فيا لغتي، أيا صرحاً عظيماً تهاوت عند هيبته الصروح! أنت البحر للغواص عشق، وأنت تدر للقاسي طموح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على رحمة للعالمين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في اسم جديد نعقده في شرح منظومة مئات المعاني والبيان الحنفي رحمة الله تعالى عليه. وما زلنا في المقدمات، لم ندخل بعد في هذه المنظومة، ولم نشرع في أبياتها ولا في أخذ فكرة عامة عنها، ما زلنا نتحدث في المبادئ العشرة لعلم البلاغة.
وكنا في المجلس السابق دخلنا في أجواء هذا العلم من حيث تعريف البلاغة، فقلنا: البلاغة هي مصدر للفعل الثلاثي بلغ. وقلنا معنى بلغ، أي فصح لسانه وحسن بيانه. ثم عرفنا بعد ذلك أن الفعل بلغ تشتق منه صفة مشبهة على وزن فعيل (بليغ)، وهذه الصفة المشبهة التي تؤخذ من بلاغة على وزن فعيل (بليغ) يوصف بها عند علماء العربية شيئان: الكلام والمتكلم فقط، فنقول: كلام بليغ ومتكلم بليغ، ولا توصف الكلمة الواحدة بأنها بليغة.
لماذا أقول فقط الكلام والمتكلم حتى نميز بين البلاغة والفصاحة؟ سنتحدث إن شاء الله عن الفصاحة وسنعرف حينئذ أن الفصاحة توصف بها الكلمة الواحدة، ويوصف بها الكلام، ويوصف بها المتكلم، فنقول: كلمة فصيحة، كلام فصيح، متكلم فصيح. أما البلاغة لا، إنما يوصف بها المتكلم والكلام، فنقول: كلام بليغ، ولا نقول كلمة بليغة. هذه التوطئة كانت مهمة.
ثم عرفنا بعد ذلك بما أننا نصف الكلام بأنه بليغ، إذاً لا بد من وجود معيار حتى يوصف الكلام بهذا الوصف، ليس كل كلام يوصف بأنه بليغ. أليس كذلك؟ طب ما هو المعيار الذي بسببه توصف هذه الخطبة أو هذا المقطع من الكلام بأنه بليغ؟ قلنا: هذا للحديث عنه، ما هي بلاغة الكلام؟ فقلنا: بلاغة الكلام هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته.
فهذا هو المعيار الذي به توصف الجمل والنصوص والخطب والكلام بشكل عام بأنه بليغ لوجود هذا المعيار. ما هو المعيار؟ قلنا في المحاضرة السابقة: هو مطابقة الكلام لمقتضى الحال هذا المعيار الأول، زائد فصاحة هذا الكلام. فإذا وجد بكلام فصيح أولاً، وكان مطابقاً هذا الكلام الفصيح مطابقاً لمقتضى حال، حينئذ يوصف هذا الكلام أو هذا النص أو هذه الفقرة أو هذه الخطبة بأنها ايش؟ بليغة.
ثم انتقلنا إلى الشيء الثالث، وهو قلنا: المتكلم يوصف بأنه بليغ. تمام. فقلنا المتكلم متى يوصف بأنه بليغ؟ لا بد من معيار، هل كل إنسان يتكلم هو بليغ؟ ليس كذلك. فإذاً قادنا هذا إلى السؤال: ما معنى بلاغة المتكلم؟ وقلنا: بلاغة المتكلم ملكة توجد في الشخص، يستطيع من خلالها أن ينشئ كلاماً مطابقاً لمقتضى الحال، هذا هو المعيار، أن توجد في الشخص ملكة. والملكة هيئة راسخة في النفس.
ليس لأنه كما قلنا: لو أن شخصاً هكذا تكلم بكلمة بليغة عرضاً زبطت معه، مثل ما يقولون، هل نصفه بأنه بليغ؟ لا، نصف الجملة والكلام الذي تكلم به بأنه بليغ، أما هو كشخص لا نصفه بأنه بليغ حتى يوجد فيه المعيار، وهو أن توجد فيه ملكة راسخة في نفسه، يستطيع بها أن ينشئ كلاماً مطابقاً لمقتضى الحال متى شاء. إذا كان الإنسان يستطيع متى شاء أن ينشئ كلاماً مطابقاً لمقتضى الحال، هذا نسميه بأنه فلان بليغ.
أما إذا كانت تأتي منه الجمل بليغة عرضاً، هكذا مصادفة من غير وجود ملكة راسخة، فهذا لا يرتضي لوصفه بأنه بليغ. إذاً عرفنا معنى بلوغ، وعرفنا معنى بلاغة الكلام، وعرفنا معنى بلاغة المتكلم. ثم انتقلنا بعد ذلك إلى دراسة كلمة البلاغة باعتبارها لقباً على فن العربية، تلك الدراسة دراسة أخرى، دراسة لغوية، أما الآن ندرس البلاغة باعتبارها لقباً على فن من فنون العربية.
فهل نستطيع أن نعرف علم البلاغة؟ هذا شيء مزعج حتى يذهب جيد. فالآن نقول علم البلاغة، ما تعريف علم البلاغة؟ البلاغة باعتبارها لقباً على فن من فنون العربية، ما تعريفها؟ قلنا صحيح أننا لا نستطيع أن نأتي بتعريف واحد للبلاغة باعتبارها لقباً على هذا الفن، لماذا؟ لأن علم البلاغة يتكون في الحقيقة من ثلاثة علوم، وليس من علم واحد، يتكون من علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع.
هذه الثلاثة يجمعها ذاك العنوان (علم البلاغة)، لذلك لا أستطيع أن أعرف علم البلاغة بتعريف واحد إلا كما قلنا على طريقة التعريف بالتقسيم. وذكرنا في المنطق أن من طرق الحدود والتعاريف عند المناطقة، تعريف من خلال التقسيم، فتقول مثلاً تعريف علم البلاغة: علم البلاغة هو علم المعاني والبيان والبديع. هذا تعريف، لكنه تعريف باستخدام التقسيم، وهو مقبول، لكن عند المناطقة لا يعتبر حداً، وإنما يعتبر من قبيل الرسوم كما درسنا في السلم المنورق.
فلو أن شخصاً قال: أنا أرييد أن أعرف علم البلاغة بتعريف واحد، فنقول له: تستطيع أن تعرفه بتعريف واحد من خلال التقسيم فقط، فتقول: علم البلاغة هو علم المعاني والبيان والبديع. لكن لا تستطيع أن تأتي بحد أو بتعريف ليس على طريقة التقسيم، والسبب ينبغي أن تعلم، علل لماذا لا أستطيع أن أعرف علم البلاغة بحد واحد؟ نقول: لأن البلاغة ليس علماً واحداً، بل هو ثلاثة علوم، هذا هو السبب.
فإذا أردت أن تذهب إلى التعريف من خلال التقسيم، قد نجد لك فسحة في ذلك. علم البلاغة عرفنا أنه يتكون من علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع. ثم بدأنا إذاً ندرس تعريف علم المعاني، ثم درس البيان، ثم درسنا تعريف علم البديع، يعني بدلاً من أن نعرف علم البلاغة بدأنا نعرف العلوم التي تندرج تحت علم البلاغة.
فقلنا ما هو علم المعاني؟ قلنا: علم المعاني هو علم يعرف به أحوال اللفظ التي بها يكون مطابقاً لمقتضى الحال. علم المعاني علم معاني قواعد ومسائل، يعرف به أي بهذه القواعد والمسائل أحوال اللفظ التي يكون بها بهذه الأحوال مطابقاً لمقتضى الحال. وعرفنا إيش يعني أحوال اللفظ؟ من متى يقدم؟ متى يؤخر؟ واشتغلنا في قطر الندى أحوال تقديم الخبر، أحوال تأخير الخبر، تقديم المفعول به على الفعل والفاعل، التقديم والتأخير، التعريف والتنكير، الحذف والذكر.
متى أحذف؟ متى أذكر؟ متى أُعرف، أستخدم معرفة، اسم موصول، اسم إشارة؟ متى أنكر، أستخدم النكرات؟ متى أجمع؟ متى أثني؟ كل هذه أحوال للفظ، التقديم، التأخير، التعريف، التنكير، الحذف، الذكر، التثنية، الجمع، وأحوال كثيرة. هذه أحوال اللفظ تسمى بأن البلاغة علم، عفواً، علم المعاني علم المعاني هو عبارة عن علم يعرف به أي بقواعده ومسائله أحوال اللفظ التي يكون بها مطابقاً لمقتضى الحال.
فننظر الحال، قلنا: الحال هو الأمر الداعي للكلام على هيئة مخصوصة، هذا تعريف الحال. وقلنا: هذا من التعاريف الأساسية جداً جداً في علم البلاغة. هل تفهم ما معنى الحال؟ هو الأمر الباعث على الكلام على هيئة مخصوصة. فقلنا هناك حال حزن، هناك حال فرح، هناك حال غضب، هناك حال استعطاف، هناك الاسترحام. هذه الأحوال تقتضي من المتكلم أن يتكلم على هيئة مخصوصة.
فحال الفرح يقتضي منك أن تتكلم على هيئة معينة، بينما حال الحزن يقتضي منك أن تتكلم على هيئة أخرى، هذا الاستعطاف والاسترحام يقتضي أن تتكلم على هيئة معينة، وحال الفخر يقتضي أن تتكلم على حال أخرى. عندما تخاطب جاهلا هذه حالة تقتضي الكلام على صورة معينة، وعندما تخاطب عالماً هذه حال تقتضي الكلام على صورة أخرى. انظروا الأحوال كثيرة. أليس كذلك إذاً؟ فعلم المعاني هو أساس علوم البلاغة.
لانه من خلال قواعد علم المعاني ومسائل علم المعاني نعرف كيف نأتي باللفظ مطابقاً لمقتضى الحال، وهو حقيقة علم البلاغة الذي ذكرناه قبل قليل، نعرف كيف آتي بلفظ وجملة وكلام مطابق لمقتضى الحال، فأعرف ما التقديم متى يستخدم، التأخير متى يستخدم، الذكر متى يستخدم، الحذف متى يستخدم.
تعريف متى يستخدم؟ حتى يكون طبعا كل هاي مطابق لمقتضى الحال. فهذا هو علم المعاني، فان شاء الله ندرس ان المعاني بالتفصيل بقدر طبعا هذه المنظومة. نعرف ان شاء الله اكثر وأكثر ما معنى ان هناك احوال للفظ، بهذه الاحوال يكون مطابقا لمقتضى الحال من خلال إن شاء الله دراستنا.
ثم انتقلنا إلى تعريف علم البيان، وقلنا علم البيان مرتبته بعد علم المعاني، لماذا؟ لانك أولا تريد أن تأتي بكلام مطابق لمقتضى الحال، هذه أول خطوة. بعد ذلك تتفنن اه تتفنن في إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح. فذكرنا إذا أن علم البيان هو علم يعرف به كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح.
فقلنا أيها الأحبة، لو كان هناك رجل جريء جاء عندي، وهو الآن مقبل إلي، فأقول لزميلي: جاء هذا الرجل الشجاع. أنت الآن أتيت بكلام مطابق لمقتضى الحال، وأنك تريد أن تمدح هذا الشخص بأنه إيش؟ شجاع. هذه طريقة، لكن هل هناك طرق أخرى لتأدية هذا المعنى تكون أجمل وأوضح وارسخ في نفس السامع؟ نعم، قلت: لو قلت جاء فلان، جاء محمد الذي هو كالأسد. فهذه طريقة أخرى في إيصال نفس المعنى أن فلان جريء، لكنني استخدمت هنا التشبيه.
ففي إشي أفخم من هيك؟ نعم، أقول بدل ما أهدي بالتشبيه، آتي بالاستعارة مباشرة. أقول: جاء الأسد مباشرة. هذه أفخم وأفخم. إذا هو معنى واحد، أستطيع أن أؤديه بطرق مختلفة الدلالة في الوضوح، وهناك طريقة أجمل من الطريقة الأخرى. ترى أحيانا الاستعارة أجمل مثل هنا، وأحيانا يكون التشبيه هو الأجمل، وأحيانا يكون لإبقاء الكلام على صقيقته بعيدا عن التشبيه والاستعارة هو الأجمل.
فانت في علم البيان تتعلم كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، بأساليب مختلفة، وعليك ويعرفك في كل موضع، في كل ما هو الأسلوب الأمثل له. في هذا الموضع، الأسلوب الأمثل أن تأتي بالتشبيه، في هذا الموضع الأسلوب الأمثل أن تأتي بالاستعارة. فإذا علم البيان ماذا يعلمنا؟ المعنى الواحد الذي نريد أن نوصله للآخرين، كيف أعبر عنه بطرق مختلفة، بأساليب متنوعة، ويعلمك أي الأساليب أبلغ وأفضل؟
ثم بعد ذلك إلى علم البديع، فقلنا علم البديع هو علم يعرف به وجوه تحسين الكلام لفظا ومعنى، وعرفنا أن علم البديع كالملح، هو ملح الطعام ليس أساسا، لكنه يزين ويحسن ويجعل للطعام نكهة، أليس كذلك؟ الآن ملح الطعام قلنا إذا زاد عن قدره يفسد الطعام، وإذا قل أيضا الملح للطعام تجد الطعام ممزوجا، وإذا أتى بالقدر المناسب الطعام يكون لذيذ، وهكذا البديع.
المحسنات البديعية لفظية أو معنوية، إذا كثرت كثيرا يصبح الكلام متعبا لا تقبله النفس، وإذا أيضا خلا الكلام منها تماما أيضا يكون الكلام فقد زينته. أن تأتي بالبديع بالقدر المناسب. فذلك الآن ربما تذهب إلى خطيب جمعة، كل خطبته على السجع، كل الخطبة من بدايتها إلى نهايتها سجع، السجع نوع من أنواع المحسنات اللفظية ما عندنا مشكلة، لكن أن تكون من أولها إلى ختامها سجع سجع سجع سجع، السامع ينفر من هذه الخطبة، يجدها متكلفة.
لكن لو جاء السجع في سطرين، في جملتين، في خمسة جمل، لا، تكون هنا يعني هنا يضفي لذة للخطبة ويجعل السامع يتشوف إلى سماع الخطيب. وإذا خلى الكلام من أي محسن، لهذا الخطيب ما استخدم أي محسن من المحسنات، أيضا تكون الخطبة متآكلة، مهترئة، ممجوجة، حتى ولو كانت مطابقا لمقتضى الحال. فالبديع هو كما قلنا ملح الطعام، احفظوه هو ملح الطعام، تأتي بالمحسنات البديعية اللفظية أو المعنوية تحسن الكلام وتزينه.
إذا عرفنا هذه العلوم الثلاثة جملة. لاحظوا أنتم الآن تأخذون تصورا عن هذه العلوم، بالتأكيد من خلال التعريف فقط لن تستطيعوا استيعاب حقيقة العلم، أنت الآن فقط تأخذ تصورا عاما، ما هو الشيء الذي يتحدث عنه هذا العلم؟ أه، علم المعاني يتكلم عن ما هي أحوال اللفظ التي يطابق بمقتضى الحال. أه، إن البيان يتحدث عن كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة، أن البديع هي المحسنات والمجمّلات. ممتاز.
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى موضوع علم البلاغة، فقلنا: موضوع علم البلاغة، هل استطيع أن أعطي علم البلاغة موضوعا واحدا؟ لا، لماذا؟ لأنه من ثلاثة علوم. فينبغي أن تعطي موضوعا لعلم المعاني وموضوعا لعلم البيان وموضوعا لعلم البديع. فقلنا: موضوع علم المعاني، الألفاظ العربية، موضوع علم البيان، الألفاظ العربية، وموضوع علم البديع الألفاظ العربية. لكن بدنا نرجع نبين الحيثية في كل واحد. لا تقل الألفاظ العربية وتسكت، تكون هكذا. موضوع علم المعاني، الألفاظ العربية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال، هذه حيثية مهمة. الألفاظ العربية من حيث مطابقتها لمقتضى الحال. طيب، نذهب إلى علم البيان، إيش موضوعه، المحور الذي يدور حوله؟ الألفاظ العربية من أي حيثية؟ من حيثية إيرادها بطرق مختلفة لتأدية المعنى الواحد. طيب، ونأتي إلى موضوع علم البديع، إيش موضوعه؟ الألفاظ العربية من حيث تحسينها وتزيينها. فهذا ما ذكرناه في موضوع كل علم من هذه العلوم الثلاثة.
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى ثمرة علم البلاغة، فقلنا: أهم ثمرة من ثمار علم البلاغة هي إدراك شيء من إعجاز القرآن، أن تصل إلى فهم شيء ولو يسير من إعجاز القرآن. لماذا هذا القرآن معجز؟ وضمن المحاضرة السابقة تحدثنا فيه عن كثير من هذه الجوانب، لا أريد أن أطيل في هذا الموضوع حتى ندخل في محاضرة اليوم. وأيضا طلبت من بلاغة وفهم نصوص الكتاب والسنة. وثالثا: تذوق الكلام العربي الفصيح، أن تتذوق الكلام العربي الفصيح. لن تفهم أشعار الجاهليين ولا أشعار الإسلاميين إلا إذا درست علم البلاغة. من دون فهمك لقواعد علم البلاغة، يعني تتصور أن ذاك الكلام كلام ممجوج، يعني ايش بتكلم امرؤ القيس والنابغة الذبياني جماعة رايقين ما فيها حاجة، يبعدوها. يظن أن هذا الكلام يخرج هكذا عبثا، وإن كان على قدر عالي جدا من الفخامة أدرك الصحابة وبكى النبي صلى الله عليه وسلم. إياك أن يأتي شخص يقنعك أن تلك الكلمات كلمات لا توجد لها قيمة، الآن بغض النظر ما فيها من وصف الخمر أو وصف النساء أو ما شابه ذلك، نحن لا نتكلم عن المحتوى، نحن نتكلم عن أسلوبها وفخامتها في الأداء، هذا الجانب الذي نتحدث عنه.
ثم انتقلنا إلى نسبة علم البلاغة من العلوم الأخرى، وهذا مبدأ رابع من المبادئ العشرة. وقلنا: هي البلاغة بالنسبة لعلم الشريعة من أي نوع من أنواع، هو وسيلة، وهو أيضا علم من علوم اللغة العربية. تذكر هذه النسبة وهذه النسبة. فضله كما قلنا الفضل والثمرة فيها نوع تقارب، ويكفي أن نقول في فضل علم البلاغة أنك تفهم به كتاب الله سبحانه وتعالى، أن يفهم طالب العلم كتاب الله عز وجل، هذه الأقصى يعني من أشرف المقاصد لدراسة علم البلاغة.
ثم وقفنا عند المبدأ السادس، وهو الواضع. واضع علم البلاغة فقلنا اختصارا يعني دخلنا مباشرة قلنا: اختلفوا في واضع البلاغة. إيش يعني كلمة واضع علم البلاغة؟ أي من أول من صنف كتابا جمع فيه قواعد علم البلاغة. هناك خلاف في الحقيقة، قيل أول شخص صنف كتابا جمع فيه قواعد علم البلاغة هو أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه مجاز القرآن. وقلنا هذه المعلومة ليست بتلك الدقة العالية في الحقيقة، لأن كتابه مجاز القرآن، وعرفنا ماذا يقصد بكلمة مجاز، لا يقصد بها المعنى المعروف عندنا، اللفظ المستعمل في غير ما وضع له، بل يقصد بمجاز القرآن أي أساليب القرآن في التعبير، باختصار هذا الذي يقصده بكلمة مجاز وهو متقدم، وكانت كلمة المجاز بعد لم ينضج معناها لما هو عند المتأخرين، لم ينضج معناه. ربما الجاحظ هو الذي أبرز المعنى المعروف عند المتأخرين، لكن قبل الجاحظ لم يكن هذا المعنى الآن المعروف عند المتأخرين مستخدما لكلمة المجاز. فالمهم، أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن لم يلتقي هذا الكتاب بأن يقال إنه كتاب جمع قواعد ومسائل علم البلاغة.
فهذه المعلومة فيها نظر. طيب، قيل واضع علم البلاغة هو الجاحظ، وسنقف اليوم إن شاء الله مع هذه الشخصية؛ شخصية الجاحظ المتوفى سنة خمس وخمسين ومئتين هجري. كيف هو أول وضع لعلم البلاغة؟ وضعه في كتابه البيان والتبيين، أو التبين على خلاف بين المعاصرين في عنوان الكتاب.
لكن في الحقيقة قلنا أيضاً كتاب البيان والتبيين للجاحظ لا يرتقي لأن يكون كتاباً جامعا لقواعد علم البلاغة. يعني لم يصنف ليحوي قواعد علم البلاغة، هو بالتأكيد أشار إلى كمية غزيرة جداً من الملاحظات البيانية في كتابه، كتاب سفر عظيم جداً هذا الكتاب من حيث القيمة البلاغية. لكن تصنيفه وكتابته وطريقة تنظيمه لا ترتقي لأن نقول إنه جمع قواعد، فهو يذكر قصصاً، ويذكر أحوال النبي صلى الله عليه وسلم وبلاغته، وأحوال الصحابة البلاغية، والجاهليين ومن بعدهم، وهكذا.
هو يعطيك إشارات وملاحظات، ويعلق على خطب، ويعطي نبذة من هنا ونبذة من هنا، لكنه لم يجمع قواعد. طيب باختصار، إذا قلنا هناك أبو عبيدة، وقلنا هذا الكلام ضعيف. الرأي الثاني الجاحظ، والجاحظ بالتأكيد له ملاحظات راقية جداً في هذا العلم، لكن لا يرتقي لأن يسمى واضعاً. والصحيح الذي عليه أكثر المتأخرين أن واضع علم المعاني والبيان هو عبد القاهر الجرجاني رحمة الله تعالى عليه، وضع علم المعاني في كتابه دلائل الإعجاز، ووضع علم البيان في كتابه أسرار البلاغة.
طيب علم البديع يا شيخ، من الذي وضعه؟ قلنا في المحاضرة السابقة، الذي وضع علم البديع هو الخليفة العباسي عبد الله بن المعتز الخليفة. وضع كتابه البديع، وهو يعتبر أول كتاب صنف في علم البديع، جمع فيه أنواعاً من المحسنات اللفظية والمعنوية، طبعا لم يستوعب، ومن بعده زاد عليه كثيراً، لكنه واضع الأساسيات عبد الله بن المعتز.
وقد قلنا عبد الله بن المعتز هو خليفة اليوم والليلة، لماذا؟ لأنه تولى الخلافة يوماً وليلة فقط، كان أبي من الأمراء عندما آلت الخلافة إليه تولاها يوم وليلة، ثم جاء أخوه فانقلب عليه وقتله، فتولى أخوه، فلقب بخليفة اليوم والليلة، لم يتهنَّ في هذه الخلافة.
جميل، لكن أنا قلت لكم في ختام المحاضرة السابقة أني لن أكتفي أيها الأحبة بدراسة واضع علم البلاغة فقط؛ أقول واضع علم البلاغة هو عبد القاهر الجرجاني، وواضعا المعاني والبيان عبد القاهر الجرجاني، وواضع البديع عبد الله بن المعتز. أنا أرى أن الطالب ينبغي أن يأخذ في بداية دراسته للعلم نبذة تاريخية تفصيلية عن هذا العلم، ليفهم هذا العلم من أين أتى.
وما المراد من الدراسات التاريخية لطالب العلم؟ تجعله يفهم العلم أكثر وأكثر في الحقيقة، تجعله يتصور طبيعة العلم الذي سيدرسه أكثر وأكثر، يفهم المراحل التي مر بها، كيف انتقل، ماذا صنف العلماء فيه، ما مقاصدهم في التصنيف، ما هي الجوانب التي تطرقوا إليها؟ طب ما هي العوامل التي سببت التصنيف في هذا العلم؟ هناك عوامل بالتأكيد هي التي سببت التصنيف في هذا.
فسأعطي الآن بإذن الله دراسة تاريخية أزعم أنها مختصرة لعلم البلاغة، نبدأ بها من البداية، من عند الجاهلية. نبدأ من عند الجاهليين، نرتقي رويداً رويداً حتى نصل إلى وقتنا الحاضر. سأقسم أيها الأحبة المراحل التي مر بها علم البلاغة إلى أربع مراحل، أكتبها على السبورة، طبعا المبادئ العشرة أيها الأحبة وما أذكره الآن قبل أن أدخل في المتن هذا ليس موجوداً عندكم في الكتاب، فعليكم جميعاً أن تكتبوا وأن تلخصوا وأن تهذبوا.
وأنا في الحقيقة تعمدت هذا الأمر، عملت ألا تكون المبادئ العشرة مكتوبة عندكم حتى يتعود الطالب على الكتابة. الطالب الذي يريد أن يأخذ المعلومة دائماً جاهزة أمامه في أوراق وفي كتب وفي مصنفات، هذا الطالب لا ينمو عقله بسرعة، العقل حتى ينمو حتى يكبر لابد أن الطالب يعبر عن الأفكار بقلمه، هو يكتب بالصيغة التي يراها مناسبة، لا تأخذ ألفاظي على أنها محكمة، أن تعبر عن الفكرة كما تفهمها، كما تشعر بها، ولا تعبر كما يعبر الشيخ أو الأستاذ دائماً. لذلك أنا أحببت أن تكتبوا في بداية هذه الدورة شيئاً من المبادئ العشرة حتى نبدأ نتعود على الهمة والنشاط بإذن الله.
فالان نتكلم عن مراحل علم البلاغة. مراحل علم البلاغة المرحلة الأولى، المرحلة الأولى هذه تسمى مرحلة النشأة. مرحلة النشأة أيها الأحبة، طيب سأعطي لها توصيفاً ثم أبين مداها الزمني. سأعطي لها توصيفاً؛ وهي مرحلة إبداء الملاحظات البيانية، توصيفي في هذه المرحلة: مرحلة إبداء ملاحظات بيانية.
أحببت أن تكون مرحلة إبداء قواعد بلاغية، ما في مشكلة، وإن كان في هذه المرحلة ما حتى نسمي هناك قواعد علم بلاغة ولا مسائل، لا لا ما كان هذا موجوداً، وإنما هي في الحقيقة عبارة عن ملاحظات، تنبيهات، إشارات، إماءات على مسائل بيانية. فلذلك وصفت هذه المرحلة بأنها مرحلة إبداء الملاحظات البيانية من قبل فحول شعراء العرب وفحول النقاد والأدباء العرب.
طيب هذه المرحلة متى بدأت وأين انتهت؟ مرحلة النشأة هذه بدأت منذ العصر الجاهلي وحتى نهاية الخلافة الراشدة، أنا أحب أن أربطها في هذه الفترة الزمنية. إذاً، دخل فيها العهد النبوي، لاحظوا، إذاً منذ العصر الجاهلي نستمر حتى نهاية الخلافة الراشدة، العهد النبوي يوجد داخلها، عهد أبي بكر، عهد عمر، عهد عثمان، عهد علي، باختصار إلى أن آلت الخلافة إلى بني أمية، أنا هذه الفترة هكذا اريد أن أضعها تنتهي عند ابتداء خلافة بني أمية. إذاً، مرحلة النشأة مرحلة إبداء الملاحظات البيانية منذ العصر الجاهلي حتى نهاية الخلافة الراشدة. الآن ساكتب سريعا على السبورة حتى تنقلوها ثم أعود فأبدي دراسة عن كل مرحلة من هذه المراحل.
تمام، ننتقل إلى المرحلة الثانية الآن، نسندها سردًا ثم نعود إلى تحليلها. المرحلة الثانية: مرحلة النمو، سأعطي توصيفاً لهذه المرحلة: مرحلة النمو، توصيفها: التوسع في إبداء الملاحظات البيانية أيضاً، جمع هذه الملاحظات البيانية في بعض المصنفات، القيام بدراسات حول هذه الملاحظات البيانية، جميل، توصيف كبير، هذه مرحلة النمو مرحلة خطيرة ومهمة، وهي التي كانت سبباً في وضع علم البلاغة بعد ذلك. المرحلة الثالثة: في هذه المرحلة الثانية يعني في المرحلة الأولى بدأت تتشكل المواد الخام لقواعد علم البلاغة، في المرحلة الثانية بدأت المواد الخام تكثر أكثر وأكثر بشكل كبير، بدأت محاولات الجمع لهذه الملاحظات البيانية، ومحاولة كتابة بعض الدراسات، لكن لم يوضع علم البلاغة بعد، هي دراسات متفرقة وسنتطرق إليها إن شاء الله، لكن لم يوضع علم البلاغة بعد.
طيب، هذه المرحلة إيش مداها الزمني؟ نقول ابتداءً من الخلافة الأموية حتى الجرجاني، طبعا أنتم الجرجاني ليس داخلاً، أو قلنا مثلاً حتى لا يظن الطالب أن الجرجاني داخل هنا، إلى قبيل الجرجاني، الجرجاني يتوفاه الله سيأتي معنا في حدود أربعمِئة وواحد وسبعين هجري، أربعمِئة وثلاثة وسبعين هجري على خلاف في حال الرجل.
المهم، هذه المرحلة إذاً من بداية الخلافة الأموية ثم ندخل في الخلافة العباسية حتى نصل إلى الجرجاني، الجرجاني هو بداية المرحلة الثالثة من مراحل علم البلاغة، وهي مرحلة وضع علم البلاغة. وهنا طبعا ساركز على علم المعاني والبيان، لأن عبد الله بن المعتز عرفت كان قبل الجرجاني. إذاً، سأركز هنا على علم المعاني والبيان كونها هي العلوم الأساسية في البلاغة، لا نركز الآن على علم البديع.
طيب، فالمرحلة الثالثة: مرحلة وضع البلاغة، وهذه على يد من كما قلنا؟ على يد عبد القاهر الجرجاني. لكن سيتبين معي إن شاء الله أن عبد القاهر الجرجاني هو واضع علم البلاغة من الناحية النظرية، وسيأتي معنا في هذه المرحلة أن الزمخشري في كشافه أتى بما كتبه عبد القاهر الجرجاني في علم المعاني وعلم البيان وطبقه على النصوص القرآنية، فالزمخشري هو صاحب التطبيق، وعبد القاهر الجرجاني هو صاحب النظرية، تستطيع أن تقول بهذا النحو. مرحلة وضع علم البلاغة: وضع علم البلاغة على يد عبد القاهر.
أم ترجاني؟ خلص، إذا قلت عند البلاغة على يد القائل أعرف أقصد إيش؟ علم المعاني والبيان. لا أقصد علم البديع، لأن البادية قلنا عبد الله بن المعتز حتى لا أطيل الكلام دائماً. إذا قلت عبد القاهر واضع علم البلاغة، أقصد علم المعاني والبيان؛ لأنها العلوم الأساسية. وضع علم البلاغة على هيئة عبد القاهر.
تأتي وتطبيق هذه القواعد من خلال الزمخشري؛ فإذاً هذه المرحلة تدل على عبد القاهر الجرجاني وعلى الزمخشري، على هذين الرجلين: عبد القاهر واضع النظرية، والزمخشري المطبق لها. ثم بعد ذلك، أيها الأحبة، المرحلة الرابعة والأخيرة هذه أصبحت في القاعة. أظهر يا شيخ تصوير. بدنا نرفع نمسح شيء من الأعلى. طيب، نزل الكاميرا وقرب لي إياها هنا حتى تظهر للطالب. المرحلة الأخيرة تسمى مرحلة المتون والحواشي، تابعوني. السبورة انتهت. مرحلة المتون والحواشي، آه، طبعا هذه المرحلة يسميها البعض عصر الجمود؛ لأن القواعد البلاغية في هذه المرحلة كتبت على شكل القواعد الكلامية في علم أصول الفقه والاعتقاد، وعلى طريقة المتكلمين. كتبت على شكل قواعد جامدة على طريقة المتكلمين والاصوليين والفلاسفة، فلذلك، آه، والمناطق حتى أيضا أكون أدق، والمناطق.
فلما صبغت قواعد علم البلاغة بطريقة المناطقة والمتكلمين دخلها شيء من الجمود وفقدت الروح التي كانت تحيا فيها. عرفت؟ قبل عصر المتون، كانت القواعد البلاغية لمن يقرأ لعبد القاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز وفي أسرار البلاغة، يجد القاعدة بالمعاني، وعندما يتحدث عبد القاهر الجرجاني عن تطبيقات القاعدة وكيفية استخدام العرب لها، يجد الكلام ممتعاً لذيذ. القاعدة حية في تطبيقات كثيرة. الآن في مرحلة المتون والحواشي بدأوا يصنفون أن البلاغة كما يصنفون أصول الفقه، كما يصنفون المنطق، كما يصنفون في أي قواعد وقوالب، وواحد واثنين وثلاثة، والقاعدة الأولى والتبويب الأول. علم البلاغة حصره في قوالب معينة وتبويب في زوايا ضيقة يفقد البهجة، هذه السلبية لهذا العصر.
لكن هذا العصر، وإن كان في هذه الشائبة، لكن في الحقيقة هو مهم جداً للطالب المبتدئ أن يأخذ متناً من متون هذا العصر، عصر المتون. يأخذ متناً من متونه؛ لأن هذا المتن وإن كان كتب على شكل قواعد وقوالب جامدة نوعاً ما، لكنه يرتب أفكار علم البلاغة للطالب، لكنه يرتب أفكار علم البلاغة للطالب. بعد أن تترتب الأفكار، على الطالب أن يعود إلى المراحل المتقدمة ليدرس مصنفاتها، فمرحلة المتون أنا في الحقيقة لا أذمها على إطلاقها كما يفعل البعض. والشيخ أحمد شاكر في مقدمته على أسرار البلاغة أنتقد المشايخ والعلماء محمد عبده وغيرهم الذين كانوا ينتقدون علماء البلاغة في عصر الجمود، كانوا ينتقدونهم ويقولون لهم: إيش فعل المصنفاتكم؟ وما فعلتم شيئاً إلا التعقيد. فكانوا يظهرون عصر المتون بصورته السلبية بشكل فظيع، بحيث جعل الطلاب ينفرون عن دراسة هذه المصنفات. ولما نفر الطلاب عن دراسة مصنفات عصر المتون في الحقيقة ذهبوا عن كل علم البلاغة، هذا الواقع، أنهم يعني تركوا دراسة علم البلاغة بأسره. لماذا، أيها الأحبة؟ لأن المتون والمصنفات التي كتبت في عصر الجمود، صحيح فيها شيء من الجمود، لكنها هي المدخل، هي البوابة التي ستدخل من خلالها أنت أيها الطالب المتأخر إلى علوم البلاغة المتقدمين.
لاحظوا، بماذا أشبهها؟ أشبهها ببوابة. مرحلة المتون والمصنفات التي في عصر الجمود هي في وجهك، عليك أن تفتحها لتدخل من خلالها إلى أساليب العرب القديمة. أما أن تنفر عن هذه البوابة وتحاول الذهاب مباشرة إلى دراسة أساليب الجاهليين أو أساليب المرحلة الثانية، سيكون تصورك لها قاصراً، سيكون تصورك لها قاصراً. فمرحلة المتون لها إيجابيات ولها سلبيات، وأهم إيجابية مميزة لها أنها هي التي تفتح لك الباب إلى دراسة العصور المتقدمة. نعم، إذا وقفت عند مرحلة المتون سيكون علمك ناقصاً البلاغة بحق، لكن هي البوابة، فهمتوا النظرة المعتدلة؟ الوقوف هنا خطأ، ينبغي أن تعود إلى عبد القاهر وإلى ما قبل عبد القاهر، لكن القفز فالمدخل والبوابة هي مرحلة الجمود، لكن من خلالها تعود إلى كلام السابقين.
انتهينا من سرد هذه المراحل، أظنها واضحة لكم، أيها الأحبة المتابعون، اكتبوها، والآن أذهب إلى تحليل هذه المراحل. مرحلة لمرحلة، كم مضى من الوقت؟ سبعة وثلاثون دقيقة. تمام، نبدأ، أيها الأحبة، بالمرحلة الأولى وهي مرحلة النشأة. قلنا ما هو توصيف مرحلة النشأة؟ ماذا حدث فيها؟ مرحلة النشأة كانت مرحلة إبداء الملاحظات والإشارات والتنبيهات العامة، جيد؟ إبداء الملاحظات البيانية، تعليقات على أساليب بيانية. يأتي شاعر من فحول الشعراء يعلق على شاعر آخر: إن كلامك هنا ليس مطابقاً لمقتضى الحال. شاعر آخر ينتقد شاعر آخر، وهكذا، فهي ملاحظات فقط. هذه الملاحظات هي كانت مادة خامرة لمن بعد ذلك، فهمت؟ إذاً هي مرحلة إبداء ملاحظات بيانية، وسأذكر مثالاً على هذه المرحلة الآن بإذن الله لتتصوروه أكثر وأكثر. هذه المرحلة نبدأ من العصر الجاهلي وتنتهي الخلافة الراشدة، تمام.
الآن، أيها الأحبة، في هذه المرحلة سأتكلم عن مجموعة من القضايا. القضية الأولى هي، آه، دلالة التفوق البلاغي عند العرب، نريد أن تتضح هذه القضية أكثر وأكثر عند الطالب الناشئ، يريد أن يقتنع تماماً أن العرب كانوا على درجة هائلة من تفوق البيان. العرب الجاهليون كانوا على درجة عالية من التفوق البلاغي البياني؛ لأن هناك بعض المشككين من المستشرقين ومن أبنائهم في بلداننا يشككون في بلاغة العرب وفي أساليبهم، ويحاولون تصويرها على أنها مقتبسة من أمم أخرى، من الأغريق ومن الهند ومن الفرس، وهذا كلام فاسد مقصده معلوم، وهو القدح في العربية. لا أريد أن أخل في هذا الباب، لكن يهمني جداً أن يفهم الطالب، آه، دلائل التفوق البلاغي عند العرب.
فالآن هذا العنوان الذي سأتكلم عنه، نريد أن نتكلم عن أدلة واضحة تدل على أن العرب كانوا في ميدان البلاغة والبيان. عرفتم العنوان الذي سأتكلم عنه؟ وسآتي بدليلين: الدليل الأول والدليل الثاني، يدلان على تفوق العرب في أساليب البيان والبلاغة. فأقول: الدليل الأول على تفوق العرب في باب البيان والبلاغة هو، أيها الأحبة، نزول القرآن الكريم ليتحدى العرب في هذا المجال. تقول إن أعظم دليل على تفوق العرب في ميدان فصاحة اللسان وبلاغته هو نزول المعجزة الخالدة الأبدية إلى يوم القيامة وهي القرآن الكريم ليتحدى العرب في هذا المجال.
القرآن، أيها الأحبة، أين تحدى العربي؟ إيش تحداه؟ التحدي الأساسي في البلاغة، أليس كذلك؟ التحدي الأساسي الذي تحدى به الله سبحانه وتعالى العرب كان هو أن يأتوا بقرآن مثل القرآن الكريم، أليس كذلك؟ فإذاً نزول القرآن الكريم ليتحدى العرب في باب الفصاحة والبلاغة هو اعتراف ضمني من الشريعة الإسلامية بأن العرب كانوا على أعلى درجات البيان، أليس كذلك؟ لأن المعجزات التي ينزلها الله على أنبيائه تكون من جنس ما يتقنه الأقوام، أليس كذلك؟ أي معجزة أنزلها الله عز وجل على نبي من الأنبياء تكون هذه المعجزة التي يتحدى بها قومه من جنس ما يتقنه هؤلاء.
معجزة صالح عليه السلام إيش كانت؟ الناقة التي خرجت من الصخر، لماذا؟ لأن ثمود كانوا مهرة في النحت، أليس كذلك؟ طيب، معجزة عيسى عليه السلام إيش كانت؟ في الطب، يبرئ الأكمه والأبرص؛ لأن عصر عيسى كان عصراً اشتهر فيه الطب. موسى عليه السلام، معجزة العصا، لماذا؟ لأنه يتعامل مع السحرة، مع المهرة في هذا الفن. فلاحظوا، كل معجزة ينزلها الله عز وجل على نبي من أنبيائه تكون، آه، من جنس ما يتقنه القوم؛ لأن تحدي الإنسان العاجز سخف، أليس كذلك؟ فانت عندما تأتي لتتحدى إنسان، آه، في الطب، وهو لم يدرس الطب في حياته ولا يعرف عنه شيئاً، أليس هذا سخفاً؟ لكن عندما تتحدى إنسان متقن لعلم الطب ويعرف مداخله ومخارجه، يكون هناك تحدٍ حقيقي. أنا لا أتحدى شخص عاجز عن علم معين لا يعرف فيه شيئاً، إيش فائدة التحدي؟ أنت تتحدى شخص لا يرى شيئاً في العلم، تقول لشخص -نسأل الله السلامة- مقعد: أنا أتحدى أن تجري، الناس إيش تقول عنك؟ تقول هذا سخف، تتحدى إنسان مقعد على كرسي، أليس هذا سخفاً؟ هذا ليس تحدياً، لكن تتحدى إنسان...
عداء تقول أنا سأسبقك وهذا تحدي حقيقي. فإذا نزول القرآن ليتحدى العرب في ميدان الفصاحة والبلاغة هو اعتراف ضمني من الشريعة الإسلامية بأن العرب كانوا على درجة عالية البيان والفصاحة. تمام.
فالله سبحانه وتعالى عندما أنزل هذه المعجزة الخالدة تخبرنا كتب علوم القرآن والنص القرآني نفسه يخبرنا أن هذا التحدي الذي تحدى الله عز وجل به الجاهلين وكفار قريش مر بعدة مراحل مرة في عدة مراحل. المرحلة الأولى الله عز وجل تحداهم بأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات. هذه المرحلة الأولى أن الله قال للكفرة لكفار قريش خصوصا وللعرب عموما آتوا بعشر سور مثله مفتريات.
عجزوا عن ذلك الله عز وجل سبحانه وتعالى خفف عليهم في التحدي. طالبهم أن يأتوا بسورة واحدة ما استطاعوا ذلك خفف الله سبحانه وتعالى. طالبهم أن يأتوا بآية واحدة ما استطاعوا خفف إلى آخر مرحلة طالبهم أن يأتوا بحديث فليأتوا بحديث مثله. أي حديث؟ حتى لو كان أقل من آية ما في مشكلة.
لاحظوا كيف مراحل التحدي عشر سور، صورة، آية، أي حديث. أربع مراحل للتحدي والعرب يقفون حائرين مندهشين. أيها الأحبة، الداعي عند العرب لبيان أن القرآن ضعيف وركيك ولا يقوى لأن يكون معجزة قوي جدا صح؟ عندهم داعي في داخلهم لبيان أن هذا كلام ضعيف ركيك.
هذا تقول معجزة هم يريدون هذا. الداعي عندهم لإبطال القرآن ولبيان ضعفه قوي جدا، فعدم قدرتهم على مجاراة القرآن والإتيان ولو بآية واحدة تضاهي القرآن هو اعتراف ضمني من الجاهليين بأن القرآن وصل فيه بلاغته إلى حد الإعجاز. أعجزهم هذا معنى حد الإعجاز أنه أعجزهم.
وذكرنا في المحاضرة السابقة الكلمة الشهيرة للوليد بن المغيرة حينما سمع الآيات ينطق بها النبي صلى الله عليه وسلم. فقال الوليد بن المغيرة: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وانه ليعلو ولا يعلى عليه. وحللنا هذه العبارة بالتفصيل في السابقة راجعوها.
ما الذي جعل الوليد بن المغيرة وهو من أساطير الكفار؟ وهو يريد إبطال القرآن ويهمه ذلك أن يتكلم بهذه الكلمة التي سجلها التاريخ. في الحقيقة لو أن كفار قريش كذبوا القرآن وضعفوا أسلوبه لافتضحوا، لو أن كفار قريش حتى مثلا يشوهوا صورة القرآن عند العرب عموما، لو أنهم طعنوا في أساليب القرآن البيانية لافتضحوا عند العرب لأن قريش كانت من أرفع العرب في اللسان.
فقدح قريش في بلاغة القرآن وفي أساليب القرآن سيجر عليه بالويل، فوقفوا عاجزين ساكتين يدركون أن هذا الكلام لا يمكن أن تعترض عليه بكلمة واحدة ولو في سطر واحد. تخيل سطر واحد ما استطاعوا يعترضوا عليك. وتجد اليوم الجهال السفاسفة من المعاصرين، الشخص منهم يظن نفسه له قدرة على الاعتراض القرآن أو جهل وأبو لهب والوليد بن المغيرة وأساطين كفار قريش.
تمنوا أن يظفروا بآية واحدة فيها خلل في البلاغة أطعنوا، تأتي أنت ولم يضربوا بشيء، تأتي أنت بعد ألف وأربع مئة سنة تجهل قواعد علم وعلم الصرف لتعترض على أسلوب بلاغي القرآن عيب عيب أن تتكلم أنت تزري بنفسك عندما تطعن في أساليب القرآن البيانية وكفار قريش سكتوا وأقروا بأن هذا القرآن خرج عن حد الإعجاز. عيب على هذه العقول، لكن عندما تكون العقول مؤجرة للاستعمار وتكتب بلسان الاستعمار وتكتب بقلم الاستعمار فحينئذ لا ضير في ذلك.
تمام، إذا عرفنا أيها الأحبة هذه القضية الأولى أو الدليل الأول، الدليل الأول على تفوق العرب الجاهليين بشكل عام في البلاغة. ما هو الدليل؟ تقول نزول القرآن الكريم ليتحدى العرب الجاهليين في ميدان الفصاحة والبلاغة هو اعتراف ضمني من الشريعة الإلهية بأن العرب كانوا على درجة عالية من هذا البيان، وإلا فإن تحدي العاجز عن الشيء ليس أو نسميه سخفا، وليس على درجة عالية من التحدي ولا يعتبر تحديا حقيقيا.
فإذا كما قلنا هو اعتراف وبقوة العرب البلاغية. طبعا هذا أيها الأحبة يقودني يعني إلى أن نلقي طالب العلم إلى أهمية دراسة بلاغة الجاهليين دراسة الشعر الجاهلي بتفصيل والوقوف على أساليب الجاهلية، هو الذي سيعينك على فهم إعجاز القرآن. لن تفهم إعجاز القرآن كده من كتب تفسير معاصرة تدخل فيها مباشرة، خطأ لن يفهم إعجاز القرآن إلا شخص عكف على كلام الجاهلية يحلله يفهم أساليبه، يفهم طريقتهم في التشبيه في الاستعارة في الدخول في الخروج ثم بعد ذلك يأتي للقرآن يفهم أساليب القرآن ويقارن بين الأسلوبين لنكتشف المسافة سيكتشف حينئذ المسافة.
أما إذا أنت لا دراية لك بكلام جاهلي ولا بأسبابهم، كيف ستكتشف المسافة بالله عليك لن تكتشف شيئا، فانتبهوا على أهمية دراسة الشعر الجاهلي. وإلا ستبقى ها سيبقى تأثركم بالقرآن تأثرا روحانيا عاطفيا، لكنه ليس آه ليس هذا التأثر تأثرا نابعا عن إدراك بلاغة القرآن وبيانه وسحر ألفاظه. فرق أيها الأحبة بين إنسان يتأثر عند سماع القرآن روحانيا عاطفيا وبين إنسان يتأثر عند سماع القرآن لشعوره بفخامة الألفاظ وروعة الأسلوب.
صح أنا يا شيخ أُريد أن أصل للمرحلة الثانية أن يكون تأثري بالقرآن ليس فقط تأثرا عاطفيا روحانيا، أريد أن أتأثر لأني أشعر بفخامة الأسلوب قوة العبارة وجمال الأداء. آه تريد هذا الميدان، عليك بعلم البلاغة تمام؟
إذا انتهينا من الدليل الأول الذي يدل على تفوق العرب في باب البيان. ننتقل للدليل الثاني، الدليل الثاني على تفوق العرب في امتداد الفصاحة والبيان يتجلى أيها الأحبة في الأدب الكبير والغزير الذي خلفوه وراءهم، مساجلاتهم النثرية والشعرية والتي تمثل برهانا واضحا على القدرات العالية التي وصلوا إليها.
الآن أيها الأحبة من يقرأ في كتب التاريخ يجد كمية غزيرة من الشعر الجاهلي. يجد أيضا كمية لا بأس بها وإن لم تكن غزيرة في خطب الجاهليين. هذه الشعر الجاهلي وهذه التي خلفوها وراءهم وتناقلتها كتب التاريخ، فيها دليل واضح بين على مدى التفوق البلاغي الذي وصلوه أيضا.
فكل من قرأ بتحليل وبعمق في هذا الشعر وفي هذا الأدب وفي هذه الخطب وفي هذه المنثورات يجد أنهم بلغوا يعني القدح المعلى وحازوا قصب السبق في هذا الميدان.
طيب يقول الجاحظ معلقا على بلاغة الجاهليين، وأنا أحب أن أنقل هذا النص حتى تفهم وتدرك ما هو المقدار الذي بلغه العرب في وفي فصاحتهم. يقول الجاحظ في البيان والتبيين مبينا تفوق العرب في ميدان البيان يقول: وكانوا أي العرب إذا احتاجوا إلى الرأي فيما التدبير ومهمات الأمور، يعني العرب كانوا إذا احتاجوا آه ليتكلموا في التدابير العظيمة وفي الأمور المهمة شخص بده يتكلم في في أمر مهم خطير محوري في حياة القبيلة مثلا ماذا كانوا يفعلون؟
قال: وكانوا إذا احتاجوا إلى الرأي في معاظم التدبير ومهمات الأمور، ذللوا الكلام في صدورهم وقيدوه في نفوسهم. أولا يرتبون المعاني في داخل النفوس. أها. لا يتكلمون بأي كلمة هكذا تأتي على الخاطر كما نفعل نحن، لا يرتبون المعاني جيدا في نفوسهم وفي أذهانهم لذلك قال دللوا الكلام في صدورهم وقيدوه في نفوسهم.
فتقييد الكلام وتذليله وإصلاحه وتنقيحه يبدأ من النفس فتختار المعاني الصحيحة الشريفة وترتب هذه المعاني في نفسك ترتيبا صحيحا. قال: فإذا قومه الثقاف، الثقافة أيها الأحبة هي آلة معروفة عند العرب من حديد أو من خشب يدخلون فيها الرمح حتى يعتدل ويصبح مستقيما.
فالثقاف أنا أنا لم أعرفها حقيقة لكن تكتب يعني لما تكون في كتب المعاجم وفي كتب غريب اللغة أنها آلة من الحديد أو من خشب، كانت العرب فيه الرماح إذا كان الرمح معوج العرب تضع هذا الرمح في داخل هذا الثقاف ليستقيم هذا الرمح ويصبح قاتل لا يوجد فيه إعوجاج. فهذا نوع من يعني الاستيعاب الآن هو يستخدم الاستعارة يقول: كان العرب تتعامل مع الكلام كما تتعامل مع الرماح. الرماح لا في الحروب حتى يضعوها في الثقاف لتعتدل، وكذلك الكلام الذي يتكلمون به لا ينطقون بألسنتهم قبل أن يدخلوا المعاني في الثقاف حتى تعدلها، والثقاف كما قال المكان اللسانية والبيانية، يدخلون المعاني التي
يريدون التعبير عنها في داخل هذه الثقة لتصبح معتدلة. قال: فإذا قومه، هذه المعاني، قومه الثقاف وأدخله الكير، الكير تبع الحداد، حتى ينفي عنها الخبث، الكلام الزائد والحشو الذي لا معنى له، وقام على الخلاص، أصبح أبرزوه محككا منقحا مصفا من الأدناس. طبعا الجاحظ قدراته عالية في التعبير. هذي الأفكار هذي، هذا المقطع من الجاحظ، يبين لك حقيقة ما كان عليه العرب أيها الأحبة، إتقان كانوا إذا أرادوا أمرا يتكلم به في الأمور العظيمة، أو مثلا يريدون مثلا أن يتشاوروا في الحرب أو في السلم أو ما شابه ذلك، فإذا كان عندهم معاظم التدابير ومهمات الأمور أرادوا أن يتكلموا بشيء في مجلس، في موضع، في محل، لا تأتي أي كلمة تأتي على خاطرهم هكذا يلقونها، لا، لا, ليست هكذا طريقة العرب، بل كانوا أولا ينظرون في المعاني في نفوسهم، يقيدون المعاني في نفوسهم، يرتبونها، ينظرون فيها ويتأملون قبل أن يتفوهوا بها.
حتى إذا قومها الثقاف واعتدلت واستوت في نفوسهم نطقوا بها، فكما قال: أبرزوها أو أبرزوه هذا الكلام محككا منقحا مصفا من الأدناس. وضحت الفكرة من كلام الجاحظ؟ تمام. هم إذا باختصار لا يقبلون كل ما يلد على خواطرهم من الألفاظ والتعابير، حتى في آلة السبك والتصليح ليظفروا بعدgetLast ذلك بتعبير رائق رفيع. آآ أعطيك شاهد على كلام الجاحظ، أعطيك أعطيكم أيها الأحبة شاهد على كلام الجاحظ: هناك مدرسة شعرية معروفة عند الجاهليين، واستمرت حتى العصر الإسلامي، تسمى مدرسة الحوليات. مدرسة شعرية تسمى مدرسة ايش؟ الحوليات. مدرسة الحوليات هم عبارة عن الشعراء الذين كانوا يجلسون حولا كاملا على قصائدهم يلقحونها ويهذبونها قبل أن يعلنوا بها. مدرسة الحوليات مدرسة شعرية معروفة عند العرب الجاهليين، واستمرت حتى العصر الإسلامي.
هذه المدرسة لماذا سميت مدرسة الحوليات؟ لأن الشاعر الذي يستخدم أسلوب هذه المدرسة كان لا ينشر القصيدة ولا يعلنها بين العرب حتى يجلس حولا كاملا ينقح هذه القصيدة ويتأمل ويهذب، عندما يرى القصيدة اعتدلت وقومها الثقاف كما يقول الجاحظ أخرجها للناس، سنة كاملة تنقع وتعدل القصيدة. نعم، لأنهم يرون أن هذه القصائد إذا خرجت ركيكة ضعيفة تنتقد عليهم سيتدمر مستقبلهم البلاغي والشعري يتدمرا تماما، لأن العرب مباشرة ما عندهم مجاملة في هذه الأمور، يدركون صاحب الكلام العالي الرائق وصاحب الكلام المتدني. فكانت هذه المدرسة أتباعها يهتمون جدا أن لا نصدر ولا نخرج أي شيء وننشر أي شيء حتى يتم تلقيحه لدرجة عالية.
أسس هذه المدرسة هو الشاعر أوس بن حجر، من الجاهليين. الشاعر أوس بن حجر هو الذي أسس هذه المدرسة، وعنه تلقى الشاعر الكبير زهير بن أبي سلمى، صاحب المعلقة المشهورة: أمن أم أوفى دمنة لم تكلمي. ثم بعد ذلك من تلقى عن زهير بن أبي سلمى؟ تلقى عنه ابنه كعب، والحطيئة الشاعر المعروف. إذا عندنا أوس بن حجر، تلقى عنه زهير بن أبي سلمى، وزهير بن أبي سلمى تلقى عن هذا الأسلوب كعب، ابنه كعب صاحب ايش؟ صاحب القصيدة المشهورة للنبي صلى الله عليه وسلم: بانت سعاد. هو صاحب البردة المشهورة كعب بن زهير.
هو من مدرسة الحوليات، فكعب أخذوا من من؟ من زهير وتعلموا هذا الأسلوب منه، ثم بعد ذلك جاء هدبة بن أشرم فأخذ هذا الأسلوب وتعلمه من الحطيئة. ثم جاء الآن ندخل في العصر الإسلامي، جاء جميل آآ بثينة، جميل المشهور بحبه وتغزله ببثينة فيسمى جميل بثينة، وهو جميل بن معمر أخذ هذا الأسلوب من آآ هدبة بن خشرم. ثم من أخذ هذا الأسلوب من جميل بثينة؟ أخذه كثير عزاء، طبعا كثير عزة أنه كان يتغزل في عزة، فهؤلاء من الإسلاميين معروف كثير، هذا كان يتغزل دائما في في شعره بعزة، وجميل كان يتغزل دائما ببثينة، فأصبح يسمى جميل بثينة وكثير عزة. إذا لاحظوا أن هذه المدرسة مدرسة أصيلة تبدأ من الجاهلية وتستمر حتى العصر الإسلامي، أوس، زهير، الحطيئة، كعب بن زهير، ثم هدبة، ثم بعد ذلك آآ جميل، ثم بعد ذلك آآ كثير.
فإذا مدرسة تهتم بالتلقيح والإصلاح قبل التصدير. وهذا يؤكد لنا هذه الفكرة، أنا لماذا رفضت هذا المبدأ حتى تتأكد ويترسخ في ذهنك كيف أن العرب لم يكونوا يتكلمون بالكلام جزافا. عندما تقرأ معلقة من معلقات الجاهليين للحارث بن حلزة أو عبيد بن الأبرص أو النابغة، عليك أن تدرك أن هذه المعاني أولا رتبت في الأنفس ترتيبا دقيقا ثم خرجت على اللسان، ولم تأتي هكذا معلومات شاردة أو مباشرة تكلم بها زهير أو آآ من شابهه. نعم بعض الجاهليين كان عنده قدرة عالية على الارتجال، لكن الذي كان يرتجل لم يكن يرتجل حتى يكون متوثقا أن المعاني ترتبت في داخله ليلقيها على الناس. إذا هذه فائدة، آآ إذا آآ نحن ما زلنا نتكلم في الدليل الثاني من أدلة تفوق العرب.
قلنا باختصار هذا الدليل ما هو؟ هو ما خلفه العرب في مساجلاتهم النثرية والشعرية دليل على تفوقهم، وتكلمت عن نص، تكلمت عن مدرسة الحوليات. آآ أيضا من آآ ما زلت أتكلم في هذا الدليل: الأسواق الجاهلية، دعونا نتكلم عن الأسواق الجاهلية. أسواق الجاهلية معروفة أيها الأحبة، التي كانت في مكة: سوق عكاظ وسوق المجنة وذي المجاز وغيرها من الأسواق. كانت هذه محافل يجتمع فيها فحول شعراء العرب وفحول الخطباء لينقلوا أشعارهم ويحتكمون.
فالأسواق التي كانت في مكة وفي غيرها أيضا من مناطق العرب، وأشهرها سوق عكاظ، هذه كانت محافل يجتمع فيها فحول شعراء العرب للمساجلات الشعرية ويتحاكمون إلى من؟ تذكر كتب التاريخ أنهم كانوا يتحاكمون إلى قبيلة قريش. هذه المعلومة مهمة جدا لكم: إلى من كان يتحاكم شعراء العرب؟ إلى قبيلة قريش، وقريش هي التي نزل فيها القرآن وعجزت عن مجاراته. طب لماذا الشعراء الفحول كانوا يتحاكمون إلى قبيلة قريش؟ قالوا: لأن قبيلة قريش كان لها آآ الفضل في علوم البيان والبلاغة أو في الأساليب البيانية والبلاغية، قد سبقوا غيرهم من قبائل العرب في ذلك.
وحاجوا قريش، كانت العرب، فحول شعراء العرب يحتكمون إلى قبيلة قريش في تحديد ايش؟ يعني يحتكمون، يعني أي الشعر أفضل؟ شعر الشاعر الفلاني أو الشاعر الفلاني؟ يأتي رؤوس آآ قريش ينظرون، يسمعون من الشاعر الفلاني ثم يأتي شاعر آخر ينهض يتكلم فيحكمون: لا، فلان أفضل لأنه أتى بكذا وتكلم بكذا. لاحظ الملاحظات البيانية، ملاحظات بيانية تبديها كيف لجنة التحكيم الآن؟ مش عندنا الآن آآ أصبحت مباريات شاعر العرب وشاعر ما شابه ذلك؟ هكذا كان يحدث في آآ أسواق الجاهلية، لكن على نمط أعلى: تأتي لجنة من كفار قريش للحكم بين الشعراء، أي شعراء هو الأفضل؟ أيهم كان أفضل أسلوبا؟ جيد.
آآ كذلك كانوا يحتكمون إلى بعض الشعراء المعروفين، لم يكن الاحتكام فقط لقبيلة قريش، كانت قبيلة قريش عندها احتكار، وأيضا بعض الشعراء كانوا يحتكمون في هذه الأسواق آآ لشعراء فحول معروف عند العرب أنهم فحول. فيأتي الشعراء الناشئة الصغار، يعني الصغار في الأداء، ليس الصغار عمرا، هم كبار في نهاية العمر، لكن من حيث الأداء، فيحتكمون عند من؟ عند فحول شعراء العرب. فتعرفوا كتب التاريخ أنهم كانوا مثلا يحتكمون للنابغة الذبياني، صاحب المعلقة المشهورة: يا دار مية بالعلياء فالسند أقوى وطال عليها سالف الأبد وقفت فيها وسيلانا أحاورها أي جوابا وما بالربح من أحد إلى آخر منظومته، منظومتي، أنا أقول منظومة هي معلقة، ننظم متعودين على المنظومات العلمية.
آآ فالنابغة الذبياني أيها الأحبة كان أيضا آآ يحتكم إليه في الشعر، ويرجع الشعراء الناشئة إليه، بل حتى غير الناشئة في الحقيقة. ترى أنا وقفت على القصة الآن، ساقول لكم قصة: حتى الشعراء الفحول كانوا يحتكمون، كانوا يحتكمون إلى، والآن ساسرد لكم قصة آآ تعطيكم ربما أو تفتح لكم آفاقا في فهم معنى كلامي، أن عصر الجاهلية كان عصر إبداء الملاحظات البيانية. الطالب يريد أن يفهم أكثر وأكثر، أنت تقول يا شيخ المرحلة الأولى مرحلة إبداء
البيانية ما زالت هذه العبارة عندي غير واضحة. إيش يعني إبداء ملاحظات بيانية؟ آه، احتمال قصة واحدة تبين لكم ما معنى إبداء البيانية. هذه القصة يرويها أبو الفرج الأصفهاني في كتاب الأغاني. طبعا هذا الرجل عليه علامات استفهام، كتاب عليه علامات استفهام، لكنه موسوعة تاريخية؛ يعني لا تجعل نظرتك للشخص أو للكتاب تمنعك من الاستفادة منه، لأنه بعض الطلاب عنده وجبة الإغلاق الفكري زيادة، خلص هو أبو فرج الأصفهاني كتاب الأغاني لا نبتعد. إذا كنت واثقاً من مكنتك العلمية، اقرأ واستفد وستجد علماً.
المهم النابغة أيها الأحبة، عفواً، أبو الفرج الأصفهاني ينقل لنا في كتاب الأغاني قصة، قصة احتكام وقعت للنابغة مع حسان بن ثابت الصحابي الجليل. طبعا حسان بن ثابت مخضرم، لأنه عاش في الجاهلية وعاش في الإسلام، وهو عاش مئة وعشرين عاماً، من المخضرمين، ستون عاما في الإسلام، عفواً ستون عاماً في الجاهلية وستون عاماً في الإسلام، عاش كثيراً رضي الله تعالى عنه.
ما هي تفاصيل هذه القصة؟ يقولون النابغة الذبياني فضل الخنساء، تعرفون الخنساء رضي الله عنها الشاعرة التي بكت على أخيها في شعرها المشهور: عيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى. يقولون النابغة الذبياني في إحدى المجلات فضل الخنساء على حسان بن ثابت، فحسان بن ثابت ثارت ثائرته. كيف تفضل علي الخنساء؟ كان حسان القى القصيدة وحسان بن ثابت القى قصيدة، فالنابغة الذبياني فضل الخنساء، فضلها على جميع بنات جنسها على النساء، وفضلها على حسان بن ثابت، فغضب حسان بن ثابت، كيف تفضل عليه الخنساء؟
المهم فماذا قال حسان بن ثابت للنابغة الذبياني؟ هذه قصة مساجلة وقعت في أسواق الجاهلية. حسان بن ثابت قال للنابغة كما ينقل أبو الفرج، قال له: أنا والله أشعر منك ومنها! الآن حسان بن ثابت يعني خلص الأمور غضب رضي الله تعالى عنه، فقال للنابغة الذبياني: تفضل علي الخنساء، طبعا النابغة هو حكم في النهاية، هو الحكم فضل الخنساء كما قلنا، حسان ثارت ثائرته فقال للنابغة الذبياني: أنا والله أشعر منك ومنها، يعني مش من الخنساء ومنك أيها النابغة، ما بدنا نحتكم إلك. فقال: أنا والله أشعر منك ومنها! فقال له النابغة: حيث تقول ماذا؟ إيش الدليل على أنك أشعر مني ومنها؟ أعطني دليلاً! فقال له حسان بن ثابت: حيث أقول، يعني أنا أقول: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى، وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً، ولدنا بني العنقاء وابن المحرق، فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً. دعوني أكتب هذين البيتين على السبورة، كم ذهب من الوقت؟ دعنا لا نتجاوز الساعة والنصف.
سامحوني أيها الأحبة أنا أظن مثل هذه الأمور توطئات مهمات جداً حتى يعرف الطالب قيمة العلم الذي هو مقبل عليه. يقول حسان بن ثابت: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى، وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً، ولدنا بني العنقاء وابني محرق، فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً، ومرت معنا هذه الكلمة أن العرب تقول ابن وابن من. ابن من لغة؟ وهي بمعنى ابن، فكأنه قال: أكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً، أكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً. الآن ساعود إلى القصة، كتبت لكم على السبورة دعها على السبورة حتى يكتب الإخوة.
لـنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى، وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً، ولدنا بني العنقاء وابني محرق، فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً، يعني وأكرم بنا ابناً وهذه لغة، تقول ابن وابن من. طيب.
الآن آتي بالكاميرا، الآن أيها الأحبة النابغة سمع هذين البيتين من حسان بن ثابت. عاتب حسان بن ثابت هو مجادل النابغة الذبياني، حتى يعني يحرج أنه أنت كيف تفضل هذه الخنساء؟ أنا أشعر منك ومنها؟ قال له النابغة: أعطني دليلاً. فقال هذين البيتين، فقال: أبداء الملاحظات البيانية. لاحظوا أن هذه الملاحظات هي المادة الخام، قال الذبياني: إنك لشاعر لولا أنك قللت عدد جفانك. قال له: كيف ذلك؟ قال: إنك قلت الجفنات فقللت العدد، ولو قلت الجفان لكان أكثر. يعني هذا أول خطأ وقع فيه حسان بن ثابت أن كلمة الجفنات.
الآن ستخضعون إلى طالب يقول: شيخنا دفن البيت قبل ما أن نشوف الكلام. الآن ما معنى هذا البيت؟ حسان بن ثابت يقول في البيت: لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى. هذا المقطع الأول هو كناية عن الكرم، كرم قبيلة حسان بن ثابت يقول: لنا الجفنات جمع جفنة وهي التي يوضع فيها الطعام للضيوف وللفقراء وللمساكين، فهو يريد أن يبين إيش؟ الكرم الغزير لقبيلته، يريد أن يفتخر أننا قبيلة لنا كرم غزير، فعندنا جفنات دائماً غر بيضاء يلمعن في وقت الضحى حينما يأتي الضيوف والفقراء والناس المحتاجة خذ منا الطعام، فهو إلى الآن يمدح كرم قبيلته، صح؟ يمدح الكرم، واستخدم أسلوب الكناية، هذا أسلوب الكناية عند العرب، كيف نقول فلان كثير الرماد؟ هذه كناية عن كثرة الضيوف، أنه كثرة الرماد معناها في طبيخ كثير، طبيخ كثير معناها في ضيوف كثير، فهذا نفس القضية، لأن الضحى عندنا جفنات كثيرة تلمع في وقت الضحى، كناية عن الكرم.
طيب والمقطع الثاني: وأسيافنا يقطرن من نجدة دماً، كناية عن الشجاعة والقتال وأصحاب حرب، قال: أسيافنا تقطر دماً. ثم قال: ولدنا بني العنقاء. العنقاء هو ثعلبة بن عمرو، ثعلبة بن عمرو هو أحد الأزد. طيب حسان بن ثابت هو من أي قبيلة؟ هو من الخزرج من الأنصار، صح؟ ومن قبيلة الخزرج، والخزرج يعودون إلى قبيلة الأزد. ثعلبة بن عمرو واحد أجداد الأزد القدماء في اليمن، وقبيلة الخزرج التي ينتسب إليها حسان بن ثابت هم يعودون إلى هذه القبيلة، إلى قبيلة الأزد، فقال: ولدنا بني العنقاء، يعني ولدنا هذا الحي بني العنقاء ولدنا، تقول: نحن ولدنا بني العنقاء.
طيب قال: وابني محرق. محرق من هو؟ هو جبلة بن الحارث أمير الغساسنة وهو أيضا من الأزد، وهو أيضا من الأزد وكان أمير الغساسنة في الشام، فيقول: ولدنا بني العنقاء وابني محرقة، فأكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابناً، تمام؟ فهو يعني يفتخر أيضاً بهذا أبناء العنقاء اللي هو ثعلبة، ويفتخر أيضاً بابني محرق أمام الناس، وكأنهم هؤلاء رجال كان لهم أثر في أيام العرب، كان لهم أثر كبير في أيام العرب فيفتخر، فقال: نحن ولدنا بني العنقاء ونحن ولدنا أبناء ابنين محرقين ومحرقين.
فنقل الذبياني المهم سمع هذه الأبيات فماذا قال لحسان بن ثابت؟ قال: إنك شاعر، يعني كلام جميل وقوي متين، لكن هناك ملاحظات. الملاحظة الأولى: أنك قلت لنا الجفنات الغر. الجفنات إيش نوعها من يا مشايخ؟ جمع إيش؟ جمع مذكر سالم، مؤنث؟ مؤنث سالم ممتاز. جمع المؤنث السالم من جموع القلة، من جموع القلة يدل على عدد من ثلاثة إلى عشرة فقط، يدل على عدد من ثلاثة إلى عشرة فقط ولا يدل على أكثر من ذلك، فإذا قلت عندي جفانات معناها أنت عندك كم جفنة؟ يا ثلاثة يا أربعة يا خمسة لعشرة فقط، ما عندك أكثر من هيك.
فهذه فلسفة جموع القلة، وجمع المؤنث السالم من جموع القلة، فالنابغة الذبياني يقول لحسان بن ثابت: كيف مطابقة الكلام لمقتضى الحال؟ الفلسفة هذه. الآن هو الحال الذي يتكلم عنها حسان بن ثابت حال إيش؟ يريد إظهار الكرم والجود الغزير، إذن كيف ينبغي أن يأتي بكلام يطابق هذه الحالة؟ حال الافتخار بالكرم والجود المقام من الجفنات، أتَى بجمع قلة، جمع القلة لا يتناسب مع حال الافتخار بالكرم وكثرة الجود، كان عليه أن يأتي بجمع كثرة فيقول جفان، فيقول جفان ولا يقل جفنات، فجفانات جمع قلة وأنت الحال الذي تتكلم عنه حال افتخار بالجود والكرم، والجفانات جمع قلة فيدل على ثلاث أربع تسع عشر جفنات لا تزيد عن ذلك، فالاتيان بجفنات في مقام الافتخار بالكامل غير مناسب، هذا الخطأ الأول الذي وقعت فيه يا حسان بن ثابت. جاء وطول خطأ. ربما قل لنا الجفنات، ثم قال: هذه إذا الخطأ الأول في الجفنات. ثم قال له النابغة: وقلت يا حسان يلمعن في الضحى، فحددت اللمعان في أي وقت؟ في وقت
بعد الفجر بعد الشروق. تمام؟ ولو قلت: يبرقن بالدجى الدجى الليل لكان أبلغ؛ لأن الضيف بالليل أكثر طرقا. الضيوف في العادة في حدا بيجيك الساعة سبعة الصبح، ثمانية الصبح بيت بقول لك أنا جاي؟
متى الناس بيجوا عندك بتتعشى؟ عشرة بالليل. صح؟ فقال: كان عليك أن تقول لنا الجَفَنَاتُ الغُرُ يلمعن بالليل؛ لأن الليل هو الذي يأتي فيه الضيوف بكثرة. يعني تخيل واحد بخيل يقول لك: أنا الحمد لله وضع السفرة عالساعة سبعة الصبح، اللي بده يجي حياه الله. هل هذي كرم؟
هذا ليس كرم أن تكون الصفرة توضع الساعة السابعة صباحاً أو الثامنة، ما أحد لا مستيقظ ذاك، والكل في عمله. الكرم تضع الطعام في الوقت الذي يكثر فيه الناس، في الوقت الذي يكثر فيه الناس وهو الليل، الناس تتزاور ليلاً. تمام؟
قال: وقتل المعنى في الضحى ولو قلت: يبرقن في الدجى لكان أبلغ في المديح؛ لأن الضيف بالليل أكثر طرقاً. ثم انظر الخطأ انتهى من الخطأ الثاني. الخطأ الثالث قال: وقلت يقطرن من نجدة دما. إيش قالوا؟ أسيافنا يقطرن من نجدة دما. الآن يقطرن من القطرات، يعني أسيافنا تقطر قطرات دم. طب أنت الآن تريد تتكلم أو تفتخر ليش؟ بالشجاعة. طب كلمة تقطُرنا دما هي المناسبة للافتخار بالشجاعة؟ ولا كما قال النابغة؟ كان ينبغي أن تقول.
أها، كان ينبغي أن يقول، يا جرين هذه الكلمة هي المناسبة للحال الذي تتكلم عنه. جميل. قال: ولو قلت يجرين لكان أكثر الانسداد الدم. قال: وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك. أه. قال في البيت:
حسان هو أشبع قال: ولدنا بني العنقاء. إنه إحنا ولدنا بني العنقاء. هذا ولدنا هذا الحي، أبناء بني العنقاء أيضاً ابني محرق، فهو افتخر بمن ولده. طب ليش يقول لي ولدهم؟ إنما أجدادهم. لكن هذا المعنى افتخر بمن ولد ولم يفتخر بمن ولده. والانسان أيها الأحبة يفتخر بمن ولده، هذا أبلغ في الافتخار تقول: أنا ابن فلان الفلاني. صح؟
الآن لو قلت: والله قبيلتنا فلان قبيلتنا ولدت فلان الفلاني افتخار، لكن مش على قدر عالية. لكن لو قلت: أنا ابن فلان الفلاني هذا قدر عارف الافتخار لك أنت خصوصاً. لما تقول: قبيلتي ولدت فلان الفلاني، قبيلتنا طلعت فلان ابن فلان، قبيلتنا جابت دكتور من أمريكا معه شهادة، هيك بحكوا الناس، قبيلتنا جاءت بكذا وكذا. افتخر بمن ولده ولم يفتخر بمن ولده، لكن لو قال: أنا ابن فلان الفلاني كان أبلغ في الافتخار. مش مشكلة المهم أن تكون الأفكار يعني عموماً أن تفهموا أبداء الملاحظات البيانية.
قال: فقام حسان منكسراً منقطعاً. بس انتهى. بينا كل الأخطاء: الجفاف الضحى، يقطرن، افتخرت بمن ولدت ولم تفتخر بمن ولدك؛ فحسان ما وجد شيء الكلام صحيح، كلها انتقادات صحيحة. لاحظوا هذه الملاحظات البيانية هذه هذا هو نسميه الملاحظات البيانية. وهذا ما يسمى اليوم بعلم نقد نقد الشعر. هذه ملاحظات البيانية هي التي استثمرها العلماء فيما بعد، الجاحظ وما بعد الجاحظ حتى وصلنا لعبد القاهر الجرجاني في وضع فلسفة علم البلاغة. تمام؟
طيب، الآن أيها الأحبة لا أطيل أكثر من ذلك في هذه القضية، أه ما زلنا نتحدث إذاً عن التفوق أه البلاغي دلائل التفوق البلاغي، وما زلنا في الدليل الثاني. وهي المساجلات النثرية والشعرية التي سجلتها كتب التاريخ؛ الشعراء هي أكبر شاهد على ماذا؟ على بلاغة العرب. أكبر شاهد تكلمنا عن المساجلات التي كانت تحدث في الأسواق. وهذا مثال عليه، تكلمت عن أه أه مدرسة الحوليات، وتكلمنا أيضاً وعلقنا على مقولة الجاحظ، كلها تشهد على التفوق على أه البلاغة عند العرب.
أه الآن قبل هاي المرحلة يا مشايخ القول الأول نحن مسحنا كل شيء، الطور الأول طور النشأة، والطور النشأة يبدأ بالعصر الجاهلي وينتهي بما بعد الخلافة الراشدة. إذاً العصر النبوي يدخل في هذه المرحلة، مرحلة النشأة. إذاً محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة وهو بابي هو وأمي أمي أفصح من نطق بالضاد. أفصح وأبيّن، ومن حاز جوامع الكلم هو محمد صلى الله عليه وسلم.
كلماته همساته كانت من جوامع الكلم، لكن أنا الآن أريد أن أقف على مقولة الجاحظ، الجاحظ أقوى مني في التعبير عن بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام. أه الجاحظ يصف بلاغة النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها أتي بالبيان والتبيين للجاحظ لأنقل نص الكلام. يقول الجاحظ في بيان بلاغة سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم:
لم ينطق إلا عن ميراث حكمة. لم ينطق إلا عن ميراث حكمة. كأنها حكمة ورثها، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشيد بالتأييد. وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول، وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الأفهام وقلة عدد الكلام مع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفهمه خطيب.
لا عدو يقول كلام النبي عليه الصلاة والسلام. الآن فهمنا القرآن معجز، لم يستطع أحد أن يعارضه. طب نحكي على النبي عليه الصلاة والسلام، هل أحد من العرب من كفار قريش أن يجد على النبي صلى الله عليه وسلم سقطة في حديث أو زلة في كلمة؟ لم يجد. الآن شف حسان بن ثابت كم زلة وجدت له؟ منها اللغة الذبياني خطأ في البيان طبعا زلة نفس الخطأ في البيان، وجد له أخطاء بيانية. في النهاية هل وجد النبي صلى الله عليه وسلم خطأ بياني واحد؟ لا.
لذلك الجاحظ يقول: وجمع له بين المهابة والحلاوة، وبين الأفهام كلامه مفهوم صلى الله عليه وسلم. وقلة عدد الكلام صدقوني أيها الأحبة تذهب تقرأ كلام النبي صلى الله عليه وسلم في البخاري في مسلم، حتى ولو كنت جاهل بالعربية مبتدأ تفهم. تذهب تقرأ الخطب العرب لا تفهم؛ لأن هذا كلام عظم، وهذا كلام عربي. لكن صلى الله عليه وسلم جمع فخامة الألفاظ في وضوح المعنى واختيار أسفل الألفاظ حتى تكون هذه الشريعة شاملة إلى يوم القيامة.
لذلك صدق الجاحظ حين قال: وجمع له بين والحلاوة بين حسن الأفهام وقلة عدد الكلام، ومع استغنائه عن إعادته، وقلة حاجة السامع إلى معاودته. لم تسقط له كلمة ولا زلت له قدم ولا بارت له حجة ولم يقم له خصم ولا أفحمه خطيب.
فإذاً النبي عليه الصلاة والسلام حينما نتكلم عن بلاغته عن فصاحته عن أساليبه البيانية نحن نتكلم عن الذوق الرفيع، نتكلم عن أرقى الأساليب وأجل الأنواع في الأساليب وفي إلقاء الخطب. فينبغي لطالب العلم أن يدرس ليس فقط معنى الحديث، بل ينظر أساليب النبي عليه الصلاة والسلام البيانية باسم المشكاة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا أختيل أكثر من ذلك الكلام يطول.
كذلك أه أبو بكر في خطبه عمر خطبه عثمان خطبهم دون كثير منا في كتب التاريخ كلها تشهد بأن عصر الخلافة الراشدة وأن الخلفاء الراشدين أيضاً كانوا على معان من البيان والفصاحة والبلاغة. لا لن استقصي أكثر من ذلك، ولا هبة هي ومضات سريعة.
لكن ما أريد التحدث عنه حتى تنتبه على بعض القضايا التاريخية المهمة أه أه هي أنه من تتبع العصر الجاهلي والعصر الإسلامي في الخلافة الراشدة سيدرك أن البيان اللساني هو الأداة الإعلامية في تلك الفترة لتوجيه مشاعر الجماهير. الآن في عصرنا الحاضر الأدوات الإعلامية مختلفة؛ السينما، الأفلام، المسلسلات، وسائل التواصل، كلها هي التي توجه مشاعر الجماهير. صح؟
لو جاء واحد من يعني كفار قريش والآن يعطي خطبة أسماء في المسجد ويتكلم بالأساليب البلاغية، هل ستحرك مشاعر أحد أه العوام الموجودين في الوقت الحاضر؟ الشيخ نسأل الله يرحم والديك، نعم أدنى حاجة ائت من أحد المعاصرين اللي يعاني من العوام بمسلسل أه يؤثر في مشاعر أكثر من خطبة. إذاً الأداة الإعلامية اليوم اختفت.
في عصر الجاهليين وفي عصر الخلافة الراشدة الأداة الإعلامية التي كانت تلعب بمشاعر الجماهير هو البيان. لذلك إذا كان الإنسان أوتي بياناً عالياً ضائقاً يستطيع أن يستدير القبيلة بأكملها على قبيلة أخرى، يستطيع أن يأخذ بزمام المبادرة في موضوع معين من.
البيان؛ لأن عوام العرب كانوا يفهمون ويتلذذون حين يسمعون الشعر وحين يسمعون المنثورات، يفهمونها يدركونها، ليس مثل عوام اليوم يعني لا يفهم شيء من العربية إلا الكلام العامي، فهذه القضية مهمة جدا.
حتى في دراسة التاريخ وفي تأثير أشخاص معينين على عقول الناس في الفترات السابقة، وكيف ظهرت البدع والفرق؟ سأتكلم عن شيء من ذلك، مظاهرة البدع والفرق وأصل بالعطاء، فيلاة القدر، عمران بن حطان الخارجي، رؤوس البدع كانوا أصحاب بيان.
كيف استطاعوا أن يأخذوا بقلوب الجماهير والعوام؟ كيف تأسست هذه الفرق؟ اللسان اللسان الجاحظ، وما أدراكم ما الجاحظ؟ رأس رؤوس المعتزلة، ولكن سحر البيان. لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ماذا قال في الحديث الذي رواه مالك في الموطأ: إن من البيان لسحرا.
البيان في عصر الجاهلية خصوصا يسحر، يجعل الحق باطل والباطل حق. لذلك مالك بن دينار، إن هذه المقولة لمالك بن دينار يقول، وعجبتني هذه المقولة أحببت أن أقولها لكم، يقول: لما سمعت الحجاج يخطب -حتى تعرف الحجاج لسانه بيانه- لما سمعت الحجاج يخطب يذكر ما صنع به أهل العراق وما صنع بهم يقع في أنهم يظلمونه وأنه صادق، يعني الحجاج المجرم بسفك الدماء من شدة بيانه لما يأتي يصور نفسه في صورة في الخطبة وأنه مظلوما لا رفض له من شدة بيانه، فعلا تعتقد أنه هو المظلوم، مع أنه لم يدع لم يضع السيف على عاتقه ما خلاه حتى في العراق إلا نزل بهم على بعض المحاسن التي تذكر له.
لكن يعني مالك بن دينار هو يريد أن يشير في هذه المقولة إلى أن البيان خطير، أما الحجاج يستطيع يقنع الناس أنه هو مظلوم مع أنه هو الظالم. فإذا البيان اللساني في العصر الجاهلي وفي عصر الخلافة الراشدة بشكل عام حتى بعد الخلافة الراشدة يعني حتى في العصر الثاني عصر النبوة، البيان اللساني كان أداة إعلامية خطيرة ومهمة جدا في التلاعب بمشاعر الجماهير كما يقولون اليوم.
فستدرك بعد ذلك هذه المقولة حينما تعود إلى كلام الجاهليين لماذا بعض القصائد أثارت حروب، لماذا بعض الخطب كانت سبب في مشاكل؟ لأن البيان عندهم مؤثر، كلمة واحدة تسقط شخص وترفع شخص، عنده تهدم قبيلة وترفع قبيلة، فهذه القضية نبهت عليها أن البيان اللساني كان له الدور الإعلامي. وبالتالي الدور الإعلامي إذا مقدار الاهتمام فيه سيكون كبيرا.
لاحظوا اليوم بأن التلفاز هو الموجه الإعلامي والمسلسلات إلى غير ذلك من الأمور، تجد الاهتمام بالإخراج والسينما والعدوة وإلى آخره. لكن الجاهليون أدااتهم الإعلامية ايش كانت؟ لسان، اللسان فكانوا يحتاجون إلى أساليب البيان، طبعا هم لم يدرسوها في قرابينهم، لكن يهتمون كما قال الجاحظ بتهذيب الكلام وتنقيحه وتنقيته قبل إخراجه والتفوه به؛ لأنهم يدركون أن كلمة واحدة قد ترفع وقد تنزل بالشخص.
تمام، هكذا نكون أيها الأحبة انتهينا ربما من العصر الأول، لاحظوا أخذت وقتي في بيان العصر الأول عصر النشأة، لكن أظن أن هذه المفاهيم وهذه المواقف مهمة جدا حتى يتصور الطالب من أين تنشأ العلوم؟ وكيف صارت عجلة هذا العلم من بدايته؟ وأختم، طبعا اليوم ندخل في عصر النمو؛ لأن ضمن المحاضرة ساعة ونص الآن انتهت، لا أقتحم أكثر من ذلك لأثر على الطلبة.
لكن ما أريد أن أختم به أيها الأحبة أنه ينبغي لطالب العلم الذي يريد أن يتصدر الدفاع عن العقيدة، ولإفتاء الناس، ولدعوة الناس إلى المنهج الحق، طالب العلم الذي يرنو إلى هذه المراتب عليه أن يدرس علم البلاغة، حتى تقوى حجته، حتى يقوى لسانه، أسلوبه في التعبير، يفهم كيف يجذب قلوب الناس من بلاد العبارات والألفاظ؛ لأن الطالب بعض الطلبة قد يكون جيد جدا أيها الأحبة عندهم معلومات، لكن إذا أقمته على منبر لا يحسن أن يجمع كلمة، لا يستطيع أن ينشئ عبارة مفهومة هادئة غير ممجوجة مشكلة.
فدراسة علم البلاغة والأساليب، أن يتعود الطالب بعد ذلك من الدراسة النظرية التطبيقية، يتعود الطالب على هذه الأساليب ويحفظ كمية منها، يجعل دعوته مقبولة وحجته منصورة ومنهجه قائما بإذن الله. هذا نهاية المجلس وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل