تسجيل الدخول

المراحل التاريخية لعلم البلاغة (٢)

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

فيا لغتي، أيا صرحاً عظيماً تهاوت عندها هيبة الصروح! أنت البحر للغواص عشقاً، وأنت للقصيد طموح.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على حبيبنا وعلى قرة أعيننا، محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه المنظومة المباركة؛ منظومة مئة المعاني والبيان لترشحنا الحنفي رحمة الله تعالى عليه. ولم ندخل بعد أيها الأحبة في هذه المنظومة، وما زلنا نعيش في المراحل التاريخية التي مر بها علم البلاغة: مرحلة النشأة، ثم بعد ذلك مرحلة النمو، ثم مرحلة الوضع، ثم مرحلة المتون والمصنفات والحواشي.

فذكرنا في المحاضرات السابقة أن هذا العلم إذا مر في أربع مراحل؛ تبدأ من مرحلة النشأة، ومرحلة النشأة هي العصر الجاهلي والعصر الإسلامي إلى نهاية الخلافة الراشدة تقريباً. طبعا كل هذه الحدود بداية ونهاية هي حدود ايش؟ تقريبية وليست تحديدية يعني بالشكل الدقيق، وإنما نحن نحاول أن نقرب. وميزة مرحلة النشأة كما ذكرنا في المحاضرة السابقة آه هو إبداء الملاحظات البيانية؛ مرحلة هي مرحلة إبداء الملاحظات البيانية.

فذكرنا أن الجاهليين كانوا يبدون ملاحظات بيانية حول أسلوبهم في الخطابة، حول أسلوبهم في الشعر. وكانت هذه الملاحظات البيانية تلقى في أماكن متعددة، ومن أشهر هذه الأماكن التي كانت تطرح فيها هي أسواق الشعر؛ سوق عكاظ وغيرها من الأسواق التي كان يجتمع فيها الشعراء للمساجلات الشعرية، ثم يتحاكمون إلى قبيلة قريش أو إلى بعض الشعراء الفحول، وحينئذ تظهر الملاحظات والتعليقات والأساليب وتفضيل شاعر على شاعر آخر.

هذه الملاحظات التي نشأت في العصر الجاهلي، بل حتى في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وفي عصر الصحابة إلى نهاية الخلافة الراشدة، استثمرها العلماء فيما بعد في وضع قواعد علم البلاغة، استثمرها العلماء فيما بعد في وضع قواعد وقوانين لعلم البيان. وذكرنا أيضا أن هناك دلائل على تفوق العرب الأوائل في باب البيان، صح؟

ذكرنا دليلين؛ الدليل الأول الذي يدل على أن العرب الجاهليين -طبعا ويدخل في هذا العصر الإسلامي حتى نهاية الخلافة الراشدة- أنهم كانوا متفوقين في باب البيان هو ماذا؟ نزول القرآن الكريم ليتحدى العرب في باب الفصاحة والبيان. فالمعجزة الخالدة التي أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم مجالها الأساسي في التحدي هو مجال الفصاحة والبيان، وهذا اعتراف من الشريعة ضمني بأن العرب كانوا على قدر عالٍ. لماذا؟ لأنك لا تتحدى من هو عاجز عن شيء، لا تتحدى أنت شخصاً عاجزاً عن شيء، وإنما تتحدى الشخص الماهر الحاذق في الشيء تريد أن تظهر تفوقك عليه فيما هو متقن له، وهذه عادة معجزات الأنبياء؛ أن معجزات الأنبياء تكون من جنس ما يتقنه أقوامهم، تماماً.

ثم ذكرنا الدليل الثاني على تفوق العرب وهو ما خلفوه من تراث كبير في مساجلاتهم الشعرية، وهذا أكثر، وبعض المساجلات النثرية. وذكرنا مدرسة الحوليات، وذكرنا كما قلنا قضية الأسواق الشعرية. وذكرنا في النهاية يعني كانت خلاصة هذا المبحث أن الفصاحة والبيان كان هو الأداة الإعلامية لتوجيه مشاعر الجماهير في تلك الحقبة، لذلك كان الاهتمام به كبير جداً؛ الأداة الإعلامية للأخذ بقلوب الجماهير، قلوب القبائل، قلوب الشعوب، كانت الفصاحة والبيان، لذلك كان الاهتمام بها كبيراً، تماماً.

إذاً، هذه مرحلة النشأة درسناها بالتفصيل. اليوم بإذن الله ننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة النمو، وكل هذه المحاضرة السابقة أن مرحلة النمو تبدأ من بداية الخلافة الأموية تقريباً حتى الجرجاني. الجرجاني هو رأس المرحلة الثالثة، الجرجاني غير داخل في المرحلة الثانية، لا؛ هو رأس المرحلة الثالثة الجرجاني رحمة الله عليه مرحلة الوضع لعلم البلاغة. فمرحلة النمو تبدأ من بداية الخلافة الأموية وحتى عام أربعمئة وواحد وسبعين، أربعمئة وأربعة وسبعين على خلاف. فهذه المرحلة والحقبة الزمنية التي دخلت فيها مرحلة النمو.

الآن أيها الأحبة، ساذهب إلى السبورة. قلنا مرحلة النمو في المحاضرة السابقة ايش سمة مرحلة النمو كانت سمة مرحلة النمو؟ كانت فيه التوسع في إبداء الملاحظات البيانية. طبعا مصطلح إبداء الملاحظات البيانية أنتم فهمتموه في المحاضرة السابقة من خلال التطبيق على المساجلة التي وقعت بين حسان بن ثابت والنابغة الذبياني؛ أصبحتم تفهمون كيف تكون الملاحظات البيانية. المهم مرحلة النمو الأساسية التوسع في إبداء الملاحظات البيانية، ومحاولة جمع هذه الملاحظات، وأيضاً إقامة بعض الدراسات أو القيام ببعض الدراسات على هذه الملاحظات، القيام ببعض الدراسات على هذه الملاحظات.

وبالتالي أيها الأحبة سامحوني، سأقسم المرحلة الثانية مرحلة النمو، سأقسم مرحلة النمو إلى مرحلتين: المرحلة الأولى (أ) مرحلة التوسع في إبداء الملاحظات البيانية ومحاولة جمعها، يعني هو محاولة جمع هذه الملاحظات؛ المرحلة الثانية (ب) مرحلة الدراسات المتفرقة حول هذه الملاحظات البيانية، دراسات متفرقة كتبها بعض العلماء حول هذه الملاحظات. طبعا هذه الدراسات لم ترتق لتكون ايش؟ وضع لعلم البلاغة، لا، هي دراسة لبعض الجوانب، لبعض الملاحظات، لم ترتق لأن تصبح والله أن هناك كتاب وضع وجمع قواعد علم البلاغة.

إذاً، مرحلة النمو تنقسم إلى (أ) مرحلة التوسع في إبداء الملاحظات البيانية ومحاولة جمع قدر الإمكان، (ب) دراسات متفرقة حول هذه الملاحظات البيانية. الآن دعونا في الحالة الأولى (أ)، دعونا في القسم الأول (أ) اللي هو التوسع في إبداء الملاحظات البيانية؛ لأنه إبداء الملاحظات البيانية كان قائماً في مرحلة النشأة، لكن في مرحلة النمو أصبح هناك توسع في إبداء هذه الملاحظات، وأصبحت هناك محاولات لجمعها، محاولات لجمعها.

الآن أيها الأحبة، ساتكلم عن بعض العوامل التي ساهمت في توسع إبداء الملاحظات البيانية والمحاولة والجمع في العصر الأموي، وعوامل أيضاً ساهمت في التوسع في إبداء الملاحظات البيانية وجمعها في العصر العباسي. سأتكلم عن عوامل هي التي ساهمت في هذا التوسع في إبداء الملاحظات ومحاولة الجمع. فنقول إذاً أيها الأحبة في مطلع العصر الإسلامي وبالتحديد مع انتقال الخلافة الإسلامية إلى الأمويين، كان هناك عوامل عدة ساعدت على نمو -لذلك سميت عصر النمو- على نمو تحليل الأساليب البيانية، مع الانتباه أن هذا التحليل للأساليب البيانية بقي في حيز الملاحظات العشوائية المتفرقة، ولم تصبح منهجا قائماً له قواعد؛ ملاحظات وتحليلات متفرقة تصدر من هنا وهناك من فحول الشعراء وأصحاب البيان، تماماً.

وهذه الملاحظات إذا لم تفرغ على شكل قواعد وقوالب معينة بحيث نقول والله إن علم البلاغة وضعنا في هذا العصر، كما قلنا هي ملاحظات مشتتة. أهم العوامل التي ساعدت على نمو التحليل البياني، طبعا كما قلت الآن سأتكلم عن هذه العوامل في الخلافة الأموية وهي تمتد في الحقيقة أيضاً، هذه العوامل تمتد للخلافة العباسية. ما هي أبرز هذه العوامل؟

أولاً، الآن ما هو العنوان الذي نتكلم عنه؟ عوامل نمو تحليل الأساليب البيانية وإبداء الملاحظات حولها ومحاولة جمعها. ما هي العوامل التي ساهمت في هذا النمو؟

أولاً: عندما انتقلت الخلافة من الخلافة الراشدة إلى الخلافة الأموية، الخلفاء فتحوا أبوابهم للشعراء حتى ايش يقوموا؟ حتى يقوموا بمدحهم والثناء عليهم، فيقول الشاعر بإنشاء قصيدة في مدح الخليفة الأموي، وهذه القصيدة تسير بها الركبان ويتداولها الصغير والكبير، فحينئذ يشعر من الارتياح والهدوء والانبساط، ويعطي هذا الشاعر مكافأة مالية باهظة مقابل هذه الخدمة التي أداها. هذه كانت عامة في العصر الأموي، بدأت هذه القضية واستمرت في العصور الأخرى، فهذه القضية الأولى.

طيب، ايش دورها يا شيخ؟ الآن في مجالس الخلفاء وفي مجالس الأمراء، كان الشعراء يتنافسون على المدح، يأتي شاعر ويدخل آخر، ويتنافسون على مدح الخلفاء وعلى الثناء عليهم. وفي أثناء هذه المجالس تصدر ملاحظات بيانية من شاعر على آخر، فشاعر يقول لشاعر آخر: لا، أنت لم تأت بالطريقة الصحيحة، كان عليك أن تقول كذا وكذا. وذاك الشاعر يرد، والخليفة يسر في هذه المجالس الأدبية التي تعقد في حضرته. ومن أشهر هذه المجالس المجالس التي كان فيها جرير والفرزدق والأخطل؛ هؤلاء الثلاثة يجتمعون مع بعضهم كارثة! والمساجلات التي وقعت بينهم تناقلتها كتب التاريخ، عودوا إليها؛ مساجلات جرير مع الفرزدق.

الفرزدق كان شديد اللهجة مع جرير، وكان للاسف لسانه اه لم يكن محكما. كان عليه ان يربط لسانه اكثر واكثر. الفرزدق لسانه كان وكان فيه شيء من البذاءة في مقابلة جرير. ومن يقرأ كيف كان يهجو جرير، يقرأ كلاما وشعرا لا يمكنني ان اتوب عليه بشدة الشتم والدخول في الاعراض الذي كان يستخدمه للاسف الفرزدق في رده على جرير.

المهم اه هذه التي كانت تحدث في مجالس الامراء وفي مجالس الخلفاء والشاعر يحاول ان يظهر تفوقه على غيره، وهذا سيجعله يحاول ابداء ملاحظات على اشعار الاخرين يضعفها ويؤكد ان شعره هو الافضل. كل هذه ساهمت في نمو الملاحظات البيانية وتحليلها ودراستها، اليس كذلك؟ اذا فهذا هو العامل الاول، ان الخلفاء الامويين فتحوا ابوابهم لدخول الشعراء عليهم. وكانت تحدث مناظرات شعرية ومساجلات في مجالس هؤلاء الخلفاء. وايضا المدح الذي كان ينشأ هؤلاء الشعراء لهؤلاء الخلفاء كان ايضا له نصيب في نمو الملاحظات البيانية.

آآ طيب العامل الثاني، حتى لا نضيف النقطة الاولى، ننتقل الى العامل الثاني الذي ساهم في نمو الملاحظات البيانية. العامل الثاني هو ظهور الفرق العقدية المختلفة، ظهور الفرق العقدية في هذه الامة من الخوارج والمرجئة والشيعة الى غيرهم، ساهم في نمو الملاحظات البيانية. لماذا برأيكم لماذا ظهور الطوائف المتنوعة المختلفة ساهم في نمو الملاحظات البيانية؟ لان كل طائفة من هذه الطوائف كانت تستخدم الفصاحة والبيان كوسيلة اعلامية لجذب الجماهير.

فكان رؤوس هذه الطوائف رؤوسهم كانوا خطباء على درجة عالية في الفصاحة والبيان. لذلك يقولون واصل بن عطاء، رأس رؤوس المعتزلة، كان على درجة عالية وكان عنده لدغة في في حرف من الحروف، نسيت هذا الحرف، وكان من شدة بيانه يتجاوز هذا الحرف ولا يأتي به في خطبه من شدة بيانه. وكذلك عمران بن الخارجي، طبعاً هو يؤخذ عليه في الناحية الحديثية، لكنه رأس من رؤوس الخوارج وكان صاحب بيان فصاحة.

غيلان القدري الجحدري الذي سنتكلم عنه، كل هؤلاء ايها الاحبة كانوا على قدر عال من الفصاحة والبيان. ثمامة بن الأشرس، النظام، ابراهيم بن سيار، نسيت هؤلاء الكبار، من كبار المعتزلة طبعاً. هؤلاء ايها الاحبة استخدموا الفصاحة والبيان كاداة اعلامية لجذب الجماهير الى فرقهم، واضحة الفكرة؟ استخدموا بيانهم وقوتهم وفصاحتهم في ماذا؟ في جذب الجماهير اليهم، فننتبه على هذه القضية.

ظهور الفرق العقدية وان كان جانب سلبي في حياة الامة، لكن له دور ايجابي وهو في نمو الملاحظات البيانية. مثلاً خطباء المعتزلة يقدحون في خطباء الفرق الاخرى ويحاولون اظهار الركاكة التي يعانون منها. ونفس الشيء ما يفعله خطباء الخوارج وخطباء المرجئة وخطباء آآ الشيعة الى اخر هذه الفرق. فإذن اه ظهور الفرق العقدية المتنوعة ساهم في توسع الاهتمام بالاساليب البيانية.

آآ طب عامل ثالث اخر. اذا العامل الاول كان فتح الخلفاء ابوابهم للشعراء، العامل الثاني ظهور الفرق العقدية واستخدام اه الفصاحة والبيان كوسيلة دعائية لهذه الفرق. ثالثا: ظهور اسواق شعرية جديدة في حواضر العالم الاسلامي. الان الاسواق قديما كانت عند الجاهلية وبعض الاسواق المنتشرة في الجزيرة العربية، لا، مع ظهور الخلافة الاموية والخلافة العباسية بعد ذلك، ظهرت اسواق جديدة للمساجلات الشعرية في المدن اه التي كانت تشهد حراكا اه فكريا وسياسيا وادبيا في تلك المرحلة.

مثل سوق المربد في البصرة وسوق الكنافة في الكوفة. يقول سوق المربد في البصرة من الاسواق الشهيرة التي كانت تحدث فيها مساجلات شعرية، وفي الكوفة كان سوق الكنافة، وهذه يعني لماذا البصرة والكوفة؟ لان البصرة والكوفة في فترة الخلافة الاموية والعباسية كانت هذه المدن تشهد حراكا فكريا وسياسيا عقائديا بين الناس، فشيء طبيعي ان يكون هناك محط لرحال الطوائف المختلفة، فتكون المساجلات، تكون التسابق في الخطب في الشعر، اذا بشكل منطقي ان تكون البصرة والكوفة، بعد ذلك دمشق ايضا والقاهرة، هي مناطق للمساجلات الشعرية، لانها هي التي كانت تشهد كما قلنا الحراك الفكري والسياسي.

اذا ظهور اسواق جديدة للمساجلات الشعرية ساهم في نمو الملاحظات البيانية، لانه اي مساجلة شعرية معناها هناك ملاحظات بيانية، هناك حكم سيحكم من هو الافضل من هو الاقوى، وهذا له دور كبير في نمو الملاحظات بلا شك. طيب اذا هذه العوامل الثلاث انا جعلتها منطلق في العصر الاموي وهي استمرت في العصر العباسي، لا استطيع ان نقول انها توقفت، بالعكس استمرت وزادت.

فتح الخلفاء الابواب وظهور الفرق العقدية وظهور الاسواق الشعرية، بدأت الخلافة الاموية واستمرت الى خلافة بني العباس، ثم اخذت اشكال وصور اخرى في الخلافات او في الخلافة بعد ذلك عند المماليك او الدول الاخرى. طيب الان انتقل الى الخلافة العباسية، في فترة الخلافة العباسية ما هي العوامل التي ساعدت على نمو الملاحظات البيانية بشكل كبير؟ هناك عوامل وجدت في الخلافة العباسية بشكل ملحوظ اكثر من وجودها في الخلافة الاموية، وجدت في الخلافة العباسية بشكل ملحوظ لذلك انا قلت انها بدأت من الخلافة الاموية واستمرت بعد ذلك.

اه نقول ايها الاحبة، في العصر العباسي ظهرت عندنا طوائف ثلاث لعبت دورا مهما في نمو التحليل البياني. العصر العباسي ظهر عندنا فرق او ثلاث طوائف كان لها دور مهم في ماذا؟ في نمو التحليل البياني وابداء الملاحظات البيانية ودراسة اساليب العرب. ماشي، هذه الطوائف الثلاث، الطائفة الاولى: اللغويون.

الطائفة الاولى اللغويون. اللغويون ايها الاحبة هم علماء العرب الذين كانوا يهتمون بدراسة اه غريب اللغة، الذين كانوا يهتمون بدراسة غريب اللغة، سواء كان غريب اللغة من المفردات او من التراكيب. فاللغويون الذين اهتموا بتدوين غريب اللغة افرادا وتركيبا، اثناء عملية التدوين لغريب اللغة افرادا وتركيبا، سواء الفاظ مفردة نقول الفاظ الغريبة التي تحتاج الى بيان، قد تكون الفاظ مفردة، وقد تكون تراكيب كاملة، قد تكون امثال، اليس كذلك؟

فاللغويون اثناء تدوينهم غريب اللغة كانوا يهتمون بدراسة وابداء ملاحظات بيانية على طريقة العرب. فهذا التسجيل وهذا التدوين الذي خلفه اللغويون استفاد منه العلماء بعد ذلك كثيرا كثيرا في وضع قواعد علم البلاغة. فاذا اللغويون الذين اهتموا بدراسة غريب اللغة، اثناء تدوينهم لهذا الغريب، اه ابدوا ملاحظات عديدة على الاساليب البيانية عند العرب، فلم يكتفوا ببيان معنى الكلمة مجردا من دون توضيح لهذه الاساليب المتنوعة التي تستخدمها العرب.

طيب من اشهر هؤلاء اللغويين، انا احب اعطاء الطالب امثلة حتى الطالب يكون على دراية بالعلماء الذين اثروا في علم البلاغة. من اعظم اللغويين الذين ساهموا في تدوين الملاحظات الامام ابن قتيبة الدينوري رحمه الله عليه في كتابه تأويل مشكل القرآن. طبعا ابن قتيبة الدينوري توفي سنة مئتين وست وسبعين هجري، ربما تكلمت عنه في محاضرات سابقة. ابن قتيبة الدينوري رحمه الله عليه صاحب كتاب ادب الكاتب وغيرها من الكتب المهمة، رجل يهتم بدراسة غريب اللغة ويهتم ايضا بدراسة آآ اساليب العرب في الخطاب ويهتم بتحليل هذه الاساليب وبيان مواطنها.

لذلك في كتابه تأويل مشكل القرآن، لاحظ العنوان يعني تأويل مشكل القرآن، هو حاول كما ذكره في مقدمته، حاول ان يرد على من؟ على المشككين الذين كانوا يسعون لاضعاف او التشكيك في اسلوب البيان للقرآن. رد في كتابه تأويل مشكل القرآن على المشككين الذين كانوا يحاولون اضعاف او الطعن في اسلوب البيان للقرآن. فابن قتيبة قام بمحاولة مميزة في الرد على هؤلاء الذين يطعنون في الاسلوب البياني للقرآن، ومن خلال هذا الرد اعطانا رحمة الله عليه كثير من الملاحظات البيانية المهمة والمفيدة.

يعني هو سيرد عليهم في الجانب البلاغي البياني للقرآن، وبالتالي لابد وان يثري هذا الجانب وان يأتي بمعلومات وملاحظات وتحليلات تتعلق باساليب العرب في خطابها، فكان لكتابه تأويل مشكل القرآن والآراء التي وضعها في هذا الكتاب اثر مهم في نمو الدراسات البيانية. ايضا ابو العباس المبرد من المدرسة البصرية في كتابه الكامل. طبعا ابو العباس المبرد مر معنا في قطر الندى، مئتين وست وثمانين هجري، في كتابه الكامل، وهو كتاب ايضا في الادب العربي.

اه ابدى كثير من الملاحظات والتعليقات البيانية المهمة التي استفاد منها العلماء بعد ذلك. كذلك ابو العباس ثعلب صاحب الفصيح، له كتاب سماه قواعد الشعر.

أبو العباس ثعلب ميتين وواحد وتسعين هجري رحمة الله عليه صنف كتاباً سماه قواعد الشعر. واهتم فيه بدراسة الأساليب البيانية عند العرب في أشعارها. وإن كان كتاباً قصيراً وعليه ملاحظات، لكن المهم أنه أبدى فوائد جديدة، ووضع رأيه ووضع تحاليل لأساليب العرب بغض النظر عن قيمة التحاليل التي وجدت، وآراء العلماء فيها فيما بعد.

المهم، الثلاث من أشهر اللغويين الذين ساهموا في نمو الدراسات للأساليب البيانية. إذاً، الطائفة الأولى اللغويون كان لهم دور في توسع الكلام عن الملاحظات البيانية. كيف ذلك؟ قلنا في أثناء تدوينهم لغريب اللغة كانوا يهتمون بذكر الملاحظات.

طب، الطائفة الثانية التي ظهرت في العصر العباسي وكان لها أثر كبير في نمو الملاحظات هم الكُتّاب والمترجمون. الآن تعلمون أن المأمون أسس دار الحكمة، وبدأ بعملية الترجمة لمصنفات الإغريقيين والفارسيين والهنود، وجاء الكُتّاب بمترجمين ليقوموا وبماذا؟ بترجمتها إلى اللغة العربية.

الآن أي إنسان سيتولى الترجمة لهذه الكتب لابد أن يكون على دراية وعلى خبرة عالية بأساليب العرب وفي خطابها، حتى يترجم الكلام الذي يقرأه عند الإغريق أو عند الفرس أو عند الهنود إلى اللغة العربية بالشكل الصحيح، أليس كذلك؟ فالمترجمون اهتموا بدراسة أأساليب العرب وتحليل هذه الأساليب حتى يوظفوا هذه الدراسة في بترجمتهم للتراث الإغريقي والفارسي وتراث الهند وما شابه ذلك من الدول.

أيضاً الكُتّاب، كما قلنا المترجمون والكُتّاب، الكُتّاب هم الذين كانوا يكتبون في دار الخلافة. يعني من يكتب رسائل الخلفاء إلى الأمصار من مقادير الزكاة، أسماء الجند، الموظفون الكُتّاب هؤلاء أيضاً كانوا يهتمون بدراسة أساليب العرب البيانية، إنه كاتب الخليفة، كاتب في الدواوين، فينبغي أن يكون عندهم لهجة قوية متينة يحسن التعبير، وهذا يستلزم منه أن يدرس أساليب العرب.

فإذاً طائفة الكُتّاب وطائفة المترجمين، وهي طائفة واحدة نقول الكُتّاب والمترجمون الذين ظهروا في الخلافة العباسية بقوة أيضاً كان لهم أثر في نمو دراسة الأساليب البيانية. إذاً ذكرنا لغويين، ذكرنا الكُتّاب والمترجمين.

الطائفة الثالثة، وهي في الحقيقة هي نشأت في العصر الأموي، لكن النفوذ بدأ يتوسع أكثر وأكثر في العصر العباسي: طائفة المتكلمين. المتكلمون هم علماء الاعتقاد الذين يستخدمون الجدال العقلي في إقرار القواعد أو في إقرار قواعد أصول الدين.

من هم المتكلمون؟ هم علماء الاعتقاد الذين يستخدمون النقاش العقلي والأجهزة العقلية والمنطقية في نصرة قواعد الدين الحق ورد شبهات أهل الباطل. طبعا هذا المصطلح يطلق على علماء الاعتقاد في الفرق الكلامية مثل المعتزلة، الأشاعرة. هذه الفرق التي اتبعت منهج النقاش العقلي والآليات المنطقية في تقرير قواعد أصول الدين وفي الرد على المشككين، تمام؟

ذكرت لكم قبل قليل أنه في العصر الأموي ظهور فرق كان له أثر في نمو الأساليب البيانية، لماذا؟ لأن رؤوس الفرق كانوا من أشد الناس فصاحة وبيانًا وأسلوبًا لجذب قلوب الجماهير. وكذلك نعيد الكلام مرة أخرى، المتكلمون الذين كانوا يتصدرون لتقرير قواعد أصول الدين والرد على المشككين، كانوا يهتمون في أثناء المناظرة والمباحثات، كانوا يهتمون بإتقان أساليب العرب في البيان. لأن المناضل إذا كان على درجة عالية في البيان فهو أدعى لقوب قوله ولتقوية حجته، أليس كذلك؟

لا يتصدر للمناظرة في العقائد الحقة إنسان هش البنية اللغوية، ضعيف لا يستطيع أن يعبر بعبارة صحيحة قويمة تصل إلى السامع ويقتنع بها وتقوم بها حجته، كانوا يهتمون بدراسة مسائل الاعتقاد وآداب البحث والمناظرة، ويهتمون أيضاً بدراسة الأساليب البيانية حتى يوظفوا هذه الأساليب في مدى مناظراتهم ومباحثاتهم مع المخالفين، تمام.

وكما ذكرنا قبل قليل رؤوس هذه الطوائف، ولكن قبل أن أذكر الرؤوس مرة أخرى أنبه على أن يعني هذه الفوائد على الهامش، أكثر طائفة اهتمت بدراسة الأساليب البيانية ووظفتها بالدعوة إلى معتقدها هم المعتزلة. الإنصاف التاريخي كما يقولون، أكثر طائفة اهتمت بدراسة أساليب البيان وتحليلها هم المعتزلة.

لذلك رؤوس المعتزلة ذكرنا قبل قليل النظّام، إبراهيم بن سيّار، الجاحظ الذي نُسب إليه أصلاً هو واضع علم البلاغة، كل هؤلاء كانوا من المعتزلة وكانوا على درجة عالية من الفصاحة والبيان. فلذلك يقولون متكلمة المعتزلة خصوصاً كان لهم أثر في نمو علم البلاغة، ومتكلمة الفرق الأخرى كان لهم أثر، لكن المعتزلة التاريخ يشهد أن دراستهم للأساليب البيانية كان على درجة عالية وكبيرة.

لكن يعني حتى لا تختلط الأمور على الطالب، تفوق المعتزلة كان في الفصاحة والبيان، جيد، في قوة المباني، ولكن للأسف وظفوا هذه الفصاحة وفي البيان وهذا البيان، ووظفوا القوة في المباني بأداء المعتقدات الفاسدة حتى يفهم الطالب. الدراسة التاريخية والتحليل والانصاف شيء، ومعرفة الواقع شيء آخر.

الآن أنت تقول طب إذا هم استخدموا البيان والفصاحة ووظفوها ودرسوها هذا جانب يشكر، لكن للأسف وظفوا هذا البيان وهذه الفصاحة وهذه الدراسات في نصرة مذاهبهم الباطلة ومحاربة منهج أهل السنة والجماعة، فلذلك يحمدون على جانب، ولكن يبقى أنهم فرقة مخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة. هذا قائم ولا يتزلزل عند طالب العلم.

الآن أيها الأحبة، ساتكلم عن شخصية واحدة فقط من هؤلاء، من المعتزلة، لأن هذه الشخصية كان لها أثر كبير في نمو علم البلاغة حقيقة فيما بعد، وهو الجاحظ.

الجاحظ شخصية مهمة ينبغي على طالب علم البلاغة أن يقف عندها وأن يقرأ مصنفاتها، ولكن بعد أن يكون متيناً في اعتقاده حتى لا يدخل عليه شيء من لوث الاعتقاد الذي يظهره الجاحظ.

الجاحظ عمرو بن بحر، دون ما استطاع جمعه. أنا لاحظ أقول لك هذا العصر عندنا إبداء ملاحظات بيانية وايش؟ وجمعها. المرحلة الأولى أ كانت التوسع في إبداء الملاحظات ومحاولة جمعها. الجاحظ كان له دور بارز فعلا في محاولة جمع هذه الملاحظات البيانية التي تكلم بها الجاهليون وتكلم بها الإسلاميون في العصر الأول، حاول الجاحظ أن يجمع هذه الملاحظات البيانية في كتابين. الكتاب الأول والأهم: البيان والتبيين، أو التبيين على خلاف بين المعاصرين في اسم هذا الكتاب بالضبط.

فالجاحظ حاول جمع الملاحظات البيانية التي وقف عليها من كلام الجاهليين ومن كلام الإسلاميين في كتابه البيان والتبيين وعلق عليها، أيضاً له كتاب آخر اسمه كتاب الحيوان. في كتاب الحيوان قام بإبداء بعض الملاحظات البيانية وجمع طائفة من الملاحظات التي سبق إليها.

فهذان الكتابان في الحقيقة المادة الخام الأساسية لعبد القاهر الجرجاني ومن بعده في علم البلاغة. فعبد القاهر عندما وضع علم البلاغة المادة الخام الأساسية، استفاد طبعا عبدالقاهر أن الملاحظات عند الجاهليين استفاد من الملاحظات التي أبداها الإسلاميون الأوائل، لكن المادة التي جمعها الجاحظ كانت مادة مفيدة جداً لعلماء البلاغة فيما بعد.

لذلك زعم البعض كما قلنا إن الجاحظ هو واضع البلاغة، ولكن قلنا إن هذه الدعوة يعني ما يعكرها أن الجاحظ في كتابيه البيان والتبيين والحيوان لم يهذب هذه الملاحظات البيانية ويفرغها على شكل قواعد واضحة المعالم والفصول نستطيع أن نقول والله إن هناك علم مبدع، وإنما هي محاولة جمع وتحليل ودراسة وليس له تقعيد ووضع قوانين، ومن يقرأ البيان والتبيين أو يقرأ الحيوان يدرك ذلك، يدرك أن هذا الكتاب لا يرقى لأن يُسمى كتاباً واضعاً لعلم البلاغة.

ما أتكلم عن أيضاً حول شخصية الجاحظ أن الجاحظ أيها الأحبة من الناحية التاريخية كان هو الناطق الإعلامي باسم، يعني حتى لا توصف هذه الشخصية كاملة، الجاحظ كان هو الناطق الإعلامي باسم الطائفة أو باسم طائفة المعتزلة يتحدث على لسانهم، فهو الآمر الناهي في كلامه، في بيانه، في فصاحته.

فوظف الجاحظ قوته البلاغية والبيانية في نصرة مذهب المعتزلة، وللأسف الجاحظ كان له دور سلبي جداً في المحنة التي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل، وكان من المحرضين على تعذيبه ومن المحرضين على بشكل عام على أهل السنة والجماعة. ورسائله، طبعا هذا ليس كلامي هذا كلام مثبت في كتبه وفي رسائله التي كان يبعثها لابن أبي دؤاد وغيره من خلفاء العباسيين الذين تولوا محنة الإمام أحمد بن حنبل وفتنوهم في مسألة خلق القرآن، فالجاحظ كان.

له دور سلبي في محنة الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، وكان من المحرضين على إيقاع الاضطهاد والعذاب لمن وافق رأي الإمام أحمد بن حنبل وعبارات شرسة. يعني لو كان عندي مجال لنقلت لكم عبارات الجاحظ، كيف كان يخاطب النبي أبي دؤاد، بأن عليك أن تنصر منهج الحق وتحارب هؤلاء وتخلص الدولة منهم.

وقد آلت الدولة إلينا وعلينا أن نفرض، وهذا كلام خطير كان يتكلم به الجاحظ في محاربة أهل الإمام أحمد بن حنبل ومنهج أهل السنة والجماعة عموما. هذه إذاً الجانب السلبي في حياته، لكن الجانب الإيجابي كما قلنا في كتاباته العميقة التي أثرى بها علوم اللغة العربية.

أيضاً من باب المعلومات المهمة التاريخية، الجاحظ هو نستطيع أن نقول من أوائل من استخدم مصطلح الحقيقة والمجاز على ما هو معروف عند المتأخرين. في كتابه البيان والتبيين، نلاحظ أنه يستخدم مصطلح الحقيقة والمجاز كما نستخدمه نحن في العلوم المتأخرة، أن الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له، والمجاز اللفظ المستعمل في غير ما وضع له عند المخاطب.

قبل الجاحظ، قلنا درَسنا المحاضرة السابقة أن أبا عبيدة معمر بن المثنى صنف كتاب مجاز القرآن، هل كلمة المجاز بالمعنى المعروف الآن؟ لا، قلنا يقصد بكلمة مجاز القرآن أساليب القرآن. أما استخدام مصطلح الحقيقة والمجاز بالمعنى المعروف عند المتأخرين الذي أشهره الجاحظ في مصنفاته، لذلك ابن تيمية كان دقيق حينما قال مصطلح الحقيقة والمجاز الذي أشهره ونشره المعتزلة.

هذا الذي يراه ابن تيمية، وهذا يبين المحققون الدارسون لتطور علم البلاغة يؤكدون هذه الفكرة، أن فعل مصطلح الحقيقة والمجاز الذي أظهره وأبداه واستخدمه بقوة وانتشر بعد ذلك هو المعتزلة. لكن هل هذا يعني أن هذا التقسيم، لأن المعتزلة هم الذين أشهروا هذا الاستخدام، لا يعني أن هذا التقسيم خاطئ أو التقسيم غير موجود؟ كما ذكر في كتاب الإيمان الأوسط لكن الكبير، لكن نحن نوافق ابن تيمية رحمة الله عليه في هذا، فعلا المعتزلة هم أول من استخدم هذا المصطلح ونشره، لكن لا نوافق أن هذا المصطلح طريقته في التقسيم خاطئة، لا نوافق أن هذه الطريقة في التقسيم خاطئة، ليس لأن هذا القول نشأ من المعتزلة اصطلاحه، عنونته، معناه أن هذا القول لا، احنا ننظر في اللغة، ننظر هل ما تكلم به المعتزلة عن تقسيم الكلام العربي إلى حقيقة ومجاز واقع ولا لا؟

وهذه المسألة ليست مسألة عقدية، أنتم فهمتم؟ حتى نقول والله هذه المسألة ظهرت من الاعتزال، هي مسألة لغوية. فعندما تكلم عنها الجاحظ وبحثها، يبحثها كلغوي ولا يبحثها كمعتزل، يعني بعض الطلاب تتداخل عندهم الرؤى، يبدأ الجاحظ معتزلي عنده مشكلة مع الإمام أحمد بن حنبل، إذاً كل ما يقول الجاحظ خطأ، لا!

أنت تنظر الجاحظ عندما يبحث في علوم اللغة يبحث لغوياً الآن، مشاكله الاعتقادية ككونه موظف البلاغة في نصرة مذهبه الاعتقادي الفاسد هذا أمر آخر، لا أقحمه ولا أحكم به على الأقوال. فأنا عندما نقول أبدى مصطلح الحقيقة والمجاز ليس لأن الجاحظ معتزلي معناها تقسيم الحقيقة والمجاز خطأ، لأنه حين حلل ووصل إلى هذا التقسيم هو حلله اللغوي باعتباره شخصيته اللغوية وليس باعتبار شخصيته الكلامية، تمام؟ فلا أستخدم هذا لتضعيف قول الحقيقة والمجاز لأن هذا التقسيم خاطئ بسبب لو خرج من المعتزلة، هذه نية منهجية علمية صحيحة.

طيب، أمتى توفيا؟ توفاه الله عز وجل بمئتين وخمسة وخمسين هجري. توفي الجاحظ في مئتين وخمسة وخمسين هجري، وهذه يعني لماذا وقفت على شخصية الجاحظ؟ لأنه شخصية محورية في علم البلاغة، شخصية محورية ربما أنتم الآن لم تقرؤوا له، ستذهبون للدراسات المتأخرة، لكن ثقوا تماماً بأنه ترك مادة خام مفيدة جداً لعلماء البلاغة فيما بعد، وكتاباته تشهد بذلك.

الآن انتهيت من الكلام عن المرحلة الأولى، من المرحلة الثانية يا مرحلة إبداء الملاحظات البيانية أو عذراً مرحلة التوسع حتى أكون دقيق، التوسع في إبداء الملاحظات البيانية ومحاولة جمعها، هذه ألف من مرحلة النمو. الآن ننتقل إلى باب مرحلة النمو، هي مرحلة إيش؟ دراسات متفرقة حول هذه الملاحظات البيانية، وألف وباء كلاهما ضمن عصر النمو، ترى لسا ما تجاوزنا عصر النمو.

فننتقل إلى باب باء، هي القيام بدراسات متفرقة حول بعض الملاحظات البيانية، وهذه مرحلة مهمة وانتقالية في تأسيس علم البلاغة أو على خطى وضع علم البلاغة، لسا ما وضعنا علم البلاغة ولكننا نسير على الخطى. في هذه المرحلة انتقلت علوم البيان من جمع الملاحظات في أبواب شتى، في الحقيقة والمجاز مثلاً أبواب ملاحظة بيانية في الحقيقة والمجاز جمعها الجاحظ.

أيضاً ملاحظات بيانية مثلاً في الإطناب والإيجاز، ملاحظات بيانية تكلم عنها الجاحظ في الاستعارة وغير الجاحظ، الملاحظات التي جمعها الجاحظ وغيره من المعتزلة ومن طوائف الكلاميين واللغويين وبدأها بالقوتبية وغيرهم ممن تحدثنا عنهم، هذه التي جمعت الآن بدأت عملية دراستها فتحليلها والوقوف عندها وتنقيحها والزيادة عليها. بدأت هذه المرحلة، تماماً؟

الآن سأتكلم عن مجموعة من الدراسات التي قام بها علماء البلاغة على هذه الملاحظات البيانية. سنتكلم عن مجموعة من الدراسات التي قام بها علماء البلاغة ونقف عندها وقوفاً سريعاً. الدراسة الأولى التي تهمنا دراسة ابن المعتز، من هو ابن المعتز؟ هذا ذكرناه، من ابن المعتز؟ الخليفة، الخليفة العباسي الذي وضع علم البديع لا ليس البلاغة.

فهذه الدراسة الأولى التي سنتحدث عنها دراسة عبد الله بن المعتز الذي صنف كتاب البديع. وفي الحقيقة كتاب البديع لعبد الله بن المعتز يعتبر هو وضع علم البديع، لا يعتبر مجرد دراسة، بل يعتبر وضع علم البديع بناءً على ما أسلفناه في المحاضرات السابقة، أن عبد الله بن المعتز هو الذي وضع بديع في كتابه البديع. عبد الله بن المعتز هذا الخليفة، خليفة اليوم والليلة رحمة الله تعالى عليه، كان يمثل في عصره مدرسة المحافظين.

الآن نحن في العصر الحاضر عندنا مصطلحات المحافظون والمجددون، المحافظون الذين يتمسكون بالتراث القديم وينصرونه، المجددون الذين يحاولون التهويل من شأن التراث والإتيان بأمور جديدة تخالف ما عرف. عبد الله بن المعتز كان من المحافظين، ليش يا شيخ؟ يعني هو كان في عصره في مشكلة؟ نعم أيها الأحبة، في مرحلة الدولة العباسية خاصة في بداية ضعف الدولة العباسية ظهر هناك طوائف تسمى الشعوبيين.

الشعوبيون هؤلاء طوائف من الأعاجم كانوا يكرهون جنس العرب، كانوا يكرهون إيش؟ جنس العرب، ويحاولون إزالة أي فضيلة وأي مزية للعرب الأوائل، وينسبون هذه الفضائل للمتأخرين، وينسبون هذه الفضائل للمتأخرين وللشعراء المولدين؛ لأن كثير من الشعراء المولدين لم يكونوا عرباً من حيث الأصول، وإنما أتوا من الفرس والعجم وغير ذلك.

إذاً في عصر عبد الله بن المعتز كان هناك مشكلة، مشكلة الشعوبيين، الشعوبيون طوائف من الأعاجم كانت تكره جنس العرب، فتحاول طمس أي مزية تنسب إلى العرب الأوائل سواء عرب الجاهليين أو الإسلاميين في الأمور البيانية، وينسبون هذه الفضائل وهذه المزايا إلى من؟ إلى الشعراء الذين جاؤوا متأخراً، وهؤلاء المولدون كثير منهم لم يكونوا عرباً في الأصل، وإنما جاءوا من مجتمعات أخرى من الفرس أو الهند أو الروم أو ما شابه ذلك.

فماذا فعلوا؟ كانوا يقولون هؤلاء الشعوبيون كانوا يقولون إن الأساليب البيانية والإبداع فيها والتميز اشتهر عند المتأخرين، والعرب كانوا على درجة ضعيفة في الأساليب البيانية، هكذا كانوا يقولون، إن الإبداع في الأساليب البيانية وخاصة في علم البديع والمهارة في التفنن في الألفاظ هذا ظهر عند المولدين عند الشعراء المتأخرين ولم يكن معروفا عند العرب الأوائل، فالعرب الأوائل لم يكونوا على تلك الدرجة العالية من أساليب البيان.

عبد الله بن المعتز عندما درَس أساليب العرب القديمة وجد أن كلام الشعوبيين غير صحيح، وأن العرب الجاهليين أو الإسلاميين الأوائل فاقوا غيرهم وفاقوا المولدين بدرجات كبيرة في أساليبهم البيانية، وإنما هذه الدعوة التي تخرج من الشعوبيين دعوة لم تحرر، تكلم بها أشخاص لم يدرسوا الشعر الجاهلي بحق، ولم يدرسوا تراث الإسلام الأول بحق، فهي محض الحسد على جنس العرب وليست دراسة موضوعية، هذه الدعوة التي يدعيها الشعوبيون على أن العرب الأوائل لم يكونوا على درجة عالية في البيان.

وإنما المولدون فاقوا غيرهم في ذلك دعوة لم تقم عن دراسة حقيقية، وإنما عن إيش؟ عن عقد لجنس العرب. فحاول في كتاب البديع أن يؤكد أن الشعراء وأن العرب الأوائل كانوا أصلب من غيرهم في أساليب البيان وأقوى، ولهم قصب السبق في ذلك. وهم الذين أصلوا ومهدوا لمن بعدهم، أما بشار بن برد وأبو نواس وغيره من الشعراء المولدين، فهؤلاء استخدموا هذه الأساليب التي تركها العرب واستنبطوها بدراستها وتطبيقها بشعرهم، لكن ليسوا هم الذين سبقوا فيها.

فإذا عبد الله بن المعتز باختصار في كتابه البديع كان يمثل مدرسة المحافظين؛ رد على الشعوبيين الذين كانوا يقدحون في بلاغة العرب ويقللون من شأنها، فبين أن العرب الأوائل هم أصحاب السبق، وأن الشعراء المولدين كبشار بن برد وأبي نواس -طبعا هذا اسمه إيش؟ أبو نواس، لا، هو أبو نواس- فيريد أن يؤكد عبد الله بن المعتز أن الشعراء المولدين كابن واس وبشار بن برد وغيرهم من رؤوس المولدين والبحتري وأبي تمام والمتنبي ومن بعده، كل هؤلاء المولدين استفادوا من أساليب العرب، لكن ذلك لم يظهر، لكن هذا هو الواقع.

إذا، يعني هذا أمر مهم أردت أن أركز عليه في دراسة عبد الله بن المعتز؛ لأن هذه المشكلة أيها الأحبة مشكلة قديمة حديثة. اليوم كثير ممن يتصدرون في جامعاتنا في الدراسات الأدبية والنقد الأدبي يحاولون فعلا طمس تميز العرب في باب البلاغة، وإظهار أن الأساليب العربية هي مأخوذة من ثقافات أخرى؛ من الأغريق، ومن الفرس، ومن الهند. فعليكم أن تحذروا من هؤلاء المعاصرين الذين يخضعون لمنهج الاستشراق ويقدحون في لغة العرب، والهدف النهائي هو القرآن، والهدف النهائي هو إيش؟ القرآن.

من يقرأ الشعر الجاهلي والأدب الجاهلي لطه حسين يدرك هذه المعركة، ويدرك أن الرجل متشبع تماما بأفكار الاستشراق، ويحاول تهوين شأن اللغة العربية وإظهارها بأرذل صورة، وإن كان في النهاية يعني هو يلبس لباس الاحترام. لكن الكلام أيها الأحبة ينبئ عما في داخل صاحبه. إذا هذه الدراسة الأولى، دراسة ابن المعتز في كتاب البديع، اهتم بتأسيس علم البديع، والكثير من أنواعه، وبيان أن العرب فاقوا غيرهم من المولدين فيه.

الدراسة الثانية هي دراسة قدامة بن جعفر. قدامة بن جعفر طبعا أيها الأحبة أنا أتكلم بكلام عام، ما دخلت في سراديب معاني البيان وهي مقدمات عميقة وادعكت، لكني أرى أنها مهمة وتعطي الطالب تصورا عن هذا العلم؛ كيف نشأ، وكيف تطور، ومن رجالاته، وما كتبه، وما مصنفاته، ما هي أفكاره؟ أما أن تأخذ تدخل مباشرة في معاني البيان وأعطيك معنى الفصاحة والبلاغة، وتقتحم من دون تصور حقيقي لهذا العلم ومعالجة فكرية قبل معالجته موضوعيا، أظن أنه شيء من القصور في إصال الأفكار إلى الطالب. وهي محاولة إن شاء الله لتوسيع مدارك أحبتنا من طلبة العلم.

فالمهم الدراسة الثانية: دراسة قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر. قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر فعلا بدأ بمحاولة متينة لتقعيد قواعد علم البلاغة، ولكن هذا الرجل إيش مشكلته؟ مشكلة قدامة بن جعفر أنه كان كثيرا ما يأخذ من الأغريق، من طريقة المنطق الأرسطي وطريقة الأغريقيين بشكل عام؛ ليس فقط في طريقة رصف الكتاب وتنسيقه، حدود ورسوم وقواعد، لا لا، حتى في مضمون الأساليب البيانية كان يأخذ أو يهتم بدراسة الأساليب البيانية عند الأغريق وعند الأمم الأخرى، فكان متأثرا جدا بشخصية أرسطو طاليس، وواضح أنه اطلع على كتب اليونان التي ترجمت إلى اللسان العربي واستقى منها كثيرا من المسائل والأفكار، وحاول أن يطبق هذه المسائل والأفكار التي استقاها من أرسطو طاليس ومن الفكر الأغريقي، حاول أن يطبقها على أساليب العرب البيانية.

فهذه مشكلة ابن جعفر، وإن كانت إيجابية أن نحاول كما قلنا أن يضع قواعد وقوالب للأساليب البيانية، لكن التي انتقدت عليه أنه استقى من الأغريق ليس فقط شكل التصنيف وطريقة الكتابة، بل استقى حتى في المضمون من أساليب الأغريق. وكما قلت: اللغة العربية لا تحتاج لأن تستقي من غيرها، فالأساليب العربية والبيانية الفصيحة فاقت غيرها من الأمم في ذلك، فلسنا بحاجة إلى استعارة أساليب بيانية من أمم أخرى، ومن أحب أن يدرس الأساليب البيانية للأمم الأخرى يدرسها في موضعها، لكن لا عذر أن يقحمها في علوم العربية.

والدراسة الثالثة هي دراسات في إعجاز القرآن. انتهينا من دراسة عبد الله بن المعتز، ودراسة قدامة بن جعفر في كتابه نقد الشعر، الدراسة الثالثة هي دراسات قام بها مجموعة من المسلمين للوصول إلى تحديد موضع إعجاز القرآن. فالطلبة المعاصرون يظنون أن موضوع إعجاز القرآن يعني تحديد والوصول إليه أمر سهل هين، لكن هذا ليس بصحيح أيها الأحبة، هناك معارك كبيرة بين العلماء، لست معارك يعني بالأيدي، وإنما هي معارك محاولة البحث: أين سر القرآن في إعجازه؟ ونظريات قدمها كثير من العلماء؛ نظريات الرماني، ونظريات الباقلاني، والخطابي، وعبد الجبار المعتزلي بعد ذلك، الكل كان يحاول البحث عن موضع الإعجاز؛ ما هو سر الإعجاز؟ هل الإعجاز في مفردات القرآن، في المفردات، أو الإعجاز في النظم، أو ما بين ذاك وذاك؟ أين هو الإعجاز؟

خرجت نظريات عديدة، كل عالم حاول أن يدلي بدوره في هذا الميدان؛ فالرماني وضع نظرية، والخطابي، والباقلاني، وبعضهم يعني كان وقف على الأطلال، وبعضهم دخل أكثر وأكثر في الوصول، وعبد الجبار يرد، فتهب تحدث مناقشات ومداولات في تحديد أين هو سر الإعجاز في القرآن؟ باختصار: ما الذي أدهش كفار قريش؟ ما الذي، ما هو الشيء الذي لم يستطيعوا المجاراة فيه؟ أين هو بالضبط؟ تحليل هذه القضية ودراستها أخذ وقتا وجهدا كبيرا من علمائنا، وذكرت لكم أسماء لبعض المصنفين: كتاب إعجاز القرآن للرماني، وللخطابي، وللباقلاني، ولعبد الجبار المعتزلي.

ثم بعد ذلك دراسة الجرجاني، هذه أهم الدراسات التي تتحدث عن موضوع إعجاز القرآن وهذه الدراسات، شف نحن بنتكلم عن دراسات، عن ملاحظات، فدراسة ابن المعتز دراسة، قدامة بن جعفر في نقد الشعر دراسة، الدراسات التي تتعلق بإعجاز القرآن دراسة.

طيب، لا أطيل أكثر من ذلك، أيضا من الدراسات التي نشأت حول الأساليب البيانية، دراسات كانت تتحدث عن الأساليب البيانية لبعض الشعراء وعقد مقارنة بين شاعر وشاعر آخر في طريقته في البيان. إذا هذا النوع الرابع: دراسات تتحدث عن الأساليب البيانية لشعراء معينين. من أشهر هذه، طبعا هذا أيها الأحبة نسميه اليوم نحن إيش؟ علم النقد، أليس كان في دراسات النقد الأدبي والنقد الشعري؟ الآن انتهت، عندما توازن بين أسلوب بياني لشاعر وشاعر آخر، أنت الآن تقوم بعملية النقد.

لكن النقد الأدبي ينبني على القواعد البلاغية، حتى تفهموا العلاقة بين ما يسمى اليوم علم النقد وعلم البلاغة، النقد الأدبي للشعر أو مثلا للخطاب أو للنص يعتمد على ماذا؟ على القواعد البلاغية. لذلك هناك تداخل في الحقيقة بين علم النقد وعلم البلاغة؛ لأن علم النقد الشعري والأدبي ينبني على علم البلاغة، فإذن هناك دراسات قام بها بعض الكتاب وبعض الأدباء، عقدوا فيها مقارنة بين شاعر وشاعر آخر.

من هذه الدراسات: دراسة الوساطة بين المتنبي وخصومه التي قام بها علي الجرجاني -علي الجرجاني ليس هو عبد القاهر الجرجاني، لا، هذا شخص آخر- الوساطة بين المتنبي وخصومه لعلي الجرجاني، قام بعقد مقارنة بين أساليب المتنبي في البيان وأساليب غيره، ويحاول أن يفضل ويفاضل بينها، بين أسلوب المتنبي وأسلوب خصومه في عصره.

كذلك كتاب الآمدي، كتاب الآمدي الموازنة بين أبي تمام والبحتري، الآمدي صنف كتابا سماه إيش؟ الموازنة بين أبي تمام والبحتري، عقد مقارنة بين شعر البحتري وبين شعر أبي تمام، وكان يغلب، وكانت العادة ينتصر للبحتري على أبي تمام. الآن هذه الدراسات وإن كانت بين شاعرين، وهي أقرب للنقد الأدبي، لكنها دراسات في النهاية درست الأساليب البيانية، وكما قلنا: النقد الأدبي ينبني على الأساليب البيانية.

أخيرا، كان هناك دراسات أيضا تتعلق بصناعة النثر وصناعة الشعر، كتب بعض العلماء مصنفات تعلم الطلبة والناشئة.

كيف يكتبون هذا العلم للإنشاء؟ مش احنا اليوم بيسموها محاضرة في علم الإنشاء؟ كيف تنشئ، كيف تكتب، أو في التعبير الآن في المدارس؟ فالآن ظهرت بعض المصنفات تخاطب الطلبة: كيف ينشئون شعراً؟ كيف ينشئون نثراً؟ خطبة؟ آه، مساجلة بينه وبين شخص آخر.

وهذا ما يسمى صناعة النثر وصناعة الشعر. صناعة، كيف تتعلم هذه الصناعة؟ صناعة ولا مش صناعة؟ كيف تكتب رسالة؟ كيف تخاطب كبيراً؟ كيف تتكلم في الخطب؟ كيف تنشئ شعراً؟ صناعة، مهارة. فقامت دراسات أيضاً تتكلم عن صناعة النثر وصناعة الشعر. وهذه الدراسات بالتأكيد جمعت ودرست كثير من الأأساليب البيانية للعرب. من أشهر الكتب التي اهتمت بدراسة صناعة النثر والشعر: كتاب الصناعتين لأبي هلال العسكري رحمة الله تعالى عليه. وكذلك كتاب مهم جداً جداً وهو كتاب العمدة في صناعة الشعر ونقده لابن شقيق القيرواني. كتاب العمدة في صناعة الشعر ونقده للقيرواني، ابن رشيق القيرواني.

ربما طالب يقول: يا شيخ، طب أنا عشت علاقتي يعني أنا طالب علم شرعي، إيش علاقتي بقراءة هذيك الكتب ودراستها والاطلاع عليها؟ اخي الكريم، عندنا مشكلة معاصرة نحن، أن طالب العلم الشرعي يظن أن علاقته بعلوم الأدب واللغة هي أول علاقة بعيدة جداً، دراسة على الأطلال، لا علاقة لها بمسائل الشريعة والاستنباط من القرآن ومن السنة. يظن أن علوم الأدب وعلوم اللغة العربية هذه المصنفات هو من الفضول الذي لا داعي له إلا لمن وجد فسحة في وقته، وأن عليه أن يقتحم العلوم الشرعية مباشرة، هذا هو الذي ينشئ عندنا الحداثيين، وينشئ آه الباطنية الجدد والمعتزلة الجدد؛ أنهم يذهبون إلى النصوص مباشرة من غير دراسة عميقة لأساليب العرب في بيانها. لا يعرفون أن هذا القرآن إنما جاء في خطابه على العرب في التخاطب، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة جاءت على طريقة العرب في خطابها وفي بيانها. فمحاولة الفصل بين علوم الشريعة وعلوم اللسان العربي وأن هذه العلوم، علوم اللسان والأدب، هي علوم على هامش حياة طالب العلم، هي محاولة في الحقيقة لفصل شيئين لا ينفصلان، لفصل شيئين لا ينفصلان عن بعضهما.

وسبب محاولة الفصل بينهما تشويه العلوم الشرعية، التشويه المعاصر للعلوم الشرعية، ما هو أسباب كثيرة منها أسبابه؟ محاولة الفصل بين العلوم اللغوية والعلوم الشرعية. فهذه الكتب، كتب عبد القاهر الجرجاني وكتب آه عبد الجبار المعتزلي والباقلاني، هذه كتب مهمة، عليك يا طالب العلم أن تكون على آه دراية بها واطلاع، ولو بشكل عام عليها، تمام؟

إذاً، هكذا أقول أيها الأحبة، انتهيت من الكلام عن عصر النمو بشقيه. نقدر نسمع الأذان نعود. إذاً أيها الأحبة، بعد الأذان فنقول: آآ هذه المرحلة الثانية من مراحل علم البلاغة، مرحلة النمو، وقسمتها إلى قسمين: المرحلة الأولى مرحلة التوسع في إبداء الملاحظات وجمعها، عرفنا التي ساهمت في التوسع في إبداء ملاحظات وجماعة، سواء في العصر الأموي أو في العصر العباسي، ثم انتقلنا إلى الدراسات التي وضعت حول الملاحظات البيانية. هذه المرحلة باب الدراسات التي وضعت حول الملاحظات البيانية: عرفنا دراسة عبد الله بن المعتز، عرفنا دراسة قدامة بن جعفر في نقد الشعر، دراسات القرآن، دراسات النقد الأدبي وهي دراسات بين أسلوب البيان لشاعر وشاعر آخر، وأخيراً كانت إيش؟ دراسات في في صناعة النثر وصناعة الشعر. فهذه خمس دراسات مهمة، عليكم أن تكونوا على دراية بهذه المراحل التي مر بها علم البلاغة.

الآن أنتقل إلى العصر أو المرحلة الثالثة عفواً من مراحل علم البلاغة. المرحلة الأولى مرحلة النشأة، المرحلة الثانية مرحلة النمو بشقيها، المرحلة الثالثة الآن مرحلة وهي مرحلة وضع علم البلاغة. سواء قلت مرحلة وضع علم البلاغة أو قلت مرحلة ازدهار علم البلاغة ما عندي مشكلة، لكن ربما تكون تسمية مرحلة وضع علم البلاغة أوضح للطالب وأمسّ بحاجته.

مرحلة وضع علم البلاغة أيها الأحبة تبدأ من من آه تبدأ من عبد القاهر الجرجاني رحمة الله تعالى عليه، لأنه يعتبر أول من جمع الملاحظات السابقة التي خلفها الجاحظ وغير الجاحظ، وفرغها على شكل قواعد وقوالب تصلح لأن تكون ولادة فن جديد من فنون العربية، اسم هذا فن البلاغة، تمام؟ فالجرجاني ماذا فعل؟ هو أول من جمع الملاحظات التي دونها من سبقه وصاغها على شكل قواعد تؤذن بظهور فن جديد من فنون العربية، اسم هذا الفن الجديد البلاغة.

طبعا هو لم يسمّ العلوم علم البلاغة، وكما قلنا نعم الجرجاني لم يسمّ علم المعاني والبيان علم البلاغة، لم يستخدم هذا المصطلح تسمية لعلم المعاني والبيان. بل في الحقيقة حتى يعني ندخل في الموضوع آه الجرجاني وضع قواعد وقوالب، طبعا إيش اسم كتب الجرجاني؟ كما قلنا وضع قواعد علم المعاني في أي كتاب؟ دلائل الاعجاز، ووضع قواعد علم البيان في أي جهاز في أي كتاب؟ أسرار البلاغة. بعدين مسائل مهمة، شخصيات مفصلية في علم البلاغة: عبد القاهر الجرجاني وضع قواعد علم المعاني في كتاب دلائل الاعجاز، ووضع قواعد علمية في البيان في كتاب أسرار البلاغة.

لكن ما أحب أن أنوه إليه أن عبد القاهر الجرجاني لم يستخدم مصطلح علم المعاني في كتابه دلائل الاعجاز، ولم يقل في كتاب أسرار البلاغة: من أسرار البلاغة هذا خاص بعلم البيان. فالتفرقة بين أن هناك علم معاني وعلم بيان وأنهما مندرجان تحت عين يسمى علم البلاغة، هذا لم يستخدمه الجرجاني، وضحت الفكرة؟

فالمصطلحات في عصر الجرجاني وفي كتابات الجرجاني كمصطلحات لم تنضج بعد، بل كان كان يسمي ما نسميه نحن الآن علم المعاني، كان يسميه الجرجاني إيش؟ علم النظم. وما نسميه نحن الآن علم البيان، الجرجاني أحياناً كان يسميه إيش؟ البلاغة. لذلك أصل إيش سمى كتابه في البيان؟ أسرار البلاغة. فاذا اطلق أسرار البلاغة فاستخدم كلمة البلاغة على ما نسميه نحن اليوم علم البيان.

فإذاً هنا إذاً الاصطلاح لم ينضج بعد على يد الجرجاني، وإنما الجرجاني كانت أول محاولة حقيقية لوضع قواعد علم المعاني وعلم البيان، لكنه لم يستخدم مصطلح علم المعاني وفي مقابله علم البيان ويقول: هذان العلمان يندرجان تحت علم البلاغة على ومعروف عند المتأخرين، لا، هو كانت ما كان عنده تحري كبير في الألفاظ، كان يطلق على علم المعاني علم النظم، أما البيان كان يسميه البلاغة، أحياناً يطلق كلمة بيان على المعاني على علم النظم، اللي هو هل يطلق البيان على علم المعاني وعلم البيان المعروف حالياً؟

فباختصار باختصار المصطلحات في عصره لم تكن ناضجة، استخدم مصطلح البلاغة على عمومه، استخدم البيان على عمومه، لم يستخدم مصطلح للمعاني، يستخدم مصطلح النظم مكانه، فالمصطلحات لم تكن ناضجة في عصره. لكن النضوج الذي قام به هو وضع القواعد والقوالب، أول مرحلة في وضع القواعد وقوالب حقيقية لقواعد هذا العلم، تمام.

الآن بعد الجرجاني، الجرجاني طبعا متى توفاه الله؟ قلنا في خلاف، قال هو مات أربعمائة وواحد وسبعين أو أربعمائة وأربعة وسبعين، هناك خلاف آه. من الذي جاء في هذه المرحلة؟ جاء شخصية أخرى محورية في هذه المرحلة وهي الزمخشري في كتابه الكشاف.

الزمخشري في كتابه الكشاف اخذ القواعد التي تحدث عنها عبد القاهر الجرجاني في كتابي دلائل الاعجاز وأسرار البلاغة، وحاول أن يطبقها وأن ينزلها على نصوص القرآن الكريم. ممتاز! أخذ قواعد عبد القاهر الجرجاني وحاول أن ينزلها وأن يطبقها على نصوص القرآن الكريم. فجاء كتابه الكشاف كتاباً ثرياً جداً من الناحية البلاغية التطبيقية، وأطبق علماء الأمة من جميع الفرق الآن، منهجه العقدي معتزلي، لكن علماء الأمة جميعاً من جميع الفرق أطبقوا على شرف هذا الكتاب، على شرف كتاب الكشاف للزمخشري.

ولكن ننبه أن الزمخشري وضع في هذا الكتاب اعتزالياته، وبحثها العلماء فيما بعد وأظهروها وكشفوها، سواء آه سواء الطيبي أو غيرها من الحواشي التي كتبت على الكشاف. لكن لا أذكر لا ألتفت إلى قضية الاعتزاليات التي ذكرها، ما يهمني أنه استثمر القواعد التي ذكرها عبد القاهر الجرجاني وطبقها في القرآن الكريم، فهو بالتالي كأنه ينفخ الروح في هذه القواعد. لأن قواعد عبد القاهر، وإن كان عبد القاهر ترى نفخ فيها روحا مراراً، لأن عبد القاهر الجرجاني أسلوبه في الكتابة رائع جداً، رائع، مميز، حتى لما يرسخ القاعدة ليس كما يرسخها المتأخرون.

بشكل جامد جاف، بل يرسخها من وحي المثال، من مضمونه ومن فحواه. يأتي المثال يطبق وينطلق بك الفكرة بشكل جميل. لكن التطبيق الحقيقي الواقعي الحي كان عند الزمخشري في الكشاف. لذلك نستطيع أن نقول إن مرحلة وضع علم البلاغة، المرحلة النظرية قادها عبد القاهر الجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لوضع علمي المعاني والبيان. وهناك مرحلة تطبيقية قادها الزمخشري في كتابه الكشاف. ما أنبه عليه أن الزمخشري هو من أوائل من استخدم مصطلح علم المعاني وعلم البيان، تمام؟

احنا قلنا عبد القاهر الجرجاني لم يفرق ولم يستخدم أصلاً مصطلح علم المعاني. لكن الزمخشري في كشافه فرق بين مصطلح علم المعاني وعلم البيان. هل هو أول من فرق بين هذين المصطلحين؟ على ما أستطيع أن أعطي معلومة دقيقة حول هذه الفكرة، لكنه من أوائل من استخدم مصطلح علم المعاني وعلم البيان، ومن أوائل من بينهما فجعل أن المعاني يتعلق بدراسة ايش؟

إيش تعريف علم المعاني؟ هو قواعد وقوانين يعرف بها أحوال اللفظ العربي التي بها يطابق مقتضى الحال. وأما علم البيان فهو العلم الذي يدرس كيفية إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة. هذه المصطلحات المحورية لا بد نحفظ ما تعريف علم المعاني وما تعريف علم البيان، وإن شاء الله من خلال الممارسة تترسخ هذه الأفكار أكثر وأكثر. لكن إذا الفرق بينه وبين الجرجاني، أن الزمخشري استخدم مصطلح علم المعاني وعلم البيان وفرق بينهما على ما هو معروف عندنا تقريبا.

بعد هذه المرحلة، خلاص انتهينا من المرحلة الثالثة. طبعا الزمخشري توفاه الله سنة خمسمائة وثمانية وثلاثين. بعد هذه المرحلة جاءت المرحلة الأخيرة، وهي مرحلة المتون والمصنفات والحواشي في علم البلاغة، والبعض يسميها مرحلة الجمود، وأنا قلت هذه التسمية لا أحبها؛ لأنها يعني تهضم هذه المرحلة حقها. هذه المرحلة لها إيجابيات في تلخيص كلام عبد القاهر الجرجاني وتبويب ووضع قواعد وقوالب تفيد الطالب المعاصر، فلها إيجابياتها، وإن كانت لا تخلو من بعض السلبيات أن قواعد علم البلاغة كسيت بند نديم يموت، فأصبح فيها شيء من الجمود في أدائها وتفقد الروح التي نفخها عبد القاهر الجرجاني فيها، تمام؟

طيب، مرحلة المتون، أهم الكتب، سأتكلم في مرحلة المتون عن أهم الكتب التي تهم الطالب المعاصر في دراسة علم البلاغة. أهم الكتب التي صنفت في مرحلة المتون: الكتاب الأول، وهو رأس مرحلة المتون، الكتاب أو كتاب يسمى مفتاح العلوم، لمن؟ يوسف بن محمد السكاكي، توفاه الله سنة ستمائة وستة وعشرين. كتاب مفتاح العلوم ليوسف بن محمد السكاكي، والبعض يقول بالفتح السكاكي، والبعض يكسر والبعض يفتح، والله تعالى أعلم، ليوسف بن محمد السكاكي.

الآن يوسف بن محمد السكاكي في كتاب مفتاح العلوم، قسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، فاستمع في هذا الكتاب المهم. السكاكي قسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول في علم الصرف وأنواع الاشتقاق، اثنين القسم الثاني من هذا الكتاب في علم النحو، القسم الثالث في علم المعاني وعلم البيان، تمام؟ إذاً، علم البلاغة في كتاب السكاكي أين يقع؟ في القسم الثالث والأخير؛ لأن القسم الأول في علم الصرف، والقسم الثاني في علم النحو، القسم الثالث هو يتعلق بعلم البلاغة.

فصنف في علم المعاني وعلم البيان، وبعد، انتبهوا ماذا ساقول الآن في مسألة تتعلق بالتصنيف، وبعد أن فرغ من دراسة علم المعاني والبيان، وضع في التفريق بين البلاغة والفصاحة، وضع خاتمة في إيش؟ في التفريق بين البلاغة والفصاحة. إذاً، السكاكي أين فرق بين البلاغة والفصاحة؟ هل في بداية دراسته لأن البلاغة أو في الختام؟ في الختام. فدرس علم المعاني وعلم البيان، ثم بعد ذلك وضع خاتمة في التفريق بين مصطلح الفصاحة ومصطلح البلاغة.

وأضافوا مبحثا في المحسنات البديعية؛ في علم البديع كان السكاكي لم يعتبره علما قائماً بنفسه، وهذا ليس منهج السكاكي بل منهج كثير من الأئمة؛ لأنه علم كما قلنا هو إيش؟ هو المحسنات ملح الطعام، فالبعض يعتبره أنه مستقل والبعض يعتبره تبع لعلم المعاني والبيان، وهذه منهجية في التصنيف لا غبار عليها. المهم السكاكي بعد درس علم المعاني والبيان وضع خاتمة في التفريق بين علم بين مصطلح الفصاحة والبلاغة، وأتبع ذلك بشيء من المحسنات البديعية.

أنا لماذا أركز أنه ذكر التفريق بين الفصاحة والبلاغة في آخر الكتاب؟ لأن المنهج الذي سلكه السكاكي سيختلف فيما بعد، وسيقدم العلماء بعد السكاكي دراسة مصطلح الفصاحة والبلاغة والتفريق بينهما في بداية الدراسات البلاغية وليس في الختام، تمام؟ ففي مائة المعاني والبيان التي ندرسها إن شاء الله، سنلاحظ أن صاحب هذه المنظومة قدم التفريق بين مصطلح الفصاحة ومصطلح البلاغة، وما فصاحة المتكلم هي فصاحة الكلام، في بداية منظومته، ثم بعد ذلك شرع في علم المعاني، ثم علم البيان، ثم علم البديع.

فإذاً، هناك اختلاف في التصنيف، وهذا يهم الباحث؛ عندما تبحث عن مصطلح الفصاحة والبلاغة عند السكاكي تعود إلى آخر كتابه، لكن عند من بعده تذهب إلى أول الكتاب، وهذه مهمة في البحث العلمي؛ لان بعد السكاكي جاء عالمان جليلان لخصا القسم الثالث من أقسام كتاب السكاكي مفتاح العلوم؛ لأن كتاب السكاكي كما قلنا في علم الصرف ثم النحو ثم البلاغة.

جاء عالمان جليلان لخصا القسم الثالث ما يتعلق بعلم البلاغة من كتاب السكاكي. من هما؟ أولاً، بدر الدين محمد بن محمد بن مالك، وهذا الشخص هو من؟ هو ابن ابن مالك صاحب الألفية المشهورة، الإمام ابن مالك صاحب الألفية في النحو والصرف، إيش اسمه؟ محمد، وابنه أيضا اسمه محمد، قالا محمد هو ابن مالك، أحمد ربي الله خير مالك، أو اسمه محمد، وابنه المشهور الآن في علم المعرفة أنه اسمه ابن الناظم، هيك بسموه، بسموه شرح ابن الناظم. ابن الناظم هو ابن ابن مالك، واسمه محمد أيضاً، ولقبه بدر الدين، فبدر الدين محمد بن محمد بن مالك وضع كتابا لخص فيه القسم الثالث من كتاب السكاكي، سمى هذا الكتاب المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع.

إيش اسم كتابه؟ المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع. نلاحظ أن ابن مالك يعد علم البديع علما قائماً برأسه، صح؟ لأنه سمى الكتاب المصباح في علوم المعاني والبيان والبديع، فإذا هو جعل علم البديع علما قائما برأسه. إذاً، هذا الإمام الأول الذي لخص القسم الثالث من كلام السكاكي.

الإمام الآخر وهو الأهم في الحقيقة، جلال الدين محمد بن سعد الدين المشهور بالخطيب القزويني. الآن لماذا اشتهر باسم الخطيب القزويني؟ اشتهر باسم الخطيب لأنه كان خطيب جامع، الجامع الأموي في دمشق ممتاز، ونسب إلى قزوين مع أنه ولد في الموصل؛ لأن أحد أجداده كان من قزوين، أما هو فعربي المولد والنشأة، ولد في الموصل في العراق. إذاً، الخطيب القزويني، خلاص احفظوا اسم الشهرة له، عرفتم لماذا سمي، اشتهر بالخطيب ولماذا اشتهر بالقزويني؟ لخص القسم الثالث من كتاب السكاكي في كتاب سماه إيش؟ تلخيص المفتاح، سماه إيش؟ تلخيص المفتاح، والبعض يختصر فيقول التلخيص، يسميه إيش؟ التلخيص.

الآن هذا الكتاب، ركزوا، هذا الكتاب التلخيص للخطيب القزويني له عدة شروح مهمة، وعليها مدار البلاغة عند المعاصرين. هذا الكتاب، طبعا هذا الكتاب هو متن، هو متن اسمه التلخيص، حتى أكون واضحا مباشرة. هذا الكتاب وهذا المتن اللي هو التلخيص في الحقيقة هو أشهر متن يدور عليه علم البلاغة الآن، أشهر متن كتاب يدور عليه علم البلاغة الآن هو متن أو كتاب التلخيص للخطيب القزويني.

جاء مجموعة من العلماء شرحوا هذا المتن، من الشروح المهمة عليه عروس الأفراح لبهاء الدين السبكي، كتاب عروس الأفراح شرح فيه تلخيص المفتاح، في شرح تلخيص المفتاح لبهاء الدين السبكي. طبعا حتى نعرف العلاقة بين العلماء، بهاء الدين السبكي هو أخو مين؟ هو أخو تاج الدين السبكي صاحب جمع الجوامع في أصول الفقه.

لكن هذا بلاغي وذاك أصولي. إذا، بهاء الدين السبكي صنف كتاب عروس الأفراح، شرح فيه التلخيص أيضاً، التصوير نفسه، القسمين نفسه، شرح كتابه في شرح سماه الإضاح. القزويني شرح كتابه التلخيص في شرح سماه ايش؟ الإضاح. والشرح الثالث والأخير هو شرح سعد الدين رحمة الله عليه، شرح التلخيص في شرح مختصر وشرح مطول، هكذا تجدون اسم الشرح: الشرح المطول، سعد الدين التفتزاني على التلخيص، ويوجد له أيضاً شرح مختصر.

هذه ثلاثة شروح على التلخيص؛ شرح الخطيب نفسه، شرح كتابه في شارع عروس الأفراح لبهاء الدين السبكي، وشروح التفتزاني: الشرح المطول والشرح المختصر. هكذا أيها الأحبة نكون مررنا بشكل مفصل على مراحل تطور علم البلاغة، دار كتابات معاصرة أيها الأحبة وما شابه ذلك.

لكن ما أنصح الطالب به أن يعتني بالدراسة النظرية في علم البلاغة بكتب معينة، كتب معينة في الدراسة النظرية، ويكثر من الدراسة التطبيقية أكثر، بأن الدراسة التطبيقية هي ثمرة علم البلاغة وهي المقصود. وأما الدراسة النظرية وكثرة المصطلحات التي ستجدها في علم البلاغة، ويصبح الخلاف وكثرة تقاسيم غير مثمرة، لا تهمنا كثيراً.

طيب يا شيخ، ايش هي أهم الكتب التي تنصح بدراستها لمن يرتقي في هذا العلم؟ طالب العلم أن يبدأ دراسته البلاغية في كتاب مئة المعاني والبيان، يبدأ بالدراسة بشكل محقق وتفصيلي لهذا المتن، وليس فقط هكذا شجر مظهر، بل يكون دراسة محققة تفصيلية لهذا المتن، متن مئة المعاني والبيان يدرسه على شيخ يحل الألفاظ ويطبق ويمارس معه.

الآن بعد ذلك، هل ننصح بكتاب الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري؟ صاحب السلم المنور. هناك النظم المشهور اسمه الجوهر المكنون لعبد الرحمن الأخضري، الإمام الكبير رحمة الله عليه في علم البلاغة، وفي الحقيقة في دراستي الشخصية لا تتلمذ على هذا المتن، على متن الجوهر المكنون. إن هذا المتن هو الذي كان مشهوراً وعليه الشروح الكثيرة، بينما متن مئة المعاني والبيان لم يحز تلك الشهرة إلا في الآونة الأخيرة، وأما قديماً كان المتن المشهور هو عبد الرحمن الأخضري رحمة الله تعالى عليه.

لكن أنا في الحقيقة أقول: الطالب إما أن يختار متن عبد الرحمن الأخضري الجوهر المكنون ولا حاجة لدراسة مئة المعاني والبيان، وينطلق من متن عبد الرحمن الأخضري إلى ما بعده، وإما أن يختار مئة المعاني والبيان لابن الشحنة ولا يحتاج إلى دراسة الجوهر المكنون وينتقل إلى ما بعد ذلك. فأنت مخير، إما أن تبتدئ بهذا أو بهذا، وأنا أفضل مئة المعاني والبيان لأنها أقصر فهي مئة بيت.

طيب، أدرس الشيخ مئة المعاني والبيان، إلى أين ننتقل؟ آه، تنتقل بعد ذلك إلى دراسة إما التلخيص للخطيب القزويني المتن، أو دراسة نظم التلخيص، من الذي نظمه؟ نظمه السيوطي رحمة الله عليه في عقود الجمان: قال الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام. فالسيوطي في عقود الجمان نظم التلخيص، الطالب الذي لديه همة على الحفظ عليه أن يحفظ عقود الجمان لأنها تجمع له أصول هذا العلم، وهي منظومة سهلة سلسة في ألف بيت. وأما من لا قوة له على الحفظ ولا ممارسة له، فخلاص لا يجوز مئة عقود الجمان، نذهب إلى دراسة التلخيص مباشرة.

طبعا، سواء اخترت عقود الجمان أو اخترت التلخيص، عليك أن تقرأ شرحاً، وأن تدرس طبعا هذا المتن عقود الجمان على شيخ، تدرس على شيخ وتقرأ شرحاً، وأفضل الشروح في الحقيقة عروس الأفراح لبهاء الدين السبكي، تمام؟ يعني هذه فقط.

بعد ذلك، طيب يا شيخ بعد ذلك؟ أنا أطلب منك أن لا تكثر من دراسة البلاغة نظرية، كطالب علم عليك أن تدرس وتعود إلى الكتب القديمة، فتبدأ بقراءة دلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني وأسرار البلاغة، وتطبق على الكشاف للزمخشري، وربما نحن إن شاء الله أثناء دراستنا نذكر كتباً ومسائل تطبيقية، ونشير إلى بعض الكتب والمصنفات المهمة.

طيب، الآن بعد أن تكلمنا عن وضع علم البلاغة، ما زلنا في المبادئ العشرة في الدرس الثالث، وما زلنا في المبادئ العشرة عن الحد والموضوع والثمرة والنسبة والفضل والواضع. وعند الواضع توقفنا في رحلة طويلة في المراحل التي مر بها علم البلاغة. الآن دراستنا في المبادئ العشرة، الاسم عند المبدأ السابق: ايش اسم هذا العلم؟ علم البلاغة، وتحته ثلاثة علوم: علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع. فاسم العلم أيها الأحبة لا يحتاج إلى كثرة كلام.

طيب، المبدأ الثامن: الاستمداد. برأيكم من خلال ما فهمتموه أنتم من هذه المراحل التي مر بها، من أين استمد علم البلاغة؟ هذه القواعد وهذه القوانين التي سنتعلمها إن شاء الله من أين استمدت؟ من الملاحظات البيانية التي أبداها العلماء عبر التاريخ، أليس كذلك؟ ما هي المواد الخام التي شكلت علم البلاغة؟ هي الملاحظات البيانية التي أبداها العرب الجاهليون، العرب الإسلاميون، كذلك علماء الخلافة الأموية والعباسية إلى أن نشأ علم البلاغة. فالملاحظات البيانية التي خلفها العرب من الجاهلية إلى وضع علم البلاغة هي أو منها استمد علم البلاغة، واستمدت القواعد والقوانين.

طيب، ما حكم الشارع؟ هل تعلم علم البلاغة مكروه، حرام، واجب، مباح؟ ايش حكمه؟ فرض كفاية، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي. وفرض الكفاية عند كثير من الأئمة وعند الحنابلة: إذا شرع فيه الإنسان يحرم عليه أن يخرج منه، من شرع في إسقاط فرض الكفاية عن الأمة يحرم عليه أن يعود أدراجه من غير عذر. الآن إذا عنده عذر، أصيب بإعاقة، ببلاء، ما شابه ذلك، فالله سبحانه وتعالى يعطيه، لكن أن تتراجع وأنت تؤتي هذه الأمة في فرض الكفاية، هذا حرام.

ليش تراجع؟ بدأت في الدراسة وما عندك أعذار، لست مريضا ولست مقعدا ولست مشغولا بشيء مهم وكبير في الحياة، وإنما تنام المنزل وكسول ولا تستيقظ في الوقت المبكر حتى تلخص أسماء الدروس، فقط هذه مشكلته. لماذا إذا تتراجع؟ آه، لا تتراجع عن طريقك إلى الله سبحانه وتعالى في إسقاط فرض الكفاية عن الأمة.

وأما المبدأ العاشر والأخير من المبادئ العشرة فهو مسائل العلم. إن مبادئ كل فن عشرة: الحد والموضوع ثم الثمرة ونسبة وفضله والواضع الاسم الاستمداد حكم الشارع مسائل، والبعض بالبعض اكتفى والجميع حاز الشرف. إذا أيها الأحبة، هذه المبادئ العشرة لعلم البلاغة أحببت أن تكون طرقها ودراسة تاريخية لهذا العلم قبل أن نقتحم في هذه المنظومة المباركة.

المنظومة التي بين أيدينا ليست بتلك المنظومة الطويلة، نتكلم عن مائة بيت، إن شاء الله نرمم أفكارها، لكن إن شاء الله سنسعى إلى جانب تطبيقي أكثر وأكثر، ليس فقط الكلام عن قاعدة هكذا جافة من دون التطبيق ومحاولة فهم كيف تنزلها على النص؟ نحاول أن نطبق أكثر وأكثر.

كم ذا من الوقت؟ طب خلص، نكتفي اليوم إن شاء الله بهذا القدر في هذه المحاضرة، وفي المحاضرة القادمة بإذن الله نشرح في هذا الكتاب المبارك مئة المعاني والبيان. اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا متقبلا، ونسألك الإخلاص في القول والعمل، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.