دخولتسجيل الدخول

التعارض والجمع

حسن بخاريالشيخ حسن بخاري
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله العلي الأكرم، الذي علم بالقلم، الإنسان ما لم يعلم. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه وخليله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فنكمل بعون الله وتوفيقه في لقائنا الليلة، وهو اللقاء قبل الأخير، ما توقفنا عنده البارحة من الحديث عن صور النسخ، لنبدأ باباً جديداً؛ أحد الأبواب المهمة في علم الأصول، هو باب التعارض والترجيح، وربما قالوا التعادل والترجيح، وربما قالوا أيضاً ترتيب الأدلة، كل ذلك بمعنى واحد عند أهل الأصول. والمراد بهذا الباب، كما سيتبين معنا من قراءة ما ساق فيه إمام الحرمين رحمه الله تعالى من مسائل، بعد أن بلغ الدارس أو طالب العلم هذه الدرجة، وقد مر بالأدلة ومر بالدلالات وعرف أنواعها ومسائلها، يأتي إلى هذا الباب الذي لا يستغني عنه فقيه، والذي لا تكاد تخلو منه مسألة خلافية بين الفقهاء إلا وهم يتعاملون معها من خلال هذا الباب؛ أعني التعامل بين الأدلة التي يبدو في ظاهرها الاختلاف أو التعارض.

فإن جزءاً كبيراً من أسباب الخلاف بين الفقهاء هو في النظر بين الأدلة المتفاوتة أو المتجاذبة في النظر، فربما اختلف الفقهاء في مسألة ما على قولين أو ثلاثة، وقد تجد لكل قول طرفاً من دليل. وعندئذ يتعين على من أراد الترجيح في المسألة أن يجمع بين كل تلك الأدلة التي يستدل بها المختلفون في المسألة، فمن قال بالجواز ومن قال بالتحريم ومن قال بالكراهة في مسألة واحدة لكل منهم دليل. ومن أراد الخروج برأي راجح لا يجد طريقاً إلا أن ينظر في هذه الأدلة مجتمعة، ويحاول أن يخرج منها بما يراه راجحاً. وعندئذ لا بد له من النظر في الجمع بين هذه الأدلة والمواءمة بينها وعدم ترك شيء منها دون نظر أو جواب، وهو لا يستقيم النظر ويستقل الترجيح فيما بعد.

إذاً هذا باب مهم يخوض فيه الفقهاء، ولذلك رسموا فيه منهجاً علمياً كيف يسير فيه طالب العلم. الناظر في الأدلة والفقيه والمجتهد لما يكون بصدد الحكم على مسألة ويرى الأدلة تتفاوت في الدلالة على حكمها، فإنه يتعين عليه أن يتقن هذا الباب. هذا الباب أحد الأبواب العريقة في العلم الجليلة، التي لا يحسن صنعتها ولا يحكم زمامها إلا الأئمة الكبار، الحذاق الذين جمعوا بين الفقه والحديث، بين علوم الرواية والدراية، بين من استطاع أن يمحص ما يتعلق بثبوت الأدلة من حيث السند في صنعة المحدثين، وبين ما يتعلق بدلالة الألفاظ والخروج بالمعنى الذي يدل عليه كل لفظ، وهي صنعة الأصوليين. ولهذا فإن مختلف الحديث أحد أنواعه، وهو قريب من هذا أو هو جزء منه؛ الجمع بين الأحاديث التي يبدو في ظاهرها التخالف أو التعارض أو عدم الاتفاق هو باب كبير لا يقوى عليه إلا الأئمة الغواصون في علمي الحديث والفقه، كما صرح بذلك غير إمام.

هذا باب كبير، قبل أن نتكلم عنه لا بد من تقرير قاعدة كبرى يقررها العلماء دوماً عند الشروع في هذا الباب، وهي أن أي تعارض يبدو بين الأدلة الشرعية إنما هو في الظاهر بحسب رأي المجتهد لا في الحقيقة ونفس الأمر. إذاً لا تعارض في الحقيقة بين الأدلة الشرعية، ولا يمكن أن تجد آيتين أو حديثين أو آية وحديثاً يتعارضان في حكم مسألة واحدة، هذا محال. وماذا نفعل فيما نجده أمامنا من الأدلة وهي واضحة في التعارض؟ الجواب أن هذا تعارض في الظاهر بحسب ما بدا لك، وإلا فهو في الحقيقة ليس كذلك. وإذا كان هو في الحقيقة ليس كذلك، هنا نحتاج أن نبحث عن الطريق الصحيح والباب الذي يخرجك إلى ما هو عليه الأمر في الحقيقة، فربما اكتشفت أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ، وربما اكتشفت أن أحدهما لا يثبت دليلاً ولا يصح وبالتالي فلا عبرة به ولا داعي إلى النظر فيه، وربما تبين لك تغير الحكم وتوزيع كل دليل بحسب حالة من الأحوال في جمع بين النصين، لا تعارض بينهما.

وها هنا باب كبير يسوقه العلماء للحديث عن المخرج من هذا التعارض الظاهر، لكن الخطوة الأولى هي تقرير أن هذا التعارض ليس حقيقياً إنما هو في الظاهر. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. فما كان وحياً مجتمعاً منزلاً من الرب الحكيم الخبير، فمحال أن يكون فيه شيء من اللغط أو التعارض أو الاختلاف أو التفاوت، لأن هذا مناقض للإحكام الذي وصف الله تعالى به كتابه. وقال سبحانه ممتناً للأمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]، فما امتن الله تعالى به محال أن يكون ناقصاً أو معيباً أو مختلفاً، إنما تكون المنة وتمامها بكمال النعمة وإحكامها وإتيانها على أكمل الوجوه، وكذلك هي نعم الباري سبحانه وتعالى.

هذا مدخل مهم، وعندئذ ستنطلق في هذا الباب وملؤك شعور صادق ويقين جازم أن أي اختلاف يبدو لك بين دليلين فالسبب فيه قصور فهمك وعجز عقلك وضعفك أمام النصوص الشرعية المحكمة المعجزة التي أكمل الله تعالى بها الدين، فعندئذ تستنفر الهمة للبحث عن مسلك صحيح وباب سديد يخرجك من هذا الإشكال لتتبوأ المنهج العلمي الصحيح.

إذا تعارض نطقان فلا يخلو، أما أن يكونا عامين، أو خاصين، أو أحدهما عاماً والآخر خاصاً، أو كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه. ابتدأ إمام الحرمين رحمه الله تصدير هذا الفصل المهم بهذا التقسيم، فصل في التعارض، ثم قال: إذا تعارض نطقان. ها هنا نقطتان مهمتان في هذه الجملة: الأولى قوله: "إذا تعارض نطقان"، نطقان مثنى، ماذا يقصد بالنطق؟ النص، يريد به الدليل الشرعي من نصوص القرآن والسنة. إذا تعارض نطقان؛ يعني إذا تعارضت آيتان أو حديثان أو آية وحديث، لأن الأدلة من حيث هي دليل يستعمله الفقيه إما أن يكون دليلاً نقلياً أو دليلاً عقلياً، فالعقلي مثل القياس مثل الاستصحاب في بعض صوره، هذه أدلة عقلية. والأدلة النقلية هي الكتاب والسنة، والإجماع يدخل أيضاً في النقل لأنه يروى وينقل. فالنقلية في الكتاب والسنة سماها إمام الحرمين "نطقين"، قال إذا تعارض نطقان أي دليلان منطوقان، أي دليلان نقليان كتاب وسنة.

هذه الجملة مدخل جيد جداً من إمام الحرمين رحمه الله، يبين لك أن ما سيتكلم عنه هو جواب أو هو منهج علمي يسلكه العلماء عند تعارض الدليلين الشرعيين من الكتاب والسنة. عند تعارض الدليلين النقلين، عند تعارض النصين، هذا أسهل وأخصر؛ لأن هناك من الأدلة الشرعية ما ليس بنص، وهو رحمه الله لا يتكلم عن هذا الآن، لأن تعارض الأدلة إذا جئتها بمفهومها الواسع ستنقسم معك إلى ثلاث صور: تعارض النصوص الشرعية فيما بينها وهو الذي يقصده المصنف رحمه الله. الصورة الثانية: تعارض النصوص الشرعية مع أدلة أخرى، يعني تتعارض آية مع قياس أو حديث مع قياس، هذا نوع آخر من التعارض. التعارض النوع الثالث: هو تعارض الأدلة الشرعية مع العقلية، الأدلة النصية النقلية مع العقلية، وكلها تكلم فيها العلماء بما يحدد لطالب العلم المنهج السوي للخروج من هذا الإشكال.

يعني مثلاً تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة رحمه الله بالدرجة الأولى ينصب على النوع الثالث الذي هو تعارض الأدلة الشرعية في النصوص مع الأدلة العقلية، فيورد رحمه الله اعتراضات العقلانيين وعلى رأسهم المعتزلة، واعتنى بهذا كثيراً، فحيثما وجد لهم اعتراضاً عقلياً على نص من النصوص يأتي به ويورد عنه الجواب ويزيل الإشكال الذي أوردوه، وهكذا فغالب ما أورده من هذا القبيل في تأويل مختلف الحديث. النوع الثاني: تعارض الأدلة فيما بينها، تعارض النصوص الشرعية فيما بينها أو تعارضها فيما بينها وبين القياس، هذا هو المبثوث في الكتب التي تكلمت عن الجمع بين الأدلة المختلفة مثل مختلف الحديث للإمام الشافعي رحمه الله.

ومنها أم هذه الكتب وأكبرها شرح مشكل الآثار للطحاوي رحمه الله صاحب العقيدة الطحاوية، فإنه ألف كتابه الجامع الكبير الفذ الذي سمي "مختصراً شرح مشكل الآثار"، وأراد به رحمه الله أن يجمع أكثر ما يقف عليه من هذا الإشكال، فاشتمل كتابه على تعارض النصوص الشرعية فيما بينها، وتعارض النصوص الشرعية مع العقل، وتعارض النصوص الشرعية مع القياس. أي تعارض، أي إشكال، أي خلاف يبدو بين الأدلة أتى به رحمه الله، فكان كتابه كبيراً جامعاً، اشتمل على أكثر من ألف باب، في كل باب يوجد إشكال ينقله عن بعض من آثاره أو استشكله هو أو ذكر خلافاً بين أهل العلم فيرده رحمه الله ويسوق معه الجواب، فكان الكتاب وما يزال من أفضل وأجمع ما كتب في هذا الباب، لم يأتِ بعده رحمه الله ما يفوقه ولا ما يمكن أن يجاريه، فوقف العلماء عند صنيع الطحاوي رحمه الله، يبقى المشاركة معه في الإجابات التي قد يوردها على بعض الإشكالات المتضمنة فيها تلك الأبواب.

قوله "إذا تعارض نطقان" فهمنا منها أنه يريد به تعارض النصوص الشرعية فيما بينها فقط؛ تعارض الآية مع الآية، الآية مع الحديث، الحديث مع الحديث. ثم قال هذا النوع من التعارض له صور أربعة: إما أن يكون عامين -أي الدليلان المتعارضان- أن يكونا عامين، الصورة الثانية أن يكونا خاصين، الصورة الثالثة أن يكون أحدهما عاماً والآخر خاصاً، الصورة الرابعة أن يكون في كل واحد منهما عموم وخصوص ويسمى العموم والخصوص الوجهي، وسيأتي تفصيل كل صورة والمسلك العلمي الذي تنتهجه مع تلك الصورة.

فإن كانا عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر، وكذا إذا كانا خاصين. كم خطوة ذكر رحمه الله؟ ثلاث خطوات؛ قال: إن كان عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع، وإلا، هذه الخطوة الأولى، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ، الثالثة: فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر. هذه خطوات ثلاث.

قبل أن نقرأ ونشرح ونضرب الأمثلة سنقول إجمالاً: صنيع الأصوليين والفقهاء في باب التعارض والترجيح يدور على أمور ثلاثة: الجمع، والترجيح، والنسخ. هذه مسالك كبرى ثلاثة هي المخارج من أي إشكال تجده بين نصين متعارضين في الظاهر أو مختلفين في الظاهر، وأي جواب لأي عالم من العلماء حول هذا الإشكال والتعارض بين النصوص الشرعية يتخرج على أحد هذه المسالك: إما جمع، وإما ترجيح، وإما نسخ. النسخ معروف، سأبدأ به لوضوح معناه، تقدم البارحة النسخ، أن يثبت عندك أن أحد النصين ناسخ للآخر فهذا خروج من الإشكال وانتهى التعارض. يعني مثلاً أن يثبت عندك قول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن الوضوء من مس الذكر قال: «إنما هو بضعة منك»، ولما يقول أيضاً في الحديث الآخر يفتي عليه الصلاة والسلام بالوضوء من مس الذكر، هذان متعارضان وهذا إشكال يحتاج إلى جواب، فهب أنني وجدت دليلاً على النسخ فثبت عندي أن هذا ناسخ والآخر منسوخ، هذا جواب تخرج به من الإشكال وبالتالي يزول التعارض.

تعارض الوضوء من أكل لحم الإبل مع عدم الوضوء منه، سئل: أنتوضأ؟ قال: «نعم»، ثم تثبت عندنا رواية صحيحة من حديث جابر رضي الله عنه كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار، فهذا يتعارض ويشكل عليه الحديث الأول. الجواب بالنسخ هو أحد أجوبة أهل العلم، فهو خروج من الإشكال، أنا الآن لست بصدد تقرير الحكم الصحيح في المسألة بعينها، أنا أضرب مثالاً، فهذا جواب أحد المخارج من الإشكالات هو مخرج النسخ. المخرج الثاني هو الجمع، والجمع معناه أن تأتي بجواب يتسنى لك فيه إبقاء الدليلين المتعارضين على الدلالة، لكن تحمل أحدهما على معنى والآخر على معنى آخر يزول به الإشكال وينتفي به التعارض.

من أوضح الأمثلة على هذا التي يضربونها عادة في الكتب: حديث «لا عدوى ولا هامة ولا طيرة ولا صفر». ينفي العدوى عليه الصلاة والسلام، لا عدوى، فأنت يتبادر إلى ذهنك نفي العدوى النفي الحسي، أنه ينفي وجود عدوى، وهذا يعني غير مستقيم حتى فطرة وطبيعة وعقلاً وما يتعارف به الناس أن العدوى موجودة، وأن الصحيح قد يعدى بالمريض وهكذا، لكن تجد نصاً آخر يؤكد إثبات العدوى، لما سئل عليه الصلاة والسلام عن الإبل وقد يصيبها الجرب فقال: «فمن أعدى الأول؟»، فأثبت العدوى، قال نهى عليه الصلاة والسلام عن إيراد المريض على الصحيح، الصحيح على المريض حتى لا تصيبه العدوى، إذاً كيف تفعل؟ يثبت العدوى في نص وينفيها في نص، فأنت تحمل النفي على معنى؛ نفى العدوى التي كانت تعتقدها العرب أنها تؤثر بذاتها، وهذا فيه نوع من التعلق بغير الله، فرق بين أن تفسرها بأنها سبب ثم هي بأمر الله قد تقع وقد لا تقع، وبين أن تعتقدها مؤثرة بذاتها، فالذي نفاه عليه الصلاة والسلام كونها ذاتية التأثير، لا عدوى ولا ولا طيرة، فنفى تأثير العدوى بذاتها، لكنه أثبت حقيقة الوجود، فانظر كيف حاولت أن تثبت النص الأول على معنى والثاني على معنى، فهذا يسمى الجمع بين النصين، بما يحمل فيه كل.

على معنى يزول به الإشكال ولا يتعارض مع النص الآخر. مثله تمامًا: نهيه صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وثبوت فعله عليه الصلاة والسلام في استقبال الشام واستدبار الكعبة عند حاجته؛ فجمع بين النصين، فقيل هذا في حال البنيان وهذا في حال الفضاء والخلاء والصحراء. هذا نوع من الجمع بين الأدلة، بحيث يُحمل كل نص فيه على معنى.

إذن هذا هو المسلك الثاني، الأول النسخ، والثاني هو الجمع، والثالث هو الترجيح. ومعناه أن لا يظهر لك وجه جمع، ولا يثبت عندك دليل عن النسخ، فأنت تعمد إلى إثبات أن أحدهما أولى من الآخر. ووجوه الترجيح كثيرة جدًا؛ إما أن ترجح من حيث المتن، أو من حيث الحكم والدلالة، أو ما يتعلق بأمر خارجي. ومن ناحية السند؛ أحد الحديثين أصح من الآخر، أو إحدى الروايتين أكثر رواية وانتشارًا من الأخرى، أو أحد الدليلين يثبت فيه نقل مباشر عنه صلى الله عليه وسلم والآخر بواسطة.

فهي مسالك ثلاثة، ترتيبها كالتالي: يبدأ عند التعارض بين النصين بمسلك الجمع قبل غيره، والجمع بين الدليلين المتعارضين هذه طريقة الجمهور وخالفه فيها الحنفية. والجمع بين الدليلين هو الخطوة المقدمة، والسبب فيها أنها إعمال لكلا الدليلين وإبقاء للنصوص الشرعية في دائرة العمل، وهذا أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر. فمهما وجد المجتهد والفقيه طريقًا إلى أن يعمل الدليلين كليهما فهو المقدم، لكن بشرط ألا يكون هذا الجمع متكلفًا، وفيه شيء من الصعوبة أو ليّ أعناق النصوص وتخرج بمعنى بعيد، لا المعنى الممكن الذي تشهد به الأدلة.

المسلك الثاني هو النسخ، إذا ثبت بدليل، فإن لم يثبت النسخ فالترجيح هو الأخير. والحنفية يخالفون الجمهور فيجعلون الترجيح هو الخطوة الأولى قبل الجمع، وهذا ليس محل خلاف، إنما فقط لتتبين لك المسالك. قال رحمه الله هنا: «فإن كان عامين فإن أمكن الجمع بينهما جمع». ماذا قدم رحمه الله؟ وهذه طريقة الجمهور بعد الحنفية؛ الجمع هو الخطوة المقدمة.

ما المقصود بالجمع؟ كيف يعمل الدليلان؟ يُحمل كل واحد منهما على معنى لا يتعارض مع المعنى الذي يُحمل عليه الدليل الآخر. ومهما أمكن الجمع بوجه صحيح معتبر فهو المقدم، أفضل من أن ترجح، لاحظ معي أنا أقول بشرط الإمكان، أن يكون ممكنًا.

ضربنا مثالًا بحديث «لا عدوى» مع إثباته العدوى عليه الصلاة والسلام. مثال آخر: «شر الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد»، وفي الحديث الآخر: «خير الشهود الذي يشهد قبل أن يستشهد». كيف أثبت في أحد الحديثين وصفه بالشر والثاني وصفه بالخير والحديثان صحيحان؟ أجاب العلماء بأن إبداء الشهادة والمبادرة بها محمودة عندما يتوقف عليها حق لصاحب الحق قد يضيع حقه لو لم تتقدم بشهادتك، وما طلبها منك أحد لكن نصرة لصاحب بادرت بها، هذا هو المحمود.

فما المذموم؟ المذموم هو ما وصفه عليه الصلاة والسلام في وصفه لآخر الزمان، ويكون أقوام يشهدون ولا يُستشهدون، يتساهلون في أمر الشهادة فيقدمونها ويبذلونها عن غير علم ولا دراية ولا إبراء ذمم، فنصرة لصاحب ولا يدري ما القضية، وقفوا عند باب المحكمة دخل معه وشاهد ولا يدري فيما الحق ولمن الحق، هذا هو المذموم. فانظر كيف حملوا كل من النصين على معنى لا يتعارض مع الآخر، وبهذا أبقيت الدليل هذا على دلالته وهذا على دلالته.

وهذا مسلك متسع، ضربت مثالًا قبل قليل بنهيه عليه الصلاة والسلام عن استقبال القبلة بغائط أو بول، وعن فعله هو عليه الصلاة والسلام في استدباره القبلة. أنا قلت قبل قليل مهما كان الجمع، فإذا تعذر فلا وجه له. مثال التعذر أن يقول لك مثلاً اختلف الصحابة في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام داخل الكعبة يوم الفتح، هل صلى أو ما صلى؟ واختلف في ذلك بلال وأسامة؛ واحد يقول صلى والثاني يقول ما صلى، لا يمكن أن تجمع ها هنا، هم يتكلمون عن حادثة واحدة بعينها في ذلك الدخول للكعبة، فلا يمكن أن تقول صلى ركعتين وما صلى أربعة، هذا لا يمكن فيه الجمع. عندئذ يتعذر الجمع، ولا يمكن أن تقول صلى في يوم ولم يصل في يوم آخر، فتحمل هذا على يوم آخر غير ذلك اليوم، لهي مرة واحدة.

مثال أوضح من هذا، صلاته صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر لما حج عام حجة الوداع يوم العيد، لما رمى جمرة العقبة وحلق رأسه ونحر هديه وتحلل وطاف بالإفاضة، أدركته صلاة الظهر، وكلا الروايتين في الصحيح؛ رواية تقول صلى الظهر بمكة ثم نزل بمنى، ورواية أخرى تقول رجع إلى منى فصلى الظهر بها. كيف تجمع؟ هي صلاة ظهر واحدة، ولا يمكن أن تقول صلاها مرة بمكة ومرة بمنى، هذا محل إشكال.

ونكاحه صلى الله عليه وسلم من ميمونة، هل نكحها وهو محرم أو نكحها وهو حلال؟ ابن عباس يقول نكحها وهو حلال، وميمونة نفسها وأبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن النكاح كان حال الحل وليس حال الإحرام. كيف تجمع بين هذا؟ هو حاجة واحدة، حادثة واحدة لم تتكرر، فعين إذ لا يمكن الجمع ها هنا، وإذا جئت تجمع وتتكلم سيكون الجواب ضعيفًا أو مرفوضًا وباطلًا، فهذا قيد مهم؛ الجمع عند إمكان الجمع مقدم على غيره.

قال رحمه الله: «وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ». ذكر رحمه الله التوقف، والصحيح الذي عليه الترتيب -ولعل إمام الحرمين اختصر الكلام هنا- أن المصير إلى الترجيح، يعني بعد الجمع تأتي مرتبة الترجيح. وفي مثل حديث ميمونة الذي ذكرناه أخيرًا، أن النبي عليه الصلاة والسلام نكحها وهو حلال ويؤيده رواية أبي رافع، بينما ابن عباس يقول نكحها وهو محرم، وكلا الروايتين صحيحة وفي الصحيحين كليهما، فالذي صار إليه العلماء هو الترجيح.

فلما نظروا ورجحوا قالوا ميمونة هي صاحبة القصة وهي أوثق وأدرى، وبذلك روايتها تقدم على رواية ابن عباس، ليس طعنًا في رواية ابن عباس لكن لا بد لنا من جواب، فقدمنا رواية ميمونة لأنها صاحبة القصة وهي أدرى، أيضًا أيدها حديث أبي رافع، وبذلك وجدنا وجهًا آخر من وجوه الترجيح وهو تعدد الرواية؛ عندنا روايتان ميمونة وأبو رافع ويقابلها رواية واحدة لابن عباس. وترجيح ثالث أن أبا رافع الراوي الذي أيد رواية ميمونة كان هو السفير في عقد النكاح بين رسول الله عليه الصلاة والسلام وبين ميمونة، إذا كان أدرى وأعلم ويبعد تمامًا أن يروي شيئًا يهم فيه.

أو يخطئ فيه أو لا يدري ما الواقع فيه؛ فهذا كله من وجوه الترجيح. وقد جمعت لك في مثال واحد لتعرف أن وجوه الترجيح متعددة لا حصر لها، فهي كثيرة الأنحاء. قال رحمه الله: وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف إن لم يعلم التاريخ.

فإذا علم التاريخ، فقد فتح لك الخطوة الثالثة وهو ثبوت النسخ، أن تقول: هذا ناسخ وهذا منسوخ. وهذا متوقف على معرفة التاريخ؛ لم؟ لنتقدم معك بالأمس أن النسخ لا يكون نسخاً إلا إذا كان الخطاب الذي دل على رفع الحكم الأول متأخراً متراخياً. فالتراخي هو التأخر في الورود الزمني، فإذا ثبت عندك تأخره زماناً فهو ناسخ. لكن طالما لم يثبت التاريخ ولم يثبت عندنا معرفة المتقدم من المتأخر، فلا وجه لدعوى النسخ، وستكون دعوى النسخ دعوى فيها تساهل لا دليل عليها؛ لأنه يمكن لخصمك ومخالفك في المسألة أن يعكس، فيقول: لا، دليلك هو المنسوخ ودليلي هو الناسخ. فلمن الحجة منكما ما لم يقم عندك دليل؟ فثبوت الدليل هو الذي يرجح لك.

كيف أعرف المتقدم من المتأخر؟ أقوى الأدلة التصريح: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها». واضح أن هذا كان، ثم حصل هذا. «كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فكلوا وتصدقوا وادخروا». هذا أفضل الطرق وأقواها.

أيضاً من الطرق ترتيب الوقائع في تاريخها الزمني، في حديث بشر بن صفوان في الوضوء من مس الذكر مع حديث إثبات الوضوء؛ واحد كان في قصة قباء في قدومه صلى الله عليه وسلم مسجد قباء، إذاً هذا في أول الهجرة، ويغلب على الظن أن الثاني متأخر. ثمة قرائن بتحديد الوقائع؛ هذا في بدر، وهذا بعد الخندق.

أوضح من ذلك صلاته عليه الصلاة والسلام بأصحابه في بيته لما سقط فاشتكى جنبه، فصلى جالساً، فأتم الصحابة به خلفه قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا. فلما قضى الصلاة قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به» إلى أن قال: «وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون». هذا خالف رواية حديثه في آخر صلاة صلاها مع الصحابة لما مرض مرض الوفاة عليه الصلاة والسلام، وخرج وأبو بكر إمام الناس، فتقدم فصلى بجوار أبي بكر جالساً، وأبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فانتقلت الإمامة إليه صلى الله عليه وسلم وصلى جالساً، ولم يجلسوا خلفه، ولم يشر إليهم، ولا تكلم معهم. هذا الحكم مخالف للحكم الأول، ورود هذا الحديث في آخر حياته قبل وفاته بيوم أو يومين، في نفس اليوم دليل على التأخر، فهنا يسعك أن تقول: هذا التاريخ دلالة على أنه ناسخ لما سبق.

وهكذا: «كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار». أن يروي الصحابي، انتبه ليس من ثبوت التاريخ ترتيب النزول في القرآن، وترتيب السور؛ أن السورة التي تكون مثلاً الآية التي في سورة العنكبوت، لا تنظر إلى ترتيبها، وأن سورة البقرة قبلها، وبالتالي الذي في الترتيب أسفل يكون ناسخاً لما سبق؛ كلا، بل السورة الواحدة وجود الآية متأخرة في السورة لا يدل على كونها متأخرة في النزول. ومن أمثلة ذلك دليل البارحة: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة: 240]، والآية في الترتيب في المصحف بعد آية ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. فلو قلت المتأخر في الترتيب هو الناسخ لصار النص عندك في هذا المثال بالعكس. قوله تعالى: ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: 52] نسخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: 50] إلى آخر الآية، وهي متقدمة في سورة الأحزاب على آية ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ﴾. إذاً ترتيب السور وترتيب الآيات داخل السور ليس دليلاً على ترتيب النزول.

كما أن تأخر إسلام الصحابي الراوي للحديث ليس دليلاً على النسخ دائماً، يعني أبو هريرة أسلم سنة سبع، فهل كل ما روي عن طريق أبي هريرة نعتبره متأخراً وننسخ به ما رواه مثلاً المتقدمون من الصحابة كعمر وأبي بكر وابن مسعود؟ الجواب: لا؛ لأن أبا هريرة قد يروي حديثاً لم يسمعه مباشرة من النبي عليه الصلاة والسلام، سمعه من غيره من الصحابة فيرويه، فلا عبرة بهذا كله، والمسألة دائرة على معرفة التاريخ. قال رحمه الله: فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر.

قال فيما بعد: وكذا إن كانا خاصين؛ يعني إذا كان الدليلان كلاهما خاص، وفي ما ضربت من أمثلة تكرر هذا كثيراً؛ يعني صلاته صلى الله عليه وسلم داخل الكعبة وعدم صلاته، في روايتي أسامة وبلال هذه أحاديث خاصة وليست عامة. تتعامل معها بالمنهج ذاته؛ ما هو؟ البدء في الجمع إن أمكن، فإن لم يمكن الجمع وتعذر، فالترجيح إلا إذا ثبت التاريخ وعرفنا حقيقة المتقدم والمتأخر فنقول بالنسخ.

سؤال مهم: ثبت عندي تاريخ بين النصين بين الدليلين، ويمكن الجمع، فهل أقول بالنسخ أم أقول بالجمع؟ الجمع أولى، ممتاز. طيب انتهينا، لم يمكن الجمع، ويمكن القول بالنسخ ويمكن القول بالترجيح، والقول بالنسخ فقط هو لمعرفة التاريخ، عرفت أن هذا كان في سنة اثنين من الهجرة وهذا كان بعد صلح الحديبية سنة ست. سؤالي هو: هل مجرد معرفة التاريخ هو طريق إلى القول بالنسخ؟ يعني هنا تقدم الترجيح أم تقدم النسخ؟ هذا محل تفاوت يا إخوة، والترجيح أقل خطراً من النسخ؛ يعني أن ترجح وتقول: لا هذا أرجح من هذا، وتقول به هو أسهل من النسخ. طيب في النهاية في الترجيح ستعمل بأحد الدليلين، وفي النسخ ستعمل بأحد الدليلين، ما الفرق؟

في فرق جوهري، النسخ أنت تحكم على النص الآخر بانتهاء الصلاحية، أنه لا عودة إليه، وأن الشريعة تركت هذا القول، هذا خطير. مجرد التقدم والتأخر هو دليل لك لكن لا يصح أن تتجرأ وتقول هذا منسوخ ما لم يكن عندك حجة قوية على النسخ. فالترجيح أخف خطراً لأنك ترجح شيئاً فيرجح غيرك الطرف الآخر، وتبقى المسألة في اجتهاد وتقابل نظر، ولهذا قال: وكذا إن كانا خاصين وله أمثلة تقدم ذكرها، فإن لم يمكن الجمع يتوقف حتى يعلم التاريخ، ثم يتقدم الناسخ فيكون المتقدم منسوخاً والمتأخر ناسخاً. إذاً هاتان الصورتان متساويتان في الحكم: تعارض العامين، وتعارض الخاصين.

الصورة الثالثة ما هي؟ التعارض العام مع الخاص. وهذا في مثل قوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]، فهذا عموم، وأن أي إنسان يعمل قليلاً من الخير أو قليلاً من الشر فهو ملاقيه لا محالة ومحاسب عليه. هذه العمومات إذا قابلها نص خاص، فأجيبوني أنتم ما العمل؟ يحمل العام على الخاص. ما معنى يحمل عليه؟ أجري بينهما عملية التخصيص التي مر شرحها البارحة، ما التخصيص؟ إخراج أفراد العام أو بعض أفراد العام بهذا الدليل المخصص، وإبقاء العام على عمومه. أليس هذا جمعاً بين الدليلين؟ بلى هو جمع، هو في الحقيقة جمع بين الدليلين؛ لأنك قصرت العام على بعض أفراده، وأجريت الخاص في الأفراد الذين تناولهم الخصوص، وعندئذ أنت خرجت من الإشكال.

قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر»، أين العموم؟ في كل ما سقت السماء؛ فتناول هذا أولاً كل أنواع الزروع بلا استثناء، وتناول هذا أيضاً كل المقادير المحصولة بلا استثناء، قليل وكثير. ثم جاءت النصوص الأخرى وخصصت: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة». فماذا حصل؟ الزرع الحصاد إذا كان أقل من خمسة أوسق، إذا كان أقل من ثلاثمئة صاع فلا زكاة فيه، فأخرجت هذا، ولما أخرجته أبقيت العام، وبالتالي «فيما سقت السماء العشر» يعني إذا كان كثيراً أكثر من خمسة أوسق، إذا كان قليلاً فلا زكاة فيه. ألم تعمل بالنصين كليهما؟ بلى، هذا جمع بين الدليلين. «ليس في الخضروات صدقة»، أنت أخرجت جنس الخضروات من المزروعات وأبقيته في الحبوب والثمار مثلاً وهكذا. هذا تخصيص، وهذا سهل وقد مر معكم في باب العموم والخصوص. إذاً تعارض عام مع خاص يحمل العام على الخاص، وهو الذي اصطلحنا على تسميته التخصيص؛ التخصيص أن تسلط النص الخاص على العام، يعني تعطيه أولوية.

بقي فقط أن تفهم أن طريقة الجمهور التي يخالفون فيها الحنفية هاهنا؛ أن الجمهور يقولون حيثما تعارض عام وخاص فالأولوية لمن؟ للخاص. لكن الحنفية يقولون: لا، لا نقول بالتخصيص إلا إذا كان النص الخاص ورد مستقلاً مقارناً للعام، معنى مقارناً يعني أتى معه في الدليل ذاته، فإذا انفصل عنه وتأخر رأوا تقدماً، فلا نقول دوماً بالتخصيص، لكن العبرة بالمتأخر دائماً؛ فإن كان العام متأخراً كان ناسخاً للخاص، وإن كان الخاص متأخراً نسخ من العام بقدره. مسألة لا يهمنا أن تقف عندها كثيراً الآن، لكن اضبط معي طريقة الجمهور؛ متى تعارض عام وخاص فما الحكم؟ يحمل العام على الخاص والقول بالتخصيص. هذه الصورة الثالثة، اقرأ.

وإن كان أحدهما عاماً والآخر خاصاً فيخصص العام بالخاص. وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه خاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر. طيب هذه الصورة الرابعة، وهي الحقيقة محل اجتهاد ونظر ومختلف كثير بين الفقهاء. الصورة هي أن يكون كل واحد من النصين المتعارضين فيه عموم وخصوص، والآخر أيضاً فيه عموم وخصوص، فيسمى عاماً خاصاً من وجه؛ يعني هو من وجه عام ومن وجه آخر خاص، والآخر مثله هو من وجه عام ومن وجه آخر خاص.

أضرب لكم مثالاً عملياً نتعرض له جميعاً، صلاة ركعتين تحية المسجد بعد صلاة العصر الذي هو وقت نهي، وبعد صلاة الفجر الذي هو وقت نهي. شخص صلى العصر في مسجد وقصد مسجداً آخر يحضر حلقة تحفيظ أو درساً، أيركع تحية المسجد أو ما يركع؟ بعد الفجر صلى الفجر في مسجده إماماً وقصد مسجداً آخر له فيه درس أو لقاء بأحد، ودخله، أ يصلي ركعتين تحية المسجد أو ما يصلي؟ أمامه دليلان، واحد يقول: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغرب»، والحديث الثاني يقول: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». ما العمل؟ من قال يصلي أخذ بحديث «إذا دخل أحدكم المسجد»، ومن قال لا يصلي أخذ بحديث «لا صلاة». طبق معي القواعد التي تعلمناها، هل هما عامان؟ أو خاصان؟ أو أحدهما عام والآخر خاص؟ الجواب أنه من الصورة الرابعة.

لما تنظر في كل من الدليلين تجد فيه عموماً وخصوصاً، وركز معي: «لا صلاة بعد الصبح»، أين عمومه؟ أي صيغة من صيغ العموم؟ نكرة في سياق النفي «لا صلاة»، أي صلاة نهينا عنها؟ كل الصلوات. بعد طلوع الشمس بعد الصبح حتى تطلع الشمس، هذا محل نهي، فعمومه في الصلوات؛ إذاً يتناول تحية المسجد أو لا يتناولها؟ يتناولها، إذاً حتى تحية المسجد لا صلاة لأن النص عام. لكنه خاص في الوقت: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.

الحديث الآخر عكسه تماماً، «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، أين عمومه؟ «إذا دخل أحدكم»، أي صيغة؟ أحسنت، صيغة شرط، يعني أي وقت يدخل أحدكم المسجد، «إذا» هذه أداة شرط متى دخلت المسجد، هذا عموم في ماذا؟ في الوقت والزمن الذي كان خاصاً هناك في النص. «فلا يجلس حتى يصلي ركعتين»، خصوص الصلاة أي ركعتين هذه؟ تحية مسجد. طيب الحديث الأول عام في الصلوات خاص في الوقت، الثاني عام في الوقت خاص في الصلاة. فما العمل؟ لو طبقت الصورة الثالثة تخصص العام بالخاص.

سآتي أنا الذي أقول بجواز صلاة ركعتين تحية المسجد تقول: يا أخي لا صلاة بعد العصر، أقول لك: إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين، أتيتك بدليل. والذي لا يصلي جلس، فقلنا له: يا أخي صلِّ، يقول: لا صلاة، فقل له: إذا دخل أحدكم المسجد؛ فكيف تعمل؟ فبكل منهما حجة. فالصواب هاهنا يقولون: يخص عموم كل منهما بخصوص الآخر. عندئذ يتعارض عندك أيضاً التخصيص، فأيهما سيكون أولى؟ تخصيص «لا صلاة» فتقول: إلا تحية المسجد، أو تقول: «إذا دخل أحدكم المسجد» إلا بعد العصر وبعد الفجر. فهمت معي؟

مرة أخرى، إذا كنت سأخصص أحد النصين بالآخر سأقول كالتالي: لا صلاة بعد الصبح، لا صلاة بعد العصر إلا تحية المسجد؛ فأنا ماذا صنعت الآن؟ خصصت عموم «لا صلاة بعد الصبح» بماذا؟ بتحية المسجد، فسأمنع المتنفل أن يصلي ركعتين إلا إذا كانت تحية مسجد. العكس سأقول: كل داخل للمسجد عليه أن يصلي ركعتين إلا إذا كان بعد العصر أو بعد الفجر، وهذان الوقتان يجلس من غير صلاة؛ ليش؟ خصصته. كلاهما تخصيص الآن، كلاهما فيه عموم يسمح بتخصيصه بالنص الآخر.

ها هنا ينظر العلماء في أي التخصيصين سيكون أولى من الآخر، وهنا مسالك متفاوتة للفقهاء. فمنهم مثلاً من يقول: أرى النهي قوياً «لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الصبح»، ويقول: إذا تعارض حاظر ومبيح فالحاظر مقدم، فيكف عن الصلاة ويمتنع حتى تحية المسجد، يقول: النهي عندي أقوى، وهي طريقة لبعض الفقهاء.

الطريقة الثانية بالعكس، سيقول: هذا عموم وهذا عموم، دعني أنظر أي العمومين أقوى فسآخذ به، فينظر ويوازن بين العمومين، فيقول: وجدت أن حديث «لا صلاة بعد الصبح» في عمومه قد استثني منه أكثر من استثناء: لا صلاة بعد العصر، لا صلاة بعد الصبح. طيب ماذا لو نام عن الصلاة؟ يصلي ولا ما يصلي؟ يصلي. طيب فاتته صلاة، تذكرها قبل يومين نسيها وتذكرها الآن، فليصلها إذا ذكرها مستثنى.

لما تقول طاف سبعة أشواط بالكعبة وأراد أن يصلي ركعتي الطواف: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار». تستثني، انظر كيف استثنيت ركعتي الطواف؟ استثنيت الصلاة الفائتة، استثنيت الصلاة المنسية، استثنيت أيضاً بعض الصور الأخرى، مثل أن تقول: لا صلاة بعد الصبح، لا صلاة بعد العصر، لكنك جئت استثنيت سنة الفجر بعد الفجر مع أنه وقت نهي، ما صلاها قبل الصلاة ولك فيها دليل حديث قيس بن قهد: ما هاتان الركعتان؟ قال: «هما سنة الفجر ما كنت صليتهما قبل الصلاة»، فأقره عليه الصلاة والسلام.

قضى أيضاً هو عليه الصلاة والسلام سنة الظهر بعد العصر لما جاءه الوفد فانشغل بهم. إذاً حتى السنن الرواتب كان يقضيها في وقت النهي. فثبت عندنا أن عموم لا صلاة بعد الصبح ولا صلاة بعد العصر عموم ما به سبق استثناءات منه، وخصص أكثر من مرة؛ يقولون هذا عموم مخرق، يعني سبق الاستثناء منه كثيراً حتى ضعف. بينما عموم «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس» عموم قوي ما استثني منه شيء، بل تأكدت قوته حتى في خطبة جمعة وهو يخطب ويدخل الرجل سليك الغطفاني ويجلس، فيقطع الخطبة ليكلمه: أصليت ركعتين؟ قال: لا. قال: «قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما».

هذا أقوى عموم ما استثني منه شيء، بل جاء ما يؤكده ويقطع الخطبة الواجبة الإنصات لها، ويقطع حديثه للناس ليخاطب رجلاً بعينه ترك سنة ما أداها فيخاطبه، ويقول له: «قم فصلي ركعتين». هذا اتجاه يقول: أنا سأميل إلى هذا العموم لأنه أقوى وأرجحه، وسأحكم بتعين صلاة ركعتين تحية المسجد لكل من دخل ولو كان في وقت نهي، ويقول هذا أقوى. هذه مسألة اجتهادية يا إخوة، والعلماء فيه يتفاوتون في النظر، فما ترجح لأحدهم قال به وأفتى به، وما لم يترجح عند الآخر قال بخلافه.

بمناسبة صلاة تحية المسجد، القصة اللطيفة التي تروى عن ابن حزم رحمه الله في سبب طلبه للعلم وحرصه عليه، فإنه كان مترفاً وتربى في بيت وزارة ونعيم وملك وجاه، تربية نعيم ودلال ولم يطلب العلم في شبابه. فحدث أن حضر جنازة دُعي إليها، فأتى المسجد قبل صلاة العصر، وصلاة الجنازة كانت بعد العصر، فلما دخل المسجد ينتظر الصلاة دخل فجلس، وكان بجواره رجل كبير السن فنهره ووكز وقال: قم فصل ركعتين. فاستحى وخجل أنه شاب في مقتبل العمر ويجهل مسألة يسيرة جداً من مسائل المساجد والصلاة والسنن، فقام وصلى ركعتين.

حضرت صلاة العصر، صلى صلاة العصر وصلى على الجنازة وخرج مع الجنازة يتبعها، فشيعوها ودفنوها. ما بقي على المغرب كثير، فقال يرجع للمسجد ينتظر المغرب، دخل والرجل جالس لما وقف بجواري بيصلي ركعتين الآن الموقف يصلي، جذبه من ثوبه قال: اجلس هذا ليس وقت صلاة. فأثرت في نفس ابن حزم، لما ما كان يصلي قال: صلي، ولما جاء يصلي قال له: لا تصلي، تأثرت في نفسه أنه ما يفقه مثل هذه المسائل، فعزم من يومه على طلب العلم حتى نال الإمامة رحمه الله.

وإن كان كل واحد منهما عاماً من وجه وخاصاً من وجه، فيخص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر. وأما الإجماع، خذ مثالاً آخر: «من بدل دينه فاقتلوه». أين العموم؟ «من» ما صيغتها؟ اسم مبهم، يعني كل من بدل دينه فاقتلوه، يشمل ماذا؟ الرجال والنساء، من بدل المرتدين رجلاً كان أو امرأة. طب ماذا تفعل مع حديث الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النساء؟ نهى عن قتل النساء، أين العموم؟ النساء، فيشمل ماذا؟ تشمل المرتدة وغير المرتدة. السؤال الآن: المرأة المرتدة، إن نظرت إليها على أنها امرأة نهى عن قتل النساء، وإن نظرت إليها على أنها مرتدة «من بدل دينه فاقتلوه»، فلتدخلها في هذا النص أو في هذا النص.

هذا من جنس الأدلة التي فيها عموم وخصوص من وجه، كيف؟ «من بدل دينه فاقتلوه» عام في المرتدين رجالاً ونساءً، خاص في ماذا؟ خاص في الردة، يعني في سبب الردة، وهو السبب المخصص للقتل. حديث نهى عن قتل النساء عام في النساء، عام في النهي عن قتل أي امرأة، وهذا خاص بأهل الردة «من بدل دينه»، وهذا خاص بالنساء، فالمرأة المرتدة ماذا تفعل بها؟ هل تقتل أم لا؟ فيها خلاف بين الفقهاء، والسبب هو النظر في هذين العمومين وأيهما أقرب وألصق؟ ومثل ما قلت لك في حديث «لا يجلس حتى يصلي ركعتين»، يجتهد الفقهاء في النظر أي العمومين أقوى وينبغي المصير إليه. الذي عليه جمهور العلماء أن المرتدة تقتل، وهو الذي رجحه أيضاً إمام الحرمين رحمه الله.