دخولتسجيل الدخول

الأمر: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب. طيب، هذه أولى مسائل الدلالات اللفظية، وهي من أهمها وأعظمها وأكبرها في أبواب الأصول، وأحوج ما يحتاج أن يتفقه فيه طالب العلم. دلالات الأمر، عادة يتطرق الأصوليون إلى تعريف الأمر، وذكر صيغه، وحكمه، ثم مسائل متعلقة به، وهكذا صنع إمام الحرمين رحمه الله على طريقته في الإيجاز والاختصار وعدم الإسهاب. بدأ بتعريف، فماذا قال؟ الأمر هو الاستدعاء الفعلي بالقول ممن هو دونه. خذها معي كلمة كلمة.

ما معنى استدعاء؟ الطلب. استدعيتك يعني طلبتك؛ دعوة أن تحضر، أو طلبتك، أو دعوتك لأن تحضر، استدعاء طلب الفعل، استدعاء الفعل أن أطلب منك أن تفعل فعلاً. طيب، ماذا لو طلبت منك قولاً؟ أنا لما أقول لك: استدعي منك قولاً، كأن أسألك سؤالاً؛ أقول مثلاً: متى قدمت؟ هذا استدعاء مني لك، لكن لا أستدعي فعلاً، بل أستدعي قولاً، أنا أنتظر جواباً، فاستدعاء القول ليس أمراً، هو يقول استدعاء الفعل.

فلما أقول لك: تغديت اليوم؟ أصلت اليوم؟ من جاءكم؟ متى وصلت؟ متى ستسافر؟ هذه الأسئلة تستدعي ماذا؟ تستدعي قولاً ولا تسمى أمراً، الأسئلة لا تسمى أمراً، الاستفهام ليس أمراً. أيضاً لما قال استدعاء الفعل، خرج استدعاء الترك؛ لما أطلب منك أن تترك شيئاً لا تفعل، هذا نهي، استدعاء الترك ليس أمراً. إذاً، قوله استدعاء الفعل أخرج ماذا؟ أخرج شيئين؛ أخرج استدعاء القول، واستدعاء الترك.

قال بالقول: إذا كان هذا الطلب موجهاً إليك بالقول يعني بالكلام فهو أمر، لكن لو كان موجهاً إليك بالإشارة مثلاً فلا يسمى أمراً، ولما أشار لأحدكم بإشارة ما يفهم منها أمراً؛ أن أقول له هكذا بمعنى قف، إذا أنت فهمت منها أمراً مع أنني لم أتكلم، فلا يسمى هذا أمراً، لأنه قيد في التعريف فقال: استدعاء الفعل بالقول. لو قلت لك هكذا يعني أجلس، قلت لك هكذا يعني انصرف، قلت لك هكذا إلى آخره، فالإشارات تفيد معانٍ؛ تفيد معنى الأمر في بعض الأحيان ولا تسمى أمراً.

أخيراً قال: ممن هو دونه. هذا الطلب، هذا طلب الفعل أو الاستدعاء إذا حصل إليك، إذا حصل من شخص إلى من هو دونه، فانه يسمى أمراً، أراد أن يخرج رحمه الله ما لو توجه هذا الطلب إلى من هو مساوٍ له، أو إلى من هو أعلى منه. واضح؟ فان توجه الطلب إلى من هو دونك فهذا هو الأمر، ولهذا قال: ممن هو دونه، الاستدعاء ممن هو دونه، فإذا كان ممن هو مساوٍ له فانه يسمى التماساً، لما تلتمس من مساوٍ لك، المساواة والدونية والفوقية في ماذا؟ في الرتبة والمنزلة والمكانة، لما تتوجه إلى شخص مساوٍ لك، مماثل لك، قرين لك في رتبتك، فإن هذا يسمى التماساً.

لكن إذا كان الاستدعاء من الأدنى إلى الأعلى؛ من العبد إلى ربه، من المخلوق إلى خالقه، ما يسمى أمراً، وأنت تقول: رب اغفر وارحم، هل تأمر ربك؟ حاشا! إذاً، أنت تدعو، إذا توجه الأمر من العبد إلى ربه لا يسمى أمراً، بل يسمى دعاءً، رجاءً، أنت تطلب، ولكنك لا تجرؤ أن تقول إن العبد يأمر ربه، الصيغة صيغة أمر، فاحترزوا في التعريف فقالوا: ممن هو دونه. بعض الأصوليين يرى أن كلمة استدعاء لا تحوجك إلى أن تقول ممن هو دونه، لأن الاستدعاء فيه طلب، وعادة ما يكون موجهاً بهذا المعنى، بعضهم يضيف في التعريف: على وجه الاستعلاء، على وجه الاستعلاء ممن هو دونه، كلها قيود يخرجون بها مسألة الدعاء من العبد إلى ربه، فإنها لا تسمى أمراً.

أخيراً قال: على سبيل الوجوب. هذه في آخر التعريف لم يكن لها داعٍ في تعريف المصنف رحمه الله. من يجيبني لماذا؟ إلى الوقوع، استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، نقطة، هذا كفاية. لماذا نقول على سبيل الوجوب لا داعي لها في التعريف؟ ولذلك أورده في التعريف، نحن لماذا نقول لا داعي له؟ أحسنت، لما قال على سبيل الوجوب أخرج المندوب، المندوب أليس أمراً؟ بلى، فلما قال على سبيل الوجوب أخرج المندوب من التعريف، نحن نقول له لا، لا داعي، قل: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، ثم هو ينقسم، إما أن يكون وجوباً، أو يكون ندباً واستحباباً، ولهذا قالوا: لا داعي لهذه العبارة التي أوردها رحمه الله، فأخرج المندوب، وهو خلاف راجح عند أهل العلم.

وصيغته الدالة عليه: أفعل، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه. طيب، قال: وصيغته أفعل، صيغة ماذا؟ الأمر، قال: وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، على ماذا؟ وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه على الوجوب، لأنه قال في آخر التعريف هناك على سبيل الوجوب، فلما أورده في التعريف أحال إليه.

طيب، هو قال هنا: صيغته أفعل، لم يرد رحمه الله أن هذه الصيغة الوحيدة، لكنه أراد أن الصيغ متعددة، وأم الصيغ في الأمر هي قولك: أفعل، فعل الأمر، والا فإن فعل المضارع المقترن بلام الأمر أيضاً يدل على الأمر، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر أيضاً يدل على الأمر؛ فضرب الرقاب، فنظرة إلى ميسرة، فعدة من أيام أخر، فتحرير رقبة، هذه كلها أوامر وليست فعل أمر، هي مصادر.

إذاً، المضارع المقترن، والمصدر الذي ينوب عن فعل الأمر، وفعل الأمر الصريح، كل ذلك من صيغ الأمر، فلما قال وصيغته أفعل، أراد ماذا؟ أراد ماذا؟ أراد الصيغة الأم والأساس، ولم يتطرق رحمه الله إلى ما عداها من الصيغ، وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة، بمعنى أن النصوص الشرعية التي فيها أوامر ثلاثة أنواع؛ أحياناً تأتي الصيغة في الأمر ومعها قرينة تدل على الوجوب، وأحياناً تأتي صيغة الأمر ومعها قرينة تدل على الندب، وأحياناً تأتي قرينة تدل على الإباحة.

هم يقولون طالما وجدت قرينة في الدليل تدلك على المعنى، لا أشكال، استعمل القرينة وحاول أن تصل إلى المعنى، بالأمثلة تتضح؛ لما يقول الله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، أين فعل الأمر؟ ردوه، هذا أمر يحتمل الوجوب، ويحتمل الاستحباب والندب، ويحتمل الإباحة، لكن لما قال: ﴿إِن كُنتُم تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ايش تفهم؟ هذا الوجوب، لأن هذا القيد يتعلق بأصل الإيمان، فإن نُفي زال الإيمان.

طب مثال آخر، لما يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾، فكاتبوهم أمر، ولم يقل العلماء بوجوب مكاتبة السيد لعبده إذا ابتغى الكتابة، يعني أن يشتري العبد نفسه بعقد معلوم وثمن معلوم، ليس على الوجوب. كيف للوجوب والله قد أمر؟ قالوا: لأن القرينة تدل عليه: إن علمتم فيهم خيراً، فلم يكن على الوجوب.

مثال ثالث، قال عليه الصلاة والسلام: «صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب»، أليس أمراً؟ لكن ما حملوه العلماء لا على الوجوب ولا الاستحباب، بعضهم قال حتى للإباحة، لأنه قال في الثالثة: لمن شاء. هنا قرائن، متى وجدت القرينة، وهذا معنى قول المصنف رحمه الله: إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب أو الإباحة فيحمل عليه.

طيب، ماذا لو لم يرد دليل وما في قرينة؟ نرجع إلى الأصل، ما هو الأصل؟ هذا معنى قوله: وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه، أي على الوجوب. وغالب الأوامر الشرعية هذه: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، ما في قرينة، تحملها على الأصل وهي القاعدة. ﴿اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِه إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، فانظر شوف كم أمر، وكل ذلك لا قرينة فيه، فيحمل على الأصل. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، هذه أوامر، ولا توجد هناك قرينة تدل على شيء، فتحمل على الأصل. قال عليه الصلاة والسلام: «صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً صل»، هذا أمر ولا قرينة فيه. قال للسائل لما جامع أهله في رمضان: «اعتق رقبة»، هذا أمر، فعامة الأوامر الشرعية في النصوص غير مصحوبة بقرائن، وتسمى أمراً مطلقاً، أو يقولون الأمر المطلق، يعني غير المصحوب بالقرينة.

فقط أن تنتبه، أن القرينة التي نتكلم عنها إما أن تكون داخلية أو خارجية. ايش معنى داخلية؟ تكون في نفس النص، وما معنى خارجية؟ تأتي في نص آخر. قال الله: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، حتى لو تشتري من بائع السواك في الخارج، خذ معك شاهد على شرائك للسواك؛ ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، ما حمله العلماء على الوجوب مع الأمر فيه، القرينة فيه خارجية، وجدنا تصرفات النبي عليه الصلاة والسلام في السنة؛ كان يبيع وكان يشتري ولا يتخذ الشهادة، لو كان واجباً ما تركها عليه الصلاة والسلام. حمل على ماذا الأمر؟ الأمر حمل على ماذا؟ حمل على الاستحباب، لأنه لم يفعله عليه الصلاة والسلام لو كان واجباً.

ولا تقتضي التكرار على الصحيح، إلا ما دل الدليل على قصد التكرار. لا يقتضي التكرار، الأمر؛ أشغلتونا بهذه، الأمر المطلق لا يقتضي التكرار، التكرار الآن يتكلم على دلالة الأمر من حيث العدد، لو جاء الأمر في الشريعة فكم مرة يوجب الامتثال؟ قال: لا يقتضي التكرار على الصحيح. ليش؟ قال: لأن الأمر في اللغة لما يقول لك افعل أو لا تفعل هو يريد مجرد الفعل والامتثال بغض النظر عن ماذا؟ العدد.

قال: إلا إذا دل الدليل، نفس الكلام، الأمر إذا جاء مقيدا بمرة فالمقصود به مرة، إذا جاء مقيداً بالتكرار فيحمل على التكرار. فرض الحج فقام أقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ ماذا قال؟ لو قلت: نعم لوجبت، فدل بصراحة، هنا قرينة في الدليل على أن الأمر لا يراد به ماذا؟ تكرار، فقالوا العلماء: الحج كم مرة يجب؟ مرة واحدة. إذاً، هنا قرينة أوضحت المراد. لما يقول في التكرار: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾، هذا مثال للتكرار، يعني كلما حصلت الجنابة يجب الاغتسال، من أين فهمنا التكرار؟ من تعليق الأمر على شرط، أو تعليقه على صفة؛ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، يعني كلما حصل منه فعل يصلح أن يوصف بذلك، فانه يطبق فيه الحكم.

ولا تقتضي الفور. والامر بايجاد الفعل أمر به. قال: ولا تقتضي الفور، وفي بعض النسخ في الورقات زيادة؛ لأن الغرض منه إيجاد الفعل من غير اختصاص بالزمان الأول دون الزمان الثاني، وشرحها يغني عنها. الآن تكلم في دلالة الأمر على ثلاثة أشياء؛ الأول على الحكم، وقال إن الأمر يدل على ماذا؟ الوجوب. تكلم ثانيا على العدد، وقال إن الأمر لا يقتضي التكرار. يتكلم الآن ثالثا على دلالة الأمر من حيث الزمن؛ متى يجب الامتثال في الأمر؟ هل هو على الفور أم يجوز فيه التراخي؟ قال: ولا تقتضي الفور.

هذا الذي قرره إمام الحرمين رحمه الله هو أحد المذهبين في هذه المسألة، وهي خلافية، والقول الذي قرره هو مذهب أكثر الشافعية والحنفية، فيما ذهب عامة المالكية وبعض الشافعية وبعض الحنفية وهو ظاهر مذهب الحنابلة، إلى أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي رجحه عدد من الحنابلة. ما معنى يقتضي الفور؟ قالوا: أمر الله تعالى بالصيام، أمر الله بالزكاة، أمر الله بكذا يستلزم الفور، واستدلوا بعامة النصوص التي تدل على وجوب المسارعة والمسابقة والامتثال؛ ﴿وَسَارِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، فاستبقوا الخيرات، وسابقوا إلى مغفرة من ربكم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام انزعج لما تأخر الصحابة في الامتثال لأمره يوم الحديبية، ولو لم يكن واجباً ما انزعج إلى آخره. هذه كلها أدلة تدل على فضيلة المسارعة وأولويتها.

كلامنا ليس هنا، كلامنا: هل الأمر من حيث هو أمر في اللغة يستوجب الامتثال المباشر؟ يعني لو تراخى الإنسان قليلاً يعتبر مخالفا، يعتبر مقصرا، يعتبر آثماً؟ هذا هو الخلاف الذي قرره إمام الحرمين، وقلت لكم هو مذهب أكثر الشافعية والحنفية أنه لا يقتضي الفور، والمحققون الأصوليون يقولون: أصلاً دلالة الأمر في اللغة لا علاقة لها بالزمن، الفور وعدم الفور هذا يحتاج إلى سياق آخر وقرائن أخرى. الأمر في اللغة طلب الفعل ونقطة، ما في شيء آخر، مجرد طلب الفعل بغض النظر عن زمن الامتثال. نعم، في الشريعة يستحب المبادرة والامتثال والفورية، وتذم فيها مراتب التأخر والكسل والتراخي، لكن الأمر من حيث هو أمر لا علاقة له.

هذا معنى قوله: ولا تقتضي الفور. يترتب على هذا مسائل؛ من وجد مالاً ليحج في هذه السنة وكان قبل ذلك فقيراً، ثم أدركه الحج ولم يحج على أنه يحج العام القادم إن شاء الله ومات، هل يعتبر بهذا تاركاً لأمر وجب عليه، لأنه وجب أن يمتثل فورا في نفس السنة فلم يفعل؟ من امتلك النصاب في الزكاة وحال عليه الحول وجاء وقت الإخراج فتأخر، وقال: إن شاء الله إذا عدت إلى البلد في الصيف سأخرج الزكاة، فتلف المال، فقده، سرق، هل أصبحت الزكاة في ذمته ديناً يجب أن يخرجه؟ أو عفا الله عنه لأن المال فقد قبل أن يخرجه والزكاة واجبة على التراخي؟

هذا مبني على مسألة: هل الفورية واجبة في الأوامر أو لا؟ قال الله: ولا تقتضي الفور. ينبغي أن تفهم أنه إذا جاءت القرينة تدل على الجواز في التراخي، الكل متفق عليه، يعني وجوب قضاء صيام رمضان لمن أفطر بعذر؛ هل هو على الفور بعد يوم العيد؟ لا، وعندنا دليل عائشة رضي الله عنها أنها كانت تؤخر قضاء ما فات من رمضان إلى شعبان من العام الذي يليه، فدل ذلك على جواز التراخي فاعتبرناه دليلاً.

نعم، والأمر بايجاد الفعل أمر به. وبما لا يتم الفعل إلا به؛ كالامر بالصلاة فانه أمر بالطهارة المؤدية إليها، هذه القاعدة التي يعنون لها الأصوليون بقولهم.

ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأيضاً سنقتصر على حدود ما أورده المصنف رحمه الله. الأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به. ضرب مثالاً بالصلاة؛ الأمر بالصلاة ولا تصح الصلاة إلا بطهارة، إذاً الطهارة واجبة. تقول لي بس أنا عندي أدلة: ﴿وَإِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. أقول حتى لو ما جاءني هذا الدليل، الأمر بالصلاة في ذاته مشتمل على الأمر للطهارة؛ لم؟ لأن الأمر بايجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به.

خذ مثالاً بعيداً عن الإشكال هذا؛ قال عليه الصلاة والسلام كما في صحيح البخاري يوم الجمعة: «وأصيبوا من الطيب». هذا أمر، ومن المستحبات وليس على الوجوب: «وأصيبوا من الطيب». طيب واحد ما عنده طيب؟ اذهب اشترى، ما حكم شراء الطيب من أجل استعماله يوم الجمعة؟ أصبح مستحباً. الأمر بالسواك بالنصوص الكثيرة الواردة فيه يستحب، واحد ما عنده سواك، يذهب يشتري، ما حكم الذهاب للشراء بقصد التسوك؟ يعني هو ما ذهب واشترى إلا بقصد تطبيق السنة، أصبح هذا الفعل سنة أيضاً.

ولهذا قالوا الوسائل لها حكم المقاصد. أنت لما تكون الشيء عندك في أصله مباح، يأخذ حكم الوجوب لأن القصد الذي تسعى إليه واجب، أو أصبح مستحباً لأن القصد الذي تسعى إليه مستحب، وهكذا سائر المباحات؛ اتخاذ القلم لتدون به مسائل العلم، تشتري به الكتب إلى آخره، كل ذلك من الوسائل التي تأخذ أحكام مقاصدها. نعم.

وإذا فعل، خرج عن العهدة. وإذا فعل ما هو؟ ليس الأمر المأمور، إذا فعل يعني ما توجه إليه الأمر، إذا فعله المكلف ما النتيجة؟ ما النتيجة؟ إذا فعل المكلف ما أمر به، ما الثمرة؟ قال: يخرج عن العهدة. إيش يعني يخرج عن العهدة؟ طيب ليش ما قال يحصل على الثواب؟ هو امتثل. ممتاز الثواب ليس من ثمرات الامتثال، يعني قد يمتثل ويثاب، وقد يمتثل ولا يثاب. المرائي مثلاً والمنافق فعل المأمور لكنه غير مثاب عليه. إذاً هنا في إظهار أثر الفعل قال: يخرج عن العهدة، يعني غاية ما فيه أنه يصبح شرعاً غير مطالب، برئت ذمته كما قال بعضكم.

دعني أضرب مثالاً بحديث: «من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». طيب صام، لكنه قال زوراً، فسد صومه وبطل؟ لا، صومه صحيح. سؤال: هل لأنه أدى المأمور؟ أدى المأمور، وامتنع عن الطعام والشراب والجماع من الفجر إلى المغرب، هل حصل ثوابه ويترتب عليه حصول الثواب وقد وقع شيئاً؟ لاحظ، إذاً قد يفعل المكلف ما أمر به، لكن ينخرم الثواب بوجه ما، وفي النهاية هو برئت ذمته وخرج من العهدة، لكن حصول الثواب، قد ذاك شيء آخر.