بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أحبتي إلى مجلس جديد نعقده في شرح لمعة الاعتقاد للإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي الصالحي رحمة الله تعالى عليه. في المحاضرة السابقة أحبتي شرعنا في بيان مفهوم الإيمان في اللغة والاصطلاح، أو لا نقول في الاصطلاح بل في العرف الشرعي، هذه الكلمة دقيقة في العرف الشرعي.
فعرفنا أن الإيمان في اللغة هناك خلاف بين أهل العلم في تقريره، فهناك من ذكر أن الإيمان في اللغة هو التصديق، بل نقل الأزهري رحمة الله عليه اتفاق أهل العلم على ذلك، واختاره طائفة من علماء أهل السنة والجماعة أن الإيمان في اللغة هو التصديق.
وهناك رأي آخر أن الإيمان ليس مجرد التصديق، بل هو تصديق مع أمن في القلب واستقرار، كما ذهب إلى ذلك الراغب الأصفهاني، وليس بعيداً عنه ابن تيمية رحمة الله عليه حينما جعل الإيمان في اللغة هو الإقرار وزيف تفسير الإيمان بأنه التصديق.
ولكن كما ذكرنا أن هذه المسألة في النهاية ستبقى مسألة لغوية، والحق هو مسألة اجتهادية لا ينكر فيها شخص على غيره؛ لأنها مسألة لغوية، واللغة لن تقضي على الشرع إذا كان الشارع الحكيم استعمل مفهوم الإيمان استعمالاً خاصاً به.
اللغة متى نفسر بها الألفاظ الشرعية؟ إذا كان الشارع الحكيم سبحانه وتعالى أبقى هذه الألفاظ الواردة في نصوص الكتاب والسنة على دلالتها اللغوية، حينئذ نعم نذهب إلى الدلالة اللغوية فنفسر بها النصوص الشرعية.
لكن إذا كان الشارع الحكيم سبحانه أتى لهذه الألفاظ فاستعملها في عرف شرعي خاص به، فحينئذ لا نذهب إلى اللغة لنقضي بها على الشرع، بل علينا أن نتتبع موارد هذا اللفظ في الكتاب والسنة، وننظر كيف شرحت هذه النصوص هذا اللفظ.
ومفهوم الإيمان لا يمكن أن تكون الشريعة قد أفلته ولم تبينه بياناً تاماً كما في المحاضرة السابقة. هذا المفهوم الذي هو لب الدين أساس الدين، لابد أن الشريعة قد أتت فيه من البيان ومن التوضيح ومن التجلية له ولمقتضياته وآثاره وتفاصيله أعظم من بيانه لمسائل الربا والحلال والحرام؛ لأن هذا كما قلنا الأساس والمنطلق في الفكر والتصور والحياة.
فلذلك أحبتي أهل السنة والجماعة أدركوا هذه القضية، أدركوا أنه يستحيل أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم لم يبين لأمته مفهوم الإيمان، ولم يوضح طبيعته ومقتضياته في حياة المسلم، وبين لهم فروع الفروع وتفاصيل التفاصيل وأغفل بيان هذا الأصل العظيم.
لذلك انطلقنا بعد ذلك إلى بيان مفهوم الإيمان في الشريعة، وبدأنا ننظر كيف فسرت الشريعة هذا المفهوم ونتتبع موارد الإيمان في نصوص الكتاب ونصوص السنة. فوجدنا أن الإيمان في نصوص الكتاب والسنة يدل على حقيقة مركبة بالاستقراء والتتبع لنصوص الكتاب والسنة، وبالنظر في كلام الصحابة وفي كلام التابعين وكيف فسروا الإيمان، وصلنا إلى حقيقة هذا المفهوم في التصور الإسلامي، وهو أن الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة بين الباطن والظاهر.
فليس الإيمان في الشرع هو مجرد التصديق، فلو قلنا إن الإيمان في اللغة هو التصديق فهذا لا يحكم الشرع، بل الشرع جعل للإيمان حقيقة مركبة، فهو ليس مجرد تصديق الباطن، وإن كان التصديق هو دلالة هذه الكلمة في اللغة. لكن في الشرع، لا؛ في الشرع الإيمان حقيقة مركبة بين الباطن للإنسان وبين ظاهره.
هذه الحقيقة المركبة من الباطن والظاهر هي التي عبر عنها علماء أهل السنة والجماعة بعبارات مختلفة في ألفاظها لكنها متفقة في مضمونها، فعبر عنها ابن قدامة مثلاً بأن الإيمان هو اعتقاد الجنان وقول اللسان وعمل الأركان بالطريقة الثلاثية.
وعبر عنها البعض على أن الإيمان قول وعمل بطريقة ثنائية، وعبر عنها البعض بطريقة رباعية: أن الإيمان قول القلب وعمل القلب وقول اللسان وعمل الجوارح. البعض زاد اتباع السنة. اختلفت الألفاظ لكن اتفق المضمون على أن الإيمان في الاستعمال الشرعي هو الباطن والظاهر وليس الباطن فقط.
هكذا أراد الله سبحانه وتعالى أن نفهم الإيمان، هكذا أراد الله عز وجل أن يكون مفهوم الإيمان في التصور الإسلامي، فليس لنا أن نحكم على هذه اللفظة بناء على معرفتنا اللغوية، بل نحكم عليها بناء على ما أراده الشارع سبحانه وتعالى في دلالتها.
بعد أن عرفنا حقيقة الإيمان وأنها حقيقة مركبة، وعرفنا تعريف ابن قدامة رحمة الله تعالى عليه، واخترنا لكم التعريف الرباعي للإيمان وشرحناه -اخترنا نحن في المحاضرة السابقة تعريفا رباعيا للإيمان وجعلناه حقيقة مركبة من أربعة- هذا التعريف فيه تفصيل زيادة، لكن مهم جداً لطالب العلم أن يعرف هذا التفصيل؛ لأنه سيجلي له حقيقة الإيمان المركبة أكثر وأكثر.
فعرفنا بناء على القسمة الرباعية أن الإيمان هو قول القلب -وعرفنا أن قول القلب هو التصديق- وعمل القلب -وعمل القلب يقصد به أعمال القلوب عموماً من المحبة والخوف والخشية إلى آخرها- وقول اللسان -وعرفنا أن قول اللسان أي عمل يؤدى باللسان وأعلاه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله- وعمل الأركان -وعرفنا أنه يقصد به أي عمل تفعله بأركانك وجوارحك الظاهرة-.
فهذه الأمور الأربعة، هذه المكونات هي التي تشكل مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، وهي التي تبين لنا حقيقة ارتباط الباطن بالظاهر. بعد ذلك أحبتي انطلقنا لبيان الأصول المرتبطة بمفهوم الإيمان، فذكرت أصلين: أصلاً ذكرته في المحاضرة السابقة، وأصلاً ثانياً ساذكره اليوم بإذن الله.
ذكرت أن هناك أصلين مرتبطين بمفهوم الإيمان -طبعا هناك أكثر منهما لكن أنا ساقتصر على هذين الأصلين في هذه الدورة-. هناك أصلان مرتبطان بمفهوم الإيمان ارتباطاً وثيقاً؛ الأصل الأول الذي بيناه في المحاضرة السابقة هو أن الإيمان هذا المفهوم المركب من الباطن والظاهر يقبل الزيادة والنقصان.
وهذه ميزة أهل السنة والجماعة التي تميزهم عن سائر الفرق، سواء من الفرق التي تغلو -الوعيدية- أو الفرق التي تجفو -الذين غلبوا الرجاء على الوعيد المرجئة-. فميزة أهل السنة والجماعة أنهم يرون هذا المفهوم يقبل الزيادة والنقصان بين الناس، ليس شيئاً واحداً ثابت المقدار عند الجميع، بل هو متفاوت بين الناس، ومتفاوت في داخل الفرد الواحد أيضاً.
فتأتي على الإنسان ساعات يكون فيها الإيمان عنده مرتفعاً، وساعات يكون الإيمان عنده منخفضاً. وعرفنا أن الإيمان ونقصانه إما أن يكون في التصديق، في قول اللسان، وهو التصديق يزيد أحياناً ويرتفع، ويضعف أحياناً ويخفت، ويزيد وينقص بين الناس. وعرفنا أنه قد يكون في أعمال القلوب الزيادة والنقصان، وأنها قد تكون في أقوال اللسان، وأنها قد تكون في عمل الأركان. فالزيادة والنقصان تتعلق بجميع المكونات التي يتكون منها مفهوم الإيمان.
ثم بعد ذلك أحبتي اليوم سنشرع في الأصل الثاني، سنشرع في الأصل الثاني ونبسط الحديث عنه. الأصل الثاني المرتبط بمفهوم الإيمان هو أن العلاقة بين الباطن والظاهر علاقة التلازم. اكتبوا هذا الأصل الثاني: العلاقة بين باطن الإنسان وبين ظاهره هي علاقة التلازم.
ما معنى علاقة التلازم؟ وما طبيعة هذا التلازم؟ نقول مستعينين بالله. هذا الأصل الثاني يتعلق بحقيقة الإيمان المركبة التي سبق بيانها، ويقصد به الآن -ركزوا ماذا أقصد؟ التلازم بين الباطن والظاهر- يقصد به أن ما يصدق به الإنسان في باطنه -أي شيء يصدق به الإنسان في باطنه- لابد وأن يظهر أثره على جوارحه بشكل من الاشكال. وهذا ذكرته في المحاضرة السابقة؛ أي شيء تصدق به في باطنك تصديقاً تاماً، لابد إذا كان له آثار أن تظهر هذه الآثار على جوارحك بشكل من الاشكال.
تمام، الآن ساكمل حتى نفهم طبيعة التلازم، بالتالي لا يمكن أن يكون الإنسان مصدقاً في الباطن من دون أن تظهر آثار هذا التصديق على الظاهر. يعني أولاً نحن وضعنا قاعدة عامة: أي شيء أنت تصدق به في باطنك لابد وأن تظهر آثار هذا التصديق وهذا الحب وهذا الخوف وهذا الرجاء على ظاهرك وعلى جوارحك بشكل من الاشكال.
وبالتالي أحبتي، لا يمكن أن يكون الإنسان مصدقاً مؤمناً في باطنه بوجود الله سبحانه -نزيد كلمة بوجود الله حتى يتضح المقال- لا يمكن أن يكون الإنسان مصدقاً في باطنه بوجود الله من دون أن تظهر آثار هذا التصديق على ظاهره بشكل من الاشكال. وبالتالي فإن انتفاء عمل الظاهر بالكلية -يعني هذه الخلاصة الأخيرة التي تبين التلازم- بالتالي إذا عرفنا أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مصدقاً في باطنه بوجود الله من دون أن يرى أثر من آثار هذا التصديق على الجوارح، ماذا ينبني إذاً في نهاية المطاف؟
ينبني في نهاية المطاف أنه إذا انتفى عمل الظاهر بالكلية عن الإنسان، فإن هذا دليل على انتفاء التصديق الباطن، وأن هذا الشخص ليس في دائرة الإسلام، بل هو في دائرة الكفر والعياذ بالله. هذه حقيقة واضحة عند أهل السنة والجماعة، حقيقة التلازم بين الباطن والظاهر.
أعيدها لأهميتها ولخطورتها؛ خلاصة هذه الفكرة أننا نقول من طبيعة الإنسان أنه إذا صدق بأي شيء في باطنه لابد وأن تظهر آثار هذا التصديق على ظاهره بشكل من الاشكال، هذا عليه. بالتالي ينبني على هذا أنه لا يمكن أن يكون الإنسان مصدقاً في باطنه بالله سبحانه وتعالى ولا تظهر آثار هذا التصديق بشكل من الاشكال على ظاهره وجوارحه.
النتيجة النهائية هي أن انتفاء عمل الظاهر بالكلية -وهذه كلمة بالكلية ضعوا تحتها خطوطا- النتيجة النهائية أن انتفاء عمل الظاهر بالكلية عن الإنسان هو دليل إذاً على عدم وجود التصديق في قلبه ولو ادعى ذلك بلسانه. أنا لا يهمني أن تدعي ذلك بلسانك، بما أنه لا يوجد عندك عمل ظاهر أبداً تنقاد به لهذا الإله، إذاً هذا دليل عند أهل السنة والجماعة على انتفاء التصديق الباطن، وأنه وإن ادعى بلسانه أنه مصدق فهو كاذب. وهذا أمر واضح لا مجال للنقاش فيه عند أهل السنة والجماعة.
لكن في المقابل، إن هذه جهة، هذا تلازم من هذه الجهة؛ أن وجود التصديق الباطني يستلزم وجود العمل الظاهر، بالتالي إذا انتفى عمل الظاهر دل هذا على انتفاء التصديق الباطني. هذه الجهة الأولى من التلازم. لكن دعونا نذهب إلى جهة أخرى، الجهة المقابلة نقول فيها: ساطرح سؤالاً، لكن في المقابل، هل وجود العمل الظاهر عندنا الآن -الإنسان بالعكس، إنسان يعمل الأعمال الظاهرة- هل وجود الاعمال الظاهرة على الجوارح دليل على وجود الإيمان في الباطن؟
آه، هنا بعض الطلبة الآن بدأ يضيع، إيش الفرق يا شيخ بين هذه الحالة والحالة السابقة؟ ركزوا معي جيداً، الألفاظ دقيقة هنا: انتفاء العمل الظاهر بالكلية قلنا هو دليل على انتفاء الباطن، وأنه لا يوجد تصديق حقيقي، فالرجل إذاً خارج دائرة الإسلام أو خارج دائرة الإيمان كذلك، يعني هو خارج دائرة الدين.
لكن في المقابل، هل وجود الاعمال الظاهرة على الجوارح دليل على وجود التصديق في باطن الإنسان؟ يعني إذا كان انتفاء العمل الظاهر بالكلية دليل على انتفاء الباطن، نقول في المقابل إن وجود العمل الظاهر أو فرد من أفراد الاعمال الظاهرة أو بعض الأعمال الظاهرة، هل وجود هذه الأمور هو دليل على وجود الإيمان في الباطن؟
بعض المعاصرين قال: نعم، أن التلازم من الجهتين، كما أنه انتفاء الاعمال الظاهرة يدل على انتفاء الإيمان الباطن، إذاً وجود الاعمال الظاهرة دليل على وجود الإيمان في الباطن. هذا قاله بعض المعاصرين، لكن لي فيه نظر، فأقول والله تعالى أعلم: الذي يظهر من استقراء نصوص الشارع الحكيم وطبيعة هذا الدين أنه لا يلزم من وجود الاعمال الظاهرة وجود التصديق في الباطن، لا يلزم.
بل قد يقوم الانسان باداء أعمال ظاهرة، قد يصلي، قد يصوم، قد يزكي، لكنه في باطنه منافق، ليس مصدقاً. مو إيش حقيقة النفاق؟ أليست حقيقة النفاق أن تظهر الأعمال وتظهر الإسلام، لكن في باطنك تخفي الكفر؟ بالتالي إذاً، يمكن أن يكون هناك إنسان يؤدي أعمالاً ظاهرة بين أظهر المسلمين، لكنه في باطنه ليس مصدقاً، وهذا الذي نسميه منافقاً.
بالتالي ماذا ينبني على هذا؟ ينبني إذاً أحبتي أن وجود بعض الاعمال الظاهرة أو وجود كثير من الاعمال الظاهرة هو بحد ذاته ليس دليلاً واضحاً على وجود التصديق في باطن الإنسان. فنقول إذاً: الذي يظهر والله أعلم أنه لا يلزم من وجود العمل الظاهر وجود التصديق في الباطن، بل قد يقوم الإنسان بأداء الأعمال الظاهرة ويكون منافقاً في باطنه وداخله.
نعم، المواظبة المستمرة -ركزوا الآن هذا استثناء يسير- أقول: المواظبة المستمرة على أعمال الظاهر والجوارح برحمة من دون تكاسل ولا توانٍ في سر الإنسان وفي علانيته، لا تكون في العادة إلا دعوة وجود التصديق في الباطن -هذا أنا أقر به- أنه إنسان مواظب على الأعمال الظاهرة في سره وفي علانيته وفي كل أحواله وبهمة ونشاط وحرص، هذا لا يكون في العادة نعم إلا مع وجود التصديق في الباطن. لكن بحثي ليس هنا، أنا بحثي في أصل المسألة، في أصل جنس العمل، هل وجوده.
الأصل العام: هل وجود أعمال ظاهرة أو قيام إنسان بأعمال ظاهرة كالصلاة أو الزكاة أو الصيام دليل على وجود التصديق في الباطن؟ الذي أذهب إليه والله أعلم أنه ليس دليلاً على وجود التصديق في الباطن، لأن هذا هو النفاق أصالة؛ أن تظهر مالاً وتخفي في باطنك الكفر.
فبالتالي نقول: التلازم بين الباطن والظاهر تلازم في جهة واحدة، وليس من جهتين. ما معنى يا شيخ تلازم من جهة واحدة؟ تلازم من جهة واحدة أن نقول: انتفاء الظاهر يلزم منه انتفاء الباطن، فقط هذه الجهة، وأما وجود الأعمال الظاهرة فلا يلزم منه وجود الإيمان الباطن أو التصديق الباطن، بل قد يقوم الإنسان ببعض الأعمال الظاهرة والتصديق منتفٍ في باطنه.
فهذا ما قصدته؛ أن التلازم بين الباطن والظاهر إنما أتُعقله من جهة واحدة وليس من كلا الجهتين، حتى تثبت حقيقة النفاق، وإلا لو جعلت التلازم من جهتين فقلت: إنه وجود الأعمال الظاهرة يلزم منه وجود التصديق الباطن، بالتالي ما عاد هناك نفاق، التغى مفهوم النفاق؛ لأن النفاق بطبيعته إظهار أعمال ظاهرة للإسلام ولكن الباطن مكذب، فأنَا حتى أقرر وجود النفاق وحقيقة النفاق لابد أن نقول: إن التلازم بين الباطن والظاهر هو تلازم من جهة واحدة وليس من جهتين، والله تعالى أعلم.
لكن أبقي على هذا الاستثناء الذي ذكرته؛ أن مواظبة الإنسان على عمل الصالحات في سره وعلانيته بهمة وجد من دون تكاسل ولا توانٍ، نعم، في العادة لا يكون إلا مع وجود إيمان في الباطن، وقد يكون مؤشراً قوياً على وجود الإيمان في الباطن، لكن أنا لا أتكلم عن هذه الصورة الاستثنائية، وإنما أتكلم عن أصل المسألة، والله تعالى أعلم.
طيب، الآن أنطلق فأقول: معرفة هذا الأصل -وهو التلازم بين الباطن والظاهر من جهة واحدة كما قررت، وأن انتفاء العمل الظاهر بالكلية دليل على انتفاء التصديق الباطني- ضبط هذا الأصل أحبتي مهم جداً، ويقول ابن تيمية في أهميته: معرفة هذا الأصل تنجلي به كثير من الاشكاليات المرتبطة بمفهوم الإيمان.
لذلك يقول ابن تيمية: من عرف الملازمات التي بين الأمور الباطنة والظاهرة زالت عنه شبهات كثيرة في مثل هذه المواضع التي كثر اختلاف الناس فيها، أي كثر الناس في تحديد مفهوم الإيمان وفي طبيعته وما يرتبط به من مسائل الأسماء والأسكام لجهلهم طبيعة التلازم بين الباطن والظاهر. فيقول ابن تيمية: إن معرفة هذه التلازمات والملازمات التي بين الباطن والظاهر تزول بها كثير من الشبهات التي بسببها ضل فئام كثير من الخلق في تحديد مفهوم الإيمان.
طيب، هذا الأصل مهم في ضبط مسائل الإيمان والكفر. الان طبعا انتهى كلام ابن تيمية، الآن ننطلق في كلام جديد فنقول: هذا الأصل -معرفة التلازم بين الباطن والظاهر- مهم في معرفة مسائل الإيمان والكفر وفي ضبط مسائل الأسماء والأحكام، وعرفنا ما معنى مسائل الأسماء والأحكام.
وأهم آثار هذا الأصل ما هو؟ ركزوا معي، أهم آثار هذا الأصل هو زوال اسم الإيمان بالكلية عن الشخص بانتفاء جنس العمل الظاهر. هذا أهم أثر من آثاره، أنني أزيل اسم الإيمان، لاحظوا دخلنا الآن في مسائل الأسماء والأحكام، أهم أثر من آثار هذا الأصل هو أننا سنزيل اسم الإيمان بالكلية عن الشخص الذي ينتفي عنه جنس العمل الظاهر بالكلية. الشخص الذي يترك العمل الظاهر بالكلية سننفي عنه اسم الإيمان بالكلية بسبب هذا التلازم، وسنقول له: انتفاء العمل الظاهر عنك بالكلية هو دليل لنا على انتفاء التصديق في باطنك، بالتالي أنت لا تستحق اسم الإيمان.
طيب، ماذا سيستحق الآن؟ سيصبح اسمه كافراً، وإذا كان قد دخل في الدين ثم ارتد فيكون مرتداً، فالقضية خطيرة أحبتي، ليست القضية قضية سهلة أو خلافاً شكلياً، الخلاف فيه إيمان وكفر في هذا الموضوع. فنقول: انتفاء الظاهر بالكلية سيسبب زوال اسم الإيمان عن هذا الشخص وسيعطى اسم آخر نعوذ بالله منه وهو اسم الكفر أو الردة.
طيب، لكنني هنا استثني وأقول -أو هو ليس استثناء في الحقيقة، وإنما هو توضيح وتجلٍ أكثر وأكثر-: إذاً أهم آثار هذا الأصل هو زوال اسم الإيمان بالكلية عن الشخص بانتفاء جنس العمل الظاهر بالكلية، لا بانتفاء فرد من أفراد العمل.
إذاً لا يجوز أن أزيل اسم الإيمان عن شخص عن فرد من الأفراد في المجتمع إذا ترك فرداً من أفراد العمل، بدنا نكون دقيقين؛ لا يجوز أن أزيل اسم الإيمان عن شخص دخل في هذا الدين إذا هذا الشخص ترك فرداً من أفراد العمل الظاهر أو فردين أو ثلاثة أو مجموعة، لا أزيل عنه اسم الإيمان حتى يترك جنس العمل الظاهر بالكلية، يعني لا يؤدي عملاً من أعمال الشريعة، وسيأتي ضبط أدق لمفهوم جنس العمل الظاهر.
لكن الآن أنا أصور لكم المسألة تقريبياً حتى لا يحدث خطأ في الفهم؛ زوال اسم الإيمان عن الشخص إنما يكون بزوال العمل الظاهر بالكلية، أن هذا الرجل لا يعمل أي عمل من الأعمال الظاهرة، وأما إذا ترك الإنسان بعض الأعمال الظاهرة -فرد من أفراد الأعمال الظاهرة أو مجموعة منها، لكنه في المقابل يقوم ببعض الأعمال الظاهرة، يعني ترك البعض وأتى بالبعض- فهنا لا يجوز أن نزيل اسم الإيمان عنه، واضحة؟
طيب، الآن هنا ساستثني ونقول: إلا إذا كان هذا العمل الظاهر بعينه جاء دليل شرعي خاص به يدل على انتفاء الإيمان بانتفاء أو بترك الشخص له أو بانتفائه عن الشخص. أعيد هذه العبارة لأني متأكد أنكم قد تهمتون هنا قليلاً؛ نحن قلنا: إذا كان الشخص يقوم ببعض الأعمال الظاهرة ويترك بعض الأعمال الظاهرة لا نزيل عنه اسم الإيمان، وإنما ابتداء نزيل عنه اسم الإيمان إذا كان تاركاً لكل الأعمال الظاهرة، هل اتفقنا عليها؟
لكن هنا ساستثني وأقول: إنه بعض أفراد الأعمال الظاهرة ورد دليل شرعي خاص بها، أنه هذا العمل الظاهر بالتحديد من تركه ولم يأت به يزول عنه اسم الإيمان بالكلية. آه، هنا نحتاج إلى دليل خاص أن هذا العمل بحد ذاته هذا الفرد من أفراد العمل من تركه ولم يأت به يزول عنه اسم الإيمان أيضاً، فإذا جاء دليل خاص في هذا العمل المعين أنه من تركه زال عنه اسم الإيمان سنتبع الدليل، وإذا لم نجد دليلاً خاصاً في أن هذا العمل من تركه يزول عنه اسم الإيمان بالتالي لا يجوز أن أخرج الرجل من دائرة الإيمان لمجرد تركه لهذا العمل، وإنما أخرجه من دائرة الإيمان إذا ترك كل الأعمال الظاهرة.
إذاً بالتالي خلاصة الكلام يا شيخ: أن الرجل يزول عنه اسم الإيمان بالكلية ويصبح في دائرة الكفر، أولاً: إذا ترك الأعمال الظاهرة بالكلية وهو ما يعبر عنه إذا ترك جنس الأعمال الظاهرة تماماً ولم يأت بها، ثانياً: الحالة الثانية التي يزول عنها اسم الإيمان بالكلية عنه ويصبح في دائرة الكفر إذا ترك فرداّ من أفراد الأعمال الظاهرة هذا الفرد جاء نص خاص من الشارع الحكيم يخبرنا أن من ترك هذا العمل لذاته فهو عندي خارج من دائرة الإيمان وأصبح في دائرة الكفر.
طب يا شيخ، في أعمال محددة جاء نص من الشارع الحكيم أنه من قام من تركها ولم يأت بها يزول عنه اسم الإيمان بالكلية؟ اقول نعم؛ الصلاة. الصلاة على الصحيح من كلام أهل العلم وهو الذي دل عليه كلام السلف الصالح رضوان الله عليهم. النبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا في أكثر من موطن أن من ترك هذا العمل -وهو فرد من أفراد الأعمال الظاهرة، فرد من أفراد الأعمال الظاهرة- جاء فيه دليل شرعي خاص به أن من تركه وأعرض عنه بالكلية فقد زال عنه اسم الإيمان وأصبح كافراً، فالصلاة مثال على عمل من الأعمال الظاهرة التي جاء فيها دليل شرعي خاص على أنه من ترك هذا العمل بالكلية فلا تعتبروه مؤمناً، وإنما اعتبروه كافراً.
هذا أحبتي ليس لأهوائنا، هذه القضايا للشرع، نصوص الكتاب والسنة هي التي تعطينا المفاهيم ونحن فقط نطبق بشكل منهجي صحيح وباتزان واعتدال وهدوء بالرجوع إلى أهل العلم الكبار وبالرجوع إلى اللجان الشرعية بالطبع، وليس طالب العلم المبتدئ الذي ما زال يخطو خطواته الأولى ينزل هذه المسائل على الأفراد، لكن نحن الآن نتعلم أصول هذه المسائل وكيف نفكر فيها.
تمام، والكلام هنا أحبتي ترى دقيق جداً وأدرك قيمته؛ لأن هذا الكلام اليوم تجدونه مبعثراً فالطالب يتيه في كلام كثير من الذين يؤصلون، يجب أن ترتب الأفكار بشكل منهجي. فنقول: إذاً أهم آثار التلازم بين الباطن والظاهر هو زوال اسم الإيمان بالكلية عن الأشخاص الذين يتركون جنس العمل الظاهر بالكلية، أن انتفاء عمل الظاهر بالكلية دليل على انتفاء التصديق الباطني، وأما إذا ترك الإنسان فرداً من أفراد الأعمال الظاهرة أو مجموعة منها وأتى في ثلة أخرى فهذا لا يزول عنه اسم الإيمان، بل يكون إيمانه ناقصاً، فهنا سنوظف القاعدة السابقة أن الإيمان يزيد وينقص عند أهل السنة، فمن ترك بعض الأعمال الظاهرة ينقص إيمانه، لكنه لا يخرج عن دائرة الإيمان.
إلا إذا كان هذا العمل الظاهر المحدد الذي تركه الإنسان قد جاء دليل شرعي خاص به أن من ترك هذا العمل ولم يأت به بالكلية حتى لو أتى بأعمال ظاهرة أخرى -هذا العمل من لم يأت به بالكلية حتى لو أتى بأعمال ظاهرة أخرى- فانه لا يكون أيضاً في دائرة الإيمان ويخرج إلى دائرة الكفر، فهذا يحتاج إلى دليل شرعي خاص به.
طيب، نكمل التأصيل، نقول: ولتوضيح هذه الجزئية أكثر نقول: مما ينبغي ضبطه في هذا الباب أن الإيمان لا ينتفي عن الإنسان بمجرد تركه لفرد من أفراد العمل، يعني هذا إعادة شرح للكلام مرة ثالثة، مما ضبط في هذا الباب أن الإيمان لا ينتفي عن الإنسان بمجرد تركه لفرد من أفراد العمل الظاهر التي أمره الشارع سبحانه وتعالى بها، إلا إذا أن هذا العمل الظاهر بالتحديد قد ورد فيه نص خاص يدل على أن من تركه ينتفي إيمانه بالكلية، مثل الصلاة، فقد وردت نصوص خاصة تدل على أن من تركها بالكلية ينتفي إيمانه، كقوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة».
يعني النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يقول لنا: بين الرجل المؤمن وبين الكفر ترك الصلاة، بالتالي إذا ترك المؤمن الصلاة انتقل إلى دائرة الكفر، هذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم، هذا ليس رأياً فقهياً، وهذا كلام محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا أن ترك الصلاة بالكلية خروج من دائرة الإيمان وولوج في دائرة الكفر، نسأل الله السلامة والعافية.
طيب، أما إذا لم يرد نص خاص بأن فعلاً معيناً يخرج من دائرة الإيمان بالكلية بالتالي ترك هذا الفعل المعين لا يكون خروجاً من دائرة الإيمان، فمثلاً لو أن الإنسان ترك صلة الرحم -الآن صلة الرحم واجبة، لكن لو ترك الإنسان صلة الرحم هل هناك نص شرعي خاص أن من ترك صلة الرحم فقد كفر؟ ما عندنا- بالتالي ترك صلة الرحم نقص في الإيمان.
مثلاً بر الوالدين واجب، لو ترك شخص بر الوالدين لا يوجد عندنا نص شرعي خاص على أن من ترك بر الوالدين فقد كفر، بالتالي إذا كان الشخص عاقاً لوالديه ينقص إيمانه على ذلك قيسوا كل الأعمال التي لم يأت نص شرعي خاص بها أن من تركها فقد كفر، ما أتى فيها، بالتالي تركها يكون نقصاناً، أما إذا تركت كل الأعمال الظاهرة أساساً ولا يوجد عندك أيضاً أي عمل من الأعمال فهذا أيضاً سيكون خروجاً من دائرة الإيمان بالكلية.
طيب، الآن ركزوا معنا، في المقابل أحبتي نحن عم نركز على ترك الواجبات لاحظوا أن كل كلامنا ترك الأعمال الظاهرة، ترك جنس العمل الظاهر، إذاً هذا يتعلق بترك المأمورات الوظائف المطلوب منك أن تقوم بها، إذا أنت تركت القيام بالوظائف المنوطة بالكلية فقد كفر الإنسان، أو إذا تركت بعض الوظائف المطلوبة منك أن تقوم بها ودل دليل شرعي خاص على أن هذه الوظائف المحددة من تركها فقد كفر خرجت من الإيمان أيضاً.
الآن طب يا شيخ، قضية ارتكاب المحرمات في الجهة المقابلة، هل إذا ارتكب الإنسان المحرمات -يعني إنسان الحمد لله يؤدي كل الأعمال الظاهرة، ما شاء الله عليه، يؤدي كل الأعمال الظاهرة، بصوم وبصلي وبيصل رحمه وبير والدين، لكنه يفعل المحرمات- فهل فعل المحرمات يخرج الإنسان من دائرة الإيمان؟
نقول: أهل السنة والجماعة يقولون إن ارتكاب المحرمات لا يدل على انتفاء الإيمان، إن ارتكاب المحرمات لا تدل على انتفاء الإيمان، وإنما يدل على نقصانه، وإنما يدل في الأصل على ماذا؟ على نقصان، يعني لو ارتكب الإنسان المحرمات وأسرف على نفسي فيها فإن إسرافه على نفسه بالمحرمات الزنا وشرب الخمر لا يدل على خروجه من دائرة إيماني بالكلية، وإنما يدل على نقصان إيمانه.
طيب، بس بدنا نستثني الآن شيئاً، ركزوا معي، أن ارتكاب المحرمات لا يدل على انتفاء الإيمان بخلاف ترك جنس المأمورات بالكلية يدل على انتفاء الإيمان، فبالتالي لازم نفرق بين ترك المأمورات وبين ارتكاب المحرمات.
فترك المأمورات بالكلية وعدم القيام بأي شيء منها لله هو الذي يوصل للكفر. وأما الإسراف في الجانب المقابل، الإسراف على النفس بالمحرمات، فلا يؤدي بالإنسان إلى الكفر إلا ما سنستثنيه الآن. فنقول إن ارتكاب المحرمات لا يدل على انتفاء الإيمان، باستثناء ماذا؟
باستثناء أيضاً بعض الأعمال المحرمة التي ورد الدليل الشرعي الخاص بها على أن من قام بهذه الأعمال فقد نقض تصديق باطنه؛ فهي في ذاتها هذه هناك أعمال محرمة هي في ذاتها كفر، وتدل على كفر الباطن وانتفاء الإيمان من الباطن. هي في ذاتها كفر وتدل على انتفاء الإيمان والتصديق في الباطن. فإذا الأعمال المحرمة لو ارتكبها الإنسان، نقول: الأصل لا يخرج من دائرة الإيمان، إلا الأعمال المحرمة التي دلت النصوص الشرعية ودلت الشريعة الغراء على أن هذا العمل المحرم من قام به وارتكبه فهو أيضاً خارج من دائرة الإيمان بالكلية. فهذه القضية مشابهة للقضية السابقة.
كما أنه عندنا بعض المأمورات جاءت نصوص شرعية خاصة بها أنه من تركها ولم يأت بها بالكلية فقد كفر، أيضاً عندنا بعض المحرمات والمنهيات جاءت الأدلة الشرعية لتدل على أنه من فعل هذا المحرم بذاته فقد كفر، فهذا المحرم يكون كفراً ويدل على كفر الباطن. مثال ماذا من أمثلة ذلك؟ مثلاً سب الله ورسوله والعياذ بالله. من سب الله ورسوله أحبتي، هذا محرم وهو كفر. هذا الفعل كفر ويدل على كفر الباطن ويخرج صاحبه من دائرة الإيمان.
كذلك الاستهزاء بشعائر الدين، للأسف هذا كثير منتشر في مجتمعاتنا: الاستهزاء بالصلاة، الاستهزاء باللحى، الاستهزاء بالسواك، الاستهزاء بالحجاب، الاستهزاء بالنقاب. ترى لا تستهينوا ببعض الأمور، يعني بعض الناس مثلاً لا يلتزم أو بعض الأخوات لا تلتزم بالنقاب، لكن إياك أن تستهزئي به؛ فانه شعيرة إهية. ترينها مندوباً هذا أمر يعود إليك، لكنه شعيرة إهية، فلا يجوز لأحد أن يستهزئ بشعيرة من شعائر الدين. فالاستهزاء بشعائر الدين هذا فعل محرم وكفر ويخرج صاحبه من دائرة الإيمان. وما أصعب هذا أحبتي! كثير من الناس -نسأل الله العافية- يستهين بهذه الأمور، ويرونها كلمة ومرت، يخرج بها من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، فإياكم أن تستهزئوا وأن يداعب بعضكم بعضاً في قضايا الشرع والدين.
المنافقون الذين استهزؤوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، الله سبحانه وتعالى ماذا قال لهم: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَد كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65-66]. يعني كنتم مؤمنين والآن باستهزائكم بالله وبرسوله وبشعائر الدين خرجتم من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر. فهذا نص شرعي على أن هذا -اللي هو الاستهزاء- عمل محرم، وليس فقط محرم، بل يخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر. اقرؤوا القرآن بوعيه وتعرفوا على الأعمال المحرمة التي تؤدي بصاحبها إلى الكفر، ليكون الإنسان على حيطة وحذر منها، نسأل الله العافية والسلامة.
كذلك مثلاً من الأعمال المحرمة التي تعد كفراً: التشريع بغير ما أنزل الله سبحانه وتعالى وتبديل الشريعة. كذلك بعض صور والاء لأعداء الأمة هي شكل من أشكال الكفر. فهذه الأعمال الظاهرة أعمال محرمة، ووردت نصوص شرعية خاصة بها تدل على أن من فعلها خرج من دائرة الإيمان.
وبالتالي خلاصة الكلام أحبتي أن الإنسان يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر بأحد ثلاثة أشياء. هذه خلاصة من كلامي: أن الإنسان يخرج من دائرة الإيمان ويصبح في دائرة الكفر والعياذ بالله بأحد ثلاثة أشياء. أما بترك جنس العمل الظاهر بالكلية، وهي الحالة التي ندرسها واهتمامي بها الآن. أنا اهتمامي ليس بالصورة الثانية والثالثة، أنا اهتمامي بالصورة الأولى؛ لأنها هي التي تتعلق بمبدأ التلازم بين الباطن والظاهر. الصورة الثانية والثالثة لا تتعلق بمبدأ التلازم بين الباطن والظاهر أساساً، لكنك ذكرتهما لتكتمل الصورة بهما.
فأقول: الإنسان يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر بأحد ثلاثة أشياء. الشيء الأول: ترك الأعمال الظاهرة بالكلية، فإن ترك الأعمال الظاهرة بالكلية كما قلنا دليل على انتفاء التصديق في الباطن، وبالتالي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، وهذا هو الأثر المهم الذي ينبني على قضية التلازم بين الباطن والظاهر.
ثانياً: الصورة الثانية التي يخرج بها الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، إذا ترك بعض الأعمال الظاهرة التي جاء الدليل الشرعي الخاص بها أنه من تركها فقد كفر. هذا أيضاً يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر.
الصورة الثالثة: إذا فعل فعلاً من الأفعال الرمى التي جاءت النصوص الشرعية الخاصة بها لتدل على أن من فعلها فقد كفر. فهذه الصور الثلاث تخرج الرجل من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر. والذي يهمني منها الآن الصورة الأولى، وهو ترك جنس العمل الظاهر يؤدي بصاحبه إلى الكفر وإلى الخروج من دائرة الإيمان. فلذلك قلت: والذي يهمنا بالبحث هنا هو النوع الأول؛ لأنه هو الذي يتعلق بشكل مباشر بقضية التوازن بين عمل الباطن وعمل الظاهر. فنقول: ترك جنس العمل الظاهر بالكلية يخرج من دائرة الإيمان.
فهنا سيأتي سؤال من أحد الطلبة ويقول: يا شيخ، ما صورة الآن بدنا ياك يا شيخ تصور لنا أكثر وأكثر، ما صورة خروج الإنسان من دائرة الإيمان بترك جنس العمل الظاهر؟ ما زالت القضية تحتاج إلى تفصيل أكثر وأكثر. فأقول: صورة هذه المسألة أحبتي، كيف أن الإنسان يخرج من دائرة الإيمان بتركه لجنس العمل الظاهر؟ أنت بينت لنا أن هذه متعلقة بقضية التلازم بين الباطن والظاهر، لكن بدنا مثال عملي يعني تطبيق حتى نطبق ونفهم من خلاله.
فنقول: صورة هذه المسألة أحبتي التي ندندن حولها، عندنا رجل، هذا الرجل شهد بلسانه أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، هذا هو أحدهم، وزعم أنه مصدق، زعم لنا أنه مصدق في قلبه، لكنه لم يأت بأي عمل من الأعمال الظاهرة التي أودعتها الشريعة الغراء عالماً بها مختاراً؛ فلم يصلي، ولم يزك، ولم يصم، ولم يحج. هذه الصورة التي نتكلم عنها.
بالتالي هناك عناصر أساسية في هذا الشخص: شخص ادعى أنه مصدق في باطنه، هذه النقطة الأولى. ثانياً: أتى بالشهادة بلسانه، نعم أتى بالشهادة بلسانه. ثالثاً: علم هذا الشخص بالوظائف المطلوب منه أن يقوم بها، لابد من أن يعلم ليه؟ لأنه في ناس أحبتي وهذا وقع في زمن النبي عليه الصلاة والسلام: رجل أسلم وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ومباشرة ذهب إلى المعركة وقاتل وقتل. يعني ما قام -يعني ما لحق يقوم بأعمال ظاهرة ممكن تحصل-. طب يا شيخ، ما هو الجهاد عمل، من الأعمال الظاهرة؟
طيب، نذهب إلى مثال آخر، يعني هذا قد ينقض المثال. نذهب إلى مثال آخر: رجل أحبتي قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ومات، ومات ولم يتعرف على شيء من الأعمال الظاهرة؛ لأن الوقت لم يسعفه لا ليتعرف على هذه الأعمال الظاهرة المطلوبة منه، وكذلك لم يسعفه ليقوم بها. فهذا الشخص ليس هو موضوع المسألة، هذا الشخص ليس هو موضوع المسألة، فلا يأتي أحد يقول: طب يا شيخ، هذا الشخص جنس العمل الظاهر ما أتى باي عمل من الأعمال الظاهرة، فقط اتشهد ومات، فهل هو كافر؟ نقول: لا بالتأكيد، هذا مؤمن.
طيب، إذاً كيف صورة المسألة يا شيخ؟ نقول: بدها انتباه، هي هذه القضية أحبتي تحتاج انتباه منكم حتى تفهموا طبيعتها وتفهموا المنطلق الذي انطلقت منه. عندنا رجل كما قلنا ادعى أنه مصدق بقلبه وتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وعاش فترة من الزمن وجاءه الشيوخ وعرفوه الوظائف الشرعية المطلوبة منه، وعرفوه بالصلاة والزكاة. الحمد لله ربنا أعطاه فرصة من العمر، تعرف على الصلاة وتعرف على الزكاة وتعلم ما هو الصيام وما هو الحج وما هي الأعمال المطلوبة منه، وهذا الرجل مختار مستطيع أن يؤدي هذه الأعمال الظاهرة، ما في شيء يمنعه من أن يقوم بها، ومع ذلك أصر على ترك كل هذه الأعمال وألا يأتي بشيء منها. هذا الشخص هو الذي نقول عنه إنه ترك جنس العمل الظاهر بالكلية ولم يأت به.
هذا الشخص، وأما شخص أسلم للتو ثم مات وفاضت روحه لله، هذا لم يأخذ فرصة من الوقت ليتتعلم الأعمال الظاهرة ويتعرف عليها وليقوم بها ويخرجها إلى الواقع الخارجي، بالتالي هو غير مطالب أمام الله سبحانه وتعالى بالأعمال الظاهرة؛ لأنه لم يأخذ فرصة ليقوم بها. لكن من الذي سيسأل ويحاسب ويخرج من دائرة الإيمان إذا فرط في الأعمال الظاهرة بأسرها؟ الذي منح فرصة وتعرف على الأعمال الظاهرة ومنحه الله استطاعة ليقوم بها وأعرض عنها جميعها. وهذا واقع، وأنا رأيت وعايشت كثير من هؤلاء الناس، يقول: يا شيخ التصديق في القلب، أنا ما بدي أصوم ولا أريد الصلاة ولا الزكاة ولا الحج ولا أريد أفعل أي فعل من هذه الأفعال، أريد أن أنساق لشهواتي لأهوائي، أريد أن أحيا كحياة الغرب، لكن الإيمان في القلب يا شيخ وخلص. هذا الفكر هو الفكر الذي يخرج صاحبه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر والعياذ بالله.
طيب، عرفتم إذاً صورة المسألة التي نتكلم عنها؟ ما هو ترك العمل الظاهر الذي يخرج صاحبه إلى دائرة الكفر؟ لأن هذه القيود الأربعة مهمة: أن يكون مدعياً التصديق بالقلب، أن يحقق الشهادة باللسان، أن يحصل على فرصة من الزمن ووقت يتعلم فيه الوظائف ويستطيع أن يقوم بها فهو ليس عاجزاً، ويصر على عدم القيام بهذه الوظائف ويتركها بالكلية. بهذه العناصر تكتمل لنا صورة هذا الرجل الذي سنخرجه من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر لتركه جنس العمل الظاهر. وتركه لجنس العمل الظاهر هو الذي أعطانا الدليل على أن هذا الرجل يستحيل أن يكون مصدقاً في باطنه، لضرورة التلازم بين الباطن والظاهر التي أصلناها في بداية المحاضرة. إذاً فمن اجتمعت فيه هذه الضوابط فهو محل مسألتنا، وهو الذي يعتبر خارجاً من دائرة الإيمان، كما دلت على ذلك نصوص الشريعة وأقوال السلف الصالح.
طب يا شيخ، بدنا أقوال السلف الصالح تعزز الكلام الذي تؤصله، أنت تتكلم بكلام في الحقيقة خطير، قضية أن الرجل يخرج من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر إذا انتفى عنه العمل الظاهر بالكلية، هل هناك نصوص عن السلف الصالح تعزز قولك؟ بالتأكيد، لأنه لا يجوز لي ولا لأي أحد أن يتكلم في دين الله سبحانه وتعالى من دون وجود نور يستنير به من نصوص الكتاب والسنة ومن كلام السلف الصالح.
سأعطيكم ثلاثة نصوص: النص الأول للإمام الحميدي رحمة الله عليه، شيخ البخاري. ماذا يقول الحميدي؟ وركزوا، واضح لكنه يحتاج إلى التركيز. يقول الحميدي: أخبرت أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت فهو مؤمن. إلى أن بلغ الإمام الحميدي أن هناك أناساً يقولون إنه الشخص إذا صدق بالله وآمن أنه ربنا أوجب الصلاة والزكاة والصيام والحج، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك حتى مات، أن هذا الرجل مؤمن ما في أي مشكلة في قضية أنه مؤمن ولا يخرج من دائرة الإيمان بذلك.
فالحميدي ماذا علق على هذا القول؟ يقول الحميدي بعبارة واضحة حاسمة قاطعة في المسألة، يقول: هذا كفر بالله أو هذا الكفر بالله الصراح. يعني هذا القول الذي يقوله هؤلاء الأقوام وهذه العقيدة التي يعتقدونها هي كفر، يعني هذا القول بحد ذاته كفر، فما بالك فيمن هو واقع في هذا؟ ومن باب اولى سيكون كافراً. يعني الإمام الحميدي إيش يقول؟ يقول: الذي يقول إن من آمن بالله في قلبه وأقر بالوظائف الشرعية وصدق بها، لكنه لم يأت بها في حياته أبداً مع استطاعته، فهو مؤمن. الذي يقول هذا القول، نقول: هذا القول كفر وهذه العقيدة كفرية، فما بالكم في الشخص نفسه الذي وقع في هذا الأمر؟ الشخص الذي يزعم ويزعم أنه صدق بالله وأقر بأن هناك وظائف شرعية -يعني هو ليس جاحداً للوظائف الشرعية، هو معرض عن العمل بها، يعني يقول: ربنا أوجب صلاة وزكاة وصيام وحج، لكن أنا ما بدي أعمل فيها- فالإمام الحميدي يقول: إنه كافر من باب أولى.
طيب، نص آخر: الإمام أحمد بن حنبل. بلغ الإمام أحمد بن حنبل نفس العقيدة التي بلغت الإمام الحميدي، يعني بلغ الإمام أحمد بن حنبل أن قوماً يقولون: إن من أقر بالصلاة والزكاة والصيام والحج ولم يفعل من ذلك شيئاً حتى يموت فهذا مؤمن لا يخرج من دائرة الإيمان. فماذا قال أحمد بن حنبل على نفس هذه المقولة معلقاً عليها؟ انظروا ماذا قال، كلمة كبيرة، يقول أحمد: من قال هذا فقد كفر بالله. الذي يقول هذه العقيدة كفر بالله. ترى الموضوع خطير أحبتي، والله موضوع جن ونار، موضوع سعادة وشقاء، نحن لا نتكلم في مسائل هينة، مسائل ثقيلة الميزان عند الله سبحانه وتعالى.
فأحمد إذاً يوافق الحميدي على نفس المنهج، أنه لا يوجد عندنا في الشريعة شخص يقول: والله أنا مصدق ومقر بالله وبكتاب الله ومقر أنه في صلاة وصيام، لكنني أنا لا أريد أعمل شيئاً من هذه الوظائف. هذا لا يوجد عندنا داخل مصطلح مؤمن، داخل مفهوم مؤمن، هذا يوجد فيه خارج دائرة الإيمان.
سفيان الثوري رحمة الله عليه ولا أحد يجهل هذا الإمام الكبير. سفيان الثوري يؤصل كلاماً بالنسبة لكلام واضح وتفصيل ومهم جداً، وريح الإنسان ويعطيه الخلاصة والزبدة. اسمعوا ماذا يقول سفيان الثوري.
يقول سفيان الثوري: يقولون أي المرجئة، والمرجئة الآن يذم عقيدة المرجئة. يقولون الإيمان قول فقط، يعني المرجئة تقول الإيمان -طبعا المرجئة على أصناف كما ستأتي- صنف منهم يقول: الإيمان هو خلاص أن تصدق بقلبك وتتشهد أن لا إله إلا الله بلسانك، وانتهى الأمر حتى ولو لم تأتي بأي عمل في الظاهر، ولو لم تأتي بأي عمل في الظاهر.
فسفيان الثوري يقول: يقول المرجئة الإيمان قول، ونحن نقول أي أهل السنة والجماعة الإيمان قول وعمل، ليس الإيمان مجرد قول. انظر كلام السلف واضح أحبتي، تقريرات واضحة، لكن العبرة أن يأتسي الإنسان بهم.
ونحن نقول: الإيمان قول وعمل. ثم يقول سفيان الثوري: والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله وهو مصر في قلبه على ترك الفرائض. أعيد كلام سفيان لأنه مهم.
والمرجئة أوجبوا الجنة. قال المرجئة: إنه يدخل الجنة من قال أو شهد أن لا إله إلا الله وهو مصر في قلبه على ترك الفرائض، وسموا ترك الفرائض -والمرجئة هذا ما زال كلام سفيان- وسموا ترك الفرائض ذنباً، وجعلوا ترك الفرائض بالكلية ذنباً من الذنوب والمعاصي بمنزلة ركوب المحارم.
يعني سفيان الثوري يعطي ماذا؟ أكبر غلط، أو من الأغلاط الخطيرة التي وقع فيها المرجئة أنهم جعلوا ترك الفرائض بالكلية مساوياً لارتكاب المحرمات. فماذا يعلق سفيان ويقول؟ وليسوا سواء.
ترك الفرائض بالكلية لا يساوي ارتكاب المحرمات والانغماس فيها. لماذا قال: وليسوا سواء؟ لأن ركوب المحارم، أي ارتكاب المحرمات من غير استحلال لها -لانه إذا استحل الإنسان الزنا هذا كفر وهذا متفق عليه عند أهل السنة، لكن الكلام في غير حالة الاستحلال- لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وأما ترك الفرائض -مهم جداً هذه ركزوا فيها- وأما ترك الفرائض من غير جهل بها، يعني شخص ترك الفرائض وهو ليس جاهلاً بها، عالم بها، من غير جهل ولا عذر فهو كفر.
هذا النص واضح أحبتي جداً وسأعيده سردًا حتى تكتمل صورة منهج السلف الصالح. الإامام سفيان الثوري من الرعيل الأول، لا أحد ينكر أنه من كبار علماء السلف الصالح.
يقول سفيان الثوري: يقول المرجئة الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله وهو مصر في قلبه على ترك الفرائض، وسموا -أي المرجئة- ترك الفرائض ذنباً بمنزلة ركوب المحارم، وليسوا سواء؛ لأن ركوب المحارم من دون استحلال أو من غير استحلال معصية هو مجرد معصية في النهاية، حتى ولو كان كبيرة لكنها معصية، وأما ترك الفرائض -أي بالكلية من غير جهل ولا عذر- فهو كفر.
إذاً، واضح جداً تفريق السلف الصالح بين من يرتكب المحرمات ومن يترك الفرائض بالكلية. ترك الفرائض بالكلية كفر أحبتي، ولو زعم أنه مصدق في باطنه، ولو شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله بلسانه.
لكن لماذا يا شيخ؟ للقضية التي يوصلها من بداية المحاضرة، وهي أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة حقيقة مركبة، تلازم بين الباطن والظاهر. يستحيل يستحيل وجود تصديق في الباطن مع انتفاء الأعمال الظاهرة بالكلية؛ هذا رجل يكذب، أحبتي يكذب، لما يقول لك: أنا مصدق في باطني لكن لا أريد أعمال الأعمال الظاهرة بالكلية وأتركها مع علمي بها وقدرتي على الاتيان بها -فهذه الشروط كلياتها موجودة- فهذا يستحيل أن يكون مصدقاً في باطنه البتة. هكذا أراد الله دينه.
النص الرابع عندي أيضا لابن تيمية نقلته هنا، يقول ابن تيمية: من الممتنع، من الممتنع أن يكون الرجل مؤمناً إيماناً ثابتاً في قلبه بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة والصيام والحج ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته؛ هذا ممتنع أحبتي، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة. مش ممكن يكون إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح.
إذاً، هذا أيضا نص واضح أن لو الإنسان قال: أنا مصدق بالله ومصدق بالصلاة والزكاة والصيام والحج لكني ساحيا حياتي من دون أن أسجد لله سجدة، من دون أن أزكي لله زكاة، من دون أن أصوم لله رمضان، فهذا لا يمكن أن يكون مؤمناً. إذاً، هذه هي نصوص السلف الصالح التي أؤكد على هذه الفكرة، وهي أن ترك العمل الظاهر بالكلية دليل على انتفاء الإيمان الباطن، ويخرج الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر، كما قال لكم أحمد والحميدي وسفيان الثوري وابن تيمية. المتأخر إنما هو ناقل لكلام هؤلاء ومعزٍ له، ولم يأت بشيء من بنات أفكاره.
السؤال هنا الذي سيرد على أذهان بعض الطلبة هو: يا شيخ، ما ضابط جنس العمل الظاهر؟ اضبط لنا ماذا تعني بترك الأعمال الظاهرة؟ ما هو ضابط جنس العمل الظاهر الذي يعد تركه انتفاء للباطن وخروجاً من دائرة الإيمان؟
يعني يا شيخ بعبارة أوضح، يا شيخ بدنا السؤال: هل إذا ترك الإنسان الواجبات كلها لكنه فعل شيئا من المندوبات المستحبات، هل يكون أو هل يسمى هذا الشخص تاركاً لجنس العمل الظاهر بالكلية؟ أم لا يسمى الرجل تاركاً لجنس العمل الظاهر بالكلية حتى يترك الواجبات والمستحبات؟
هذا هو السؤال: ما هو ضابط جنس العمل الظاهر؟ وعبارتي أعيُدها مرة أخرى: متى نقول إن هذا الشخص ترك جنس العمل الظاهر بالكلية؟ هل إذا ترك الواجبات والمستحبات، أم إذا ترك الواجبات فقط حتى ولو أتى بالمستحبات؟
ما هو الفرق بينهما أحبتي؟ إذا قلنا إن ترك العمل الظاهر بالكلية نقصد به أن يترك الواجبات والمستحبات، بالتالي إذا الرجل ترك الواجبات وأتى بالمستحبات لا يعتبر تاركاً لجنس العمل الظاهر بالكلية، بل يعتبر أتى ببعضه وهو المستحبات وترك بعضه وهو الواجبات. أما إذا جعلنا ضابط العمل الظاهر أو جنس العمل الظاهر أنه خاص بالواجبات فقط ولا تدخل فيه المستحبات، بالتالي إذا ترك الرجل الواجب كله ولم يأت بشيء منها، فترك الصلوات الخمس والزكاة وصيام رمضان والحج، لكنه أتى بشيء من المستحبات، فهذا رجل لا يعتبر أتى بشيء من الأعمال الظاهرة، بل يصدق عليه أنه تارك لجنس العمل الظاهر بالكلية. فأيهما المقصود لديك؟
نقول مستعينين بالله: ظاهر كلام السلف الصالح يدل على أن المراد بجنس العمل الذي يعد تركه بالكلية خروجاً من دائرة الإيمان هو الواجبات والفرائض فقط. هذا ظاهر كلام السلف، وهو ظاهر كلام سفيان الثوري، وظاهر كلام ابن تيمية رحمة الله تعالى عليه.
ظاهر كلام السلف الصالح ما هو؟ أن عندما نقول ترك جنس العمل الظاهر بالكلية يخرج من دائرة الإيمان ويوقع صاحبه في الكفر، ما المقصود بترك جنس العمل الظاهر بالكلية؟ ما هو جنس العمل الظاهر بالكلية؟ هل هو يشمل الواجبات والمندوبات أم يختص بالواجبات فقط؟
الذي يظهر من كلام السلف الصالح أنه يختص بالواجبات فقط، فلو أتى بالمندوبات مع إصراره على ترك الواجبات بالكلية فإنه يعتبر تاركاً لجنس العمل ويعتبر كافراً. بناءً على هذا القول، وهو ظاهر كلام السلف رحمة الله تعالى عليهم.
فنقول إذاً: ظاهر كلام السلف الصالح يدل على أن المراد بجنس العمل الذي يعد تركه بالكلية خروجاً من دائرة الإيمان هو الواجب والفرائض. فمن ترك الواجبات والفرائض كلها فلم يأت بشيء منها، لم يأت بجنس العمل، حتى ولو قام ببعض المندوبات؛ خلاص أنت تركت كل الفرائض، أنت لم تأت بجنس العمل فأنت كافر حتى ولو أتيْت ببعض المندوبات.
يعني سامحوني أحياناً بعض العبارات صريحة، لكن هذه الصراحة حتى أحسم المسألة في أذهانكم ولا تبقى العبارات تذهب وتأتي. ومن هنا يقول ابن تيمية -حتى أؤكد أن هذا هو فعلاً ظاهر كلام السلف أن العمل الظاهر الذي يعد تركه بالكلية كفراً هو الواجبات ولا يدخل فيه المندوبات-: يقول ابن تيمية: تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وانه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه أو مؤمناً بقلبه ولسانه ولم يؤدي واجبا ظاهراً -لاحظوا قيدها بالواجب- ولم يؤدي واجبا ظاهراً لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدر أنه يؤدي الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها، مثل أن يؤدي الأمانة ويصدق في الحديث أو يعدل في قسمته بين الناس أو في حكمه، من غير إيمان بالله ورسوله لم يخرج بذلك من دائرة الكفر، فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور -اللي هو وجوب الصدق في الكلام وأنه تكون إنسان تعطي الفقراء والمساكين وتساعدهم- فإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء -ركزوا هنا- لا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله -ركزوا، لا يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله مع عدم شيء من الواجبات- فقيدها بالواجبات التي يختص بايجابها محمد صلى الله عليه وسلم. ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات -لاحظوا إذاً ابن تيمية واضح أنه يركز على قضية الواجبات هي المطلوبة- فمن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات فهذا مخطئ خطأ بيناً، وهذه هي بدعة الارجاء التي أعظم السلف الكلام في أهلها.
إذاً، بدعة الإرجاء كما يقول ابن تيمية هو أن تعتقد أن الشخص إذا صدق بقلبه كما زعم، وتشهد بلسانه ولم يأتِ بشيء من الواجبات أنه مؤمن؛ هذه هي بدعة الإرجاء. أهل السنة والجماعة يقولون: إذا صدق القلب ونطق اللسان لابد وأن تعمل الأركان ولو بشيء من الأعمال الواجبة، ولو بشيء من الأعمال الواجبة.
فإذاً العمل الظاهر المقصود به هنا الواجبات والفرائض وليس المندوبات. كلام ابن تيمية هذا أحبتي فيه عدة فوائد أيضا لابد ننتبه عليها؛ لأنه بها تكتمل الصورة.
الآن ابن تيمية ماذا قال؟ ندرك أن بعض العبارات ما فهمتموها من كلام ابن تيمية، الآن سأبين. نعم، يقول ابن تيمية -سريعاً أعيد الكلام ثم أتعلق على بعض الحقائق التي أشار إليها-: تبين -هذا كلام ابن تيمية- تبين أن الدين لابد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمناً بالله ورسوله بقلبه أو مؤمناً بقلبه ولسانه ولم يؤدي واجباً ظاهراً لا صلاة ولا زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من الواجبات. ولو قدر -يعني حتى لو كان يؤدي الواجبات لا لأجل أن الله أوجبها، لأن هناك أحبتي في أمور واجبة أيضاً في الشريعة وفرض، لكن في الحقيقة بعض الناس يمارسها ليس لأن الله أوجبها بل لأن المروءة تطلبها، هناك أعمال هذا ما سأبينه مرة أخرى، لكن هنا ركزوا معي ابن تيمية ماذا يريد أن يقول؟- هناك أعمال واجبة في الشريعة مثل أداء الأمانات والعدل بين الناس، أداء الأمانات والعدل بين الناس هو فرض، فلو أن شخص قام بأداء الأمانات إلى أهلها أو قام بالعدل بين الناس هل نقول هذا الرجل إذا أتى ببعض الأعمال الظاهرة الواجبة بالتالي أتى بشيء من العمل الظاهر فلا يخرج من دائرة الإيمان بتركه لباقي الأعمال كالصلاة والزكاة والصيام والحج؟
ابن تيمية هنا يفرق بين حالتي. يقول ابن تيمية: هناك بعض الأعمال أووجبتها الشريعة، لكن هناك أناس، بل من المشركين ومن أهل الكتاب، يقومون بها لأنهم يرونها من المروءات، من المرجلة كما يقولون، من طيب المعدن، وإن كانوا لا يعتقدون وجوبها في الشريعة الإلهية، أو حتى لو اعتقدوا وجوبها لا يفعلونها امتثالاً لله سبحانه. فلو أن عندنا شخص -يعني أنا أحب أضرب الأمثلة لتتضح الأمور بشكل واضح- عندنا شخص قال: أنا مصدق في باطني وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، طيب، الآن جاء وقت العمل، عرفناه بالوظائف والواجبات، عرفناه بكل الواجبات والفرائض، فلم يعمل بصلاة ولا زكاة ولا صيام، قال: ما بدي أعمل كل هذه الأعمال، لكن وجدنا هذا الشخص يؤدي الأمانة إلى أهلها، ويصدق في الحديث ولا يكذب، وإذا حكم بين الناس عدل، فهل نقول هذا الشخص صحيح ترك الصلاة والزكاة والصيام والحج هذه الواجبات، لكنه أتى بواجبات أخرى كالعدل بين الناس وصدق الحديث وأداء الأمانات إلى أهلها، بالتالي إذا هو لم يترك جنس العمل الظاهر بالكلية لأنه أدى بعض الواجبات؟
فابن تيمية يقول: لا، هنا بدنا نقف ونفصل. نقول لهذا الشخص: أنت أديت الأمانات وصدقت في الحديث وعدلت في الحكم، هل لأن هذه الواجبات أوجبها الله ففعلتها ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى؟ أم أنت فعلت هذه الواجبات الشرعية ليس لأن الله أوجبها بل لأن مروءتك ورجولتك تطلبها؟
إذا قال: والله صراحة أنا فعلت هذه الأعمال الظاهرة مرجلة ولأن المروءة تطلبها مني وليس لأن الله أوجبها، فنقول: إذاً هذا الشخص أيضاً ما زال لم يأت بجنس الأعمال الظاهرة وما زال تاركاً للأعمال الظاهرة بالكلية. ما أتى به من هذه الأعمال الواجبة لم يأت به من أجل الله، وليس لأن الله أوجبه بل لأنه كما نقول مرجلة ومروءة، بل هذه الأعمال كما قلنا حتى كثير من المشركين ومن اليهود والنصارى تجدونها مثلاً يعطون الفقراء ويتصدقون على المساكين، وتجدون بعضهم عنده أمانة وأعمال خيرة، لكن في النهاية هو لا يعملها لأن الله أوجبها، بل يعملها من ناحية إنسانية.
فإذاً ابن تيمية رحمة الله عليه يقول: هناك بعض الواجبات التي يفعلها بعض الناس للمروءة وللمرجلة أو للإنسانية فهذه...
إذا كان الشارع أوجبها، لكن الناس أو الشخص فعلها ليس لأن الله أوجبها، أيضا نقول: هذا الشخص ما زال لم يأت بجنس العمل الظاهر. طب متى إذا سيأتي بجنس العمل الظاهر؟ لو أنه قام بهذه الأعمال، أداء الأمانات وصدق الحديث، لأن الله أوجبها بهذه النظرة، نقول: هذا الرجل أتى بجنس العمل الظاهر، حتى يا شيخ لو ما فعل باقي الأعمال الواجبة الظاهرة الأخرى؟ نقول: نعم، حتى لو لم يفعلها إلا الصلاة إلا الصلاة.
الآن الصلاة أحبتي الآن ذكرت كثير، لأن الصلاة في أي موضع ذكرتها في المحاضرة هو مجرد مثال من الأعمال الظاهرة الواجبة، كما أن الصلاة لابد تأخذوها على جنب وتعاملوها معاملة خاصة، أن الصلاة بحد ذاتها عمل من الأعمال الظاهرة، فرد من أفراد الأعمال الظاهرة، ولا ورد دليل شرعي خاص من الشارع أن من تركها بالكلية فقد كفر، وبالتالي تستطيعون أن تضعوا موضوع الصلاة على جنب لأنه إشكالية خاصة به.
لكن بالنسبة مثلا خلينا نقول على رأي الجماهير الزكاة، الصيام، الحج، الآن لو شخص ترك الزكاة وحدها فإنه لا يكفر على رأي جماهير أهل العلم، لو ترك الصيام وحده لا يكفر على رأي جميع أهل العلم، فلو أن شخص ترك الزكاة مثلا، من ترك الصيام، ترك الحج، ترك هذه الأعمال الظاهرة، أدى الأمانات وصدق في الحديث وحكم بين بالعدل، فلما سألناه: لماذا فعلت هذه الواجبات؟ هل فعلتها من باب المروءة والرجولة؟ أم فعلتها ابتغاء مرضات الله؟ إن قال: فعلت هذه الواجبات ابتغاء مرضات الله، فنعتبره أتى بشيء من الأعمال الظاهرة، وبالتالي لا يعتبر تارك لجنس العمل بالكلية.
لكن لو قال: لا، أنا فعلتها مروءة، فنقول: إذا أنت ما زلت تارك لجنس العمل الظاهر بالكلية، فأنت لا تزكي ولا تصوم ولا تحج ولا تأتي بشيء من الواجبات، وهذه الواجبات التي قمت بها من صدق الحديث وأداء الأمانات لم تفعلها لوجه الله سبحانه، وبالتالي لا تعتبر منقادا للتصديق الباطني، هذه هي الفكرة، هو من عرف قضية التصديق الباطني وأثره على الظاهر ستنجلي عنده كل هذه المفاهيم التي أحاول أن أوصلها إلى أذهانكم، وأن أجلي لكم بعض تفاصيلها التي قد يتيه فيها العقل.
إذا، هذا النص من ابن تيمية يدل على عدة حقائق: أولا أن جنس العمل الذي يعد تركه خروجا من الدين، المراد بجنس العمل هو الواجبات والفرائض وليس المندوبات، وبالتالي لو كان الشخص يأتي بكل المندوبات ولكنه تارك لكل الواجبات فيعتبر كافرا، هذا ظاهر كلام السلف الصالح. ثانيا يدل كلام ابن تيمية أن قيام الإنسان ببعض الأعمال الخيرة التي يشترك الناس جميعا أم حتى اليهود والنصارى في القيام بها، كصدق الحديث وأداء الأمانات وإزالة الأذى عن الطريق وإطعام الجائع، لا تعد هذه الأعمال من جنس العمل الظاهر الذي من أتى به يعتبر مؤديا لجنس العمل، لأن هذه الأعمال يشترك الناس بمختلف أديانهم بالقيام بها، تالي قيام أي شخص بها بحد ذاته لا يدل على انقياد واستسلام منه للشرع إلا في صورة واحدة، وهو أنه إذا قال: أنا قمت بهذه الأعمال الظاهرة لأن الله أوجبها وابتغاء لمرضاته لا من أجل الإنسانية والمروءة.
فهنا كما هو ظاهر ابن تيمية يعتبر هذا الرجل قد جاء ببعض الأعمال الظاهرة الواجبة فلا يعتبر كافرا، لكنه بالتأكيد سيعتبر ناقص الإيمان أنه ترك قسما من الأعمال الواجبة وأتى بقسم، فهذا إذا هذا هو الضابط جنس العمل الظاهر أنه الواجبات والفرائض وليس المندوبات.
طيب الآن انتهينا من تأصيل طريقة أهل السنة والجماعة، وأنا أدرك أن هذا الأصل الثاني أصل خطير جدا، والعقول تحتاج إلى ضبطه، وعليكم أن تكرروا النظر فيه لتفهموه، الأصل الثاني باختصار العلاقة بين الباطن والظاهر علاقة تلازم، التلازم قلنا من جهة واحدة، ايش يعني من جهة واحدة؟ أن وجود التصديق في الباطن يلزم منه وجود العمل الظاهر، بالتالي انتفاء العمل الظاهر دليل على انتفاء التصديق في الباطن، تمام؟ بس الآن قيدت أنا في الأخير أنه ما معنى انتفاء العمل الظاهر، يعني انتفاء العمل الظاهر الواجب انتفاء العمل الظاهر بهذا القيد الواجب المفروض دليل على انتفاء العمل الباطن، انتفاء العمل هو ظاهر المفروض بالكلية دليل على انتفاء الباطن، وأما الجهة الأخرى وهو هل وجود العمل الظاهر دليل على تصديق الباطن؟ قلت هذا لا يظهر، بل قد يكون الإنسان قائما بالأعمال الظاهرة لكنه منافق في الباطن ومكذب في باطنه، فلا تلازم من هذه الجهة، وإنما التلازم من الجهة السابقة.
ثم انتقلنا لموضوع تفصيلي أكثر: كيف يخرج الرجل من دائرة الإيمان دائرة الكفر؟ قلنا: بترك جنس الأعمال الظاهرة بالكلية هذا واحد، اثنين: إذا ترك عملا ظاهرا محددا جاء النص الشرعي الخاص به أن من ترك هذا العمل بذاته بالكلية فقد كفر، ثالثا: إذا ارتكب فعلا محرما جاء النص الخاص أن هذا الفعل المحرم من ارتكبه فقد كفر، في هذه الأحوال الثلاث يخرج الرجل من دائرة الإيمان ويدخل في دائرة الكفر، والذي يهمنا كما قلنا منها الآن هو الحالة الأولى: ترك العمل الظاهر بالكلية.
ثم صورنا ما طريق ما هي صورة مسألة ترك العمل الظاهر بالكلية؟ التي يعتبر بها الإنسان خارجا من دائرة الإيمان وداخلا في دائرة الكفر، وهو أن الشخص يدعي أنه مصدق في قلبه ويشهد أن لا إله إلا الله ثم يأخذ فسحة من الوقت ليتعرف على الوظائف الشرعية ويعلمها، ويجد في نفسه قدرة على القيام بها، ومع ذلك لا يسجد لله سجدة ولا يؤدي زكاة ولا يؤدي شيئا من هذه الأعمال الواجبة أبدا في حياته، فهذا لا يمكن وممتنع أن يكون مصدقا في باطنه، فهو خارج عن دائرة الإيمان بالكلية وواقع في دائرة الكفر.
ونقلنا نص الحميدي ونص أحمد بن حنبل ونصفي أن الثوري ونص ابن تيمية، ثم ختمنا أن المراد بجنس العمل الظاهر الواجبات والفرائض وليس المندوبات، وهذا هو أقرب إلى كلام السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
طيب الآن أحبتي كم ذهب من الوقت؟ أنا كنت قد نويت أن أينهي باب الإيمان اليوم، لكن في المحاضرة القادمة بإذن الله سننهي الحديث عن الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة في باب الإيمان، أنطلق إلى باب آخر جديد من أبواب لمعة الاعتقاد.
في المحاضرة القادمة بإذن الله سنتكلم عن الوعيدية بنوعيها الخوارج والمعتزلة، ونتكلم عن المرجئة بأنواعهم، ولعل الكلام ينتهي في باب في مسائل الإيمان عند هذه عند المحاضرة القادمة بإذن الله، حتى لا نطيل أكثر من ذلك في هذه الدورة.
أنا أدرك أن الدورة فيها تفصيل، لكن أظن أن هذا التفصيل مهم أحبتي والله في زمن اختلطت فيه المفاهيم وتعقدت فيه الأمور، وكثر سواد المرجئة في زماننا، اي والله كثر سواد الإرجاء وظهر بأشكال مختلفة وألوان متعددة، حتى أن بعض الناس يلبس لباس أهل السنة ويزعم أنه مناصر للسلف الصالح ولا يتبع أهل الكلام ويذمهم وهو منغمس في الإرجاء من رأسه إلى أخمص قدميه، فقضية التعرف على طريقة أهل السنة والجماعة في باب الإيمان وما هو الإيمان كمفهوم وما معنى ارتباط الباطن والظاهر وما معنى زيادة الإيمان ونقصانه وما معنى تلازم الباطن مع الظاهر وما أثر ذلك على مسائل الكفر وما حتى يخرج الإنسان من دائرة الإيمان إلى دائرة الكفر وما هو ضابط جنس العمل الظاهر الذي يكون تاركه بالكلية كافرا، كل هذه المفاهيم أساسية في عقيدتك أيها المسلم، أساسية لتعرف طبيعة الزمن الصعب الذي نحيا فيه والله، لتعرف طبيعة الانحرافات الشائكة والمتاهات، ولتفرق بين القول الصحيح الذي سار عليه السلف الصالح والقول الذي فيه إفراط أو تفريط.
إن كثيرا من مرجئة الزمان، لأن كثيرا من مرجئة الزمان يجعلون هذا القول الذي نقرره في مسائل الإيمان، قول سفيان الثوري وأحمد والحميدي وقول ابن تيمية وغيره من سبقه ومن بعده، يجعلون هذا القول قولا للخوارج، يعني حتى تعرفوا خطورة هذا الأمر، لأن الفرق الإرجائية إذا أرادت أن تشوه مسألة عقائدية مخالفة لها مباشرة ترميها على الفكر الخارجي، وهذا كثير في زماننا، انظروا إلى أبواق الإرجاء أينما ظهروا، تحقيق مسائل الإيمان على طريقة أهل السنة والجماعة يشعرهم بالغيظ، ويصمون صاحبه بأنه على طريقة الخوارج، وهذا سمعناه كثيرا من الفرق المرجئة بمختلف أنواعها من يقرر عقيدة أهل السنة والجماعة عندهم.
أنا لماذا أقول هذا؟ لأن بعض الطلبة يقولون لي: يا شيخ، أنا ذهبت إلى الجامعة فكان هناك محاضر جامعي يتبنى الفكر الإرجائي، يعني هو محاضر أشعري المعتقد، والأشاعرة في باب الإيمان مرجئة كما سيأتي في المحاضرة القادمة بإذن الله، فهذا المحاضر الأشعري المعتقد يقول عن طريقة ابن تيمية التي تلقاها ابن تيمية عن من سبقه -يعني ليست إبداعا تيميا كما بينت لكم- يقول: إنها طريقة الخوارج في باب الإيمان، وهذا في الحقيقة قول شنيع، أن ترمي كلام السلف الصالح وما صار عليه الأئمة الأوائل بأنه طريقة الخوارج، هذه كلمة كبيرة عند الله سبحانه وتعالى.
أنا في الحقيقة يقشعر بدني حين عندما أسمع أن رجلا صبر العلم وقرأ كلام الأوائل وعاش معهم ممكن أن يخرج منه مثل هذه الكلمات، كيف ترمي عقيدة أحمد بن حنبل وعقيدة سفيان وعقيدة الحميدي ومن قبلهم ومن بعدهم؟ كيف ترميها بأنها عقيدة خوارج؟ وهذه العقيدة التي بها الله سبحانه وتعالى، يعني لن تكون أنت أيها المعاصر أفهم من أحمد بن حنبل بدلالة نصوص الكتاب والسنة، لن تكون على فهم مراد محمد صلى الله عليه وسلم من سفيان الثوري والحميدي، فكيف تتجرأ وتتفوه بكلمة كبيرة عند الله سبحانه وتعالى؟ والله إن بعض الناس ممن ينتسب إلى ساحة العلم يتكلم بكلمة لا يلقي لها بالا، وأخشى أن تهوي به في النار سبعين خريفا، أنت تصم عقيدة العلماء الأوائل عقيدة الصحابة العقيدة الإلهية، تصفها بأنها عقيدة الخوارج؟ ألا تتقي الله سبحانه وتعالى وتضع الأمور في موازينها وتحسب الكلمات قبل أن تخرج من فيك وتعود لتقرأ ماذا قال ذاك الجيل الصالح عن هذه المسائل لتفهم طبيعة هذا قبل أن تتجرأ على هذه المقامات العالية.
اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، ونلتقي في مجالس أخرى من مجالس غراس العلم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية طريقك نحو علم شرعي راسخ
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل