هذا الشرح قلت إنه للمبتدئين، فما الغرض منه؟ الغرض منه شرح وتفهيم مبادئ النحو. يعني لا تتوقع أنك ستخرج من هذا الشرح في يومين للإجرومية بفهم النحو كله، لأن النحو لا يفهم في يومين. لكن المراد أن تفهم مبادئ النحو خطوطه الرئيسية في يومين، فإن هذا مطلب عظيم أن يفهم الإنسان مبادئ العلم.
وكذلك من أهداف الدرس إثبات إمكانية فهم النحو. فإن بعض الناس ربما يخادع نفسه فيقول: أنا لا يمكن أن يفهم النحو. ربما درس النحو مرة أو مرتين بطريقة غير صحيحة فلم يفهمة فقال: أنا لا يمكن أن أفهم النحو. لا، نقول: يمكن أن تفهم النحو إذا درسته بطريقة صحيحة. نحن إن شاء الله في هذا الشرح سنثبت أن النحو ليس أمراً عسيراً ولا صعباً، نعم، كغيره من العلوم يحتاج إلى شيء من الاجتهاد والانتباه، ولكن يمكن أن يفهم إذا درسته بالطريقة الصحيحة.
فالنحو كغيره من العلوم لابد أن يدرس بطريقة صحيحة، ومن أفضل طرائق دراسة النحو أن تأخذ متناً من متونه الصغيرة كالإجرومية مثلاً، وتقرأ هذا المتن عدة مرات حتى تحفظه أو على الأقل تستظهره. تأخذ هذا المتن، متناً صغيراً، يعني في عصارية واحدة يمكن أن تقراه ثلاث أربع مرات. اجعله معك ثلاثة أيام واقراه عشرين مرة، والهدف من ذلك أن تمرر العلم كله على ذهنك الأبواب وتعرف ترتيبه، هذه الخطوة الأولى.
الخطوة الثانية أن تأخذ شرحاً من شروحه المسموعة، ومن شروحه المسموعة شرح شيخنا ابن عثيمين رحمه الله وهو متوسط، وشروح كثيرة، ومنها شروح لي على الإجرومية وهي موجودة في النت. تأخذ شرحاً من شروحي على الإجرومية في خمسة أشرطة أو خمسة دروس أو سبعة دروس، المهم تأخذ شرحاً من شروح الأجرومية المسموعة وتستمع اليه استماعاً متواصلاً. هذا الشرط أن تستمع اليه استماعاً متواصلاً، لأن مشكلة النحو أنه علم متواصل، بعضه يأخذ ببعض، يأخذ ببعض حتى ينتهي، ما تقول: أدرس هذا الباب اليوم وبعد أسبوع الباب الثاني وبعد شهر الباب الثالث، ما يصلح. النحو من أوله إلى آخره ينبني بعضه على بعض حتى ينتهي، فلا بد أن تفهم الأول لتفهم الثاني، ولا بد أن تفهم الأول والثاني لتفهم الثالث وهكذا.
إذا لم تفهم الأول، معنى ذلك أنك لم تفهم الثاني حتى ولو اجتهدت في الثاني، لأن الثاني منبني على الأول وهكذا. فلا بد أن تستمع إلى هذا الشرح في أسبوع على الأكثر استماعاً متواصلاً، ولو كان سريعا، ولو كان في السيارة. الهدف منه أن تمرر الشرح كله على ذهنك، تستمع إليه، والمعتاد أنك ستفهم من هذا الشرح من خمسة إلى عشرة بالمئة منه، وهذا هو المعتاد.
فاذا انتهيت من الاستماع إليه، يمكن أن تنتظر أسبوعاً أو مباشرة تستمع إليه مرة ثانيه أيضاً بطريقة سريعة متواصلة. الغرض منه أيضاً أن تمرره على ذهنك، فذهنك بالنسبة للأمور التي فهمها في المره الأولى خمسة بالمئة هذه أو عشرة بالمئة لن يتوقف عندها، وإنما سينتقل إلى فهم نسبة أخرى مهمة. لأن من طبيعة العقل البشري أنه لا يستطيع أن يستوعب كل ما يسمع من المرة الأولى إلا العباقرة والاذكياء، هؤلاء لهم كلام آخر. أما أنا أتكلم عن عامة الناس، فعندما تستمع للشيء، أخص الأمور العلمية، فالمعتاد أنك تفهم من خمسة إلى عشرة بالمئة إذا كان استماعاً سريعاً.
فاذا استمعت إليه في المرة الثانية، فان ذهنك في المرة الأولى عندما كان الشيخ يشرح المسألة الأولى وانتهى منها، ماذا يفعل؟ سينتقل للمسألة الثانية، وذهنك ما زال في المسألة الأولى يحاول أن يفهم وأن يخزن هذه المعلومات، ربما ينتهي الشيخ من المسألة الثانية والثالثة ولم يعد يعني ذهنك وعقلك بكامله معك حتى يصل الشيخ إلى المسألة الثالثة والرابعة. هذا أمر لا شعوري، لكن هذا الذي يقع. فإذا استمعت في المرة الثانية، فعندما يشرح الشيخ المرة المسالة الأولى وقد فهمتها ثم ينتقل للثانية، تنتقل معه مباشرة فتفهم المسألة الثانية وتنشغل بها عن الثالثة والرابعة. وكل طالب وقدرته.
فبعض الطلاب يحتاج إلى مثل هذا الاستماع أن يستمع لهذا الشرح الصوتي أربع مرات لكي يستطيع أن يغطي هذه الفجوات التي تحدث، وبعض الطلاب ربما يحتاج أن يستمع خمس مرات أو عشر مرات، تستمع حتى ترى أنك فهمت هذا الشرح. فإذا استمعت إليه خمس مرات مثلاً في نقول في شهر، استمعت إلى هذا الشرح خمس مرات في شهر ووجدت أنك يعني فهمت أكثر ما يقوله الشيخ، حينئذ تنتقل إلى الاستماع استماع آخر، أن تستمع إليه بشكل مركز في مكان هادئ مناسب، كذا على بيالة نعناع ومنتبه، ومع الكتاب وتعلق مع الشيخ مع الشارح بعض الأشياء المهمة، تعاريف، شروط، أقسام، تكتبها مع الشيخ، يعني استمع مركز بحيث تغطي جميع الفجوات الباقية في فهمك. هذا الاستماع قد يحتاج منك إلى أسبوع أو أسبوعين، كل طالب واجتهاده.
فإذا انتهيت من هذا الاستماع الأخير، تعود إلى استماع أخير، إلى استماع أخير، تجعل الشيخ عندما يبدأ بشرح المسألة توقف التسجيل وتنظر: هل فهمت ما سيقول الشيخ قبل أن يقوله؟ أراد أن يعرب، توقف التسجيل وتعرب، ثم تنظر: إعرابك صحيح أو غير صحيح؟ يريد أن يذكر أقساماً أو شروطاً أو تنبيهات أو نحو ذلك، توقفه وتتذكر. فإذا وجدت أنك بالفعل يعني عرفت ما يريد أن يقول الشيخ، فمعنى ذلك أنك قد فهمت هذا الشرح فهماً جيداً. فهذه طريقة علمية لتفهيم النحو.
من الأخطاء الواقعة في دراسة النحو، وتجعلنا مهما درسنا النحو لا نستفيد: من الأخطاء أنك لا تدرس النحو دراسة متتابعة متصلة حتى ينتهي. وإنما مثلا تحضر درساً في كل أسبوع، يوم أو ساعة، هذا يصلح للمنتهين الكبار الذين انتهوا من مرحلة الفهم وأرادوا أن ينتقلوا إلى مرحلة التوسع، حينئذ نقول: اذهب إلى درس أسبوعي أو نحو ذلك. أما طالب يريد أن يفهم يعني ما زال في مرحلة الفهم، لا، مرحلة الفهم تحتاج إلى دراسة متصلة حتى تنتهي من مرحلة الفهم، تفهم النحو. شيء يؤكل أو شيء يشرب، بعض الناس ما يفهم ما النحو؟ يفهم النحو. فإذا فهمت النحو وانتهيت من مرحلة الفهم، تنتقل عاد إلى مرحلة أخرى تحتاج أن تعرف كيف تدرس النحو على يعني طريقة المتوسطين أو الكبار.
من الأخطاء في دراسة النحو الانتقال من متن إلى متن أو من شرح إلى شرح، وهذا خطا كبير. أنت الآن لست في مرحلة التحصيل والتجميع ومعرفة خلاف العلماء وماذا قال فلان وماذا قال فلان لكي تنتقل بين الكتب والشروح، أنت في مرحلة فهم النحو، فتتخذ كتاباً معيناً كالإجرومية لا تتجاوزه حتى تفهم النحو. أنت لا يهمك رأي الآجرومي أو رأي فلان أو رأي فلان، أنت تريد النحو فقط، وتقف عند شرح واحد اتخذت هذا الشرح، خلاص، تقف عنده لا تتجاوزه، استمع إليه نفسه خمس مرات أو سبع مرات أو عشر مرات حتى تفهم النحو. فلهذا قال الحكماء: لأن أقرأ كتاباً واحداً خير لي من أن أقرأ كتابين، ولأن أقرأ كتاباً واحداً مرتين خير لي من أن أقرأ كتابين، ولأن أقرأ كتاباً واحداً ثلاث مرات خير من أن أقرأ ثلاث كتب. نعم، تقرا كتاباً واحداً نحوياً ثلاث مرات أفضل من أن تقرأ ثلاثة كتب في النحو مختلفة.
لأنك إذا قرات الإجرومية فهمت منها عشرة بالمئة، ثم قرات كتاباً آخر في النحو ستفهم النسبة نفسها التي فهمتها في الكتاب الأول، لأن الكتاب الآخر له طريقة مختلفة في التأليف وله اصطلاحات وله طريقة مختلفة في الترتيب، فستنشغل بها ولا تتجاوز عشرة بالمئة. هذا الذي يجعل كثير من الطلاب يدرس يدرس يدرس وما زال في عشرة بالمئة من النحو. لكن تأخذ كتاباً واحداً وشرحاً واحداً، وتبقى عليهما وتكرر وتكرر وتكرر، فإن التكرار يفهم الشطار، نعم صحيح، لابد أن تكرر العلم حتى تنتهي من مرحلة مرحلة الفهم. فهذه من أهم الأخطاء التي يقع بها الطلاب.
أنا قدمت الكلام على طريقة دراسة النحو لأنه السؤال المكرور الذي أعلم أنه سياتي: كيف ندرس النحو؟ فلهذا قدمت الكلام على طريقة دراسة النحو وقد أشرت إليها كثيراً من الطلاب فذكروا ولله الحمد أنهم استفادوا من هذه الطريقه وتخلصوا من عقدة اسمها النحو.
أ.د. سليمان العيوني