وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب. سينتقل للدليل الثالث، وهو دليل السنة؛ تكلم عن الكتاب والإجماع، وهذا الآن السنة، وسيعقبه غداً القياس إن شاء الله.
والخبر ينقسم إلى قسمين: آحاد ومتواتر. آحاد ومتواتر باعتبار ماذا؟ باعتبار السند وعدد الرواة الناقلين. فالمتواتر ما يوجب العلم، وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه، ويكون في الأصل عن مشاهدة لا عن اجتهاد.
شروط المتواتر الأساسية: كثرة العدد، اثنان: إحالة تواطؤهم على الكذب، ثلاثة: أن يكون مستند الخبر المروي الحس وليس الاجتهاد، يعني ينقل عن شيء مسموع أو مرئي أو محسوس ونحو ذلك. هذا تعريف المتواتر، فما مدى انطباقه على رواية في السنة النبوية؟
هذه الشروط في تطبيقها على السنة النبوية ستبقى معدودة محصورة في عدد من الأمثلة، مثل حديث: «من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار». أحاديث المسح على الخفين، أحاديث رفع اليدين في الدعاء وهي متنوعة، وأمثلتها متعددة أيضاً.
والآحاد هو الذي يوجب العمل ولا يوجب العلم. العبارة ليست على إطلاقها، يقول رحمه الله: الآحاد يوجب العمل ولا يوجب العلم. يقصد بالآحاد كل حديث لم يبلغ درجة التواتر.
سؤال: أحاديث الآحاد هل نحكم عليها بالصحة أم بالضعف؟ على حسب، صحيح. ليس صحيحاً دائماً وليس ضعيفاً دائماً، تطبق عليه شروط الصحة هذا الآحاد. طيب، والمتواتر؟ صحيح دائماً أو ضعيف دائماً؟ مقبول دائماً المتواتر.
إذاً، شروط المحدثين في الصحة والضعف تنطبق على أي نوع من الحديث؟ الآحاد. طيب، تطبق عليه الشروط، الضعيف لم تنطبق عليه الشروط، فما حكمه؟ ضعيف. طيب، الصحيح انطبقت عليه الشروط، ما حكمه؟ مقبول.
إيش معنى مقبول؟ يقول: يوجب العمل، يعني تعمل بما جاء فيه ويكون حجة. قال رحمه الله: ولا يوجب العلم. يعني لا يبلغ في درجته إفادة العلم، ويقصد العلم الضروري.
لكن هذا الكلام ليس على إطلاقه، والصحيح الذي قرره المحدثون وهم أصحاب الصنعة أن حديث الآحاد وهو آحاد قد يوجب العلم إذا احتفت به القرائن. يعني ما بالك إذا كان من رواية الصحيحين البخاري ومسلم؟ هو آحاد، لكن انعقدت القلوب على قبول ما يأتي في هذين الكتابين، فحصل العلم عند صاحبه.
وينقسم إلى مرسل ومسند. المسند تقسيم الأصوليين وهو ليس دقيقاً. أنت لو قلت لك: أسانيد الرواية في الحديث منها ما هو متصل السند، ومنها ما هو... ما ضِد المتصل؟ منقطع. ثم المنقطع أنواع، من أنواعه المرسلة؛ يعممون عبارة مصطلح المرسل. مسند ومرسل؛ مسند ما كان فيه إسناد متصل، ومرسل انقطع فيه الإسناد، فهذا اصطلاحهم وهو عام.
ومثل هذه القضايا الأولى أن نحكم فيها اصطلاح المحدثين لأنهم أهل الفن. فالمسند ما اتصل إسناده، والمرسل ما لم يتصل إسناده. فإن كان من مراسيل غير الصحابة فليس ذلك حجة، إلا مراسيل سعيد بن المسيب فإنها فتشت فوجدت مسانيد عن النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: المسند ما اتصل إسناده، والمرسل ما لم يتصل وهو ليس بحجة لانه ضعيف. اعطاك الحكم قال: إن كان من مراسيل غير الصحابة فليس بحجة.
إن مراسيل الصحابة حجة حتى عند المحدثين، يقول: إلا مراسيل سعيد بن المسيب، وهو مذهب الشافعي رحمه الله يحتج بمراسيل سعيد، قال: لأنه وجدها مسندة فإنه يحتج بها رحمة الله عليه.
والعنعنة تدخل على الأسانيد. طبعاً هذه جمل الآن يأتي بها إمام الحرمين هي من علوم الحديث ولم يأتي فيها بمسائل مهمة، لكنها مجرد تعريفات أن من صفات الإسناد العنعنة. لكن ما حكمها اتصالاً وانقطاعاً، قبولاً ورفضاً؟ هذه صنعة حديثية بحتة ينبغي أن تؤخذ من علوم الحديث وليس مما يقرره الأصوليون.
وإذا قرأ الشيخ يجوز للراوي أن يقول حدثني أو أخبرني. إذا قرأه على الشيخ فيقول اخبرني ولا يقول حدثني، وإذا أجازه الشيخ من غير قراءة فيقول أجازني أو أخبرني إجازة، وهي مذاهب حتى عند المحدثين. متى تقول حدثنا؟ ومتى تقول...؟ فإن كان سماعاً أو قراءةً، فالراوي قد يقرأ الحديث على الشيخ يصحح له، فإن كان الراوي هو يقرأ وشيخه يصوب يقول اخبرني، وإن كان الشيخ هو الذي يروي الحديث والتلميذ يسمع ويكتب يقول حدثنا.
ما مدى قبول المحدثين لهذا التفريق؟ هو أيضاً محل اجتهاد لغة، لغة لا خلاف، فإن حدثنا وأخبرنا، لكن صنعة المحدثين لهم فيها تفصيل دقيق ولهم فيها مراتب، وبعضهم يتشدد فيها كالنسائي في أسانيد رحمه الله، يسوق الإسناد عن فلان قال حدثنا ثم يحول الإسناد إلى آخر فقط لأنه يفرق بين صيغة وصيغة من دقته رحمه الله في ألفاظ الرواية.
أما الإجازة فبابها أوسع؛ أن يجيزه بحمل الحديث وروايته فيقول: أجازني أو أخبرني إجازة؛ لأنه لا يجوزون في الأحاديث المجازة بالإجازة لا يجوز أن تقول حدثني؛ لأنك لا سمعته يقرأ عليك الحديث ولا أنت قرأته، لكن تنص على الإجازة فيها ليكون أحوط وأبرأ للذمة.
غداً سندلف إن شاء الله في آخر الأبواب بدءاً من القياس والتعادل والتراجيح والاجتهاد والتقليد نختم به متن الورقات إن شاء الله تعالى. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
الشيخ حسن بخاري