فيا لغتي أيا صرحا عظيما تهاوت عند هيبته الصروح أنت البحر للغواص عشق وأنت تدر للقاسي طموح. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، نحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أحبتي في المجلس الأخير الذي نعقده بإذن الله في شرح نظم مئة المعاني والبيان للإامام ابن الشحنة الحنفي رحمة الله تعالى عليه، هذا النظم الذي عشنا في أفيائه بتسعة وثلاثين مجلس، نعم ربما هذا النظم أخذ منا وقتاً كثيراً مع الانقطاع العرضي الذي وقع بقدر الله سبحانه وتعالى في وعكة صحية.
لكن ما أحب أن أشير إليه؛ لأن بعض الطلبة قد يستكثر هذه المجالس التي قاربت من الأربعين، قولوا أحبتي آآ أن المتون الأساسية التي ينطلق منها الطالب في العلوم الشرعية أو في العلوم الأدبية واللغوية، ينبغي أن تأخذ حظها من التعلم والمدارسة. هذا النظم نظم مئات المعاني والبيان تستطيع أن تنتهي منه في أربعة مجالس أو في خمسة مجالس، وتستطيع أن تعطيه أربعين مجلساً كما فعلنا. لربما يقول البعض الاعتدال هو المطلوب؛ لأن الإطالة الزائدة مملة كما أن اه التقليل الزائد فيه خلل، أقول نعم فعلاً الذي قال حينما تزيد تكون فيها ملل، ويكون فيها أيضاً تشتيت للفائدة.
ولكن ما أحب أن أنبه عليه الطلبة قضية تأصيلية في تعلم العلوم اللغوية والشرعية والحيادية بشكل عام؛ لأن هناك فكرة خاطئة، يظن بعض طلبة أن المتون المبتدأة يجب أن تنتهي سريعاً، وأن تخلص في أقرب وقت حتى ينتقل الطالب إلى المتون التي تليها، وأنا أرى أن المتون المبتدئة يجب أن تأخذ حظها من التأصيل، يجب أن تتخمر في نفس الطالب وفي فكره وعقله؛ لأنها إذا أخذت سريعاً من دون أن تبسط وتنشر وتؤخذ الأمثلة ويقف المعلم مع الطالب ليعلمه كيف يطبق مثال على القاعدة، إذا لم تؤخذ بهذا التحليل وبهذا النظر لن تتجذر في نفس الطالب، لن تتخمر في عقله وفكره، لن تكون أساساً صلباً يبني عليه الطالب المتون المتوسطة والمنتهية.
فيقول الطالب أجد نفسي مشتتاً ضعيفاً لا أستطيع أن أطبق، أنت لا أستطيع أن تططبق لأنك حينما تأصلت أصلت سريعاً، لم تعط هذه النفس فترة في فهم المتون الأساسية وضبطها قبل أن تنتقل إلى المتون المتوسطة أو الختامية في هذا الفن. لذلك لا أجد حرجاً في الإطالة في المتون المبتدئة، وفي إعطائها حظها الكبير من النظر والتأمل والتحليل والنظر في المثال وفي المثالين، حتى لو أخذ ربع ساعة، حتى لو كان التكرار وإعادة طرح الفكرة مرتين وثلاث وأربع، هذا كله من أساسيات العملية التعليمية.
إذا كان الأساس صلباً في المتون المتوسطة والمنتهية تستطيع أن تقطع وحدك، تستطيع أن تنجز في وقت قصير، لكن إذا كان الأساس ضعيفاً ركيكاً إذا انتقلت إلى المتون المتوسطة والمنتهية ستصعب عليك الأمور، ستجد تعقيدات ستجد فجوات واضحة في بنائك العلمي سببها أنك كحينما تأصلت لم تهتم بقضية تجذير المعلومة في الفكر والعقل، أن تأخذ وقتاً متسعاً في اه دخولها في دماغك، في بتحليلها في فهم زواياها الأساسية التي تبنى عليها. فهذه هي الفكرة الأولى، ولكن نحن نقر أن هناك وقع خلل في ترتيب وقفت لي العارض الصحي الذي وقع مع العبد الفقير، وهذه أقدار الله سبحانه وتعالى هي التي تسيرنا كيف شاء، فنسأله سبحانه أن يرزقنا الصحة والعافية وأن يعيننا على إتمام هذا المسير وأن يعيننا على خدمة دينه ورفعة كتابه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
الفكرة الثانية قبل أن أشرع في المحاضرة اليوم؛ أن البعض قد يتساءل ما سبب تغيير المواقع الدورية يعني في آخر اه لربما ثمانية دروس أو محاضرات كان هناك تغيير دوري في المواقع، في الحقيقة يعني نسأل الله أن يكون في تقدم في العمل، الإخوة في غراس العلم يسعون لإنتاج شيء متقدم للدورات القادمة، فيهيئون مكاناً جيدا متكاملاً اه لتصوير المحاضرة وإنتاج الدورات والدروس اه اللقاءات عموماً، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في جهودهم، وهذا هو الذي اضطرنا إلى أن نغير المكان تباعاً حتى يأخذوا راحتهم في عملية الاعداد، فسامحونا على هذا التغيير المتكرر، ولكن المهم أن تحصل الفائدة يعني ليس مهمًا كان أكثر من المهم أن تحصل لنا فائدة متكاملة علم البلاغة.
تعالوا حتى لا نطيل عليكم، من درس اليوم أيضاً ليس بالدرس القصير، اه نتكلم عما وقفنا عليه في المحاضرة السابقة. في المحاضرة السابقة أحبتي كلنا وقفنا في باب السرقات، وقسمنا السرقات الشعرية إلى قسمين: سرقات شعرية ظاهرة، وسرقات شعرية غير ظاهرة، وقلنا السرقة الشعرية الظاهرة ما ضابطها؟ السرقة الشعرية ظاهرة وضابط ونعم السرقة الشهرية ظاهرة عم أحسنت، أن تأخذ المعنى بأكمله أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى بأكمله من شاعر سابق، هذي السرقة الشعرية الظاهرة تتمركز حول فكرة أن الشاعر اللاحق اخذ المعنى بأكمله من دون تغيير فيه، ما أبدع شيء في المعنى، أخذ المعنى بأكمله من الشاعر السابق، ثم بعد ذلك تنقسم السرقة الشهرية الظاهرة إلى نسخ ومسخ وسلخ، تنقسم إلى نسخ ومسخ وسلخ.
بدأنا بالحالة الأولى النسخ، قلنا النسخ أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى بأكمله من الشاعر السابق، ويأخذ أيضاً اللفظ بأكمله، يعني أخذ النظم أو البيت بأكمله من الشاعر السابق، لربما يغير الألفاظ بما يرادفها، لكن هذا التغيير قلنا ليس بذاك التغيير المعتبر، نحن نعتبره في النهاية أخذ اللفظ بأكمله، وأخذ المعنى بأكمله، والشرط الثالث أنه حينما أخذ اللفظ بأكمله حافظ على نفس الترتيب أيضاً ولم تلاعب بترتيب الكلمات، فهو في الحقيقة لم يبدع شيئاً أبداً من بنات أفكاره، لم يبدع أي شيء من بنات أفكاره، بل أخذ المعنى بأكمله، أخذ اللفظ بأكمله، وحافظ على نفس ترتيب الألفاظ. هذه العناصر الثلاث هي التي شكلت عملية النسخ؛ لأن النسخ هو أخذ الشيء بأكمله، اعتبر عند البلاغيين مذموماً مطلقاً ما فيه تفصيل، يعني ما حكمه الشعري؟ أنه مذموم من دون تفصيل، أنه مذموم من دونه تفسيره، هناك حالة أشار إليها الشيخ محمد النسيب لكن حالة النوم إذا أخذ اللفظ وأبدلوه بمرادفه، ولكن كان هناك إبداع في السجع، في الحقيقة هذه حالة دعوة استثنائية وحتى فيها نظر، والأصل في النسخ أنه مذموم بأكمله.
انتقلنا بعد ذلك لموضوع المسخ، هذه الحالة الثانية من السرقة الشعرية الظاهرة، وقلنا المسخ له اه ثلاثة صور، أو ثلاث صور؛ لأنه صورة مو مؤنث فنقول له ثلاث صور. الصورة الأولى: أن يأخذ المعنى بأكمله، طبعا وهي الصور الثلاث نسخ ولا مسخ ولا سلخ، المعنى بأكمله سيؤخذ؛ لأن هذه قشعرية ضايعة. بالمسخ كما قلنا هناك اه ثلاث صور؛ الصورة الأولى: أن يأخذ المعنى بأكمله، وأن يأخذ اللفظ بأكمله، لكنه يخالف بين ترتيب الكلمات، هذه الصورة الأولى يخالف بين ترتيب الكلمات.
الصورة الثانية: أن يأخذ المعنى بأكمله من الشاعر السابق، يأخذ بعض اللفظ من الشاعر السابق وبعض اللفظ من إبداعه، وهذا البعض الذي أخذه من الشاعر السابق يحافظ فيه على نفس ترتيب الشاعر السابق، لا يغير في ترتيب هذا البعض الذي اتخذه منه. الصورة الثالثة والأخيرة: أن يأخذ بعض اللفظ من الشاعر السابق، وبعض اللفظ يكون من بنات أفكاره، وهذا البعض الذي أخذه من الشاعر السابق يغير فيه في ترتيب الألفاظ، فهذا نعتبره يعني أفضل صورة من صور المسخ، هذه الصورة الثالثة والأخيرة، أفضل صورة من صور المسخ هي الصورة الثالثة والأخيرة؛ لانه أولاً أخذ بعض ألفاظ الشاعر السابق وليس كل الألفاظ أنا واحد، اثنين هذا البعض الذي أخذه من الشاعر السابق تلاعب في ترتيب ألفاظه، ففيه أكثر من العمل، تمام؟
الان ما حكم المسخ عموماً؟ هذه الصور الثلاث ما حكمها عموماً؟ الحكم الشعري لا، قال العلماء: إن حكمها الشعري هو أو نستطيع أن نقسمه إلى ثلاثة أحكام. الصورة الأولى: أن يكون مذموماً، متى يكون مذموماً؟ قالوا إذا كان البيت اللاحق أرداً من البيت السابق، يعني البيت السابق أبلغ منه، إذا كان البيت السابق أبلغ من البيت اللاحق الذي وقع فيه المسخ، فهنا يكون المسخ مذموماً؛ لأنك لم تفعل شيئاً بل مسخت وقللت الجودة.
فمسخك مذموم. الحالة الثانية: قالوا أن يقول اللاحق بيت أفضل وأبلغ من البيت السابق، وفي هذه الحالة يكون المسخ محموداً. وذكرنا لكم قصة سلم الخاسر مع أستاذه بشار بن برد حينما قال سلم الخاسر: آه من راقب الناس مات هماً، وفاز باللذة الجسور. قلنا: أخذ هذا من أستاذه بشار بن برد حينما قال: من راقب لم يظفر بحاجته، وفاز بالطيبات الفاتك اللهج. فعرفنا أن بيت سلم الخاسر، وإن كان مسخاً من بيت بشار بن برد، لكنه كان أجود وأبلغ من بيت أستاذه لما وقع فيه من الإيجاز.
الحالة الثالثة: أن يكون البيت السابق واللاحق في نفس الدرجة البلاغية، وفي هذه الحالة يقول العلماء: لا يكون المسخ مذموماً، لكن تركه أفضل. هذا الحكم الثالث: أن يستوي البيتان في الجودة، ففي هذه الحالة لا يكون المسخ مذموماً، بل يكون آآ تركه أفضل.
طيب، ننتظر حتى ينتهي الأذان ثم نكمل أحبتي بإذن الواحد الأحد.
طيب، إذا نعود أحبتي لإكمال ما شاء الله علينا فيه، فنقول: عرفنا معنى النسخ، عرفنا معنى المسخ، بقي علينا أن نعرف معنى السلخ، والعبارات عنيفة، لاحظوا: نسخ، مسخ، سلخ. نأتي الآن إلى النوع الثالث من السرقات الظاهرة، وهذا هو بداية درس اليوم، يعني كل ما أفدته أو ما ذكرته قبل قليل هو مراجعة لدرس البارحة. نذهب إلى السلخ، ما هو السلخ؟ السلخ أحبتي، كما عرفه الشيخ لكم وكما ذكر ذلك القزويني: السلخ أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى فقط من الشاعر السابق ولا يأخذ منه الألفاظ. الشاعر اللاحق يأخذ من الشاعر السابق المعنى فقط، وأما الألفاظ فمن عنده، هذه صورة السلخ باختصار، فكأنّه سلخ المعنى من ألفاظ الشاعر السابق وألبسها ألفاظاً جديدة. أتى للمعنى الذي استفاده الشاعر السابق في ألفاظ معينة، سلخ المعنى من هذه الألفاظ، لذلك سمي سلخاً؛ سلخ المعنى من هذه الألفاظ التي وضعها الشاعر السابق وألبس هذا المعنى ثياباً جديدة.
طيب، ما حكم السلخ أحبتي؟ في الحقيقة، كما ذكر لكم ابن الشحنة -سنعلق على الأبيات بعد قليل بإذن الله- السلخ حكمه حكم المسخ، له أحكام ثلاثة: إذا كان البيت السابق أبلغ في ألفاظه من البيت اللاحق فيكون السلخ مذموماً، لأنك فعلت شيئاً لكنك لم تحسن فعله. أما إذا كان البيت اللاحق أبلغ من البيت السابق -يعني الألفاظ التي كساها اللاحق للمعاني كانت أبلغ من الألفاظ التي كساها السابق للمعاني- نقول السلخ هنا محمود، السلخ هنا محمود. وأما إذا كان اللاحق كالسابق، البيت الذي أتى به اللاحق مساوياً في الدرجة البلاغية للبيت الذي أتى به السابق، في هذه الحالة لا يكون السلخ مذموماً لكن تركه أفضل، لكن تركه أفضل؛ لأن إبداع الإنسان فكرة جديدة أفضل من أن يأخذ فكرة من شاعر سابق، بالتأكيد.
طيب، سآخذ حالة واحدة وأمثل لها، سنأخذ الحالة التي يكون فيها السلخ محموداً؛ تأخذ حالة شاعر سابق، عذراً شاعر لاحق أخذ معنى من شاعر سابق كساها ألفاظاً جديدة فكان بيته أفضل من بيت الشاعر السابق، يمثلون لذلك في كتب البلاغة ببيت المتنبي الذي أخذ معناه من بيت أبي تمام. ماذا يقول المتنبي في بيت له في قصيدة له مشهورة يقول: ومن الخير بطء سيبك عني، أسرع السحب في المسير الجهام. ساكتب هذه الأبيات على السبورة حتى نقارن بينها.
طيب، بسم الله، آتي إلى السبورة هنا، يقول المتنبي: ومن الخير بطء سيبك عني، سيبك يعني عطائك، العطاء تمام. أسرع السحب في المسير الجهام، الجهام الجهام السحب التي لا تمطر، الصحف التي لا تمطر، ثم الجهام. هذا بيت المتنبي، قال العلماء إن المتنبي أخذه، هكذا جيد. قال العلماء إن المتنبي أخذه من أبي تمام. أبو تمام ماذا قال قبل المتنبي؟ ماذا قال أبو تمام؟ قال أبو تمام: هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث فذريث في بعض المواضع أنفع. هذا كلام أبي تمام، مكتوب هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث -يعني وإن يرث، وإن يتأخر- فضريت في بعض المواضع أنفع.
تمام، دعونا إذاً نقارن بين هذين البيتين يقول المتنبي ويقول أبو تمام، ماذا يقول المتنبي؟ هو يمدح شخصاً، يمدح حاكماً سلطاناً تأخر عليه في العطاء لكنه مع ذلك يريد أن يمدحه المتنبي حتى يبقى العطاء مستمرا ولا ينقطع. فيش يقول؟ قال: ومن الخير، يقول: صحيح أنك تأخرت علي في عطائك وفي كرمك وجودك، لكن من الخير أن يتأخر العطاء عني. لماذا؟ يقول: لأن أسرع السحب في المسير في السماء ما هي؟ السحب التي تجري سريعا وتأتي سريعا في السماء هي السحب السحب التي لا خير فيها، السحب التي لا مطر فيها. فالسرعة لا تدل على الخير بل بالعكس، السرعة في الشيء تدل على عدم الخير، لأن السحب التي تسير سريعا في السماء وهي سحب الجهام لا خير فيها لا عطاء منها، واما السحب التي تسير بطيئة هي السحب التي تأتي بالخير الغزير. فأنت أيها الحاكم أنا متأكد لو أنك اعطيتني سريعا كما اريد لكان عطاؤك قليلا، لكنني مدرك أنك تؤخر العطاء حتى يأتي هذا العطاء كبيرا غزيرا، طبعا هذا هو نوع استعطاف لهذا الحاكم. يعني صحيح أنت تأخرت عليه في العطاء لكن أنا مدرك أن تأخرك في العطاء هو الخير، لأن تأخرك في العطاء يدل على أنه حينما سيأتي سيكون غزيرا، كما أن السحب التي تأتي متأخرة هي التي تكون غزيرة بالماء، وأما السحب التي تأتي على عجل تكون فارغة من الماء لا خير فيها. هكذا صاغ المتنبي فكرته.
الآن قال العلماء: المتنبي اخذ هذه الفكرة ممن؟ من أبي تمام، من أبيه تمام. كيف ذلك؟ قال أبو تمام، انظروا بيت أبي تمام حتى نقارن بين المتنبي وبين أبي تمام. قال أبو تمام: هو الصنع، هو الصنع، الصنع يراد به العطاء أيضا، صنائع المعروف هو الصنع إن يعجل فخير، وإن يرث، وإذا بتأخر؟ قال: وإن يرث، وإذا تأخر قال: الريث في بعض المواضع أنفع. يعني التأخر أحيانا في بعض المواضع قد يكون هو الخير وهو الانفع. بدنا نعمل مقارنة سريعة بين كلام أبي تمام وبين كلام المتنبي. أبو تمام أحبتي ماذا يقول؟ أبو تمام يقول: صنائع المعروف إذا عجل بها فهذا خير، وأما أن تأخرت فأيضا لا اشكال، لأن التأخر في بعض المواضع قد يكون هو الانفع.
لكن المتنبي ما قال كقول أبي تمام بالضبط، المتنبي لم يشر إلى أن العجلة بالمعروف فيها خير، صح؟ المتنبي لم يشر إلى أن العجلة بالمعروف فيها خير، بل بالعكس تطرق إلى موضوع التأخير وأشار إلى أن التأخر في المعروف هو الخير، لأن التأخر في المعروف يدل على أنه حينما يأتي يكون غزيرا، كما أن السحب التي تأتي متأخرة هي الغزيرة وأما السحب التي تأتي مبكرة فهذه سحب جهام لا مطر فيها. فالمتنبي لم يشر إلى أن تعجيل المعروف فيه خير بل تطرق فقط إلى موضوع أن التأخير هو الخير في صنائع المعروف لأنه يدل على غزرته ووفرته. وأما أبو تمام قال لا، قال: التعجيل فيه خير، هو الصنع إن يعجل فخير وإذا تأخر أيضا لا يدل هذا على شر، لأن التأخر في بعض المواضع أنفع. فأبو تمام يقول: التأخير في الفعل المعروف في بعض المواضع وليس دائما يكون أنفع، مفهوم المخالفة أنه في بعض المواضع بيكون التأخير في المعروف ليس جيدا. أبو تمام عذرا المتنبي جزم أن تأخير المعروف هو الخير، تأخير العطاء هو الخير، ها ركزوا الآن في هذه الجزئية. المتنبي يجزم بأن تأخير العطاء هو الخير لأن العطاء سيكون كثيرا حينما يأتي متأخرا. أبو تمام ما جزم أن تأخير العطاء خير، أبو تمام يقول: تأخير العطاء في بعض المواضع قد يكون خيرا وبالتالي في بعض المواضع قد لا يكون خيرا. فأي البيتين في المدح وفي الاستعطاف برأيكم؟ قال العلماء: المتنبي. لماذا؟ الآن المتنبي أولا هو لاحظوا أخذ الفكرة من أبي تمام، أخذ فكرة أن التأخر في العطاء لا يدل على الشر بل فيه خير.
المتنبي أخذ هذه الفكرة هذا المعنى من أبي تمام. إيش هي الفكرة اللي أخذها؟ أخذ من أبي تمام فكرة أن تأخير العطاء لا يعني الشر، لكن كيف كسى المتنبي هذا المعنى؟ ما هي الألفاظ التي كساها المتنبي لهذا المعنى؟ كساها ألفاظاً أخرى تخالف الألفاظ التي كساها أبو تمام لهذا المعنى.
في الحقيقة بأن أبا تمام حينما تكلم عن فكرة أن تأخر العطاء لا يدل على الشر بالضرورة، ما جزم؟ قال: ولا وإن يرث فلريت في بعض المواضع انفعه، أقول تمام؟ قال: التأخر في بعض المواضع في العطاء قد يكون هو الخير، لكنه ما جزم. المتنبي أخذ هذه الفكرة لكنه جزم بها، جزم أن التأخير في العطاء هو الخير، حتى يستعطف الممدوح وحتى يحثه.
فبالتالي كان بيت المتنبي أبلغ في المدح وفي استعطاف الممدوح، أما بيت أبي تمام فقد مسألة الجزم، فأخذه لمسألة الجزم جعل مرتبته أوضع من مرتبة بيت المتنبي. فقال العلماء: المتنبي صنع سلخاً، أخذ فكرة من عند أبي تمام، هذه الفكرة كساها ألفاظاً خاصة به، لاحظوا ما في اشتراك في الألفاظ اشتراك حقيقي.
يا بنت الخيل ممكن واحد يقول لك: آه، إن يعجل فخيره، لا لا، ما ترضى من كلمة الخير هنا ليست بمعنى كلمة الخير هنا، الخير هنا إيه يعني أسلوب أو سياق يختلف عن الأسلوب والسياق التي وردت فيه كلمة الخير هنا، فلا يستطيع شخص أن يقول إنه والله آه كلمة الخير والله مسروقة من الخير، أنه في سرقة ألفاظ؛ لأنه سياق كل كلمة كان يختلف عن سياق الكلمة الأخرى، وكلمة الخير كلمة عامة مشتركة موجودة في اللغة العربية، فلا يعتبر يعني المتنبي سارقاً لها من أبي تمام.
المهم إذاً هناك سرقة معنى، لكن المتنبي كساه حلة أجمل وأبهى من حلة أبي تمام، فكان سلخه محموداً، فكان سلخه محموداً لأن بيت اللاحق جاء أبلغ من بيت السابق، المتنبي هو اللاحق وأبو تمام هو السابق، وبيت اللاحق كان أبلغ من بيت السابق، فهذا مثال يسير على قضية السلخ، ولا أريد أن أطيل في ذلك، فقط نحن الآن في المتنبي نشير إلى الفكرة، نعطي عليها مثالاً حتى تفهم كيف تقارن مقارنة يسيرة في هذا المستوى، تمام.
هكذا نكون أحبتي انتهينا من السرقات الظاهرة بأنواعها الثلاث، النسخ والمسخ والسلخ. الآن سننتقل إلى النوع الثاني من السرقة، نحن قلنا السرقات تنقسم إلى سرقات ظاهرة وسرقات غير ظاهرة.
طبعا فائدة سريعة أقول أحبتي أحيانا قد يختلف حكمك عن حكمي في البيت الشعري، هل وقع فيه نسخ ولا سلخ ولا مسخ؟ أو أصلا هل هو من السرقة الظاهرة أو السرقة غير الظاهرة؟ يعني بعض الشعراء اختلف في أبياتهم، هل هي من قبيل السلخ أو المسخ؟ أم هي من قبيل السرقة أصلاً غير الظاهرة، ليس لها علاقة بالسرقة أو المسخ.
فإياك أن تظن أن هناك اتفاقا عاماً بين النقاد وبين البلاغيين في الحكم على البيت الواحد بأنه وقع فيه سلخ أو مسخ أو سلخ غير ظاهرة، أحيانا تتفاوت الأنظار، فهذان البيتان اللذان ذكرتهما الآن بين أبي تمام والمتنبي البعض قد يعده أصلا من السرقة غير الظاهرة، البعض قد يعده من السرقة غير الظاهرة ولا يعده من قبيل السرقة أصالة.
فهذه سريعة؛ لأن البعض قد يظن أن هناك أحكاماً متفقاً عليها بين النقاد وبين البلاغيين عن الأبيات، بل في الحقيقة هناك اختلاف كبير، وسببه اختلاف الذوق؛ لأن بعض الشعراء قد يظن، يعني عفوًا، بعض النقاد بنظرته في البيت يقول: هذا البيت وقع فيه مسخ، لكن شاعر آخر أو ناقد آخر يقول: هذا البيت وقع فيه سلخ، ممكن ناقد ثالث يقول: هذا البيت ما فيه لا مسخ ولا سلخ، هذا البيت أنا أرى فيه سرقة غير ظاهرة.
طيب دعونا نأخذ السرقة غير الظاهرة حتى تتضح الأمور أكثر وأكثر، وكما قلنا السرقات الشعرية هناك سرقات ظاهرة وهذي قسمناها إلى نسخ ومسخ وسلخ، الموضوع اليوم ينتقل إلى السرقات غير الظاهرة.
تمام، السرقات غير الظاهرة ماذا تختلف عن السرقات الظاهرة؟ احنا قلنا السرقات الظاهرة ايش ضابطها؟ السرقات الظاهرة وضابطها العام كما قلنا في المحاضرة السابقة وقررنا اليوم: أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى بأكمله من الشاعر السابق من دون تغيير في المعنى، هذه السرقة الظاهرة، أنه أنا شاعر لاحق أخذ المعنى أخذ الفكرة من الشاعر السابق من دون ما أغير في المعنى.
بعد ذلك يأتي الخلاف: هل هو نسخ ولا مسخ ولا سلخ؟ فيما يتعلق أنه هل أخذ اللفظ كله مع ترتيبه أو أخذه أو أخذ بعضه مع مخالفة في الترتيب أو محافظة في الترتيب، أو أخذ المعنى بأكمله لكنه لم يأخذ الألفاظ، ولا يختلف النسخ والمسخ والسلخ، لكن الأصل العام المشترك في جميع هذه الصور الثلاث النسخ والمسخ والسلخ، الشيء المشترك بينها أن الشاعر اللاحق أخذ المعنى بأكمله من الشاعر السابق، وهذي الكلمة أضيفوها ربما هي ستحل لنا الفرق بين الظاهرة وغير الظاهرة.
أن إذا نعيد السرقة الظاهرة: الشاعر اللاحق أخذ المعنى بأكمله من الشاعر السابق من دون أن يغير في المعنى شيئاً، يعني من دون أن يضيف أي شيء على المعنى، وإنما كان شغله أما في الألفاظ أو في ترتيب الألفاظ أو ما شابه ذلك فقط، تمام؟ فالمعنى أخذ بأكمله من الشاعر السابق من دون تغيير فيه.
السرقة غير الظاهرة قالوا: أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى من الشاعر السابق مع إيقاع تغيير ما فيه، أها، السرقة غير الظاهرة الشاعر اللاحق يأخذ فكرة من الشاعر السابق يأخذ معنًى من الشاعر السابق، لكنه يحدث تغييراً في هذا المعنى، لكنه يحدث تغييراً ما في هذا المعنى، الآن ايش شكل التغيير؟ هناك أنواع، كما أن السرقة الظاهرة كانت أنواعاً، السرقات غير الظاهرة أنواع وأشكال يهتم بها البلاغيون أيضاً.
والجامع العام كما قلنا السرقات غير الظاهرة أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى من الشاعر السابق، لكنه هل أخذه من دون تغيير فيه أو إبداع شيء جديد فيه؟ كلا تلاعب في المعنى وأحدث فيه تغييراً ما، وأما في السرقات الظاهرة اللاحق لا يتلاعب بالعنى ويأخذ المعنى بأكمله من السابق، وإنما يتلاعب في ماذا؟ في موضوع الألفاظ، إذا تلاعب ممكن نتلاعب في الألفاظ، وممكن أصلا حتى ما يتلاعب في الألفاظ كما هو الحال في النسخ، لذلك قلت لكم ممكن شخص يقول لي الآن بناء على كلامك يا شيخ: أنا أصنف الخلاف أو المقارنة السابقة بين بيت المتنبي وبيت أبي تمام أنها من قبيل السرقة غير الظاهرة؛ لأن المتنبي صحيح أخذ فكرة أخذ معنى من أبي تمام لكنه تلاعب بالمعنى حقيقة.
ممكن شخص يقول هكذا؟ أقول: ممكن، فيصنف المقارنة بين بيت المتنبي وبين بيت أبي تمام بأنها من قبيل السرقات غير الظاهرة ولا يصنفها من قبيل السلخ، لكن القزويني وبعض البلاغيين صنفوها من قبيل السلخ، وفي الحقيقة أقول لكم: الشأن لا يعترض المثال؛ إذ قد يقع الفرض والاحتمال كما يقول الحريري عليه رحمة الله.
يعني أحيانا بعض الأمثلة التي تجدونها في كتب البلاغة كتب التدريس هي قابلة للنقد لكنها تذكر للتمثيل فقط، والكبار لا يناقشون في المثال، وليس بشأن الأشراف المناقشة في الأمثلة كما يقولون، يعني أهل العلم الكبار حينما يريدون مثالاً لقضية لا نبدأ نناقش فيهم أنه هذا المثال بالضبط ولا فيه يمكن أن ينتقد؛ لأنه هو يريد التمثيل ولا يريد الاستشهاد، هو يريد أن يمثل يقرب الصورة ولا يريد الاستشهاد التام للموضوع.
لو كان في مقام استشهاد نعم في الاستشهاد ندقق، لكن في مقام تمثيل فإننا في تدريسنا لا ندقق في الأمثلة كثيراً، إذا كان المثال قريب ويمكن ولو إمكانية أن يكون سلخاً نذكره في السلخ، ما أمكنية أن يذكر في مكان آخر، تمام؟ إذاً السرقات غير الظاهرة أن يأخذ الشاعر اللاحق المعنى من الشاعر السابق مع إحداث تغيير ما فيه، طب ايش التغيير؟ عندنا أربع صور ذكرها ابن الشحنة رحمة الله تعالى عليه سنذكرها تباعاً، أربع أشكال من أشكال السرقات غير الظاهرة وهي التي ستجلي لكم موضوع السرقة الظاهرة أكثر وأكثر.
طيب إذا نبدأ الآن بأنواع السرقات غير الظاهرة.
بعد أن عرفنا تعريف السرقات غير الظاهرة، ننظر بماذا بدأ ابن الشحنة عليه رحمة الله، والمثال الذي ذكره طيب في البيت السابع والتسعين. يقول ابن الشحنة عليه رحمة الله بعد أن أكمل البيت السابق قال: وغير ظاهري، أو الشطر السابق قال فيه: وغير ظاهري، هذا نهاية الشطر الأول من البيت السابع والتسعين.
الآن ايش غير الظاهر؟ قال: وغير ظاهري كوضع معنى في مكان آخر، هاي الحالة الأولى؛ أن تضع معنى في مكان آخر، أو يتشابهان، هاي الصورة الثانية، أو ذا أشمل، ومنه قلب. إذاً، أربع صور ذكرها ابن الشحنة رحمة الله عليهن للسرقات غير الظاهرة. الصورة الأولى: أن تضع المعنى في مكان آخر. قال الشيخ محمد: الأول أن ينقل المعنى إلى محل آخر.
نكتب أولاً ما هي الفكرة ثم نذكر المثال عليها. نقل أنا أقول الفكرة، هيك كنت أقول: نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر. ايش يعني هذا الكلام؟ نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر. فكرة استخدمها الشاعر السابق في موضوع معين، استخدمناها في موضوع مدح، يأتي الشاعر اللاحق يوظف هذه الفكرة، هذا المعنى، لكن يوظفه في مكان آخر فيه هجاء، لاحظوا! هذا يسمى نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر، وهو شكل من أشكال السرقات غير الظاهرة.
فكرة معينة أبدعها شاعر سابق، لكنه استخدمها في مكان معين في مقام مدح، آتي أنا كشاعر لاحق آخذ هذه الفكرة لكن أوظفها وأستعملها في مكان آخر في مكان هجاء، أو فكرة استخدمها شاعر سابق في وصف شيء معين تمام؟ أخذ هذه الفكرة وأستعملها في وصف شيء آخر. مثلاً، هذه الفكرة استعملها الشاعر السابق في وصف امرأة، أن أتي أستعملها في وصف غزال، لاحظ نفس الفكرة، هو وصف بها امرأة وأنا وصفت بها دابة تماماً؟ فهذا كله يسمى نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر، وهي صورة من السرقات غير الظاهرة.
طيب يا شيخ، بدنا مثال؟ نأخذ مثالاً مقارنة بين البحتري وبين المتنبي. البحتري أحبتي استخدم فكرة معينة، وهي فكرة أن الدماء حينما تتيبس تصبح كأنها كالثياب، الدماء حينما تتيبس على القتلى في المعارك تصبح كأنها ثياب تكسوهم لكنها ثياب حمراء اللون، هكذا أتى البحتري بهذه الفكرة. فكرة الدماء حينما تتيبس، كيف تصبح على أجساد القتلى؟ تصبح كأنها ثياب صح؟ لكنها ثياب حمراء اللون.
ماذا قال البحتري في تصوير هذا المعنى؟ قال عليه رحمة الله: سلبوا فأسْرَعَت الدماء عليهم محمرةً فكأنهم لم يسلبوا فكأنهم لم يُسلَبوا. هكذا يقول البحتري: سلبوا فأسْرَعَت الدماء عليهم محمرةً فكأنهم لم يسلبوا. إذن، البحتري يصف لنا أناساً قتلوا في المعارك، أناس أبطال يريد أن يمدحهم البحتري، هؤلاء الأبطال الذين قتلوا في ميادين المعارك، وحينما قتلوا سلبوا الثياب التي عليهم، جاء عدوهم فسلبهم الثياب التي عليهم، وهكذا يفعل الأعداء حينما يكون هناك قتال، يأتي العدو فيأخذ الثياب والدروع وغيرها من الأمور التي يلبسها القتيل.
يقول: هؤلاء القوم الذين أمدحهم قتلوا في ميادين المعارك وسلبوا ثيابهم ودروعهم، فماذا حل مكان هذه الثياب المسلوبة؟ قال: سلبوا فأسْرَعَت الدماء، ظهرت الدماء حينما أزال عدوهم عنهم ثيابهم وخلعها وسلبها، ظهرت الدماء، هذه الدماء أشرقت -لاحظوا أولاً وصف بالإشراق- أشرقت الدماء، قال: فأسْرَعَت الدماء عليهم محمرةً، هذه الدماء أشرقت محمرةً وتيبست على هذه الأجساد فأصبحت كأنها ثياب جديدة، لكنها ثياب حمراء اللون، قال: فأسْرَعَت الدماء عليهم محمرةً فكأنهم لم يسلبوا.
يعني الناظر إليهم يقول: هؤلاء لم يسلبوا، عليهم ثياب، ولكن في الحقيقة خُلِعَت ثيابهم، وإنما هو الدم الأحمر حينما تيبس على أجسادهم أصبح كأنه. فهو يريد أن يقول: هؤلاء القوم الذين أمدحهم قتلوا في ميادين المعارك، نعم سُلِبَت ثيابهم، لكنهم اكتسوا بعلامة الشرف، اكتسوا بثياب أخرى وهي الدماء الحمراء التي تيبست وأشرقت على أجسادهم لتظهر كأنها ملابس تغنيهم عن ملابسهم التي سلبوها. هكذا يريد أن يقول البحتري.
الآن، من الذي أخذ هذا المعنى وتلاعب فيه؟ المتنبي. المتنبي هو أبو السرقات الشعرية الخفية في الحقيقة، هو ذكي جداً في توظيف المعاني من السابق. المتنبي ماذا قال؟ المتنبي أخذ فكرة الدم المتيبس أنه يظهر في مظهر اللباس الأحمر، لكنه لم يصف بها قوماً قتلى، وإنما وصف بها سيفاً مجرداً من غمده. لاحظوا كيف نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر! البحتري أين استخدم الدماء حينما تتيبس تظهر كأنها لباس وستر؟ استخدمها في القتلى، جاء المتنبي أخذ هاي الفكرة وسرقها ونقلها إلى مكان آخر، ووصف بها سيفاً مجرداً من غمده تيبست الدماء على هذا السيف، فأصبحت كأنها غمد جديد لهذا السيف، لكنه غمد من الدماء المتجمدة.
ايش يقول المتنبي؟ يقول المتنبي: يَبِسَ النَّجِيعُ -النجيع هو الدم- يَبِسَ النَّجِيعُ عليه -الضمير عليه يعود على السيف- وهو مجردٌ، أي مجرد من غمده، فكأنما هو مغمضٌ. فكأنما هو مغمضٌ. الآن المتنبي يقول: يبس النجيع -أرجع السبورة للخلف طيب- يبس النجيع عليه وهو مجرد. النجيع أي الدم، تيبس على هذا السيف وهو مجرد من غمده، لكن الناظر إليه يظن أن هذا السيف غير مجرد. لماذا؟ لأن هذا النجيع الذي تيبس بلونه الأحمر صنع غمداً جديداً، كسا هذا السيف غمداً جديداً.
فكرة الدم الذي يتجمد ويتيبس فيكسو الشيء لباساً آخر، هذه الفكرة استخدمها البحتري عليه رحمة الله في القتلى في المعارك حينما تتيبس الدماء عليهم، ونقلها المتنبي إلى مكان آخر، نقلها إلى السيف حينما تتيبس الدماء عليه. فلاحظوا كيف هنا سرقة، لكن السرقة غير ظاهرة، أخذ الفكرة وصنع فيها شيئاً من التغيير، غير من مكان إلى مكان آخر، كانت في القتلى أصبحت في ماذا؟ في السيف. أو كما قلنا يمكن تكون فكرة معينة استخدمت في مدح، يمكن أن أستعملها في غير ذلك، فهذا مثال على نقل الفكرة من مكان إلى مكان آخر، وهي أول صورة من صور السرقات غير الظاهرة.
طيب، دعونا ننتقل إلى الصورة الثانية، لأنه ايش قال؟ مش هو قال: وغير ظاهري كوضع معنى في مكان آخر أو يتشابهان؟ الصورة الثانية ما يسمى عند البلاغيين تشابه المعاني، تشابه المعاني. إذاً، الفكرة الأولى الصورة هي نقل الفكرة كما قلنا من مكان إلى مكان آخر. طيب، ثانياً تشابه المعنيان، ايش يعني تشابه المعنى يعني؟ تشابه المعنى يعني أحبتي أن الشاعر اللاحق أخذ معنى من شاعر سابق، لكنه طرح هذا المعنى طرح هذا المعنى بأسلوب بياني وبطريقة تختلف عن الفكرة التي طرح فيها الشاعر السابق. كيف يعني؟ شاعر لاحق أخذ فكرة أخذ معنى من شاعر سابق لاحق، أخذ فكرة من شاعر سابق، لكنه طرح هذه الفكرة بأسلوب بياني يختلف عن الأسلوب الذي طرحها فيه الشاعر السابق.
يعني ممكن الشاعر السابق استخدم أسلوب الكناية، الشاعر اللاحق استخدم أسلوب التشبيه، ممكن الشاعر السابق استخدم أسلوب تشبيه والشاعر اللاحق استخدم أسلوب استعارة، فهذا يسمى تشابه المعنى أو تشابه المعنيان أو تشابه المعاني. أعطينا مثالاً يا شيخ؟ انظر قول المتنبي: فصبحهم وبسطهم حرير ومساهم وبسطهم تراب -يعني يمدح قوماً بالشجاعة أتوا على قوم، هؤلاء القوم الذين قتلوا كانوا في الصباح على الحرير، وفي المساء أصبح أبسطهم التراب، أصبحوا تحت الثرى في التراب، ثم يذم هؤلاء القوم الذين قتلوا وأبيدوا- قال: ومن في كفه منهم قناة -الشاهد- كمن في كفه منهم خضاب. هؤلاء القوم ضعاف، هؤلاء القوم ضعاف، الرجل فيهم كالمَرْأَة، الرجل فيهم كالمَرْأَة لا قوة لديه.
كيف عبر عن ذلك بأسلوب التشبيه؟ قال: ومن في كفه منهم قناة، هؤلاء القوم الذي في كفه منهم القناة، القناة هي الرمح، الذي في كفه رمح هو الرجل، قال: كمن -تشبيه، نحن نستخدم أسلوب التشبيه- كمن في كفه منهم خضاب. مين اللي بكفه خضاب؟ الخضاب الحناء، النساء، فهذه كناية عن النساء. فلاحظ كيف هناك كناية مع تشبيه، قال المتنبي -طبعاً المتنبي هو الشاعر اللاحق، أنا بدأت ببيت الشاعر اللاحق، أبو السرقات، كما قلنا السرقات غير المبطنة السرقات غير الظاهرة تجدها عند المتنبي-.
تقول المتنبي: ومن في كفه منهم قناة، كمن بكفه منهم خضاب. أولا هناك كناية، أنه قال: ومن في كفه منهم قناة، كناية عن الرجل. ومن في كفه منهم خضاب، والذي في كفه خضاب كناية عن المرأة. واستخدم أسلوب التشبيه، يعني شبه رجال هؤلاء القبيلة بنسائهم. قال: هؤلاء الرجال الضعاف اللي في كف رمح، زي اللي في كفه خضار، يعني الرجل زي المرأة، ما في عندهم رجال، هيك باختصار المعنى، ما عندهم رجال.
قال العلماء: المتنبي هو في الحقيقة سرق سرقة غير ظاهرة هذه الفكرة من جرير الشاعر الأموي المشهور. جرير ايش قال في قصيدة له؟ يقول جرير: فلا يمنعك من إرب لحاهم. جرير وهو الشاعر السابق قال: فلا يمنعك من إرب لحاهم، سواء ذو العمامة والخمار. ايش يقول جرير؟ يقول لهذا الحاكم أو لهذا القائد، يقول: لا يمنعك من أن تغزو هؤلاء القوم لحاهم، اللحى اللحية، لا تغرك اللحى، يعني زي ما بده يقول لهذا الحاكم لا تغرك لحاهم. ليه؟ قال: سواء ذو العمامة والخمار، يعني يستوي عندهم ذو العمامة، وهو كناية عن ايش؟ عن الرجل، مع ذي الخمار، وهو كناية يعني ايش؟ عن المرأة. ففي كناية ببيت جرير.
لكن جرير هل استخدم أسلوب التشبيه للتعبير عن هذه الفكرة، ولا استخدم أسلوب نفي، نفي عدم المساواة، اللي هو إثبات المساواة باختصار، مثل عدم المساواة، إثبات المساواة بين الرجل والمرأة. استخدم أسلوب إثبات المساواة بين الرجل والمرأة، ما استخدموا أسلوب التشبيه. قال: سواء، ها أسلوب المساواة، سواء ذو العمامة والخمار، أنه يستوي في هؤلاء القبيلة الرجل والمرأة باختصار، هاللحي هذي لا تفكر أنها إشي كبير، رجلهم زي الرجل مثل المرأة في هذه القبيلة ولا فرق بينهما.
الآن إذا جرير كيف صور المعنى؟ كيف أصور المعنى؟ يقول لهذا الحاكم: لا يمنعك من إرب، أي من حاجة، المراد بالارب هنا الحاجة الغزو. لا يمنعك من أن تغزوهم تلك اللحية التي تراها، فيستوي ذكرهم مع أنثاهم، يستوي يستوي رجالهم مع نسائهم، لا تخاف. الآن المتنبي أخذ هاي الفكرة، قضية أن الرجل والمرأة مستويات في هذه القبيلة باختصار إهانة الرجال. أخذها، لكنه لاحظ كيف صورها بأسلوب بياني آخر، وهو أسلوب التشبيه، ما استخدموا أسلوب التسوية الذي استخدمه جرير.
استخدموا أسلوب آخر، أسلوب التشبيه، فقال: ومن في كفه منهم قناة كمن، ها بعد التشبيه، كمن في كفه منهم خضاب. فإذا الفرق الآن واضح، أن المتنبي أخذ الفكرة قريبا تقريبا من جرير، لكن ايش الفرق بين جرير وبين المتنبي؟ الأسلوب الذي طرحت فيه الفكرة. فهناك تشابه في المعاني مع اختلاف في الأسلوب. هناك تشابه في المعاني، لكن هناك اختلاف في الأسلوب. لذلك سمي تشابه المعنيان، المعنيان متشابهان، المعنى هنا والمعنى هنا فيه تشابه، لأنه أصلا المتنبي سرقه من جرير.
لكن الاختلاف في أسلوب طرح هاي الفكرة، فجرير طرحها بأسلوب إثبات المساواة بين الرجل والمرأة، رجالهم كنسائهم، ليس بالتشبيه، بالتسوية، يستوي الرجل مع المرأة. والمتنبي يستخدم أسلوب التشبيه: ومن في كفه منهم قناة كمن في كفه منهم خضاب. ففي هذه تعتبر أيضا سرقة غير ظاهرة، لأن اللاحق غير شيئا في المعنى، غير في طرحه للمعنى، الأسلوب البياني الذي تم فيه طرح المعنى. وهذا تغيير في المعنى، ممكن البعض يقول: يا شيخ هذا تغيير في الألفاظ، إذا غير في الأسلوب البياني، لا، هو أساسا تغيير في أسلوب طرح المعنى نفسه بغض النظر عن اللفظ، بس أنا بتكلم عن أسلوب طرح المعنى، فطريقة التسوية هذا معنى، وطريقة التشبيه هذا معنى آخر، تمام؟ ثم بعد ذلك تأتي الألفاظ، فهذا تغيير في المعنى مع تشابه عام في أصل الفكرة.
إذا تشابه المعنيان مع تغيير في الأسلوب الذي تطرح فيه المعاني. طب ثالثا: نذهب إلى الصورة الثالثة، قالوا: غير ظاهرة. الآية تقول: الصورة الأولى قربنا معنا في مكان آخر أو يتشابهان، أو ذا أشمله، ايش أنا بده أشمله؟ أن يكون البيت اللاحق أشملاً في معناه من البيت السابق. اللاحق أخذ معنا من سابق، لكنه طرح هذا المعنى بصورة أشمَل، الشمول، نسميه الشمول، اللاحق أخذ معنى من سابق، لكنه جعل لهذا المعنى وهاي الفكرة أشمَل من السابق.
أه، أنظروا للأبيات التي أتى بها الشيخ في هذه الحالة، مثال قول ابن الرومي مع قول جرير. جرير وهو السابق، جرير ماذا قال؟ إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت الناس كلهم غضابا. ايش بتفهم من بيت جرير؟ يقول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم وجدت الناس كلهم غضابا. جرير بده يقول لك أن بني تميم يجمعون الناس، هكذا قال. فكان جرير أحبتي ماذا فعل؟ كان جرير في الحقيقة، ركزوا، جمع الناس كلهم في قبيلة بني تميم، لأنه ايش قال؟ إذا غضبت عليك بنو تميم، إذا غضبت قبيلة بني تميم وجدت الناس كلهم غضابا، تجد كل الناس غضبان، فكأنه باختصار جمع الناس كلهم في هذه القبيلة في قبيلة بني تميم.
جاء أبو نواس، طبعا أبو نواس هذا التسمية الصحيحة أبو نواس، احنا بنقول أبو نواس وهذا ليس محققا، الصحيح أبو نواس، ده أبو نواس فماذا قال؟ فقال: ليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد. الآن هو يمدح، أبو نواس يمدح، فماذا قال في مديحه؟ يقول: ليس بشيء مستنكر على الله وعلى قدرته أن يجمع كل هؤلاء الناس كل العالم في شخص واحد، راحت بشخص واحد. الآن لو عقدنا مقارنة بين بيت أبي نواس وبيت جرير، نلاحظ أن جرير جمع الناس كلهم في قبيلة بني تميم، صح؟ بينما أبو نواس في مدحه أراد أن يجمع العالم كله في ماذا؟ في ممدوحه في شخص واحد.
فأيهما أشمَل؟ أيهما أشمَل، أبو نواس من أبو نواس؟ لاحظوا كيف وسع المعنى فقال: كل الناس فيك أيها الممدوح، ليس على الله بمستنكر أن يجمع الناس في واحد، فيك أيها الممدوح. بينما أه جرير ضيق قليلا فقال ليس أه أنه لم يقل اسمه مستنكر، إذا غضبت عليك ابن تميم، يعني أو أه أه جرير جمع الناس كلهم، جمع الناس كلهم في قبيلة، بينما أبو نواس جمع الناس كلهم في شخص واحد وهو الشخص الممدوح. فاعتبروا أن بيت أبي نواس أوسع وأقوى من بيت جرير، لأنه هو بالطبع أبو نواس تقريبا، ها نقول تقريبا، لأن في النهاية في بعض الأمور لا نستطيع أن نجزم بها مائة بالمائة. يمكن نقول: شخص يا شيخ يعني لماذا هناك إصرار أن أبا نواس أخذ الفكرة من جرير؟ أليس من الممكن أن يكون هناك تقارب مع أن أبا نواس أبدع الفكرة فتقاربت فكرته مع فكرة جرير؟ في الحقيقة ممكن، لذلك في بعض الأحيان نحن نقول بغلبة الظن أن أبا نواس أخذ الفكرة من جرير، غلب الظن، ولا أستطيع أن أجزم مئة بالمئة.
لكنه حينما أخذها وسع شموليتها، وسعها، طورها وخلاها أشمَل، لأن جرير كما قلنا جعل الناس في بني تميم، وأبو نواس جعل الناس في واحد. قالوا: أبو نواس أشمَل وأوسع من جرير. فهذه سرقة غير ظاهرة زاد فيها المتأخر على المتقدم أن جعل الفكرة أوسع وأشمل، فهذا مثال على الشمول.
طيب، ننتقل للحالة الرابعة والأخيرة من السرقات غير الظاهرة، وهي موضوع القلب. موضوع القلب ايش المراد بالقلب هنا؟ المراد بالقلب أحبتي في السرقات غير الظاهرة، إما الشاعر السابق يستخدم فكرة أو معنى في اتجاه معين، يقوم الشاعر اللاحق بأخذ هاي الفكرة أو المعنى ويستعملها في الاتجاه المعاكس، الاتجاه المضاد، يقلبها، هذا ابتداء احنا بنصور، بعدين نذكر مثال يتضح المقال.
إذا هناك شاعر سابق استخدم فكرة في اتجاه معين، أنا كشاعر لاحق أخذ هذه الفكرة وأستعملها في الاتجاه المضاد الاتجاه المقلوب، لذلك سمي ايش؟ قلب، اللاحق قلب الفكرة التي أتى بها السابق. اللاحق قلب الفكرة التي أتى بها السابق. طيب أعطينا مثال يا شيخ حتى يتضح لنا المقال. تمام التمام، نأخذ المثال ذكره الشيخ محمد، مثال جيد أه المتنبي ماذا يقول؟ المتنبي وهو اللاحق، دائما المتنبي كما قلت له بعض السرقات غير الظاهرة هو المتنبي. المتنبي ماذا قال؟
فأحبه وأحب فيه ملامةً، إن الملامة فيه من أعدائه، إن الملامة فيه من أعدائه. إيش يقول المتنبي؟ يقول المتنبي: هل يعقل أن أحب هذا الشخص، وأحب أن يلومني الناس في حبي له؟
آه، ركزوا. هل يعقل أن أحب هذا الشخص وفي نفس الوقت أحب أن يلومني الناس فيه؟ أي في حبي له. كلا؛ لأن الملامة فيه هي من أعدائه. أن يلومني الناس في حبي لهذا الشخص، هذا اللوم بحد ذاته هو عدو من أعداء هذا المحبوب. ولا يمكن أن أحب أعداء هذا المحبوب. ركزتوا في المعنى ولا أعيد؟ أعيد. تمام.
يقول المتنبي: أأحبه، هل أحب؟ يعني هل يعقل أن أحب هذا الرجل، هذا الشخص، وفي نفس الوقت أحب أن يلومني الناس في حبي له؟ غير ممكن أن أجمع بين حبي له وبين حبي لأن يلومني الناس فيه. ليه؟ قال: أأحبه وأحب فيه ملامةً، إن الملامة فيه من أعداء. قال: لأن اللوم في حبه، هذا اللوم بحد ذاته هو عدو من أعدائه.
وأنا لا يمكن أن أحب أعداء محبوبه. في واحد بحب أعداء محبوبه؟ أنت بتحب شخص، هل تحب أعداؤه؟ مش ممكن. صح؟ فالمتنبي يقول: اللوم، لومي في حبه لهذا الشخص، هذا اللوم هو عدو لمحبوبه. ولا يمكن أن أجمع بين حبي له وحبي لأعدائه، واللوم عدو له.
فإذاً لا أحب اللوم فيه، ما بحب حدا يلومني في حبي له؛ ليس لأنه مشكلتي مع اللوم، لا، أنا مشكلتي لماذا لا أحب اللوم؟ لأن اللوم من أعدائه، فلذلك لا أحبه فقط، وليس لأني أنا أخشى من اللوم. هاي الفكرة بجماليتها وتأملها تجدها واضحة.
الآن أبو الشيس إيش قال؟ الفكرة هذي سرقها المتنبي من أبي شيس. أبو شيس ماذا يقول؟ لاحظوا أبو الشيس وهو الشاعر السابق ماذا قال؟ تجد الملامة في هواك لذيذةً، حباً لذكرك فليلمني اللوام. جميل، هذا معنى في الحقيقة.
تقول: أجد الملامة في هواك لذيذةً. لماذا يتلذذ أبو الشيس حينما يلومه الناس بحبه لمحبوبته؟ في واحد بتلذذ لما الناس تلومه؟ أبو شيس يقول: أنا أتلذذ حينما يلوم الناس في حبه لك. لماذا؟ قال: حباً لذكرك.
حباً لذكرك، هذا الذي يهمني. الآن برأيكم لماذا أبو الشيس يحب أن يلومه الناس؟ لاحظ، أبو الشيس يختلف تماماً عن المتنبي. المتنبي هل يحب أن يلومه الناس؟ كلا، قال: لأن الملامة عدو من أعداء محبوبي، فلا أحب أن يلومني الناس.
أبو الشيس بالعكس تماماً، أبو الشيس يحب أن يلومه الناس. قالوا: لماذا؟ قال أبو الشيس: لأنه حينما الناس يلومونني في حبي لك، سيذكرونك على ألسنتهم، وأنا أحب أن أسمع ذكرك. لاحظوا هذه طريقة في التفكير فيها معاكسة تماماً لطريقة المتنبي.
أبو الشيس يقول: أنا أحب أن يلومني الناس؛ لأنهم حينما يلومونني يذكرونك على ألسنتهم، يقولون: لماذا تحب فلانة؟ لماذا تعشق فلانة؟ حينما أسمع ذكرك، حتى ولو ذكر اسمك على لسان من يلومني، فأنا أحب هذا الذكر، ما عندي مشكلة، لوموني حتى أبقى أسمع اسم محبوبتي على ألسنتكم، هو يحب اللوم.
إذاً فكرة حب اللوم، هذه الفكرة البارزة عند أبي الشيس حب اللوم، أخذها المتنبي ولكنه استعملها بالعكس؛ أنه يبغض اللوم، المتنبي يبغض اللوم وأبو الشيس يحب اللوم. هل استطيع أن أجزم مائة بالمائة أن المتنبي اخذ الفكرة وسرقها من أبي الشيس؟ لا أستطيع أن أجزم، لكنه ظن، ظن قوي لكنه ليس بجزم.
أما المتنبي نظر في بيت أبي الشيص، فوجد أبا الشيس يحب أن يلام في محبوبته، فأخذ هذا المعنى وقلبه، وقال: أنا لا أحب أن ألام في حبي؛ لأن اللوم من أعداء محبوبي. فهذه سرقة غير ظاهرة، ولكنها تسمى قلباً.
وفي الحقيقة لو تأملنا أحبتي في جميع أنواع السرقات غير الظاهرة، جميع أنواع السرقات غير الظاهرة سواء كانت نقل فكرة من مكان إلى مكان آخر، أو تشابه المعاني، أو الشمول، أو القلب، كل السرقات غير الظاهرة مقبولة وجميلة ومحمودة؛ بأن فيها تغيير في المعنى، فيها إبداع من الشاعر اللاحق، فيها زيادة أفكار، فهي في الحقيقة تنمية للأفكار السابقة وزيادة عليها في الإبهاج والاستعمال وتوظيفها في أماكن أخرى.
فلذلك يقول العلماء: السرقات غير الظاهرة مقبولة ومحمودة وتزداد قبولا وحمداً كلما ازداد خفاء السرقة غير الظاهرة. يعني إذا كانت السرقات غير الظاهرة إدراك وقوع السرقة فيه غموض وخفاء وليس بالأمر السهل، هذا يزداد حمداً وقبولاً. وأما إذا كانت السرقة غير الظاهرة فيها وضوح، قل حمدها وقبولها.
ولكن الأمر العام الذي يجمع السرقات غير الظاهرة أنها جميعاً محمودة ومقبولة، والشاعر اللاحق له لمسات فنية واضحة زادها على الشاعر السابق، كما نقلنا هذه فكرة نقل فكرة من مكان إلى مكان آخر، تشابه المعاني، الشمول والقلب. هناك صور أخرى تذكر في المطولات. هكذا نقول أحبتي، انتهينا من موضوع السرقات غير الظاهرة، وانتهينا من موضوع السرقات الشعرية.
طرحناها بأقل اختصار يمكن أن تطرح فيه، وقلنا الأمثلة حتى تسير هذه السفينة بناءً إلى هذا المجلس الأخير بإذن الله. لكنني أيضاً أظن أنني استوعبتها فهماً ونظراً وتحليلاً للمبتدئ. المبتدئ هكذا نقفل الكلام عن السرقات الشعرية عموماً، وبقي علينا أن ننتقل الآن إلى موضوع له يعني اتصال عام بالسرقات، يعني يذكر عادة في كتب البلاغيين بعد السرقات الشعرية، وهي بعض المهارات اللغوية التي يستخدمها الشعراء والكتاب والوعاظ والخطباء.
بعض المهارات اللغوية التي يستخدمها بعض الشعراء والكتاب والوعاظ والخطباء، هذه المهارات قسمها البلاغيون إلى خمسة: مهارة الاقتباس، مهارة التضمين، مهارة، مهارة العقد، ومهارة الحل. خمسة: الاقتباس، التضمين، التلميح، العقد والحل. سنأخذ تعريف سريع لهذه المصطلحات الخمس وأمثلة عليها، نفهم فكرتها، ونفهم عموماً لماذا تذكر مع موضوع السرقات الشعرية، يعني لماذا تذكر بعدها مع أنها ليست سرقات؟ هي ليست سرقات.
هي مواضيع تختلف عن السرقات، لكنها تذكر تبعا للسرقات. وابتداءً أقدم لكم هذه الفكرة، أنه هذه الأمور إنما تذكر عادة بعد السرقات الشعرية؛ لأن هناك جامع عام بينها وبين السرقات الشعرية، وهي فكرة أنك تأخذ معلومة أو فكرة أو لفظة من كلام غيرك.
الاقتباس، التضمين، العقد، الحل، التلميح، أنت تأخذ فكرة أو لفظة من كلام غيرك وتوظيفها في كلامك، فهي شبيهة نوعاً ما في هذا الموضوع بماذا؟ بالسرقات الشعرية التي أنت تقوم فيها بأخذ فكرة أو لفظة من كلام غيرك وتورده في كلامك، لذلك ذكرت تبعاً لها.
وبإذن الله لما نعرف تعريف الاقتباس والتضمين والحل والعقد، راح تعرفوا أنه فعلاً أنه هذه الأمور تشترك مع السرقات الشعرية؛ أن المتكلم يأخذ شيئاً من كلام غيره ويوظفه في كلامه، فلذلك تذكر مع السرقات الشعرية، وإن كانت فناً مستقلاً له رواده وله أدباؤه.
طيب، إذاً دعونا نجلس ونكمل في هذه المصطلحات الخمس. إذاً أحبتي، دعونا الآن ننتقل إلى هذه المصطلحات الخمس، نحاول أن نتعرف عليها ونأخذ أمثلة مختصرة توضح المقصود منها.
قال الناظم رحمة الله تعالى عليه في البيت الثامن والتسعين: أو يتشابهان أو ذا أشمل، ومنه قلب واقتباس ينقاد. قالوا: ومنه تضمين وتلميح وحل، ومنه عقد والتأنق انتسل. يعني إلى آخر ما ذكره رحمة الله تعالى عليه بعد ذلك من موضوع التألق في البداية وفي الوسط وفي النهاية. المهم، نحن الآن في هذه المصطلحات الخمس: الاقتباس، التضمين، التلميح، الحل، العقد.
نبدأ بالاقتباس. ما المراد بالاقتباس عند البيانيين؟ الاقتباس أحبتي، نذكر تعريف القزويني رحمة الله عليه ثم نأخذ أمثلة عليه. قال الاقتباس: أن يضمن الكلام شيئاً من القرآن أو الحديث، لا على وجه أو عفواً، على وجه لا يشعر بأنه منه. هكذا ذكر القزويني رحمة الله عليه تعريفه الاقتباس.
قال: أن يضمن الكلام، يعني أنا كمتكلم تضمن كلامي سواء كان شعرا أو نثرا -يعني الاقتباس يدخل في الشعر ويدخل في النثر تمام- أن يضمنه ماذا؟ أن يضمنه إما آيات من القرآن الكريم أو من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا التضمين
يكون على وجه لا يشعر السامع بأنه منه، باختصار لا تأتي بعبارة تصرح بها بأن هذا النص آية قرآنية أو أن هذا النص حديث نبوي، فأنت تأخذ من القرآن أو من الحديث النبوي تدخله في نثرك أو في شعرك على ألا يشعر السامع، لا يشعر السامع بأنه منه. فلو كان السامع ما قرأ القرآن سابقا أو ما عنده دراية بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم لا يستطيع أن يعرف أن هذا من القرآن أو من السنة، أو يصعب عليه أن يدرك ذلك، فهذا يسمى الاقتباس.
وأظن هذا المصطلح مشهور لديكم، لكنكم تستخدمونه بمعنى عام، أي تضمين لكلامنا من كلام الآخرين نسميه اقتباسا، حتى ولو لم يكن من القرآن والسنة، هذا الاستخدام الدارج بيننا، لكن عند البلاغيين الاقتباس مصطلح محدد، مصطلح معرفي محدد، أنه تضمين من القرآن أو السنة على وجه لا يشعر بأنه منه. تمام؟
طيب. كيف يا شيخ على وجه لا يشعر بأنه منه؟ اه طيب طيب، قبل أن أذكر مثالا على ذلك ننظر الشيخ محمد النصيف كيف رتب شروط الاقتباس بناء على تعريف القزويني، يقول: وبهذا يتضح أن للاقتباس شرطين. ما هي شروط الاقتباس؟ أولا: كونه من القرآن أو السنة. الاقتباس أحبتي كمصطلح معرفي يكون خاصا بالتضمين أو الاقتطاع الذي يكون من القرآن والسنة بالتحديد دون أي نص آخر، إذا اقتطعت من نص آخر لا يسمى هذا اقتباسا.
إيش يسمى؟ سيأتي معنا، لكن لا يسمى اقتباسا، الاقتباس شرطه أن يكون من إيش؟ من القرآن أو من السنة. ثانيا، الشرط الثاني: أن لا يذكر على وجه يشعر أنه منه، يعني لما أنا أقتطع من آية قرآنية أو من حديث نبوي وأدخله في نثري أو في شعري، لا أتي بعبارة تشعر بأنني اقتبست، لا أتي بعبارة تشعر بأنني اقتبس. انظروا المثال الذي ذكره ليتضح المقال.
قال من أمثلة الاقتباس قول الشاعر: لئن أخطأت في مدحك فما أخطأت في منعي، لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرعي. قال: لئن أخطأت في مدحك، إذا أنا أخطأت في مدحك فانت لم تخطئ في منعي، فما أخطأت في منعي؟ لماذا؟ قال: لقد أنزلت حاجاتي، لأني أنا في الحقيقة إنسان لست ذكيا، لقد أنزلت حاجاتي بواد غير ذي زرع، أنا شخص لست ذكيا لأنني أنزلت حاجتي في واد غير ذي زرع. هو يقصد أنك أنت كإنسان، إنسان ما في منك خير، لا تبذل المعروف، فالخطأ مني أنا أني أنزلت حاجتي، الأصل أن أنزل حاجتي عند إنسان كريم سخي النفس.
فالخطأ مني أنا وليس الخطأ منك، أنت ما أخطأت في منعي، الخطأ مني أني أنزلت بواد غير ذي زرعي. الآن كلمة بواد غير ذي زرع من أين أخذت؟ هذه أخذت من القرآن الكريم في سورة إبراهيم، لما الله إبراهيم كان يخاطب ربه سبحانه وتعالى: رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. فكلمة بواد غير ذي زرع، هذه الكلمة اقتبسها الشاعر من القرآن الكريم. صح؟
هذا الشرط الأول موجود في الاقتباس، هناك شرطان للاقتباس أساسا: أولا، أن يكون الاقتطاع من القرآن أو من السنة، هنا الاقتطاع من القرآن، إذا وجد الشرط بقي الشرط الثاني. الشرطة الثانية للاقتباس: قلنا أن لا يشير الشاعر أو الناثر أثناء الاقتطاع أن هذا النص الذي قطعه من القرآن أو من السنة، فلا يقول الشاعر: اه قال الله في كتابه كذا وكذا. إذا حكى الشاعر أو الناثر: قال الله في كتابه كذا وكذا، هذا ما عاد اقتباسا؛ لأنه أشار إلى المكان الذي أخذ منه هذا الاقتطاع، أو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، إذا أشار إلى مكان اقتطاعه، ما عادا اقتباسا.
ينبغي أن يأخذ النص ولا يشعر بأنه أخذه، فأنت كإنسان قارئ لو لم يكن لديك دراية بالقرآن الكريم لن تعرف أن قوله بواد غير ذي زرع مأخوذ من القرآن، صح؟ لكن نحن لأننا على دراية بالقرآن والحمد لله نقرأه صباح مساء، عرفنا أن الشاعر أخذ هذه الكلمة من القرآن وليست من بنات أفكاره، صحيح؟ فإذا وجد الشرط الأول وجد الشرط الثاني، أنه اقتطع نصا من القرآن ولم يشير في أثناء اقتطاعه أنه أخذ من القرآن، بحيث الإنسان الجاهل بالقرآن لا يستطيع أن يعرف وجود هذا الاقتطاع. صحيح؟ تمام.
فهذا مثال الاقتباس أحبتي، وهذا كثير في النثر وفي الشعر، والحريري في مقاماته أكثر من هذا النوع من الاقتباس، لكن هناك شرط ثالث ربما لم يشر إليه الشيخ محمد النصيف، وأشار إليه القزويني وغيره من شروط الاقتباس. الشرط الأول قلنا: أن يكون من القرآن والسنة. الشرط الثاني: بأن لا يشير إلى الاقتباس والاقتطاع أنه من القرآن أو من السنة. الشرط الثالث يقولون: يشترط إذا اقتطع من القرآن أو من السنة حتى يسمى اقتباسا، ألا يغير في ترتيب الكلمات، ألا يغير في ترتيب الكلمات، وتساهلوا وتسامحوا في التغيير اليسير الذي يكون لمصلحة الوزن الشعري.
قالوا الآن: بواد غير ذي زرع، هل تلاعب الشاعر بترتيب الكلمات على ما كانت عليه في القرآن وإلا أتى بها على ما هي عليه؟ أتى بها على ما هي عليه في القرآن، لم يتلاعب بترتيبها ولم يجد كلمات أو أحرف بينها، صح؟ فيقولون: الشرط الثالث من شروط الاقتباس أن المقتبس لا يتلاعب بالنص بعد اقتطاعه بل يورده كما هو، يورده كما هو، وتسامحوا في التغيير اليسير فقط إذا كان لمصلحة الوزن الشعري، واما إذا لم يكن هناك مصلحة لوزن شعري لا يجوز أن تغير النص المقتبس.
فهذا شرط ثالث أضيفوه عندكم من شروط الاقتباس، هو عدم جواز التغيير في الاقتطاع، بل تورد النص كما هو، ويتسامح كما قلنا في التغييرات اليسيرة من أجل المحافظة على الوزن الشعري على ما هو عليه. إذا هذه فكرة الاقتباس، لا أريد أن أزيد أكثر من ذلك في تأصيلها: الاقتباس أن يضمن المتكلم كلامه شيئا من القرآن أو من السنة على وجه لا يشعر أنه منهما، على وجه لا يشعر بأنه منهما، أو قل: على وجه لا يشعر بالاقتطاع، جميل.
وعرفنا أن شروط الاقتباس ثلاثة في التحقيق: أولا: الاقتباس حتى يسمى اقتباسا ينبغي أن يكون الاقتطاع من القرآن أو من السنة. ثانيا: أن يكون على وجه لا يشعر بأنه منهما. ثالثا: أن يقتطع النص كما هو من دون زيادة عليه أو نقصان، ويتسامح في الوزن الشعري أن يزاد يسيرا. واضح؟ وأخذنا مثالا عليه.
الآن دعوني أحبتي أتكلم بشكل عام عن قضية ما هو الحكم الشرعي في الاقتباس؟ الحكم الشرعي. ويا شيخ، في خلاف في جواز الاقتباس؟ نعم، في الحقيقة هذا الموضوع لأنه يمس القرآن والسنة، وقع خلاف بين العلماء في جوازه، لأن بعض الناس للاسف توظف موضوع الاقتباس في أماكن اللهو والمزاح واللعب، يأتي يكون في مقام مزاح أو لعب يقتطع من القرآن أو من السنة نصا ويتكلم به لهوا ولعبا.
وهذا للاسف أحبتي منتشر في واقعنا كثيرا، حتى عند بعض المتدينين والملتزمين على وجه السهو أو الخطأ، جهلا منه يكون يمزح مع صاحبه، يقول مثلا: سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، يريدها غيره في مقام المزح، صح؟ عنها آية قرآنية، ما يعني حتى سلام على إبراهيم قد تقبل عند بعض العلماء إذا كان يقصد السلام، آه، لكن أحيانا في بعض الأماكن تورد اقتطاعات من القرآن أو من السنة على وجه الهزل للأسف، على وجه اللعب، على وجه التسلية، وهذا أوصله بعض العلماء، لمن تقصده وتعمده أوصله بعض العلماء إلى الكفر والعياذ بالله.
أنك تقتطع نصا من القرآن أو من السنة وفي مقام مزح أو لعب من أجل أن تلهو، هذا تلاعب بآيات الله وبأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، لباس موضوعه خطير لأنه يمس القرآن والسنة، اقتطاع من الكتاب أو من السنة وتوظيفه في كلام آخر. فاختلف العلماء قديما وحديثا في حكم الاقتباس، وقد ذكر السيوطي رحمة الله عليه في عقود الجمان أبيات لخص فيها الخلاف الدائر في هذا الموضوع، فقال في عقود الجمان وهي ألفية نظم بها القزويني تلخيص المفتاح، نظم فيها السيوطي تلخيص المفتاح للقزويني، يقول السيوطي رحمة الله عليه: قلت وأما حكمه في الشرع.
فمالك مشدد في المنع؟ أي الإامم مالك يحرم الاقتباس. يعني هذا الذي نسميه اقتباسا منعه الإمام مالك مطلقا، حتى يا شيخ في مقام الخير وفي مقام الوعظ قالوا مانعه الإمام مالك على العموم. لا يجوز الاقتباس خوفا وسدا للذريعة، والإمام مالك هو إمام سد الذرائع، يهتم جدا بهذا الموضوع سدا للذريعة حتى لا يتسلق بعض الماجنين ليوظف الآيات في غير مكانها ويوظف الأحاديث في غير مكانها.
خنق الإمام مالك هذا الباب مطلقا، قال: لا يجوز الاقتباس على وجه العموم حتى في الرقائق والزهد والوعظ. لا يجوز الاقتباس. طب ماذا أفعل؟ تنسب، تقول: قال الله تعالى كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وكذا. تبين أن هذا النص قرآني أو نص من السنة حتى يبجل ويوقر ويحترم ولا تورده في كلامك على وجه لا يشعر بأنه منهما.
فالاقتباس، ركزوا، الإمام مالك حرم الاقتباس بالمعنى الذي ذكرناه هنا، أن توجد نصا من القرآن أو من السنة من دون أن يشير إلى أنه منهما. إذا نعيد أبيات السيوطي، قال السيوطي رحمه الله: قلت وأما حكمه في الشرع فمالك مشدد في المنع، وليس فيه عندنا صراحة، أي عند الشافعية، يقول السيوطي: لا يوجد تصريح واضح من الأصحاب في تحريم الاقتباس، لكن هناك نصوص للبعض سيذكرها الآن.
قال: وليس فيه عندنا صراحة، أن يحيى النووي أباحه، أي الإمام النووي أباحه. أين أباحه؟ قال في النثر وعظا دون نظم مطلقا. أباحه الإمام النووي في النثر وليس في النظم. وهل أباحه في النثر مطلقا؟ لا، أباحه في النثر، والمراد منه بعض النثر. فيجوز الاقتباس عند النووي في النثر في مقام الوعظ فقط.
قال: في النثر وعظا دون نظم مطلقا، والشرف المقري فيه حقق. الإمام الشرف المقري من الشافعية حقق ايش؟ جوازه في الزهد والوعظ وفي مدح النبي ولو بنظم فاكتفي. الشرف المقري قال: يجوز الاقتباس في النثر وفي النظم بهذه الأبواب؛ أبواب تزهيد الناس وفي وعظهم وفي مدائح النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز قطعا في باب المجون واللهو.
إذا والشرف المقري حقق جوازه في الزهد والوعظ وفي مدح النبي ولو بنظم فاكتفي، وتاجنا السبكي جوازه نصر إذ التميمي الجليل قد شعر. الإمام تاج الدين السبكي جوزه، قال: وقد رايت الرافعي استعمله وغيره من صلحاء كملة. يقول السيوطي: وقد رأيت الإمام الرافعي، وهو من كبار أئمة الشافعية، استعمل الاقتباس وغيره من الصلحاء الأكملين.
فكان السيوطي رحمة الله عليه يتجه إلى جواز الاقتباس، إلى جواز الاقتباس، هذا الذي يجنح إليه، لكن في أماكن الوعظ والأدب وليس في أماكن المجون واللهو واللعب. فالاقتباس في أماكن اللهو والمجون واللعب حرام بإجماع الأمة، حرام بإجماع الأمة وقد يوصل صاحبه إلى الكفر؛ لأنه نوع من الاستهانة بالنص القرآني أو بالسنة.
وأما فيما سوى اللعب والمجون، هناك خلاف نقصه سريعا، قلت: وأما حكمه في الشرع فمالك مشدد في المنع، وليس فيه عندنا صراحة، لكن يحيى النووي أباحه في النثر وعظا دون نظم مطلقا، والشرف المقري فيه حققا جوازه في الزهد والوعظ وفي مدح النبي ولو بنظم فاكتفي، وتاج نسبكي جوازه نصر إذ التميمي الجليل قد شعر، وقد رأيت الرافعي استعمله وغيره من صلحاء كملة.
إذا هناك خلاف بين الأئمة في جواز الاقتباس بغير المجون واللهو واللعب، وأما في اللهو والمجون واللعب فهو حرام بالاتفاق. لذلك قال العلماء: لا يجوز بشكل عام، وهذا رأي أكثر العلماء، لا يجوز للإنسان أن يستخدم آيات القرآن في كلامه العام مع الناس، إنسان يسلم عليك تقول: السلام على إبراهيم، اه، إنسان شيء عن الأرض تعطيه آية في الموضوع على وجه الاقتباس، إنسان نام أو جلس أو أكل أو ما شابه ذلك تخاطبه بكلام من القرآن ولا تشعر بأنه من القرآن.
هذا النوع، وهو الاقتباس، لا يجوز في كلام الناس العام، وقد رأيتم الخلاف الدائر بين الأئمة في موضوعه فاحترسوا منه. يعني كما قلت: رأيت كثيرا من المتدينين يستخدمونه للأسف أحيانا في أماكن المزاح واللعب جهلا منه، فاحترسوا حتى لا تخطئوا في هذا الميدان، هذا فيما يتعلق بموضوع الاقتباس.
طب نذهب إلى الموضوع الثاني، موضوع التضمين. ما هو التضمين؟ طبعا قال الشيخ محمد الناصري: اذهب إلى التضمين. قال الشيخ: وتظهر بلاغة الاقتباس في أمور؛ منها: إظهار قدرة الشاعر وحسن الاقتباس من القرآن والسنة، زيادة قوة الكلام بتضمينه أبلغ الكلام، يعني أنت تزيد كلامك قوة حين تضمنه أبلغ الكلام؛ كلام الله سبحانه وتعالى وكلام نبيه، عنصر مفاجأة؛ لأن السامع قد اعتاد على سماع الآية أو الحديث المقتبسين في سياق ما وهو الآن يسمعها في سياق آخر.
تمام، نذهب الآن إلى الموضوع الثاني، وهو التضمين، ما هو التضمين؟ طب مين انتبهوا عليه؟ التضمين قالوا: أن يضمن الشاعر ها أن يضمن الشاعر، إذا التضمين متعلق بالشعر فقط وليس له علاقة بالنثر، قالوا: أن يضمن الشاعر شيئا من شعر غيره مع التنبيه على أنه للغير إن لم يشتهر عند البلغاء.
انتبهوا الآن أحبتي معي، إذا هنا يقف على السبورة حتى أنبه على الفرق بين التضمين وبين السرقة الشعرية؛ لأنها قد تختلط على بعض الطلبة الآن، ما هو الفرق بين التضمين وبين السرقة الشعرية؟ التضمين جائز بالاتفاق وهو من المحسنات الجميلة في الشعر.
جيد، طب التضمين قالوا: أن يضمن الشاعر أبياته، أبياته شعرا، أن يضمن الشاعر أبياته ايش؟ يضمنها شعرا من شعر غيره، مع نسبته إلى قائله إن لم يكن مشتهرا بين البلغاء. فأنا كشاعر حتى الفرق بين لاحظوا بين السرقات وبين التضمين واضحة الصورة الآن هنا تمام.
فنقول: أنا آتي أنا كشاعر متأخر آخذ بعض الأبيات أو بيت واحد أو أكثر من بيت، المهم آخذ أبيات من أبيات شاعر سابق وأضمنها في قصيدتي. أنا شاعر لاحق أخذت بيت أو أبيات من شاعر سابق وضمنتها في قصيدتي، لكنني أنبه على أن هذه الأبيات ليست لي، بل أخذتها من كلام غيري حتى لا يحتسب ذلك سرقة علي. فإذا ما بينت أن هذه ليست لي وإنما أخذت من شعر غيري فهذا يسمى تضمين.
طيب، إذا ما نبهت، إذا ما نبهت، أخذت أبيات من كلام غيري وضمنت ذلك في شعري ولم أنبه على أن هذه الأبيات ليست لي، هل هذا مباشرة يعد سرقة؟ قال العلماء: لا، ننتظر، إذا كان البيت الذي أخذته من كلام غيري مشهورا عند البلغاء أنه للفرزدق أو للأخطل ولا يجهل ذلك أحد من البلغاء، انسى عوام الناس، العبرة بالبلغاء، ولا يجهل ذلك البلغاء، فهذا أيضا يعتبر تضمينا.
لذلك قلنا: مع نسبته إلى غيره إن لم يكن مشتهرا بين البلغاء. قالوا: إذا كان البيت مشهور عند البلغاء أنه من أبيات الفرزدق أو الأخطل أو امرئ القيس أو طرفة أو ما شابه ذلك، فحتى لو ضمنته في قصيدتي من دون أن أشار إلى قائله لا يعد ذلك سرقة؛ لأن شهرته تغني عن نسبته. هذه القاعدة: لأن شهرته تغني عن نسبته.
إذا فالتضمين أحبتي باختصار: أن يأتي الشاعر اللاحق يضمن قصيدته بيتا أو أبياتا من كلام شاعر سابق، ويشير إلى أن هذه الأبيات ليست له بل لغيره إن لم يكن هذا البيت مشهورا عند البلغاء. أما إذا كان البيت مشهورا عند البلغاء فلا داعي لأن يشير إلى اقتطاعه وإلى اقتباسه وإلى تضمينه، لا داعي أن يشير إلى اقتطاعه وتضمينه، غلط نحكي اقتباسه؛ لأنه الاقتباس ما له علاقة بهذا الموضوع.
فإذا كان البيت مشهورا لا داعي لأن يشير كما قلنا إلى اقتطاعه وتضمينه؛ لأن شهرته تغني عن نسبته. طب، ومنه قول الشاعر: انظروا كيف الآن صورة التضمين، قالوا: ومنه قول الشاعر: إذا ضاق صدري وخفت العدا، تمثلت بيتا بحالي يليق، فبالله نبلغ ما نرتجي، وبالله ندفع ما لا نطيق.
هذا ذكره الشيخ محمد النصيف عندكم: إذا ضاق صدري وخفت العدا، لاحظوا ايش قال حتى تعرفوا كيف التضمين؟ الشاعر اللاحق يشير إلى أن هذا البيت ليس، هذا البيت ليس لي. انظروا لما قال: تمثلت بيتا بحالي يليق. قوله في الشطر الثاني: تمثلت بيتا بحالي يليق.
هذه إشارة واضحة من هذا الشاعر أن هذا البيت الذي سيذكره الآن هذا البيت ليس له، بل أخذه من شاعر سابق. هل يشترط أن ينص من هو الشاعر؟ لا يشترط. المهم أن ينبه أن هذا البيت ليس له، وإنما أخذه من شاعر سابق بأي عبارة تشير إلى ذلك. فحينما قال: إذا ضاق صدري وفت العدا تمثلت بحالي يليق، قوله: تمثلت بيتا، ها هذه العبارة "تمثلت بيتا" تدل على ماذا؟ على أن هذا البيت الذي سيأتي به وسيتكلم به ليس من كلامه، وإنما من كلام غيره، وبالتالي فهو بريء من السرقة الشعرية.
جاءنا صاحب العرب تمام، فنقول إذا أحبتي اه فقال بعد ذلك: فبالله نبلغ ما نرتجي ندفع ما لا نطيق. هذا البيت ليس من كلامه، وهو نبه على ذلك أن هذا البيت ليس من كلامه، وإنما أخذه من كلام غيره لأنه يليق بحاله. فهذا يسمى تضمينا، ولا يسمى سرقة؛ لأنه ذكر بشكل واضح وصريح أن هذا البيت ليس من كلامه وإنما من كلام غيره.
هذه هي فكرة التضمين، قال: وتظهر بلاغة التضمين خاصة إذا كان الشعر المضمن مشهورا بحيث لا تحتاج إلى نسبته أصالة. قال اه فيما تظهر فيه بلاغة الاقتباس من قضية أنك إظهار قدرة الشاعر على أن يأخذ من كلام غيره ويوظفه في كلامه، إظهار قدرة الشاعر على الأخذ من الكلام البليغ المرتفع وهذا يزيد من قوة كلامه، وإظهار عنصر المفاجأة. لما تأتي أنت لبيت مشهور أنه في معلقة امرئ القيس وأنت تورده في قصيدتك، وأنت تورده في قصيدتك، هذا أيضا قد يعمل لك أو يصنع عنصر مفاجأة لدى السامع.
إذا هذا التضمين انتهينا منه، طيب ننتقل إلى التلميح، المصطلح الثالث. عرفنا الاقتباس، عرفنا التضمين، التلميح. التلميح فكرته ببساطة أن الشاعر يشير في قصيدته أو الناثر يشير في نثره بكلمة أو كلمتين إلى قصة أو إلى مثل أو إلى حادثة أو إلى بيت شعري آخر، فهو باختصار أسلوب الترميز، لذلك سميت تلميحا، استخدم أسلوب الترميز والذي يسمى تلميحا. أن أذكر أنا كناثر في نثري أو كشاعر في شعري كلمة أو كلمتين أشير بهما إلى قصة طويلة، فأنا من خلال هذا الرمز من خلال هاتين الكلمتين أشرت إلى موضوع طويل، إلى قصة طويلة، أو إلى مثل اه أو إلى بيت شعري آخر، تمام.
بدل أن أذكر كل القصة في مقامي أو أذكر كل المثل أو أذكر كل البيت أو القصيدة التي أريد أن ألمح إليها، أذكر رمز أو كلمة أو كلمتين، أنت من خلالك سامع اه تعرف أني لمحت بهذه الكلمة إلى تلك القصة، أو بهذه الكلمة إلى ذاك المثل، أو بهذا التعبير إلى تلك القصيدة، تمام. فهذه فكرة بسيطة وواضحة أظنها فكرة التلميح: إشارة المتكلم إلى قصة أو إلى شعر أو غيرهما، كما قلنا مثل اه موعظة أو ما شابه، وذلك من كلام السابقين.
قال: من غير ذكر المشار إليه. إشارة المتكلم، سواء كان ناثرا أو شاعرا، فالتلميح يأتي في النثر وفي الشعر. وهنا أحبتي أريدكم أن تركزوا في بعض المصطلحات لا تتعلق بالشعر، بعض المصطلحات تتعلق بالنثر، فمثلا التضمين يتعلق بايش؟ بالشعر فقط ليس في النثر. السجع الذي درسناه في المحسنات البديعية يتعلق بالنثر فقط، وهناك بعض المصطلحات مشتركة بين الشعر والنثر، فنحتاج إلى طالب يكون ملما تماما أن المصطلحات المشتركة والمصطلحات المنفردة.
المهم التلميح قالوا: إشارة المتكلم إلى قصة أو شعر أو غيرها من غير ذكر المشار إليه. أي من دون أن يفصل في هذا، أشار إليه. أنا أشرت إلى قصة من دون ما أذكر القصة حتى لا يطول المقام، أشرت إلى قصيدة وإلى مثل من دون أذكرها حتى لا يطول الكلام، خاصة أنا في الأبيات الشعرية أنت تحتاج للمحافظة على وزن أو على قصر الشعر أو على ما شابه ذلك، ما عندك سعة أنك تذكر كل القصة وكل الواقعة وكل المثل، تلمح عنها ماذا؟ بكلمة أو بكلمتين. كيف يا شيخ؟ انظر.
قال منه قول أبي تمام، قال: ويقع في الشعر والنثر. هل يضع تحتها خط؟ مثال التلميح قال ومنه قول أبي تمام: فوالله ما أدري، هذا مصرع أن يأتي ويذهب. إن شاء الله أن هذه الأمور اقتربت من النهاية ولكن دعاؤكم نهاية هذه السيارات. قال: فوالله ما أدري أحلام نائم ألمت بنا أم كان في الركب قال أبو تمام: فوالله ما أدري أأحلام نائم ألمت بنا أم كان في الركب يوشع.
كلمة يوشع تاريخيا تلمح إلى قصة يوشع، وهو نبي من أنبياء بني إسرائيل كما تروي لنا الكتب، ترمي إلى كتب التاريخ أن يوشع هو النبي الذي اه طلب من الله سبحانه وتعالى أن يمنع الشمس من الغروب وأن يحبسها عن الغروب حتى فصار إلى بيت المقدس، قصة حديث طويل أن الشمس لم تحبس على بشر إلا ليوشع ليالي سارة إلى بيت المقدس، فقيل يوشع هو النبي الذي حبست له الشمس ولم تغرب حتى استطاع أن يسير إلى بيت المقدس.
فأبو تمام وربما يعني يحتاج إلى الوقوف على كل أجواء القصيدة التي اه أوتي أو اقتطع منها هذا البيت حتى نفهم ماذا يريد أبو تمام اه بالضبط؛ لأن هنا بالحقيقة اخذ البيت الشيخ محمد النصيف ولم يشر إلى موضوع القصيدة، إيش كانت موضوع قصيدة أبي تمام؟ لكننا نريد الفكرة العامة، أن أبا تمام لما فقال: فوالله ما أدري أأحلام نائم ألمت بنا أم كان في الركب يوشع، كلمة يوشع أشار بها أبو تمام إلى قصة يوشع مشهورة تاريخيا في حبس الشمس له أياما حتى استطاع أن يسير إلى بيت المقدس.
الآن لاحظ هذا التلميح من خلال كلمة يوشع، رمز أبو تمام إلى قصة طويلة، قصة يوشع عليه السلام مع الشمس، هل اضطر أن نذكر كل القصة في الأبيات؟ لا، فقط بكلمة واحدة: أم كان في الركب يوشع، انتهى. كلمة يوشع عرفنا منها كإنسان مثقف، أنت لديك إطلاع في كتب التاريخ، تعرف ما الذي أراد أبو تمام أن يوصله إليك، اه أنه يوشع، النبي الذي منعت له الشمس أياما من الغروب حتى استطاع أن يسير إلى بيت المقدس، وبعد ذلك تأخذ هذه القصة وتنظر إيش موقعها من قصيدة أبي تمام التي أوردها الشيخ محمد النصيف.
طيب، ناخذ مثالا قد يكون أوضح: قول الحريري في مقاماته الحريرية قال: فبت بليلة نابغية وأحزان يعقوبية. لاحظوا كيف التلميح، يصف ليلته التي باتها الحريري، يقول: فبت بليلة نابغية، كلمة نابغية وصف لليلة صح؟ ليلة نابغية. كلمة نابغية تلميح إلى بيت ورد في قصيدة النابغة الذبياني يصف فيه ليلة نكدة من ليالي حياته، فالحريري بفهمه أراد ما يعني لا لا يوجد عنده سعة أن يذكر البيت الذي أورده النابغة الذبياني، فاشار بكلمة واحدة إلى ذلك البيت. لمح، رمز بكلمة واحدة إلى ذلك البيت، حين قال: فبت بليلة نابغية.
الليلة النابغية هي الليلة التي وصفها النابغة في قصيدته حين قال: وبت كأنما ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السم ناقع. يعني بت في ليلة كأنه حية خرجت ولدغتني بسم ناقع يموت صاحبها، تصور أنت فلانة وهذه الليلة بتخرج لك حية وهذه الحية تلدغك بسم قاتل، تكون ليلة كئيبة صحيح؟ قدروا صعوبة هذه الليلة.
فيقول الحريري في آآ في مقاماته يقول: بت بليلة نابغية، يعني ليلة تشبه ليلة النابغة. ايش قصده بليلة النابغة؟ اه هذه هذه الكلمة ليلة نابغية أشار بها إلى هذا البيت المعروف المشهور عن النابغة الذبياني في وصف ليلته النكيدة. قال: وأحزان يعقوبية. قيد حالك بدك تدركها، أحزان يعقوبية، إيش اقصد بيعقوبية؟ إذا يعقوب عليه السلام لما فقد ابنه، هل كان هناك حزن أشد من حزن يعقوب من فقده لابنه؟ كان حزنا شديدا صح؟ فلما قال: وأحزان يعقوبية أراد أن يصف لك شدة حزنه.
فبدل من أن نقول وبت بأحزان تشبه أحزان يعقوب على فقده لابنه يوسف، بده يذكر قصة. وما في عنده سعة كتير الحريري أنه يبسط الكلام، فبكلمة وحدة أشار لها هاي القصة. قالوا: أحزان يعقوبية.
فهذا هو فن التلميح، أنك أنت كمتكلم شاعر أو ناثر تأتي بكلمة أو بكلمتين ترمم بهما إلى قصة أو إلى شعر سابق أو إلى مثل أو ما شابه ذلك، فهذا هو التلميح.
قال: وتظهر بلاغة التلميح في أمور؛ منها اختبار ثقافة السامع، هادي قضية مهمة؛ أنه التلميح لن يستطيع فهمه إلا سامع مثقف عنده قراءة وعنده معرفة بالتاريخ العربية القديمة وبأيام العرب، هو الذي يستطيع أن يفك التلميحات الواردة في كلام الشعراء.
ثانيا: إثارة ذكرياته وهو مخزون هو في نفسه بأوجز عبارة. يعني إثارة الذكريات أو السجود بعبارة موجزة مختصرة. انتهينا من التلميح.
انتهينا من الاقتباس، من التضليل، من التلميح، طيب، بقي علينا الحل والعقد، وهذان مصطلحان متقابلان. الحل مصطلح يقابل العقد. ما هو الحل؟ قالوا الحل اسمه حل، كأنه هناك شيء مربوط أنت تحله بتفكه، صح؟
قالوا الحل أن يأتي إلى النظم فيحوله إلى نثر، هذا من فنون العرب ومن الفنون البلاغية؛ أن يأتي الشاعر أو المتكلم عموماً -لا أقول الشاعر- أن يأتي المتكلم عموماً إلى منظومة، إلى نظم، فيحله ويحوله إلى نثر.
وهذي تحتاج إلى قدرة عالية، تحتاج إلى قدرة عالية، إلى لغة عالية جداً، إلى مصطلحات وثروة لغوية تعينك على تحويل هذه الأبيات إلى كلام مرصوف على على طريقة النثر، فهذا يسمى فن الحل.
وهم يقولون: لا يكون الإنسان أديباً حتى يعرف الحل والعقد. يعني إذا اردت أن تعرف إيش مقدرتك الأدبية وثروتك اللغوية، خذ أبيات من قصيدة وحاول أن تحلها في كلام منثور، انظر هل تستطيع أن تأتي بكلام رصين متزن منثور يوازي الأبيات التي فككتها؟
فإذاً الحل هو جعل النظم نثراً، كقول بعضهم: فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده، ويصدق توهمه الذي يعتاده. قالوا: هذه الفقرة التي ذكرها صاحب التلخيص، يعني هذه الفقرة ذكرها القزويني في تلخيص المفتاح، هل فقرة هي حل لبيت ذكره المتنبي، وهو قول المتنبي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم. لأن المتنبي إيش قال؟ قال: إذا ساء فعل المرء -إذا أصبح الرجل سيئاً في أفعاله- ساءت ظنونه.
ساءت ظنونه في الآخرين لأنه هو إنسان سيء فيسيء الظن في الآخرين، وصدق الأوهام التي تدور في خاطره حولهم: وصدق ما يعتاده من توهم. إذاً هذا البيت للمتنبي حوله بعض الناس إلى نثر.
وذكره القزويني في التلخيص، كيف نثره؟ أنظروا: فإنه لما قبحت فعلاته وحنظلت نخلاته، لم يزل سوء الظن يقتاده. اه، نفس الفكرة أن هذا الإنسان لما قبحت أفعاله لم يزل سوء الظن يقتاده، سوء الظن هو الذي يأخذ بخطامه وبزمامه.
قال: ويصدق توهمه الذي يعتاده، ويصدق الأوهام التي تدور بفكره حول الناس حول الأناس الآخرين، فهذا المعنى المنثور هو نفس معنى كلام المتنبي.
جاء هذا الناثر، أتى إلى بيت المتنبي حوله إلى كلام منثور بلغة عالية راقية ومن دون حشو وإطالة كلام، فهذا يسمى فن الحل؛ أن تأتي إلى كلام منضوم فتحوله إلى كلام منثور بشكل لائق وبلغة أدبية عالية من دون إطالة كبيرة.
لانه إذا أنا ساحل البيت في خمسة أطر ستة أطر معناها أنا ما بعرف احل. الحل يكون بكلام مختصر على قدر البيت بالضبط من دون زيادة.
يقابل الحل، ها يقابل الحل العقد. إذا كان الحل تحويل النظم إلى نثر، إيش بده يكون العقد؟ العقد بالعكس، تحويل النثر إلى نظم.
العقد هو تحويل النثر إلى نظم. يعني آتي بكلام نثري، كلام نثري. طب شيخ القرآن والسنة من النثر؟ اه، من النثر، صح؟ القرآن والسنة من النثر. طب اه، إذا هيك يا شيخ الموضوع العقد رح يختلط عندنا بموضوع الاقتباس، صح؟
طيب الآن سافرق لكم بين الاقتباس وبين العقد. لكن خلونا نفهم ايش هو العقد. العقد قالوا: جعل النثر نظماً. آتي بكلام منثور أحوله إلى كلام منضوم. الله أكبر الله أكبر.
اه نعود أحبتي بعد الأذان والصلاة لنكمل ما شرعنا فيه. نحن وصلنا إلى المصطلح الخامس والأخير، وهو العقد. وقلنا: العقد هو أن تحول النظم، عفواً، أن تحول النثر إلى أن تحول النثر إلى نظم. عندك كلام منثور أعجبك فأنت تحاول أن تحوله إلى نظم ليسهل حفظه، ليصبح أجمل، لأي مقصد من هذه المقاصد.
فهنا أحبتي أنا سأقسم النثر الذي يتم تحويله إلى نظم إلى قسمين، تمام؟ إذاً نقول: العقد هو تحويل النثر، يبقى مضبوط، تمام.
لاحظ ماذا سافعل: أقول النثر على قسمين؛ أن يكون هذا الكلام المنثور الذي تريد أن تحوله إلى منظوم أن يكون غير الكتاب والسنة، غير الكتاب والسنة، أي كلام نثري غير الكتاب والسنة من كلام العرب الاقدمين، من كلام الحكماء، من كلام الفلاسفة، من كلام علماء الزهد والوعظ.
أي كلام نثري غير الكتاب والسنة تريد أن تحوله إلى نظم، فهذا لا يوجد فيه أي شرط، لا يوجد فيه شروط، يوجد فيه قيود تأتي لهذا الكلام المنثور مهما عندك من قدرة أو بقدر طاقتك الإبداعية، بقدر دربتك على النظم نقول لك: حول هذا النثر إلى نظم.
لكن إذا كان النثر الذي نريد أن نحوله إلى نظم هو نص قرآني أو حديث نبوي، ها! إذا كان النثر الذي نريد أن نحوله إلى نظم عبارة عن نص قرآني أو حديث نبوي، هنا علينا أن نحترس حتى نفرق بين العقد، عفواً، وبين الاقتباس.
احنا قلنا ايش الاقتباس؟ أن يضمن الناثر أو الشاعر -هذا الذي يهمنا الشاعر- نظمه نصاً من القرآن أو من السنة على وجه لا يشعر بأنه منهما، صح؟ هذان القيدان مهمان؛ أن يأخذ ويقتطع من الكتاب أو من السنة فيدخله في شعره، صح؟ فيدخله في شعره.
فإذاً هو لما يأخذ من الكتاب أو من السنة يدخله في شعره. وإذا سيحول النثر، ما هو الكتاب والسنة؟ أليست نثراً، نثراً؟ لما احنا نقول في الاقتباس أننا سنأخذ من الكتاب أو من السنة وندخله في الشعر، معناه احنا الآن نقوم بعملية عقد فعلياً في الاقتباس.
اه، لكننا لاحظوا ايش شرط الاقتباس؟ أنك حين تأخذ من القرآن أو من السنة وتدخله في شعرك يكون هذا الاقتطاع أو التضمين لا على وجه يشعر بأنه منهما، تأخذه بصيغة احترافية لا تشعر السامع بأنه منهما. فلو كان السامع كما قلنا لا جرايد عنده بالنص القرآني وبسنة ما بعرف أنه هذا مأخوذ من السنة.
فالآن أحبتي إذا كان الاقتطاع من القرآن أو من السنة على طريقة الاقتباس، يعني على وجه لا يشعر بأنه منهما وأدخلناه في النظم أو في الشعر، فهذا لا يسمى عقداً، خلاص يسمى اقتباساً.
إذا أدخلناه في الشعر، ها، إذا حولت نص قرآني أو حديث نبوي إلى نظم على طريقة الاقتباس، إيش يعني على طريقة الاقتباس؟ يعني على وجه لا يشعر بأنه منهما. احفظوها، حولت نص قرآني أو سنة، أخذت اقتطعت منهما وأدخلتهما في نظمي على وجه لا يشعر بأنه منهما، هذه عملية تحويل، هاي عملية التحويل لا تسمى عقداً.
ولا يا شيخ متى يسمى تحويل النص القرآني أو الحديث النبوي إلى نظم عقداً؟ قالوا: إذا كان على غير طريقة الاقتباس، إذا كان على غير طريقة الاقتباس. كيف يعني على غير طريقة الاقتباس إذاً؟ كيف سيكون؟
إذا كان الإنسان العاقد الذي سيحول النثر القرآني أو النبوي إلى نظم، إذا كان أشار في نظمه إلى أن هذا المقطع مأخوذ من القرآن، أو أنه هذا المقطع مأخوذ من حديث نبوي، أشار فقال مثلاً: قال الله تعالى، أو قال قال النبي عليه السلام كذا وكذا.
ها، إذاً أخذ نصاً من القرآن أو من السنة أقحمه في شعره تمام، ولكنه أشار إلى أنه كلام الله أو كلام النبي عليه الصلاة والسلام، ففي هذه الحالة يسمى تحويل النص القرآني أو الحديث النبوي إلى نظم عقداً. فهمنا؟ إذاً قضية تحويل النص القرآني أو الحديث النبوي إلى نظم.
هناك حالة تسمى اقتباس، وهناك حالة تسمى عقد، بدنا نفرق بينهم، بيهمني أفصل في هاي الجزئية حتى نفهمها. متى نسمي تحويل إذا كان النثر نص قرآني وحديث نبوي، وحولته أنا إلى نظم؟ هناك حالة تكون اقتباس، وهناك حالة تكون عقد. متى يكون اقتباس ومتى يكون عقد؟
إذا وجد شرط الاقتباس بكون اقتباس، إذا فقدنا شرط الاقتباس بكون عقد. طب إيش شرط الاقتباس؟ قلنا الاقتباس أن يكون تحويل النص القرآني أو الحديث النبوي يا نظم، أو إدخاله في النظم من دون أن يشير الناظم إلى أن هذا النص مأخوذ من القرآن ومن السنة. فأنت كسامع لا تعرف أنه من القرآن ومن السنة لولا معرفتك السابقة بهما، هذا يسمى اقتباساً حينئذ.
متى نسميه عقداً؟ إذا أنا كشاعر أتيت بنص قرآني أو حديث نبوي وأدخلته في شعري ولكنني نسبته إلى قائله، فقلت قال الله أو قال رسول الله. في هذه الحالة يسمى هذا عقداً لأنه ما وجد فيه شرط الاقتباس. لذلك انظروا تعريف الشيخ محمد النصيف للعقد، إيش كان قال الشيخ محمد الناصي في تعريفه للعقد؟ قال هو جعل النثر نظماً لا على طريق الاقتباس، هيك عرفوه.
أن تحول النثر إلى نظم لا على طريق الاقتباس. الآن كلمة لا على طريق الاقتباس لا أحتاج في التعريف في حال تكون من نثر ليس من الكتاب والسنة؛ لأنه ما راح يشتبه بالاقتباس. لكن متى بنحتاج كلمة لا على طريقة الاقتباس في تعريف العقد؟ إذا كان النثر من القرآن والسنة، نحتاج إلى هذه الزيادة في تعريف العقد أن نقول لا على طريقة الاقتباس حتى نفرق بين العقد وبين الاقتباس.
انظروا الآن في المثال الذي بين أيدينا لنفهم أكثر وأكثر. أحد الشعراء يخاطب شخصاً استقرض منه مالاً، هناك شخص جاء على شاعر فطلب من هذا الشاعر مالاً فأقرضه هذا الشاعر مالاً، وطلب الشاعر توثيق هذا العقد بينهما في وثيقة خطية تمام. صرنا يا شيخ الآن في عقود المعاملات، نعم صرنا في عقد المعاملات. جاء رجل إلى شاعر فاستقرض منه مالاً، فالشاعر أعطاه المال وقال أريد منك وثيقة تثبت هذا العقد حتى أستطيع أن أطالبك في المستقبل، ونظم كلامه في هذه الأبيات الثلاث.
إيش قال؟ قال هذا الشاعر للشخص الذي جاء يطلب منه المال: أنلني بالذي استقرضت خطاً، يعني أنلني يعني أعطني مقابل المال الذي أقرضتك إياه، أنلني خطاً وأشهد معشراً قد شاهدوه، يعني واجلب شاهدين يشهدان على هذا العقد بيني وبينك. قال: ليه؟ انظروا كيف التضمين الآن، عفواً انظروا كيف العقد، قال: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَّاقُ الْبَرَايَا. تراه خلاقة عندكم مكتوب خلاق وليست صحيحة، خلاقة لأنها بدل من لفظ الجلالة ولفظ الجلالة اسم إن، فان الله خلاق البرايا عنت لجلال هيبته الوجوه. يقول: وَإِن تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مَّسَّمًى فَكُتُوبُوهْ.
لاحظوا بالكلام الجميل: أنلني بالذي استقرضت خطاً وأشهد معشراً قد شاهدوه. ليه؟ فان الله خلاق البرايا عنت لجلال هيبته الوجوه. يقول: وإن تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه. الآن وإن تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوها هاي مأخوذة من أي آية؟ من آية الدين صح؟ حولها هذا الشاعر إلى نظم، حولها إلى إيش؟ إلى نظم. طب اليس هذا اقتباس يا شيخ؟ نقول ليس اقتباساً، ليه هذا ليس اقتباس؟ لأن الشاعر أشار في قصيدته إلى أن هذا الكلام مأخوذ من القرآن الكريم.
لو لم يشر إلى أن هذا النص مأخوذ من القرآن الكريم لقلنا هذا اقتباس، لما قال في البيت الثاني: فان الله خلاق البرايا عنت لجلال هيبته الوجوه يقول، لما قال هيك هو قلنا هذا عقد، قلنا هذا إيش؟ عقد، لانه أشار إلى أن هذا النص مأخوذ من القرآن. لو لم يجد هذه الإشارة لقلنا هذا وليس عقداً. فالفرق بين الاقتباس والعقد فيما يتعلق بالنص القرآني أو الحديث النبوي يكمن في ماذا؟ قضية هل أشار إلى المصدر أو لم يشر إليه؟ هادي هي الفكرة وهذا هو ختام كلامنا عن هذه المصطلحات الخمس.
إذا عرفنا ما هو الالتباس، عرفنا ما هو اه التضمين، عرفنا ما هو التلميح، عرفنا ما هو الحل، وعرفنا ما هو العقد. هذه مصطلحات خمسة انتبهوا إليها جيداً. لاحظوا أن هذه العنصر المشترك بين كل هذه المصطلحات ما هو أحبتي؟ كل هذه المصطلحات تقوم على فكرة مشتركة بشكل عام هي أنك تدخل كلامك شيئاً من كلام غيرك، تدخل كلامك سواء كان نثراً أو شعراً شيئاً من كلام غيرك من القرآن أو من السنة أو من كلام شعراء سابقين إلى آخر ما ذكرناه.
فهذه الأمور الخمسة تشترك جميعها في أنك تدخل في كلامك شيئاً من كلام غيرك من أمور غيرك. وهذا عنصر اشتراك بينها وبين السرقات الشعرية، أنه أنت بالسرقات الشعرية تسرق شعراً من كلام غيرك وتدخله في كلامك. فالعنصر المشترك بين هاي المصطلحات الخمس وبين السرقات الشعرية قضية الاقتطاع من كلام الغير فقط، قضية الاقتطاع من كلام الغير.
فلو سألتك جاءتك سؤال في الاختبار: ما العنصر المشترك بين هذه المصطلحات الخمس وبين السرقات الشعرية؟ تقول إن الجميع يقوم على الأخذ من كلام الغير. الآن بعد ذلك تأتي تفاصيل وتحاليل عميقة نعم، كل باب له ميزته له فكرته له أمثلته الخاصة به. بقي علينا الموضوع الاخير الذي ختم به ابن الشحنة هذه القصيدة المباركة ويختم به علماء البلاغة المصنفات عموماً.
ماذا يقول علماء البلاغة في الختام؟ يشيرون إلى قضية مهمة وهي قضية أنه ينبغي على الشاعر أو على الناثر إذا تكلما بكلام أن يحسنا التأنق فيه، وبالتحديد أن يحسنا التألق في ثلاثة مواضع. يقول علماء البلاغة: ينبغي على الشاعر وعلى الناثر أن يحسن التأنق في الكلام عموماً يعني تزيين الكلام عموماً، ولكن في التحديد هناك ثلاثة مواضع ينبغي التأنق بها والاهتمام بها أشد الاهتمام حتى يكون الكلام مقبولاً. لماذا هذه المواضع الثلاث؟ لأنها أكثر مواضع يكون فيها السامع منتبهاً إلى كلام الشاعر أو الناثر تماماً.
إذا الموضوع الاخير في مواضيع البلاغة التأنق، طبعا ما معنى التأنق؟ التجمل والتزيين. يجب على الشاعر وعلى الناثر التأنق في الكلام عموماً، ولكن هناك ثلاثة مواضع تزداد فيها أهمية التأنق، ما هي هذه المواضع الثلاث؟ قالوا أولاً: في بداية الكلام، ثانياً: حين ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر، ثالثاً: ختام الكلام. هذه أهم مواضع يجب أن يكون الكلام فيها مؤنقا، سواء كان شعراً أو نثراً، ينبغي أن يهتم الشاعر والناثر بهذه المواطن الثلاث يحسن التعبير فيها.
لماذا؟ لأنها أكثر مواضع تجذب انتباه السامع. الآن يجذب البداية، صح؟ إذا شعر أنه البداية شيقة ممتعة رصينة تشده وتجعله يكمل معك هذا واحد. ثانياً: لما تنتقل من موضوع لموضوع أيضاً السامع بنتبه نغير الموضوع، لا بد أيضاً يكون طريقة انتقالك من موضوع إلى موضوع آخر تشد السامع حتى لا يشعر بماذا؟ بالتنافر.
ثالثاً: ختام الكلام، آخر شيء في كلامك هو آخر شيء بضل في ذهن السامع صح؟ يعني إذا خطب خطبة ووعظ الناس وذكرهم ثم كانت النهاية باردة نكدة السم، ذهبت فائدة الخطبة من عقله. لكن يقولون الختام إذا كان مركزا متقناً، الكلمة الأخيرة التي تتكلم بها هي التي تستقر في ذهن السامع كالعادة، فينبغي أن يكون الختام متقناً.
فإذا الشاعر والناثر عليه أن يهتم باتقان كلامه عموماً، وتزداد الأهمية في ثلاثة مواضع: في بداية الكلام، في وسط الكلام، وفي ختام الكلام. طيب دعونا نستريح ونتكلم على جلوس بسم الله.
قال ابن الشحنة رحمة الله عليه في البيت التاسع والتسعين والمائة قال: ومنه عقد. هذا إتمام للمصطلحات الخمس، ثم قال: والتأنق انتسل. طبعا انتسل أن الهمزة مخففة مسهلة من أجل الشعرية من أجل البيت والمحافظة على الوزن، وإلا فالأصل هي همزة قطع ولكنها كما قلنا سهلت من أجل المحافظة على الوزن. قال: ومنه والتأنق امتسل براعة استهلال انتقال حسن الختام وانتهى المقال. هكذا ختم ابن الشحنة.
قيدته حين قال: وانتهى المقال، قال: إذاً، والتأنق انتسى البراعة استهلاك انتقال حسن الختام انتهى المقال. وكلمة انتهى المقال من ابن الشحنة هي مثال على حسن الختام، ببين أنه الشحنة أن التأنق يكون في البداية وفي الوسط وفي النهاية.
طيب يا شيخ، هنا أشار إلى أن التأنق يكون في البداية لما قال براعة استهلال. طب، براعة الاستهلال هاي إيش معناها؟ الآن سيأتي معنا بإذن الله، لكن ركزوا معي في الكلام الذي قلته لكم ابتداءً، أن التأنق يجب أن يراعى في ثلاثة مواطن: في بداية الكلام، وفي الانتقال من موضوع إلى موضوع في ثنايا الكلام، وفي ختام الكلام.
تمام، آه، الآن أحبتي نبدأ في البداية. قال الشيخ أحمد النصيب: هذا هو القسم الثالث من الخاتمة، وهو مواضع التأنق في الكلام، والمقصود بها المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يجتهد في طلب أنق الكلام، يعني أجمل الكلام وأزين الكلام. قالوا: هي ثلاثة المواضع التي ينبغي أن يهتم بها أكثر وأكثر المتكلم: أولاً: الابتداء.
قال: لأنه أول ما يسمعه الإنسان، فإن كان أنيقاً أقبل على الكلام ووعاه، وإلا أعرض عنه، ولو كان الباقي في نهاية يعني إذا كانت البداية مشوهة السامع سيعرض عن كلامك حتى ولو أتيت بالدرر بعد ذلك؛ فالبداية مهمة جداً جداً في شد انتباه السامع. قالوا من أمثلته: انظروا إلى حسن التأنق كيف جاء في القرآن الكريم.
الله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن أحبتي يريد أن يعدد النعم التي أنعم بها على العباد، أليس كذلك؟ ثم بعد كل نعمة يقول: فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ. كيف كان حسن التأنق في بداية الكلام؟ ماذا قال الله في أول آية؟ قال: الرحمن. كلمة الرحمن لما تسمعها في بداية السورة تبعث في نفس السامع شعوراً بالطمأنينة والهدوء، وأن هناك إلهاً رحيماً له نعم، وله آه كرم وجود وفضل على عباده، أليس كذلك؟
فكلمة الرحمن أول ما تطرق أذن السامع تصنع أجواءً من الجمال والبهاء في صدره وقلبه، فهذا من حسن التأنق أنه بدأت السورة بكلمة الرحمن، ثم شدت انتباه السامع لمعرفة مظاهر رحمة هذا الإله. قال الشيخ محمد: ومن أمثلته قوله تعالى في أول سورة الرحمن الرحمن، فالافتتاح بهذا الاسم الكريم فيه تشويق جميع السامعين إلى الخير الذي يخبر به عنه، إذ كان المشرعون لا يألفون هذا الاسم، وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً.
فهم إذا سمعوا هذه الفاتحة، أي هذه البداية، ترقبوا ما سيسرد من الخبر عنه، والمؤمنون إذا طرق أسماعهم هذا الاسم استشرفوا لما سيلد من الخيل المناسب لوصفه هذا مما هم متشوفون إليه من آثار رحمته، وهذا الكلام كله من كلام الشيخ الطاهر بن عاشور رحمة الله عليه في التحرير والتنوير.
فهذا من حسن التألق: كيف تبدأ الكلام بماذا؟ بالمدح والثناء على الله، ثم بعد ذلك تذكر نعم الله سبحانه وتعالى. قال: وأحسن الابتداء ما اشتمل على ما يشير إلى ما سيق الكلام لأجله. والآن شرع فيما يسمى براعة الاستهلال. الآن حسن الابتداء أحبتي هذا موضوع عام يتكلم فيه البلاغيون في أكثر من محور: كيف يكون حسن الكلام؟ يقولون إن الإنسان إذا كان آه بداية كلامه حسناً ينبغي مثلاً إذا كان كلامه في سياق المدح ألا يأتي في البداية بشيء يتشائم منه، وإذا كان في سياق ذم ألا يأتي بشيء يدعو إلى البشرى.
مثلاً إذا كان الكلام عاماً في كلام الشعر العربي يقولون في الشعر العربي يستحسن أن يبدأ الشاعر كلامه بالتشبيب بالنساء والتغزل بالمحبوبة، هذا من حسن البداية عندهم كقضية حسن الابتداء تحت عدة أمور الكلام عن التشبيب والتغزل عند العرب خاصة في قصائدهم، وهذا مشهور، ما من قصيدة إلا وتبدأ بشيء من الغزل بانت سعاد فقلبي اليوم متبول، إلى آخره.
آه، فالتشبيب من فنون حسن الابتداء، كذلك موضوع آه أن يراعي الموضوع الذي يتكلم به، فإذا كان موضوع مدح ألا يبدأ بما يتشاؤم ويتطير منه، وإذا كان موضوع ذم وهجاء ألا يبدأ بما يستبشر به، هذا أيضاً من حسن الابتداء. ومن حسن الابتداء موضوع براعة الاستهلال. ما براعة الاستهلال؟ براعة الاستهلال هذا موضوع تطرقنا إليه أحبتي في أكثر من منظومة، يقصد به علماء البلاغة براعة الاستهلال: أن يأتي الشاعر أو الناثر في بداية كلامه بكلمة أو بأكثر من كلمة تشير إلى الفن الذي سيصنف فيه أو في الموضوع الذي سيدور حوله.
هذه تسمى براعة الاستهلال: أن يأتي الشاعر أو الناثر في بداية كلامه بكلمة أو بكلمتين أو بأكثر تشير إلى الفن أو الموضوع الذي سيق الكلام من أجله، فهذا أيضاً من حسن الابتداء أن تذكر كلمة أو كلمتين تشير إلى الموضوع الذي ستتكلم فيه. أما أن تبدأ ببداية لا تشير أبداً إلى الموضوع الذي ستتكلم فيه، فهذا ضعف في حسن البداية.
آه، لذلك مثلاً سورة الرحمن نفسها لو لاحظتم بما أن موضوعها بتكلم عن نعم الله سبحانه وتعالى، كانت براعة الاستهلال فيها أن الله سبحانه وتعالى بدأ بكلمة الرحمن، ما بدأ بكلمة الجبار صح؟ ما بدأ بكلمة المنتقم العزيز لأنها لا تشير إلى طبيعة الموضوع الذي ستتكلم عنه السورة. لكن لما قال الرحمن آه أشار إلى موضوع السورة بالعموم، أنه موضوع رحمة ونعم واكرام من الله سبحانه وتعالى لعبيده، فهذه تسمى براعة الاستهلال، وهي صورة من صور حسن الابتداء.
لماذا أحبتي؟ دعوني أقوم وأتحرك حتى نكتب على السبورة الآن آه أشياء جديدة. آه ظاهر كلام ابن الشحنة أنه جعل براعة الاستهلال هي نفسها التأنق في البداية، لأنه لما قال ومنه عقد والتألق امتسى البراعة استهناء، هذا الكلام يشير إلى براعة الاستهلال هي حسن البداية. وفي الحقيقة براعة الاستهلال هي صورة من صور حسن البداية وليست حسن البداية فقط حصر فيها.
فحسن الابتداء والتأنق في بداية الكلام يكون بمراعاة براعة الاستهلال أن تأتي بكلمة تشير إلى الموضوع الذي ستتكلم فيه، ويكون بالاهتمام بطبيعة الكلمات التي ستبدأ بها ويدندن حولها الموضوع؛ إذا كان موضوع مدح تأتي بكلمات خير، موضوع ذم كلمات لا تشعر بالفرح والسرور، آه مراعاة التشبيب والتغزل على طريقة العرب في قصائدهم ومعلقاتهم، فهذا كله يعتبرونه من حسن البداية. تمام؟
إذا عرفنا ما معنى براعة الاستهلال؟ وعرفنا أنها صورة من صور الحسن والتألق في ابتداء. قال الشيخ: وحسن الابتداء ما اجتمعنا على ما يشير إلى ما سيق الكلام لأجله ويسمى ذلك براعة الاستهلال، ومنه مطلع السورة المذكورة، آه أي سورة الرحمن. قال الشيخ طاهر بن عاشور رحمة الله عليه: معظم هذه السورة في تعداد النعم والآلاء، فافتتاحها ببسم الرحمن براعة استهلال. هذا كلام الشيخ الطاهر بن عاشور عليه رحمة الله في التحرير والتنوير.
قالوا من براعة الاستهلال قول الشاعر في التهنئة: بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعد. هذه براعة استهلال وأيضاً إتيان بعبارات مفرحة في كلام المراد منه المدح، يعني في براعة استهلال وفيها كلام إيجابي. عندما أنت تتكلم أمور إيجابية قد بشرى فقد أنجز الإقبال ما وعد.
السيوطي إيش قال في بداية عقود الجمان؟ قال الفقير عبد الرحمن الحمد لله على البيان، وأفضل الصلاة والسلام على النبي الأنام. انظر كيف السيوطي بضع عقود الجمل، عقود الجمل منظومة في ماذا؟ في علوم البلاغة، فاستخدم السيوطي براعة الاستهلال في بداية كلامه لما أتى بكلمة البيان: الحمد لله على البيان، البيان من مصطلحات البلاغيين، وأفضل الصلاة والسلام على النبي أفصح الأنام، أتى بكلمة الفصاحة، والفصاحة من مواضيع البلاغة.
فانظروا كيف وظف السيوطي براعة الاستهلال في بداية عقود الجمان أيضاً؟ طيب. نذهب الآن إلى المحور الثاني الذي يجب أن يحسن ويتقن الانسان فيه الكلام حينما ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر. حينما ينتقل من موضوع إلى موضوع آخر يجب أن يحسن عملية الانتقال، وعملية الانتقال من موضوع إلى موضوع في الحقيقة عند اللغويين على قسمين، أمس على السبورة حتى أتكلم عن هذا الموضوع لأن فيه تقسيماً.
موضوع الانتقال عند العرب على نوعين، هناك انتقال يسمى حسن التخلص، وهناك انتقال يسمى اقتضابا، هناك حسن التخلص وهناك الاقتضاب. حسن التخلص قالوا: أن تنتقل من موضوع وتدخل في موضوع آخر على وجه التناسق أو بطريقة مناسبة، أما الاقتضاب فهو أن تنتقل من موضوع إلى موضوع آخر من دون أن تكون هناك مناسبة، من دون أن تكون هناك إيش؟ مناسبة.
إذاً، حسن التخلص: أن تنتقل من موضوع إلى موضوع بشكل متناسب، الاقتضاب: أن تنتقل من موضوع إلى موضوع بشكل لا يراعى فيه التناسق، على شكل لا يراعى فيه التناسب. وستستغربون لو قلت لكم إن حسن التخلص يعني الانتقال من موضوع إلى موضوع مع مراعاة التناسق في عملية الانتقال، هذه طريقة المتأخرين والمولدين عموماً.
وعملية الانتقال من موضوع إلى موضوع من دون مراعاة المناسبة، هذه طريقة المتقدمين من العرب، هذه طريقة المتقدمين من العرب. والاقتضاب لا يخل بالبلاغة، انتبهوا، هذه قضية محورية، الاقتضاب لا يخل بالبلاغة. يعني إذا انتقلت من موضوع إلى موضوع آخر من دون مراعاة التناسب، هذا لا يخل بالبلاغة عند العلماء، وهذا هو الأكثر أصلاً في كلام العرب، الأكثر ولا أقول الكل.
كل كلام العرب في القدم يعتمد، أغلب كلام العرب في القدم وليس كل كلام العرب، أغلبه يعتمد على الاقتضاب، وبعضهم فعلاً كان يراعي حسن التخلص حتى لا نعطي قاعدة. فعلاً أحياناً في المعلقات أنت تجد أن هناك انتقالاً من موضوع إلى موضوع داخل المعلقة بححسن تخلص فيه تناسب. هناك انتقال من موضوع إلى موضوع مع وجود اقتضاب يعني ما في داك التناسب الواضح، فقضية الاقتضاب كانت مشهورة عند العرب الأوائل.
حتى اختلف العلماء: هل طريقة القرآن في الانتقال من موضوع إلى موضوع هي طريقة حسن التخلص ولا طريقة الاقتضاب؟ ويرى كثير من علماء التفسير أن القرآن اعتمد طريقة العرب الاقدمية، طريقة الاقتضاب؛ ما في مشكلة أنه ينتقل من موضوع إلى موضوع حتى ولو لم يكن هناك تناسب واضح؛ لأن هذا لا يخل أصلاً بالبلاغة عند العرب. البعض يقول لا، طريقة القرآن يعتمد حسن التخلص، خلاف كبير لا أُريد أن أشير إليه الآن، لكني أُريدك أن تفهم الفرق بين الطريقتين: طريقة حسن التخلص وطريقة الاقتضاب.
لذلك قال الشيخ محمد النصيف هنا: الانتقال من موضوع إلى موضوع أو من بداية الكلام إلى مقصود الكلام له حالتان. الحالة الأولى: الانتقال مع ملائمة بين الموضوع السابق والموضوع اللاحق، ويسمى هذا الانتقال حينئذ حسن التخلص، وقد اهتم به المتأخرون. لاحظوا العبارة هاي، وقد اهتم به المتأخرون، وكلام الشيخ صحيح.
ومن أمثلته قول البحتري وهو يصف البركة التي بناها المتوكل العباسي، وصف بركة وبدأ في مدحها، ثم ماذا قال؟ قال: كأنها حين لجت في تدفقها، يعني كأن هذه البركة في تدفقها -والآن يمدح وقبل هذا البيت يمدح فيها- الآن أراد أن ينتقل من مدح البركة إلى مدح الخليفة الذي بنى البركة، فانظروا ماذا قال؟ بركة بركة يعني عادي أو الشيخ بركة، اه بركة، قال: كأنها حين لجت في تدفقها، كأنه الماء وهو يتدفق في هذه البركة، قال: يد الخليفة لما سال واديها. وزادها رتبة من بعد رتبتها أن اسمه حين يدعى من أساميها.
إذاً لاحظوا كيف انتقل من مدح البركة والثناء على ميزاتها وذكر الأشياء الممتازة فيها إلى ماذا؟ إلى مدح الخليفة. الآن هل كان انتقالاً مفاجئاً؟ هل قال مدح البركة وخلص بعدين قال وأما الخليفة فهو كذا وكذا؟ ولا بطريقة خفية جميلة انتقل فيك من مدح البركة إلى مدح الخليفة؟ لا، بطريقة جميلة تسمى حسن التخلص، أنه وهمك أنه الآن بده يمدح البركة، فإذا هو في الحقيقة يريد أن يمدح الخليفة.
فقال المياه وهي تتدفق من هذه البركة تدفقها وسيلانها مثل يد الخليفة لما تسيل بالعطايا والجود والكرم، فانظروا كيف الآن انتقل من قضية مدح البركة إلى موضوع آخر، موضوع مدح الخليفة من دون أن يشعرك بهذا الانتقال بشكل مفاجئ، ما جاءت قطعة مفاجئ.
بل هناك مثال آخر أُريد أيضاً أن أعطيه لكم من كلام القزويني رحمة الله عليه في الإيضاح. ايش يقول القزويني في الإيضاح؟ ذكر بيتاً لأبي تمام، انظروا، عموماً هذا البيت لأبي تمام يقول فيه أيضاً.. ولدي المتنبي لا أظن المتنبي؟ نعم، فعلاً، هو قال قبل ولد المتنبي، هذا البيت المتنبي يقول فيه: خليلي مالي لا أرى غير شاعر، فكم منهم الدعي ومني القصائد. فلا تعجبا إن السيوف كثيرة، ولكن سيف الدولة اليوم واحد.
انظروا كيف انتقل من الكلام عن نفسه ومدحها إلى مدح سيف الدولة الحمداني، ايش قال ابتداءً؟ خليلي مالي لا أرى غير شاعر، فكم منهم الدعي ومني القصائد. ايش تقول في البيت الأول؟ ليه أنا لا أرى في هذا المكان إلا شاعر واحد وهو أنا والباقي كلهم أدعياء في الشعر، كلهم يدعون أنهم شعراء لكنهم لا يحسنون، وأما القصائد الحقيقية المتقنة فهي مني.
خليلي مالي لا أرى غير شاعر، مالي لا أرى في هذا المكان غير شاعر، أي شاعر واحد يريد أن يقول هو أنا، فكم منهم الدعي؟ الدعاء بكثيرة، الدعاوي كثير الذين يدعون أنهم شعراء لكن الشاعر البحق هو أنا. هكذا طريقة المتنبي، طريقة الافتخار بنفسه هي طريقة واضحة في جل شعرهم، فكم منهم الدعي ومني القصائد.
ثم ايش قال؟ انظر كيف انتقل من مدح نفسه إلى مدح سيف الدولة، قال: فلا تعجب، لا تعجب، لماذا؟ يعني لا تعجب أنه كثير من الناس أدعياء، وانه الجاد الصادق منهم واحد. لماذا؟ قال: إن السيوف كثيرة، كثيرة هي السيوف، ولكن سيف الدولة اليوم واحد، ولكن السيف الحقيقي هو سيف الدولة، ويقصد به طبعا الإشارة إلى سيف الدولة.
فانظروا كيف انتقل من مدح نفسه إلى مدح السلطان بطريقة لا تشعرك بانفصال الكلام بل تشعرك أنه متلائم، وأن اللاحق انبنى على السابق، صح؟ هل شعرت أن الكلام انفصل؟ ما شعرت، أنت شعرت أنه ما زال يكمل كلامه السابق، فإذا هو ينتقل بك إلى كلام آخر. كان يتكلم عن مدح نفسه وأنه الشاعر الوحيد الذي يستحق أن يسمى شاعراً، فلما قال فلا تعجبا أنت تظن أنه سيتكلم عن نفسه أيضاً، فإذا هو ينتقل إلى مدح سيف الدولة بطريقة لطيفة خفية، فهذا يسمى حسن التخلص.
وأما الاقتضاب، وهو أن ينتقل من دون تلائم. انظروا لأبي تمام، نعم، هنا جاء دور أبي تمام في استخدام الاقتضاب، انظروا في هذه الأبيات كيف أن انتقالها في المواضيع انتقال حاد لم يهتم بححسن التخلص، لم يهتم بالتلائم. انظر ماذا قال أبو تمام: لو رأى الله أن في الشيب خيراً، جاورته الأبرار في الخلد شيبا.
لو ربنا سبحانه وتعالى بعرف أن الشباب فيه خير لخلى الناس بتجاوره في جنات النعيم، هم الناس الذين عندهم شيب، ولجعلهم في شيب، ما خلى شعرهم أسود في الشباب، صح؟ الناس عند يوم القيامة في جنات النعيم تكون في سن الشباب، لكن أبو تمام على طريقتهم في طرح الأفكار بطريقة جميلة، ايش يقول؟ يقول: لو رأى الله أن في الشيب خيراً، لعلم الله أن الشيب فيه خير، جاورته الأبرار في الخلد شيبا، للابرار الذين يجاورون الله في جنات الفردوس لجاوروا الله هم على الشيب؛ لأنه هذا هو الخير، بس الشيب ما فيه خير، لذلك الله سبحانه وتعالى جعل الأبرار في سن الشباب، هكذا يريد أن يقول.
ثم قال: كل يوم تبدي صروف الليالي، خلقاً من أبي سعيد غريباً. هو أبو سعيد الثغري، يتكلم عن شخص لكن ما يهمني الآن أنه أنت هل شعرت بتلائم بين البيت الثاني والبيت السابق؟ الثاني قال: كل يوم تبدي صروف الليالي خلقاً من أبي سعيد غريباً، أبو سعيد في أخلاق غريبة، كل يوم بيظهر لي منها خلق جديد. ايش علاقة هذا الكلام بكلامه السابق عن قضية الشيب وهل فيه خير ولا ما فيه خير؟ تلاحظ أنه انتقال حاد، صح؟
موضوع لموضوع جديد من دون يعني ربطة بينهم. ما في شبكة تشبك البيت هذا بالبيت الذي سبقه. هذا يسمى اقتطاع، وهذا لا يخل ببلاغة الكلام، هذا ينتبهوا إليها، لانه بعض أحبابنا يظن أن الاقتطاع يخل ببلاغة الكلام. الصحيح أن الاقتطاع لا يقلل بلاغة الكلام، بل هو كثيرا في كلام الأقدمين، بل هو كثير في كلام الأقدميين من الشعراء.
إذا عرفنا طريقة الانتقال، الانتقال على نوعين، هناك بحسن تخلص، وهذه طريقة أكثر المتأخرين يهتمون بحسن التخلص، وهناك اقتطاع. وهذه طريقة المتقدمين. طيب، الآن بقي الموضوع الأخير وهو موضوع حسن الختام. الموضوع الأخير موضوع حسن الختام، ينبغي أيضا أن يتأنق المتكلم في ختامه، فيحسن الاتيان بعبارة ختامية مركزة تثبت في ذهن السامع، لأنها هي عصارة الكلام السابق لها.
قال الشيخ محمد النصيف: الموضع الثالث من مواضع التأنق الاختتام، لأنه آخر ما يعيه السامع فيبقى في نفسه، وأحسنه ما أشعر بالانتهاء. أحسن ختام تختتم به كلامك هو الختام الذي تشعر به السامع بأنك قد أنهيت. بعض الناس أحبتي للأسف نسمع اليوم خطباء، تكون أنت أنت متفاعل مع الخطيب، فجأة يقول الخطيب واستغفر الله لي ولكم، من دون أن يشعرك أنه سيختم، أو يقول الخطيب فجأة وقوموا إلى صلاتكم، من دون أن يشعرك بأنه الموضوع الآن يأتي أو قارب من النهاية، وهذا سوء في ختام الكلام.
فينبغي على المتكلم إذا أراد أن يكون كلامه مقبولا يعيه السامعون أن يحسن أيضا الختام، وأفضل ختام ما هو؟ احفظوها، أن يأتي في ختام كلامه بكلمة أو بكلمات تشعر بماذا؟ بأنه انتهى من حديثه، ولذلك اه ماذا فعل ابن الشحنة رحمة الله عليه حينما قال براعة استهلال، انتقال، حسن الختام، المقال. لاحظ كلمة وانتهى المقال، هاي من ابن الشحنة تعتبر من حسن الختام، أنه أتى بعبارة بكلمتين أفهمتا الإنسان القارئ لهذه المنظومة أن المنظومة انتهت.
فمن حسن الختام أن تأتي بكلمتين أو بكلمات أو بجملة تشعر بها السامع بأن الكلام قد انتهى، فهذا من حسن الكتاب، ولا يصلح أن تختتم فجأة. طيب، هل هناك حسن ختام في آيات القرآن الكريم؟ قطعا، القرآن هو رأس هذا الموضوع، أنه يختتم السورة بآية أو بايتين هي زبدة السورة، ويشعرك في كثير من الأحيان وليس دائما، يشعرك في كثير من الأحيان بالختام.
انظر لما ربنا سبحانه وتعالى لما ساق في آخر سورة الزمر وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ وسيق الذين كفروا والمقارنة وأحوال يوم القيامة، صح؟ مشان كان آخر سورة، ماذا قال في النهاية سبحانه وتعالى؟ آخر آية اه وَقِيلَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ، ثم قال في الآية الختامية وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ثُمَّ يُقَالُ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. إنه ذكر أحوال الناس وفي يوم القيامة وفي عرصاتها وسوق الناس إلى الجنة وسوق الناس إلى النار، وايش راح يتكلم أهل الجنة؟ وايش راح يتكلم أهل النار؟ ثم بين القصة والحكاية بالكلمة الأخيرة أنه كل واحد ذهب إلى مأواه، وكل المخلوقات في النهاية ماذا ستقول؟ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
انظر إلى هذا الختام الذي يشعرك بختام السورة وبختام المشهد وأسدال الستار، صح؟ هذا من حسن الختام، أن يأتي النص بآية وبكلام يعطي زبدة الكلام السابق، وفي نفس الوقت فيه كلمات تشير إلى ختام الكلام وأنه سيسدل الستار، فهذا أيضا مما يسمى حسن اه الاختتام، وهذا هو ختام شرحنا أحبتي أيضا على هذا النظم المبارك نظم ابن الشحنة الحنفي عليه رحمة الله تعالى.
نعم، جلسنا في هذا النظم ربما أشهر وكابدنا ساعات وساعات، وأصابتنا أعراض من الأمراض والأسقام فانقطعنا، ولكننا عدنا بإذن الله لنختتم ما شرعنا به. وهذا دأب طالب العلم والشيخ المعلم، أنه إذا شرع في تدريس نظم أو متن فعليه أن ينهيه إلى ختامه، ولا يصلح أن يقطع الطالب وينتقل إلى كتاب آخر قبل أن يختتم الكلام السابق والكتاب السابق. فإن كثيرا من المدرسين إذا انقطعت بهم السبل في كتاب معين، فترت همتهم وضعفت عزائمهم عن إكمال الطريق، فانتقلوا بالطالب إلى كتاب آخر وإلى موضوع آخر، وهذا يضعف المستوى البنائي والمعرفي.
الطالب حتى لو انشغل أو المدرس حتى لو انشغل فترة من الزمن لعارض قدري، فانه يعود ليتم ما شرع به، لتكون الفائدة مكتملة والصورة واضحة عند طالب العلم. وفي النهاية أحبتي هذا جهد مقل، فمن وجدتم من أصابة فمن الله سبحانه وتعالى، وما وجدتم من خطأ ومن تقصير فمن نفسي مقصرة ومن الشيطان.
أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن نكون وضعنا في هذه الدورة الأساس لطلاب علم البلاغة لفهم كتاب الله سبحانه وتعالى حق الفهم، وللوقوف على أسرار كلام محمد صلى الله عليه وسلم، ولبناء مقدرة على فهم كلام العرب العميق شعرا ونثرا، فإن البداية تكون من التأصيل الجيد حتى ولو طالت المجالس ولو توسع الحديث. ما دام الكلام يصب في مصلحة الطالب وفي مصلحة بنائه المعرفي، فعلينا أن نستمر إلى نهايته، وهذا حسن، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل