تسجيل الدخول

شرح مئة المعاني والبيان (35)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

فيا لغتي، أيا صرحا عظيما تهاوت عندها هيبته الصروح، أنت البحر للغواص عشق، وأنت تدر للقاسي طموح.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وعلى قرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي في مجلس جديد نعقد فيه شرح نظم مئة المعاني والبيان للإمام ابن الشحنة الحنفي رحمة الله تعالى عليه.

وقد انتهى بنا المسير أحبتي إلى يعني الاستعارة، وعرفنا أن الاستعارة نوع من أنواع المجاز، ولكنه مجاز علاقته المشابهة؛ المشابهة بين المعنى المجازي وبين المعنى الحقيقي. إذاً، عرفنا أن الاستعارة نوع من أنواع المجاز، لكنه مجاز مخصوص، مجاز علاقته ماذا؟ المشابهة. هناك عنصر تشابه، هناك عنصر تشابه بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي، هكذا كانت فكرة الاستعارة، ثم منحنا قاعدة وقلنا إن الاستعارة هي في الحقيقة تشبيه متطور، هي في الحقيقة ماذا؟ تشبيه متطور. عندنا مشبه ومشبه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، حينما نهدف المشبه، حينما نحذف المشبه وأداة التشبيه ووجه الشبه ونبقي المشبه به حينئذ نصل إلى الاستعارة.

رأيت رجلا أو خطيبا كالأسد، ثم تقول: رأيت أسدا يخطب. لاحظوا هي ابتداء كانت: رأيت رجلا أو خطيبا كالأسد، كان تشبيها، بحذف المشبه وأداة التشبيه ووجه الشبه بقيت: رأيت أسدا يخطب، فتحولت التشبيه بالاستعارة، مدعين يعني كيف التشبيه يتطور ليتحول إلى استعارة؟ ما الذي يسوغ لك أن تحذف المشبه وتبقي المشبه به؟ ركزوا في هذه العبارة: ما الذي يسوغ لك أن تحذف المشبه وتبقي المشبه به؟ الذي يسوغ ذلك أننا ادعينا أن المشبه، ها، ادعينا ادعاء أن المشبه أصبح فردا من أفراد المشبه به، بحيث صح أن أطلق المشبه به مريدا به المشبه. فصح: رأيت أسدا يخطب، لا يسع أن أقول رأيت أسدا يخطب حتى يقدر الادعاء أن هذا الخطيب الشجاع كأنه أصبح فردا من أفراد الأسود، ثم بعد ذلك يحذف المشبه وهو الخطيب ويبقي الأسد، فأقول: رأيت أسدا يخطب. إطلاق الأسد وإرادة الخطيب به لا يصح إلا بعد أن ندرك أن الخطيب وكأنه أصبح فردا من أفراد الأسود، على هذا بنيت الاستعارة.

ثم بعد أن عرفنا الاستعارة أركان الاستعارة، وعرفنا التقسيم الأول للاستعارة وهو التقسيم الوحيد الذي يتطرق إليه ابن الشحنة رحمة الله عليه، وهو تقسيم الاستعارة باعتبار مكانها أو باعتبار محلها. فقلنا الاستعارة إذا كانت في أسماء الأجناس فهي استعارة أصلية، وأسماء الأجناس عرفنا أنها إما أسماء الأعيان، يعني الأسماء التي وضعتها العرب للأعيان كالشمس والقمر والأسد والحصان وما شابه ذلك، وإما المصادر، هذا المراد باسماء الأجناس في هذا الباب. وأما إذا كان التجوز في الفعل أو في الوصف المشتق أو في الحرف، فالاستعارة في هذه الحالة تسمى استعارة تبعية وليست استعارة أصلية. إذاً، هذا التقسيم الأول للاستعارة، وعرفنا أن هذا التقسيم كثير من البلاغيين، خاصة من المعاصرين، يرون أنه تقصير قليل الجدوى، قليل الفائدة، لابد أن تفهمه لكنه قليل الفائدة والأثر، وهو تقسيم الاستعارة باعتبار موطنها ومكانها إلى استعارة أصلية وإلى استعارة تبعية.

اليوم أحبتي سنقسم الاستعارة تقسيما آخر، هذا التقسيم لم يتطرق إليه ابن الشحنة، تطرق إليه الشيخ النصف، لكنه هو التقسيم الأهم والأبرز حقيقة في باب الاستعارة ويهتم به البيانيون جميعا. قبل أن أنتقل إلى هذا التقسيم بقي علينا أن نشرح العبارة الأخيرة والمصطلح الأخير الذي تطرق إليه ابن الشحنة في باب الاستعارة، في البيت ستة وثمانين سبعة ثمانين قال ابن الشحنة: يجعل ذاك ادعاء أوله وهي أن اسم جنس استعير له أصلية أو تبعية وإن تكن ضدا تهكميا. في آخر محاضرة من المحاضرات شرحنا ما معنى: يجعله ذات ادعاء أوله، وعرفنا ما معنى: وهي أن اسم جنس استعير له أصلية أو لافت تبعية، وهو تقسيم الاستعارة إلى استعارة أصلية إذا كانت في أسماء الأجناس، وإلى استعارة تبعية. طبعا هي تبعية هو سماها تبعية لضرورة النظم، كأنه أشبع تبعي، أشبع فتحة الباء فأصبحت ألفا، فالتابعية، أو عفوا فتحة التاء أشبع فتحة التاء فأصبحت معه ألفا، تابعية، من أجل أن يصلح معه النظم والسياب، وإلا فهي تبعية، بتاء بعدها باء مباشرة من دون حرف في المنتصف.

إذاً، هذا كان تقسيم الاستعارة إلى استعارة أصلية وتبعية، وتطرقنا إليه في المحاضرة السابقة. اليوم بقي هذا الشطر الأخير من البيت السابع والثمانين قوله: وإن تكن ضدا تهكميا، الاستعارة التهكمية.

بسم الله، الاستعارة التهكمية في الحقيقة أحبتي هي تفريع مختصر، يعني تفريع يسير من تفاريع باب الاستعارة. الآن أحبتي حتى نفهمها باختصار وبسهولة، الاستعارة قلنا ما تعريفها؟ مجاز علاقته المشابهة، وجود تشابه بين المعنى المجازي وبين الحقيقي، هذه هي الاستعارة مجاز علاقته المشابهة. أحيانا، أحيانا وهذا باستقراء كلام العرب وجده البيانيون، أحيانا تأتي الاستعارة على سبيل التهكم. أحيانا تأتي الاستعارة على ماذا؟ على سبيل التهكم. والاستعارة التهكمية هي مجاز علاقته نقيض المشابهة، نقيض المشابهة، شوف العكس! احنا فكرة الاستعارة قائمة على أنها مجاز علاقته ماذا؟ المشابهة، الاستعارة التهكمية هي بالعكس مجاز علاقته نقيض المشابهة، والقصد منها التهكم، ولذلك سميت استعارة تهكمية. تمام، دعونا نذهب إلى السبورة حتى نكتب تعريف الاستعارة التهكمية ونفهم المراد منها.

إذاً أحبتي الاستعارة التهكمية، ما هي الاستعارة التهكمية؟ وما هي علاقتها بالاستعارة مفهومها الأصلي؟ الاستعارة التهكمية أحبتي نكتب تعريفها ابتداء: الاستعارة التهكمية قل هي مجاز علاقته نقيض المشابهة. لاحظوا تعريف الاستعارة التهكمية معاكس تماما لتعريف الاستعارة بالمعنى الذي قررناه ابتداء؛ الاستعارة بالمعنى الذي قررناه ابتداء كانت مجاز علاقته المشابهة، الاستعارة التهكمية مجاز علاقته نقيض المشابهة، والغرض من الاتيان بها التهكم، والغرض من الاتيان بها ماذا؟ التهكم، يعني الاستهزاء بالآخر، لذلك سميت استعارة تهكمية.

طيب، إيش صورتها يا شيخ؟ أنظروا في هذا المثال: جاء رجل جبان إلى مجلسي، فقلت متهكما فقلت متهكما أمام الناس: جاء أسد. إيش قلت؟ جاء الأسد. تمام؟ جاء الأسد، احنا بنعرف الاستعارة الأصلية الطبيعية بمعناها الحقيقي للاستعارة أن الاستعارة مجاز علاقته في هناك مشابهة بين المعنى المجازي وبين المعنى الحقيقي، فكانت عندنا كلمة الأسد في الاستعارة الحقيقية تطلق على هذا مجازا على الرجل الشجاع. صح؟ لأنه معناها الحقيقي هو الحيوان المفترس ومعناها المجازي الرجل الشجاع، والعلاقة بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي علاقة المشابهة في صفة الشجاعة، صفة الشجاعة موجودة في الحيوان المفترس وموجودة في الرجل الشجاع. لكن في هاي الحالة التي نحن فيها الآن الذي أتى إلى المجلس رجل جبan، رجل ماذا؟ جبان. فأردت أن أتهكم به، فماذا قلت؟ قلت: جاء الأسد. طبعا تهكما في هذا المثال، الأسد أطلق وأريد به ماذا؟ هل أريد به الرجل الشجاع؟ كلا، أريد به الرجل الجبان، أطلق الأسد وأريد به الرجل الجبان.

آه، إذا المعنى المجازي للأسد في هذا المثال الرجل الجبان، طيب ما هي العلاقة بين المعنى المجازي وهو الرجل الجبان والمعنى الحقيقي وهو الحيوان المفترس؟ علاقة النقيض، أليس كذلك؟ وأسميها علاقة الضدية. أن الحيوان المفترس وهو المعنى الحقيقي لكلمة الأسد فيه صفة الشجاعة، والمعنى المجازي لكلمة الأسد وهو الرجل الجبان خالی من صفة الشجاعة بل فيه نقيضها وضدها، وهي صفة الجبن، هي صفة الجبن. إذا المعنى الحقيقي علاقته بالمعنى المجازي العلاقة الضدية والتناقض، لأن المعنى الحقيقي فيه صفة الشجاعة والمعنى المجازي فيه الصفة النقيض لها وهي صفة الجبن. فاطلاق الأسد وإرادة الرجل الجبان هذه تسمى استعارة تهكمية، لأن مبناها على نقيض المشابهة، وأردت أن أتهكم بها بالشخص القادم.

في القرآن الكريم نأخذ مثال على استعارة تهكمية من كتاب الله سبحانه وتعالى. الله سبحانه وتعالى حينما تكلم عن أهل النار وحين يلقيهم في نار جهنم، جاءت الآية في سورة الدخان تقول: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. الله سبحانه وتعالى يستهزئ بهم، هؤلاء الذين جحدوا حق الرب سبحانه وتعالى في هذه الدنيا واستهزؤوا بآيات الله في هذه الحياة وغرتهم الحياة الدنيا وكانوا يستهزئون بالدين ويسخرون من المؤمنين، يأتي يوم القيامة يوم الجزاء يوم الاستيفاء، فالله سبحانه وتعالى يتهكم بهم ويستهزئ بهم كما استهزؤوا.

للمؤمنين في هذه الحياة الدنيا، فيقول لهم هم في نار جهنم: ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ. ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ.

الآن أحبتي هذا خطاب لمن؟ للكافر الفرقة في نار جهنم، ذق عذاب جهنم إنك أنت العزيز الكريم. برأيكم كلمة العزيز الكريم ما مراد ها هنا؟ بالتأكيد المراد بها التهكم بهذا الكافر. العزيز الكريم ما معناها الحقيقي؟ العزة والكرامة تدل على الرفعة والكرامة، هذا المعنى الحقيقي للعزيز الكريم الرفعة والكرامة، لكن هنا العزيز الكريم أطلقت على معنى مجازي وهو الذل والهوان لهذا الشخص، أليس كذلك؟

إطلاق العزيز الكريم على المعنى المجازي وهو الذل والهوان تسمى استعارة تهكمية. لماذا؟ لان ما هي العلاقة بين المعنى المجازي لكلمة العزيز الكريم؟ والمعنى الحقيقي للعزيز الكريم. العزيز معناها الحقيقي الرفعة والكرامة، ومعناها المجازي الذي استخدمت فيه هنا الذل والهوان، طب ما هي العلاقة بين الذل والهوان والرفعة والكرامة؟ إيش العلاقة؟ علاقة الضدية، أليس كذلك؟ علاقة التناقض. الرفعة والكرامة تختلف تماماً وعكس تماماً الذل والهوان، فاستخدام اللفظة الموضوعة للرفعة والكرامة وإرادة الذل والهوان بها هذا أكيد ليس على حقيقته بل هو مجاز. أي شكل من أشكال المجاز؟ مجاز من قبيل الاستعارة.

أي شكل من أشكال الاستعارة؟ الاستعارة المراد منها التهكم. لأن الاستعارة الأصلية بمعناها الأصلي مجاز علاقته المشابهة، هنا في هذه الأمثلة الأمر عم يحدث بشكل معاكس، ليست علاقة المشابهة هي التي تحكم المعنى المجازي والمعنى الحقيقي بل بالعكس.

علاقة نقيض المشابهة أو ضد المشابهة، فالمعنى المجازي يكون مناقضاً للمعنى الحقيقي. فإذا أردت حتى تعرف نوع الاستعارة: هل هي استعارة على معناها الحقيقي الأصلي المعروف؟ ولا هي استعارة تهكمية؟ انظر في نوع العلاقة بين المعنى المجازي والحقيقي.

إن كانت العلاقة المشابهة هي الاستعارة على معناها الأصل الحقيقي، إذا كانت العلاقة هي نقيض المشابه والمراد منها التهكم فهي استعارة، تمام؟ إذا هذه الاستعارة التهكمية التي ختم بها ابن الشحنة كلامه في باب الاستعارة.

نحن الآن أحبتي لابد ننتقل إلى تقسيم آخر في باب الاستعارة لأنه تقسيم مهم جداً، وينبغي على الطالب المبتدئ أن يعرفه، وهذا التقسيم ستجدونه كثيراً يتردد في كتب التفسير، بل حتى في كلام الأصوليين في أصول الفقه.

تجدونه أيضاً في كتب العقائد، تجدونه في كتب اللغة وفي لغة الأدب، تقسيم شهير جداً للاستعارة، وهو تقسيم الاستعارة تصريحية هذا النوع الأول وهذه الاستعارة تسمى استعارة تصريحية واستعارة مكنية. طبعا انتبهوا هناك باب أبواب علم البيان وباب الكناية هذا باب سنأتي إليه لم نتطرق إليه بعد، ما زلنا في باب المجاز ونتكلم في قسم الاستعارة، نتكلم الآن عن تقسيم الاستعارة: الاستعارة التصريحية تحقيقية برضه سميها تصريحية تحقيقية واستعارة مكنية.

الاستعارة المكنية تختلف تماماً عن الكناية، بسبب تشابه الأسماء أو تشابه الأحرف في كلمة مكنية وكناية وجدت كثير من الطلبة يخطئ فيها، يظن أن الاستعارة المكنية هي نفس الكناية، لا، الكناية هي فن ثالث من فنون البيان، هذا لم نأتي إليه، سنشرح فيه إن شاء الله عما قريب، لكن نحن الآن نتكلم عن الاستعارة المكنية هذا نوع من أنواع الاستعارات.

إذا تنقسم الاستعارة أحبتي في التقسيم الشهير المعروف إلى تصريحية واستعارة مكنية، استعارة تصريحية واستعارة ايش؟ مكنية. حبيبنا المصطلحات هذه مهمة جداً، بماذا أركز في المصطلح؟ أريد أن يدخل في ذهنك الآن، الاستعارة تنقسم إلى استعارة تصريحية وإلى استعارة مكنية. طب باعتبار ماذا تنقسم إلى هذا التقسيم؟ استطيع أن أقول باعتبار الطريقة التي وقعت بها الاستعارة.

الآن أحبتي ركزوا معي، لما شرحت الاستعارة شرحتها لكم ابتداء كيف شرحتها؟ كنت الاستعارة هي تشبيه متطور، أليس كذلك؟ بلى الاستعارة تشبيه متطور. كيف يعني تشبيه متطور؟ قلنا التشبيه أنت تذكر عندك مشبه وعندك مشبه به.

هذا الركن الأول وهذا الركن الثاني، وعندك أادة تشبيه ووجه شبه. ممتاز؟ ابتداء لما أفهكم الاستعارة ماذا قلت لكم في الاستعارة؟ الاستعارة تشبيه متطور، قلت لكم أننا في الاستعارة نحذف أداة التشبيه طبعا الكاف كأن غيرها من أدوات التشبيه.

نحذف أداة التشبيه، نحذف وجه الشبه، ونحذف المشبه، ونبقي المشبه به مع قرينة تدل على وجود التجاوز، مع القرينة التي تدل على وجود التجاوز. وأن المشبه به حينما أطلق لم يرد منه معناه الحقيقي وإنما اريد منه المعنى المجازي. فحينما قلنا رأيت رأيت خطيبا كالأسد، حينما قلت رأيت خطيباً كالأسد قلنا هذا تشبيه، أليس كذلك؟ كيف أطوره إلى استعارة؟ لو تحدث أداة تشبيه وهي الكاف، لابد أحذف المشبه وهو كلمة خطيب وأبقي المشبه به فأقول: رأيت أسداً.

آه لكن الآن لابد آتي بقرينة تدل على أن كلمة أسد وهي المشبه به حينما أطلقت في هذه الجملة لم يرد منها معناها الحقيقي الحيوان المفترس، وإنما أرادت بها المشبه، صح؟ أنا أبقيت المشبه.

لكنني أصبحت، لاحظوا كيف حتى تفهموا الفرق بين التشبيه والاستعارة، حينما قلت لكم إن التشبيه دلالته حقيقية بينما الاستعارة دلالته مجازية، لأنني حينما كنت أقول ابتداء رأيت خطيباً كالأسد، خطيباً معناها على الحقيقة وكلمة كالأسد الكاف للتشبيه والأسد على معناها الحقيقي الحيواني المفترس. لكن حينما تطور التشبيه إلى استعارة، أصبحت كلمة أسد لا تدل على الحيوان المفترس، بالعكس أصبحت تدل على الرجل الشجاع الذي يخطب، لكن لابد أن أتي بقرينة.

لتدلل على أن كلمة أسد هنا ليست على معناها الحقيقي الحيواني المفترس، بل المراد منها المعنى المجازي وهو الرجل والخطيب الشجاع وهو المشبه في الحقيقة، صح؟ فإذا رأيت أسداً يخطب هاي القرينة مهمة جداً في هذا السياق، هكذا كانت فكرة الاستعارة التي صورتها لكم، أليس كذلك؟

الان ساقول لكم معلومة، هذا النمط من الاستعارة الذي يحذف فيه ويبقي المشبه به مع وجود قرينة تدل على أن المشبه به لم يرد منه معناه الحقيقي وإنما معناه المجازي، هذا الشكل من الاستعارة يسمى عند البيانيين استعارة تصريحية، تسمى استعارة ماذا؟ استعارة تصريحية هذه هي الاستعارة التصريحية.

إذا شرحت لكم ابتداء ولكنني لم أقل لكم إنها تسمى استعارة تصريحية، قلت لكم هذه هي الاستعارة، الآن نعم أتخصص أكثر معكم وأقول لكم هذا الشكل الذي شرحته لكم في الاستعارة يسمى ماذا؟ التصريحية التحقيقية، تسمى تصريحية وتسمى تحقيقية.

الآن اليوم سنتعلم نوع آخر من أنواع الاستعارات وهو الاستعارة المكنية، وأمرها سهل جداً، أمر بسيط جداً لكن شيء من التركيز. في الاستعارة التصريحية احنا كنا ايش نحذف؟ نحذف المشبه ونبقي المشبه به مع قرينة تدل على ماذا؟ على أن المشبه به لم يرد منه معناه الحقيقي وإنما معناه المجازي.

في الاستعارة المكنية سنفعل العكس، سنفعل ماذا؟ سنفعل العكس. الاستعارة المكنية عندنا مشبه وعندنا مشبه به، تمام؟ ماذا سأحذف؟ سأحذف العكس، سأحذف المشبه به. ها؟ كيف يا شيخ ستصبح استعارة؟ عليك أن تفهم طريقة البيانيين، تحذف المشبه به وتبقي المشبه.

وتبقي ماذا؟ المشبه. لكنك آه ركزوا معي في هذه الكلمة، لابد ها بعد حذفك وإلقاء المشبه لابد وأن تذكر شيئاً من لوازم المشبه به ليدل على الاستعارة، ليدلل على الاستعارة. إذا تحذف المشبه به وتبقي المشبه.

أنك ها زائد ذكر شيء من لوازم أو آثار المشبه به لتدلل على الاستعارة، لتدلل على ماذا؟ على الاستعارة. لا تستعجل لأن أحبتي في الحقيقة لأنكم في مرحلة الابتداء لا أريد أن أقحمكم في خلاف، هناك الحقيقة خلاف بين البيانيين.

خلاف بالاستعارة المكنية، هل تعلمون أن بعض البيانيين يقول الاستعارة المكنية هي ليست من باب الاستعارة؟ حتى لو سميناها استعارة مكنية يقولون هي ليست من باب الاستعارة، بل البعض يلحقها بباب التشبيه الذي درسناه سابقاً.

البعض يقول الاستعارة المكنية ليست استعارة أصلاً، لأن الاستعارة أنت جرحت يا شيخ، الاستعارة تشبيه متطور تدعي فيه أن المشبه أصبح فرداً من أفراد المشبه به، بحيث يصح أن تطلق المشبه به مريداً به المشبه، هذه الفكرة التي أصلتها لكم، تمام؟ الادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، ثم بعد ذلك يصح أن يطلق المشبه به مريداً به المشبه بعد وجود هذا الادعاء، لكنك بالاستعارة المكنية.

الأمر بالعكس؛ أنت تحذف المشبه به وتبقي لنا المشبه وتبقي لنا ماذا؟ المشبه. فكيف إذا سيحصل ادعاء أن المشبه فرد من أفراد المشبه به؟ كيف سيحصل ذلك؟ كيف يتحول التشبيه إلى استعارة؟

هناك خلاف بين البيانيين. البعض يقول الاستعارة المكنية لا، هي ليست من قبيل الاستعارة أصلاً وإن سميت استعارة مكنية، بل هي من قبيل التشبيه، تشبيه حذف منه المشبه به. يقول هي تشبيه تماماً، التشبيه الذي ذكرناه سابقاً، تشبيه حذف منه المشبه به وأداة التشبيه. حذف المشبه به وأداة التشبيه وبقي المشبه مع ذكر لازم من لوازم المشبه به للدلالة على التشبيه. الذين قالوا أنها تشبيه، إيش قالوا في الاستعارة المكنية؟ المشبه لم يدع أنه فرد من أفراد المشبه به، لم يدع أنه فرد من أفراد المشبه به، لذلك لم تحصل استعارة فهي إذا تشبيه لكن حذف المشبه به.

الذي سنزيد عليه يا أحبتي ونختاره الآن، لا، إن الاستعارة المكنية هي نوع من أنواع الاستعارات وليس التشبيه، شكل من أشكال الاستعارات وليست تشبيهاً. وفيها نفس فكرة الاستعارة، كيف؟ أن المشبه ادعي أنه من أفراد المشبه به، ادعي أنه فرد من أفراد المشبه به. لكننا بعد هذا الادعاء، بعد أن ادعينا أن المشبه هو فرد من أفراد المشبه به، بدلاً من أن نحذف المشبه ونبقي المشبه به كما هي الحالة الأصلية كما في الاستعارة التصريحية، فعلنا العكس. بعد أن ادعينا أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، حذفت المشبه به وأبقيت، ولكن حتى أثبت ادعائي، ها، حتى أثبت ادعائي أني ادعيت أن المشبه فرد من أفراد المشبه به، كان لزاماً علي أن أبقي ذكر شيء من لوازم وآثار المشبه به. ذكر شيء من لوازم وآثار المشبه به مع المشبه دليل على أنك ادعيت ابتداءً أن المشبه هو فرد من أفراد المشبه به. فاللوازم والآثار التي تتعلق بالمشبه به تتعلق بالمشبه؛ لأنه من أفراد المشبه به ادعاءً.

طيب، نأخذ مثالاً، يتضح المقال، نأخذ مثالاً ونذهب إلى أبي ذؤيب الهذلي، الشاعر الهذلي المشهور، وديوانه وأشعاره هي التي تواجهكم ابتداء من يقرأ الديوان الهذليين. أول قصائد تواجهنا قصائد أبي ذؤيب الهذلي. وهذا الرجل قتله عشرة من الأبناء، مات له عشرة من الأبناء واحداً تلو الآخر، شهد به الشامتون. أعطى قصيدة فخمة جداً يظهر فيها تجلده وصبره على مصائب هذه الحياة الدنيا، فيها تجلده وصبره وأنه يصبر على ما ابتلي به وما حل به، وإن كان هناك مرارة وصعوبة. عشرة من الأبناء فقدهم واحداً تلو الآخر، فأعطى القصيدة كما قلنا مشهورة جداً، تجدونها في ديوان الهذليين، فيها بيت مشهور جداً هو الذي سنتكلم عنه الآن، وهو البيت الذي يقول فيه: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع. لا تنفع. وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع.

الآن أحبتي، ركزوا في المقطع الأول، في الشطر الأول، يقول أبو: وإذا المنية أنشبت أظفارها. وإذا المنية أنشبت أظفارها. ركز في هذا البيت وتأمل، برأيكم أبو ذؤيب الهذلي لماذا صور المنية؟ المنية هي الموت، المنية ماذا صورها؟ قال: وإذا المنية أنشبت أظفارها. أبو ذئب يصور لنا المنية وهي الموت على أنها وحش كاسر يدخل أظفاره في فريسته، يدخل مخالبه في فريسته. أليس كذلك؟ إذاً هذا الذي فعله أبو ذئب، ها، صورها كأنها وحش كاسر، هذا الوحش الكاسر له أظفار ومخالب يدخلها في الفريسة.

لاحظوا ماذا فعل أبو ذئب حتى وصل إلى هذا البيت، حتى تفهموا كيف الاستعارة المكنية تنبني. شبه المنية، شبه المنية، المنية مشبه به، المشبه عفواً، المنية هي المشبه. شبهها بماذا؟ بوحش كاسر، إذاً الوحش الكاسر هو المشبه به. هل الوحش الكاسر ذكر في البيت: وإذا المنية أنشبت أظفارها؟ الوحش الكاسر وهو المشبه به لم يذكر في البيت، وإنما الذي في البيت هو المشبه بالمنية. لكن ماذا فعل؟ بعد أن حذف المشبه به وهو الوحش الكاسر، أبقى شيئاً من لوازمه، من آثاره، من متعلقاته، سمها كما تشاء. أبقى شيئاً من لوازمه ومن متعلقاته، وهي الأظفار. فالأظفار والمخالب هي في الحقيقة ليست للمنية، الأظفار والمخالب هي للوحش الكاسر. فلما حذف المشبه به، أبقى شيئاً من لوازمه مذكوراً في السياق مع المشبه، ليدلل على وقوع هذه الاستعارة. فقال: وإذا المنية أنشبت أظفارها. كلمة أظفارها مهمة جداً. أظفارها هي لازم من لوازم المشبه به المحذوف، ذكر في الجملة وفي السياق ليدلل على وجود الاستعارة. ليدلل على ماذا؟ ليدلل على أنك متكلم كأبي ذئب، ماذا فعلت؟ جعلت المنية ادعاءً فرد من أفراد الوحوش الكاسرة. جعلت المنية، الظاهر، جعلت المنية ادعاءً فرد من أفراد الوحوش الكاسرة.

وعن فكرة الاستعارة لابد أن تدعي أن المشبه فرد من أفراد المشبه به. وقع هذا الادعاء، ادعاء أن المنية فرد من أفراد الوحوش الكاسرة. لكن بدلاً من أن أذكر كلمة الوحش الكاسر مريداً بها المنية، كما هو الاستعارة التصريحية، في الاستعارة التصريحية يعني كيف يمكن أجعل هذا البيت استعارة تصريحية؟ أن أحذف المنية وأبقي كلمة الوحش. هاي استعارة تصريحية، قيد المشبه لا. في الاستعارة المكنية الأمر بالعكس، حذفت المشبه به وهو كلمة الوحش الكاسر، وأبقيت، لكن مع المشبه ذكرت لازم وأثر من آثار المشبه به لأدلل على وقوع الاستعارة، لأدلل بهذا الأثر على أنك متكلم قدرته في التقدير وادعيت ادعاءً أن المنية هي فرد من أفراد الوحوش الكاسرة، ثم بعد أن قدرت هذا التقدير حذفت المشبه به وأبقيت لازمه وهو الأظفار، وذكرت الأظفار مع إيش؟ مع المنية. فكأن المنية، ها أنا ادعيت أنها من أفراد الوحوش الكاسرة، فبما أن المنية ادعاءً اصبحت فرداً من أفراد الوحوش، إذاً هي لها آثار، إذاً هي لها أظفار كما أن للوحوش الكاسرة أظفاراً. وهذا كله ادعاء حتى تكتمل الصورة.

وضحت فكرة الاستعارة المكنية؟ وإذا المنية أنشبت أظفارها. شبه المنية، هكذا تقول: شبه المنية بوحش كاسر، ثم حذف المشبه به بعد أن ادعى أن المشبه فرد من أفراده، وأبقى لازماً من لوازمه. وأبقى لازماً وأثراً من آثار المشبه به تدلل على الاستعارة.

الآن ركزوا معي تركيزاً يسيراً ومختصراً. هذا اللازم، هذا الأثر الذي أبقيناه من آثار المشبه به، له اسم عند البلاغيين والبيانيين. هذا اللازم والأثر الذي أبقيناه للمشبه به يسمى استعارة تخييلية. استعارة إيش؟ تخييلية. الخط مش بزيادة؛ لأن الأقلام ما بتساعدني كثير، يريح. ها، ركزتوا معي؟ إذاً إذا حذفنا المشبه به وأبقينا المشبه مع ذكر أثر أو لازم من لوازم المشبه به، هاي الاستعارة تسمى استعارة مكنية.

ليست استعارة تصريحية، إنه لماذا سميت استعارة مكنية؟ لأنه الاستعارة فيها فيها شيء من أشكال الكناية، أنت لم تصرح بالاستعارة، بخلاف الاستعارة التصريحية حينما قلت: رأيت أسداً يخطب. أنا هنا الاستعارة واضحة بشكل جلي، أنني استعرت المشبه به وأطلقته على المشبه، رأيت أسداً يخطب. لكن هنا: وإذا المنية أنشبت أظفارها. المشبه محذوف، فالاستعارة ليست صريحة واضحة. ادعاء أن المشبه أصبح فرداً من أفراد المشبه به ليس واضحاً هنا، ليس واضحاً جلياً، وإنما الذي دلل عليه وجود أثر أو لازم من لوازم المشبه به هو الذي دلنا على وقوعها، وبدون هذا اللازم لما عرف وقوع الاستعارة.

هذه الاستعارة التي يحذف فيها المشبه به ويبقى المشبه مع أثر من آثار المشبه به تسمى في الجملة استعارة مكنية. واللازم والأثر الذي نبقيه من آثار المشبه به له مصطلح خاص عند البيانيين، يسمونه استعارة تخييلية. هكذا يسمونه، يسمونها استعارة ماذا؟ تخييلية. اللازم وهذا الأثر يسمى استعارة تخييلية. إذاً كل استعارة مكنية لابد معها من وجود استعارة تخييلية. نحفظ هذه القاعدة: كل استعارة مكنية لابد أن يوجد فيها استعارة تخييلية. لماذا؟ لأن الاستعارة التخييلية ما هي؟ هي اللازم أو الأثر الذي نبقيه من آثار المشبه به ونذكره مع المشبه ليدلل على وجود الاستعارة. فكل استعارة مكنية لابد أن يكون معها استعارة تخييلية على الصحيح من كلام البيانيين.

فنأخذ مثالاً آخر على استعارة مكنية، نأخذ مثالاً آخر لكن نريد أن نشرب كأساً من الماء. خلوا الكاميرا على السبورة، بسم الله.

طيب، مثال آخر على استعارة مكنية في معلقة لبيد بن ربيعة رضي الله تعالى عنه يقول: وغداة ريح قد كشفت وقرة، إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. وغداة ريح قد كشفت وقرة، إذ أصبحت بيد الشمال زمامها.

يقول: وغداة ريح، أي وفي يوم ذي ريح شديدة، وقرة، القرة هو البرد الشديد. يقول: وغداة ريح قد كشفت وقرة، كشفت، أي رفعت الكرب والبلاء عن الفقراء والضعفاء في مثل هذه الأيام. طبعا القصيدة طويلة، لها ما قبلها وما بعدها، فلن تكتمل لكم الصورة حتى تقرأوا المعلقة كاملة، لكن هنا فقط حتى نفهم كيف وقعت الاستعارة المكنية. فيقول: في الأيام الباردة التي فيها ريح شديدة، أنا أكشف الهم عن الضعفاء وعن الفقراء وعن المساكين والأرامل. تمام، هذا الذي يريد أن يقوله: وغداة ريح قد كشفت، أي كشفت الفقر والضعف ورفعت الهم والبلاء عن الفقراء والمساكين. وغداة ريح وقرة، يعني في يوم ذي ريح وذي قرة، في برد شديد كشفت فيه الهم. هذا اليوم، ما زال يكمل وصفه، لأن الشعراء، أحبتي، الشعراء، خاصة الشعراء الجاهليين، تجدون عندهم مهارة عالية جدا في تصوير المشهد. يريد أن يا أيها القارئ ويا أيها السامع، في المشهد بأكمله، تأخذ الصورة بأجلى وأوضح وابهى تفاصيلها.

فهو الآن يرسم لك لبيد بن ربيعة، شاعر صحابي جليل أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، وكان من المعمرين، وعاش مئة وعشرين عاما، ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، وله معلقات. وقيل بعدما أسلم لم يقل بيتا قط، بعدما أسلم لم يقل بيتا قط. وكانت عائشة رضي الله عنها تحفظ اثني عشر ألفا من قصائده، اثني عشر ألف بيت من قصائده! تصوروا! حتى تعرفوا الصحابة كانوا يحفظون قصائد الجاهلية. فيا طالب العلم، إياك أن يخدعك شخص ويقول لك: هذه القصائد لا تليق، أو فيها من الكلام الذي لا يرضي، أو ما لا ينبغي. هذا كلام لا يخرج من إنسان عالم وإنسان يعرف قيمة كلام العرب القديم ودوره في فهم القرآن الكريم والسنة وفي فصاحة الإنسان وبيانه. عائشة كانت تحفظ اثني عشر ألف بيت من أبيات لبيد بن ربيعة رضي الله تعالى عنها.

المهم، فيقول: انظر كيف يرسم المشهد، يرسم لك هذا اليوم شديد البرودة الرياح العاتية. يقول: وغداة ريح قد كشفت وقرة، إذ أصبحت بيد الشمال زمامها، إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. الشمال هي الريح القادمة من جهة الشمال، تسمى ريح الشمال، إذن الشمال هي نوع من أنواع الرياح اسمها رياح الشمال. الشمال، إذن ما هو؟ نوع من أنواع الرياح. تمام، يقول: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. الضمير في زمامها، اختلف طبعا، المعلقات، على ماذا يعود؟ أقرب شيء، والله تعالى أعلم، أنه يعود على الغداة، يعود على الغداء. يعني أصبحت بيد الشمال زمام هذه الغداة، أي هذا اليوم، هذه الغدوة، من الذي يقود زمامها؟ ريح الشمال. فهمنا المعنى؟ إذ أصبحت بيد الشمال زمامها، رياح الشمال هي التي تقود زمام هذه الغدوة، هي التي تملكها وتسيطر عليها.

طيب، عندما تقول: رياح الشمال هي التي بيدها زمام هذه الغدوة، أنت في الحقيقة ماذا فعلت؟ ركز معي فيما أعبّر به، أنت تقول: هذه الغدوة حبلها بيد رياح الشمال. أنت ماذا فعلت برأيك؟ أنت في الحقيقة شبهت رياح الشمال هكذا أنت فعلت من دون أن تشعر، ترى أحيانا بعضكم يتكلم بهذا الكلام الذي تكلمت به وهو لا يفهم ما الذي فعله. أنت شبهت رياح الشمال بإنسان، صح؟ شبهت رياح الشمال بإنسان، صح؟ رياح الشمال مشبه، والإنسان مشبه به. شبه رياح الشمال بإنسان، هذا الإنسان من آثاره ومن لوازمه له يد، بهذه اليد يقود الزمام، يقود الحبل، يقود الحبل، فإذا هو شبه رياح الشمال بإنسان له يد يقود بها ويأخذ بها الزمام الحبل يوجهه، فماذا فعل؟ حذف المشبه به وهو الإنسان، وأبقى المشبه وهو رياح الشمال. أبقى المشبه وهو رياح الشمال، وألغى المشبه به وهو الإنسان.

لكن لما حذف المشبه به قلنا شرط الاستعارة المكنية أن يكون معها استعارة تخييلية. ايش يعني؟ أن يبقي لازما أثرا من آثار المشبه به مذكورا مع المشبه. فجاء الأثر الذي ذكره من آثار المشبه به: اليد، أبقى ذكر اليد. فالإنسان من لوازمه ومن آثاره وجود اليد له، فأبقى ذكر لذلك. لاحظوا ايش قال: إذ أصبحت بيدي، كلمة بيدي هاي استعارة تخييلية، آه، كلمة بيدي هاي استعارة تخييلية، لأن الاستعارة التخييلية هي اللازم أو الأثر الذي يذكره المتكلم من آثار المشبه به المحذوف. بيد الشمال، فجعل الشمال لرياح الشمال، وأنا بفتح الشين رياح الشمال، أبقى لرياح أو جعل لرياح الشمال يدا، هذه اليد بها تقود رياح الشمال الزمام لهذا اليوم.

وفي الحقيقة لو أننا تأملنا ودققت معكم أكثر وأكثر، سنجد هناك أمرا آخر، سنجد أنه شبه الغداء بماذا؟ شبه الغداء بأنها ناقة أو راحلة. أليس كذلك؟ لو دققنا أكثر وأكثر يمكن أن نستخلص استعارة أخرى، أنه شبه الغداء هذه الغدوة شبهها بأنها راحلة دابة. طب وين الاستعارة يا شيخ؟ يلا بدي اياك واحد ذكي، أين أين الاستعارة المكنية هنا؟ أنت تقول في وجه أخرى يا شيخ في البيت إنه شبه هذه الغدوة بأنها راحلة. طيب، شبه الغدوة بأنها ناقة، بأنها راحلة، حذف المشبه به وهي كلمة راحلة، وأبقى شيئا من لوازم الراحلة. ما هو الشيء الذي من لوازم الراحلة الذي ذكره في البيت؟ الزمام، الحبل الذي تقاد به الراحلة، هذا شيء وأثر من آثارها. فهو شبه الغداء بأنها راحلة، ثم حذف المشبه به وهو الراحلة، وأبقى أثرا من آثارها وهو ماذا؟ الزمام الذي تقاد به الراحلة. لذلك قال: إذ أصبحت بيد الشمال زمامها. فقوله: بيد الشمال، هاي استعارة مكنية أولى، زمامها هاي استعارة مكنية ثانية.

الاستعارة المكنية الأولى شبه فيها رياح الشمال بإنسان، ثم حذف الإنسان وأبقى اليد على أنه لازم من لوازمه. وشبه الغداء هذا اليوم بأنه راحلة، هذه الراحلة لها زمام، فحذف المشبه به وأبقى زمامها مع إبقاء المشبه وهو الغداء. والصورة النهائية التي رسمت في المشهد أنه تصور الشمال على أنها أنسان، هذا الإنسان يأخذ بزمام واحدة هذه الراحلة اليوم، فهذا اليوم الذي يتحكم به ويقوده رياح الشمال. هذه الفكرة النهائية أنه وهذا اليوم، هذه الغدوة الذي يتحكم بها رياح الشمال، أمرها بيد رياح الشمال. كيف صور لنا هذا المشهد من خلال تصوير أن هذا اليوم عبارة عن راحلة، وأن رياح الشمال عبارة عن إنسان، وهذا الإنسان يقود الراحلة بحبل، من خلال استعارتين مكنيتين اكتمل المشهد. شيء رائع وجميل جدا، رائع وجميل جدا. هذا نمط من الاستعارات.

إذن، هذه الاستعارة المكنية، أحبتي، عرفنا إذن الفرق بين الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية. الآن كل ما ذكرته لكم سابقا من الاستعارات: رأيت أسدا يخطب، جاءني البحر فزارني، هذه كلها استعارات تصريحية. أي استعارة يحذف فيها المشبه ويلقى المشبه به، هذه الاستعارة التصريحية التحقيقية، وهي موضوعية متداولة. النوع الثاني: الاستعارة المكنية، وهذه فيها خلاف. كما قلنا الضجة على تشبيه بعضها ليست استعارة، البعض استوعب على النمط الذي شرحته لكم، ونحن سنسير على أنها شكل من أشكال الاستعارات، لكن حذف المشبه به وأبقي تلازم وأثر من آثاره، وهو ما يسمى، هذا الأثر نسميه استعارة تخييلية. وعرفنا القاعدة، إذن كل استعارة مكنية لابد أن يكون معها استعارة تخييلية. طبعا هذا النوع لم يتطرق إليه الشيخ رحمه الله عليه، من يرى أنه أهم من الاستعارة الأصلية والتبعية، لأنه مفيد له أثر له تطبيقات عديدة في الكلام البياني. كم ذهب من الوقت؟ ساعة وربع، إلا ربع.

تمام، طبعا الشيخ محمد النحاس شرح لكم الاستعارة التصريحية والاستعارة المكنية، لكن أنا أحببت أن أرحها بالطريقة التي أحبها، بالطريقة التي أرتضيها. حاولوا أن تفهموا ما ذكرته لكم في الحقيقة، حاولت أن أبسط المعلومة قدر الإمكان، من فهم كلام الشيخ محمد الناصي أيضا يجد فيه خيرا. أيضا الشيخ محمد النصيف قبل أن الكناية ذكر الاستعارة أو المجاز المركب. المجاز المركب، يعني بعد أن أنهينا

الاستعارة بنوعيها. الشيخ محمد النصيف عاد إلى أنه يواجه المركب، والمجاز المركب هو عود على ما سبق من تقسيم المجاز إلى مجاز مفرد وإلى مجاز مركب باعتبار محل التجوز. احنا قسمنا المجاز بتقسيمين، التقسيم الأول كتقسيم المجاز باعتبار محله قسم إلى مجاز مفرد ومجاز مركب، والتقسيم الثاني تقسيم المجاز باعتبار علاقته قسمناه إلى مجاز مرسل واستعارة. الآن خلص بنقفل الستار أو نغلق الستار، نغلق الستار ونسدل الستار على موضوع المجاز المرسل والمجاز الاستعارات.

نعود سريعا باختصار على التقسيم الأول، وهو تقسيم المجاز باعتبار محله، قسمناه إلى مجاز مفرد ومجاز مركب. إن المجاز المفرد، لماذا سمي مجاز مفرد؟ لأنه في كلمة، لأنه وقع في كلمة، لفظ أو كلمة، لفظ تشمل المفرد والمركب. إذا قلت المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، إذا قلنا المجاز: اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، كلمة لفظ الكلمة الواحدة وتشمل الكلام الجمل، والمجاز ينقسم إلى مجاز مفرد ومجاز مركب.

المجاز المفرد وهو الواقع في كلمة واحدة، في كلمة واحدة، رأيت أسدا يخطب، وهذا بيناه. التجوز وقع في كلمة رأيت أسدا. المجاز المركب هو الذي يقع في جملة كاملة وليس في المفردات، المجاز المركب هو الذي يقع في جملة كاملة وليس في المفردات، ومثلت لكم حينئذ حينما شرحته بقولنا فلان يقدم ويؤخر أو أخرى، قلت لكم إن التجوز هنا في جملة، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، وهذا تركيب هذه الجملة تركيب. التجوز لم يقع في كلمة يقدم وحدها، أو كلمة رجلا وحدها، أو كلمة يؤخر وحدها. المجاز في كل هذا التركيب، أن هذا التركيب يقدم رجلا ويؤخر أخرى معناه الحقيقي أن فلان يقدم رجل ورجل أخرى في الخلف، لكن هذا المراد، هذا المعنى الحقيقي؟ لا، المراد معنى مجازي، وهو الدلالة على التردد. فيقدم رجلا ويؤخر أخرى معناها الحقيقي تقديم وتأخير، تقديم إحدى القدمين وتأخير القدم الأخرى، والمعنى المجازي لها دلالة على التردد والحيرة الذي يعاني منه هذا الشخص. فإذا هنا التجوز إذا وقع في الجملة بأكملها، أطلقت ولم يرد منها معناها الحقيقي، بل أريد منها معناها المجازي التردد والحيرة. فإذا المجاز كما يمكن أن يقع في مفردات، يمكن أن يقع في مركبات.

أعطيكم مثال على مجاز مركب، طبعا المجاز المركب أمثلته كثيرة جدا في حياتنا العملية، فكل الأمثال التي نستخدمها في حياتنا العملية، الأمثال التي نستخدمها يقول لك هذا مثل، هذه الأمثال كلها تعتبر من قبيل المجاز المركب. خذ مثلا مثال في حياتنا العادية اليومية، مثلا من القصص التي تحدث أن يكون مثلا عندك موظف بسيط، موظف بسيط يشرح لك موضوع معين، فإذا جاء رئيسه والذي هو أكبر منه، أنت ايش تقول؟ تقول إذا حضر الماء بطل التيمم. أنا مثلا دخلت على شركة حتى أوضح لكم المراد، دخلت على شركة، جلست مع موظف، جلس هذا الموظف يشرح لي تفاصيل هذه الشركة وكيف تعمل، والموظف وهو يتحدث معي جاء رئيسه المسؤول الأعلى، فجلس على الكرسي، فأنا ايش قلت؟ من أمثالنا العامية أن نقول: إذا حضر الماء بطل التيمم. هذا المثل إذا حضر الماء بطل التيمم، هذا مجاز مركب، ليه؟ لأنه إذا حضر الماء بطل التيمم معناه الحقيقي أنه إذا وجد الماء كان يجوز لي أن أتيمم، متى وجدت الماء أصبح التيمم حراما وممنوعا، أليس كذلك؟ أصبحنا نأخذ هذا المثل ونطلقه على حالات أخرى مجازية، أنه إذا حضر الشخص الأعلى ذهب دور الشخص الأدنى، ذهب دوره وأصبح الشخص الأعلى هو المسؤول هو الذي يوجه إليه الحديث، هو الذي يتم اعتماده. فإذا حضر الماء هذا المثل مثال على مجاز مركب، لأنه يطلق ويراد منه معنى مجازي.

مثلا بين طلبة العلم، مثلا مدينة فيها فقر في طلبة العلم، فتجد إنسان بسيط يمكن قرأ له قرأ بعض المصنفات هو الذي يتصدر للإفتاء، وفي يوم من الأيام أتى لهذه القرية عالم كبير من علماء الأمة. هذه القرية ابتداء لها عالم صغير، لها عالم صغير وليس عالم، وربما كما في حالنا في هذا الزمان، شخص قرأ بعض المصنفات فصدر نفسه ليكون مفتيا للناس، لكن هذا الرجل على قدر علمه يتكلم، جاء شخص من علماء الأمة الكبار ونزل وحل بهذه القرية أو هذه المدينة، فالناس الآن ماذا سيفعلون؟ سيتركون هذا الشيخ الصغير ويذهبون إلى هذا العالم الكبير. ومن الأمثال الدارجة لهذه الحالة عند الناس أن يقال: لا يفتى ومالك في المدينة. هذه الجملة لا يفتى ومالك في المدينة ايش تدل عندنا في عرفنا؟ هي قديما قيلت في حادثة حقيقية، في واقع معين حقيقي، لكنها أصبحت مثل دارج، أنه إذا جاء من هو في مقام ذلك في العلم والسعة والاطلاع وكان موجودا حاضرا، فلا يجوز لأحد أن يفتي. إذا مالك أي هذا العالم الكبير وخرقوا، لم يعد غيره يتكلم الصغار. فحينما نقول لا يفتى ومالك في المدينة، هذا من الأمثلة المشهورة ندلل على أنه بوجود هذا العالم المدرس الحاضر ليس لأحد أن يتكلم وأن يبدي رأيه. إذا فقد هذا العالم الكبير لتتكلم حينئذ من شابه، فلا يفتى ومالك في المدينة، إذا حضر الماء بطل التيمم، فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، كل هذه من الأمثال الدارجة على تعتبر من قبيل المجاز المركب. وبهذا أحبتي لا أنفصل أكثر من ذلك في هذه المواضيع، ننهي الحديث باب المجاز، وهو الباب الثاني من أنواع علم البيان، وننتقل للحديث عن الباب الثالث من أبواب هذا العلم، ألا وهو باب الكناية.

لأن علم البلاغة أحبتي أصوله ما هي؟ أو أركانه ما هي؟ ثلاثة: التشبيه، المجاز، الكناية. عرفنا التشبيه بتقسيماته وأنواعه سابقا، عرفنا المجاز بتقسيمه مجاز مفرد مجاز مركب، قسم باعتبار العلاقة إلى مجاز مرسل واستعارة، عرفنا المجاز المرسل وايش مفهومه وصوره، وعرفنا الاستعارة وتقسيمات الاستعارة أصلية تبعية استعارة تصريحية، والحمد لله جمعنا كل هذه الأمور، وهي في الحقيقة يعني أنا لا أبالغ إذا قلت لكم الأصول التي تعلمتموها في هذه الدورة وفي هذه المجالس، وإن وضعت لأمر قدره الله سبحانه وتعالى لشيء من البلاغة، لكن صدقوني من أحاط بها علما واستمكن منها واستحكمها سيحصل على فائدة كبيرة في حياته وفي قراءته، سيفهم كثير من كلام علماء التفسير وعلماء البلاغة وعلماء العقائد، لأن كثير من الكلام يبنى على هذه المحطات البيانية.

الكتاب والسنة كانت على هذا النمط في البيان، الكتاب والسنة فيها تشريع، فيها استعارة، فيها كناية، فيها مجاز مرسل، فيها كل هذه الأنواع، وهذا أي إنسان سيقرا في شروح الأحاديث، إذ نقرأ في فتح الباري، إذ نقرأ في شرح مسلم، شرح النووي على مسلم، إذ نقرا في كتب الشروح ستجد هذه العبارات، ستجد يقول لك ابن حجر وهذا استعارة مكنية، وهذا استعارة تصريحية، طيب إذا أنت لا تفهم ما معنى استعارة تصريحية تخييلية واستعارة، كيف ستقرأ كتب شروح الأحاديث وكتب السنة؟ كيف ستستنبط الأحكام من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ومن الكتاب العزيز إذا كانت لغتك ضعيفة، لا خبرة لك ولا دراية بأساليب العرب في خطابها؟ هذه كلها أحبتي أساليب العرب في خطابها؛ الاستعارة المكنية شكل من أشكال أساليب العرب في بيانها، الاستعارة التصريحية شكل آخر من أشكال أساليب العرب، المجاز المرسل شكل آخر، شكل الكناية شكل. عليك أن تحكمها يا طالب العلم إذا اردت أن تكون دراستك الشرعية دراسة بوعي مع امتلاك واضح لأدوات المعرفة.

إذا الآن أحبتي سننتقل في رحلة جديدة إلى باب جديد، الباب الأخير من أبواب علم البيان، وهو باب الكناية. وهذا الباب مختصر، واختصره المؤلف أكثر وأكثر، لذا نحن فقط سنشير إلى معالم باب الكناية، ويبقى عندنا نختم بذكر علم البديع في الأبيات العشرة الأخيرة التي بقيت من هذه المنظومة بعد ذلك، طب ده ولدان مجلس لنفتح صفحة جديدة من صفحات علم البيان.

دعونا ننتقل أحبتي الآن إذا إلى مبحثنا الجديد، ألا وهو الكناية، وكما قلنا الكناية هي الباب الثالث والأخير من أبواب علم البيان الذي يتطرق إليه البلاغيون.

أبواب علم البيان: التشبيه، المجاز بأنواعه وتقسيماته، والكناية. والكناية كما أسلفنا سابقاً هي من قبيل الدلالة الالتزامية، هي من قبيل الدلالة الالتزامية. ما معنى الدلالة الالتزامية؟ أنني أتلفظ بالكلمة وأريد منها معناها الالتزامي، وأريد منها معناها الالتزامي. ركزوا معي حتى نفهم الفرق بين الكناية وبين المجاز، وهذا شرحته سابقاً وأعيده مرة أخرى.

في المجاز وفي الكناية حينما نطلق الكلمة أو نتلفظ بالكلمة نريد نريد المعنى الالتزامي، لكن ما هو الفرق بين المجاز والكناية؟ إذا كنا في المجاز نطلق اللفظة ونريد المعنى الالتزامي، وكنا في الكناية نطلق اللفظ ونريد المعنى الالتزامي، إذاً ما هو الفرق بينهما؟ الفرق بينهما كما كررته مراراً هو أن في المجاز هناك قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي للفظ، هناك قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي للفظ. وأما في الكناية فلا يوجد عندنا قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي.

يعني في الكناية أنا أطلقت اللفظ وأردت تبدي ابتداءً وقصدت ابتداءً المعنى الالتزامي، لكن لا توجد قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، لكن لا توجد قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. إذاً يمكن أطلق اللفظة في الكناية، ها، في الكناية أطلق اللفظة أريد منها معناها الالتزامي ولا مانع من أن أكون أردت المعنى الحقيقي أيضاً لكن تبعاً، لكن ماذا؟ تبعاً.

إذن فلسفة الكناية تقوم على أن المتكلم أطلق اللفظة وأراد منها معناها الالتزامي ولا توجد قرينة تدل على امتناع المعنى الحقيقي. هل المعنى الحقيقي مقصود أصالة؟ لا، ليس مقصوداً، لكن لا توجد قرينة تمنع من أن يكون مراداً على وجه التبع. ومن خلال التطبيق سيتضح أكثر وأكثر. لكن فقط ما أريده الآن أن تفرقوا بين المجاز وبين الكناية.

المجاز لابد من قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، فلا يمكن أن يكون المعنى الحقيقي هو المعنى المجازي معاً. وأما في الكناية نعم أنا أطلقت اللفظ وأردت منها معناها المجازي ولكن لا يوجد هناك قرينة تمنع المعنى الحقيقي، لا توجد قرينة تمنع المعنى الحقيقي. فلو كان المعنى الحقيقي هو هذا، ممكن، ممكن، لكن على وجه التبع، لكن على وجه ماذا؟ على وجه التبع وليس على وجه أصالة، وفي الأصالة المقصود من هذه الكلمة معناها الالتزامي.

ننظر الآن في الأبيات التي أتى بها ابن شحنة في باب الكناية. قال: وما به لزموا معناه وهو لا ممتنع كناية فاقسم إلى إرادة النسبة أو نفس صفة أو غير هذين اجتهد أن تعرفا. وما به لازم معنى وهو لا ممتنع كناية فاقسم إلى إرادة النسبة أو نفس الصفة أو غير هذين اجتهد أن تعرفا.

يقول ابن شحنة عليه رحمة الله تعالى في تعريفه للكناية قال: وما به لازم معنى. اللفظ الذي أطلق وأريد منه لازم المعنى، لازم معناه الحقيقي. واحنا قلنا دلالة الالتزام، لماذا سميت دلالة التزام؟ لأنه عندي معنى التزامي ملازم للمعنى الحقيقي، لذلك سميت دلالة التزام.

فيقول ابن الشحنة عليه رحمة الله تعالى في الكناية: أن تطلق اللفظ وتريد به لازم المعنى، أي لازم المعنى الحقيقي، لازم المعنى الحقيقي. لازم المعنى الحقيقي ما هو؟ هو المعنى الالتزامي. لو قلت لك أنا ما هو هو لازم المعنى الحقيقي؟ تقول: لازم المعنى الحقيقي هو المعنى الالتزامي. سمي لازماً لأنه ملازم للمعنى الحقيقي، سواء كانت الملازمة كما قلنا عقليّة أو عرفية، تمام؟

فيقول ابن الشحنة عليه رحمة الله تعالى: الكناية لفظ أطلق وأريد لازم معناه، وما به لازم معناه. قال: وهو لا ممتنع، وهو الضمير هو يعود على ماذا؟ على كلمة معنى. الضمير وهو يعود على ماذا؟ على كلمة معنى. أي اللفظ الذي أطلق وأريد لازم معناه، وأما نفس المعنى اللي هو المعنى الحقيقي فهو غير ممتنع أن يكون مقصوداً على وجه لماذا؟ لأنه لا توجد قرينة تدل على امتناع المعنى الحقيقي، وهذا هو الفرق الجوهري بين المجاز وبين الكناية.

الآن دعونا من السبورة ونكتب تعريف ابن الشحنة للكناية، هيّتوا الأقلام، نعم، نسأل الله أن تساعدنا لنهاية المحاضرة اليوم. الكناية طبعا أنا عرفتها لكم بالتعريف: لفظ أطلق وأريد لازم معناه مع عدم وجود قرينة تمنع المعنى الحقيقي. الكناية لفظ أطلق وأريد الموضوع يتعلق بالإرادة أحبتي، فأنت في المجاز تريد المعنى الالتزامي، في الكناية تريد وتقصد المعنى الالتزامي. فالكناية لفظة أطلقت وأريد لازم معناه.

لكن الفرق بين المجاز وبين الكناية أنه في الكناية مع عدم وجود قرينة، يعني لا توجد قرينة تمنع المعنى الحقيقي، تمنع إرادة المعنى الحقيقي، وهو معنى قول ابن الشحنة عليه رحمة الله تعالى في قوله: وما به لازم معنى وهو لا ممتنع. وما به لازم معنى، يعني لفظ أطلق وأريد به لازم معنا، أي المعنى الالتزامي. وهو، أي والضمير وهو يعود على المعنى الحقيقي، وهو المعنى الحقيقي ليس ممتنعاً، غير ممتنع أن يكون مراداً، لكنه يكون مراداً على سبيل التبع، أن يكون مراداً على سبيل التبع. ولا توجد قرينة تمنع إرادته أبداً، وتحيل ذلك، لا توجد عندي قرينة تمنع الإرادة وتحيل ذلك.

هذه فكرة الكناية. إذاً الكناية أيضاً تعتمد أسلوب الدلالة الالتزامية، أنني أطلق الألفاظ وأريد بها معانيها الالتزامية ولا توجد قرينة تمنع المعاني الحقيقية، لاحظوا: لا توجد قرينة تمنع المعاني الحقيقية. فالمعاني الحقيقية هي ليست مقصودة أو غير مقصودة، يعني ابتداءً لا نستطيع أن نقول أنها مقصودة وغير مقصودة، فقط لا توجد عندنا قرينة، ها، لا توجد عندنا قرينة تمنعها.

طيب هل هي مقصودة؟ يمكن أن تكون مقصودة تبعاً للمتكلم، ويمكن أن يكون المتكلم غض الطرف عنها، ولكنه في النهاية لم يأت بقرينة تمنعه. وهذه أنتبهوا إليها، الجزئية التي تكلمت بها أخيراً أعيدها مرة أخرى، ما في مشكلة، لكن المهم أن نفهم، لأنه الكناية هي من أساسيات علم البيان.

في الكناية أطلقنا الألفاظ وأردنا معانيها الالتزامية، جميل؟ لم نأت بقرينة تمنع المعاني الحقيقية. طيب، إذاً هل المعاني الحقيقية ينبغي أن تكون مقصودة تبعاً؟ أقول: لا، لا يشترط. يمكن أن تكون المعاني الحقيقية مقصودة تبعاً، ويمكن أن يكون المتكلم غض الطرف عنها ولم يلتفت إليها، لكن المهم في كلا الحالتين، سواء كان المتكلم غض الطرف عنها أو كان لم يغض الطرف عنها، لكنه جعلها مقصودة تبعاً، المهم في كلا الحالتين أنه لم يأت بقرينة تمنع المعنى الحقيقي، هذا الذي يهمني، أنه لم يأت بقرينة تمنع المعنى الحقيقي، وهذا إذاً هو مفهوم الكناية. لو أتيت بالكاميرا أنا ما في مشكلة، تمام.

إذا فهمنا، سانتقل إلى بيان أنواع الكناية. الكناية أحبتي، المشهور في كتب البلاغيين أن لها ثلاثة أنواع، ها، انتقل إلى موضوع جديد: أنواع، هذا غير ظاهر صح؟ أبداً. أنواع الكناية. أنواع الكناية ثلاثة أحبتي، أنواع الكناية كم؟ ثلاثة. يقولون الكناية لها ثلاثة أنواع، أولاً، طبعا هذه أنواع بحسب ماذا؟ دائماً أي تقسيم أنا أحب أن يعرف الطالب أي اعتبار، أنواع الكناية هذا التقسيم الثلاثي باعتبار القصد من الكناية، تقسم الكناية إلى ثلاثة أنواع بحسب ما هو المقصود من استخدامها، المقصود من استخدامها.

الحالة الأولى أن يكون المقصود أن تركزوا على لفظ أكثر مما أكتبه؛ لأنه ما أكتبه قد يكون غير واضح، أن يكون المقصود منها إثبات صفة فقط. هذه الحالة الأولى: أن أستخدم الكناية وأريد منها مجرد إثبات صفة. الحالة الثانية: أن يكون المقصود من الكناية نسبة صفة إلى موصوف، يعني أني استخدم الكناية وقصدي ليس إثبات صفة، لا، الصفة مثبتة سابقاً، ولكني أريد من استخدام الكناية أن أدلل على نسبة هذه الصفة إلى هذا الموصوف، ارتباط هذه الصفة بهذا الشخص، تمام؟

إذاً الحالة الأولى من حالات الكناية: أستخدم الكناية وأقصد بها إثبات الصفة، وليس نسبتها إلى شخص معين، لا، أريد إثبات الصفة، هذا المقصد من الكناية. الحالة الثانية أو الصورة الثانية: أن أستخدم الكناية وأريد من استخدامها ليس إثبات الصفة، بل الصفة مثبتة سابقاً، أريد من استخدام الكناية نسبة الصفة إلى الموصوف، نسبة الصفة إلى الموصوف، إثبات هذه الصفة لهذا الموصوف، الصفة ثابتة ابتداءً، لكن ايش الغير ثابت؟ نسبتها وارتباطها بهذا الموصوف، أنا استخدم الكناية لأثبت هذا الارتباط. يقولون إذاً المقصد الثاني للكناية: نسبة الصفة إلى الموصوف.

الحالة الثالثة، اكتبوا هذه العبارة عني: أن يكون المقصود من الكناية الموصوف فقط، أن يكون المقصود من الكناية الموصوف فقط. استخدم أسلوب الكناية لأني أريد به الموصوف، لا أريد الصفة ولا أريد نسبة صفة إلى الموصوف، بل استخدم الكناية وأنا أريد بها الموصوف فقط، وأنا أريد بها الموصوف فقط.

إذاً، استخدامات الكناية وتوظيفها في اللغة العربية باستقراء كلام العرب يأتي على ثلاثة أحوال: إما أن يستخدم المتكلم الكناية ويقصد بها إثبات صفة معينة، أو يستخدم الكناية ويقصد بها نسبة صفة إلى موصوف (يعني بيان ارتباط هذه الصفة بهذا الموصوف)، أو يستخدم الكناية ويريد بها ماذا؟ أن يستخدم الكناية ويريد بها مجرد الموصوف، أن يتكلم عن موصوف معين ولكن لا يتحدث عنه بشكل مباشر، بل باستخدام أسلوب الكناية. طيب.

إذاً الآن أحبتي، كلمة الكناية هي تعبر على أننا سواء في القسم الأول أو القسم الثاني أو القسم الثالث، لا نثبت ما نريد بشكل صريح، لا نثبت ما نريد بشكل صريح. الآن المعاني التي نريد أن نثبتها، كما قلنا ابتداء في علم البيان، إما أن نستخدم دلالة المطابقة لإثباتها، وهذه وإن كانت سهلة لكن لا يوجد فيها إبداع، لكن قد أنا أثبت المعاني التي أريدها ليس من خلال دلالة المطابقة، بل من خلال دلالة الالتزام أثبت المعاني التي أريد إيصالها للسامعين.

وقلنا: إيصال المعاني للسامعين من خلال دلالة الالتزام إما أن يكون بأسلوب المجاز أو بأسلوب الكناية. عرفنا المجاز وانتهينا منه، الآن نحن نتكلم في أسلوب الكناية. في أسلوب الكناية أنا ساستخدم دلالة الالتزام لإثبات صفة، إن هذه الصفة يمكن أن نثبتها باستخدام دلالة المطابقة لكن لا آتي في إثباتها بطريقة إبداعية جميلة، من خلال أسلوب الكناية (يعني من خلال سمها عملية التفافية) أنا ساثبت هذه الصفات بدلالة الالتزام، ساثبت هذه الصفة من خلال دلالة الالتزام عن طريق أسلوب الكناية. يعني ساكني عن هذه أو أثبت نسبة صفة إلى موصوف بدل أن أقول محمد موصوف بهذه الصفة، باستخدام دلالة الالتزام وبشكل إبداعي ساثبت نسبة صفة إلى موصوف معين.

من خلال ذلك، الكناية أيضاً التي تعتمد دلالة الالتزام أستطيع أن أُشير في الجملة إلى الموصوف، إلى الشخص الذي أتكلم عنه من دون أن أُصرح باسمه، من دون أن أُصرح باسمه. فإذاً باختصار، الكناية أحبتي، سواء كان المقصود منها إثبات صفة، أو المقصود منها نسبة صفة إلى موصوف معين، أو المقصود منها الموصوف، هي اسمها كناية، هو أنك لا تصرح بمقصدك بدلالة المطابقة، بل تعدل إلى استخدام الكناية التي تعتمد على دلالة الالتزام، فيكون طريقتك في إيصال المعنى طريقة فيها إبداع، فيها جوانية، فيها رقي. هذه هي الفكرة باختصار.

طيب الآن يا شيخ، بدنا أمثلة. نبدأ، نبدأ بأي نوع؟ نبدأ بالنوع الأول من أنواع الكناية ونطبق أمثلة. النوع الأول: أن يكون المقصود من الكناية إثبات صفة. يعني أنا أستخدم الكناية لأدلل ولاثبت صفة معينة. لو قلت لكم: محمد كثير الرماد، ومحمد طويل النجاد، وخالد عريض القفا. هذه أمثلة ثلاثة.

محمد كثير الرماد. الآن كثير الرماد وما أدراك ما كثير الرماد، من خلال السياق، أنت عندما تسمع محمد كثير الرماد، من خلال السياق والقرائن، سيتضح لك ماذا؟ أن المتكلم بهذه الجملة حينما قال محمد كثير الرماد لم، عندما تكلم بكلمة كثير الرماد، عندما تكلم بهذا المقطع، لم يرد منه ولم يقصد ابتداء المعنى الحقيقي لكثير الرماد. أنت من خلال الجمل، أنا بتكلم عن محمد وبذكر فضائله ومحاسنه، بدي أثبت له صفة معينة ها، أريد أن أثبت صفة، أريد أن أتكلم عن صفة، تثبت صفة معينة، فأنا أذكر مدائح وصفات محمد، فقلت: محمد كثير الرماد.

أنت كإنسان عاقل، لما، إنسان عاقل عربي، لما تسمع هذا الكلام: محمد كثير الرماد، الآن كثير الرماد هذه مباشرة، إذا كنت إنسان عاقل وتحسن تذوق اللغة، ستعرف أن المتكلم بكلمة كثير الرماد لم يقصد ابتداء، لم يقصد في قلبه وفي فكره المعنى الحقيقي لكثير الرماد. ايش المعنى الحقيقي لكثير الرماد؟ أنه في حواليه رماد كثير، أو بيعمل رماد كثير، رماد ما يخرج من النار. هذا المعنى الحقيقي لكلمة كثير الرماد. فانت كإنسان متذوق عربي، عندما تسمع محمد كثير الرماد، الأصل بك أن مباشرة وأن الذي قال كثير الرماد لم يقصد المعنى الحقيقي، ليس قصد المعنى الحقيقي، وإنما قصد بكثرة الرماد عن الالتزام بها.

ما هو المعنى الالتزامي لكثير الرماد؟ وهنا يبدأ الذهن العاقل يفكر: أن كثرة الرماد هي التي تدل على كثرة إيقاد النيران. طيب، محمد الآن في سياق مدح له، كثرة إيقاد النيران. لماذا يكثر إيقاد النيران؟ هل هي للعب لا، كثرة إيقاد النيران أكيد لكثرة الطبخ. طب لماذا محمد يكثر الطبخ؟ طرق تسلسلية يعني تصل إلى معرفة ما الذي تقصده العرب بمثل هذا النوع من الكناية. اه، كثرة الطبخ تدل على كثرة الضيوف، وكثرة الضيوف تدل على أن هذا الرجل كريم تقصده الناس كرامة.

فاذا محمد كثير الرماد هي أثبتت صفة، ما هي؟ صفة الكرم، صفة الكرم. الآن أحبتي، أنا ممكن أقول محمد كريم وانتهى الأمر، صح؟ لكني هنا عندما صفة الكرم أن أثبت باستخدام دلالة المطابقة، عندما قلت محمد كريم، أنا أثبت صفة الكرم من خلال دلالة المطابقة، ودلالة المطابقة هنا لا يوجد فيها إبداع. لكن لما أنا أثبت صفة الكرم من خلال الكناية، اها، أنا استخدمت دلالة الالتزام لإثبات هذه الصفة، وظفت دلالة الالتزام لإثبات هذه الصفة.

لما أثبتها، البعض يقول: يا شيخ، طب أنت لما متى أثبت أنت بطريقة التفافية؟ لكن لما قلت محمد كريم أثبتها بطريقة سريعة وواضحة. أقول هذا لك أيها الأخ يعني الإنسان الضعيف في اللغة العربية قد يقول: محمد كريم أسهل من محمد كثير الرماد، فلماذا نغلب أنفسنا محمد كثير الرماد؟ أقول: الإنسان الذي يبحث عن اللغة العالية الرائقة وعن فخامة اللسان العربي هو الذي يعبر بمحمد كثير الرماد، بدلاً من أن يعبر بدلالة محمد كريم. نعم، ربما من السهل عليك أن تقول محمد كريم، لكن لغتك ستبقى ضعيفة. وأما من يبحث عن البلاغة أو الرقي في اللسان والاتيان بدلالات الالتزام والمهارة في التعبير وإيصال المعاني في نفس السامع بشكل، كما قلنا، يؤثر، ليس فقط البلاغة أن تأتي بالمعنى بشكل واضح، بل المراد من البلاغة ومن البيان أن تؤثر أيضاً في نفس السامع، كما قلنا في تفسيرنا لعلم البيان: أن تأتي بأجل الطرق وضوحاً وأكثرها تأثيراً في نفس السامع. فمحمد كثير الرماد إيقاع النفس على السامع العربي أشد من إيقاع محمد كريم، مع أن كريم المراد منها الكرامة.

فإذاً، محمد كثير الرماد المراد من هذه الكناية، كثير الرماد إثبات صفة. ها هذه الكناية ليس هنا نسبة صفة إلى موصوف لا، نسبة الصفة إلى موصوف سيأتي لك نوعها كيف تكون، أما هذه المراد منها من كلمة كثير الرماد أنت فقط انظر إلى كثير الرماد هذه الكناية تثبت ما هي صفة الكرم. لمن هذه الصفة ستثبت؟ اه هنا ترجع إلى أصل الجملة فتعرف اه أن المتصف بالكرم هو محمد، فالكناية أثبتت لي الصفة والجملة بنهايتها هي التي أخبرتني أن هذه الصفة التي أثبتها بالكناية أريد أن أمنحها لمحمد، فليست الكناية هي التي أثبتت الصفة للموصوف، لا الكناية أنا استخدمتها لإثبات صفة ثم بعد ذلك أنا كمتكلم أُبيّن أن هذه الصفة التي أثبتها بالكناية هي لمحمد، ولم أستخدم الكناية في نسبتها لمحمد.

طيب، نأخذ مثال آخر: محمد طويل النجاد. الآن النجاد أحبتي هي حمائل السيف، هي حمائل السيف عندما تكون حمائل طويلة. فلان طويل النجاد، عندما تكون حمائل السيف طويلة هذا يدل على ماذا بدلالة الالتزام؟ العقلي يفكرك بعقلك. لو قلت لك هذا الرجل مثلاً طويل النجاد، أو بنطاله من العامية بنطاله طويل. الأصل أن هذا يدل في ذهنيك على ماذا؟ على أن هذا الرجل طويل القامة، أليس كذلك؟ لأنه طول النجاد، من الذي يلبس نجاداً طويلة؟ الذي يكون طويل القامة، هذه هو الوضع العادي الطبيعي.

الآن طب يا شيخ، ممكن طفل صغير يلبس نجاداً طويلة يجر خفده؟ أو ممكن طفل صغير يلبس بنطال أخيه؟ نقول: هذا خلاف العادة، ونحن حينما نتكلم

نتكلم باللسان العربي، نتكلم على ما هو معتاد. المعتاد أن الشخص المتوسط يكون نجادًا متوسطًا. والشخص القصير يكون نجادًا قصيرًا. من الشخص الذي إيجابه طويل؟ الشخص الطويل القامة. فعندما أقول: محمد طويل النجاد، تقول: طويل النجاد، ها.

هذا المقطع طويل النجاد يدل على ماذا؟ كناية، تدل على ماذا؟ على إثبات الصفة، وهي صفة طول القامة. طويل النجاد يدل على طول القامة. طبعا لاحظوا في الكناية حتى تتأكدوا من تعريف الكناية أنه صحيح. عندما قلت: طويل النجاد، المتكلم حينما قال طويل النجاد لم يقصد ابتداء المعنى الحقيقي، لم يقصده، وإنما قصد ابتداء إثبات صفة طول. طيب، هل هناك قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي تبعًا؟ أن يكون فعلًا هذا الرجل هو طويل النجاد.

لا توجد عندي قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي لطويل النجاد، وهو أن حمائل السيف طويلة فعلًا. لكنها أنا عرفت أن المقصد الابتدائي الأصلي من التلفظ بطويل النجاد ليس المعنى الحقيقي. أنا عرفت أنه المقصد هو المعنى الالتزامي. لكن مع ذلك لا توجد قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي لطويل النجاد، وهي أن حمائله طويلة فعلًا. كذلك في المثال السابق لما قلنا: محمد كثير الرماد. الآن كثير الرماد، صحيح أنا كمتكلم قصدت منها معناها الالتزامي، وهي الكرم.

لكن هل توجد قرينة تمنع أيضًا أن يكون محمد كثير الرماد فعلًا كمعنى حقيقي؟ لا يوجد ما يمنع ذلك، صح. فكثير الرماد قد يكون هكذا، قد يكون المعنى الحقيقي مقصودًا لكن تبعًا، والمقصود أصلًا هو المعنى الالتزامي. تمام؟ فإذن من النجاد أثبت صفة معينة وهي طول القامة. فأنا هنا وظفت الكناية لأثبت صفة. طويل النجاد وظفت كنايتها -أي دلالة الالتزام لها- لأثبت صفة، وهي طول القامة. ومع ذلك لم آتِ بقرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي. طيب.

محمد عريض القفا. عريض القفا في اللغة العربية من الكنايات المشهورة، تأتي بها العرب لتدلل على ماذا؟ على غباوة الشخص وسفاهته. إذا قالوا: فلان عريض القفا، أو عريض الوسادة، كذلك بعض يعبرون، وسادته عريضة يقولون. قالوا: هذا كله من ماذا؟ قالوا ليدللوا به على غبائه وعلى حمقه. فعندما نقول: خالد عريض القفا، هذه كناية عن ماذا؟ عن غبائه وحمقه. فالمراد منها ليس مع- معناها الحقيقي، وإنما المراد منها المعنى الالتزامي. هذا المقصود منه، خلف الرقبة. عندما يقول: فلان عريض القفا، وبعضهم يقول برضه عريض الوساد، يريدون بذلك الكناية عن غباوته وحمقه. لكن مع ذلك هل توجد قرينة تمنع أن يكون عريض القفا فعلًا؟ لا يوجد قرينة تمنع أن يكون عريض القفا فعلًا. لكن المقصد من الاتيان بهذه الكلمة في عادة العرب ليس معناها، المقصد الأصلي منها ما هو؟ المعنى الالتزامي، لا وهو الحمق. هكذا استخدموها. لأنهم يقولون، طبعا هذا هل ثبت علميًا ودلائيًا أنه كلما كان الرجل عريض القفا كلما كان زال أحماق وغباؤه؟ هذا كان مألوفًا عند العرب، لكن الآن لا أدري أنا إذا كان العلم الحديث أثبت شيئًا في ذلك.

المهم يعني طول النجاد ارتباطه بطول القامة واضح، كثرة الرماد ارتباطه بصفة الكرم واضح، لكن مع عرض القفا إيش علاقته بالغباء؟ هذا قد يكون معروفًا عند العرب أنهم لاحظوا كثيرًا من الناس عندهم إذا كان القفا هذا يكون عادة فيه غباء وحمق. لكن هل هذا قاعدة علمية أو ما شابه ذلك؟ هذا أمر آخر. تمام، إذن هذه الكنايات الثلاث التي مثلت بها لإثبات الصفة، كنايات ثلاث المقصود منها إثبات الصفة فقط، وليس مقصودًا منها أي شيء آخر.

طيب، ننتقل الآن للنوع الثاني من أنواع الكناية، وهي الكناية التي يقصد منها ليس إثبات الصفة، بل الصفة قد ثبتت سابقًا. طيب، وليش مقصود من الكناية؟ أن أوظف الكناية وأستخدمها لأدلل على نسبة صفة إلى موصوف. يعني أستخدم أسلوبًا لأدلل على ارتباط صفة بموصوف. وهذا يسمونه أن يكون المقصود من الكناية نسبة صفة إلى موصوف، أن أستخدم الكناية وأوظفها -يعني أوظف دلالة الالتزام- لأنسب صفة إلى موصوف، يعني ثابتة عندي مسبقًا. طيب، فإذا في ماذا سنستخدم الكناية؟ في نسبتها إلى الموصوف، في ربط هذه الصفة المعينة. خذوا هذا المثال يتضح المقصول.

كثيرًا ما نسمع ونقرأ من لغة العربية: فلان المجد بين برديه. عندما نقول: فلان المجد بين برديه، لاحظ، أو المجد في معطفيه. عندما تسمع: فلان المجد بين برديه أو في معطفيه. الآن هل هناك إثبات صفة؟ هل نريد أن أثبت صفة؟ كلا، الصفة أصلًا مذكورة، المجد هي مذكورة في الجملة، الصفة مذكورة. لكنني أريد باستخدام الكناية أن أدلل على نسبة هذه الصفة إلى الموصوف، وعلى شدة ارتباطها به والتحامها معه، فهي لا تفارقه. يستخدمون الكناية لنسبة صفة إلى موصوف، والمراد في الحقيقة ليست مجرد نسبة الصفة إلى موصوف، بل يدللون على شدة ارتباط هذه الصفة بهذا الموصوف.

فكثيرًا ما نقرأ في العربية: فلان المجد بين برديه، أو بين ثوبيك. ماذا بذلك المجد بين برديه، أو بين ثوبيه؟ ماذا تفهم منها؟ عندما تقول: المجد بين برديه، يعني هذا الرجل كأنه كأنه أخذ المجد ووضعه بين برديه وعطفيه وأغلق عليه. وهذا دلالة شدة التلازم والتلاحم بين هذا الرجل وبين المجد، المجد لازم له. فأنت عندما قلت: المجد بين برديه ها، المجد بين برديه في الحقيقة أردت نسبة صفة المجد إلى هذا الموصوف وشدة ارتباطها به، وشدة ارتباطها به، أليس كذلك؟

طيب، آآ أعطيك مثال مثل الذي ذكرها الشيخ محمد المضيف، وأنه ذكر أمثلة، انظروا إلى البيت الذي أتى به في قوله: إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرجي. ابن الحشرج مات ودفن وجعلت عليه قبة، مثل يعني نسميها بناء أو شيء على قبره. فهذا الشاعر يمدح ابن الحشرج ويرثيه، يرثي ابن الحشرج بعد موته، فإيش يقول؟ يقول: إن هذه الصفة الأولى السماحة والمروءة، وصفة المروءة، والندى وصفة الندى اللي هو الكرم، هذه الصفات الثلاث في قبة، أي كلها موجودة أين؟ في قبة ضربت على ابن الحشرجي. مسكنا هذه الصفات الثلاث، وكلها موجودة تحت قبة، أي بناء بني على قبر ابن الحشرج. وماذا يريد بذلك؟ بهذا النوع من الكنايات. هذا ما يسمى ليس مجازًا، هذا النوع يسمونه ماذا؟ كناية.

يقول: إنه هذه الصفات أصبحت كأنها مدفونة تحت القبة الذي دفن تحتها ابن الحشرج، فبموت ابن الحشرج ذهبت هذه الصفات. وهذا يدلل على شدة هذه الصفات بابن الحشرجي، حتى كأنها ذهبت معه عندما غادر الدنيا غادرت معه. وهذا من المبالغة في ماذا؟ في المدح. فلاحظوا لما قال: إن السماحة والمروءة في قبة ضربت على ابن الحشرجي، أي موجودة في ماذا؟ في قبة ضربت على ابن الحشرج، أي على قبر ابن الحشرج. وهذا يدلل على نسبة هذه الصفات إلى الموصوف، وليس مجرد أو مطلق النسبة، بل شدة التلازم، كما قلت لكم.

وهذه العبارة أظنها أدق من عبارة يعني البلاغيين، والبلاغيون يقولون: نسبة صفة إلى موصوف، لكن عندما ينظر في أمثلتهم، هم لا يريدون مطلق إثبات، عفواً، مطلق نسبة الصفة إلى موصوف، بل يستخدمون الكناية في نوعها الثاني في نسبة الصفة إلى الموصوف للدلالة على شدة ارتباط هذه الصفة بهذا الموصوف، شدة التلازم بين هذه الصفة وهذا الموصوف، شدة العلاقة والارتباط بينهما، فتستخدم الكناية للدلالة على هذا التلازم العالي.

يعني أنا لما أقول لك، انظر، لو قلت لك: آآ ابن الحشرج إنسان عنده مروءة وسماحة وكرامة، أو قلت لك: يمكن ابن الحشرج إنسان كثير المروءة والسماحة والكرامة. إيش عرفت أنت أن هذا الرجل ابن الحشرج موصوف بشدة الكرم والسماحة والمروءة؟ هكذا وصل إليك المعنى. لكن انظر كيف الآن من خلال أنا استخدام الكناية أبالغ في إيصال هذا المعنى إليك، ساقول لك: إن السماحة والمروءة والندى أيها الكرام دفنت مع الحشرج.

لاحظ، أنا أصل لك نفس المعنى، وهو شدة اتصاف ابن الحشرج بالسماحة والمروءة والندى، لكن لما أصل لك هذا الاتصاف وهذه النسبة بين هذه الصفات وهذا الموصوف بطريقة الكناية، فأقول لك: إن السماحة والمروءة والندى دفنت مع ابن الحشرج، هنا أنت تشعر أنني أبالغ جداً جداً في ارتباط هذه الصفات بهذا الموصوف، فيؤثر ذلك في نفسك أكثر، لما أقول لك: فلان المجد بين برديه، يعني فلان حضر المجد.

حضن المجد واحتضنه وجعله في ثوبه، فهذا المجد لا يكاد يفارقه. طب، لو قلت لك: فلان تاريخه عظيم، وإنسان ماجد. نفس الفكرة لو قلت لك: فلان إنسان ماجد وإنسان عظيم. أنت توصل إلى...

قلت لك إن هذا الشخص منصوب بالعظمة والمجد، لكن لما أصف لك وأعطيك هذا المشهد بهذه الصورة، فلا أرى المجد بين ثوبيه، بل أنا أوصل لك المعنى، ولكن بشكل أرقى، بشكل بليغ أكثر، بشكل أعمق يرسخ في ذهنك ويرسم صورة ومشهد عالي شدة ارتباط المجد بهذا الرجل. فإذا، أحياناً نستخدم الكناية لمقصد ثانٍ وهو إثبات صفة لموصوف زيدوا بعدها على وجه المبالغة. زيدوا بعدها على وجه ايش؟ المبالغة. حتى تفهموا أكثر وأكثر، وليس مجرد إثبات صفة أو نسبة الصفة لموصوف، ليس مجرد نسبة صفة لموصوف، بل المبالغة في ربط هذه الصفة بهذا الموصوف. استخدم الكناية مدللاً على هذه المبالغة، تمام؟

إذاً، انتهينا من النوع الأول والثاني أنواع الكنايات. النوع الأول: كناية المراد منها إثبات صفة فقط؛ إثبات صفة معينة، أستخدم الكناية لأدلل على الصفة. النوع الثاني: أستخدم الكناية ليس لأدلل على الصفة، بل الصفة تكون مذكورة في الجملة، وإنما لأنسب صفة إلى موصوف على وجه المبالغة. النوع الثالث والأخير، والذي نختم به محاضرة اليوم بإذن الله، أن يكون المقصود من الكناية أن يكون المقصود من الكناية الموصوف فقط.

طبعاً، في كتب البلاغة ايش يقولون؟ يقولون: أن يكون المقصود من الكناية ليس إثبات صفة وليس نسبة صفة إلى موصوف. استخدموا أسلوب السلب في التعبير عن النوع الثاني، ما بقول وبأصرحه بشكل صريح: أن يكون المقصود من الكناية الموصوف. لا، ايش بحكوا؟ أن تستخدم الكناية ويكون المقصود ليس إثبات الصفة وليس نسبة صفة إلى موصوف. طب، في الحقيقة، لما تأتي إلى كلام بعض المدققين، يقولون: هم يريدون في الحقيقة هذا المعنى؛ أن يكون المقصود من الكناية الموصوف فقط. لا تريد إثبات صفة، لا تريد نسبة صفة إلى موصوف، بل تريد من الكناية الموصوف فقط. كيف دايرك يا شيخ؟ هل أنا بقول لك كيف.

هذا النوع الثالث، ثم الشيخ مثل الآية: وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ. أن تصلح هذه الآية، ومن جامع الأدغاني أيضاً تصلح. لكن دعوني أن أمثل بمثال أول بعد ذلك أتيكم. عندما اقول: جاء المضياف. خذوا هذا المشهد؛ محمد شخص اه كريم، وعنده ضيوف كثر، رجل جواد، والحمد لله الضيوف لا يخرجون من منزله، أكرم جوده وكرمه، فأردت أن أمدحه، فأردت ايش؟ أن أمدحه. فعندما أتى إلى مجلس، وكان هناك أناس، فايش قلت أنا في المجلس؟ انظروا، جاء المضياف. جاء، جاء المضياف، والذي جاء محمد. فأنا بدل من أن أقول: جاء محمد، وانتهى الأمر، لا قلت: المضياف.

الآن، المضياف هذا وصف. هذا ايش؟ وصف مشتق، يدل على وعلى صفة، ذات متصفة بصفة الضيافة والكرم. تمام؟ لكن لما قلت أنا المضياف، ركزوا معي. لما قلت: جاء المضياف، إنه هذا النوع شيء من التركيز. عندما قلت: جاء المضياف، تمام، أنا ماذا قصدت ابتداء؟ ابتداء، ابتداء، ابتداء. قصدت أن أخبر الناس أنه جاء محمد. صح؟ وإنما عبرت بالمضياف ولم أعبّر باسمه الصريح لأدلل على اتصافه بهذه الصفة. لكن أصالة للمقصد الأصلي، ما هو؟ المقصد الأصلي من قوله: جاء المضياف، أن أخبر عن مجيء محمد. فمحمد هو المقصود أصالة. هو المقصود أصالة من قوله: جاء المضياف. اتصاف محمد بالضيافة والكرم هذا يكون مقصوداً تَبَعاً، يكون مقصوداً ايش؟ عن.

لماذا سميت كناية؟ لأنني حينما أطلقت المضياف لم أقصد في إطلاق لم يكن قصدي. ونحن كيف القصد هو الذي يؤثر أحبتي في الحقيقة هناك مواضيع تحتاج إلى بحث اه دون القصد، قصد المتكلم في تحديد معنى الألفاظ. هذا هو أساس في الحقيقة في علم البيان. لاحظوا، لما كان القصد من اطلاق نبذة المضياف الموصوف أصالةً، هذا كان قصدك، أصبحت كلمة المضياف من قبيل الكناية. المضياف، وأردت بها ابتداء شخصاً معيناً، أريد أن أخبر عن شخص معين أنه حضر، وهو محمد. فلما أطلقت المضياف، لم يُولِد معناه حقيقي أصالة. طب، شيخ، ايش المعنى الحقيقي للمضياف أصالة؟ المعنى الحقيقي لكلمة مضياف: ذات متصفة بكثرة الضيافة.

الآن، هذا هو المعنى الحقيقي. أنا لما قلت: جاء المضياف، أنا لم أُرِدْ أصالةً أن أخبرهم بالمعنى الحقيقي للسامعين، أردت أن أقول: إنه جاء محمد، أردت الذات فقط. أردت الذات فقط أصالةً. وتبعا، هل يمكن أن أكون أردت مدحه؟ نعم، طبعاً، يمكن أن أكون أردت مدحه، بل أظن أن مدحه مقصود بشكل واضح، لكنه ليس هو المقصود أصالةً، لأنه كما قلت: محمد أتى إلى المجلس، حاضرون أن محمد جاء، فايش أقول لهم: افتحوا للمضياف. مثلاً، افتحوا للمضياف، ترى المضياف جاي، هكذا نقول.

هسه، أنا قصدي ابتداء ايش؟ ما قصدي ابتداء أن أخبر السامعين؟ أن محمد جاء، لكن بدل أن أقول: افتحوا لمحمد، قلت: افتحوا للمضياف، وقصدي محمد، فانا قصدي ابتداء الموصوف، لذلك سميت كناية عن الموصوف فقط. ولم آتِ بقليل أين دمنا إرادة المعنى الحقيقي؟ بل الظاهر من السياق أن المعنى الحقيقي هنا مقصود، لكن على سبيل التبع، تمام.

طيب، نأخذ مثالاً قد يكون أوضح. قال الشاعر في البيت الذي ذكره الشيخ محمد بن ناصيف: الضاربين بكل أبيض مخدم، والطاعنين مجامع الأضغان. قال: الضاربين بكل أبيض، الأبيض المخدا هو يريد به السيف القاطع. الضاربين بكل أبيض مخزماً. إذاً، الأبيض هو السيف القاطع. والطاعنين مجامع الأضغان. مجامع الأضغان، ركزوا معي في هذا الشطر الثاني: والطاعنين مجامع الأضغان. مجامع الأضغان أحبتي ما هي؟ دعونا نجلس حتى نكتب لهذا البيت. مجامع الأدغال أحبتي ما هي؟ هو ماذا يريد أن يقول؟ الضاربين بكل أبيض مخدمة، والطاعنين القلوب. ويريد أن يقول: والطاعنين بماذا؟ في القلوب. يطعنون في قلوب أعدائهم. هذا الذي يقصدونه ابتداء. هذا الذي يقصد ابتداء في البيت.

لكن بدلاً من أن يعبر الشاعر بشكل صريح ويقول: والطاعنين قلوب أعدائه، أو قلوب أعدائهم، ايش قال؟ ما قال: والطاعنة إلى القلوب، ما جاء باللفظة الصريحة، أتى باللفظة الكناية القلوب، ايش قال؟ والطاعنين مجامع الأضغان. القلوب هي المكان الذي تجتمع فيه الأضغان والأحقاد. الأضغان، الأحقاد. أين تجتمع الأضغان؟ أين تكون؟ في القلوب، تمام؟ فالشاعر حتى يأتي بعبارة راقية جداً قال: الآن، أنت لماذا تقاتل عدوك؟ لأنك تكون مملوء حقد عليه. هناك أوقات كثيرة في قلبك على عدوك، وهو كذلك، فتحدث بيننا حروب. أليس كذلك؟ فكأنك حينما تطعن قلب عدوك، أنت تطعن المكان الذي تجتمع فيه الأضغان، أليس كذلك؟ بلى.

فبدل من أن يقول: والطاعنين قلوب أعدائهم، أراد بشكل لطيف جداً أن يدلل على أن هذا إنما وقع على المكان الذي هو محل الأضغان. فقد: والطاعنين مجامع الأضغان. أي المكان الذي يجتمع فيه الأضغان. هو ماذا يريد أصالة بقوله: والطاعنين مجامع الأضغان؟ أصالةً، ماذا يريد؟ المعنى الاصلي الذي تفهمني؛ المقصود القلب، والطاعنين القلوب. فهذا هو المقصود من هذه العبارة. مجامع الأدغال لم يقصد الصفة، وإنما قصد الموصوف، لذلك قلنا: هي كناية اريد بها الموصوف فقط. أراد بها أصالة الموصوف.

لكن هل هناك مانع من إرادة المعنى الحقيقي أيضاً؟ أنه طعن قلب عدوه؛ هذا القلب المملوء حقد وضغن. لا يوجد قلب. تمنع إرادة المعنى الحقيقي لمجامع الأدغال، لكن حتى ولو قلنا: إن المعنى الحقيقي مراد، يكون مراداً على سبيل التبع، وليس مراداً على سبيل الأصالة. وليس مراداً على سبيل الأصالة. لاحظوا كيف أن طبيعة القصد، هل هو قصد أولى ولا قصد ثاني؟ يؤثر في تحديد طبيعة تلك، هو مطابقة ولا كناية ولا ولا مجاز.

الآن، والطاعنين جامع الأفعاني لما كان قصده: وطاعنين القلوب ابتداء، قلنا: إذاً مجامع الأظهار هذه كناية عن القلوب. هي كناية عن ايش؟ عن القلوب. لانه أطلق مجامع الأدغام مريداً بها أصالة القلوب. هكذا، وتبعاً، وتبعاً، وبإشارة خفية، تطرق إلى المعنى الحقيقي. فالمعنى الحقيقي مراد والله أعلم، لكنه مراد على سبيل التبع، فكأنه أولاً أعطاك المعنى المعنى الجنائي أنهم يطعنون في قلوب أعدائهم.

حينما منحك هذا المعنى، وحينما منحك هذا المعنى أراد أن يمنحك شيئاً آخر معه على سبيل التبع؛ أنهم طعنوا التي هي محل الأضغان والتي سببت الحروب، كما قلت لكم افتحوا للمضياف قبل قليل. أنا أريد ابتداء، افتحوا لمحمد افتحوا له الباب.

لكنني صحيح أريد أفتحه لمحمد، ولكن مع ذلك أريد تبعاً أن أصف محمد وأن يعلم السامعون أن محمد هذا إنسان كثير الضيوف، رجل يمدح، تمام؟ هذا النوع الثالث؛ أنذر بالكناية تريد الموصوفة أصالة، ولكنك في الحقيقة أيضاً تشير تبعاً إلى صفة في هذا الموصوف، هذه الصفة هي التي يدل عليها المعنى الحقيقي.

لكن لماذا قلنا هي مقصودة تبعاً؟ لأنني في الكناية لا أريد المعنى الحقيقي، بل أنا أريد المعنى أصالة، ولا مانع من إرادة المعنى الحقيقي تبعا. فهذا هو القسم الثالث من أقسام الكناية، الكناية التي يقصد منها الموصوف فقط، يمكن يكون الصفة مرادة تبعا يمكن، وهذا ظاهر في الأبيات التي أتينا بها.

إذاً باختصار، بحث مختصر في هذه المنظومة بل في كل الكتب بشكل عام بحث طويل، أهم شيء في الكناية أن تعرف تعريفها، أنك تكتب اللون وتريد الالتزام مع عدم قرينة تمنع إرادة المعنى الحقيقي، أن تعرف أنواع الكنايات أنها إما إثبات صفة، وكناية مجرد إثبات الصفة، واحفظوا كثيراً رباط طويل النجاد.

أن نستخدم الكناية لنسبة صفة إلى موصوف، وثالثاً وأخيراً أن نستخدم الكناية لنتحدث عن الموصوف فقط مع إرادة الصفة على سبيل التبع عادة. إذاً هذا نهاية حديثنا أحبتي في علم البيان، وفي المجلس القادم بإذن الله نشرع في علم البديع وفي الأبيات العشر الأخيرة من هذه المنظومة المباركة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.