فيا لغتي، أيا صرحا عظيما تهاوت عندها هيبته الصروح! أنت البحر للغواص عشق، وأنت تدر للقاسي طموح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً فيه.
حييتم أحبتي في مجلس جديد نعقده في شرح نظم مئة المعاني والبيان للإمام ابن الشحنة الحنفي رحمة الله تعالى عليه، وبإذن الله لا ندري يعني لعل هذا المجلس يكون الأخير أو المجلس القادم بإذن الله، لكن المهم أننا نسير في الأبيات الأخيرة من هذه المباركة التي عشنا في ظلالها أشهر ونحن نتفهم وننتقل ونقف عند الأبيات ونحلل ونحاول أن نفهم شيئاً يسيراً من طريقة العرب في خطابها في علوم المعاني والبيان والبديع.
وقد انتهى بنا المسير أحبتي في علم البديع، وبالتحديد في المحسنات البديعية المعنوية. نحن قلنا: علم البديع هو العلم الذي يتكلم عن وجوه تحسين الكلام بعد مراعاة علمي المعاني والبيان، وعرفنا أن وجوه تحسين الكلام منها وجوه تحسين الكلام اللفظي ووجوه تحسين الكلام المعنوي، أو ما يسمى المحسنات اللفظية والمحسنات المعنوية.
أخذنا المحسنات، تطرقت الشأن إلى خمسة منها، وشرعنا في المجلس السابق في الحديث عن المحسنات المعنوية، أخذنا جل المحسنات المعنوية التي معنا هي من الشحنة أيضاً، وبقي علينا البيت الأخير في المحسنات المعنوية، والذي ضمنه ابن شحنة عليه رحمة الله خمسة من تلك المحسنات.
دعونا يا استغفار للوقت نشرع مباشرة في ما ذكره ابن الشحنة رحمة الله عليه في البيت الأخير في المحسنات المعنوية. قال عليه رحمة الله: والسوق والتوجيه والتوفيق والبحث والتعليل والتعذيق. هذا هو البيت الأخير المحسنات المعنوية: والسوق والتوجيه والتوفيق والبحث والتعليل والتعليق.
يعني نستطيع أن نقول: ذكر خمسة من المحسنات، أو لربما ستة. ذكر من المحسنات المعنوية ليس خمسة، ذكر ستة في الحقيقة من المحسنات المعنوية في هذا البيت، في البيت الخامس والتسعين. نبدأ بها واحد واحد، وهي محسنات معنوية سهلة في جلها، لا تحتاج إلى كبير عناء في فهمها. نذكر المحسن، نفهم ما المراد منه باختصار، ونذكر مثالاً عليه.
قال أولاً: السوق. قال: والسوق والتوجيه والتوفيق والبحث والتعليل والتعليق. نبدأ أولاً بالسوق. ما المراد بالسوق؟ طبعا هنا ابن الشحنة لأنه في أحبتي يختصر أسماء المحسنات، لا يستطيع أن يذكر لك اسم المحسن بأكمله كما هو مذكور عند القزويني، والسبب في ذلك أنه في مكان وفي سياق النظم إذا أراد أن يختصر لابد وأن يأخذ جزءاً من الاسم يشير إلى باقي الاسم، يأخذ جزءاً من اسم المحسن يشير بهذا الجزء إلى الاسم بأكمله، ويدرك ذلك طبعا الشراح أنه أراد بهذا الرمز إلى هذا المحسن، وأراد بهذه الكلمة الرمز إلى محسن آخر، وهكذا. تمام؟
فبدأ رحمة الله عليه السوق أحبتي كما قلنا هو رمز لمحسن من المحسنات البديعية المعنوية، ما هو؟ السوق هو أن يسوق الشاعر أو الناثر الشيء المعلوم لديه مساق الشيء المجهول لنكتة معينة، نكتة لطيفة من اللطائف. هذا هو المراد بالسوق. فهمناه؟ أعيدها للمرة الثالثة والأخيرة: أن يسوق الشاعر أو الناثر الشيء المعلوم لديه مساق الشيء المجهول لنكتة ولطيفة يريد أن يوصلها إلى السامع.
انظروا في هذا البيت، قال الشاعر: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا أليلى منكن أم ليلى من البشر؟ هذا الشاعر أتى إلى منطقة مستوية القاع هي المنطقة المستوية من الأرض، فوجد ظبيات، وجد ظبيات غزلان، فخاطب هؤلاء الظبيات فقال لهن: بالله يا ظبيات القاع قلن لنا، أيها الظبيات الجميلات قلن لي: هل محبوبتي ليلى منكن هي ظبية من هذه الظباء أم ليلى من البشر؟
الآن من ناحية عقلية، أليس الشاعر يعلم مسبقاً أن ليلى من البشر، أن محبوبته ليلى هي كائن حي بشري؟ هو يدرك ذلك قطعا. لكنه لطيفة من اللطائف سنبه عليه، أنبه عليه الشيخ محمد المصيف، أظهر كأنه يجهل هذه المعلومة، أظهر نفسه في مقام الإنسان الجاهل عن هذه المعلومة، فهو يستفسر عنها ويسأل الظبيات: يا ظبيات أخبرنني هل ليلى المحبوبة منكن ظبية من الظباء أم ليلى محبوبتي من البشر؟
أظهر نفسه في مظهر الجاهل الذي يستفسر عن معلومة معينة، وهذا نمط من أنماط سوق المعلوم مساق المجهول. ما هي النكتة أو اللطيفة التي من أجلها أتى الشاعر بهذا النمط بنمط التجاهل؟ يسميه البعض هذا التجاهل، أنك تعمل نفسك أنك متجاهل، وهو سوق المعلوم مساق المجهول.
ما اللطيفة التي أراد من هذا الشعر؟ قال الشيخ محمد، وهذا كلام صحيح: والنكتة في البيت إظهار الحيرة وأذهاب العقل بسبب حبه وعشقه. الحب والعشق الذي امتلك قلب هذا الشاعر كأنه جعله في حيرة واندهاش، فكأن المعلومات العقلية المعلومة لديه مسبقاً اضطربت، فأصبح يشك: هل ليلى فعلاً من البشر أم ليلى من الظباء؟
وهذا يدل على شدة حبه وتعلقه وافتنانه بمعشوقته ليلى، حتى كأن العقل توهمها من الظباء، فاختلت لديه الموازين فأصبح يشك: ليلى هي من البشر أم من الظباء؟ هو يريد الشاعر، هو يريد أن يوصل لك هذه الفكرة، فكرة شدة افتتانه وتعلقه بهذه المحبوبة وهذه المعشوقة لا غير. هذه هي النكتة التي من أجلها أظهر المعلوم في مظهر المجهول، والنكات كثيرة أحبتي، كل بيت شعري أو كل نص استخدم فيه هذا النمط، نمط سوق المعلوم مساق المجهول، تستطيع أن بشيء من التحليل الدقيق أن تقف على النكتة المراد من ذلك.
لذلك ما قال صاحب مختصر المعاني ونكات هذا المحسن أكثر من أن يضبطها القلم. ما قاله الشيخ محمد النصيح صاحب مختصر المعاني: أن النكات التي تستطيع أن تستنبطها من هذا المحسن أكثر من أن يضبطها القلم، لا أستطيع أن أضبطها لك، لأنه كل بيت وكل نثر فيه نكتة معينة من أجلها استخدم الشاعر هذا المحسن وهذا النوع.
تمام. ننتقل للمحسن الذي يليه، قال: وهو التوجيه. بسم الله. التوجيه أحبتي انتبهوا عليه؛ لأن فكرته قد تختلط عليكم بفكرة محسن بديع سابق. هذا التوجيه فكرته قد تختلط عليكم بفكرة محسن بديع سابق، وهو التولية؛ لأن هناك عناصر اشتباه بينهما وهناك عناصر افتراق ستظهر لنا.
ما هو التوجيه؟ قال: التوجيه إيراد الكلام محتملاً لوجهين متضادين، أن يأتي الشاعر أو الناثر بكلام، هذا الكلام يحتمل معنيين متضادين، فحينما أورده الشاعر أو الناثر في كلامه أورده مجملاً، أنت كقارئ أو كسامع يمكن أن تحمله على هذا، ويمكن أن تحمله على ضده. طيب، لماذا الشاعر أو الناثر يأتي بكلام محتمل لمعنيين متضادين من دون أن يعين المعنى الذي يريد؟ أيضاً لنكتة ولطيفة من اللطائف.
نعيد: ما هو التوجيه مرة أخرى؟ الشاعر أو الناثر يأتي بكلام، هذا الكلام محتمل لمعنيين متضادين، يحتمل معنيين متضادين، فيورده الشاعر أو الناثر مجملاً على كلا الاحتمالين من دون أن يبين وأن يحدد لك الاحتمال الذي يقصده، بالضبط. لماذا؟ لنكتة ولطيفة من اللطائف، للتنكيت، للملاطفة، والمداعبة، مقاصد عامة تجدونها في المطولات.
انظروا، حتى يتضح لنا المقال، المثال الذي ذكره الشيخ للتوجيه: بشار بن برد، رأس الشعراء المولدين، يقول في خياط أعور -هو الآن يصف خياطاً أعور يعني إحدى عينيه ذاهبة- بماذا يصف هذا الخياط الأعور؟ يقول: خاط لي عمرو قباء -القباء يعني قصر من القباب، القباب نوع من الثياب المشهورة عند العرب، قد تقصر أحياناً على قبا بدون همزة، ولكن هي في الأصل قباء-.
يقول: خاط لي عمرو قبا، خاطبني هذا الثوب ليت عينيه سواء. قال: ليت عينيه سواء. كأنه يتمنى أن تكون عينيه سواء، لكن في الحقيقة ماذا يريد؟ ليت عينيه سواء هو هذا الخياط، فأنت قلت: ليت عينيه سواء. هل يقصد سواء أن كلتيهما ذاهبة، وإلا أن تكون سواء أن كلتيهما تبقى سليمة؟ محيرنا صح؟ قل: ليت عينيه سواء. أنت تريد تكون العين الثانية مثل عين الأولى في السلامة ولا في العور؟
ثم بعد ذلك هو بين أنه يريد أن يداعب، فقال: قلت شعرا ليس يدرى أمديح أم هجاء. يقول بشار بن برد: لقد قلت لكم شعرا السامع لا يدري هل هو مديح؟ إنه يكون مديحا إذا أراد أن تكون عينه العوراء سليمة، ويكون هجاء وذما إذا أراد أن تكون عينه السليمة عوراء، صح! فالبيت محتمل. قال: خاطني عمر القبا ليت عينيه سوا، تريد سوا أن العين السليمة تصبح عوراء، ولا تريد العكس أن تكون العين العوراء سليمة.
انت قلت ليت عينيه سوا وأجملت، ولم تبين لنا ما هي حقيقة الدعاء، فهذا يسمى توجيه، لأن هذا الكلام يمكن أن توجهه إلى المديح، ويمكن أن توجهه إلى الذم، لذلك سمي إيش؟ توجيه، لأن السامع يمكن أن يوجه هذا الكلام إلى أكثر من منحى. طب يا شيخ، إيش العلاقة والرابط بين التوجيه وبين التورية؟ التورية أحبتي دعونا نتذكرها سريعا. التورية هي أن يأتي الشاعر أو الناثر بكلام أم اه بكلام له معنى قريب ومعنى بعيد. اه إذا وجه الاشتراك، طب خليني أكمل تعريف التورية بعدين أعود له.
معنى قريب يعني قريب من ذهن السامع، وله معنى بعيد عن ذهن السامع، فالمتكلم -كان شاعرا أو ناثرا- يأتي بهذا الكلام الذي يحتمل القريب من ذهن السامع ومعنى البعيد، يأتي به المتكلم ليجعل السامع يعتقد المعنى القريب وهو كمتكلم في الحقيقة يريد المعنى البعيد، هذا معنى التورية. دعونا نذهب إلى السبورة حتى نقارن بين التورية والتوجيه.
التورية هناك معنيان للكلام، وفي التوجيه هناك معنيان للكلام، اه يعني هذا عنصر الاشتراك بين التورية التي درسناها في الدرس السابق وبين التوجيه، أن فكريهما الكلام يحتمل أكثر من معنى. إذا في التورية عندنا هناك معنيان للكلام طبعا فأكثر، وفي التوجيه هناك معنيان للكلام فأكثر بنقول أكثر من معنى تمام، لكن في التورية تقول هناك معنى قريب من ذهن السامع وهناك معنى بعيد من ذهن السامع تمام؟
المتكلم يأتي بهذا الكلام يجعل السامع يتوهم أنه يريد المعنى القريب وفي الحقيقة المتكلم يريد المعنى البعيد. هذه كانت فكرة التورية، وأما التوجيه الذي لدينا الآن، هناك معنيان للكلام صحيح، لكن أولا أقول في التوجيه المعنيان متضادان، العلاقة بينهما التضاد، بينما في التورية لا يشترط ذلك، قد يكون في التورية المعنيان متضادان وقد لا يكونا كذلك لا تكون العلاقة بينهما التضاد. وأما في التوجيه لا أشرطوا في المعنيين اللذين يحتملهما الكلام أن يكونا متضادين.
هذا أولا، ثانيا: أن يكون تبادرهما إلى ذهن السامع على السواء، في التورية كان عندنا معنى قريب لذهن السامع ومعنى بعيد، فالسامع حينما يسمع الكلام يذهب إلى ذهن يذهب ذهنه إلى المعنى القريب، والمتكلم يريد المعنى البعيد، لكن في التوجيه لا الأمور تختلف، في التوجيه كلا المعنيين المتضادين سواء يعني مستويان في ذهن السامع، ذهن السامع لا يذهب إلى أحدهما بل يذهب إلى كليهما معا، فلا نقول هناك قريب وبعيد بل هما مستويان في ذهن السامع.
طرقتهما إلى ذهن السامع سواء، فهذا هو التوجيه معنيان متضادان، يولد الشاعر أو الناثر مع ليالي عفوا كلاما يحتمل معنيين متضادين وهذان المعنيان المتضادان ورودهما إلى ذهن السامع سواء، ليس أحدهما قريب من ذهن السامع متبادر والاخر بعيد، بل كلاهما يتبادران أو كل واحد منهما يتبادر إلى ذهن السامع على السواء في نفس الوقت من دون أن يكون أحدهما أظهر من الآخر، فهذا الفرق بين التورية وبين التوجيه.
فهمنا الفرق بينهما تمام، حتى لا تختلف إنه بعض المحسنات البديعية قد تختلط على ذهن الطالب، فلابد أن نفصل لنبين الفروق بينها، بسم الله. بعد عرفنا التوجيه ننتقل إلى المحسن الثالث: التوفيق، قال والشوق والتوجيه والتوفيق. التوفيق ما يسمى عند البلاغيين بمراعاة النظير، هذا هو الاسم الأشهر له، مراعاة النظير.
ومراعاة النظير باختصار أن يجمع المتكلم -سواء كان شاعرا أو ناثرا- أن يجمع الأمور المتناسبة مع بعضها في سياق واحد، أن يجمع الأمور المتناسبة مع بعضها في سياق واحد، يعني يكون الشاعر يتكلم عن شيء معين، وأثناء سياقه لهذا الشيء المعين لا يأتي بشيء منافر له لا علاقة له به أبدا، بل يتكلم في أمور متناسبة مع بعضها البعض. لذلك الشيخ محمد إيش قال في تعريفه لمراعاة النظير؟ قال: جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد.
يعني أن يجمع الشاعر أو الناثر الأمور المتناسبة مع بعضها البعض، طبعا تناسبها يعني كيف نقول إن هذا يتناسب مع هذا؟ عرفنا حياتنا العملية هي التي تحدد لنا أن هذا الشيء يتناسب مع هذا الشيء أن يذكرا معا في سياق واحد. فمثلا القلم هل يتناسب مع السيارة؟ يعني أن يذكر في سياق واحد القلم والسيارة، بينهما تباعد في حياتنا العملية صح؟ لكن القلم والممحاة والورقة اه هذي العناصر في حياتنا العملية في بينها اشتراك وتناسب صح.
الكأس والماء أمور متناسبة بينها اشتراك، لكن اه مثلا الماء والنار، الماء والنار ممكن يقول شخص في بينها تناسب لكن تناسب تضاد، أن العلاقة بينهما على ايش؟ على التضاد. اه إذا كانت العلاقة من الأشياء على التضاد فإذا ذكرت في مقام واحد لا يسمى هذا مراعاة النظير، لأنه إيش قال؟ شرط مراعاة النظير أن تكون الأشياء المتناسبة التي ذكرت في مقام واحد العلاقة بينها أو التناسب بينها لا بالتضاد.
لذلك إيش قال هو؟ قال: جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد. إذا كانت هناك أشياء ذكرت في سياق واحد والعلاقة بينها التضاد، هذا نوع من أنواع التناسب، لكنه لا يكون مراعاة النظير، مراعاة النظير شرطه أن يكون التناسب بين الأشياء المذكورة معا ليس تضادا. كما قلت لكم الممسحة أو الممحاة عفوا والقلم والورقة، في هناك تناسب علاقة بينها وليست علاقة تضاد. الكأس والماء هناك علاقة بينها ليست علاقة تضاد.
اه الشمس والقمر والنجوم هناك علاقة بينها ليست علاقة تضاد، اه الشجر والعشب والأرض هناك علاقة بينها ليست علاقة تضاد، فإذا ذكر أشياء متناسبة في مقام واحد أو في سياق واحد نقول هذا المتكلم عنده مراعاة النظير، استخدم مراعاة النظير، أتى بأشياء متناسبة وذكرها في مقام واحد ولم يكن هناك تنافر في كلامه. فمثلا الله سبحانه وتعالى حينما يقول اه والشمس والقمر بحسبان، لاحظ في آية واحدة إيش قال؟
قال: وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ. ذكر الشمس والقمر في آية واحدة، والشمس والقمر في بينهما تناسب، أجرام سماوية، ما قال الشمس والإنسان بحسبان، لأنه الشمس والإنسان ما في علاقة بينهما واضحة في حياتنا، لكن الشمس والقمر نعم في علاقة بينهما واضحة. طيب انظر مثلا: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ.
الان هل هذه الامور في بينها تناسب؟ ممكن شخص يقول لي يا شيخ إيش العلاقة بين اه خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار ومع الفلك؟ اه أحيانا أحبتي السياق نفسه هو الذي يحكم لنا أنه ذكر هذه الأشياء مع بعضها في تناسب أو في تنافر. فممكن أنت تذكر أشياء مع بعضها البعض في سياق تكون متنافرة، وممكن نفس هذه الأشياء تذكرها في سياق آخر وتكون متناسبة، بحسب المعنى الذي يريده المتكلم.
فمثلا هنا في هذا السياق، كان السياق يتكلم عن آيات الله سبحانه وتعالى مظاهر قدرة الله وآيات الله في هذا الكون، فكان ذكر هذه الأشياء مع بعضها البعض يدل على مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى، فاختلاف الليل والنهار والفلك عندما تجدها في البحر وما أنزل الله من السماء من ماء وتصريف الرياح كل واحد من هذه الأمور هو من مظاهر قدرة الله سبحانه وتعالى ومن آياته الكونية، فكان ذكره مع بعضها البعض في تناسق في هذا السياق صح؟ لكن ممكن في سياق آخر تذكر موضوع الليل والنهار والفلك.
وغيكون في بينها تناسب في هذا السياق، ففي هذه الحالة نقول في هذا السياق لا يوجد مراعاة نظير وفي هذا السياق وجد مراعاة النظير، فإن مراعاة النظير الذي يحكم بوجودها السياق. لأنه أنت عندما تقرأ هذا السياق تنظر في أشياء تجدها أنت كقارئ عاقل تجدها متلائمة ومتناسب أن تذكر في هذا المكان.
لكن قد تقرأ نص آخر وتجد أنه هذه الأمور غير متناسبة ما في داعي أن تذكر في مكان واحد، لأنه لا يوجد تناسب واضح بينها في هذا السياق، فإذا هذا الأمر يعود كما قلنا إلى ذوق القارئ والسامع، هو الذي يستطيع أن يحدد أنه هذا المتكلم هل عنده مراعاة نظير أو لا توجد عنده مراعاة النظير.
آه، هناك فائدة ذكرها الشيخ بعد ذلك قضية أنه من مراعاة النظير عند البلاغيين نوع من أنواع مراعاة النظير يسمى تشابه الأطراف، تشابه الأطراف فكرة مهمة وكثيرة الورود في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهو أن يختتم المتكلم كلامه بما يناسب ابتداءه، أن يختتم المتكلم كلامه بكلمات تناسب ابتداءه في المعنى. مثال ايش؟ كثير في القرآن الكريم ما تختتم الآيات القرآنية بـ والله عزيز حكيم، والله غفور رحيم، والله مثلاً غفور حليم.
طيب النص الذي اختتم بغفور حليم لماذا اختتم بغفور حليماً؟ بينما النص الآخر اختتم بغفور رحيم، والنص الثالث اختتم ماذا بعزيز حكيم؟ أنظر في هذا المثال هذا مثال يمكن البعض يستغرب، ولكن عليك أن تتأمل حتى تعقل تشابه الأطراف.
سيدنا عيسى عليه السلام كما ورد في سورة المائدة في ختامها يخاطب ربه يوم القيامة، ربنا سبحانه هو الذي قصر لنا الخطاب يخاطب ربه سبحانه يوم القيامة فيقول عن قومه إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ ايش العزيز الحكيم، البعض يقول يا شيخ لا الآية ما انتهت، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الغفور الرحيم، أليس هذا هو الذي يتناسب وهذا هو النظير الذي يتناسب مع النص السابق بالضبط؟ وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن الآية ما قالت هكذا، قالت: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
آه هذا يقول لأن القرآن يستحيل أن يكون هناك تنافر في بنائه وأن تكون الآيات تختتم بما لا يناسب ما سبقها، كلا، بل لابد أن تنتهي هاي النهاية: وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
هذا العزيز الحكيم هي التي تتناسب مع ما سبقها، قالوا العلماء لماذا؟ قالوا لأنه في يوم القيامة هذا يوم ملك لله سبحانه وتعالى، إظهار القدرة الإلهية والعزة والجبروت، في ذاك الوقت وفي ذاك المشهد أحبتي تزول كل أملاك البشر، كل الجبابرة سيأتون خاضعين لله سبحانه وتعالى، كل ملوك الأرض بجبروتهم، كل الجبارين، كل من ظلم الناس وآذاه واعتدى على حقوقهم، كل الناس الذين كفروا بالله سبحانه وتعالى وتجاوزوا حقه الكل سيأتي خاضعاً ذليلاً بين يدي الجبار سبحانه وتعالى، فذاك الموقف موقف عزة وحكمة وليس موقف أن يقال فيه مغفرة ورحمة في ذاك المشهد.
هؤلاء قوم عصوا الله سبحانه وتعالى، عصوا الله سبحانه وتعالى وما أذعنوا لأمره، فعيسى عليه السلام يريد أن يخاطب ربه بكل أدب أنه يا رب هؤلاء القوم عصوك ولم يرعوا حقك، فإن تعذبهم فهم عبيدك، أنت المتنفذ فيهم، وإن تغفر لهم فلحكمة منك وليس لضعف منك، بل أنت تغفر لهم في هذا المشهد وأنت الله العزيز، بعزتك وقوتك وجبروتك وكبريائك بهذا المشهد أنت تغفر لهم، وليس هناك شيء يضطرك إلى أن تغفر لهم، وليس من موقف الذل والضعف أنت تكلؤهم، بل تغفر لهم من مشهد العزة والملك والقوة تغفر لهم.
أنت عندما تغفر وتعفو وأنت تملك زمام المبادرة هنا تكون ممدوحاً، أليس كذلك؟ عندما تعفو وأنت في موطن القدرة تستطيع أن تعاقب، تستطيع أن تنزل بالشخص أشد العقوبات، لكنك من موقف القدرة والعزة تختار العفو والصفح، هذا كمال العزة، والكمال وهذا المشهد مشهد يوم القيامة مشهد الكبرياء والجبروت لله سبحانه وتعالى، فهو إن عفا عن شخص فإنما يعفو من عزة وكبريائه وملك وليس من ضعف وهو أن جل شأنه وتعالى.
فهذا الذي يتناسب في هذا الموطن، هذا الذي يتناسب في هذا الموطن، موطن يوم القيامة موطن العزة لله سبحانه، الله سبحانه وتعالى عيسى يخاطب ربه سبحانه وتعالى فيقول له إن تغفر لهم فمن عزك ومن قوتك ومن مشهد القوة والعظمة وليس من مشهد الضعف والهوان، فهذا الذي تناسب، طيب آآ بينما في سياقات أخرى قرآنية مثلاً فعلاً تجد التناسب واضحاً.
أن هذه الآية ذكرتها أنه البعض قد يخفى عليه التناسب فيها، لكن في كثير من الآيات تجد التناسب واضحاً مثلاً آه لا يأتي ذكر الشيخ، وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، والله عزيز حكيم، انظروا الختام، هذا مشهد العقوبة حد من حدود الله سبحانه وتعالى يطبق على السارق، فيبين الله أن هذا الحد إنما شرعه لحكمة يعلمها فيها مصالح العباد، وأظن الحكمة واضحة لديكم.
فالسراق الذين لا تقطع أيديهم يمارسون السرقة مرات ومرات، لكن لو قطعت يد سارق واحد في البلد أو في الوطن فإنه لن يعود سارق إلى ارتكاب هذه الجريمة مرة أخرى، فانظروا كيف مكان هذا الحد وكيف كانت هذه العقوبة تدل على حكمة إلهية سبحانه، وتدل على أنهم متنفذ هو الذي يحكم بين العباد بقوته بقهره هو العزيز الذي له الحكم، له أن يصدر الأوامر الإلهية والتشريعات من عنده، وليس للبشر أن يخالفوا سبحانه وتعالى.
ثم أنظروا في هي التي تليها: فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فإن الله يتوب عليه، ايش ختامة الآية؟ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، لاحظوا الآية التي تليها ختمت بالمغفرة والرحمة، حتى تبين للذين يسرقون أنه من تاب وأقبل على الله سبحانه وتعالى لا تخافوا، الله غفور رحيم، هذا موقف طمع أن ترجي الإنسان المذنب بمغفرة الله وبرحمته، هذا الموقف يحتاج إلى بيان أن الله هو الغفور الرحيم، ما بنسب في هذا الموقف أن تقول الله عزيز حكيم، أنت تطمئن شخص بمغفرة الله وبرحمته تقول ربنا يغفر لك ويرحمك إن شاء الله، لأنه ربنا عزيز حكيم مش مناسبة صح؟ أنت تقول لشخص الله يغفر الذنوب، تب إلى الله، الله غفور رحيم، تناسب، لاحظوا كيف هذا التناسب؟ هذا نوع من الأشكال أو شكل من أشكال مراعاة النظير.
شكل من أشكال مراعاة النظير أن تذكر الأمور المتناسبة مع بعضها، أنت عندما تكون في سياق رجاء من الله سبحانه وتعالى أن يغفر لك فهنا السياق يختتم بالمغفرة والرحمة، وحينما تكون في مقام العقوبة مقام العقوبة هل يصنع فيه أن الله غفور رحيم؟ أنت تعاقب شخص وتقول السارق تقطع يده، هل يتناسب السارق تقطع يده لأن الله غفور رحيم؟ في نشاز صح، تقطع يده وهذه حكمة من الله، ومن موقف العزة منه سبحانه وتعالى يصدر هذا الأمر الإلهي، فهذا يسمى تشابه الأطراف، إن شاء الله في كتب البلاغة المتقدمة بإذن الله نبين أقسام مراعاة النظير وأمثلته، لأنه مراعاة النظير تحته عدة أنواع منها تشابه الأطراف.
فتشابه الأطراف شكل من أشكال مراعاة النظير، وماذا يبسط بتشابه الأطراف؟ أن يختتم المتكلم كلامه بما يتناسب مع بدايته وسياقه، هذا معنى تشابه الأطراف.
تمام، ننتقل بعد ذلك بعد التوفيق إلى الكلام عن المحسن الرابع وهو البحث، طبعا البحث هذا المحسن البديع الرابع تأثر فيه البلاغيون بشيء من علوم الكلام ومناطقه عند المحسن، يعني تشعر وأنت تقرأ كلام البلاغيين أنهم تأثروا فيه طرق الكلاميين والفلاسفة والمناطق في إيراد الحجج العقلية في سواء القياس الاقتراني أو القياس الاستثنائي من مقدمتين ونتيجة.
فييكون البحث باختصار أن يولد المتكلم في كلامه حججاً عقلية على طريقة أهل الكلام، قضى ما يذكرونه في كتب البلاغة أن يستخدم المتكلم في كلامه الحجج العقلية التي يريدها علماء الكلام والفلسفة والمنطق، يقصدون الاقترانية والاقيسة الاستثنائية التي درسناها في علم المنطق، فإذا المتكلم في نثره أو في شعره استخدم الحجج العقلية على طريقة أهل الكلام من إيراد مقدمات ونتائج أو ما شابه ذلك.
هذا الكلام فيه بحث، هذا الكلام فيه بحث، والبعض يسمي البحث باسم آخر، وهو الاسم المشهور للبحث. يعني هنا سماه ابن الشحنة بحثاً، لكن التسمية المشهورة والذي يجدونها عند القزويني لهذا المحسن أن يقال المذهب الكلامي، مكتوب على السبورة حتى تحفظوه جيداً، لأنه الاسم المشهور في الحقيقة لهذا المحسن ليس البحث، فالاسم المشهور له هو المذهب الكلامي.
البحث والمذهب الكلامي، هذه التسمية التي استخدمها القزويني عليه رحمة الله. المذهب الكلامي والبحث ماذا يعنيان عند البلاغيين؟ يقصد بها البلاغيون أن يولد المتكلم في كلامه حججاً عقلية على طريقة أهل الكلام، أن يورد الحجج العقلية على طريقة أهل الكلام. طبعا في الحقيقة هذه الزيادة على طريقة أهل الكلام تجدونها في كتب البليغين، الكتب المتأخرة، لكن لو أننا أتينا بكلام عام فقلنا: المذهب الكلامي أن يستخدم المتكلم في كلامه الحجاج العقلي من دون أن نقيد ذلك بطريقة أهل الكلام لكان أوسع وأشمل، لأنه حتى القرآن الكريم أحبتي فيه حجاج عقلي، فيه حجاج عقلي، فيه أدلة عقلية.
ولا مانع من أن نسمي هذه الأدلة العقلية بحث أو مذهب كلامي، لكن للاسف كثير من البلاغيين كما قلنا عندهم تأثر طرق الفلاسفة وعلماء الكلام في إيراد الحجج، فسموا هذا المحسن بماذا؟ سموه مذهب الكلام، أن يورد المتكلم في الشعر أو في النثر حججاً عقلية على طريقة أهل الكلام. في الحقيقة لو أننا عممنا ولن نقيد ذلك بقولنا على طريقة أهل الكلام وإنما قلنا المذهب الكلامي: أن يولّد المتكلم في كلامه حجاجاً عقلياً يستدل به لمسائله لانتهقنا ولا وسعنا ولن نضيق واسعاً، وسعنا ولن نضيق.
الأصل أن الحجج العقلية لا يشترط نكون على رصف معين بدقة على طريقة الفلاسفة والمناطق من الحجاج العقلي، المهم أن يكون واضحاً بيناً معلوم المراد منه. فحينما قال الله سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون أو عفوا في سورة الأنبياء: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ. هذه الآية، أو كان فيهما فيهة إلا الله لفسدتا.
الان هذه الآية يمثلون لها، يمثلون بها على المذهب الكلامي، أن الله سبحانه وتعالى أورد في نص القرآن الكريم حججاً عقلية، حججاً عقلية، هذا نوع من الحجاج العقلية أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبين وحدانيته وأن تعدد الآلهة يلزم عليه فساد، فأتَى بهذا الدليل العقلي: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، لو وجد أكثر من إله بهذا الكون لفسد هذا الكون، لماذا؟ لأنه كل إله لو أراد شيئاً وعانده الإله الآخر ماذا سيحدث؟
الان إذا كان كلهم آلهة فعلا سيحدث اصطدام بين الآلهة: أنا بدي، وأنا ما بديش، يحدث اصطدام بين الآلهة يفسد به نظام الكون. طيب، لو أن أحدهم أن لو أن أحدهما نفذ أمره، هذا الإله الذي أراد شيئاً وهذا الإله لم يرد، فأحدهما نفذ أمره معناه الذي لم ينفذ أمره لا يصلح أن يكون إلهاً لأنه ضعيف، والذي نفذ أمره هو الاقوى. فهم يقولون هذه الآية تدل على أن تعدد الآلهة يلزم عليه فساد السماوات والأرض، لانه لو كان تعدد حقيقي فأراد أحد الآلهة شيئاً ولم يرد الآخر لاصطدم الآلهة ببعضهم وفسد الكون.
فإذا أحد فإذا كان أحدهما هو الذي ينفذ أمره أمره، فاذا كان أحدهما هو الذي ينفذ أمره والآخر لا ينفذ أمره معناها الذي لا يفوت أمر لا يصلح أن يكون إلهاً. بنقاش عقلي سهل واضح الله سبحانه وتعالى بين أنه يستحيل أن يوجد لكون أكثر من مستحيل. الان هذا الحجاج العقلي علماء الكلام يعني يبنونه على طريقة معينة وهذا هو طريقة القياس الاستثنائي.
يقولون: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، هذه مقدمة كبرى، وهناك مقدمة صغرى. وهناك مقدمة صغرى لم تذكر في الآية حذفت للعلم بها، وهي: لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا، أي لفسدت السماوات والأرض، لكنهما لن تفسدا، انظر هيك الحجة العقلية. لو كان في السماء في السماء والأرض أكثر من إله لفسدتا لفسدت السماوات والأرض، المقدمة الثانية حذفت من الآية لأنها معلومة، ايش هي المقدمة الثانية صورة؟ لكنهما لم تفسدا. كيف عرفت أنه ما لم تفسدها؟ بالواقع المشاهد، أنه الحمد لله السماء موجودة والأرض موجودة. فالمقدمة الصغرى: لكنهما لم تفسدا، فإذا ما هي النتيجة؟
إذا لا يوجد تعدد بالآلهة، وهذه النتيجة أيضاً محذوفة معلومة من السياق. فالله سبحانه وتعالى نبهنا على المقدمة الكبرى وحذف المقدمة الصغرى والنتيجة للعلم بها، هذا الشكل من الحجاج العقلي يسمى عند المناطقة قياساً استثنائياً، هذا درسناه في المنطق الأساسيات أشرنا إليه وفي السلم المنور درسناه بالتفصيل، هذا يسمى قياس استثنائي مقدمة كبرى ومقدمة صغرى ونتيجة، هذا هو النمط الذي يبنى عليه القياس الاستثنائي. استخدام مثل هذه الأشكال من الأقيسة والحجج العقلية في الكلام يسمى المذهب الكلامي.
وهذا الأمر يعني لا أراد أن أطيل به كثيراً لأنه ليس في الحقيقة محسن أكثر من أنه طريقة علمية في النقاش والجدال، ليس بمحسن بديعي أكثر من أنه طريقة عقلية في الجدال والنقاش. هنا من قال الشيخ محمد بن نصيب: وتكمن بلاغة هذا المحسن في إقناع المجادلين وإفحامهم.
طيب نذهب إلى المحسن الخامس وهو التعليل، التعليل والمشهور أن يسمى حسن التعليل، والمشهور تسميته بماذا؟ بحسن التعليل. فالتعليل هكذا سماها ابن الشحنة، والمشهور أن هو حسن التعليل. ما هو التعليل وحسن التعليل؟ التعليل المسلم باختصار هو أن يعلل المتكلم كلامه، أن أن يعلل المتكلم كلامه، وقل شيئاً أن يعلل المتكلم شيئاً بعلة وهمية غير حقيقية يريد منها الاستلطاف والنكتة. كتب التعريف: أن يعلل المتكلم أمراً بعلة وهمية غير حقيقية لنكتة يريد أن يستلطف، يريد إه أن يداابع شخصاً، يريد أن يظهر شدة تعلقه بشيء أنه كان كثيرة لا يمكن حصرها. لكن مبنى هذا المحسن على هذه الفكرة: أنو أنا كمتكلم سواء كنت شاعر أو ناثر أتي لأمر فأذكر له علة وهمية غير حقيقية لنكتة أقصدها.
انظروا مثلاً في ابن هاني الأندلسي يبين لنا شدة ولهه وعشق لمحبوبته. انظر كيف ايش النقطة الان؟ النكتة أن يبين شدة العشق والوله بهذه المحبوبة. انظروا كيف استخدم حسن التعليل ليبين لنا هذا التعلق يقول فيها: ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أعلنت علة للتيمم.
انظروا شدة العشق كيف أوصله إلى هذا الكلام، قال: ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أعلنت علة للتيمم. الان الله سبحانه وتعالى أمرنا بالتيمم بالتراب في حال فقد الماء، صحيح؟ طب ليه التراب بحد ذاته؟ لماذا لا يكون شيء آخر؟ الم أكثر العلماء يقولون إنه هذا أمر تعبدي يعني ليس لك أن تقول لماذا لماذا يا رب؟ هذا من الأمور التعبدية، والتعبدات لا تسأل فيها عن العلة. هناك بعض الأحكام تعبدية أن الله سبحانه وتعالى لا نسأل عن علتها، فلماذا الله سبحانه وتعالى التيمم بالتراب من دون غيره من الأشياء؟ نقول: هذا حكم الله وأمره ونقف عند ذلك.
لكن ابن هاني الأندلسي لنكتة كما قلنا لطيفة ليظهر لنا شدة تعلقه وولهه بمحبوبته يقول: ولو لم تصافح رجلها أي رجل محبوبة، صفحتا الثرى يعني لو لم تضع قدمها على الثرى على التراب لما كنت أدرى علة للتيمم، لتوقفت في علة التيمم. لكن لما وضعت محبوبتي قدمها على التراب عرفت حينئذ لماذا أمرنا بالتيمم.
طبعا ممكن البعض من الناحية الشرعية يقول هذا المعنى لا يجوز أن يتكلم به وفيه تلاعب ببعض القضايا الشرعية، أقول: نعم، يمكن أن ينظر بهذه النظرة، لكن إه دعونا الآن نحن نفهم المعنى من ناحية أدبية، دعونا نفهم المعنى من ناحية أدبية بحتة، وإن كان قد يقال إنه فعلا الأصل إنه الأمور الشرعية لا تقحم في مثل هذه الميادين، لكن أنا أريد كيف استخدموا هذا المحسن.
ومن هذه الدرجة هو يقول لو أني لم أرى رجلها أي رجل المحبوبة تلبس ثرى الأرض لتوقفت في علة التيمم ما عرفت شو علة التيمم، لكن لم إه بالتالي هو يريد أن يقول: إذا علة التيمم بالتراب دون غيره.
أن هذا التراب وضعته قدم محبوبته، فلذلك نحن أمرنا بالتيمم بهذا التراب؛ لأن محبوبته صافحت هذا الثرى بقدميها. يعني شدة العشق، وشدة التعلق، وشدة الوله أن يصبح اه علة التيمم، أن تكون علة التيمم مصافحة رجل محبوبته للثرى، ملامسة رجل محبوبته للثرى. وكما قلنا، أن هذه العلة حقيقية، هو نفسه ابن هادي لا يقول هذه علة حقيقية للتيمم، ولكنه يريد كما قلنا أن يظهر لنا شدة التعلق والوله بهذه المحبوبة أن جعل ملامسة قدمها للتراب علة لشرع التيمم. وكما قلنا هذه علة وهمية تبين لنا من شدة التعلق والوله والمحبة.
طيب، نذكر مثالا آخر ذكره الشيخ، ربما يساعد أيضا على تصوير الصورة. لاحظوا أن العلة إذا هنا علة وهمية غير حقيقية، علل بها أمرا معينا لنكتة أراد أن يوصلها إليك أيها القارئ والسامع. طيب، انظروا إلى قول المتنبي حينما قال: ما به قتل أعاديه، ولكن يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب. ما به قتل أعاديه، ولكن يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب. ايش يريد أن يقول؟
يريد أن يقول: أن هذا الملك هو لا يريد أنقتل الأعادي، ما عنده شغف بقتلهم. ولكن طب لماذا قتلهم؟ قال: يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب. بينه وبين الذئاب موعد، يريد أن يقدم لهم طعاما، فيخشى أن يخلف هذا الموعد بينه وبين الذئاب، فيذهب إلى قتل الأعادي ليقدم أجسادهم طعاما للذئاب. طبعا هذه علة حقيقية؟ هل هذا الحاكم الجبار يقتل أعاديه من أجل فقط ألا يخلف الموعد الذي عقده بينه وبين الذئاب؟ ولا وهمية هذه؟ علة وهمية ليست علة حقيقية.
ويقول: ما به قتل أعاديه، وغير مهتم بقتل أعادي أصلا، لا يلتفت إليهم ولا ينظر إليهم، هم أقل من أن يلتفت إليهم. لكن طب لماذا يسعى في القتل؟ قال: لأنه يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب، بينه وبين الذئاب موعد على طعام، يريد أن يقدم لهم طعاما، فيتقي أن يخلف هذا الموعد، فيقتل هؤلاء الأعادي ويقدمهم طعاما للذئاب. لاحظوا هذه العلة الوهمية أيضا التي أتى بها المتنبي، يعني فيها نوع من المديح الفخم لهذا الحاكم المتجبر؛ أنه إنسان جبار يستطيع أن يفعل ما يشاء، ولا ينظر إلى أعاديه لأنهم أحقر من أن ينظر إليهم وأن يفكر في قتلهم وابادتهم، لكنه إنما قتلهم هدية للذئاب التي تواعد معها.
طيب، قال: وتظهر بلاغة حسن التعليل في أمور منها: إظهار قدرة الشاعر على تخيل أمور وهمية، طبعا إمتاع السامع بأمور لا حقيقة له. انظر، يعني أنت هنا كيف شعرت بالمتعة وأنت تسمع كلامه من هان: ولو لم تصافح رجلها صفحة الثرى لما كنت أدري علة للتيمم. نوع من المتعة ومن ومن الأنس وأنت تسمع هذه الأمور الوهمية، وتنظر كيف الشاعر ذهب خياله في تعليل شيء بأمر وهمي لا حقيقة له.
طيب، هذا هو الخامس. بقي السادس والأخير، وهو ما يسمى التعليق، والبعض يسميه، وهي الاسم المشهور: الاستتباع. التعليق والاستتباع، وهو أن تمدح الشخص على وجه يستتبع مدحه بشيء آخر. أن تمدح شخصا شيئا على وجه يستتبع مدحه بشيء آخر، يعني بعبارة عامية: المدح بشيء جرني أن أمدحه بشيء آخر. المدح جر مدح، الاستتباع هذا الاسم المشهور، ويسمى التعليق أيضا.
أن تمدح الشخص بشيء يستتبع مدحه بشيء آخر، مدح جر مدح، باختصار هذا هو الاستتباع. ما هو؟ مدح جر مدح. انظر المثال الذي ذكره الشيخ محمد قال: سمح البديهة، ليس يمسك لفظه، فكأنما ألفاظه من ماله. نعيد: سمح البديهة إنسان سبح لطيف، ليس يمسك لفظه، يعني لسان عسل، ما بمسك كلامه، الكلام اللطيف دائما على لسانه، الكلام اللطيف دائما على لسانه.
سمح البديهة، ليس يمسك لفظه، إذا هو الآن مدحه أولا، لماذا؟ كما قال بذلاقة اللسان، باللسان الحلو كما نقول، مدحه بحلاوة لسانه دائما كلامه جميل وحلو، هذا هو المدح الأول. هذا المدح وظفه الشاعر ليمدح بشيء آخر. انظروا كيف مدح جر مدحا، هذا المدح وظفه الشاعر ليمدحه بشيء آخر. ماذا قال؟ قال: سمح البديهة، سمح البديهة ليس يمسك لفظه، قال: فكأنما ألفاظه من ماله، كأن ألفاظه من ماله.
قال: فكأنما ألفاظه من ماله، هو ايش أراد أن يمدحه الآن؟ بايش؟ الكرم قلنا، ومده أولا بحلاوة اللسان، اللسان الحلو اللطيف دائما معه، ثم انبنى على هذا المدح مدح آخر، قال: فكأنما ألفاظه من ماله، يعني يسخو بهذه الألفاظ كما يسخو بماله. اه، إذا انتقل هو من المدح بحلاوة اللسان إلى المدح بماذا؟ بالكرم بالمال. انتقل من هذه إلى هذه، وهذا يسمى الاستتباع عند البلاغيين وعند البديعيين: أن تمدح الشخص بشيء يستتبع مدحه بشيء آخر بهذا النمط، فتبني على المدح مدحا آخر، مدح جر مدحا.
فمدحه بحلاوة اللسان وهذا استتبع أن مكنه أن يمدحه بشيء آخر، وهو الكرم، سخاؤه بالألفاظ الجميلة كسخائه بماله، فكأنما من ماله تمام. أظن هذه الورقة أنا كتبت فيها مثالا آخر، طيب لعل ياتي بها تعملون هذه الورقة، أحسنت هناك مثال آخر للاستتباع قد أتي به هنا لنأخذ أمثلة أخرى. تقول: نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنك خالد.
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنك خالد. بشيء من التأمل، أعطيكم فترة تتأملون بها البيت حتى تعقلوا: ما هي الصفة الأولى التي أراد أن يمدحه بها؟ ثم كيف استتبع ذلك أن يمدحه بصفة أخرى؟ تأملوا قليلا في البيت: نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنك خالد. ما هي الصفة الأولى التي أراد أن يمدحه بها؟ نهبت من الأعمار، ها ايش بتشير هذه القضية؟
نهبت من الأعمار، ومعناها أن هذا الحاكم أو الرجل شجاع جريء استطاع أن يقتل كثيرا من أعدائه. إذا الصفة الأولى التي أراد أن يصفه بها: الجرأة والشجاعة، أنه قال نهبت من الأعمار، يعني هو قتل كثيرا من الأشخاص في المعارك. فكأنه انتهب أعمارهم، فهمت ما يريد أن يقول؟ نهبت من الأعمار، هو يريد أن يقول: انك قتلت كبيرا من أعدائك، فكأنك نهبت أعمارهم. إذا الصفة الأولى هي الشجاعة والجرأة، انسان شجاع جريء قتل كثيرا من أعدائه.
طيب، انظروا بعد ذلك، قال: أنت نهبت من الأعمار، أي نهبت من أعمار أعدائك حين قتلتهم الشيء الكثير، فقال: نهبت من الأعمار أخذت أعمارا كثيرة، لو أن هذه الأعمار التي نهبتها أضيفت إلى عمرك وأصبحت عمرا لك، أي شخص تقتل عمره يسمح لك لماذا حدثنا؟ قال: نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدنيا بأنك خالد. لهنئت هذه الحياة الدنيا وقيل لها: اهني يا ايها الدنيا بان فلان خالد فيك.
وهذا فيه إشارة إلى مدح بامر آخر. ما هو برأيكم؟ أنت عندما تهنئ الدنيا بأن فلان خالد، قالوا: هذا فيه إشارة إلى ماذا؟ أن بقاءه فيه صلاح للدنيا. صحيح، لماذا تهنئ الدنيا بخلود هذا الرجل؟ كأنك تريد أن تقول: أن بقاءه فيه صلاح لهذه الحياة الدنيا، لذلك تهنئ الدنيا. أهنئك بشيء فيه الصلاح، ونحن نهنئ الدنيا بما سيكون فيها من الصلاح ببقائه، طبعا الدنيا بأنك خالد.
خالد فيها إشارة إلى ماذا؟ إلى كثرة الناس الذين قتلهم، صح؟ قتل أعداء كثر لدرجة أنه لو انتهب كل هؤلاء الأعداء وأضيفت إلى عمره لخلدت الأرض لخلد في الأرض لكثرة هذه الأعمار التي احتواها. فهذه لأنك خالد، وفيها دلالة كما قلنا على كثرة القتل الذي يوقعه باعدائه. فذهب أعمار كثيرة، وقوله لهنئت الدنيا تتضمن مدحا له بأن في بقائه صلاح لهذه الحياة الدنيا حتى تهنئ الدنيا بخلوده، لأنه لو كان بقاؤه في فساد الدنيا لما هنئت الدنيا، فانظروا كيف أن وصفه بالشجاعة والجرأة في مقاتلة أعدائه استتبع أن يمدح بشيء آخر. المدح جرنا إلى مدح آخر، فهذا هو الاستتباع ويسمى التعليق أيضا، وهذه آخر المحسنات البديعية المعنوية التي تطرق إليها ابن الشحمة رحمه الله عليه في نظمه.
لاحظوا إذا أحبتي أن المحسنات البديعية المعنوية سواء التي مررنا عليها في هذا المجلس أو في المجلس السابق، كيف أنها أمور تزيينية للمعاني، أمور تمليحية للمعاني. مثلا الاستتباع كيف أنه مدح جر مدح، تلطيف، المذهب الكلامي، التوجيه.
اه، التوفيق هي عبارة عن مزينات للمعاني، ليست الأساس، لكن وجودها مهم، ويزيد الكلام بهجة ولطفاً وقبولاً لدى السامعين. هكذا نكون إذا انتهينا من المحسنات البديعية المعنوية، والآن ننتقل إلى موضوع جديد أحبتي.
من مواضيع هذه المنظومة هو الموضوع الأخير، موضوع السرقات الشعرية وما يتصل بها، السرقات الشعرية وما يتصل بها من الاقتباس والتضمين والحل والعقد. الموضوع الأخير أحبتي من هذه المنظومة، قسمها الشيخ محمد النصير إلى ثلاثة أقسام.
قال: هذه الخاتمة جزء من علم البديع، وينقسم كلام الناظم فيها إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول في السرقات الشعرية، القسم الثاني ما يتصل بالسرقات الشعرية والاقتباس والتضمين والحل والعقد والتلميح، يعني خمسة أمور سنذكرها سريعاً إن شاء الله. والقسم الثالث ما يسمى مواضع التأنق في الكلام، المواضع التي يجب أن يحسن المتكلم فيها.
يتألق في الكلام حتى يكون كلامه مقبولاً لدى السامعين. إذاً هي ثلاثة مواضيع سريعة، يعني ليست طويلة، سنختم بها هذه المنظومة. وهي التي اختتم بها ابن الشحنة رحمه الله عليه نظمه في الأبيات الخمس المتبقية، من البيت السادس والتسعين إلى آخر المنظومة سنتكلم عن هذه المواضيع الثلاث: موضوع السرقات الشعرية مع تعريفه وما أشكاله، ما يتصل بالسرقات الشعرية من المصطلحات الخمس، التأنق في الكلام.
اه، قال: ووجه جعل هذه الأقسام الثلاثة من علم البديع أن حسنها عرضي، ليس داخلاً في حد البلاغة. وقد ذكروا في سر الجمع بينها وجوهاً، لعل أحسنها اه حاجتها إلى مزيد احتياط وعناية. يعني هذه الأمور في الحقيقة، موضوع السرقات الشعرية أو بالاقتباس أو ما ذلك، هي ليست من المحسنات البديعية أصلاً، وليست من علم البديع ومن علوم البلاغة كركيزة، لكن يمكن والله أعلم فيما أرى من حالها أنها يمكن أن تعتبر من المحسنات البديعية تبعاً؛ لأنها في النهاية لها جمالية.
يعني كما سيأتي معنا في الاقتباس أو في التضمين، يعطي جمالية، لكنها لم ترتقِ عندهم لأن تجعل محسنات بديعية أصلية مستقلة، وبعد أصلاً يفقد عنصر الجمالية؛ لأنه كما سيأتي معنا سرقة محضة. تمام؟ فلأن هذه المواضيع، موضوع السرقات الشعرية، موضوع اه الاختباس، التضمين، الحل، العقد، موضوع التأنق في الكلام، له تطرق إلى وجوه تحسين الكلام بوجه من الوجوه، كما قال لطرق عرضي وليس أساسي.
يذكرونها في ختام علم البديع، كما سيظهر لكم بإذن الله أنه كيف الاختباس أو التضمين يؤثر في النهاية على شيء جمالي. حتى الحل والعقد يعطيك جمالية، وإن لم تكن من تلك الجمالية العليا، لكن في النهاية هو مظهر جمالي عرضي سمه. فلذلك يذكرونها في ختام علم البديع ولا يجعلونها من ركائز هذا العلم. هذه يعني كلام سريع حول هذا الموضوع.
دعونا نفهم أكثر وأكثر ماذا يقصد بهذه العناوين الثلاث، ونبدأ بالسرقات الشعرية. السرقة الشعرية باختصار: أن يأخذ الشاعر اه السرقات الشعرية، هذا بيتعلق بالشعر وليس بالنثر إذا صح؟ اسمها سرقات شعرية. ما هي السرقة الشعرية؟ قالوا: أن يأخذ الشاعر من شعر شاعر سابق له. أنا شاعر لاحق وهناك شاعر سابق، إذا أخذت من شعر شاعر سابق وذكرته في شعري، أي تسمى ايش؟ سرقة شعرية.
طبعا هذا الكلام في هذا مجمل، فيه تفاصيل. كيف تكون طريقة الأخذ وما طبيعة الأخذ؟ وهل أخذت اللفظ ولا أخذت المعنى؟ في تفاصيل، لكن نحن الآن نتكلم عن أصل الفكرة. أنا شاعر لاحق وهناك شاعر سابق، أخذ الشاعر اللاحق شعراً من كلام السابق، أي ثم ماذا؟ سرقة شعرية. إذا أخذ الشاعر من شعر شاعر سابق له. لكن هناك شرط حتى نقول إن هناك سرقة شعرية وقعت، هناك شرط يجب أن ننتبه له.
كرر الشيخ محمد: حتى نقول إن الشاعر السابق عذراً إن الشاعر اللاحق قد سرق من كلام شاعر سابق، لابد أن تكون الفكرة التي ادعي فيها السرقة من بنات أفكار الشاعر السابق ومن إبداعه الفكري، وليست أمراً يشترك فيه جميع العقلاء. أعيد، هناك بعض الأفكار أحبتي لو تكلم بها شاعر سابق، لكن معلوم أنها ليست من بنات أفكاره وليست إبداع عقلي محض له، فليشترك العقلاء جميعاً في ذكره.
مثال ذلك: تشبيه الرجل الشجاع بالأسد. لو ورد في كلام شاعر سابق، هل هذه الفكرة من بنات أفكاره من عنده ولا جميع العقلاء يشتركون في تشبيه الرجل الشجاع بالأسد؟ تشبيه الإنسان الجواد بالبحر، هل هي من بنات أفكار شاعر معين وإبداعه الشخصي والامر يشترك فيه العقلاء جميعاً؟ أمر يشترك فيه العقلاء، صحيح؟ فحتى لو ورد في كلام شاعر سابق، وصف الرجل الشجاع بأنه سواء على سبيل التشويه أو الاستعارة، لو جاء شاعر لاحق فاستخدم نفس هذا الأسلوب، لا نسمي هذا سرقة شعرية، ليه؟ لأن الفكرة التي اخذها الشاعر اللاحق ليست إبداعاً محضاً لشاعر، أنا حكيت سابق ولا لا؟ أنا مشكلتي وضعفي وضيعني سابق ولا أحد، الفكرة التي أخذها الشاعر اللاحق ليست إبداعاً لشاعر سابق من بنات أفكاره، بل يشترك جميع العقلاء في إدراكها. فهذا الاشتراك يمنع أن نقول إن هناك سرقة شعرية.
فإذاً شرط السرقة الشعرية، حتى نقول إن هناك سرقة شعرية وقعت: أن تكون الفكرة التي أخذها اللاحق من إبداع ذاك الشاعر المعين السابق ومن بنات أفكاره، بحيث تنسب هذه الفكرة إليه، إلى امرئ القيس أو إلى طرفة أو إلى لبيد أو ما شابه ذلك. إذا لم نستطع أن نسبها إلى شاعر معين، إذا هي فكرة عامة يمكن لأي شخص أن يستخدمها وأن يوظفها، تمام؟
طيب، بعد أن عرفنا السرقة مفهوم وشرط السرقة الشعرية، ننطلق الآن إلى تقسيم السرقة الشعرية إلى ثلاثة أقسام. هذا التقسيم ارسموه عندكم حتى تفهموا كلام البلاغيين. السرقة الشعرية تنقسم إلى سرقة ظاهرة وسرقة غير ظاهرة، تمام؟ طيب، السرقة الظاهرة لها ثلاثة أقسام: نسخ، مسخ، ركزوا فيها لأنه أسمائها متقاربة.
أستاذ هذا تقسيم، نحفظ السرقات الشعرية تنقسم إلى سرقة ظاهرة وسرقة غير ظاهرة؟ يقسم البلاغيون السرقة الظاهرة إلى نسخ ومسخ وسلخ، نسخ مسخ سلخ، وأما السرقة غير الظاهرة فتحتها أنواع متعددة تذكر في كتب البلاغيين، وستتطرق إلى شيء ما. تمام، دعونا ابتداء.
منظور، قال الشيخ مثلاً محمد النصيف: السرقات ظاهر. طبعا الشعر، ثم بعد ذلك نعود إلى كلام الشيخ محمد النصير. ابن الشحنة في البيت السادس والتسعين قال: السرقات ظاهر فالنسخ يذم، لا أن أستطيب المسخ والسلخ مثله. وغير ظاهر.
القهوة بصمت وأشرح كلام ابن الشحنة بناء على الرسمة التي عندي. قال: والسرقات ظاهر فالنسخ يذم يعني يذم الناس، لا أن أستطيب المسخ والسلخ مثله. أي السلخ مثل المسخ في الحكم. سأبين ما معنى هذا الكلام؟ إذاً السرقات ظاهرة تنقسم إلى نسخ ومسخ وسلخ، وردت هذه المصطلحات الثلاث. قال: وغير ظاهر، هذا النوع الثاني من السرقات، السرقات غير الظاهرة. إذاً هذه الرسمة التي ذكرها، وهذا يحتاج إلى شرح طبعا.
ما معنى النسخ؟ ما معنى المسخ؟ ما معنى السلخ؟ وما معنى السرقات غير الظاهرة إلى آخر ما سيأتي معنا؟ طيب، السرقة الظاهرة ما معناها؟ قبل أن ندخل في أقسامها، السرقة الظاهرة قالوا: أن يأخذ اللاحق المعنى كله من السابق. هذا هو العامل المشترك أو الشيء المشترك بين النسخ والمسخ والسلخ، ثم بعد ذلك ستظهر فوارق بينها.
فالسرقة الظاهرة بشكل عام ما معناها؟ أن الشاعر اللاحق يأخذ المعنى بأسره، يأخذ المعنى بكاملة من الشاعر السابق. طيب، هل أخذ الألفاظ برضه ولا ما أخذها؟ هنا راح تتميز الأمور بين النسخ والمسخ والسلخ؛ لأنه قد يأخذ المعنى واللفظ من الشاعر السابق، وقد يأخذ المعنى وحده ويأتي هو بألفاظ جديدة. تمام؟
فالأمر المشترك بين جميع الأنواع أنواع السرقة الظاهرة أن المعنى بأكمله أُخذ من شاعر سابق. هذا اللاحق ماذا أضاف؟ هنا ستأتي الأقسام الثلاث: النسخ والمسخ والسلخ، تمام؟ طيب نبدأ بالنوع الأول: النسخ. في النسخ أحبتي الشاعر اللاحق ماذا فعل في النسخ نقول اللاحق أخذ المعنى بأكمله، هذا بالتأكيد.
لأنه هو أصلاً يصير في الظاهر لازم يوخذ المعنى بأكمله وأخذ اللفظ أيضاً وحافظ على نفس الترتيب، يعني باختصار بلغتنا العامية: سرقة عيني عينك. أخذ المعنى بأكمله من السابق، وأخذ ألفاظ السابق وحافظ على ترتيبها.
محافظة على ماذا؟ على ترتيبها، فهذه سرقة واضحة؛ لذلك سميت نسخاً. كأنه هذا الشاعر اللاحق جاء على البيت الذي ذكره الشاعر السابق فنسخه معنى ولفظاً وترتيباً، يعني حتى يعني الترتيب قدم وأخر حتى تختلف؟ لا، أتى بالمعنى وباللفظ وبنفس الترتيب.
فهذه تسمى سرقة ظاهرة من قبيل النسخ، تمام؟ إذاً، أخذ المعنى بأكمله وأخذ اللفظ أيضاً وحافظ على نفس الترتيب. طيب، هناك -طبعاً- ذلك ذكره الشيخ وأنا أؤكدها- أحياناً هناك صورة من صور النسخ بده يتشاطر فيها اللاحق.
اللاحق بده يتشاطر، أخذ المعنى كله من السابق تماماً حتى يعني يضيع الأمور شوي وعملية السرقة التي ارتكبها إيش بعمل؟ هو أخد الألفاظ أيضاً لكنه أبدلها بألفاظ مرادفة لها، هذي صورة من صور النسخ أيضاً.
أخذ المعنى كله من السابق وأخذ نفس ألفاظ السابق، لكن حتى يخبي جريمته إيش فعل؟ غيروا الألفاظ فقط بألفاظ مرادفة، بألفاظ مرادفة! هذا لم يفعل شيئاً كبيراً جداً، أخذ اللفظ هذا من الشاعر السابق غيره بألفاظ مرادفة حتى يقول: آه، أنا غيرت. بس.
تغييرك لا عبرة به؛ أنت استخدمت اللغة وأتيت بمرادفها، سرقت اللفظة وشفت إيش المرادف لها الذي يصلح معك وبدلت ما يصلح. هذا ليس تغييراً حقيقياً، ويعتبر أيضاً من النسخ؛ إذاً أخذ المعنى بأكمله، أخذ اللفظ أيضاً، تستطيع أن تقول إذا أردت أن تكمل بنفسه أو بدله بمرادفه، مرادف له، محافظة على نفس الترتيب، يعني حتى لما أخذ اللفظ كله بإمكانك أنك تغير ترتيب الألفاظ، لا؛ حافظ على نفس الترتيب. ناخذ أمثلة على ذلك، ناخذ أمثلة على ذلك.
الشاعر الكبير امرؤ القيس يقول في معلقته المشهورة: وقوفاً بها صحبي علي مطي.. مش عارف أنا أكتب لكن نعبد نكتب دائماً الكتابة توضح. امرؤ القيس يقول في معلقته ها امرؤ القيس.
إيش أقول؟ وقوفاً بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجملِ. وقوفاً بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل. هو كان واقف وهو ينظر إلى ركاب المحبوبة وهي تغادر، فكان حزيناً يكاد يهلك يهلك من الأسى، فأصحابه توا عليه فقالوا يا امرئ القيس وقوفاً بها صحبي علي مطية؛ أووقفوا رواحلهم عند امرئ القيس وقالوا: لا تهلك أسى على محبوبتك التي فارقتك، لا تهلك أسى وتجمل.
واضح البيت؟ طيب، وقوفاً بها صحبي علي مطيهم تقولون لا تهلك أسى ولا جنباً. الآن طرفة بن العبد وهو من شعراء المعلقات، وهو شاعر كبير في الحقيقة يعني طرفة بن العبد حتى ولو وقع في سرقة واضحة ظاهرة من قبيل النسخ، لكنه شاعر كبير، يعني مع ذلك.
إيش قال طرفة بن العبد في معلقته أيضاً -لعل الله ييسر لنا دراستها-: وقوفاً بها صحبي علي مطي.. يقولون لا تهلك أسى وتجلدي. إيش رأيكم؟ وقوفاً بها صحبي علي مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجلدي.
إيش بعد طرفة بن العبد؟ هل ابدع شيئاً؟ ولا أخذ بيت امرئ القيس السابق برأسه بأكمله وعلى نفس الترتيب؟ يعني أخذ نفس المعنى وأخذ نفس الألفاظ ونفس الترتيب، يعني لولا كلمة (تجمل) عند امرئ القيس -لأن امرئ القيس قصيدته لامية وطرفة بن العبد قصيدته لامية- فطرفة بن العبد قال: (تجلدي). الخلاف بينهما فقط في الكلمة الأخيرة؛ امرئ القيس قال (تجمل)، وطرفة بن العبد أبدلها بالمرادف لها وقال إيش: (تجلدي). فما فعله طرفة بن العبد يسمى سرقة ظاهرة من قبيل النسخ.
وطبعاً بشكل عام طرفة بن العبد وهو كشاعر متأثر بامرئ القيس، وهناك أكثر من فكرة في معلقته وفي أشعاره، واضح جداً أنه يستقيها من امرئ قيس، فتستطيع أن تقول امرؤ القيس أستاذ طرفة بن العبد، تستطيع أن تقول ذلك. لكن ليس هذا موطن المقارنة بين الشعراء، لكن هذا مثال على سرقة شعرية ظاهرة، كيف أن طرفة بن العبد أخذ نفس بيت امرئ القيس بالمعنى بأكمله والألفاظ باكملها -شوف اللفظة الأخيرة بدلها بمرادفها لأن قصيدة طرفة دالية وقصيدة امرئ القيس لامية- فإيش الفرق بين تجلد وتجمد؟ قال له: تبديل بالمرادف.
تقريباً وحافظ على نفس الترتيب، يعني في خلاف في ترتيب الأبيات الألفاظ ما في خلاف، فهذا إذاً مثال على النسخ وهذا بشكل عام مذموم، وهذا مذموم رأي واحد ما في أكثر من حالة؛ لأنه النسخ والسلخ سيأتي معنا أنه هناك أحوال يمدح فيها، لكن النسخ قولا واحداً فيه ذم. النسخ قولا واحداً فيه ذم؛ لأنه لا يوجد فيه أي إبداع من الشاعر اللاحق، يعني لو عملت لك شغلة حتى نقول لك مبدع ما فعلت.
أي شيء إبداعي، فيكون مذموماً؛ سرقة شعرية ظاهرة يذم عليها الشاعر. طيب، بالنسبة كمثال عليها مثال على النسخ، ما ذكر مثال على النسخ؟ إحنا ذكرنا لكم ما وقع بين طرفة بن العبد وامرئ القيس. وهناك قصص أيضاً لكني في الحقيقة المقام لا يتسع لذكرها، فقط أريد أن أُعطي.
فكرة حتى تفهم. طيب، طبعاً الشيخ محمد النصير ذكر أنه في حال إبدال اللفظة بلفظ مرادف لها أن هذا يعتبر من قبيل النسخ وهو مذموم أيضاً، لكن قد يستثنى من ذلك ما إذا أفاد التبديل مزية فحسن السجع. يعني أحياناً ممكن أنت تبدل الألفاظ.
بألفاظ مرادفة وقلنا هاي سرقة نسخ، لكن يمكن أن نمدحك على شيء واحد: إذا كان إبدالك الألفاظ بألفاظ مرادفة سبب سجعاً كان مفقوداً في كلام السابق. يعني السابق أتى بالبيت من معنى وباللفظ ما كان فيه سجع، أنت كلاحق سرقت المعنى، سرقت الألفاظ، سرقت الترتيب.
لكنك أبدلت الألفاظ بألفاظ مرادفة سبب ذلك سجعاً، وعرفنا ما هو السجع: أن تتواطأ الفواصل على حرف واحد، فهذا مما قد يعني يمدح به اللاحق -وإن كان في النهاية لا يوجد إبداع، وإن كان في النهاية لا يوجد إبداع لا في المعاني ولا في الألفاظ- ولكن يمدح على أنه.
استطاع أن يأتي بالسجع. طيب ننتقل الآن إلى المسخ. قال الشيخ محمد النصير في تعريف المسخ -وهو تعريف القزويني وغيره-: المسخ قال: أن يأخذ بعض اللفظ، أن يأخذ الشاعر اللاحق المتأخر بعض اللفظ.
أو يأخذ اللفظ كله مع تغيير الترتيب. قال: فيتبين بهذا أن المسخ له ثلاث حالات. يعني المسخ أحبتي -أنا سأزيد- أقول: المسخ أن يأخذ اللاحق المعنى كله، أن هذا لا بد منه؛ لأن هذا الأمر المصدر المشترك بين النسخ والمسخ والسلخ هو أخذ المعنى كله، لابد يأخذ المعنى كله، بالنسبة.
أخذه كله، آه انظروا، ثم هناك صور ثلاث. أولاً نقول في المسخ اللاحق أخذ المعنى بأكمله بأسره، وأما بالنسبة للألفاظ إيش فاعل فيها؟ هناك صور ثلاث في المسخ. الصورة الأولى.
أن يأخذ اللفظ كله لكن مع اختلاف الترتيب، هذي الصورة الأولى، يعني هو فاعل مثل النسخ الصورة الأولى هو أخذ المعنى كله وأخذ اللفظ كله، لكن إيش الفرق بين النسخ وبين الصورة الأولى من المسخ؟ أنه في المسخ حافظ على نفس.
تبع السابق، في المسخ لأ عمل إشي منيح، أنه صنع خلافا في ترتيب الألفاظ، يعني هو أخذ المعنى بأكمله أخذ اللفظ بأكمله، لكن لما أخذ اللفظ لفظ بأكمله، فعلى إيش؟
فعل تغييراً بين ترتيب الألفاظ ولم يحافظ على الترتيب السابق، يعني في شغلة منيحة طلعت منه، أنه خالف في ترتيب الألفاظ، صنع شيئاً نستطيع أن نمدحه عليه. الحالة الثانية أو الصورة الثانية.
أن يأخذ بعض اللفظ، يعني الشاعر اللاحق أخذ بعض ألفاظ السابق وحافظ على ترتيبها وحافظ على الترتيب، يعني هو أخذ المعنى بأكمله، أخذ بعض ألفاظه والبعض الآخر لا من عنده.
الآن هذا البعض اللي أخذه من السابق تمام؟ حافظ على نفس ترتيب السابق فيه، حافظ على نفس الترتيب السابق فيه. طيب، بقيت الصورة الثالثة والأخيرة -اكتبها فوق، اكتبها فوق، فش مكانها-.
هذي في خارطة بدكوا تلحقوني فيها؛ الصورة الثالثة: أن يأخذ بعض ألفاظ السابق ويخالف الترتيب أيضاً، آه يعني هذا متطور أكثر وأكثر، أن اللاحق أولاً ما أخذش كل ألفاظ السابق، أخذ بعضها.
وهذا البعض الذي أخذه خرق في ترتيبه أيضا، وما جعله على نفس ترتيب السابق، فهمتم أيش الفرق؟ إذاً، الحالة الأولى أن يأخذ اللفظ كله ولكنه يخالف الترتيب، الحالة الثانية أن يأخذ بعض ألفاظ السابق ويحافظ على ترتيبها، الحالة الثالثة أن يأخذ بعض ألفاظ السابق ويخالف في ترتيبها.
عندنا على هذه المسائل، طيب، قبل ما نأخذ الأمثلة خلونا نأخذ الحكم. قال: ونأخذ الحكم كمذهب من الوقت، طيب، الساعة أربعة. طبعا دعونا نأخذ الحكم، احنا الناس قلنا أيش حكمه؟ لأن كل صورة من هاي الصور بدنا نفهمها ونأخذ حكمها عند الشعراء، مش حكمها الشرعي، حكمها الشعري، مش يعني حكم شرعي.
الان حكم شعري، الحكم الشعري للنص قلنا إنه مذموم، هذا الأصل فيه باستثناء صورة بسيطة ذكرها الشيخ محمد النصير، والأصل أن تلحق بالذهب، لأنه ما في كبير في قضية السجع، المهم، النسخ مذموم بأكمله. طيب، الحكم الشعري للمسخ، هل هو مذموم ولا ممدوح ولا؟ في الحقيقة المسخ له ثلاثة أحكام، له ثلاثة أحكام.
قالوا -انظروا كلام الشيخ-: أن يكون -إذا كان اللاحق يسموه اللاحق، بسموه الثاني- إذا كان اللاحق البيت الذي أتى به أبلغ من البيت الذي أتى به السابق، ففي هذه الحالة تكون السرقة الشعرية هنا ممدوحة، يعني بيكون المسخ ممدوح، لأن اللاحق صحيح سرق، لكن بيته أبلغ من بيت السابق، وبرضه اللاحق يعني صنع شيئا في النهاية، يعني له لمسة خاصة به، سواء في مخالفة الترتيب، أو في أنه أتى ببعض الألفاظ من بنات أفكاره، صح؟ ففي اله لمسة، هذا واحد، وكان بيته أبلغ.
بحكم الشعراء أن هذا اللاحق بيته أبلغ من السابق، ففي هاي الحالة تكون السرقة ممدوحة. طيب، ما فيها مشكلة. إذا كان اللاحق لا، بيته أقل بلاغة من السابق، يعني السابق كان أبرز من اللاحق، في هاي الحالة تكون السرقة الشعرية أيش؟ مذمومة، لأنه أنت سرقت وكان إنتاجك رديء، فتكون سرقتك أيش؟ مذمومة.
طيب، إذا كان متساوٍ، حكم الشعراء أن اللاحق والسابق متساويان، أيش حكم السرقة الشعرية؟ يقولون: لا تذم السرقة في هذه الحالة، لكن الأفضل ألا يفعلها، الأفضل ألا يفعلها. إذاً، عندنا كم حكم؟ عندنا ثلاثة أحكام: أن يكون اللاحق أبلغ من السابق، في هاي الحالة السرقة الشعرية تفتح، أن يكون بالعكس، اللاحق بيته أبدأ من البيت السابق رديء ولم يكن أبلغ، في هاي الحالة تكون مذمومة، أن يكون هناك تساوي بينهما، ففي هذه الحالة إذا وصلنا درجة التساوي لا يذم، لكن يقولون: ترك السرقة أفضل.
طيب، من أمثلة ما كان فيه الثاني أبلغ، هذه قصة سلم الخاسر مع مين؟ مع بشار بن برد. الآن سامسح السبورة حتى نستطيع أن نكتب، يعني سامحوني ما في مجال أكثر من هيك.
هات القصة، قصة وقعت بين بشار بن برد وسلم الخاسر. سلم الخاسر هو تلميذ لبشار بن برد، سلم الخاسر هو تلميذ لبشار بن برد، سلم الخاسر سرق من أستاذه بيتاً. انظروا هذه القصة، بشار بن برد ماذا يقول في قصيدة له سابقة؟ بشار بن برد يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج، تمام؟
إذاً، يقول بشار بن برد: من راقب الناس لم يظفر بحاجته ما حصل شيئاً، وفاز بالطيبات باللي حصلها، الطيبات اللي فاتوا كلها جوزان جريء، يعني الإنسان الجالس الذي ينظر ما بعمل شيئا ولا يجرؤ على شيء، هذا يخسر ما بحصل حاجاته، بينما الذي يكسب هو من؟ هو الإنسان الفاتك اللهج، الإنسان الجريء الذي يلحق حول حاجته حتى يحصلها، يلحق وينهب حوله حاجته ولذته حتى يحصلها.
بينما سلم الخاسر أيش قال؟ الخاسر كما قلنا هو تلميذ بشار بن برد، فأخذ بيت أستاذه وقال فيه: من راقب الناس مات هماً وفاز باللذة الجسور، من راقب الناس مات هماً وفاز باللذة الجسور. والله هذه همة ما هي مقنعة، مات هماً وفاز باللذة الجسور.
راه لاحظوا مقارنة بين بيت سلم وبشار. أولا، ننظر هل هي القضية قضية نسخ ولا مسخ أصلا؟ الآن مش سلم أخذ المعنى بأكمله من بشار، تمام؟ نفس المعنى الذي أراد أن يوصله بشار بن برد أخذه سلم وأراد أن يوصله إليه، أنه الذي يراقب الناس لا يحسن حاجته، وإنما يبقى مهموماً، والذي يفوز باللذة والطيبات الإنسان الشجاع الذي يقدم. هذا المعنى أراده بشار بن برد، صرفه سلم بأكمله.
ننظر في الألفاظ: أيش قال بشار بن برد؟ من راقب الناس لم يظفر بحاجته، أيش قال سلم؟ من راقب الناس مات هماً. اه، إذاً في خلاف، بشار بالموت في الحقيقة لم يشر إلى قضية الغم وإنما أشار إلى قضية لم يظفر بحاجته، سالم قال مات هماً، إذاً سلم غير يعني ما أخذ كل الألفاظ، بشار قال راقب الناس، فسبح من راقب الناس، ثم بشار بن برد قال: لم يظفر بحاجته، سلم أيش قال؟ مات هماً، إذاً في اختلاف في الألفاظ، إذاً سالم لم يأخذ كل الألفاظ من بشار بن برد.
إذاً، هذه ليست هي الصورة الأولى من المسخ. أولا، هي ليست نسخ قطعا، ليست نسخ قطعا لأن سلما لم يأخذ كل ألفاظ بشار بن برد، بل أخذ بعض الألفاظ منه. طيب، أي شكل من أي صورة من صور المسخ؟ ليست الصورة الأولى لأنه كما قلنا لم يأخذ كل الألفاظ وإنما غير بعض الألفاظ، يعني أخذ بعض الألفاظ وغير بعض الألفاظ، تمام؟
قال: وفاز باللذة الجسور، بينما بشار البرق قال: وفاز بالطيبات الفاتك اللهج. اه، في الحقيقة ما في تغيير في الترتيب، يعني الجزء الذي أخذه سلم الخاسر من بشار بن برد، الجزء الذي أخذه، هل غير فيه ترتيبه سلم؟ لا، إنه سلم أيش اخذ من برد كجزء لفظي؟ أخذ منه من راقب، قال من راقب الناس، ما غير في الترتيب، وفاز أخذها بردو سلم، وفازها حافظ ترتيبها، الآن باللذة، اللذة هي مرادف الطيبات يعني ما فيها في الحقيقة تغيير للفظ هي مرادف، والجسور هي مرادف للفاتك، الفاتك الرجل الشجاع والجسور هو الرجل الشجاع الجريء.
ففي الحقيقة مرادفة، لكن اه في فرق، إنه سلم اقتصر على كلمة الجسور، بينما بشار الطاهر فقال الفاتك اللهج وذكر كلمتين، فالجزء الذي أخذه سلم من بشار بن برد من راقب الناس ذكره سلم على نفس الترتيب، وكلمة فاز ذكرها في بداية الشطر الثاني بشار وذكرها سلم في بداية الشطر الثاني.
إذاً، في الحقيقة نستطيع أن نقول: نوع المسخ الواقع في هذه السرقة هو النوع الثاني، أنه أخذ بعض الألفاظ وحافظ على الترتيب في هذا البعض الذي أخذه، فهي الشكل الثاني أو الصورة الثانية من صور المسخ. الآن بدنا نحدد أيش حكم هذا المسخ، هل هو ممدوح ولا مذموم بناء على أنه هل بيت سلم كان أبلغ من بيت بشار ولا بيت بشار كان أبلغ؟ أم كلاهما في مرتبة سواء؟ العلماء أيش قالوا؟
بل حتى بشار بن برد، كما ستأتي القصة التي نذكرها بعد قليل بنفسه، حكم على أن بيت سلم كان أبلغ من بيت بشار. علماء البلد وبشار بن برد كل من نظر في هذين البيتين حكم على أن بيت سلم هو التلميذ أبلغ من بيت أستاذه، لماذا؟ قالوا لأن سلما اقتصر على كلمة الجسور بينما بشار بن برد أطال فقال الفاتك اللهج، فبيت سلم فيه إيجاز، بيت سلم فيه أيش؟ فيه إيجاز، هذه أول مزية في بيت سلم.
المزية الثانية أنه سلم قال من راقب الناس مات هماً، أشار لقضية الهم الذي يصيب الإنسان حينما يشتغل بمراقبة الناس ولا يعمل هو ولا يقدم، بينما بشار بن برد لم يقتصر، لم يتطرق إلى قضية الهم وإنما اكتفى بقوله إن الذي يراقب الناس لا يحصل حوائجه واقتصر على ذلك، فاعتبروا بيت سلم الخاسر أبلغ من بيت بشار بن برد لهذه المزايا المذكورة فيه، بالتالي يكون المسخ الذي مارسه سلم لبيت أستاذه مسخاً ممدوحاً، لأن بيته كان أبلغ من بيت أستاذه.
ودعونا نقرأ لكم هذه القصة التي وقعت بين بشار بن برد وسلم الخاسر فيما يتعلق بهذا الموضوع، ولعلي أختم بها هذا المجلس، ونكمل الكلام عن المسخ في المسجد والسلخ يعني وما بقي من المنظومة في المجلس القادم بإذن الله.
ذكر هذه القصة صاحب الأغاني، وهذا كتاب الأغاني كتاب مفيد على الملاحظات التي توجد فيه، لكنه في النهاية كتاب مفيد فيه كثير من الفوائد التي تفيد المهتم بالعربية. يقص لنا صاحب الأغاني هذه القصة التي وقعت بين بشار بن برد وسلم الخاسر فيما يتعلق بهذا البيت. يقولون غضب بشار على سلم الخاسر، وكان من تلامذته ورواته، إنه سلمي الخاسر من تلامذة بشار ومن رواة بشار يروون شعر بشار للناس. قال فاستشفع عليه بجماعة من إخوانه، ذهب سلمي الخاسر إلى جماعة من الإخوان والأصدقاء. قال لهم: ادخلوا لي على أستاذي، واطلبوا منه السماح والصفح عنه؛ إذا كان بشار غاضب من هذا التلميذ لسرقته، أنه يسرق الأشعار منه. فبشار ذهب إلى بعض الناس ليستشفعوا له عند أستاذه.
قال فجاءوا فقال لهم: دخلوا على بشار بن برد، وقالوا يا بشار، داخلين عليك في موضوع، ما بينوا له ابتداء إيش هو الموضوع؟ فبشار قال لهم: كل حاجة لكم مقدية إلا سلمى. أي أمر تطلبونه أنا بقضيه لكم، إلا موضوع سلم، ما حدا يناقشني فيه، فقالوا: ما جئناك إلا في سلم، صراحة احنا داخلين عليه حتى نحل موضوع سلم الخاسر. الرجال حابب أنك تعفو عنه وتصفحه وتسامحه على ما ارتكب. طيب قال: ولابد من أن ترضى عنه لنا، لا بد يا بشار أن ترضى عن سلم من أجلنا، بكل الأحوال من أجلنا، فقال: أين هو الخبيث؟ يعني بلغتنا ورجولتنا وين هو السبب؟ فقالوا: ها هو ذا. فقام إليه سلم فقبل رأسه ومثل بين يديه، يعني المقابلة إلى أستاذه، فقبل رأس أستاذه ووقف بين يديه، وقال يا أبا معاذ، وهي كنية بشار بن برد، صار بيحكي: يا أبا معاذ، خريجك وأديبك، أنا تلميذك.
فقال بشار بن برد لسلم، قال: يا سلم، من الذي يقول: من راقب الناس لم يظفر بحاجته وفاز بالطيبات الفاتك اللهج؟ مين اللي حكى هذا الشعر؟ فقال: أنت يا أبا معاذ، جعلني الله فداءك، هذا البيت أنت الذي قلته يا استاذي. قال: فمن الذي يقول: من راقب الناس مات غماً، وفاز باللذة الجسور، الآن بده يحشره، فقال له: خريجك يقول ذلك، يعني نفسه، يعني تلميذك يقول ذلك، قال: أفتأخذ معاني التي قد عنيت بها وتعبت في استنباطها فتكسوها ألفاظاً أخف من ألفاظي؟ لاحظ، واضح أنه بيشتغل بالبرج، يقول: بيتك يا سلم أفضل من بيتي؛ لأنه أنت ألفاظك أخف من ألفاظك، كما قلنا سلم عنده إيجاز. قال: الجسور بين بشار بن برد أطال، فقال: الفاتك اللهج. فبشار يقول لتلميذه: تأتي إلى المعاني التي تعبت في تحصيلها، فتكسوها ألفاظاً أخف من ألفاظي هيك بتعمل باستاذك؟ قال: حتى يروى ما تقول ويذهب شعري، يعني أنت لماذا فعلت ذلك؟ حتى بيتك هو الذي يشتهر بين الناس ويصبح على ألسنتهم، وأما شيخي يعني أنا تعبت في إيجاد هذه المعاني وأنت قمت بكسوها بألفاظ أسهل حتى بيتك يكون هو المشهور ويكون بيتي مندرساً مندثراً. قال: لا أرضى عنك أبداً، ما راح أرضى عنك يا أستاذ.
قال الراوي للخبر: فما زال يتضرع إليه ويستشفع له القوم حتى رضي عنه، يعني ما زال يطلب منه السماح والعفو والصفح على ما فعله، حتى الظاهر أن بشار مشاها والحمد لله على خير. فهذا مثال على كيف يكون المسخ أفضل من البيت السابق، يعني اللاحق ما صنعه من المسخ كان ممدوحاً عليه؛ لأنه أفضل من البيت السابق، وفي كتب تجدون أمثلة على حالة معاكسة، حالة يكون فيها بالعكس المسخ أرداً من البيت السابق، وحالة تساوي. وفي الحقيقة هذا يعود أحياناً إلى ذوق حاكم، قد أكون أنا كشخص أقول بيت سلم أفضل من بيت بشار، ممكن، ممكن، يعني يأتي شخص يقول: لا، بيت بشار أفضل من بيت سلم. فإذاً حكم السرقة الشعرية قد يختلف من شخص إلى آخر بحسب الذوق الشعري.
الان بقي علينا موضوع السلخ من السرقات الظاهرة، ولعلي أؤجل السلخ إلى الدرس اللاحق بإذن الله مع نهاية القصيدة، نكملها إن شاء الله في مجلس لاحق وهو المجلس الأخير. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما سمعنا وأن يجعله في ميزان حسناتنا يوم القاء، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل