فيا لغتي أيا صرحا عظيما تهاوت عندها هيبة الصروح أنت البحر للغواص عشق وأنت تدر للقصيد طموح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
أصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد نعقده ضمن برنامج غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية.
نتدارس فيه علما جديدا من علوم العربية، وهو علم البلاغة، علم البلاغة وما أدراكم ما علم البلاغة! عندما نتكلم عن علم البلاغة أيها الأحبة، فنحن نتكلم عن درة علوم العربية وعقد نظامها ومحط رحال دارسيها وعشاقها. حينما نتكلم عن علم البلاغة، فنحن نتكلم عن روح اللغة وفحواها، نتجاوز أسوار الألفاظ لنقتحم على المعاني في خدرها، ونغوص في بحر الجمل لنلتقط لآل البيان.
علم البلاغة أيها الأحبة هو مكمن سر العربية وصندوقها المغلق كما يقولون، من فتح هذا الصندوق أخذ جواهر اللسان وقلائد البيان. علم البلاغة هو سحر الألفاظ عندما يتجاوز الآذان ليقرع القلوب والعقول، بل يصل ببيانه إلى حد الإعجاز ويخرج عن طوق البشر، وصدق أحمد شوقي إذ يقول: إن الذي ملأ اللغات محاسنا، جعل الجمال وسره في الضاد، أي في اللغة العربية.
إذن هذه توطئة في علم البلاغة، والسؤال المهم الآن: لماذا ندرس علم البلاغة؟ ما أهمية علم البلاغة لطالب العلم؟ الآن عادتنا أيها الأحبة أننا نتكلم عن المبادئ العشرة لأي علم نبدأ بدراسته، والمبادئ العشرة تبدأ بذكر تعريف العلم، ولكنني سامحوني سأؤخر الكلام عن المبادئ العشرة وأذكر هنا شيئا من أهمية هذا العلم حتى تتشوق النفوس والعقول لدراسة علم البلاغة وحتى تتلاقح الأفكار مع الأفكار.
فنقول أيها الأحبة: ما أهمية هذا العلم لطالب العلم؟ هذا الموضوع مهم جدا في بداية أي كتاب تدرسه: أن تدرك أهمية هذا الموضوع لي كطالب علم، ماذا سأجني من ثمار العلم؟ ماذا يهمني في حياتي العلمية؟ كثير من الطلبة إنما يعزف عن دراسة العلوم، خاصة علوم الآلات، لأنه لا يدرك أهمية هذا العلم في صناعة عقله وفسكره ووعيه، بل لا يدرك أهمية هذا العلم للعلوم الشرعية التي يريد أن يتخصص بها، في التفسير، في الفقه، في السنة، أو ما شابه ذلك من علوم المقاصد.
فنقول إذن: ما أهمية علم البلاغة؟ سأرتب الأمور في نقاط ثلاث، سأتلخص أهمية علم البلاغة في نقاط فحاولوا أن تكتبوها عندكم حتى تستوعبوها جيدا، ولا مانع من أن نلخص على السبورة هذه النقاط الثلاث باختصار. فالسؤال الآن أيها الأحبة هو ما أهمية علم البلاغة لطالب العلم؟ هناك ثلاث نقاط سأتحدث عنها، النقطة الأولى: علم البلاغة مهم لنحيا مع القرآن.
علم البلاغة مهم لنحيا مع القرآن أيها الأحبة، اسمعوا ماذا أقول: لن تعيشوا مع القرآن ولن تتذوقوا جمال النص القرآني حق التذوق، لن تدركوا إعجاز القرآن، لن تقفوا على أسراره إلا إذا درستم علم البلاغة. علم البلاغة أيها الأحبة سيجعلكم تحيون مع القرآن حياة بطعم آخر، حياة بطعم آخر جميل لذيذ. علم البلاغة أيها الأحبة ستلاحظون به غزارة المعاني وفخامتها التي توجد في القرآن، وكيف عبر عن هذه المعاني الغزيرة الفخمة بأوجز الألفاظ وأقصرها.
ستدركون أيها الأحبة بعد دراستكم لعلم البلاغة وتفننكم وتطبيقكم وتنزيلكم هذه القواعد على نصوص القرآن الكريم، ستدركون لماذا اندهش أهل مكة ورجالها، لماذا وقفوا حائرين مبهورين عاجزين أمام هذه النصوص التي تتلى أمامهم. ما هو هذا السر الذي جعل سيدهم الأكبر الوليد بن المغيرة حينما يسمع آيات القرآن تخرج مثل الجمان من أطهر خلق الله سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، عندما يسمع آيات القرآن تتلى عليه يتعجب، يندهش، يعود إلى أساطين كفار قريش ليقول لهم والله اسمعوا ماذا قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وانه ليعلو ولا يعلى عليه.
هذه كلمة مهمة جدا علينا أن نفسرها وأن نجلس معها الآن، الوليد بن المغيرة عندما سمع القرآن، رجل كافر، رجل كافر يهمه أن يطعن في القرآن، أن يشكك في القرآن، أن يضعف من أسلوبه وبلاغته، لكنه ما استطاع أن يكذب. ما استطاع أن يكذب، أصيب بحيرة، باندهاش، بتعجب، عجز أمام هذا النص، بهذا الرونق، بهذه الفخامة، بهذا الجلال، فما استطاع إلا أن يقول والله إن له لحلاوة. نبدأ نفسر، قال والله إن له لحلاوة، ماذا يعني بالحلاوة؟ يريد عذوبة الألفاظ، هذا معنى الحلاوة، يعني هذا النص الذي سمعته، ألفاظه عذبة حلوة، عندما يتذوقها الإنسان، عندما يسمعها، عندما يتلوها يشعر بذاك الجمال وتلك الحلاوة، كيف العسل لو الإنسان وضعه على لسانه يشعر بحلاوة؟ كذلك هذه الألفاظ لها حلاوة عجيبة عندما يقرؤها اللسان وعندما يسمعها أو تسمع بالآذان.
إذا قال والله إن له لحلاوة، قال وإن عليه لطلاوة، طبعا كلمة طلاوة هذه مثلثات أبطال، ما معنى مثلثات أبطال؟ يجوز أن تقول طلاوة طلاوة تلاوة، طب ما معنى كلمة طلاوة؟ الطلاوة هو الرونق والحسن، الطلاوة في اللغة العربية هو اللون والحسن والبهاء، فيقول إذن وإن عليه لطلاوة، يعني على هذه الألفاظ رونق وحسن وبهاء عجيب، ثم قال وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق.
هاتان العبارتان أخذهما معا، في هذه العبارة أيها الأحبة الوليد بن المغيرة يشبه القرآن بفصاحته وبلاغته كأنه شجرة، تشبهه بماذا؟ بشجرة، هذه الشجرة يغذيها ماء غزير عذب زلال، والشيء إذا كان يغذيه ماء كثير نقول هذا الشيء مغدق، تقول هذا الشيء ايش؟ مغدق، يعني هناك ماء غزير يغدق عليه، ومنه في القرآن الكريم وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا، ماء غزيرا طيبا لذيذا. فالآن إذا الوليد بن المغيرة يصف أو يشبه القرآن ببلاغته وفصاحته كأنه شجرة.
طبعا هو لم ينص على هذا التشبيه بحرفيته، لم يقل القرآن كالشجرة، وإنما هذا نسميه إن شاء الله ندرسه استعارة مكنية: أن تذكر المشبه وتحذف المشبه به ولكنك تذكر شيئا من لوازم المشبه به، على طريقة أبي ذؤيب الهذلي في قصيدته الشهيرة عندما مات أبناؤه ماذا يقول؟ يقول: المنية أنشبت أظفارها، ألفيت كل ذميمة لا تنفع، شبه المنية بالسبع، ولكن هل قال المنية كالسبع؟ لا، حذف المشبه به وهو السبع، ولكن أبقى شيئا من لوازمه وهي الأظفار. وهذا تقريبا قريب من هذه الصورة.
الوليد بن المغيرة يشبه القرآن بشجرة، هذه الشجرة يغذيها ماء غزير من أسفلها، هذا الماء الغزير هو رمز للمعاني، يريد به المعاني، معاني القرآن. يعني لو أني رسمت الأمر هكذا، يقول الوليد بن المغيرة: القرآن كأنه شجرة، هذه الشجرة فيها ماء غزير، فهي شجرة مغدق ماءها غزير الذي يغذيها يروي عروقها من الأسفل، ما هذا الماء الغزير؟ هو رمز لماذا؟ هو رمز لمعاني القرآن، لمعاني القرآن. فالقرآن إذن هذه الشجرة يروي عروقها ذاك الماء الغزير العذب الزلال، وهي معاني القرآن.
هذه المعاني التي تشربها العروق وترتوي بها، تدخل في هذه الشجرة لتركب ولتصاغ، لتخرج بعد ذلك الألفاظ والتعابير القرآنية المثمرة تسر الناظرين، فانظروا ماذا قال؟ قال إن أعلاه لمثمر، وهي النتيجة النهائية، وإن أسفله يعني أسفل القرآن لمغدق. نحن استنبطنا إذن أنه يشبه القرآن بشجرة، أسفلها مغدق وأعلاها مثمر. ما هذه الرموز التي عبر عنها الوليد بن المغيرة؟ ما هو هذا الماء المغدق الغزير الذي يأتي على هذه الشجرة؟ هو معاني القرآن.
هذه المعاني الفخمة العظيمة ترتوي بها شجرة القرآن، تصاغ بأساليب بيانية عالية في الجمال والبهاء، وهنا فتثمر تلك الآيات والنصوص القرآنية ذاك الثمر الذي يسر الناظرين ويعجب الناظرين. لذلك نعيد هذه العبارة بعد أن درسناها، ايش قال الوليد بن المغيرة؟ كثير من الطلبة أجدهم يكررون هذه العبارة ولا يفهمونها، فالمدرس ينبغي عليه أن يوصل مثل هذه الجمل الخالدة في التاريخ ينبغي أن يوصل معناها إلى الطلبة بدقة، حتى عندما أسمع الطلبة بإذن الله يتشربون معانيها يتذوقونها، أما فقط نقول قال الوليد بن المغيرة إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، الطالب يكرر ولا يفهم، ما معنى...
لمثمر، وإن أسفله لمغدق. نحن نريد أن نقتحم المعاني، أن نحلل، أن نقف مع هذه النصوص ونحللها تحليلاً دقيقاً.
إذًا الوليد بن، كما قلنا، هذا الرجل الكافر عندما سمع آيات القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام أعطاها بوضوح لكفار قريش. هذا لا يمكننا أن نخدشه، لا يمكننا أن نلمسه، لا تستطيع أن نعبر بمثل هذه العبارات: إن حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق.
إذًا باختصار، أهمية البلاغة في الأولى هي ماذا؟ البلاغة مهمة جداً حتى نحيا مع القرآن، حتى نشعر بذاك الجمال، بذلك الرونق في العبارات، في الألفاظ. لا يمكن أن نحيا مع القرآن حياة حقيقية إلا بدراستنا لعلم البلاغة.
طيب، النقطة الثانية أيها الأحبة في أهمية علم البلاغة لطلابنا: علم البلاغة مهم للرد على المشككين والطاعنين في أسلوب القرآن وبيانه. إذًا علم البلاغة الفائدة الثانية المهمة له، أنه مهم جداً في الرد على الطاعنين وعلى المشككين في أسلوب القرآن وبيانه.
الآن أيها الأحبة، كما لا يخفى عليكم، القرآن الكريم من اللحظة الأولى التي نزل بها وهو يواجه حرباً عنيفة، يواجه حرباً عنيفة. بدأت هذه الحرب مع كفار قريش، بدأت هذه الحرب مع من؟ مع كفار قريش. لكن الحرب مع كفار قريش كيف كان شكل هذه الحرب؟ كيف اتخذت شكلها؟ هل كفار قريش طعنوا بلاغة القرآن؟ ما استطاعوا. ها الوليد بن المغيرة أعطاه، ما استطاع كفار قريش أن يخدشوا في بلاغة القرآن، لأنهم إذا طعنوا في بلاغة القرآن وفي أسلوبه، هم يطعنون في أنفسهم. العرب كلها تدرك أن هذا القرآن جاء على أعلى أنماط اساليب العرب، على أعلى أنماط الاساليب العربية في إيصال الكلام.
فكفار قريش لا يستطيعون أبداً أن يقتحموا أسلوب القرآن ومنهجه في الخطاب، ماذا فعلوا؟ كيف كانت حربهم على القرآن؟ التشكيك في مصدر القرآن. لذلك القرآن الكريم ذكر لنا كيف واجه كفار قريش هذه المعجزة الخالدة. قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم، قال سبحانه وتعالى: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ. هذا القرآن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم يعلمه ذاك البشراً، كأنهم نسبوا الأمر إلى رجل رومي كان يسكن في أقاصي مكة، نسيت أبو بكر خياط حداد أو شيء من ذلك. قالوا: محمد يذهب إلى هذا الرومي يتعلم منه القرآن، ويعطيه هذا القرآن ثم يأتي ليقصه علينا.
فالله سبحانه وتعالى بما لا رد عليه من خلال علم البلاغة كيف رد عليهم؟ قال: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ. أنتم يا كفار قريش تقولون محمد صلى الله عليه وسلم يذهب إلى رومي أعجمي يتعلم هذا بهذا، هذا الأداء وهذا البيان، اللسان الذي تشيرون إليه، تومئون إليه أن محمد يتعلم منه، ذاك لسان أعجمي، وهذا القرآن الذي يتلوه عليكم محمد صلى الله عليه وسلم صباحاً ومساءً بلسان عربي مبين، لا يمكن أن ينفك من عجمة ورطانة الروم. أسلوب القرآن وبيان القرآن لا يمكن أن يخرج من إنسان قومي، هذا أفخم أساليب العرب في أدائها، رومي أعجمي يتكلم به! احترموا عقولكم، كأنه هكذا النص القرآني يوجه الخطاب لكفار قريش.
كذلك قالوا في القرآن: أساطير الأولين. قالوا محمد صلى الله عليه وسلم أتى به من أساطير الأولين وأكاذيب الأولين. فباختصار، معركة كفار قريش مع القرآن لم تكن معركة إلى أسلوب القرآن وبيان القرآن ما استطاعوا، وإنما المعركة كانت إلى مصدر القرآن.
جميل، هذه المعركة أثبتت فشلها. الآن قامت الدولة الإسلامية والحمد لله، والمسلمون توسعوا في البلدان وفتحوا العراق ومصر، ثم توسعوا إلى بلاد ما وراء النهر ووصلوا إلى أقاصي الدنيا. دخل كثير من الموالي ومن الأعاجم في الصف الإسلامي، وهؤلاء كان إدراكهم لأساليب العرب البيانية متفاوتاً. كثير منهم كان لا يدرك أساليب العرب في بيانها في تخاطبها كأعاجم من بلاد ما وراء النهر أو ما شابه ذلك. وبعضهم، بعض هؤلاء الأعاجم كان مندساً في الإسلام، لم يكن مسلما بحق بل كان متشبّعاً مثلاً بفارسيته، كان عنده ما زال انتماء للفرس فدخل بالإسلام ولبس عباءة الإسلام تستراً، وهو يريد أن يطعن في الإسلام، فهو أعجمي لم يدخل في الإسلام بحق وإنما لبس عباءة الإسلام اضطراراً، ما زال محباً وعاشقاً لفارسيته أو روميته أو دولته فأراد أن يطعن في الإسلام.
فماذا فعلوا؟ هؤلاء الأعاجم، هؤلاء الأعاجم المندسون في الصف الإسلامي، ماذا فعلوا؟ بدأوا يطعنوا في أسلوب القرآن ومنهجه في البيان، بدأوا يطعنوا في ماذا؟ في أسلوب القرآن ومنهجه في البيان والخطاب. وهنا محط علم البلاغة، لأن هؤلاء الأعاجم لم يكن لديهم خبرة، فماذا ظنوا؟ ظنوا أن قوله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ أكثر من ثلاثين مرة حشد، فبدأوا يعترضون! قال: انظروا إلى هذا الكتاب، كيف يأتي بهذا الحجم طلع أكثر من ثلاثين مرة تكرر؟ إيش هذا النص؟ اقرؤوا قصة موسى عليه السلام تتكرر في أكثر من سورة في القرآن، مع أن الموقف واحد، موقفه مع السحرة يتكرر في أكثر من سورة، في الأعراف، في القصص، تتكرر كذلك في مثلاً الشعراء، طيب لماذا قصة واحدة تتكرر في أكثر من موضع؟ هذا ضعف عجز عن كان شيء جديد.
فبدؤوا إذاً يعني يثيرون مثل هذه القضايا التي لا يثيرها إلا إنسان جاهل بأساليب العرب في بيانها، لا يثيرها إلا إنسان جاهل. فبدأوا يطعنوا إذاً في أساليب القرآن البيانية ومنهج القرآن في الخطاب لجهلهم بأساليب العرب. فمن انتدب للرد عليهم؟ مجموعة من العلماء الثقات الذين درسوا بلاغة العرب، حفظوا وتعلموا وطبقوا وأتقنوا مناهج العرب في خطابها وأساليبها، انتصروا إلى هؤلاء فالحمد لله ردوا على كل هذه الشبهات.
ومن الأئمة الكبار ابن قتيبة الدينوري رحمه الله عليه الذي ألف كتاب تأويل مشكل القرآن للرد على هذه الطائفة. صنف كتاب تأويل مشكل القرآن للرد على هذه الطائفة التي تزعم أن في القرآن حشواً وزيادة وتكراراً لا فائدة منه، وبين لهم عجزهم في فهم أساليب العرب في خطابها من خلال إتقانه لعلم البلاغة. فهذا إذاً دراسة علم البلاغة وظفها ابن قتيبة الدينوري للرد على ايش؟ على المشككين والطاعنين في أساليب القرآن.
وفي الحقيقة ما زلنا في وقتنا الحاضر نواجه هذه المشكلة، نواجه مشكلة الطعن في أسلوب القرآن، لكن ربما الآن لبست لباساً جديداً، المدرسة الحداثية المعاصرة التي يعني يقودها مجموعة من الجهال بأساليب العرب وأصحاب البضاعة المزجاة لفهم تخطبات العرب، أمثال شحرور ومحمد عابد الجابري ممن مضى وغيرهم من هؤلاء الذين يأتون إلى النص القرآني ويقولون: نريد أن نفهم القرآن بأسلوب جديد، يريدوا أن يفهموا القرآن بأسلوب الحداثة. مش الآن تسمعوا كثيراً التفسير الحداثي للقرآن؟ ينزلون النصوص القرآنية على عقولهم الجاهلة، ينزلونه ويريدوا أن يفهموا النص كما يشاؤون.
فنقول لهم: قفوا، هذه النصوص لا تخضع للهوى ولا للعقول في فهمها، بل جاءت على أساليب العرب في خطابها. ما معنى التجديد في فهم النص القرآني؟ انظروا العبارة: التجديد في فهم النص القرآني، طبعاً الحداثة المعاصرة هي صورة جديدة للمدرسة الباطنية القديمة، التي كانت تحاول أن تضعف المحتوى القرآني، وأن تجعل المحتوى القرآني فارغاً من مضمونه الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو بينه محمد صلى الله عليه وسلم في نهجه، وبينه الصحابة من بعد ذلك. فباطنية قديماً هيك جعلوا آيات القرآن هي رموز لمعاني لا يفهمها إلا الخواص الأولياء، ويريدون بذلك ما قلنا: تفريغ المضمون القرآني من معناه الحقيقي.
المدرسة الحداثية المعاصرة هي فرع من المدرسة الباطنية، ولكنهم يعني يأتون بعبارات منمقة تغر الجهال، يظنون أن فلان الفلاني شحرور وغيره أن هؤلاء أصحاب علم غزير، وأن هؤلاء بنظريات فريدة لم يسبقوا بها. وهذا لأن السامع والمتكلم كلاهما جاهل، ماذا أسئل من بلاغة؟ لم يفهم أساليب العرب في خطابها فظن أن لهؤلاء ولامثال هؤلاء الحق في أن يخضعوا نصوص القرآن وأساليب القرآن البيانية لعقولهم القاصرة، التي لن تتفرغ أبداً لدراسة شيء من كلام العرب الفصيح الرزين، الذي هو المنهج الأصيل لفهم النص القرآني. لا يمكن أن تلج لفهم النص القرآني إلا من خلال فهم أساليب العرب في تخاطبها. فالمدرسة الحداثية المعاصرة حتى
الرد عليها يا طالب العلم، ينبغي عليك أن تتقن علم البلاغة، حتى تزيف كل هذه الآراء زبالة عقول هؤلاء، حتى تزيفها وتبين كم هي متآكلة وهشة. لا يمكنك ذلك بقوة وبحجة متينة، إلا إذا عرفت أساليب العرب في تخاطبها، ثم قارنت النص القرآني، كيف كان العرب والصحابة يفهمونه، وكيف يفهم هؤلاء الحداثيون؟ حتى تعرف كم هي المسافة واسعة واسعة بيننا وبين هؤلاء. إذن هي القضية الثانية، كما قلنا: إن البلاغة مهمة للرد على أي شخص يشكك أو يطعن في أسلوب القرآن وبيان القرآن.
آه، ثالثاً وأخيراً أيها الأحبة، كما قلت لكم: هي ثلاث نقاط أهمية علم البلاغة. علم البلاغة مهم حتى أحيا مع القرآن، علم البلاغة مهم للرد على المشككين والطاعنين في أسلوب القرآن وبيانه. آه، أخيراً علم البلاغة مهم لفهم الشريعة المحمدية، الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم. هذه الشريعة منبعها الأصيل، مصدرها الأصيل: الكتاب والسنة. ولا يشك أحد ولا يخفى على أحد أن القرآن والسنة إنما نزلا بالعربية.
فجميع العلوم الشرعية التي ندرسها اليوم في جامعاتنا وفي مجالسنا وفي مساجدنا، من علم الحديث وعلم التفسير وعلم الفقه وعلم العقيدة إلى آخر هذه العلوم، كلها تنبع وتخرج من ذاك المصدر، من القرآن ومن السنة. والقرآن والسنة نزلا بلسان عربي مبين، على أعلى درجات العرب في البيان. إذاً بالمنطق وبالعقل والفهم، من دون حاجة إلى الاستدلال بنصوص ونقول عن الأئمة، بالمنطق وبالعقل بالفهم لا يمكن أن تحكم علوم الشريعة إلا إذا أحكمت فهم أساليب العرب في تخاطبها.
المنبع في فهم الشريعة هو القرآن والسنة، وهذا الكتاب وهذه السنة المطهرة إنما أتت باللسان العربي المبين. إذاً لابد أدرس هذا اللسان العربي المبين، أن أفكره، أن أحققه، أن أعرف مناهجه وأساليبه، حتى آخذ وأفترس من علوم الشريعة. لذلك ماذا أنتم اليوم إذا أردتم أن تدرسوا العلوم الحديثة، الهندسة أو الطب وأن تتقنوها جيداً؟ هل يصلح أن تتقنوها وأنتم لا تعرفون لغة اللغة الإنجليزية ووطانة العجم؟ لا يصلح. يعني يبقى الإنسان لو درس فيه ضعف علمي يقولون، لأنه لا يتقن المصطلحات الأجنبية، وهذا في العلوم الدنيوية.
فما بالكم أيها الأحبة بعلوم الشريعة؟ علوم الشريعة لسانها العربية، وبيانها بيان العرب القديم الذي نزل عليه القرآن. فكيف تريد تفهم هذه الشريعة بعقلك من دون أن يكون عندك إتقان للغة التي نزلت بها؟ هذا في الحقيقة منهج خاطئ جداً. يعني بعض طلبة العلم أو بعض من يتصدر تدريس العلم يقول: يعني اللغة العربية لو الإنسان درس الآجرومية وشيئاً في الصرف ومتى المختصر في البلاغة، انتهى! عليك أن تدرس الشريعة. هذه نظرة قاصرة تدل على الجهل، تدل على عدم تصور الأمور على حقيقتها. الشريعة مبنية على العربية، الشريعة مبنية على العربية.
لذلك ما دخلت البدع في هذه الأمة وما ظهرت الفرق العقدية إلا من أناس جهلوا الخطاب العربي، ففهموا نصوص القرآن بأهوائهم وليس على ما تقتضيه العربية، فخرج لنا ابن كرام والجهمي بن صفوان والروافض والفرق المبتدعة. لو تتبعتم المسيرة البدعية، هم من الأعاجم الذين لم يفهموا العربية، فعندما تعاونوا مع المنابع القرآن والسنة فهموها بأهوائهم وأذواقهم، وليس على ما تقتضيه أساليب العرب، أليس كذلك؟ على ما أراده الشارع سبحانه وتعالى فنشأت البدع.
فإذاً عدم دراسة العربية سبب شرخاً كبيراً في هذه الأمة، عدم إتقان هذه اللغة هو سبب للجهل وللفرقة وللخلاف وللتلاعب، فهذا موضوع كبير. فلا تحجم دور اللغة العربية في العلمية، لها دور أساس. الشافعي عندما ذهب، ذهب إلى قبيلة هذيل، كم جلس عندهم؟ جلس عشرين عاماً، عشرين عاماً جلس يتعلم لسان هذه القبيلة، لأنه يدرك، إمام كبير هذا يدرك: إذا أردت أن أكون عالماً مجدداً لهذه الأمة، ينبغي أن أكون متقناً لأساليب العرب حق الإتقان، أن أدخل في عمقها، في تحاليلها، لا أكتفي بالوقوف على ظاهرها، ولا درست الآجرومية انتهيت يعني أنا إمام محقق!
اليوم أيها الأحبة، يتولى الإفتاء ويتصدر للكلام في دين الله من لا يتقن إعراب البسملة! وهذا أيها الأحبة حق من قدر هذه الشريعة عندما تؤخذ بهذا الضعف، وعندما ينظر إليها بهذه النظرة الضيقة، مجرد متون مختصرة تجعل الإنسان يتصدر. هذه الشريعة إنما نالها العلماء بالكد والتعب، درسوا العربية، تعمقوا في أساليب العرب، فهموا دقائق المعاني، ثم بعد ذلك استنبطوا لنا هذا الفقه الدافئ. طيب، لا أدين أكثر من ذلك في هذه القضية، وهي قضية أهمية علم البلاغة.
إذا لخصناها في ثلاث نقاط: البلاغة مهمة لنحيا مع القرآن، والبلاغة مهمة للرد على الطاعنين والمشككين في أسلوب القرآن وفي بيان القرآن، والبلاغة مهمة حتى نفهم علوم الشريعة، بغض النظر سواء في علوم الاعتقاد أو في علوم الفقه أو في التفسير أو سائر علوم الشريعة المختلفة. إذاً هذا هو المدخل الأول لهذه الدورة، وهي أهمية علم البلاغة. المدخل الثاني الآن، كعادتنا أيها الأحبة، ننطلق إلى دراسة المبادئ العشرة، ننطلق لدراسة المبادئ العشرة لهذا العلم.
ما هي المبادئ العشرة لععلم البلاغة؟ المبادئ العشرة نظمها العلامة الصباغ رحمة الله عليه في قوله: إن مبادئ كل فن عشرة، الحد والموضوع ثم ثمرة، ونسبة وفضله والواضع، الاسم الاستمداد حكم الشارع، مسائل والبعض بالبعض اكتفى، ومن درى حاز الشرف. المبادئ العشرة أيها الأحبة هي مجموعة من المعارف تقدم قبل دراسة أي علم، تعتبر مدخلاً للعلم، يعين الطالب على أن يتصور هذا العلم نوع تصور، تصور جملي، أن يعرف موضوع هذا العلم الذي يدرسه، ما هي الثمرة المرجوة من هذا العلم؟ ما فضل هذا العلم؟ ما اسمه؟ من واضعه؟ ما هي المراحل التاريخية التي مر بها هذا العلم؟
فهي في الحقيقة مقدمة وتوطئة مهمة قبل اقتحام العلوم. الطالب الذي يدخل مباشرة في العلم، أنت الآن أول مرة تزور البلاغة، تدخل مباشرة في هذا العلم من دون أن يكون لك تصور جملي عنه، في الحقيقة أظن أنه شيء من الخشوع، بل لابد أن يكون لك شيء من التصور العام لما أنت مقبل عليه، حتى تفهم: ماذا سأدرس؟ ماذا سأقترح؟ ما هي المسائل التي أتطرق إليها؟ ما هي المباحث التي يتكلم عنها أصحاب المصنفات والمتون في هذا العلم؟
فإذاً المبادئ العشرة مهمة جداً لاقتحام أي علم من العلوم العربية أو الشرعية. وهذه مبادئ عشرة: إن مبادئ كل فن عشرة، الحد أي تعريف العلم، والموضوع موضوع العلم، ثم الثمرة أي ثمرة العلم، نسبة أي نسبة علاقة هذا العلم بالعلوم الأخرى، ونسبة وفضله فضل هذا العلم وهو قريب من الثمرة وإن كان هناك تفريق دقيق، ونسبة وفضله والواضع من واضع هذا العلم، الاسم اسم هذا العلم، الاستمداد مما استمد هذا العلم، وحكم الشارع ما حكم الله سبحانه وتعالى في تعلمه؟ ثم قال: مسائل، مسائل أهل العلم.
كلمة مسائل في الحقيقة ليست مبدأ، بل هو العلم الذي ستدرسه، هو كل العلم والقواعد والمسائل التي ستدرسها هي مسائل أهل العلم. قال: والبعض بالبعض اكتفى، يعني بعض أهل العلم يقتصر في تعليمه وفي تصنيفه على بيان بعض هذه المبادئ، لا يستوعبها جميعاً بالبيان، لكن إيش قال؟ ومن درى الجميع، الذي يعرف جميع هذه المبادئ العشرة حاز الشرف، كملت معرفته. فنحن نبدأ بإذن الله نطبق هذه المبادئ العشرة على علم البلاغة، فنبدأ بالحد.
ما هو تعريف علم البلاغة أيها الأحبة؟ كلمة البلاغة سأدرسها من جانبين: الجانب الأول المدلول اللغوي لكلمة البلاغة، ثم سانتقل بدراسة هذه الكلمة إلى دراستها باعتبارها لقباً على علم من العلوم وفن من فنون العربية. إذاً سندرس كلمة البلاغة من جانبين: المدلول اللغوي لكلمة البلاغة، ثم ننتقل لندرس هذه الكلمة باعتبارها لقباً على فن من الفنون وعلم من علوم العربية. فنبدأ بالمحور الأول والكلمة البلاغة، نذهب إلى السبورة.
البلاغة. البلاغة لغة البلاغة أيها الأحبة، نبدأ الآن نبدأ دراستها من حيث المدلول اللغوي. البلاغة في اللغة هي مصدر، مصدر بالفعل بلغ، إذن هي مصدر للفعل بلغ. على وزن وفعل، أيها الأحبة، من درس معنا نظم المقصود ما سبق، يدرك أن فعل
مصادرها القياسية في اللغة العربية عند من يرى أن لها مصادر قياسية مثل ابن مالك، ما هي؟ قال في خلاصته: فعولة فعالة لفعولة، كسهل الأمر وزيد كسولا. ففعل في اللغة العربية لها مصدران قياسيان: فعولة كطجونه وفعالة كتعالى، تمام؟ الآن بلغ على وزن جاء مصدره على ما لا عن وزن فعل، بلاغة. إذا هذا من حيث الاشتقاق، بلاغة هي المصدر، والمصدر ورس المشتقات عند البصريين هو الرأس، ومنه تشتق باقي الأمور. وفعلها بلورة، ممتاز. هاي من الناحية الصرفية.
الآن نذهب إلى المدلول اللغوي. آه، ما معنى بلوغ الرجل؟ إذا قلت لك باء لغة محمد، ما معنى بلوغ محمد؟ بلغ الرجل عند العرب معناها فصح لسانه، تصوح لسانه، ويضيفون وحسن بيانه، وحسن بيانه. إذا قلت إذا بلغ محمد، إذا فصح لسانه، أصبح لسانه فصيح، وحسن بيانه، إذا هذا معنى كلمة بلغ الرجل: فصح لسانه وحسن.
تمام، كلمة بلغ محمد، ضعوا تحتها رقم واحد. الآن، إذا بلغ محمد، قلنا: فصح لسانه وحسن بيانه، ثم بعد ذلك يستخدمون بلغ، يصفون بها الكلام والمتكلم، فيقولون، يأخذون من بلغ صفة مشبهة على وزن فعيل، فيقولون بليغ، هذه الصفة المشبهة التي تشتق من الفعل بلغ على وزن فعيل، بليغ، يصفون بها ماذا؟ يصفون بها الكلام، فيقولون كلام بليغ، ويصفون بها المتكلم، فيقولون متكلم بليغ، مش مثلاً باقول لك: والله هذا خطيب بليغ، والله هذا النص بليغ. إذا العرب من الفعل بلغ أخذت صفة مشبهة، وأخذنا اشتقاق الصفة المشبهة من الأفعال التي على وزن فعله، يكون على وزن فعيل، ولها أيضاً أوزان أخرى، لكن من أشهر أوزانها فهي أخذوا صفة مشبهة من الفعل بلغ على وزن فاعل وهي بليغ، بليغ.
ووصفوا بها إيش؟ وصفوا بها الكلام، ركزوا ماذا أقول الآن لأن هناك تفريقات دقيقة. وصفوا بها الكلام، ووصفوا بها المتكلم، فقالوا: كلام بليغ ومتكلم بليغ. طيب، نبدأ في النقطة الثانية، وصف الكلام بها، يقولون كلام بليغ. طبعا كلام لغة نص، نفس الإشي، نص بليغ، خطبة بليغة مثلاً بتاء التأنيث، المهم أن يوصف بها الكلام. طب ما هو الكلام؟ ها، تحتاج إلى طالب درس الآجرومية كحد أدنى.
ما هو الكلام؟ إيش رأيك في الكلام يا مشايخ؟ أولاً لفظ المركب المفيد بالوضع، أو كما درسنا في قطر الندى هو القول المفيد، فإذا يحصل السكوت عليها هذا هو الكلام. فإذا كلمة بليغ يوصف بها إيش؟ الكلام، يعني أي ألفاظ عربية توصف بأنها كلام وصلت إلى حد وصفها بأنها كلام، اجتمعت فيها أركان الكلام. هسه كل الألفاظ، أي لفظ عربي يوصف بأنه كلام؟ لا بد يكون لفظ كما قال ابن لفظ مركب مفيد فائدة يحصل السكوت عليها.
فمثلاً إن جاء زيد هذا ليس بكلام، صح؟ مع أنه لفظ مركب، لكنه السامع فائدة يحسن السكوت عليها، ما زال السامع ينتظر أن تكمل الجملة. لكن إن قلت: آه، البحر جميل، والععلم نافع؟ آه والله هذه ألفاظ مركبة مفيدة، فائدة يقسم السكوت عليها، فهذه كلام، جميل.
فإذاً كلمة بليغ إنما يوصف بها الكلام، لا يوصف بالبليغ الكلمة الواحدة. الكلمة الواحدة لا توصف، لا تقول هذه كلمة بليغة، العرب لا تصف الكلمة بأنها إيش؟ بليغة. لا تستخدم هذا النص بليغ إلا إذا وجد كلام، وجد لفظ مركب مفيد السكوت عليها، آه هذا اللفظ المركب المفيد للوضع يمكن أن نصفه بأنه بليغ إذا وجدت فيه شروط البلاغة التي سنذكرها، ويمكن أن لا يوصف بأنه بليغ يكون رديء. أما الكلمة الواحدة لا توصف بأنها بليغة، لا.
الآن أيها الأحبة عندما، إذا الآن انتقلنا إذا فهمنا هذه الجزئية أن كلمة بليغ إنما أو بليغة إنما يوصف بها النص، الجملة، الكلام باختصار الذي يفيد فائدة يحسن السكوت عليها. أما الكلمة المفردة لا توصف بانها بليغة. طيب، عندما نقول كلام بليغ أو نص، ما معنى أنه بليغ؟ وهذه هي الحركة بس ما دخلنا، احنا كنا وسطنا الكلام بأنه بليغ. ما معنى كلام بليغ؟ ممكن واحد يقول يا شيخ احنا كنا بلغ محمد، إيش معنى هذا الأصل؟ فصح لسانه وحسن بيانه.
إذا حينما نقول كلام بليغ، يعني كلام فصيح حسن البيان، أقول لك بشكل عام مقبول، يعني إذا اردت يعني أن تعبر بهذا التعبير العام ما عندي مشكلة. لكن نحن في علم البلاغة نعبر، سأذكره الآن إن شاء الله، فلو أن شخص قال: أنا أفسر كلمة كلام بليغ، ما معنى بلاغة الكلام؟ يعني متى نقول أن هذا الكلام بليغ؟ أكيد في معيار معين، إنه في كلام بليغ وفي كلام رديء. متى تقول هذه خطبة بليغة؟ معناها في معيار. ومتى نقول هذه خطبة رديئة؟ ليست بليغة أبداً، ممجوجة، لا أحد يطيقها. إذا إيمانات معيار، سأمسح كلمة المتكلم الآن لاحقاً.
إذا عندما نقول كلمة بلاغة يوصف بها الكلام، فنقول كلام على صيغة فعيل، وهذا سيقودني إلى دراسة قضية وهي: ما معنى بلاغة الكلام؟ أو تكون سؤال آخر: ما معنى وصف الكلام بأنه بليغ؟ وهذا لابد له معيار، لأنه أنت لا تصف الكلام بأنه بليغ هكذا اعتباطاً، لابد أنك فنقول الجواب عن هذا السؤال أنهم يقولون: معنى بلاغة الكلام أو وصف الكلام بأنه بليغ، دعونا على التعبير، والبلاغة الكلام هي مطابقة الكلام بمقتضى الحال مع فصاحته.
طبعاً اليوم ساذكر هذا التعريف إن شاء الله، وسأعيده إن شاء الله في المحاضرات السابقة حينما نبدأ مع الشحنة في منظومته. لكن الآن هي مجرد ترى لما نشوف مدخل، لكن أظن هذه التحليلات مهمة ابتداء للطالب حتى يفهم الألفاظ. إذا قلنا كلام بليغ، إذاً ما معنى بلاغة الكلام؟ بلاغة الكلام هذا السؤال الذي يهمنا أن نتقنه. بلاغة الكلام هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، مع فصاحته. إيش معنى هذا التعريف يا شيخ؟
إذا حينما نصف كلام بأنه بليغ، خلاص عرفنا المعيار الكلام البليغ، إذاً ما معنى بلاغة الكلام؟ هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. الآن أيها الأحبة أنا ساتكلم عن نقطة الحال، لا تخاف، يعني كل هذه التعابير والالفاظ سنمر عليها كثيراً إن شاء الله في دراستنا لهذه المنظومة. أنتم الآن تسمعونها لأول مرة، تشعرون أنه الألفاظ يعني فيها نوع من الجمود، لكن هذه الألفاظ مهمة جداً، وعليها أساس علم البلاغة.
فنقول: مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. عندما نصف كلاماً بأنه بليغاً، أو بأنه عفواً بليغ، يجب أن يوجد عندنا أمران: أولاً، فصاحة الألفاظ، أو هذا الكلام المنتقد ألفاظ فصيحة. ثانياً، تكون هذه الألفاظ الفصيحة مطابقة لمقتضى الحال. لاحظوا أنا أتكلم عن معايير. إذا حينما أقول كلام بليغ، أما هو المعيار؟ عشان تقول إيش هو المعيار؟ أكيد ليس على الهوى، إلا من قوة الله، هذا كلام بليغ.
المعيار هو مطابقة هذا الكلام لمقتضى الحال، هذا المعيار الأول، مع فصاحته، هذا المعيار الثاني. فينبغي أن يوجد الأرمان أيها الأحبة: أولاً، أن يكون هذا الكلام جاء بألفاظ فصيحة، ليس بالألفاظ والتعابير الشاذة، هذا واحد. اثنين، بعد اختيار الألفاظ الفصيحة، وسندرس ما معنى فصاحة الكلام؟ ما معنى فصاحة الكلمة؟ ما معنى فصاحة المتكلم؟
سنعرف إن شاء الله في الدرس القادم أن مصطلح الفصاحة أعم مصطلح البلاغة، لأن البلاغة يوصف بها الكلام والمتكلم، أما الفصاحة توصف بها الكلمة، فتقول كلمة فصيحة، ويوصف بها الكلام فنقول كلام فصيح، ويوصف به المتكلم. فالفصاحة من حيث الموصوفات: الفصاحة التي وصف بها الكلمة والكلام والمتكلم. البلاغة لها، البلاغ يوصف بها إيش؟ فقط الكلام والمتكلم، لا توصف الكلمة الواحدة بأنها مليئة.
المهم، فقلنا إذاً عندما نقول كلام بليغ، ما معنى أنه بليغ؟ ما هو المعيار؟ آه، هذا يقودنا إلى السؤال: إذاً ما هي بلاغة الكلام؟ فنقول: بلاغة الكلام مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته. افهمني إيش يعني مع فصاحته؟ أن تكون الألفاظ المنتقاة لهذا الكلام فصيحة. جميل، لكن بقي المعيار، أول إيش يعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟ آه، سنحدد الآن، أولاً سأبدأ بتحليل كلمة الحال، ما معنى كلمة الحال؟ اكتبوا عندكم. الحال هو الأمر الذي يقتضي
الحال هو الأمر الذي يقتضي أو يستدعي، عبر كما تشاء، الأمر الذي يقتضي أو يستدعي خروج الكلام على هيئة مخصوصة. هذا يسمى ايش؟ حال. كيف يعني؟ أنا الآن أيها الأحبة في فرح، في زواج، هذا حال الفرح، حال أمر يقتضي أن يخرج الكلام على صورة مخصوصة.
طيب، نحن الآن في دار بيت أجر، في دار عزاء، إذاً في حزن. الحزن حال يقتضي أن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة. مش معقول تدخل على دار أجر وتقول والله مبارك إن شاء الله يا جماعة الخير. بتصير تدخل على الرجل وتقول هذا الكلام؟ لا. مع أنه آه مبارك كلمة فصيحة، لاحظوا لو دخلت على بيت عزاء وقلت له مبارك، كلمة فصيحة ولا لست فصيحة؟ فصيحة.
لكنها ليست مطابقة لمقتضى الحال، يعني يمكن أن تأكل شيئاً مطيباً قبل أن تخرج. وكذلك لو ذهب الرجل إلى هذا الزواج وهذا الفرح، الفرح حاله يستدعي الكلام على هيئة مخصوصة، فلو ذهب رجل إلى فرح فقال: عظم الله أجركم، كلمات فصيحة وجد فيها المعيار. لكن هل نصفها لهذا الرجل؟ هذا الرجل الذي قال: عظم الله أجركم، جملة تعظم الله، وجهكم كذا، صحيح؟ لو قالها الشخص في فرح هل نقول والله هذا الكلام بريء؟ لا، هذا كارهي، هذا ليس بريء.
لماذا؟ صحيح قوة التصريح وجد فيه الشرط الأول أو المعيار الأول، لكن لم يوجد فيه المعيار الثاني حتى يوصف بأنه بليغ، وهو مطابقة الكلام لمقتضى الحال. فإذا سمعت أي جملة من خطيب، من شخص، حتى أصف هذه الجملة، هذا الكلام بأنه بليغ، ينبغي أن تأكد من وجود معيارين: معيار الفصاحة في انتقاء الألفاظ التي يتركب منها الكلام، المعيار الثاني مطابقة هذا الكلام لمقتضى الحال، ما هو؟ بدك تحفظ كلمة الحال، حفظها أمر محوري جداً في علم البلاغة.
الحال هو الأمر الداعي الباعث، قل كما شئت، الذي يقتضي، كذلك يجوز، الأمر الباعث للكلام على هيئة مخصوصة، الأمر الذي يقتضي الحديث على هيئة مخصوصة. فكما قلنا هناك مقام حزن، هناك مقام فرح، هناك مقام افتخار، شخص يفتخر بقبيلته. تقصد يفتخر بقبيلته، انظر ماذا يقول مثلاً عمرو بن كلثوم في معلقته: ورثنا المجد قد علمت معد نطاعن دونه عن حتى يبينا، يعني بالنسبة لقبيلة تغلب المجد قصة حياة، نطاعن حتى يظهر هذا المجد إلى آخر رمق.
ثم يختم معلقته فيقول: إذا بلغ الفطيم لنا، إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدين. هذا مقام الثقة، لا أحد يثرب على عمرو بن كلثوم وهو يفتخر، إذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدين، يفتخر بقبيلة. في مقام الافتخار مثل هذا الكلام يكون مستحسن جميل، إذن مقام الافتخار حالة تقتضي الكلام على هيئة مخصوصة.
آه، إذن كنت تخاطب جاهلاً، هذا حال، يقتضي الكلام على هيئة مخصوصة، لا، أنا أبخاطب منكراً، آه إذن كنت أخاطب منكراً، الجاهل هل هناك جاهل ما عنده أي معلومة؟ هناك شخص ليس جاهلاً بل هو منكر، إذن خطابك مع منكر الكلام، هذا حال الإنكار، حال يقتضي الكلام على الهيئة المخصوصة.
آه إذا كنت أتكلم مع شخص متردد شاك في المعلومة، ليس منكراً وليس جاهلاً بها، هذا أيضاً حال، أمر يدعو للكلام على هيئة مخصوصة معه. بإذن الله سندرس هذه الأحوال وسنقف على كثير منها، لكن أنا فقط أبين، أأحاول أن أجلي ما معنى الحال. إذاً الحال قد يكون فخراً، قد يكون ذماً، قد يكون حزناً، قد يكون فرحاً، قد يكون خطاباً مع جاهل، مع متردد، مع منكر، أحوال كثيرة تقتضي هذا، الحال تقتضي مني كلاماً على ايش؟ على صورة معينة.
فإذا تكلمت بكلام انتقيت فيه ألفاظاً فصيحة وليست ألفاظاً رديئة، وكان هذا الكلام مطابقاً لمقتضى الحال أي لما تقتضيه وتطلبه هذه الحالة أو هذا الحال، حينئذ يكون هذا الكلام بليغاً. فإذا عرفنا الآن متى نصف الكلام بأنه بليغ؟ قلنا كلام بليغ إذاً نستطيع أن نعرف ما معنى بلاغة الكلام.
بلاغة الكلام تقوم على معيارين: أولاً الفصاحة، ثانياً مطابقة الكلام لمقتضى الحال. طبعا إن شاء الله كما في الدرس القادم سنحلي موضوع الفصاحة، نعرف الفصاحة بأنواعها، فصاحة الكلمة والكلام والمتكلم، ومتى يكون الكلام هناك رحلة إن شاء الله، لكن هي الآن الإشارات الابتدائية نقول لهذا الابن: إذا عرفنا متى يوصف الكلام بأنه بليغ وما معنى بلاغة الكلام، انتقل الآن إلى أن الحالة آآ الثالثة أو التعبير الثالث.
نحن قلنا كلمة بليغ يوصف بها الكلام، يوصف بها ايش أيضاً؟ المتكلم. فقلنا المتكلم بليغ، طب ما معنى متكلم بليغ؟ وهذا سيقودنا إذاً للسؤال، ما معنى بلاغة المتكلم؟ قبل قليل كان السؤال، ما معنى بلاغة الكلام حتى نعرف ما هو معيار نصفي للكلام بأنه بليغ؟ الآن نتكلم عن المتكلم، المتكلم يوصف بأنه بليغ، ما هو إلا المعيار وصف المتكلم بأنه بليغ؟ إذاً ما معنى بلاغة المتكلم؟
إذا عرفنا معنى بلاغة المتكلم، إذاً أدرك متى أصف هذا الشخص بأنه بليغ. بلاغة المتكلم أيها الأحبة هي ملكة، ألا تعرفها؟ بلاغة المتكلم أن يكون هذا الشخص عنده ملكة، ملكة يقتدر بها الشخص على الاتيان بكلام مطابق لمقتضى الحال. إذاً بلاغة المتكلم هي عبارة عن ملكة، والملكة هي هيئة راسخة في النفس. الآن ممكن شخص أيها الأحبة هيك عرضاً مرة، ما شاء الله أنشأت جملة مطابقة لمقتضى الحال وفصيحة، لكن في العادة كلام رديء.
في العادة كلام رديء، لكن احنا بعاميتنا بنكون زبطت معه مرة، وتكلم بجملة فخمة، هل نقول والله هذا الشخص بليغ؟ هذا المتكلم بليغ؟ هل تقول العرب وتنعته بأنه بليغ؟ لا. لأن البلاغة هنا كعربية ليست ملكة، هيئة راسخة، الشخص المتكلم لا يوصف بأنه بليغ إلا إذا كان عنده ملكة، هيئة راسخة في النفس يستطيع من خلالها أن ينشئ كلاماً مطابقاً لمقتضى الحال متى شاء.
فإذاً هي ملكة يقتدر بها الشخص على إنشاء كلام مطابق لمقتضى الحال، إذا كنت مع فصاحته كذلك مقبول ما عندي مشكل، مع فصاحته متى شاء، هذا معنى بلاغة المتكلم. إذاً ما معنى بلاغة المتكلم؟ ملكة هيئة راسخة في النفس، هذا معنى الملكة، يقتدر بها الشخص على إنشاء كلام مطابق لمقتضى الحال مع فصاحته متى شاء.
هذا فعلا فالحجاج بن يوسف الثقفي بليغ، يستطيع أن يأتي بالعجب العجاب متى شاء، وربما أنقل لكم اليوم مقولة عن مالك بن دينار يقول فيها: عندما تسمع الحجاج وهو يصف ظلم أهل، وهو يصل عن حجاج عندما يصف كيف يعامل أهل العراق لشدة بلاغته، يشعر بأنه هو المظلوم وتحزن على الحجاج، يقول: عجيب هذا الرجل، فهو بليغ.
فإذاً البليغ عندما تقول شخص بليغ، إذاً معناها هي الملكة الراسخة في نفسه التي يقتدر بها على إنشاء كلام مطابق لمقتضى الحال مع فصاحته. إذاً حللنا مصطلح البلاغة، نرتب الأوراق كما نقول، حللنا مصطلح البلاغة فقلنا: إذن البلاغة مصدر للفعل بلوى. أولاً فسرنا ما معنى بلوى؟ قلنا بلغ محمد عند العرب يكون فصح لسانه وحسن بيانه.
اشتققنا من صفة مشبهة وهي بليغ، قلنا هذه الصفة المشبهة وهي بليغ ننعت بها، نصف بها ماذا؟ شيئين. بها شيئين: الكلام والمتكلم فقط، ولا نصف بها الكلمة، فلا يجوز أن أقول كلمة بليغة، أقول كلام بليغ أو مشتق لو ما يحوها من كلمة كلام، نص، مقطع، خطبة، ما عندي مشكلة؛ لأن هذا في المعنى بمعنى الكلام، أما الكلمة الواحدة المفردة لا توصف بأنها بليغة، ويوصف بها أيضاً المتكلم، فنقول: متكلم بليغ.
حينما حينما بدأنا بقضية وصف الكلام بأنه بليغ، قلنا لابد أن نعرف المعيار، ما معنى كلام بليغ؟ آه إذاً هذا يقودنا إلى سؤال، وهو ما معنى بلاغة الكلام؟ فقلنا: بلاغة الكلام ايش هي؟ مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته، فأمعن في هذا التعريف.
ثم انتقلنا إلى المحور الثالث، وهو متكلم بليغ، قلنا: ما هو المعيار في وصف المتكلم بأنه بليغ؟ هل أي إنسان أنشأ جملة مطابقة لمقتضى الحال وكانت فصيحة هو بليغ؟ لا، لابد يكون عنده.
وهيئة راسخة في النفس يستطيع أن ينشئ بها الكلام المطابق لمقتضى الحال في أي وقت شاء يوصف بأنه بليغ. فإذا عرضنا الاستخدام بلغ واستخدام بديل وما معنى بلاغة الكلام؟ وما معنى بلاغة المتكلم؟
الآن أيها الأحبة كم ذهب من الوقت؟ أقل من ساعة. نذهب الآن إلى دراسة كلمة البلاغة بالاعتبار الثاني. قلت سأدرس كلمة البلاغة من جانبين. الجانب الأول باعتبار مدلولها اللغوي، كيف استخدمت العرب كلمة البلاغ؟ وعرفنا كل.
هذه هي القصة الآن وهي قصة مهمة جدا؛ يعني أن تدرك ما معنى كلام دليح؟ ما معنى بلاغة الكلام مهم؟ ما معنى متكلم بليغ؟ ما معنى بلاغة المتكلم؟ هذه مفاهيم أساسية جدا في علم البلاغة. الآن ننتقل إلى كلمة البلاغة باعتبارها تطلق على فن من فنون العربية. هذا هو المحور الثاني في دراسة مصطلح البلاغة. فنقول أيها الأحبة الآن أصبح من فنون العربية الذي لا ينازع أحد في أنه من فنون العربية علم يسمى علم البلاغة. لو قلت لك هل تستطيع أن تعرف علم البلاغة؟ أن تعطيني تعريفا جامعا مانعا لعلم البلاغة، في الحقيقة ماذا ستجيبني؟ ستجيبني يا شيخ لا أستطيع أن أعطي تعريفا لعلم البلاغة.
فأقول لك لماذا؟ ستجيب بأن علم البلاغة في الحقيقة هو علم مكون من ثلاثة علوم. يتكون علم البلاغة أيها الأحبة في الحقيقة من ثلاثة علوم، هذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نصارح بها. ما هي هذه العلوم؟ علم يتكون من علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع. فإذا البلاغة هي اسم لعلم صحيح، لكنها ليست علما واحدا فقط، بل هي علم في داخله خريطة مهمة جدا الآن مفصلية في فهم علم البلاغة علم البلاغة.
طبعا اليوم سأرسم مخططة أصرح منها اليوم سأرسم مخطط قصير وإن شاء الله في المحاضرة القادمة سنرسم المخطط، لكن سنوسع أكثر، لأني سأعمم أن البلاغة لأن البلاغة في الحقيقة أصله علمنا هو علم الصرف وعلم متن اللغة. لكن اليوم بأني أتكلم عن علم البلاغة على ما استقر الأمر عليه في النهاية، سأقول علم البلاغة يشمل ثلاثة علوم: علم المعاني، علم البيان، علم البديع. هذا ما استقر عليه الأمر. هذا ما استقر عليه الأمر، وفي المحاضرة القادمة إن شاء الله سنرسم رسمة موسعة أكثر، ونعرف من أين أتى مصطلح علم البلاغة.
لكن الآن علي الأمر، خلاص انتهى الأمر عند المصنفين والعلماء إلى أن علم البلاغة يشمل ثلاثة علوم: علم المعاني، علم البيان، علم البديع. بالتالي أيها الأحبة لا تستطيع أن تأتي بتعريف لعلم البلاغة مباشرة، لا تستطيع أن تأتي بتعريف لعلم البلاغة، بل حتى في الحقيقة حتى نكون محرر أكثر إكمال المبادئ العشرة إكمال المبادئ العشرة لا نستطيع أن نكمل المبادئ العشرة لعلم البلاغة وحده. هناك مبادئ عشرة لعلم المعاني، هناك مبادئ عشرة لعلم البيان، هناك مبادئ عشرة لعلم البديع.
لكن نحن في الحقيقة سنحاول أن نختصر، لن نتكلم عن مبادئ عشرة للمعاني والبيان والبديع، بل الأمور المشتركة سنكتفي بذكرها. متى كان هناك اختلاف في إحدى هذه المبادئ العشرة أصلا؟ مثلا سنكتشف أنه في مبدأ الواضع لهذا العلم هناك اختلاف، فواضح أن البديع ليس هو واضح أن المعاني والبيان. أها، إذا هنا سأذكر الفرق، متى كانت المبادئ مشتركة بين هذه العلوم الثلاث سنقتصر على اشتراكها.
جميل، إذا هل البلاغة لو سئلت هل تستطيع أن تأتي بتعريف جامع لعلم البلاغة؟ الأكثر على أننا لا نأتي بتعريف واحد لعلم البلاغة لكلمة باعتبارها علماً فناً من الفنون. وإنما نذكر علم البلاغة يعني لو اعتبرنا أن التقسيم نوع من أنواع التعاريف كما درسنا في المنطق مقبول، يعني أنا لا أرى إشكال في ذلك أن يكون الشيخ علم البلاغة تعريفه هو علم المعاني والبيان والبديع، هذا من خلال التقسيم هذا أجوزه.
لكن أنا أقصد التعريف على طريقة الحد المنطقي الأرسطي، تأتي بتعريف له جنس سوي فصل أول وفصل ثاني، أو أن تذكر نصا واحدا يشمل هذه العلوم سيكون فيه تكلف واضح. فأنا أرى أن تقتصر عندما تقول علم بلاغة ما هو؟ أن تذكر أنواعه، أن هو علم المعاني والبيان والبديع. ثم بعد ذلك تبدأ تفصل في تعريف كل علم من هذه المعاني الثلاثة.
فإذاً علم البلاغة هو علم المعاني والبيان والبديع. الآن نبدأ بتعريف كل علم من هذه العلوم، فنقول أولا ما هو علم المعاني؟ إذا الآن أنا لن أعرف علم البلاغة، سأبدأ أعرف العلوم التي تندرج تحت علم البلاغة. أولا تعريف علم ما تعريف علم المعاني؟ علم المعاني يقولون في تعريفه: علم يعرف اكتبوا عندكم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال. علم يعرف به أحوال اللفظ العربي الذي يطابق بها مقتضى الحال. يا شيخ هذا قريب من تعريف قرأناه قبل قليل، تعريف ايش؟
تعريف ايش؟ بلاغة الكلام صح؟ أقول لك صدقت، علم المعاني هو رأس علم البلاغة وهو العلم الأهم والأبرز في علم البلاغة، لذلك تعريف المعاني يقترب جدا جدا من تعريف بلاغة الكلام الذي ذكرناه قبل قليل، لكنه يعرف على صورة العلوم. فنقول علم المعاني هو علم، ما معنى علم قلنا كلمة علم إذا صدر بها أي تعريف بماذا نفسرها؟ أما بمعنى الإدراك أو الملكة أو القواعد والمسائل. برأيكم ما هي يعني أصلح شيء تفسر به كلمة علم؟
البعض يقول هي علمنا بمعنى ملكة، يعني ملكة يعرف بها أحوال اللفظ التي بها يطابق مقتضى الحال. مقبول، ما في مشكلة، مقبولة وبقوة مقبولة، لأنه كما قلنا في النهاية البلاغة هي ملكات، ومن قال علم بمعنى قواعد ومسائل أيضا لا إشكال، يعني المعنى لا يفسد. فكلمة علم هنا هي تدور أما أن تفسر بأنها قواعد ومسائل أو تفسرها بأنها ملكة لا إشكال عندي. أقول الآن اعتبرها القواعد حتى يسهل عليك مع العلوم التي عرفتها لك سابقا.
فنقول علم القواعد ومسائل علم المعاني هي عبارة عن قواعد ومسائل يعرف بها أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق التي بها أي بهذه الأحوال يطابق هذا اللفظ العربي مقتضى الحال حتى تفهم والضمائر. والله يا شيخ احنا درسنا علوم عربية كثيرة، درسنا النحو وقلتم إن تعريف النحو ايش؟ علم يعرف به أحوال أواخر الكلمات العربية من حيث الإعراب والبناء. خلاص، إذا ما عرفنا علم النحو هو يدرس الكلمة العربية لكن آخرها ومن زاوية معينة الإعراب والبناء.
ممتاز، درستمونا بعد ذلك علم الصرف، قلتم علم الصرف علم يعرف به أحوال اللفظة العربية كلها، علم يعرف به أحوال اللفظ العربي. لكن من أي جهة؟ من حيث الصحة والإعلال والإبدال وما شابه ذلك. فهو علم تدرس به باختصار البنية العربية، البنية نفسها تدرس فيها البنية أو الأحوال التي تعرض لبنية الكلمة العربية إذا كنت دقيق في تعريفي، علم يعرف به التي تطرأ على بنية الكلمة العربية، هذا هو التعريف الدقيق.
علم يعرف به الأحوال التي تعرض لبنية الكلمة العربية من حيث كما قلنا إذا الصحة وما فيها إعلال إعلال قلب إعلال حادث تذكره إعلال نقل والله فيها مثلا إبدال عرفت عدد كل هذه وفيها زيادة فيها نقصان، كل هذه الأمور هي التي يدرسها علم الصرف.
أه علم البلاغة هو يدرس أيضا كل العلوم تعرف بالأحوال، الأمور الطارئة نفس الشيء، علم المعاني عفوا علم المعاني علم يعرف به الأحوال، لاحظوا النسق الواحد في التعريف: علم يعرف به أحوال. أحوال تعرض لأيش؟ لللفظ العربي. أه إذا هون والله شيخنا هيك إنه في اشتراك مع علم البلاغة مع علم الصرف، إنه علم الصرف بضربوا دروس الأحوال التي تعرض اللفظ العربي. لكن بدنا نكون دقيقين اللي هي الحيثية، إنه علم البلاغة أو عفوا المعاني بالتحديد هو علم يعرف به أحوال اللفظ العربي. أي أحوال بتكلم عنها؟ نتكلم عن أحوال معينة، الأحوال التي يطابق بها مقتضى الحال، الأحوال التي يطابق بها اللفظ العربي مقتضى الحال، هذه هي الأحوال التي نتكلم عنها لللفظ العربي. ما بتكلم عن الصحة والإعلال والإبدال والزيادة والنقصان هذه أحوال لعلم الصرف، ما بتكلم عن الإعراب والبناء، هذه لعلم النحو. علم البلاغة هو يدرس.
أحوال تعرض بالألفاظ العربية، لكن ما هي هاي الأحوال التي يدرسها؟ أو يدرس أحوال اللفظ العربي، هذه الأحوال التي بها يطابق اللفظ العربي مقتضى الحال. طيب، وضحي لنا أكثر يا شيخ. وشيخ، إيش الآن علم المعاني؟ قلت لكم قبل قليل.
الحال ما هو؟ ما هو الحال؟ هو الأمر الذي يقتضي الحديث أو الكلام على هيئة مخصوصة. عندنا حال حزن، عندنا حال فرح، عندنا حال فخر، عندنا حال ذم، عندنا خطاب مع جاهل، عندنا خطاب مع متردد، عندنا خطاب مع منكر. الأحوال كثيرة، وكل حال الأمر...
كل حال تقتضي أن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة. فالفرخ يقتضي أن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة، والحزن أن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة. فانتبهوا على هذه الألفاظ، بها ستفهمون شعر الجاهليين.
حتى تفهم لماذا امرؤ القيس هنا آه تحبب وتودد؟ ولماذا هناك شددت الكلام وافتخر؟ لماذا هنا لهجته خفيفة؟ لماذا هنا في الشعر لهجته شديدة؟ الحال التي يتكلم عنها. لماذا النابغة الذبياني هكذا؟ لماذا جاءت معلقة عمرو بن كلثوم هكذا؟ لماذا...
تكلم في قصيدته وفي قصيدة واحدة ينتقل إلى أكثر من أسلوب، عندما كان يتكلم عن فخره بقبيلته افتخر، وعندما أراد أن يستلطف عمرو بالهند استعطف. الانتقال في أنماط الكلام في أشعار الجاهليين هو بناءً على ما يقتضيه الحال؛ هل هو يستعطف؟ هل هو يسترحل؟ هل هو يفتخر؟ هل هو في حرب؟ هل هو في حزن؟ هذه الأحوال هي تقتضي أن يخرج الكلام على هيئة مخصوصة.
الجاهليون حينما كانوا يتحدثون كانوا يراعون الحالة. إحنا اليوم أيها الأحبة الله يرحم حالنا، لا مراعاة للحال ولا مقتضى حال. الآن في خطب الجمعة يندب ندب، ما حدا عارف إيش بيتكلم، الخطيب يتكلم بأي كلام؛ لأن الخطيب عندنا اليوم لا يعرف الحال، ولا كيف تخرج كلاماً موافقاً لمقتضى الحال. يعني لا يعرف أولاً الحال هو ماذا يريد؟ ما هو حاله؟ أبتدئ أن تفتخر ولا تذم؟ وأنت الآن حزين أم سعيد؟ لا نعرف حالنا.
إذا عرف الحال الذي يتكلم بها، لا يعرف كيف يأتي بكلام مطابق لمقتضى هذه الحال، لا يدرك ذلك. وهذه مشكلة كبيرة. القرآن الكريم من أبرز معالم الإعجاز في بيان البلاغة هو هو، نستطيع أن نقول سر الإعجاز الذي نسعى ونبحث عنه هو أنه يأتي دائماً...
الحال من يخاطب الآن القرآن؟ خطابه لليهود، خطابه لكفار قريش، خطابه للمسلمين، خطاب تهديدي الآن، لا خطاب ترغيبي، وهذه هي الأحوال، وفي كل حال القرآن يأتي بأفضل كلام مطابق هذه الحالة.
هذا الإعجاز، يعني الجاهليون مهما بلغوا ما استطاعوا أن يفهموا كيف هذا الانسجام العجيب في تطابق الكلام لمقتضى الحال في القرآن، وكيف يخلص من كلام إلى كلام آخر، ومن حال إلى حال آخر، من دون أن تشعر بشيء من التنافر.
هذا عجيب! حتى، طبعا، هذا الكلام نحن نتكلم به الآن، أنت لا تدرك ما معنى عجيب، لأنه أنت لا تفهم آه آه أشعار الجاهلية، ولم تتذوقها، لم تعش معها، فلم تعرف أساليب الجاهليين في خطابهم، ثم تقارنها بأسلوب القرآن لترترى ذاك البون الشاسع بين بلاغة القرآن...
باختصار، علم المعاني في القرآن وعلم المعاني عند الجاهليين كيف إذن؟ علم المعاني ما هو؟ مطابقة الكلام لمقتضى الحال. لا تدرك أنت الآن كيف الجاهليون يأتون بكلام مطابق لمقتضى الحال...
ويعتبر كلاماً فخراً وعظيماً، وكيف حينما جاء القرآن وأتى بكلام لمقتضى الحال فاق الجاهليين بمراتب ووصل إلى حد الإعجاز. أنت متخيل هذه الكلمة؟ ترى مش سهلة، وصل إلى حد الإعجاز في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، طريقة لا يستطيع العرب وأساطين العرب أن يأتوا بمثلها.
المهم، إذا عرفنا ما هو الحال؟ الأمر الذي يقتضي الكلام على هيئة مخصوصة، فنحن أيها الأحبة، كما قلنا، في علم المعاني، هو علم يعني قواعد ومسائل نعرف بها أحوال اللفظ العربي آه. إذاً، اللفظ العربي...
له أحوال، هذه الأحوال يجب مراعاتها، يجب إيش؟ مراعاتها، حتى يطابق هذا اللفظ العربي مقتضى الحال. إيش هي هذه الأحوال؟ هذه الأحوال أيها الأحبة، يعني ليست محصورة كلياتها، هي كثيرة، لكن من أشهرها مثلاً...
متى أعرف ومتى أنكر؟ التعريف والتنكير، التقديم والتأخير، آه التأكيد وعدم التأكيد، آه طيب إيش مثلاً عندنا؟ مثلاً مثلاً عطف وعدم العطف والاستئناف، إنما أنت أعطف ومتى أستأنف من دون حاجة إلى عطف، الإيجاز والإطناب.
هذي كلها أحوال، هذي كلها أحوال تعد للفظ العربي، بهذه الأحوال يكون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال، يكون الكلام مطابقاً لمقتضى الحال. فهناك حال يقتضي مني -لاحظوا الآن كيف سننطق- أن النحو الذي درسناه بعلم البلاغة...
إحنا ما نستفيد قطر الندى حالات وجوب تقديم الخبر، حالات وجوب تقديم المبتدأ، حالات وجوب تقديم آه المفعول به، الفاعل مقدم دائماً، المؤخر دائماً عند المصريين. كنا ندرس هذه الأمور دراسة نظرية بحتة، الآن بدنا نطور الفكرة.
حينما نقول تقديم الخبر أو تقديم المبتدأ وجوباً، هذا يكون فيه مطابقة لمقتضى الحال الذي يتكلم فيه. هناك حال تقتضي مني أن يكون كلامي بتقديم الخبر على المبتدأ، هناك حال تقتضي مني أن يكون كلامي لتقديم المفعول به على الفعل؛ فإياك نعبد وإياك نستعين. إياك...
نعبد إياك والظن به مقدم. طيب، ليش تقدم المفعول به؟ إحنا في علم النحو قلنا خلاص، نقول هنا مفعول به مقدم ونعبد فعله فاعل، وانتهى الأمر. الآن نتطور الآن في دراستنا لهذه...
لماذا قال إياك نعبد ولم يقل على الوضع الأصلي نعبدك؟ الآن الحالة الطبيعية نعبدك جاء في المفعول به قدمه بل إياك نعبد، لماذا فعل هذا؟ آه لأن الحال حال أبداء اهتمام وحصر وتخصيص. يعني لما قال إياك نعبد إياك...
إياك نعبد ولا نعبد سواك، لو كان نعبدك هكذا سهلاً لا تدل على أننا لا نعبد سواه، لكن لما قلت إياك نعبد، أتيت أولاً بالمفعول به إياك نعبد، آه لأنك أنت تريد الحصر والتخصيص، فنحن نعبدك ولا نعبد سواك. لما كان...
حال حال إظهار التوحيد وليس مجرد العبودية، أنت تظهر التوحيد لله في العبادة، اقتضى هذا الحال إظهار الحال هو حال إظهار التوحيد لله في العبودية، التوحيد. هذه الحالة إظهار التوحيد لله...
تقديم المفعول به فقلنا إياك نعبد. جميل، فإذاً آه أولاً نعرف الحال ثم بعد ذلك ينبغي أن أعرف أحوال اللفظ العربي الذي ليكونوا بها هذا اللفظ العربي مطابق لهذه الحالة. فعندي الآن حال حزن، ممتاز، فآتي أنظر ما هي أحوال اللفظ العربي التي...
تطابق مقتضى هذا الحال، عندي حال فرح، أبدأ أنظر ما هي أحوال اللفظ العربي التي تطابق مقتضى الحال، والأحوال كثيرة، أحوال نقل عوني كما قلت لكم سندس إن شاء الله.
التعريف والتنكير، والله أنا في مقام حزن هنا، طب هل لست معرف ولا أنكر؟ طب أقدم ولا أؤخر؟ طب مثلاً بخاطب جاهل ولا بخاطب متردد؟ إذا بدي أخاطب جاهل الحال الذي يجب أن أراعيه عدم التأكيد، أخاطب منكر لا الحال أحوال اللفظ العربي التي يطابق...
فالآن هي التأكيد. فإذاً، علم المعاني هو الذي يعلمنا كل هذه المهارات، يعلمنا ما هي أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال، الأحوال للألفاظ العربية التي يطابق بها أي من خلالها اللفظ العربي مقتضى الحال. فندرس في علم المعاني...
تستخدم العرب التعريف ومتى تستخدم العرب التنكير؟ ما هوش في علم المعاني متى تقدم العرب ومتى تؤخر؟ ندرس في علم المعاني متى العرب ومتى لا تؤكد. ندرس متى تعطف ومتى تستأنف؟ ندرس متى تنعت ومتى تأتي بالبدل؟ متى يكون النعت؟ متى يكون عطف البيان؟
ترى هذه اللغة درسناها في النحو دراسة نظرية، أنت الآن تدرسها دراسة مقاصدية إن صح التسمية، أنه ما المقصد من البدل؟ ما المقصد من عطف البيان؟ هل أنا هنا بالقواعد التي درسناها في النحو أن كل عطف بيان يجوز أن يعرب بدلاً صحيح؟ لكن هذه القاعدة مطلقة، لكن من الناحية البلاغية الفوقية...
أنا ليس على خاطري أقول وضعت البيان أو بدل، الحال هو الذي سيجعلني اختار الإعراب الصحيح أو التوظيف الصحيح. فإذاً في علم المعاني ماذا سندرس؟ سندرس هذه الأحوال التي تطرأ على اللفظ العربي، والتي من خلالها يطابق اللفظ العربي مقتضى الحال.
فانت إذا عرفت هذه الأحوال متى تستخدمها العرب؟ التعريف، التذكير، التقديم، التأخير. ماذا تستخدمها العرب؟ والله هذه تستخدمها إذا كان الحال كذا، وهذه تستخدمها إذا كان حال كذا وحال كذا. خلاص، عرفت كل هذه الأمور، تصبح تطبق على الواقع.
فتكون مثلاً في حال افتخار بعشيرتك، آه، تقول: ودرسنا في علم البلاغة أن في حال الافتخار يستخدم التعريف أو كذا. آه وكنت في حال عزاء، أو حال حزن، أو حال ترغب أو ترهب، تقول: على درسنا في علم البلاغة إنه الترهيب يستخدم دواء هذا النمط، ترهيب هذا النمط. آه حال استعطاف، استرحام، درسنا في في حال الاسترحام ينبغي أن نستخدم هذه الحالة، فتعرف كل هذه الأمور.
فإذاً علم المعاني علم يعرف به أحوال اللفظ العربي التي بها، يعني من خلال هذه الأحوال يطابق اللفظ العربي مقتضى الحال. واضح إيش هو علم المعاني؟ في إشكالية في تصوره؟ طيب.
آه ننتقل الآن إلى تصور علم البيان، انتهينا من علم المعاني، ننتقل علم البيان. علم البيان أيها الأحبة، هذا يأتي في المرحلة الثانية من علوم البلاغة بعد علم المعاني. فأنت أولاً عليك أن تأتي بالألفاظ العربية مطابقة مقتضى الحال، بعد أن تأتي باللفظة العربية مطابقة لمقتضى الحال، تنتقل إلى دراسة علم البيان فنقول: علم البيان علم يعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح.
علم البيان علم يعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح. الآن مشايخ، ممكن أن تأتي أنت بكلام مطابق لمقتضى الحال، هذا الكلام الآن على الحال مثلاً نقول هكذا نطبق تطبيق. حال وجود مثلاً شاب جريء التي عندنا، وجود شاب جريء مقدام هذا الحد، فهذا الحال اقتضى مني أن أتي بكلام فيه مدح وثناء على هذا الشخص، فأقول مثلاً: جاء محمد الشجاع.
الآن هذا النعت لماذا أتيت به؟ لأن النعت أنت تأتي به اعتباطاً؟ كلياتنا نعرف مين محمد، ليش تقول جاء محمد الشجاع؟ أكيد ما حكيت شجاع إلا هناك مقصد، أنه أنت الآن في حال افتخار أو حال مدح وثناء على هذا الشخص لجرأته، لإقدامه، وكل من يعرف هذا الشخص، فانت قلت: جاء محمد الشجاع. درسنا في قطر الندى أن النعت قد يكون للتخصيص، وقد يكون للإيضاح، وقد يكون للذم، قد يكون للمدح، متى؟ هذا الحال هو الذي يحدد كل شيء.
فكما قلنا عندي شاب جريء مقدام، ونحن كلنا نعرف هذا الشاب، فعندما أقبل: جاء محمد الشجاع. ممتاز، أنا الآن أتيت بكلام مطابق لمقتضى الحال، الحال مدح وثناء. كيف المدح والثناء؟ لكن لاحظوا هذا المعنى الواحد، وهو إرادة مدح محمد والثناء عليه، يمكن أن أتي به مطابقاً لمقتضى الحال لكن بصور مختلفة في البيان والوضوح. كيف ذاك؟
إذا عندي معنى واحد، معنى واحد وهو مثلاً مدح محمد بالشجاعة، يمكن أن أعبر عن هذا المعنى بصورة ساذجة بسيطة، هي فصيحة، فيها علم معاني، فيها مطابقة لمقتضى الحال، لكنها بسيطة، فأقول مثلاً: جاء محمد الشجاع. طب هذا المعنى نفسه بدي أعبر عنه بطريقة أخرى، أقول مثلاً: جاء محمد الذي هو كالإأسد. آه، هنا أنا نفس المعنى لكني عبرت عنه بطريقة أخرى، وظفت التشبيه، وظفت التشبيه في مدحه.
في الحالة الأولى وظفت النعت ببساطة: جاء محمد الشجاع، وانتهى الأمر. في الحالة الثانية لا، ما صرحت شجاع مباشر، قلت: جاء محمد الذي هو كالأسد. طب ممكن أعبر بطريقة أخرى: جاء الأسد. شف نفس المعنى، شف معنى واحد، أنا بدي أصل هاي الفكرة لكم، معنى واحد، بدي أصلكم إنه هذا إنسان جريء وشجاع، ممكن أتي بكلام مطابق لمقتضى الحال لكنه سائر وبسيط: جاء محمد الشجاع. وممكن أعبر عنه بطريقة أضخم درج: جاء محمد الذي هو كالأسد في المعركة. وممكن أفخم وأفخم أني أحذف أصله اسمه محمد، خلاص: جاء الأسد.
فلاحظوا كيف علم البيان ماذا نتعلم منه؟ كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح. وهنا أيها الأحبة تبرز قوة العرب في بيانها، عندما تدرسون أشعار الجاهليين تبدأون تحللون فيها، تجدون قدرات هائلة عند الجاهليين، بس لا أتكلم عن القرآن، عن الجاهلية، قدرات هائلة في التعبير عن المعاني الدائرة في أنفسهم وعقولهم.
يعني نأتي إلى امرئ القيس وهو رأس شعراء الجاهليين، هو يصف ليلاً كئيباً حزيناً ضيقاً، هسا لو أنا قلت لك صف الليل، هذا الليل الكئيب الحزين الضيق، يلا كم متر بليل كئيب محزن مبك؟ هو معنى واحد صح؟ هو لاعب معنى واحد، الليل الكئيب المحزن. لو قلت لك عبر عنه بأقصى طاقتك في التعبير، ارسم لي صورة كئيبة لهذا الليل، لن تعدو أحرف يسيرة.
لكن تعالوا إلى امرئ القيس فانظر ماذا يقول في وصف ذاك الليل الكئيب المحزن، وهو يقول: وليل كموج البحر. احنا استخدمنا التشبيه: وليلاً كموج البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي. فقلت له بعدين شبهه الآن بناقة، انتقل من تشبيه بأمواج بحر تنزل عليه واحدة تلو الأخرى، أمواج البحر المتلاطمة، لينتقل الآن لوصفه بأنه كالناقة التي تبرك: فقلت له لما تمطى بصُلبِهِ وأردف أعجازاً وناء بكلكلِ.
يعني هيئة الناقة، لن أتحليل البيت، هيئة الناقة وهي تجلس رويداً كيف تأتي إلى الأمام ثم تهبط وتعود إلى الخلف. هذا الليل يهبط على امرئ القيس، على صدره، على جسده، كناقة تجثم على الأرض. تخيل المنظر الصعب والصورة الكئيبة لهذا الليل، فقلت له لما تمطى وأردف أعجازاً وناء بكلكلِ. ألا أيها الليل الطويل ألا انجلِ بصبح وما الإصبحُ منك بأمثلِ.
فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتن شدت بيذبلِ. يشبه هذا الليل، يشبه الوجوه، مش راضية تتحرك، مش راضية يجي الصبح. كأن هذه النجوم هناك من ربطها بحبل وثبتها بالجبال، يعني هذه النجوم لا تتحرك، هذا الليل لا يريد أن ينقضي، فهذه النجوم ربطت بحبال بهذه الجبال، بجبال يذبل. فيالك من ليل كأن نجومه وليس بأي حد بكل مغار الفتل شدت بيذبل، يعني الحبال المفتولة جيداً بكل مغار الفتل شدت بيده. كأن الثريا في السماء تعرضت تعرض أثثناء الوشاح المفصل. فهو الآن آه أيوه كأن الثريا في مصانعها علقت. لا، مش هيك.
بأفراس الكتائي لصومي جدلي الصحيح. لا، هذاك البيت يصفه آه كأن تراب يتعرض على أثثناء مشاهد مفصلة، هذا بيت آخر يسموا به دخوله إلى معشوقته. المهم دعونا على هذا البيت، كأن آه آه إيش قلنا في وصف الليل، البيت الذي ذكرته لكم في وصف الليل: فيالك من ليل كأن نجومه بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ. يعني يصف كآبة، يعني هذا المعنى هو كآبة الليل وطول هذا الليل وحزنه يصفه لك بصور مختلفة تضفي على الكآبة والحزن، يعني بدك تبكي على امرئ القيس مش هذا الليل.
هذا الليل موج البحر، هذا الليل كالناقة التي تجثم على صدره، هذا الليل كأن نجومه ثابتة لا تتحرك لا يريد أن ينقضي، شدت بحبال محكمة الفتن بجبل يذبل. فلاحظوا كيف استطاع أن يؤدي المعنى، يدخله إلى نفسك بصورة عالية جداً، رائقة جداً. بينما تأتي لشخص آخر يمكن يصف الليل بصورة رديئة: والله هذا ليل طويل كئيب، وينتهي المشهد.
أيهما المعنيان كان أوضح وأوضاع وأبها وأجمل في نفس الإنسان؟ بالتأكيد ذاك المعنى. هذه ميزة الجاهليين بشكل عام وميزة اللسان العربي، وعندما تدخل في القرآن الكريم ستجد العجب العجاب من ذلك، العجب العجاب في قدرة القرآن على رسم المشهد. يعني في سورة البقرة أيها الأحبة، ما عندي مشكلة أن نطيل في بعض الأمور حتى نفتح الآفاق لأهمية هذا العلم.
في سورة البقرة في الصفحة الثانية في مطلعها: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين. الآن أنت ما تذهب إلى التفاسير المختصرة، تعطي هنا أشار بهذا إلى هذا، تجد مشهد يعني في التفسير ما بتركز لك على المشهد تماماً، كثير من كتب التفسير تكتفي بفك الألفاظ والرموز، لكن الإنسان في حالة تدبر يأخذ المشهد كامل.
أولاً، الآية أعطت مثلَكَ مثلَ الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، يصور لك حال هؤلاء -اه- المنافقين. هذا الجو من الاضطراب والخوف والقلق، هناك مطر في السماء كصيب من السماء، ظلمات، رعد، وبرق.
تخيل الأصوات التي تعطيها الآية، ظلمات ليل كئيب ورعد وبرق وهم خائفون يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين. هو يرسم لك الحالة التي أحياها المنافق في هذه الحياة الدنيا، لا تأخذ النص وحده، خذ الصورة كلياً وعش في داخلها، وهذا تمثيل من الله سبحانه وتعالى في كتابه.
فلاحظوا إذاً -اه- المعنى الواحد يمكن أن يصل إلى ذهن السامع بطريقة ساذجة بسيطة ويكون مطابقاً لمقتضى الحال، لكنه لم تراعَ فيه أساليب البيان، ويمكن أن تستخدم أساليب بيانية عالية في إيصاله وترسيخه في ذهن السامع، وهنا يأتي الإبداع.
فإذاً، علم البيان هو علم يعلمك يا طالب العلم كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح، وأهمها يعني أركان علم البيان كما سيأتي معنا إن شاء الله هو دراسة أسلوب التشبيه وأسلوب الاستعارة وأسلوب الكناية.
العلم الثالث والأخير هو علم البديع، علم البديع أصلاً البعض لا يعده من علوم البلاغة، وإنما يعده تبعاً لعلمي المعاني والبيان، يعني لا يقول هو علم مستقل قائم بنفسه، هو تبعي لعلم المعاني والبيان، والبعض يقول هو علم قائم بنفسه، لا إشكال بما أن الأمر اصطلاحي لا إشكال في تصنيف علم البديع.
لكن لماذا هذه النظرة يعني كما نقول المتدنية بعلم البديع؟ لماذا تهملونه؟ أو لماذا -الله- تهمله؟ يقولون علم البديع هو كالملح على الطعام، وايش؟ هو ملح الطعام بعد أن تأتي بكلام مطابق لمقتضى الحال في علم المعاني، ثم تبدع في استخدام الأسلوب الأجمل والابهى في إيصال هذا المعنى للسامع.
هل ستستخدم تشبيه، استعارة، كناية؟ بعد ذلك تأتي بشيء من المكسرات ومن ملح الطعام لتزين هذا الكلام، فلذلك يعرفون علم البديع بأنه عبارة عن المحسنات اللفظية أو المعنوية للكلام العربي.
فبعد أن تأتي كما قلنا مطابقاً لمقتضى الحال وتختار الأسلوب الأبرز والاجمل والابهى في الإيصال من خلال علم البيان، بعد ذلك تأتي بوضع شيء من المحسنات حتى يعني يصبح هذا الكلام له رونق، له بهاء، له جمالية أكثر وأكثر في نفس السامع.
فمثلاً يعني نأخذ مثالاً، طبعاً هناك محسنات لفظية كما لاحظتم من تعريف علم البديع هي المحسنات اللفظية والمعنوية، فإذاً هناك لفظية تتعلق بش شكلية اللغة، وهناك محسنات معنوية، ايش هذه المحسنات؟ أنواع هذه المدرسة الموقنة إن شاء الله، لكن أعطيك مثالاً على مثلاً محسن لفظي.
انظر الله سبحانه وتعالى في سورة القيامة حينما يقول: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ. لاحظوا هذا التناغم بين كلمة والتفت الساق بالساق إلى ربك يومئذ المساق، إيقاع هذه الكلمات في أذنك في تناغم صح؟ أضاف نوعاً من البهاء ليس مقصوداً لذاته، هو جاء تبعاً ومحسناً، لكنه يضفي رونقاً وجمالاً على هذه الكلمة عفواً على هذه الجملة أو على هذا الكلام وعلى هذه الآيات.
وجود هذا الجناس: وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ، أعطاك نوعاً من الرونق ومن البهاء، ليس مقصوداً أصالة ولكنه يأتي تبعاً كالملح على الطعام، وتشبيهه بالملح على الطعام يقتضي أن هذه المحسنات إذا زادت عن المقدار الطبيعي لها تفسد، صح؟ مثل الملح إذا زاد عن الطعام أفسد، وإذا قل وخلا منها الكلام تماماً أيضاً ذهب رونق الكلام كما يذهب رونق الطعام إذا خلا من الملح، فإذاً الملح ينبغي أن يوضع بمقدار معين.
والفرق -ها- والفهم هو كيف تضع هذا المقدار المعين؟ كم هو الحجم؟ المقدار الذي ينبغي أن تضعه ليكون هذا الكلام تاما، القرآن وصل إلى حد الاعجاز أيضاً في هذا، يستخدم المقدار بدقة، فقط هذا المقدار الذي ينبغي استخدامه الآن من البديع، لا أكثر ولا أقل، وهذا أيضاً فن عظيم من فنون البلاغة.
إذاً علم البلاغة: المعاني والبيان والبديع، عرفنا أن المعاني هو علم يُعرف به أحوال اللفظ العربي، نعرف يا ما هي حالة تعريف، تنكير، تقديم وتأخير، هذه الأحوال التي بها يطابق اللفظ العربي مقتضى الحال.
ثم انتقلنا إلى علم البيان الخطوة الثانية: كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح، ثم بعد ذلك ختمنا علم البديع فقلنا هو المحسنات اللفظية المعنوية للكلام العربي، وهو كما يقولون مثل الملح على الطعام.
تمام، الآن نذهب أيها الأحبة لدراسة هكذا نكون انهينا الحديث عن المبدأ الأول من المبادئ العشرة، وهو حد هذا العلم، فقلنا إن مبادئ كل فن عشرة الحد، بدأنا بكلمة البلاغة وقلنا سنعرفها، هذا فيه كله في الحد، البلاغة استخدمنا نظرنا إليها من جهتين.
الجهة الأولى: هذا المصطلح من حيث الدلالة اللغوية، فعرفنا أن البلاغة من بلغ، وعرفنا أنه يشتق منها بليغ، ويوصف به الكلام والكلام والمتكلم، وعرفنا ما معنى بلاغة كلام؟ ما معنى بليغ المتكلم؟ ثم انتقلنا إلى البلاغة باعتبارها لقباً على فن من الفنون.
فقلنا لا يوجد هناك تعريف جامع مانع بالحد الأقصى، لكن إذا أردنا أن نعرف البلاغة نعرفها بأقسامها فنقول علم البلاغة هي المعاني والبيان والبديع، وأما التعريف على طريقة الحد يكون في هذه الأقسام، فعرفنا علم المعاني ما تعريفه؟ علم البيان ما تعريفه؟ علم البديع ما تعريفه؟ الآن سنذهب إلى بيان موضوع كل من هذه العلوم، موضوع المعاني، موضوع البيان، موضوع البديع.
طبعاً دائماً الموضوع يؤخذ من التعريف، يعني لن نذهب مكاناً بعيداً وأموراً جديدة، لا، موضوع العلم نستنبطه ونستخلصه من تعريف هذا العلم، لكن موضوع العلم ليس هو العلم، هذه قالوا نوسخها بذهن الطالب.
موضوع علم الطب ايش هو؟ بدن الإنسان، لكن علم الطب كعلم هي المسائل والقواعد تدرس حول هذا البدن من حيث ما يعرض له من الصحة، من الأمراض، من الأدوية، من العلاجات، فالعلم شيء والموضوع شيء، موضوع المحور الذي يدور حوله العلم، احفظوه دائماً، موضوع العلم المحور الذي يدور حوله العلم.
أصول الفقه ما موضوعها؟ الأدلة الإجمالية، طيب ما هو عين أصول الفقه؟ هي القواعد والمسائل التي تدور حول هذه الأدلة الإجمالية من حيث إثبات حجيتها، من حيث قواعد التعامل معها، من حيث حال مستفيد منها، إلى آخره، صح؟ فدائماً موضوع العلم ليس هو العلم، موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم.
موضوع العلم هو المحور الذي يدور حوله العلم، فما موضوع علم المعاني والبيان والبديع؟ نذهب الآن أيها الأحبة إذاً كما قلنا لدراسة المبدأ الثاني من المبادئ العشرة لعلم البلاغة، وهو موضوع هذا العلم.
وكما ذكرنا كما أنه لا يمكن أن نعرف علم البلاغة بتعريف واحد بسبب اشتماله على ثلاثة علوم في الحقيقة، كذلك لا يمكن أن نُعطي للبلاغة موضوعاً واحداً لأنها تشتمل على ثلاثة علوم، فسنعطي كل علم من هذه المعاني أو كل علم من هذه العلوم الثلاثة موضوعاً خاصاً به، نبدأ بعلم المعاني.
نحن قبل قليل قلنا ايش تعريف علم المعاني؟ علم يُعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها مقتضى الحال، هذا تعريفه، طيب ما موضوعه؟ قلنا تعريف العلم ليس هو موضوعه، إذن طب ما موضوع إذن علم المعاني؟ من خلال التعريف ستدرك ذلك أنت بالطبع.
ما هو موضوع علم المعاني؟ نقول: موضوع علم المعاني الألفاظ العربية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال، لابد تكون الحيثية، إذا علم المعاني يدرس ماذا؟ الألفاظ العربية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال.
إذا لم تذكر هذه الحيثية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال أخطأت، لأن علم الصرف يدرس الألفاظ العربية لكن من حيثيات أخرى، علم النحو يدرس أواخر الألفاظ العربية من حيثيات معينة، علم المعاني يدرس الألفاظ العربية هذا موضوعه، هو الكل يدرس علوم اللغة العربية، فتقول علم معاني موضوعه الألفاظ العربية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال.
طيب هذا موضوع علم المعاني، نذهب إلى علم البيان، قلنا ايش تعريف علم البيان؟ علم يُعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في الوضوح والدلالة.
ممتاز، أو كما قلت لكم، بطرق مختلفة الدلالة في الوضوء. الآن من خلال هذا التعريف، نأخذ موضوع علم البيان. ما موضوع علم البيان؟ الألفاظ العربية من حيث إيرادها بطرق مختلفة لتأدية المعنى الواحد.
نعيد، موضوع علم البيان أيضاً الألفاظ العربية، لكن من أي من أي حيثية؟ قال: من حيث إيرادها بطرق مختلفة لتأدية المعنى الواحد. فأنا أدرس الألفاظ العربية، كيف أوديها وأتي بها بأشكال وصور مختلفة من أجل المعنى الواحد؟ هل آتي بها بالتشبيه؟ ولا أستخدم استعارة أو أستخدم كناية؟ طيب، إذا استخدمت استعارة، أي أنواع أستخدم؟ استعارة تصريحية أو استعارة مكنية؟ كل هذا تدرسه في علم البيان. فهو موضوع الألفاظ العربية من حيث، كما قلنا، إيراد هذه الألفاظ، أي الألفاظ، بطرق مختلفة لتأدية المعنى الواحد.
وأما علم البديع فما موضوعه؟ الألفاظ العربية من حيث إيش؟ تحسينها وتزيينها، من حيث تحسينها وتزيينها. فهذا موضوع علم البديع. إذا عرفنا، الحمد لله، اليوم المبدأ الأول من المبادئ العشرة لعلم البلاغة، وهو التعريف، وكانت رحلة طويلة: البلاغة مدلولها اللغوي وإيش أواصفها؟ ثم انتقلنا إلى البلاغة باعتبارها فناً، ثم إلى علومها الثلاث. حاولنا نأخذ فكرة مجملة، أنا متأكد الآن ما زالت هذه العلوم عندك الآن في طور الدخول، لم تدخل، لم تستقر بعد مفاهيمها بالتأكيد، وهذا أمر طبيعي.
ترى يا مشايخ، الإنسان يعني لا يظن أنه من أول مجلس في الدورة ينبغي أن يتصور أن يتصور العلم بحقيقته وبماهيته التامة. لا، أنت في أول مجلس تأخذ فكرة عن هذا العلم، تأخذ فكرة عن علم المعاني، وتأخذ فكرة عن علم البيان، وتأخذ فكرة عن علم البديع، تؤسس أرضية كما يقولون. ثم بعد ذلك، حينما تدرس المعاني بالتفصيل، ثم تدرس البيان بالتفصيل وكذلك البديع، تبدأ هذه الفكرة، هذه الأرضية التي بنيتها تنمو وتصعد، وتبدأ تتضح لك الأمور أكثر وأكثر وتتجلى، وتفهم فحوى علم البلاغة. ولكن نحن الآن نحاول أن نوصل لك إشارات عن هذه العلوم قبل أن نقتحمها وأن ندخل فيها.
فعرفنا إذا الحد والموضوع. الآن ثمرة هذا العلم أخذناها اليوم، أخذناها لما بدأنا المحاضرة، هي أهمية العلم، هي نفسها ثمرة العلم. حينما قلنا علم البلاغة مهم حتى نحيا مع القرآن، علم البلاغة مهم للرد على المشككين والطاعنين في أسلوب القرآن ومنهجه، علم البلاغة مهم لدراسة العلوم الشرعية، لأن منبع الشريعة الكتاب والسنة، وقد نزل بلسان عربي مبين، فهذه كلها من الثمار. وموضوع الثمار أظنه باب واسع، يعني تستطيع أنت أن تذكر ثمار كثيرة. أقول لك مثلاً من ثمار علم البلاغة أن أتذوق شعر الجاهليين والشعر العربي. يعني لا يشترط دائماً أن تربط ثمرة علوم الآلة بالشريعة، لماذا لا نقول؟ والله أيضاً من ثمرة علم البلاغة أن أستطيع أن أفهم كلام الشعراء الاقدمين من الجاهليين ومطلع العصور الإسلامية، هذا مقصد شريف أيضاً، أن تفهم لغتك، أن تفهم لغتك، فهذا أيضاً من ثمار هذا العلم.
متقن فهم كلام الجاهليين والاسلاميين نثراً وشعراً، واقف على حكمهم وأيامهم وتاريخهم، هذه أيضاً من ثمار هذا العلم. من ثمار العلم، كما قلنا، وهي قد تدخل في ضمن الثمرة الأولى وهي الحياة مع القرآن، ولكن أحب أن أنص عليها بشكل واضح، محاولة الوصول إلى فهم إعجاز القرآن. يعني هذه ثمرة مهمة بارزة ينبغي دائماً لطالب علم البلاغة أن يستحضرها، أن دراستي لعلم البلاغة بإذن الله أن أفهم شيئاً، أن أفهم إيش؟ شيئاً، لن تفهم الإعجاز كاملاً لأنه هذه رحلة صعبة طويلة شاقة خاضها من المبرزين والعلماء الفحول في العربية، وكثير منهم أخطأ وكثير منهم طبعاً، وكثير منهم حاول أن يقدموها، فلا تظن أنه ذلك الأمر بالسهولة، خلاص درست يعني مئات المعاني والبيان غداً إعجاز القرآن الحمد لله واضح. ليست بهذه الصورة السهلة. لكن كما قلت لك أن تصل إلى فهم شيء من إعجاز القرآن، فكل هذه ثمار إذاً لعلم البلاغة.
طيب، الآن إذا أنه مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة. انتهينا من المبادئ الثلاث: التعريف، الموضوع، الثمرة. ونسبة، نسبة علم البلاغة للعلوم الأخرى. الآن النسبة، يعني علاقة علم البلاغة بالعلوم الأخرى، فنقول أولاً: علاقة علم البلاغة بععلوم اللغة العربية. علوم اللغة العربية كثيرة، البعض وصل إلى عشرة، البعض وصل إلى اثني عشر علماً، لا يهمني التقسيم لك، علوم العربية كثيرة. فالنحو من علوم العربية، الصرف من علوم العربية، قوام العلوم العربية. المعاني البيان والبديع طرف التعداد يعدون كل علم مستقل، يقولون المعاني علم، البديع علم، البيان علم في حالة تعداد. علم الإملاء والقطع، متن اللغة علم، فقه اللغة، البعض يجعل ابن المعاني علم مستقل. فععلوم اللغة العربية كثيرة، والبلاغة هي علم من هذه العلوم، فنقول إذاً البلاغة ما نسبتها؟ نقول هي علم من علوم اللغة العربية.
علم من علوم اللغة العربية، فعلاقتها باللغة العربية أنها علم من علوم اللغة العربية، علاقة عموم وخصوص مطلق. وبالنسبة لعلوم الشريعة، البلاغة من علوم الوسائل لفهم الشريعة، فهذه أيضاً من النسب التي تذكر. فإذاً نسبتها إلى علوم العربية أنها قسم من أقسام اللغة العربية أو علم من علوم اللغة العربية، وبالنسبة إلى علوم الشريعة فهي ما نسبتها؟ هي علم من علوم الوسائل، وليست من علوم المقاصد، من علوم الوسائل لفهم علوم الشريعة. فهذه نسبة علم البلاغة، تذكر دائماً نسبتها لعلوم اللغة العربية ونسبتها إلى علوم الشريعة.
إذاً ونسبة وفضله، فضل علم البلاغة. قضية الفضل والثمرة، وهل هنا خلاف أصلاً بين ثمرة العلم وفضل العلم؟ أو الفضل مثلاً يتعلق بالجوانب الأخروية والإيمانية والثمرة تتعلق بالجوانب المحسوسة الظاهرة؟ تفريقات في الحقيقة اصطلاحية. إذا أردت أن تذكر الفضل، فلو ذكرت ما ذكرناه في ثمرة العلم مقبول. لو ذكرت فضل هذا العلم أن أحيا مع القرآن باختصار، مقبول. فهذا باب لا أحجر فيه واسعاً.
طيب، من هو واضع هذا العلم؟ إذاً ونسبة وفضله والواضع. من واضع هذا العلم؟ في الحقيقة أيها الأحبة، أنا الآن ساتكلم باختصار عن واضع هذا العلم حتى تحفظوه، وفي الدرس القادم سأحكي عند هذا المبدأ، نبدأ السادس، سأقف عند الواضع لأنني سأعطي لمحة تاريخية عن تطور علم البلاغة من الجاهليين إلى وقتنا الحاضر حتى يستوعبها الطالب، مراحل علم البلاغة وكيف هذا العلم وكيف تبلور إلى مصنفات وكتب ومن العوامل التي أدت إلى ظهوره. وهذه في الحقيقة وهنا مسائل مهمة في بداية دراسة طالب العلم أن يدرس المراحل التاريخية حتى يعرف، يعني دراسة تاريخ العلم ستضفي لهذا العلم لك رونقاً وتفهم لماذا تكلم فلان بهذا اللفظ، وهذا لماذا تكلم بهذا المنهج، وهذا لماذا تكلم بهذه الطريقة. أحياناً تاريخ العلم يفسر لك كثير من الظواهر البلاغية لا يعرفها من يدرس العلم فقط نظرياً كفوائد ومسائل ولا يدرك مراحل تطور هذا العلم.
المهم، ساتكلم كما قلت لكم باختصار: من واضع علم البلاغة؟ ما معنى الواضع؟ الواضع هو أول من صنف في علم البلاغة كعلم قواعد ومسائل، وليس المراد بواضع العلم من أنشأ العلم ابتداءً. العلم اللي البلاغة كقواعد وكمسائل هي موجودة في أذهان الجاهلية عند امرئ القيس ويفهم ماذا يقول، يفهم هذه الأسباب، هو أكيد امرؤ القيس ما عنده كقواعد المتأخرين في مصنفاتهم، لكنه يفهم هذه الأمور بسليقته. كذلك الشعراء الجاهليين، الشعراء الإسلاميين.
لكن اريدك أن تفهم يعني كيف مثلاً اصول الفقه، حينما نقول: من واضع علم أصول الفقه؟ نقول: محمد بن إدريس الشافعي رحمة الله عليه. واضع يعني من وضعه على شكل مصنف، على شكل قواعد، أخرجه في تصنيف ولا قواعد أصول الفقه موجودة منذ نشأة الإسلام في أذهان الصحابة وعقولهم وقرائحهم، أليس كذلك؟ العلم هو من أول من دونه على شكل قواعد ومسائل تدرس وتعلم، هذا معنى واضع العلم وأبرزه للوجود.
وأما هو من حيث وجوده الذهني في أذهان العرب وفي قرائحهم وأفهامهم هذا الوجود مسبقاً، فإذاً نقول: من هو واضع البلاغة؟ من أول من وضع علم البلاغة على شكل قواعد ومسائل وتصانيف تدرس؟
من وضع نظرية كاملة جمع شتات هذا العلم وأعطانا نظرية واسمها نظرية البلاغة؟ من هو الذي فعل ذلك؟ هذا فيه خلاف في الحقيقة، هو الأول من صنف يعني الواضع لعلم البلاغة هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، وهذا من اللغويين الأقدمين.
كتب في غريب الحديث وفي اللغة العربية، فيقولون: أول أو واضع علم البلاغة، أول من صنف في هذا العلم، هو أبو عبيدة معمر بن المثنى، توفاه الله سبحانه وتعالى في مئتين وتسع هجرية.
في أي كتاب؟ قالوا: في كتابه مجاز القرآن. الآن كلمة مجاز القرآن هذه فائدة على الهامش؛ كلمة المجاز عند أبي عبيدة لا تعني كلمة المجاز المعروفة لدينا الآن والتي استقرت بعد ذلك.
المجاز ما هو المعروف لدينا والمستقر؟ اللفظة المستعملة في غير ما وضعت له. لا، أبو عبيدة كان قبل هذا الاصطلاح، قبل أن ينشأ هذا الاصطلاح الحادث المتأخر، فيقصد بمجاز القرآن أساليب القول.
أساليب وطرق القول، كيف الأقوال، كيف جاءت في القرآن الكريم؟ ما هي الأساليب وما هي الطرق التي استخدمها القرآن؟ بغض النظر كانت أساليب حقيقة أو مجاز عن المعنى المتأخر. فمعنى كلمة مجاز القرآن عند أبي عبيدة في هذا الكتاب يعني الطرق، القرآن في البيان إذا أردت أن تعبر بأسلوب آخر، أساليب القرآن في البيان. فهذا مدلول كلمة مجاز عنده، لا يقصد بها المعنى المشهور مجاز القرآن، أساليب القرآن في البيان، طرق القرآن في البيان، طرق إيراد الأقوال في القرآن. كل هذا هو يفسر معنى كلمة مجاز عند أبي عبيدة.
لكن في الحقيقة كتاب أبي عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن لا يبقى إلى درجة أن يسمى علم بلاغة، لا يرضى إلا أن نقول والله أبو عبيدة وضع قواعد وقوالب لعلم البلاغة. أبو عبيدة يتكلم في جانب معين، مجاز القرآن، أساليب القرآن في إيراد الأقوال، لم يدون قواعد عامة تفصيلية منظمة مؤسسة آه نقول والله إن هذا ينذر آه بولادة علم، وأعطى ملاحظات بيانية، أبدى وجهات نظر بلاغية، لا ترقى إلى مستوى أن نقول إنه صنف علماً، أنه يعني كيف مثلاً نقول مالك بن أنس له بعض القواعد الأصولية في الموطأ، ملاحظات أصولية، هل تجعل مالك بن أنس واضع علم أصول الفقه؟ لا، لا ترقى؛ لأنه لم يضع هذا العلم في ضمن قواعد وكتاب كامل من مطلعه إلى ختامه، الذي فعل هذا الشافعي. الأئمة الأقدمون أو الأئمة الأقدمون كانت لهم آه مشاركات في علم أصول الفقه، من جمعها وهذبها ووضعها على شكل قواعد ومشى عليها الشافعي هو أول من عني بذلك.
فلذلك نقول: أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن لم يتق تصنيفه إلى أن يسمى ايش؟ علماً، نقول والله هو أنشأ وأظهر علماً جديداً من علوم العربية هو علم البلاغة؛ لا، هو أبدى ملاحظات على أساليب القرآن، أعطى بالتأكيد استفدنا من كتابه، وظفها بعد ذلك الواضع الحقيقي، الواضع الحقيقي، لكن كتابه هذا لا يبقى لأن وكتاب تأسيسي في علم البلاغة.
طيب تجاوزنا هذه المرحلة، إذا قلنا أبو عبيدة البعض يقول ذلك، لكن هناك ملاحظة. قيل الجاحظ سيأتي معنا إن شاء الله جاحظ في الدرس القادم حين نتكلم عن مراحل علم البلاغة، الجاحظ هو أول من وضع علم البلاغة في مئتين وخمس وخمسين هجري في كتابه البيان والتبيين أو التبيين على خلاف اسمه، فقيل الجاحظ هو أول من وضع علم البلاغة. لكن أيها الأحبة، عندما نفتح كتاب الجاحظ البيان والتبيين لا نجد أن هذا الكتاب وضع ليؤسس لعلم جديد، وإنما الجاحظ جمع الملاحظات البيانية آه التي تكلم بها الأقدمون والاسلاميون وحواها وأبدى وجهات نظر آه تكلم يعني هو بالتأكيد يعني لماذا؟ يعني ما الذي جعل البعض يقول الجاحظ هو أول من وضع علم البلاغة في البيان والتبيين، أنه تكلم عن ملاحظات بيانية كثيرة في كتابه البيان والتبيين، علق عليها ووضع قواعد في أساليب العرب في خطاباتها، لكن أيضاً هذا الكتاب كما قلنا لم يهتم جعل هذه الملاحظات البيانية على قواعد وقوالب.
الآن لما نقول هناك علم وضع معناه هناك قواعد وقوالب ونظريات وضعها هذا واستدل لها إلى آخر هذه الأمور، هذا هو العلم قواعد ومسائل. الجاحظ في البيان والتبيين هو جمع ملاحظات، أبدى آراء، استخدم أساليب، فعلاً استفدنا منه جداً، كانت مادة خام لمن بعده، لكن لم يرقى أيضاً تصنيفه لأن يسمى علم بلاغة قواعد مسائل، وعودوا إلى كتابه وتفحصوا واختبروا أنتم لأنفسكم هل هذا الكتاب يرقى لأن يسمى كتاب وضع في علم البلاغة؟ أول كتاب وضع في علم البلاغة هو كتاب جمع الملاحظات، أبدى وجهات نظر بيانية، يعلق على هذه ويعلق على هذه، يبني ملاحظات، لكنه كما قلت لكم لم يرقى لأن يسمى كتاب قواعد ومسائل خاص بعلم البلاغة. هذه النظرة.
لكن هناك من قال إذاً القول الأول أن الواضع هو أبو عبيدة، القول الثاني أن الواضع هو الجاحظ، القول هناك أقوال أخرى طبعا لا أود أن أكثر منها وما عليه الجمهور في الحقيقة أن واضع علم البلاغة فيه تفصيل، فيه تفصيل فواضع علم المعاني وعلم البيان هو الإمام الكبير عبدالقاهر الجرجاني رحمة الله عليه، علم المعاني في كتابه دلائل الإعجاز ووضع علم البيان في كتابه أسرار البلاغة.
فإذاً واضع علم المعاني وعلم البيان من هو على الصحيح عند الجمهور الآن؟ عبدالقاهر الجرجاني. لماذا؟ أنا أريد منك أيها الحبيب أن تذهب تأخذ كتاب دلائل الإعجاز وكتاب أسرار البلاغة لعبدالقاهر وتقارن بالكتب المتقدمة عليه بالبيان والتبيين للجاحظ؛ حتى تعرف ما معنى كلامي أن آه العلم حتى نقول فلان واضع هذا العلم ينبغي أن يأتي ويجمع هذه الملاحظات ويؤطرها على شكل قواعد ومسائل عليها وينبه لها، فيكون كتاب نقول تصنيف علمي، أما ما قبل عبدالقاهر الجرجاني كما قلت لكم هي جمع لملاحظات، إبداء وجهات نظر، تعليق على أمور معينة بلاغ وبيانية، وسيتضح لكم هذا الأمر إن شاء الله في المحاضرة القادمة. لكن كل ما كتب قبله لم يرقى لأن يسمى ايش؟ وضعاً لعلم، أرضية لعلم بقواعد ومسائل يحتج لها ويناظر عليها وتناقش، لم ترقى إلى هذا المستوى، وهذا لن يتضح في الحقيقة بوضوح حتى تقرأ. يعني أنت بالنهاية تسمع مني لكن لن يتضح لك حتى تقرأ هذه الكتب.
طيب، إذا قلت يا شيخ علم المعاني من وضع عبدالقاهر؟ في أي كتاب؟ دلائل الإعجاز. وعلم البيان وضع نظريته عبدالقاهر في أي كتاب؟ أسرار البلاغة. طيب، علم البديع من الذي وضعه؟ علم البديع في الحقيقة وضعه الخليفة العباسي عبدالله بن المعتز في كتابه البديع، خليفة، لكن في الحقيقة أنا لا أسميه يعني هي تسمية خليفة ستهضم من حقه، هو كان أمير من أمراء العباسيين ويسمى خليفة اليوم والليلة، لماذا دامت خلافته يوم وليلة واحدة فقط؟ تولى الخلافة من هنا أولاد أخيه قاموا دخلوا على القصر وقتلوه وتولى أخوه المقتدر بالله، أخوه هو الذي تولى الخلافة بعده، حتى تنظروا الملك ماذا يفعل، فكان أميراً يعني هذه حياته الحقيقية لم يذق طعم الخلافة إلا يوماً وليلة، فتسميته خليفة كبيرة يعني في لكن كان أميراً، ويكفيه أنه كان أميراً شاعراً أديباً، تصور أن هذا الأمير اين عقله، بماذا ينشغل؟ ينشغل بتصنيف علوم وتدوينها وجمعها، هكذا كان آه الأمراء والخلفاء في عصر الأقدمين يهتمون بجمع العلوم وتصنيفها وبالأدب وبالشعر، على ما يأسى وما حدث في الدولة العباسية والاموية في بعض الخلفاء هذا واضح، لكن أنا أقصد الاهتمام الأدبي والذوقي واللساني عندما كان واضحاً بيناً.
فعبدالله بن المعتز له مجموعة من المصنفات منها البديع، وفي هذا الكتاب البديع جمع أنواع عديدة من المحسنات اللفظية والمعنوية بينها ووضح أساليب العرب في استخدامها، وساتكلم عنه سريعا إن شاء الله في المحاضرة القادمة، حين أتكلم عن مراحل تطور علم البلاغة سأتكلم مرة أخرى عن عبدالله بن المعتز، لكن الذي يهمني أنت يا عبدالله بن المعتز توفاه الله مئتين وست وتسعين هجري على إثره يعني قتل مئتين وست وتسعين، أحد أمراء بني العباس تولى الخلافة يوم وليلة، هو واضع علم البديع في كتاب اسمه البديع جمع فيه أنواع من البديع الذي كان يستخدمه العرب وعلق عليها وبينها ونبه فلذلك يعتبر هو واضع علم البديع.
علم البديع على التحقيق، على التحقيق يعتبر هو واضع علم البديع، البعض يعني هكذا يجمل، يقول واضع علم البلاغة عبد القاهر. لكن في الحقيقة حتى نكون هناك شيء من الإنصاف التاريخي، أن عبد الله بن المعتز هو من جلى علم البديع ووضعه على شكل نظريات وقواعد.
أما عبد القاهر فنظرياته كانت في علم المعاني والبيان في دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وعلم البديع وضعه عبد الله بن المعتز، وثم بعد ذلك مشى الركب في العلماء بعد ذلك في زيادة على ما كتبه عبد الله بن المعتز. إذا باختصار واضح علم البلاغة لو سئلتم من هو فتقولوا: المعاني والبيان عبد القاهر، وعلم البديع عبد الله بن المعتز الخليفة العباسي.
وهذا نهاية هذا المجلس، وبإذن الله في المحاضرة القادمة الحديث عن المبادئ العشرة ونبدأ في هذه المنظومة المباركة. نسأل الله أن ينفعنا بما سمعنا وأن يرزقنا القبول، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل