى أو اتلف مالاً لغيره، فإن الإتلاف يتعلق به، فهل يضمن أو في رقبته؟ بمعنى أن العبد إذا جنى فهل هو يلحق بالحر فيضمن قيمة ما أتلف، وبالتالي يتحمل سيده في تضمينه كما لو جنى الحر كما لو جنى ابنه، ابن هذا السيد سيد العبد فإنه يتحمل قيمة ما أتلف، أو هو يلحق بالبهيمة وسائر الأمتعة، فتكون الجناية في رقبته بمعنى أنه يباع ويكون ليس محلاً لتنزيل حكم الضمان، يعني هل هو ضمان أم هي جناية تتعلق برقبته؟
الخلاف هذا يتنزل في منزلة العبد هل يلحق بالحر أو يلحق بالبهيمة. يعني لو أن إنساناً عنده عبد وعنده صبي صغير وعنده بهيمة شاة، فإذا أتلفت الشاة شيئاً لأموال الجيران أو أتلف ابنه الصغير أو أتلف العبد فكل واحدة لها مسألتها وحكمها، إلحاق العبد بالبهيمة له شبه وإلحاقه بالحر له شبه. إلحاقه بالحر كونه آدمي، ويترتع به شيء من التكليف وليس كل التكاليف. إلحاقه بالبهيمة له شبه وهو أنه مال يباع ويشترى ويوهب ويملك إرثاً ونحوه، ومال ينتقل بالبيع وبغيره من صور التملك الشرعي. فلما ينظر الفقيه فإذا بالعبد يتردد بين أصلين وله شبه بكل واحد، فماذا يصنع؟ يلحقه بأكثرهما شبهاً.
الفقيه ويقول أنا أرى أن شبهه بالمال يعني بالبهيمة أو سائر أنواع الأموال هو أكثر شبهاً، ويعدد وجوه الشبه واحد اثنين ثلاثة أربعة، فإذا رآه أكثر شبهاً به أعطاه حكمه وقال هو يباع ويورث ويوقف ويتملك هبة وتضمن أجزاؤه بالنقص من قيمته ونحو هذا، بخلاف الحر ولا يشبهه إلا في الآدمية وفي بعض صور التكليف. هذا مثال لقياس الشبه.
قبل أن ننتقل للشروط التي سيذكرها المصنف الآن رحمه الله ساقف هنا وقفتين: الأولى، قياس الشبه فيه خلاف كبير بين الأصوليين في تعريفه، أيضاً وفي الأمثلة له وفي الدلالة عليه، خلاف في المصطلح نفسه قياس الشبه. ولهذا لا يشكل عليك لو فتحت بعض كتب الأصول أو وجدت لبعض الأصوليين تعريفا آخر لقياس الشبه غير هذا، فهذا وارد ومحل خلاف.
التنبيه الثاني أن هذا التقسيم وهذا التنويع علة ودلالة وشبه بهذه التعريفات التي ساقها إمام الحرمين رحمه الله، أيضاً أمر اصطلاحي ويتفاوتون في تعريفاته. يعني جرى كثير من المتأخرين يعني ابن الحاجب والآمري ومن بعدهم على تقسيمات العلة والدلالة بغير التعريف الذي أورده إمام الحرمين هنا، وأنا أريد فقط ليتبين لك أوجه الخلاف.
يعني هم يقولون قياس العلة ما جمع فيه بين الأصل والفرع بالعلة، لا يقسمونه بدرجة قوة العلة لا، يقول قياس العلة ما كان الجامع بين الأصل والفرع هو العلة، وقياس الدلالة لا يجمع فيه بالعلة بل بما يلازم العلة بأثرها أو بوصفها، ولهذا يقولون قياس دلالة ليست العلة موجودة. يضربون له مثالاً يقول مثلاً أنا لما أتكلم عن تحريم الخمر وأقيس عليه النبيذ، ما العلة الجامعة المشتركة بينهما؟ إذا قلت الإسكار هذا قياس علة أنك تتحدث عن العلة، لكن هو يقول لك أنا أتحدث عن وجه آخر لهذا القياس وهو أن الخمر والنبيذ كلاهما سائل وشراب يشتركان في صورة من الصور بينهما شبه ما هو؟ قال هو سائل يقذف الزبد مع الإسكار، يعني له رغوة وتخمره يسبب له فوراناً، هذا الوصف ليس هو العلة وأثر من العلة وهو لا يقول وحدها علة.
بمعنى أنه لو وجد شراباً آخر يسكر وليست فيه هذه الأوصاف لا يعطيه حكمه، وإذا وجد سائلاً آخر فيه الفوران وفيه الرغوة ولا يسكر لا يعطيه حكمه مثلاً، فهذا وصف فيه أثر العلة وليست العلة، يسمونه قياس دلالة. النوع الآخر يسمونه قياس في معنى الأصل، وهذا القسم لم يرده المصنف رحمه الله، قياس في معنى الأصل لا يبحث عن علة بل ينفي الفارق، هذا قياس بالعكس.
يعني لما يريدون أن يلحق فرعاً بأصل لا يبحث عن علة مشتركة بينهما يكتفي بنفي الفارق ويسمونه أحياناً قياس قياس نفي الفارق أو قياس لا فارق، يعني بمجرد أن يثبت أنه لا فرق بين الفرع والأصل وينفي أي وجه من الاختلاف والفرقة تم له القياس. على كل هي مصطلحات وإنما أشرت إليها لأنه قد يقف بعضكم على تقسيم آخر للقياس وعلى مصطلحات أخرى، فالباب في هذا متسع يهمك فقط أن تضبط أركان عند التطبيق تعرف الشروط الآتي ذكرها.
نعم، ومن شرط الفرع أن يكون مناسباً للأصل ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين. بدأ يتكلم رحمه الله عن شروط القياس حتى يكون صحيحاً، هناك شروط تتعلق بالفرع وأخرى بالأصل ومثلها في العلة أو الحكم. قال أولاً من شروط الفرع أن يكون مناسباً للأصل، إيش تقصد بالمناسبة؟ مناسب في ماذا؟ نعم أن يناسب الحكم وأن يناسب الفرع الأصل، يعني يكون بينهما وجه المناسبة وهو العلة، أن تكون هناك وجه للاشتراك بينهما.
ومن شرط الأصل أن يكون ثابتاً بدليل متفق عليه بين الخصمين. أي خصمين يتكلم عنهما؟ في مقام المناظرة والحجاج والاختلاف. طيب أنا لو أردت أن أقيس وليس معي خصم وليس امامي مخالف، أنا أبحث عن دليل لمسألة، إذاً لا محل لهذا الشرط يكفي أن تقول أن يكون حكم الأصل ثابتاً بدليل صحيح.
إذا ثبت بدليل يكفي، لكن حقيقة إذا كان هناك مخالف لك في المسألة يعني أنت تبحث عن مسألة فيها خلاف وأنت مالكي والمخالف لك حنفي أو العكس، فلا يصلح أن تقيس لي في مسألة دليلك فيها أنا لا أوافق عليه، كان يكون مثلاً دليلاً عندك اه الدليل فيه عمل أهل المدينة مثلاً وهو حجة عند المالكية وليس عند غيرهم، أن يكون حديث آحاد فيما تعم به البلوى وهي حجة عندك وليس كذلك عند الحنفية مثلاً، وهو أصلاً لا يوافقك في أصل الدليل الذي بنيت عليه تأتي وتقيس عليه وهو أصل الدليل لا يوافقك عليه، فمن شروط صحة القياس عندما تكون في محل مخالفة أو إثبات لمسألة أمام من يخالفك أن يكون أصلك الذي تستقي منه الحكم لتقيس أن يكون محل اتفاق بينك وبين المخالف، فاذا لم يكن في المخالف مسألة مخالف لا يكتفي أن تقول أن يكون دليلاً صحيحاً.
بالمناسبة التعبير بخصم خصم تعبير غير لائق، لا أتكلم عن عبارة إمام الحرمين لكنه مصطلح درج وشاع فيقال في المخالف في المسائل خصم. الخصومة لفظ يوحي بشيء من النفرة وبشيء من الاعتداء أو التعادي أو شيء من المواقف التي يتعنت فيها كل طرف لحقه. خلاف الفقهاء الخلاف الشرعي ليس من هذا القبيل، ليس خلاف خصومة هو خلاف اجتهاد، بل هو خلاف ود وعلم والعلم رحم بين أهله.
ولهذا نبه بعض أهل العلم أن لفظة خصم وهي كما ترى كثيرة حتى في كتب الخلافات الفقهية فقه المخالف قال الخصم فان قال الخصم كذا قلنا كذا، فهي لفظة تنبيه على أنها يعني لفظة الخصم الأولى استبدالها قال المخالف.
قال صاحب القول الآخر: قال المذهب الفلاني. فهي أولى من التعبير بالخصومة والخصم، لأننا لسنا في منازعات ولا قصاص حقوق ولا محاكم شرعية، نتكلم عن خلاف فقهي في ساحة الفقهاء، والتعبير بالمخالف أولى.
طيب، ومن شرط العلة؟ ومن شرط العلة أن تضطرد في معلولاتها فلا تنتقد لفظا ولا معنى. من شرط العلة الآن تكلم عن شرط الفرع، وتكلم عن شرط الأصل، وهذا شرط العلة. شرط العلة الاضطراد. ما معنى الاضطراد؟ قال: أن تكون موجودة في معلولاتها، أن تكون العلة متحققة في كل صورة. يوجد فيها هذا الحكم الذي تريد القياس عليه، أن تكون العلة موجودة. فإذا وجدت واضطردت صح لك القياس. عدم اضطراد العلة، يعني عدم تحققها في كل الصور يضعف التعليل بها. فإذا ضعف، ضعف قياسك أنت أيضا.
مثال ذلك، لما تتكلم عن القتل بمثقل، يعني الآن القصاص إنما يكون في القتل بالآلة الحادة التي هي يقصد بها القتل، لكن ماذا لو قتل بمثقل؟ قتل بحجر، أو قتل بخشبة، ليست آلة قتل في العادة، رمى على إنسان صخرة فقتله، ضربه بخشبة فقتله، هذا يسمونه المثقل، وهو عكس المحدد الآلة الحادة. فمن يقول إن هذا القتل بالمثقل يوجب القصاص، سيحتاج أن يبحث عن العلة، هو سيقيسها على القتل بمحدد، فيقول: كلاهما قتل عمد عدوان، يقول هو مثل القتل بالآلة الحادة، ذاك وجب فيه القصاص لأنه قتل عمد عدوان، وهذا يجب فيه القصاص لأنه قتل عمد عدوان. العلة هذه التي ذكرها الآن علة غير مطردة. كيف يعني غير مطردة؟ يعني وجدنا صورة من الصور، قتل عمد عدوان، ولا قصاص فيه، الوالد لولده، ستقول فيه نص أنا معك. إذا العلة غير مستقيمة، نص الحديث على أنه لا يقتل والد بولده، لكن لو قتل الوالد ولده، أليس قتلا عمدا عدوانا؟ ستقول: بلى، ولماذا لم يجب القصاص؟ لو كانت العلة مضطردة، لاوجدت الحكم. هذه الصورة هي مثال، مثال لأن توجد العلة ويتخلف عنها الحكم. هذا ماذا يسمى؟ يسمى عندهم نقض العلة، يعني ثبت عندك في صورة تخلف فيه الحكم عن العلة. ما معنى التخلف؟ أن توجد العلة ولا يوجد الحكم، وهذا يعتبرونه وصفا يسمى نقض العلة.
ونقض العلة أحد أكبر وأعظم صور نقض القياس أو فساد القياس. وإذا أعترض أحد ما على القياس، فإن أقوى وجوه الاعتراض نقض العلة، يعني يأتي القائس أمامي فيثبت للقياس ويبدي علته، فلما أنظر في العلة وأكتشف أن علته غير مطردة مباشرة فأعترض على قياسه وأقول: قياسك غير صحيح، لأن علتك غير مضطردة. إذا من شروط العلة أن تكون مطردة، فاذا لم تضطرد فقد انتقضت، ونقض العلة موجب لفساد القياس. نعم.
ومن شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. من شرط الحكم، إذا ذكر شرط الأصل وشرط الفرع وشرط العلة، ذكر الآن شرط الحكم. الحكم الذي هو التحريم. الخمر الذي تريد تعديته إلى النبيذ، الذي هو جريان الربا، البر الذي تريد تعديته إلى الأرز مثلا. من شرط الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. هو تماما نفس شرط العلة. أما قلنا شرط العلة أن تكون مضطردة. ما معنى مطردة؟ أنه كلما وجدت العلة وجد الحكم. لما أقول لك ما شرط الحكم؟ ستقول لي: أن يكون مصاحبا للعلة. وهذا معنى الدوران، كما تحفظون عبارة الفقهاء: الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، هو هذا، هو هذا من شرط الحكم. الحكم أن يكون مثل العلة في النفي والإثبات. بمعنى أنه يصاحب العلة، إذا انتفت العلة انتفت، وإذا وجدت العلة وجدت، وهذا معنى قول الفقهاء: إن الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما.
نعم، والعلة هي الجالبة للحكم، والحكم هو المجلوب للعلة. العلة هي الجالبة للحكم. إيش معنى جالبة؟ ما معنى جالبة؟ها، العلة هي الجالبة للحكم، هي التي أتت بالحكم. الذي أتى بالحكم، هو الشارع أو العلة؟ كيف تقول العلة هي الجالبة للحكم؟ طيب، هذا أيضا محل نزاع كبير في كتب الأصول في تعريف العلة. فمنهم من يقول: هي المقتضي للحكم. ومنهم من يقول: هي الباعث للحكم. ومنهم من يقول: هي الوصف المؤثر للحكم. اختلاف في التعريفات الحقيقة هو مدرستان كبيرتان، أشاعرة ومعتزلة، وتعود إلى أصل عقدي عندهم، أقولها فقط للفائدة، فيما يرى المعتزلة التحسين والتقبيح العقليين، ويرون وجوب رعاية الأصلح على الله -تعالى الله عن ذلك- فإنهم يثبتون للأشياء أوصافا مؤثرة بذاتها، العلل عندهم تؤثر بذاتها، فلذلك يعرفون بتعريفات قوية، يقولون: الجالبة للحكم، يقولون: المقتضية للحكم، يقولون: الباعث عن الحكم.
والأشاعرة لما كانوا في ردة فعل وعلى موقف مخالف تماما للمعتزلة وانتقضوا معه في جملة مسائل العقيدة، كان هذا واحد منها، أنكرت الأشاعرة مسألة التحسين والتقبيح العقليين بغلو قابل غلوا معتزليا، بلغ بهم الغلو أن ينكروا أن للأشياء أوصافا من الحسن والقبح في ذاتها، وأهل السنة وسط يقولون: بلى، توصف الأشياء بحسن وقبح، لكنها لا تستلزم الحكم. على كل، فلما رأى الأشاعرة هذا رفضوا التعريفات التي تقول هي الباعث تقول، فقالوا: هي المعرف للحكم، حاولوا أن يبحثوا عن تعريف يتفقوا مع أصلهم العقدي. قال هنا العلة هي الجالبة للحكم. أهل السنة يقولون: هو وصف مؤثر، والتأثير ليس ذاتيا، بل بجعل الله عز وجل لها تأثيرا. والتراض الحكم وعدمه هو اجتهاد من الفقيه والنظر في المسألة.
هنا انتهى كلامه رحمه الله عن القياس، هو على طريقته في الإيجاز، إنما يجب أن أقول في ختام الحديث عن القياس هنا: إن أهم مباحث القياس في كتب الأصول هو الحديث عن العلة، لأنها مربط الفرس، أصل وفرع وحكم في النهاية يدور على تحقق العلة. العلة هذه إن ثبتت في النص ودل عليها مثل قوله صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، قال الله تعالى في مال الفيء: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ، متى جاء الدليل مصرحا بالعلة فإن الفقهاء يكتفون به ويقولون هذا هو علة الحكم.
وفي أحيان كثيرة لا يأتي الحديث ولا الآية بذكر العلة لا تصريحا ولا تلميحا، هنا يجتهد الفقهاء في ماذا؟ في ماذا؟ في استنباط العلة، وهذا الحقيقة هو أدق أدق مسائل القياس، هو البحث عن العلة واكتشافها، وهذا هو أدق المسالك، وعمق الغوص في مسائل القياس عند الأصوليين هو اكتشاف العلة، ويفردون في أبواب القياس مسائل وفصول يسمونها مسالك العلة أو طرق البحث عن العلة، ثم يذكرون لك الطرق التي يشتغل بها الفقهاء. عادة تكون هذه المباحث مزعجة عند الطلاب الدارسين لعلم الأصول ويرونها صعبة، ويرون الكلام فيها مزعج ومتعب للعقل، لكنه مسلك دقيق حقيقة، وفهمه لذيذ لمن تصوره وعرف ماذا يقصدون بهذا الكلام.
هو يقول لك: هب أنك أمام بحر الشريعة ورميناك لكي تسبح فيه، وقلنا لك: استخرج علل الأحكام. المسألة يا أخوة ليست باليسيرة، أنت تتعامل مع أحكام شرعية جليلة، أحكام ربانية، وتجتهد بعقلك البشري القاصر أن تقول إن الإسلام حرم الربا في البر من أجل كذا. هذه في قدر كبير من الجرأة وتخشى أن تكون افتئاتا على الشريعة، لكنك تستنفذ كل الوسائل الممكنة، الذي يحملك على ذلك هو محاولة لتوسيع الحكم، وإلحاق فروع ما وجدت فيها دليلا. فعلى كل هو باب كبير، البحث عن العلة وطرق استنباطها أو مسالكها من أدق المسالك وأصعبها، ولا يقوى عليها -كما قلت في بداية الحديث- إلا من رزق فهما دقيقا وعمقا في إدراك مقاصد الشريعة والبحث عن العلل. فهي الحقيقة تكاد تكون هذا الباب هو أصعب مباحث علم الأصول على الإطلاق بدقته وغموضه ودقة مسالقه وندرة التطبيق العملي الذي يقتفي فيه الدارس أحيانا بمجرد التقسيم والتنويع والتعريف، ولا يجد ممارسة عملية فيبقى جافا عنده، لا يكاد يفرغ منه حتى ينتقل إلى الباب الذي يليه، لكنه حقيقة من أجل المسالك.
التنبيه الأخير فيما يتعلق بالقياس: جميعكم يعلم أنه لم يخالف من أهل المذاهب المسلمة أحد في باب القياس إلا الظاهرية، وإنما انفصلوا عن المذاهب الأربعة وأصبحوا مذهبا مستقلا من أجل هذه المسألة، من أجل باب القياس.
فإنكارهم للقياس واعتمادهم على ظاهر النصوص واكتفاؤهم بالألفاظ التي جاءت في النصوص هو الذي جعلهم مذهباً مستقلاً، ومنه استقي اسمهم مذهب الظاهرية؛ أي الاكتفاء بظاهر النصوص. ويرون أن البحث عن العلل وأن توسيع الحكم هو تشريع ما لم ينزل الله عز وجل به سلطان، وهو منازعة للشارع في تشريع الأحكام، وأن هذا نوع من فرض الآراء في الدين. ومذهب قام على هذه الرؤيا لما أسسه داود الظاهري، ثم مشى عليه ابنه علي، ثم انتصر له ابن حزم وغيره من الظاهرية الذين ساروا على هذا المذهب.
مذهب الظاهري قوي ومتين في سائر أبواب الأصول، لكنه في باب القياس لا يعتبر، ويعتبر إنكارهم وخلافهم شاذاً مسبوقاً بإجماع الصحابة، وبتطبيقات نبوية حتى في زمنه عليه الصلاة والسلام. ما أريد الإطالة فيه، لكن تفهم كيف تعامل الفقهاء مع خلاف الظاهرية في باب القياس؟ لا يعتبرونه خلافاً ولا ينظرون إليه، ولهذا يحكي بعضهم الإجماع. يقول لك: القياس من الأدلة المتفق عليها في الشريعة. كيف متفق عليها وفيها خلاف كبير للظاهرية؟ يقول لك: لا عبرة بخلاف الظاهرية في هذه المسألة، وهم لا يطرحون خلافهم في الأبواب الفقهية، لا في باب القياس، ويرون خلافهم شاذاً مطرحاً لا يعول عليه.
نعم، الأصل في الأشياء الحظر والإباحة. وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، وإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر. هذه إحدى القواعد الجليلة في علم الأصول وهي الأصل في الأشياء. وفائدتها فيما لم تجد دليلاً أيضاً على مسألة بعينها أمامك؛ مطعوم جديد اكتشفه الناس، عقد من عقود البيع استحدثه الناس، صورة جديدة من صور التعامل، لباس، طعام، شراب، هيئات، كل ذلك ما حكمه؟
ستقول: هذا الشماغ الذي نلبسه الآن وهذه الطواقي أو الكوافي، لبس النظارات، استخدام الأقلام، ركوب السيارات، أشياء كثيرة جدت في مظاهر حياة الناس، ما ضابط ذلك في الشريعة؟ وليس فيها شيء من النصوص التي تتعلق بأعيانها. هنا يأصلون هذا الأصل الكبير: الأصل في الأشياء ما هو؟ قال: الأصل في الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، يعني أن تقول: الأصل في الأشياء أنها محرمة إلا إذا دل الدليل. وجدنا في الدليل: كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ، وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ، فتبحث عن دليل يبيح، فإذا ما وجدت دليلاً ستقف.
من الناس من يقول بالعكس: الأصل في الأشياء الإباحة إلا ما جاء الدليل بتحريمه. ها هنا الحديث عندهم عبارة عن أصل كبير يصلح أن يكون دليلاً لكل ما يجد في حياة الناس اليوم وغدا وإلى يوم القيامة، في أي باب؟ ليس في العبادات، لأنه متفقون على أن الأصل في العبادات التوقيف أو المنع أو الحظر، فما لم يرد الدليل بوجه من وجوه التعبد فلا يصح. لكنه متكلم... يتكلمون عن العادات أو المعاملات وهذه الأبواب التي لا منتهى لها. ساق المؤلف رحمه الله المذاهب في هذا، منهم من قال هو الحظر، ومنهم من قال هو الإباحة، والمتأخرون من الأصوليين بل من الرازي ومن بعده، حتى يخرج من إشكال يقول: لا، الأشياء هذه منها ما هو منافع ومنها ما هو مضار، فالاصل في المنافع الإباحة، والأصل في المضار التحريم. ولك نص في هذا: وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ، ثم تقيس على كل ما يجد في حياة الناس؛ استخرج الناس طعاماً جديداً من البحار، نوعاً جديداً من اللحوم، شيئاً اكتشفه الناس فيما يتعلق بالمعادن واستعمالها، كل ذلك أو الملابس أو المركوبات، فانت تطلقه على هذا الأصل.
وأما الحظر والإباحة فمن الناس من يقول إن الأشياء على الحظر إلا ما أباحته الشريعة، فإن لم يوجد في الشريعة ما يدل على الإباحة يتمسك بالأصل وهو الحظر. ومن الناس من يقول بضده وهو أن الأصل في الأشياء أنها على الإباحة إلا ما حظره الشرع، ومنهم من قال بالتوقف. وقلت لكم إن عدداً من الأصوليين كالرازي والبيضاوي ومن بعدهم قسموا هذا فقالوا: الأصل في المنافع الإباحة، والأصل في المضار التحريم، فكان هذا قولا وسطاً وهو جيد حتى لا يطرد عليك أمر ينتقض بغيره.
نعم، الاستصحاب. ومعنى استصحاب الحال: أن يستصحب الأصل عند عدم الدليل الشرعي. هذا أيضاً أحد الوجوه، وجعلها ابن قدامة تبعاً للغزالي رحمة الله عليهما جعلوه دليلاً من الأدلة المتفق عليها وسموه الاستصحاب. الاستصحاب مصطلح فيه معنى طلب صحبة الحكم، لأن الهمزة والسين والتاء للطلب، الاستصحاب طلب مصاحبة الحكم. بمعنى أن الفقيه يكون أمام مسألة فيقول: استصحب فيها الحكم السابق. الحكم السابق هذا -طبعا المسألة هذه عندما لا يكون فيها دليل- فهو يستصحب فيها حكم شيء سابق.
يعني مثلاً: عدم وجوب صيام شوال استصحباً؛ لأنه لم يجب إلا رمضان، فقاس عليه -عفواً- فاستصحب فيه عدم وجوب غيره، لانه كان كذلك قبل أن يفرض رمضان، قبل أن يفرض صيام رمضان ما كان لا رجب ولا شعبان ولا شوال ولا رمضان نفسه ما كان واجباً. فلما وجب رمضان، ماذا حدث في رجب وشعبان وشوال؟ مرة أخرى، قبل أن يفرض صيام رمضان ما كان واجبا لا رجب ولا شعبان ولا رمضان ولا شوال. في السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان، أصبح رمضان واجباً، فماذا عن رجب وشعبان وشوال؟ بقي على الأصل، هذا هو استصحاب الأصل.
ها هنا أنت لا تطالب بالدليل، يكفيك أن تقول: أنا استصحب الأصل الذي هو قبل ورود الدليل أنه كان غير واجب، فلما جاء الدليل بإيجاب صيام رمضان اكتفينا به، وقلنا: دل الدليل على رمضان، فيبق غيره على الأصل. يسمى هذا استصحاب البراءة الأصلية، أو يسمونه أحياناً استصحاب العدم الأصلي. بمعنى أنك تكتفي بأن الأصل فيه عدم التكليف، براءة الذمة، ولهذا يسمونه البراءة الأصلية أو يسمونه العدم الأصلي، فهذا يستصحب فيه الأصل لما لا يجد المجتهد دليلاً يتناول المسألة. يعني من جاء فيزعم مثلاً أن صلاة غير الصلوات الخمس واجبة، يكون عنده الدليل استصحاب الأصل أنه قبل أن تفرض الصلوات الخمس ما كانت هذه واجبة، فرضت الصلوات الخمس، بقي غيرها على عدم الوجوب، كذلك تقول في الصيام، كذلك تقول في وجوه أخر.
هناك استصحاب آخر ما ذكره المصنف رحمه الله، هو استصحابه المشهور في الاصطلاح إذا أطلق؛ استصحاب الحكم السابق. نحن الآن نتكلم عن استصحاب العدم الأصلي. الصورة الثانية: أن يكون عندك حكم في مسألة ما كالبيع مثلاً أو ثبوت النكاح، ثم يطرأ حالة مختلفة تغير في الحكم فيختلف فيها الفقيهان، فيقول أحدهما: أرى أن الملك في البيع باقي. والثاني يقول: أرى أن البقاء في النكاح مستمر. ما دليله؟ قال: هو يستصحب الحكم السابق، أن الملك ثابت وأن النكاح مستمر ودائم، وهي نوع من الأدلة كما قلت.
نعم، ترتيب الأدلة. وأما الأدلة فيقدم الجلي منها على الخفي، والموجب للعلم على الموجب للظن، والنطق على القياس، والقياس الجلي على الخفي، فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا فيستصحب الحال. طيب، هذا ترتيب الأدلة يقصد: لما يريد الفقيه البحث عن أدلة، ولاحظ أننا في ختام هذه المسائل لما ذكر لك الأدلة بأنواع؛ كتاب وسنة وإجماع وقياس واستصحاب، وذكر لك مراتب الأدلة وذكر لك أنواع الدلالات، قال الآن: الآن أصبحت فقيهاً جاهزاً لتطبيق مثل هذه المسائل على الأدلة وأنت تبحث عن حكمها. قال: انتبه، الطريقة هي لما تجمع الأدلة رتبها في الاستعمال. قال: يقدم من الأدلة الجلي على الخفي.
وهذا يعني حتى طلاب العلم لما يحرر أحدهم بحثاً أو يكتب مسألة هكذا يفعل؛ إذا وجد بعد البحث خمسة، ستة، عشرة، عشرين دليلاً يريد أن يسوقها ويرتبها كيف يفعل؟ أبداً بالأقوى. هو هذا ترتيب الأدلة فليس شيئاً غامضاً أو صعب الإدراك، هو فهمه. قال: يقدم الجلي على الخفي. يعني إذا كان عندك دليل مثلاً ودلالته أو دلالة النص فيه من مرتبة الظاهر -تذكرون ما هو الظاهر؟ ما هو الظاهر؟ ما احتمل أمرَيْن أحدهما أظهر- لما يكون عندك دليل الدلالة فيه ظاهرة، ودليل آخر فيه تأويل، وكلاهما يدل على الحكم ذاته، ماذا ستقدم؟
الظاهر لأنه أقوى من المؤول مثلا. عندك دليلان أحدهما يستعمل فيه اللفظ على حقيقته والآخر على مجازه، أيهما يقدم؟ الحقيقة. وهكذا فهو نوع من الترتيب يقدم الجلي على الخفي، يقدم الموجب للعلم على الموجب للظن ويقصدون بذلك المتواتر.
الكتاب والسنة فإنه يوجب العلم في هذا التقسيم على تحفظ فيه، والآحاد يأتي بعده درجة. وقد سبق التنبيه البارحة على أن أحاديث الآحاد الذي يقرره الأصوليون فيه أنه يقتضي العلم لا يقتضي العلم ويقتضي الظن، قلنا إنه يقتضي العلم إذا احتف بالقرائن، فهذا أيضا نوع من الترتيب. قال: ويقدم النطق على القياس. ماذا يقصد بالنطق؟ النص الشرعي، الدليل من الكتاب والسنة يققدم على القياس، وهذا واضح جدا لأنه القياس يأتي درجة ثانية عند عدم النص، فإذا وجد النص فهو المقدم.
قالوا: يقدم القياس الجلي على الخفي. أيضا مقياس درجات، ولاحظ ما ذكر هذا التقسيم هناك، هذا قياس علة ودلالة وشبه. قال هنا: قياس جلي وقياس خفي. يقصد بالقياس الجلي قياس العلة، والقياس الخفي ما كان أضعف كقياس الشبه. فلما يتفاوت عندك قياسان، القياس الواضح الجلي أولى.
فإن وجد في النطق ما يغير الأصل وإلا بقي على استصحاب الحال. إذا وجد في الدليل من الكتاب والسنة ما يغير الأصل، إيش يقصد بتغيير الأصل؟ يقول: الأصل قبل الشريعة براءة الذمة وعدم التكليف. قبل أن تفرض الصلوات ما كان في شيء واجب من الصلوات، قبل فرض رمضان ما كان في شي واجب من الصيام، قبل الزكاة ما كان في شيء واجب للحقوق في الأموال، هذا يقصد بالبراءة الأصلية أو الأصل.
فإذا جاء الدليل وغير الأصل يعني أثبت وجوب عبادة، أثبت وجوب عقد من العقود، إذا جاء الدليل فقد غير الأصل. بمعنى أنه انتقل من البراءة إلى تكليف، انتقل من عدم المطالبة إلى مطالبة وحساب. فإذا وجد في الدليل ما يغير الأصل وإلا بقي على الأصل، هو نفسه الذي تكلمنا عنه قبل قليل في دليل الاستصحاب عندما لا تجد دليلا فأنت تستند إلى العدم الأصلي أو البراءة الأصلية. هذا ترتيب يذكرونه في منتهى هذه الأبواب لبيان ما الذي يسلكه الفقيه عند البحث في الأدلة. نعم.
ومن شرط المفتي أن يكون عالما بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا. هذا شروع في آخر ما يريدونه في كتب الأصول وهو الحديث عن المفتي والمقلد. وهذا كما قلنا في أول لقاء ليس من صلب علم الأصول لكنه تتمة وتبع له. ومن حيث إن المشتغل بعلم الأصول هو المجتهد، فهم يستحسنون إيراد مثل هذه المسائل. من هو المجتهد الذي يحق له النظر في الأدلة ويتعامل معها وفق ما تقدم من قواعد ويستخرج الأحكام ويتكلم ويشارك الفقهاء في مداولة الرأي والبحث عن أحكام؟ اذكروا صفات المفتي المجتهد ويتكلم أيضا عن المستفتي، يريدون عادة مسائل لطيفة فيها أحكام تتعلق بالمفتي وماذا يفعل وآداب والمستفتي كذلك.
ويفيضون الكلام في أمر لطيف جدا، ما الذي يفعله المستفتي عند السؤال؟ طبعا الورقات مختصر، لكن الكتب الموسعة إلى درجة أن الرقعة والورقة التي يدفعها المستفتي إلى المفتي يذكرون آدابها: كيف تكتب؟ وكيف تسلم؟ وكيف يقرأها المفتي؟ وإذا كان المفتي سيجيب شفهيا أو سيكتب، ما الأدب المراعى؟ كيف سيكتب الفتوى؟ وكيف يبعثها؟ وإذا كان سيجيب، هذه الدقة منهم حقيقة عناية دقيقة تماما بهذا الباب الكبير باب الفتوى، لأنه باب عظيم في الشريعة.
وهو ليس من صلب علم الأصول كما ترى، لكنهم كأنهم يرون أن الأصولي إذا اشتغل بهذا العلم وأحكم صنعته فقد تأهل أن يكون فقيها. وإذا صار مفتيا قصده الناس، ممارسته للإفتاء وسؤال الناس إليه بالاستفتاء هي مسألة ينبغي تعلم أحكامها وآدابها. فلهم في هذا مباحث رائعة ولطيفة جدا، وفيها مسائل تتعلق بالمفتي أحيانا تضبط مسائل الفتوى.
وما يرى في الساحة اليوم من خلل في الفتوى، سواء من جانب الممارس للفتوى أو من جانب المستفتي، هو خلل سببه الحقيقة عدم العناية بهذه المسائل التي تذكر لضبط هذه القضية. تساهل المفتي في آآ الحكم، التسرع، العجلة، عدم الأناة، التحايل عليه، انسياق المفتي خلف حيلة يسوقها المستفتي، كل هذا ذكر عندهم بضبط. أما التساهل اليوم والوارد في كثير من القنوات والفضائيات وبعض وسائل الإعلام، والعجلة في إصدار الأحكام، وعدم الروية، القفز على النصوص، عدم ضبط تلك المسائل، كل ذلك خلل، وقد رأى الناس كلهم عاميهم ومتعلمهم رأوا أثر هذه الجناية على الساحة العلمية، وأن الفقه أصبح حمى مستباحا لكل أحد، وأن سور الشريعة أصبح للأسف أقصر الأسوار، يتسلقه كل قصير، كل قصير فضلا عن الطوال، وأصبح حمى مستباحا يعبث فيه الناس، فضاعت هيبة الشريعة وجلالة الأحكام.
والله لو كانت المسألة طبية وجلسنا في مجلس وتحدثنا فيها فيما يتعلق بأعراض مرض أو بالأدوية الناجعة، فتفلسف فيها كل واحد جالس وقال لا الدواء هذا انفع من ذاك وأنا جربته، وبيننا طبيب حاضر سيقول له اخسأ! كيف تتكلم؟ ما تفهم، ولا يد لك ولا قدم ولا عنق ولا ساق ولا ذنب في هذا العلم كيف تتكلم؟ بينما الشريعة من أسهل ما يكون أن يتكلم الحاضرون في المجلس ويدلي كل بدلوه، وكل واحد يتكلم وكأنه يغرف كما شاء ونهر جاري كل واحد يأخذ منه بكأسه ويشرب كما شاء. بل أصبحت حتى في مقابلات تلفازية أو إذاعية أو صحفية مع بعض ما ما ابعد الناس عن الشريعة ممثلين وممثلات ولاعبي كرة يقال له ما رأيك في التعدد؟ تعدد الرجل للزوجات مسألة شرعية تقول لواحد من سقط الناس ما رأيك تسأله عن رأيه في قضية شرعية؟
هذي الحقيقة مثال للسقط الذي وصل إليه بعض أقطاب المجتمع، سقطت معه هيبة التعامل مع القضايا الشرعية، فضلا عن أن القضايا التي تصدر فيها فتاوى على اختلاف أهل العلم في تقرير الحكم والمسألة أيضا أصبحت محل غمز ولمز، وكل ينتقد ويعترض، واحد يقول لا صح والثاني يقول لا خطأ، وهذا كله من الجرأة في التعامل. وكان الواجب أن تحمى الشريعة وتصان، وتحمى أبوابها ومسائلها وأسوارها عن كل ما يمكن أن يدخل منها العابثون، فنحن نوقف هذا الباب ونقول العناية بهذه المسائل كانت قديمة ونص عليها أهل العلم في الإشارة إلى ما يجب ويتحتم على أهل العلم العناية به في أبواب الإفتاء والاجتهاد.
ومن شرط المفتي أن يكون عالما بالفقه أصلا وفرعا، خلافا ومذهبا، وأن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام من النحو واللغة ومعرفة الرجال وتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها. طيب، هذا جملة ما يريده أهل العلم في شروط أن يكون عالما بالفقه أصلا وفرعا: أصول الفقه وفروعه، لم؟ لأن هذا ميدان الأحكام، الفقه والأحكام حلال وحرام، يجوز لا يجوز، مباح ومستحب مكروه واجب، هذا هو الميدان. لكن كما هو ينبغي أن يتحتم عليه معرفته بالأحكام، ينبغي أن يكون ملما بهذه الأصول، لم؟ لأنه مهما حفظ من كتب الفقه ومهما درس من مسائل الفروع ولو استوعب أكبر الكتب، المغني مثلا والمحلى والمجموع وفتح القدير والكتب الكبيرة، لو حفظها عن ظهر قلب لن تسعفه في الإفتاء في المسائل النوازل، لن يجد فيها المسائل الطبية المعاصرة، لن يجد فيها المسائل الاقتصادية المعاصرة، لن يجد فيها المسائل السياسية المعاصرة، فإذا فقد دقته وعنايته بالأصول لن يسعفه ذلك في تقرير أحكام النوازل، فحتى يصدق أن يكون مفتيا مجتهدا عليه أن يكون ملما بالفقه فروعا وأصولا، خلافا ومذهبا حتى لا ينغلق أيضا في دائرة المذهب ثم لا يتسنى له أن يقف على خلاف فيتشدد في قول أو يرفض مذهبا آخر أو لا يقف على خلاف فيه.
أن يكون كامل الآلة في الاجتهاد، فسر ذلك بقوله: عارفا بما يحتاج إليه في استنباط الأحكام، نحو، لغة، معرفة رجال. النحو واللغة لأنه يتعامل مع نصوص شرعية وهذه أول ما يتحتم العناية بها، والإمام الشافعي رحمه الله كان ممن أكثر من نبه في كتابه الرسالة على وجوب عناية الفقهاء باللسان العربي وضبطه لأنه أعظم الآلات التي يستعان بها في فهم النصوص.
بسم الله الرحمن الرحيم، قال: ومن شرطه أيضا معرفته بتفسير الآيات الواردة في الأحكام والأخبار الواردة فيها، هذا مصطلح على تسميته اليوم
لدى طلبة العلم بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام هذه جملة من الشروط، بعض الكتب يوسع أكثر في اشتراط الشروط تفصيلا وما الذي يتعين؟ في الجملة هي شروط تدور على إتقان الفقيه أو المجتهد للآلة التي تمكنه من النظر في الأدلة والتعامل معها، وهذا لا ريب فيه.
لكن ها هنا يجب أن ننبه على شرط يذكره بعضهم محل خلاف، وهو شرط العدالة، شرط التقوى والصلاح للفقيه والمجتهد، ويحررون في هذا أن هذا شرط لقبول فتواه لا لاجتهاده في نفسه، يعني ليس بالضرورة أن يكون عدلا، يمكن أن يكون مجتهدا فاسقا، لكن اشتراط العدالة فيه من أجل قبول فتواه، وهذا غير صحيح، لأنه أنت تتكلم عن ماذا؟ تتكلم عن إدراك حكم شرعي، تتكلم عن فقه في دين الله، أتظن أن يؤتاه فاسق؟
وقتها لما تكلم على فاسق ماذا يقول؟ أليس المقصود العاصي؟ أليس فينا معصوم؟ لكن تعرف ما معنى فاسق؟ فاسق يعني صاحب كبيرة أو مجاهر بالمعاصي أو مصر على الصغائر، هذا فسق. لكن العاصي التائب، الذي كلما زل عاد واستغفر وأنَابَ، هذا لا أتكلم عنه، أتكلم عن الفاسق المتجاوز حدود الشريعة. فكيف كيف نحاول أن نقرر أن هذا يمكن أن يكون مجتهدا؟ ليس تحجيرا كلا والله، لكنها يعني نيل لحكم شريعة ومرتبة شريفة في الدين، تتصور أن يؤتاها الناس بتساهل أحكام الشريعة؟
يعني هل تريد أن يكون دليلا تدل العباد على الحلال والحرام وهو ممن يلغ في الحرام أو يقصر في جنب الله؟ هذا بعيد جدا، ليس استبعادا عقليا حتى شرعيا، الله يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. فعلق حصول الفرقان وهو النور الذي يفرق به الناظر بين الحق والباطل والصواب والخطأ، علقه بتقوى الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ. سداد العبد في دنياه وآخراه مناط بتقواه لربه وصلاحه، فضلا عن أن يكون عالم شريعة يدل الناس على دين الله وصراط مستقيم، فأن تقول يمكن أن يكون مع هذا فاسقا صاحب كبيرة واقع في الكبائر أو شيء منها أو يجاهر بالآثام أو يعني لا يكترث بدين الله وأحكامه وشريعته، فكل ذلك ينبغي أن يحرر بعناية.
ثم انتقل رحمه الله لحديث عن شرط المستفتي، نعم. شروط المستفتي، ومن شروط المستفتي أن يكون من أهل التقليد، فيقلد المفتي في الفتيا، وليس للعالم أن يقلد، وقيل يقلد. إذا المقصود بالمقلد من لم يصل درجة الاستقلال بالنظر، فمثل هذا حقه السؤال؛ لأن الله قال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ. نعم، والتقليد والتقليد قبول قول القائل بلا حجة، إيش يعني بلا حجة؟ لما يأتي المقلد فيستفتي مفتيا، يكفيه فتواه أن يقول له هذا حلال وهذا حرام، بلا حجة بمعنى أنه لم يفهم الدليل ولا يلزمه.
لكن هل يلزم المفتي أن يذكر الدليل؟ هذا من المستحسنات التي يعني يتأدب بها أهل العلم في الفتوى، ذكر الدليل وإن لم يستوعبه المستفتي، لكن ربطا بالدليل وتربية لهم على التعامل مع الدليل وسماعه وفهمه يورث عندهم تعظيما للنصوص وإقبالا على تمييز الفتوى المستندة إلى دليل من التي تصدر عن هوى، نعم. فعلى هذا قبول قول النبي صلى الله عليه وسلم يسمى تقليدا، ومنهم من قال التقليد قبول قول القائل وأنت لا تدري من أين قاله، فإن قلنا إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بالقياس فيجوز أن يسمى قبول قوله تقليدا، هذه مسائل يخوضون فيها وليس لها أثر في الثمار الفقهية والفروع المترتبة عليها.
هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعمل القياس لتعليم الناس أحكام الشريعة؟ إن قلت نعم أو قلت لا، في النهاية ما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم دينا وتشريعا للأمة هو الذي ثبت، والله عز وجل لا يكرهه على شيء تخالف فيه أحكام الشريعة، وينزل الوحي في استدراك بعض المواقف كما حصل في عدد من الوقائع النبوية، فسواء تقول استعمل القياس لنا نحن أن الحكم ثبت من سنته عليه الصلاة والسلام، نعم.
وأما الاجتهاد فهو بذل الوسع في بلوغ الغرض، فالمجتهد إن كان كامل الآلة في الاجتهاد فإن اجتهد في الفروع فأصاب فله أجران، وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، هذا مستند إلى حديث ما ذكره ما رواه الحاكم في المستدرك: إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر. وهذا فيه رفع الحرج، لكنه مشترط بأن يكون الباذل لهذا الاجتهاد أهلا للاجتهاد، ومتى يكون أهلا؟ إذا كان قد حصل آلة الاجتهاد وقام بها، فاذا امتلك الآلة وبذل الوسع ونظر في الأدلة، فعندئذ هو الذي يقال فيه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر.
لكن يأتي يأتي مبتدئ في طلب العلم ناقص الآلة غير أهل للفتوى، فكما ضربت المثال قبل قليل يتسلق الأسوار ويتجرأ على حدود الشريعة، ثم يكون عذره إن أصبت فلي أجرين وإن أخطأت فلي أجر واحد، هذا لا يمكن أن يقال. لكن إذا اجتهد الحاكم فأصاب، ولهذا قال إن كان كامل الآلة في الاجتهاد في الفروع فله أجران حال الصواب، اجر على ماذا؟ اجتهادي هو اجر على إصابة، وإن أخطأ فاته أجر الصواب وبقي له أجر الاجتهاد.
يقول أهل العلم هذا من أفضل النصوص والادلة التي تشكر أهل العلم صنيعهم في الأمة، وما نفعوا به العباد من دلالتهم على أحكام الله عز وجل، وما يؤجرون به، ثم هو حث لهم على أن يواصلوا في هذا الطريق، وأن لا يشعر أحدهم بالحرج إن أخطأ ويأتيه الشيطان فيكف عن نفع الناس؛ لأن الناس إن لم يجدوا من أهل العلم ما يدلهم فسيركنون إلى أهوائهم، وإذا ركنت الأمة إلى الهوى ضاعت، لكن يبقى أهل العلم يدلون الناس ويصيبون ويخطئون.
فيه ملحظ آخر لطيف، وهو أنك لا تفترض الصواب أو العصمة في أهل العلم، لماذا يستكثر بعض الناس على عالم من العلماء إذا أخطأ في مسألة ويشنعون عليه ويسقط من أعينهم؟ ربما حرضوا الناس عليه وقالوا شوف فلان ايش يقول في مسألة كذا وماذا يقول في مسألة كذا، يا اخي بالعكس هو مأجور على هذا طالما وثقنا بعلمه وديانته وركنا إليه في الدلالة على حكم الله، فمثل هذا ليس محل تشنيع، وقد نصت الشريعة على ثبوت الأجر له.
نعم، ومنهم من قال كل مجتهد كل مجتهد في الفروع مصيب، ولا يجوز أن يقال كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب؛ لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة من النصارى والمجوس والكفار والملحدين. طيب هذه مسألة أخيره هل كل مجتهد مصيب؟ نحن قلنا الآن كل مجتهد مأجور، صح؟
لكن هذه مسألة أخرى هل كل مجتهد مصيب يعني على صواب؟ يقول: فرق بين أن تسألني في العقيدة أو تسألني في الفقه، إذا كنت تسألني في العقيدة فليس كل مجتهد مصيب؛ لأنه يلزم من هذا أن يكون النصارى على صواب والكفار على صواب والملحدون إذا اجتهدوا في عقائدهم الباطلة ورأوا أن هذا هو الحق، وهذا ليس صحيحا يؤدي إلى تصويب العقائد الكفرية. طيب وفي الفقه؟
منهم من تأول فقال نعم مصيب بمعنى أنه على صواب فيما أداه إليه اجتهاده، واضح؟ يعني خلاف الحنفية والشافعية في مسألة النكاح بلا ولي، خلاف الحنابلة مع غيره في نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، هل كل مجتهد مصيب؟ أجب. هل كل القولين صواب؟ الصواب واحد، أيهما هو الصواب؟
طيب هل كل مجتهد مصيب؟ إن كنت تقصد اصابة الحكم الشرعي عند الله فليس كل مجتهد مصيب، الحكم كم؟ واحد، ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: إذا اجتهد فاصاب، إذا اجتهد فأخطأ، إذا هو يقصد بالصواب إصابة الحكم، ويتفاوت المجتهدون في إصابة الحكم عند الله، إذا ليس كل مجتهد مصيب.
لكن لو قال قائل أنا أقصد كل مجتهد مصيب يعني صواب رأيه عند نفسه فيما أداه إليه اجتهاده، هذا لا خلاف فيه، الصواب عند الحنابلة كذا ولهذا أفتوا به، والصواب عند الحنفية كذا ولهذا أفتوا به، حسب ما ظهر لهم من الأدلة وبقدر ما أداهم إليهم اجتهادهم فهو صواب عندهم وليس عندي، وصواب عندك وليس عند غيرك.
هذا موجز ما ذكره رحمه الله، قال: ومن الناس من يقول: كل مجتهد مصيب في الفروع مصيب، ولا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية -يقصد الأصول الكلامية العقائد- لا يجوز أن يقال: كل مجتهد في الأصول الكلامية مصيب، لأن ذلك يؤدي إلى تصويب أهل الضلالة والمجوس والكفار والنصارى والملحدين.
قال أخيراً: ودليل من قال: ليس كل مجتهد في الفروع مصيباً، قوله صلى الله عليه وسلم: من اجتهد وأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله اجر واحد. نعم، وجه الدليل؟ وجه الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم خطأ المجتهد تارة وصوبه أخرى.
والله سبحانه أعلم، والله سبحانه أعلى وأعلم وأجل وأحكم. ونحمده سبحانه جل وعلا على ما من به علينا بالتوفيق والسداد في دراسة متن الورقات لإمام الحرمين رحمه الله، ثم على ما وفقني الله وإياكم أن ما تدارسناه في الأيام الستة الماضية هو محض توفيق وفضل من الله جل جلاله، يستحق الحمد والشكر والثناء عليه، فهو أهل لذلك كله.
ثم هو لا يعدو أن يكون محاولة يسيرة لدراسة هذا العلم الجليل علم الأصول، ولعلكم في الأيام الستة التي قضيتموها في رحاب هذا المتن الموجز الصغير شممنا سويا رائحة الفقه وعرفنا عظيم ما يشتغل به الفقهاء في هذا الباب الكبير والعلم الضخم علم الأصول، وهو أنه يحتاج إلى عناية متتابعة ويحتاج إلى جهد متواصل في بذل المساعي يرقى طلاب العلم مراقي أفضل. هي ممارسة يا أخوة وباب كبير ودربة وجهاد يحتاج إلى طول نفس وصبر.
عدد من الأسئلة هنا ورد عن ما المقترح بعد متن الورقات كتاباً يسير عليه طالب العلم؟ هذا يتفاوت بتفاوت السائلين، المتخصص والمتصدي لطلب الفقه وعلم الشريعة يترقى إلى كتاب أعلى منه، فإن كان قد درس قبل أو بعد شيئاً آخر يرتقي إلى كتب أكبر فيها توسيع المسائل لقضايا أكبر منها، وإن كان الدارس أو السائل ممن درس في مدارس شرعية كالمعاهد والكليات والجامعات ومتخصصاً، فيقال له: اشتغل بما بين يديك، إذا كان طالباً في قسم الشريعة أو طالباً في بعض المعاهد العلمية له كتاب يدرس فيقال: اشتغل بالكتاب الذي بين يديك، فانه وضع ليكون عونا لك ويرتقي فيه الإنسان.
وإذا كان متقدماً في مراحل عليا، دراسات عليا وبحوث متخصصة عميقة، فيكون شأنه أيضاً الدلالة على مستوى أكبر وأعلى، لكن في النهاية هي ثلاثة مراتب: أولها المداخل والأسس في مثل هذه المتون، والمرتبة المتوسطة الكتب التي تستوعب المسائل وهذه لا حدود لها ولا يقترح منها كتاب على حساب كتاب، والدرجة الثالثة هي الممارسة والتطبيق وإدمان النظر.
حاول بعد ذلك إذا وجدت شيئاً من الإتقان لهذه المسائل في الأدلة والدلالات، حاول أن تكون قراءتك بعد اليوم لمثل شروح أحاديث الأحكام كسبل السلام مثلاً أو شروح عمدة الأحكام أو شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر، حاول أن تقرأ وأنت تستصحب تلك القواعد فستكتشف أنه تطبيق ثري، وهذا ينمي الملكة.
كذلك لو قرأت في تفسير آيات الأحكام إن قرأت للقرطبي أو قرأت لابن العربي، أو قرأت مثلاً للجصاص وغيره ممن كتب في تفسير آيات الأحكام، حاول أن تقرأ مستصحباً تلك القواعد. لما تقرأ المبحث السلف المغني لابن قدامة ستجد تطبيقا ثرياً لقواعد فقهية وأخرى أصولية، فهذا كله مما ينمي الملكة ويكسب صاحبها قدرا كبيرا من عناية.
أيهما أولى بالدراسة الأصول أم الفقه؟ لا، السؤال لا ينبغي أن يكون هكذا، كلاهما مهم وكلاهما يحتاج إليه طالب العلم. إن قلت الأصول وحده فليس مغنياً، وإن قلت الفقه وحده أيضاً ليس مغنياً، لكن أيهما يقدم على الآخر هي مسألة نسبية سيكون يعني تعين الجو فيها كالقضية الفلسفية: أيهما سبق، البيضة أم الدجاجة؟
يقول: هل يوجد كتاب أو شرح فيه أمثلة أصولية كثيرة؟ متفاوت، وبعضها يعتني بهذا. بعض الشروح المعاصرة مثلاً في كتب أو دورات أو لقاءات يعتنون بالأمثلة، يمكن أن يكون فيها شيء مما يحقق طلب السائل.
هل يكون القياس قويا كالمنصوص عليه؟ لا، هو لن يكون القياس في درجة النص، لكن عند عدم الدليل سيكون قوة القياس بقدر قوة اجتماعه للشروط التي مر ذكرها.
إذا أردت البحث في المسائل المشتركة بين الأصول وبين النحو اللغة أو مصطلح الحديث، هل أحرر البحر من كتب الأصول أم من كتب اللغة أو الحديث؟ إذا كانت المسألة اصطلاحية متخصصة؛ طبعا اللغة المباحث الموجودة فيها في علم الأصول ليست لغوية خالصة، بل لغوية بالقدر الذي اشتملت عليه النصوص الشرعية، وكانت عناية الأصوليين في مباحث دلالات الألفاظ أعمق وأكثر عناية من عناية أهل اللغة.
ولذلك بعض كبار أئمة اللغة ممن مارسوا الأصول من المتأخرين كالكمال ابن الهمام مثلاً الحنفي الإسكندراني أو القرافي المالكي رحمه الله المصري أيضاً، كان هؤلاء أئمة نحو ولغة وهم في الوقت نفسه أئمة فقه وأصول، كذلك السبكي وهو العلامة المتفنن، فمنصوص على أن ما يذكره أهل اللغة في تلك المباحث لا يساوي عمق ما تناوله الأصوليون في تلك القضايا.
يعني مثلاً لا النافية للجنس، هل تقتضي العموم نصاً أو ظاهراً؟ ما الصورة التي تستثنى من هذا العموم؟ حتى ما لا يذكره اللغويون فهو عمق في تناول المسألة ينصون على أن أهل اللغة لا يصلون درجته، لأنهم يكتفون عند حد يحقق لهم الغرض من المعنى.
هذا لا يعني يعني عدم العناية بالعلوم الأخرى كلا، لكن ثمة بحوث معاصرة أيضاً حاولت أن تجمع المباحث المشتركة بين الأصول والحديث، بين الأصول واللغة، وإلى أي قدر يكون بينهما التداخل؟ فيقال للسائل: هذا يطلب كل علم في مظنته مع العناية بما ذكره أهل الأصول.
هل مبحث قوادح القياس ضروري لدارس الأصول؟ ضروري إلى حد ما، هي يذكرونها وفائدتها في مقام المناظرات وعلم الجدل، تذكر هناك.
يقول أئمة الحديث المتقدمون يقصدون بالمرسل المنقطع مطلقاً مثل الأصوليين، ألا يقدم ذلك على الاصطلاح المتأخر من كونه مرفوع التابعي؟ ليس كذلك لسبب واحد، وهو أن الاصطلاح استقر مؤخراً على التفريق بين المرسل باصطلاحه المتقرر عند المتأخرين، أو عند عامة من كتب في الحديث على خلاف المصطلح المتقدم، فضلاً عن أن هذا المصطلح والمرسل والذي يفيد الانقطاع بكل صوره مصطلح أقرب إلى اللغوي، فإن وجد في كلام بعض أئمة الحديث المتقدمين فليس على سبيل التقرير المسألة والتقعيد لها.
تماماً يعني ماذا ضربتم مثالاً أولاً؟ لما تكلمنا على مصطلح الكراهة والتحريم والفرق بينهما، قلنا لا ينبغي أن يفسر هذا ما ورد في النصوص: كُلُّ ذَلِكَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا، هل معنى ذلك أن نلغي مصطلح التفريق بين الكراهة والتحريم؟ لا، لكن ينبغي العناية في أن نفهم هذا وأن لا ننزل عليه تفسير كلام بعض السلف المتقدم على تقرير الاصطلاح. ورد عن الأئمة كأحمد وغيرهم في بعض المحرمات وصفه بالكراهة، يقول: أكره كذا ولا يعجبني كذا، فوصفه بالكراهة لا يقتضي الكراهة الاصطلاحية.
فهل يقول قائل: طيب سنعود إلى هذا الاصطلاح المتقدم عن الأئمة ونلغي هذا؟ الجواب لا، كذلك الشأن في المرسل والمنقطع بأنواعها، يحافظ فيه على ما تقرر عند الأصوليين مؤخراً، مع البقاء على العناية بعدم تفسيره أو تنزيل كلام بعض المتقدمين ولأنه قلة وأفراد فيسهل التفريق وعدم الخلط بينه.
أسأل الله عز وجل لي ولكم التوفيق والسداد والعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجمعنا وإياكم دوماً في الدنيا على طاعته وفي الآخرة في مستقر رحمته وواسع جنته. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري